Indexed OCR Text

Pages 81-100

٨١
باب ٦ / ح ٣٦٨٠
كتاب فضائل الصحابة
قوله: ((فقلت: لمَن هذا؟ فقال)) في رواية الكُشْمِيهني: ((فقالوا)»، والظّاهر أنَّ المخاطَب
له بذلك جِبْريل أو غيرُه من الملائكة، وقد أفرَدَ هذه القصَّة في النكاح (٥٢٢٦) وفي التعبير
(٧٠٢٤) من وجهٍ آخَر عن ابن المنگَدِر.
قوله: ((فَذَكَرتُ غَيْرِتَك)) في الرِّواية التي في النِّكاح: ((فأردت أن أدخُلَه فلم يَمنَعْني إلّا
عِلمي بغَيرَتِك))، ووَقَعَ في رواية ابن عُيَينَةَ عن ابن المنكَدِر وعَمْرو بن دينار جميعاً عن جابر
في هذه القصّة الأخيرة: ((دَخَلت الجنَّة فرأيت فيها قصراً يُسمَع فيه ضَوضاء، فقلت: لمَن
هذا؟ فقيل: لِعُمَ))(١)، والضَّوضاءُ، بمُعجَمَتَين مفتوحَتَينِ بينهما واو وبالمدٍّ، ووَقَعَ في
حديث أبي هريرة (٣٦٨٠): ((أنَّ عمر بكى))، ويأتي في النكاح (٥٢٢٧) بلفظ: فبكى عمر،
وهو في المجلس.
وقوله: «بأبي وأُمّي» أي: أفديك بهما.
٤٥/٧
وقوله: ((أعليك أغارُ؟!)) معدودٌ / من القلب، والأصل: أعليها أغارٌ مِنك؟
قال ابن بَطّال: فيه الحُكم لكلِّ رجل بما يَعلَم من خُلُقه، قال: وبكاء عمر يحتمل أن
يكون سُروراً، ويحتمل أن يكون تَشَوُّقاً أو خُشوعاً. ووَقَعَ في رواية أبي بكر بن عيّاش عن
حُميدٍ من الزّيادة: فقال عمر: وهل رَفَعَني الله إلّ بك؟ وهل هَداني الله إلّا بك؟ رُوِّيناه في
((فوائد)) عبد العزيز الحَرْبي من هذا الوجه، وهي زيادة غريبة.
الحديث الثاني: حديثُ أبي هريرةَ في المعنى.
٣٦٨٠- حدَّثنا سعيدُ بنُ أبي مريمَ، أخبرنا اللَّيثُ، قال: حدَّثني عُقَيلٌ، عن ابنِ شِهابٍ،
قال: أخبرني سعيدُ بنُ المسيّبِ، أَنَّ أبا هريرةَ ﴾ قال: بَيْنا نحنُ عندَ رسولِ الله وَلِّ، إذ قال:
((بَيْنا أنا نائمٌ، رأيتُني في الجنَّةِ، فإذا امرأةٌ تَتوضَّأُ إلى جانبٍ قَصْرٍ، فقلتُ: لمَن هذا القَصْرُ؟
قالوا: لِعمرَ، فذكرتُ غَيْرَتَه، فوَلَّيْتُ مُدِراً) فبكى عمرُ وقال: أعليكَ أَغارُ يا رسولَ الله؟
(١) أخرجه أحمد (١٤٣٢١)، ومسلم (٢٣٩٤)، والنسائي في ((الكبرى)) (٨١٢٥)، وأبو يعلى (٢٠١٤).
ولفظة الضوضاء عند أبي يعلى.

٨٢
باب ٦ / ح ٣٦٨٠
فتح الباري بشرح البخاري
ذكره مُقْتَصَراً على قصَّة رُؤيا المرأة إلى جانب القَصْر، وزاد فيه: ((قالوا: لِعمرَ، فذكرتُ غَيْرتَه
فوَلَّيت مُدبِراً))، وفيه ما كان عليه النبي ◌َّ من مراعاة الصُّحبة، وفيه فضيلة ظاهرة لِعمر.
وقوله فيه: ((تتوضَّأ)) يحتمل أن يكون على ظاهره، ولا يُنكَر كَونها تتوضَّأ حقيقة، لأنَّ
الرُّؤيا وَقَعَت في زمن التكليف، والجنَّة، وإن كان لا تكليف فيها، فذاكَ في زمن الاستقرار
بل ظاهر قوله: ((تتوضَّأ إلى جانب قصر)) أنَّها تتوضَّأ خارجةً منه، أو هو على غير الحقيقة.
ورُؤيا المنام لا تُحمَل دائماً على الحقيقة بل تحتَمِل التأويل، فيكون معنى كونها تتوضَّأ: أنَّها
تحافظ في الدُّنيا على العبادة، أو المراد بقوله: ((تتوضَّأ)) أي: تستعمل الماء لأجلِ الوَضاءَة
على مَدْلوله اللُّغَوي وفيه بُعدٌ.
وأغرَبَ ابن قُتَيبة وتَبِعَه الخطَّابِي، فَعَمَ أنَّ قوله: ((تتوضَّأ)» تصحيفٌ وتغييرٌ من الناسخ،
وإنَّما الصواب: ((امرأة شَوهاء))، ولم يَستَنِدِ في هذه الدَّعوى إلّا إلى استبعاد أن يقع في الجنَّةَ
وُضوء، لأَنَّه لا عملَ فيها، وعَدَم الاطّلاع على المراد من الخَبَرَ لا يقتضي تغليط الحُفّاظ.
ثمَّ أَخَذَ الخطَّبي في نقل كلام أهل اللُّغة في تفسير الشَّوهاء، فقيل: هي الحَسناء، ونَقَّلَه
عن أبي عُبيدة، وإنَّما تكون حَسناءَ إذا وصَفتَ بها الفَرَس، قال الجَوْهري: فَرَس شَوهاء
صِفة محمودة، والشَّوهاء: الواسعة الفَم، وهو مُستَحسَنٌّ في الخيل، والشَّوهاء من النِّساء:
القبيحة كما جَزَمَ به ابن الأعرابي وغیرُه.
وقد تَعقَّبَ القُرطُبيُّ كلام الخطَّبي لكن نَسَبَه إلى ابن قُتَيبة فقط فقال(١): قال ابن قُتَيبة
بَدَل (تتوضَّأ)»: شَوْهاء، ثمَّ نَقَلَ أنَّ الشَّوهاء تُطلَق على القبيحة والحَسناء.
قال القُرطُبي: والوضوء هنا لِطلبٍ زيادة الحُسن لا للنَّظافة، لأنَّ الجنَّة مُنَزَّهَةٌ عن
الأوساخ والأقذار، وقد تَرجَمَ عليه البخاري في كتاب التعبير (٧٠٢٥): ((باب الوضوء في
المنام)) فبَطَلَ ما تَخَيَّلَه الخطَّابي.
وفي الحديث: فضيلة الرُّميصاء وأنَّها كانت مُواظِية على العبادة، كذا نَقَلَه ابن التِّين عن
(١) قوله: ((فقال)) سقط من (ع) و(س).
مے

٨٣
باب ٦ / ح ٣٦٨١
كتاب فضائل الصحابة
غيره، وفيه نظرٌ.
الحديث الثالث:
٣٦٨١- حدَّثْني محمَّدُ بنُ الصَّلْتِ أبو جعفرِ الكوفيُّ، حدَّثنا ابنُ المبارَكِ، عن يونُسَ، عن
الزُّهْريِّ، قال: أخبرني حمزةُ، عن أبيه، أنَّ رسولَ الله ◌َ ◌ّه قال: ((بَيْنا أنا نائمٌ شَرِبتُ - يعني
اللَّبَنَ - حتَّى أَنْظُرَ إلى الرِّيِّ يَجري في ظُفُري - أو في أَظفاري - ثمَّ ناوَلتُ عمرَ)) قالوا: فما أوَّلْنَه
يا رسولَ الله؟ قال: ((العِلْمَ)».
قوله: (حدَّثنا محمّد بن الصَّلْت، أبو جعفر» هو الأُسیدي، وليس له في البخاري سوى
هذا الحدیث، وله شیخ آخر يقال له محمّد بن الصَّلْت، يُكْنی أبا يَعْلى وهو بصري، وأبو
جعفر أكبرُ من أبي يَعْلِى وأقدَمُ سماعاً.
قوله: (شَرِبت، يعني: اللَّبَن)) كذا أورَدَه مختصراً، وسيأتي في التعبير (٧٠٠٦) عن عَبْدان
عن ابن المبارك بلفظ: ((بَيْنا أنا نائم أُتيت بقَدَحِ لَبَنٍ فَشَرِبت منه)) أي: من ذلك اللَّبَن.
قوله: ((حتَّى أنظُرَ إلى الرِّيِّ)) في رواية عَبْدان: ((حَتَّى أنّي))، ويجوز فتح همزة ((أنّ)) وكسرها،
ورُؤية الرِّي على سبيل الاستعارة، كأنَّه لمَّا جَعَلَ الرِّيَّ جِسماً أضافَ إليه ما هو من خَواصّ
الجسم، وهو كَونه مَرئياً، وأمَّا قوله: ((أنظُر)) فإنَّما أتى به بصيغة المضارعة والأصل أنَّه
ماضٍ استحضاراً لِصورة الحال، وقوله: ((أنظُر)) يُؤيِّد أنَّ قوله: ((أَرى)) في الرِّواية التي في
العِلْم(١) من رُؤية البَصَر لا من العِلم، والرِّي بكسر الراء ويجوز فتحها.
قوله: «بجري» أي: اللَّبَن أو الرِّيُّ وهو حال.
قوله: ((في ظُفُري أو أظفاري)) شَكٍّ من الراوي، وفي رواية عَبْدان: ((من أظفاري)) ولم
يَشُكّ، وكذا في رواية عُقيل في العلم (٨٢) لكن قال: ((في أظفاري)).
قوله: (ثُمَّ ناوَلتُ عمَ)) في روايةٍ عَبْدان: ((ثمَّ ناوَلتُ فَضْلي)) يعني: عمر، وفي رواية
عُقيل في العلم: ((ثمَّ أعطَيتُ فضلي عمرَ بن الخطّاب)).
(١) برقم (٨٢) بلفظ: ((حتى إنِّي لأَرى الرِّيَّ ... )» إلخ.

٨٤
باب ٦ / ح ٣٦٨٢
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((قالوا: فما أوَّلَتَه؟)) أي: عَبَّرتَه ((قال: العِلْمَ)) بالنَّصبِ، أي: أوَّلتُه العلمَ، وبالرَّفع،
٤٦/٧ أي: المؤَوَّل به هو العلم، ووَقَعَ في ((جزء الحَسَنِ(١) بن عَرَفة)) من وجه آخر عن / ابن عمر:
((قال: فقالوا: هذا العلم الذي آتَاكَه الله، حتَّى إذا امتَلَأت فضَلَت منه فَضْلٌ، فأخَذَها
عمرُ، قال: أصَبْتُم)) وإسناده ضعيف، فإن كان محفوظاً احتَمَلَ أن يكون بعضُهم أوَّلَ
وبعضُهم سأل، ووجهُ التَّعبير بذلك من جِهَة اشتَراك اللَّبَن والعلم في كَثْرة النَّفع، وكونهما
سبباً للصلاح، فاللَّبَنُ للغِذاء البَدَني، والعلمُ للغِذاء المعنويِّ.
وفي الحديث: فضيلة عمر، وأنَّ الرُّؤيا من شأنها أن لا تُحمَل على ظاهرها وإن كانت
رُؤيا الأنبياء من الوحي، لكن منها ما يَحتاج إلى تَعبير، ومنها ما يُحمَل على ظاهره، وسيأتي
تقرير ذلك في كتاب التعبير (٧٠٠٦) إن شاء الله تعالى.
والمراد بالعلم هنا: العلم بسياسة الناس بكتاب الله وسُنَّة رسول الله وَّةِ، واختُصَّ
عمر بذلك لطولٍ مُدَّته بالنِّسبة إلى أبي بكر، وباتّفاق الناس على طاعته بالنّسبة إلى عثمان، فإنَّ
مُدَّة أبي بكر كانت قصيرةً، فلم يَكثُر فيها الفُتوح التي هي أعظم الأسباب في الاختلاف، ومع
ذلك فساسَ عمرُ فيها - مع طول مُدَّته - الناسَ بحيثُ لم يُخالفْه أحد، ثمَّ ازدادت اتِّساعاً في
خلافة عثمانَ، فانتَشَرَت الأقوال واختَلَفَت الآراء ولم يَتَّفِقِ له ما اتَّفْقَ لِعمر من طَواعية الخَلق
له، فَشَأْت من ثَمَّ الفتن، إلى أن أفضى الأمر إلى قَتْله، واستُخلِفَ عليٌّ، فما ازداد الأمرُ إلّا
اختلافاً، والفتنُ إلَّا انتشاراً.
الحديث الرابع: حديث ابن عمر في رؤية النَّزْع من البئر.
٣٦٨٢- حدَّثنا محمَّدُ بنُ عبدِ الله بنِ نُمَير، حدَّثنا محمَّدُ بنُ بِشْر، حدَّثْنَا عُبِيدُ الله، قال:
حدَّثني أبو بكرِ بنُ سالمٍ، عن سالمٍ، عن عبدِ الله بنِ عمرَ رضي الله عنهما، أنَّ النبيَّ وَِّ قال:
(أُريتُ في المنامِ أَنَّ أَنزِعُ بدَلْوِ بَكَرةٍ على قَليبٍ، فجاءَ أبو بكرٍ فَزَعَ ذَنُوباً أو ذَنوبَينِ نَزْعاً ضَعيفً،
(١) تحرف في (س) إلى: الحسين؛ وهو الحسن بن عرفة بن يزيد، أبو علي العبدي البغدادي، إمام محدِّث،
حدَّث عنه الترمذي وابن ماجه وأبو يعلى وغيرهم، توفي سنة سبع وخمسين ومئتين. انظر ((سير أعلام
النبلاء)) ٥٤٨/١١-٥٥٢.

٨٥
باب ٦ / ح ٣٦٨٢
كتاب فضائل الصحابة
والله يَغْفِرُ له، ثمَّ جاء عمرُ بنُ الخطَّب، فاستَحَالَت غَرْباً، فلم أرَ عَبقَريّاً يَفْرِي فَرِيَّه، حتَّى رَوِيَ
الناسُ وضَرَبوا بعَطَنٍ)).
قال ابنُ جُبَيرٍ: العَبقَريُّ: عِتاقُ الزَّرَابِّ.
وقال يحيى: الزَّرَابُّ: الطَّنَافسُ لها خَمْلٌ رَقيقٌ.
﴿ مَبْتُوثَةُ﴾ [الطارق: ١٦]: كثيرةٌ.
وقد تقدم قريباً في مناقب أبي بكر (٣٦٧٦).
قوله: ((حدَّثْنَا عُبيد الله)) هو ابن عمر العُمَري.
قوله: ((حدَّثني أبو بكر بن سالم)) أي: ابن عبد الله بن عمر، وهو من أقران الراوي عنه،
وهما مَدَنّان من صِغار التابعين، وأمَّا أبوه سالم، فمعدودٌ من كبارهم، وهو أحد الفقهاء
السَّبعة، وليس لأبي بكر بن سالم في البخاري غير هذا الموضع، ووثّقه العِجلي، ولا يُعرَف
له راوٍ إلّا عُبيد الله بن عمر المذكور، وإنَّما أخرج ه البخاري في المتابعات. وقد مضى الحديث
من طريق الزُّهْري(١) عن سالم.
قوله: (بدَلْوِ بَكَرة)) بفتح الموخَّدة والكاف على المشهور، وحَكَى بعضهم تَئليث أوَّله،
ويجوز إسكانها على أنَّ المراد نسبة الدَّلو إلى الأُنثى من الإبل وهي الشّابّة، أي: الدَّلو التي
يُسقى بها، وأمَّا بالتحريكِ فالمراد: الخشبة المستديرة التي يُعلَّق فيها الدَّلو.
قوله: ((قال ابن جُبَير: العَبقَريُّ: عِتاق الزَّرَابِي)) وَصَلَه عبد بن حُميدٍ من طريقه، وكذا
رُوِّيناه في (صِفة الجنَّة)) لأبي نُعَيم (٤١٣) من طريق أبي بشر عن سعيد بن جُبَير قال في قوله
تعالى: ﴿ مُتَّكِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيّ حِسَانٍ﴾ [الرحمن: ٧٦]، قال: الرَّفَرَف: رياض الجنَّة،
والعَبقَري: الَّرابِي. ووَقَعَ في رواية الأَصِيلي وكَرِيمة وبعض النُّسَخ عن أبي ذرِّ هنا: ((قال
ابن نُمير))، وقيل: المراد محمد بن عبد الله بن نُمير شيخ المصنِّف فيه، ويأتي بَسطُ القول في
كتاب التعبير (٧٠١٩).
(١) كذا قال، والذي مضى (٣٦٣٣) إنما هو من طريق موسى بن عقبة عن سالم.

٨٦
باب ٦ / ح ٣٦٨٣
فتح الباري بشرح البخاري
والمراد بالعِتاق: الحِسان، والَّرابي جمع زَرْبية: وهي البِساط العَريض الفاخر، قال في
((المشارق)): العَبقَريُّ: النافذ الماضي الذي لا شيء يَفُوقه، قال أبو عمر: وعَبَقَريُّ القوم:
سَيِّدُهم وقَيِّمُهم وكبيرُهم، وقال الفَرّاء: العَبقَري: السَّيِّد، والفاخر من الحيوان والجَوهَر
والبِساط المنقوش، وقيل: هو منسوب إلى عَبقَر: موضع بالبادية، وقيل: قرية يُعمَل فيها
الثّياب البالغة في الحُسن والبُسُط، وقيل: نِسبة إلى أرض تَسكُنها الجِنّ، تَضرِب بها العرب
المثَل في كلّ شيء عظيم، قاله أبو عبيدة، قال ابن الأثير: فصاروا كلَّما رأوا شيئاً غريباً ممّاً
يَصعُب عمله ويَدُقّ أو شيئاً عظيماً في نفسه نَسَبوه إليها فقالوا: عَبقَري، ثمَّ اتُّسِعَ فيه حتَّى
سُمّيَ به السَّيِّد الکبیر.
ثُمَّ اسْتَطَرَدَ المصنِّف كعادَتِه فذكر معنى صِفة الَّرابي الواردة في القرآن في قوله تعالى:
﴿وَزَرَبِىُّ مَبْنُوثَةٌ﴾ [الغاشية: ١٦].
قوله: ((وقال يحيى)) هو ابن زياد الفَرّاء، ذكر ذلك في كتاب ((مَعاني القرآن)» له، وظَنَّ
الكِرْماني أنَّه يحيى بن سعيد القَطّنُ فجَزَمَ بذلك، واستَنَدَ إلى كون الحديث وَرَدَ من روايته
كما تقدَّم (٣٦٧٥) في مناقب أبي بكر.
قوله: ((الطَّنافس)) هي جمع طِنْفِسة: وهي البِساط.
قوله: ((لها خَمَل)) بفتح المعجَمة والميم بعدها لام، أي: أهداب، وقوله: / ((رَقيق)) أي:
غير غليظة.
٤٧/٧
قوله: ﴿مَنُونَهُ﴾: کثیرةٌ، هو بقیة کلام یحیی بن زیاد المذكور.
الحديث الخامس:
٣٦٨٣- حدَّثنا عليٌّ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثني أَبي، عن صالح، عن
ابنِ شِهابٍ، أخبرني عبدُ الحميدِ، أَنَّ محمَّدَ بنَ سعدِ أخبَرَه، أنَّ أباه قال (ح) حدّثنا عبدُ العزيزِ بنُ
عبدِ الله، حدَّثنا إبراهيمُ بنُ سعدٍ، عن صالحٍ، عن ابنِ شِهابٍ، عن عبدِ الحميدِ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ
زيدٍ، عن محمَّدِ بنِ سعدِ بنِ أبي وَقّاصٍ، عن أبيه، قال: اسْتَأْذَنَ عمرُ بنُ الخطَّب على رسولِ الله ◌ِّ﴾

٨٧
باب ٦ / ح ٣٦٨٣
كتاب فضائل الصحابة
وعِندَه نِسوةٌ من قُرَيشِ يُكلِّمنَه ويَستَكثِرِنَه، عاليةٌ أصواتُهُنَّ على صوتِهِ، فلمَّا استَأذَنَ عمرُ بنُ
الخطَّب قُمْنَ، فباتَرْنَ الحِجَابَ، فَأَذِنَ له رسولُ اللهِوَّةِ، فَدَخَلَ عمرُ ورسولُ اللهِوَلِ يَضْحَكُ،
فقال عمرُ: أضحَكَ اللهُ سِنَّكَ يا رسولَ الله! فقال النبيُّ ◌َّ: «عَجِبتُ من هؤلاء اللّاتِي كُنَّ عندي،
فلمَّا سَمِعِنَ صوتَكَ ابْتَدَرنَ الِحِجابَ)) فقال عمرُ: فَأَنْتَ أحقُّ أن يَهَنَ يا رسولَ الله، ثمّ قال عمرُ:
يا عَدُوّاتِ أَنْفُسِهِنَّ! أَنْهَبَي ولا تَبْنَ رسولَ الله ◌َّ؟ فقُلنَ: نعم، أنتَ أَقَظُّ وأغلَظُ من رسولِ الله
﴿، فقال رسولُ الله ◌َّهِ: ((إيهاً يا ابنَ الخطَّب، والذي نَفْسِي بَدِه! ما لَقِيَكَ الشَّيطانُ سالكاً
فَجَأَ قَطُّ، إلا سَلَكَ فَجّاً غيرَ فَجِّكَ)).
قوله: ((عن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد)) أي: ابن الخطّاب، وفي الإسناد أربعة
من التابعين على نَسَقٍ قَرِينان، وهما صالح: وهو ابن كَيْسان، وابن شِهاب، وقَريبانِ: وهما
عبد الحميد ومحمد بن سعد، وكلُّهم مدنُّون.
قوله: ((استأذَنَ عمر على رسول الله وََّ وعِنده نِسوَة من قُرَيش)) هنَّ من أزواجه،
ويحتمل أن يكون معهنَّ من غيرهنَّ لكن قَرِينة كَوْنِهِنَّ(١) يَستَكثِرنَه يُؤْيِّد الأوَّل، والمراد
أَّهنَّ يَطلُبنَ منه مَمَّا يُعطيهِنّ. وَزَعَمَ الدّاوودي أنَّ المراد: أَّهنَّ يُكثِرِنَ الكلام عنده، وهو
مردود بما وَقَعَ التصريح به في حديث جابر عند مسلم (١٤٧٨): أَّهنَّ يَطلُبْنَ النَّفَقة.
قوله: ((عالية)) بالرَّفع على الصِّفة، وبالنَّصب على الحال.
وقوله: ((أصواتُهنَّ على صوته)) قال ابن التِّين: يحتمل أن يكون ذلك قبل نزول النَّهي عن
رفع الصوت على صوته، أو كان ذلك طَبعهنَّ. انتهى.
وقال غيرُهُ: يَحتمل أن يكون الرَّفع حَصَلَ من مجموعهنَّ لا أنَّ كلّ واحدة منهنَّ كان
صوتُها أرفَعَ من صوته، وفيه نظرٌ. قيل: ويحتمل أن يكون فيهِنَّ جَهيرة، أو أنَّ النَّهيَ
خاصّ بالرِّجال وقيل في حَقّهنَّ للتَّنزيهِ، أو كُنَّ في حال المخاصَمة فلم يَتَعَمَّدنَ، أو وثِقنَ
بعَفوِه. ويحتمل في الخلوة ما لا يحتمل في غيرها.
(١) في (س): ((قوله)) بدل: كونهن، وانظر ((عمدة القاري)) ١٩٥/١٦.

٨٨
باب ٦ / ح ٣٦٨٣
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((أضحَكَ الله ◌ِسِنَّك)) لم يُرِد به الدُّعاء بكَثْرة الضَّحِك بل لازِمُه: وهو السُّرور، أو
نَفْي لازِمِه: وهو الحُزن.
قوله: ((أنهَبنَني)) من الهيبة، أي: تُوَقِّنَني.
قوله: ((أنتَ أَفَظُّ وأغلَظُ)) بالمعجَمتَين بصيغة أفعل التفضيل، من الفَظاظَة والغِلظَة،
وهو يقتضي الشَّرِكة في أصل الفِعل، ويعارضه قوله تعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِظَ الْقَلْبِ
لَأَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، فإنَّه يقتضى أنَّه لم يكن فظّاً ولا غليظاً، والجواب أنَّ
الذي في الآية يقتضي نفي وُ جود ذلك له صِفةً لازمةً، فلا يستلزم ما في الحدیث ذلك، بل
مُجرَّد وُجود الصِّفة له في بعض الأحوال وهو عند إنكار المنكر مثلاً، والله أعلم.
وجَوَّزَ بعضهم أنَّ الأَفَظّ هنا بمعنى الفَظّ، وفيه نظرٌ للتصريح بالترجيح المقتَضي لحَمَلٍ
((أفعَل)) على بابه، وكان النبيُّ وَلَّ لا يواجه أحداً بما يَكرَه إلّا في حَقٌّ من حقوق الله، وكان
عمر يُبالغ في الزَّجر عن المكروهات مُطلَقاً وفي طلب المندوبات، فلهذا قال النِّسوَة له ذلك.
قوله: ((إيهاً يا ابنَ الخطّاب)) قال أهل اللُّغة: ((إيها)) بالفتح والتنوين معناها: لا تَبْتَدِئنا
بحديثٍ، وبغير تنوين: كُفَّ عن حديث عَهِدناه، و ((إيهٍ)) بالكسر والتنوين معناها: حَدِّثنا
ما شِئت، وبغير التنوين: زِدنا ممَّ حَدَّئْتَنَا. ووَقَعَ في روايتنا بالنَّصب والتنوين. وحَكَى ابن التِّين
أنَّه وَقَعَ له بغير تنوين وقال: معناه كُفّ عن لَومهنّ.
وقال الطِّيبي: الأمر بتوفير رسول الله وَ له مطلوب لِذاته تُحمَد الزّيادة منه، فكأنَّ قوله ◌ِ:
((إيهٍ)) استزادةٌ منه في طلب تَوقيره وتعظيم جانبه، ولذلك عَقَّبَه بقوله: ((والذي نفسي
بيدِه ... )) إلى آخره، فإنَّه يُشعِر بأنَّه رَضِيَ مقالَته وَمِدَ فَعَالَه، والله أعلم.
قوله: ((فَجّا) أي: طريقاً واسعاً.
وقوله: ((قَطَّ) تأكيد للنَّيِ.
قوله: ((إلّا سَلَكَ فَجّاً غير فَجِّك)) فيه فضيلة عظيمة لعمر تَقْتَضي أنَّ الشَّيطان لا سبيلَ
له عليه، لا أنَّ ذلك يقتضي وُجود العِصْمة إذ ليس فيه إلّا فِرار الشَّيطان منه أن يُشاركه في

٨٩
باب ٦ / ح ٣٦٨٤
كتاب فضائل الصحابة
طريق يَسلُكها، ولا يَمنَع ذلك من وَسَوَسَته له بحَسَبٍ ما تَصِل إليه قُدرَته. فإن قيل: عَدَم
تسليطه عليه بالوَسوَسة يُؤخَذ بطريق مفهومِ الموافَقة، لأنَّه إذا مُنِعَ من السُّلوك في طريقٍ
فالأَوْلى أن لا يُلابسَه بحيثُ يتمكَّن من وسوَسَته له، فيُمكِن أن يكون حُفِظَ من الشَّيطان،
ولا يَلزَم من ذلك ثبوت العِصْمة له، لأنَّهَا في حَقّ النبيِّ نَّهِ واجبة، وفي حَقّ غيره مُمكِنة،
ووَقَعَ في حديث حفصة عند الطبراني في ((الأوسط)) (٣٩٤٣) بلفظ: ((إِنَّ الشَّيطان لا يلقى
عمرَ مُنذُ أسلَمَ إلّا خَرَّ لِوجهِه)»، وهذا دالٌّ على صَلَابته في الدّين، واستمرار حاله على الجِدّ
الصِّرْف والحقّ المَخْض.
وقال النَّووي: هذا الحديث محمول على ظاهره، وأنَّ الشَّيطان يَهرُب إذا رآه، وقال عياض:
يحتمل / أن يكون ذاكَ على سبيل ضرب المثل، وأنَّ عمر فارَقَ سبيل الشَّيطان وسَلَكَ طريق ٤٨/٧
السَّداد، فخالَفَ كلّ ما يُحِبّه الشّيطان، والأوَّل أَوْلی، انتھی.
الحديث السادس:
٣٦٨٤- حدَّثنا محمَّدُ بنُ المثنَّى، حدَّثنا يحيى، عن إسماعيلَ، حدَّثنا قيسٌ، قال: قال عبدُ الله:
ما زِلْنا أعِزّةً مُنذُ أسلَمَ عمرُ.
[طرفه في: ٣٨٦٣]
قوله: ((حدَّثنا يحيى)) هو ابن سعيد القَطّان، وإسماعيل: هو ابن أبي خالد، وقيس: هو
ابن أبي حازم، وعبد الله: هو ابن مسعود. ووقع في رواية ابن ◌ُیَینةَ عن إسماعيل كما سيأتي
(٣٨٦٣) في ((باب إسلام عمر)) التصريح بذلك.
قوله: «ما زِلنا أعِزَّةً مُنذُ أسلَمَ عمرُ)) أي: لمَا كان فيه من الجَلَد والقوّة في أمر الله. وروی
ابن أبي شَيْبة(١) والطبراني (٨٨٠٦) من طريق القاسم بن عبد الرحمن قال: قال عبد الله بن
(١) لم نقف عليه في المطبوع من ((مصنفه)»، ولكن وقع عنده ١٢ / ٢٢ من طريق قيس - وهو ابن أبي حازم -
عن ابن مسعود بلفظ: ما زلنا أعزّة منذ أسلم عمر، و٢٦/١٢ من طريق زرّ بن حبيش عن ابن مسعود
بلفظ: إن إسلامه كان نصراً، وإن إمارته كانت فتحاً ... إلخ.

٩٠
باب ٦ / ح ٣٦٨٤
فتح الباري بشرح البخاري
مسعود: كان إسلامُ عمر عِزّاً، وهِجرَتُه نَصراً، وإمارَتُه رحمة، والله ما استَطَعنا أن نُصلّيَّ
حول البيت ظاهرين حتَّى أسلَمَ عمر، وقد وَرَدَ سبب إسلامه مُطوَّلاً فيما أخرجه
الدّارَ قُطني (١) من طريق القاسم بن عثمان عن أنس قال: خرج عمر مُتقَلِّداً السّيف، فَقِيَه
رجل من بني زُهْرة - فذكر قصَّة دخول عمرَ على أُخته وإنكاره إسلامها وإسلام زوجها
سعيد بن زيد، وقراءته سورة طه ورغبته في الإسلام - فخرج خَبّاب فقال: أبشِر يا عمر،
فإنّي أرجو أن تكون دَعْوة رسول الله وَملك، قال: ((اللهمَّ أعِزَّ الإسلام بعُمَرَ أو بعَمْرو بن
هشام))، وروى أبو جعفر بن أبي شَيْبة نحوه في ((تاريخه)) من حديث ابن عبّاس، وفي آخره:
((فقلت: يا رسول الله، ففيمَ الاختفاء؟ فخَرَجنا في صَفَّينِ: أنا في أحدهما، وحمزة في الآخر،
فنظرت قُرَيش إلينا فأصابتهم كآبة لم يُصِبهم مثلها))(٢)، وأخرجه البزَّار (٢٤٩٣) من طريق
أسلَمَ مولى عمر عن عمر مُطوَّلاً، وروى ابن أبي خَيْئمةَ من حديث عمر نفسه قال: لقد
رأيتني وما أسلَمَ مع رسول الله وَل﴿ إلّا تسعة وثلاثونَ رجلاً فكَمَّلتُهم أربعين، فأظهَرَ الله
دينه، وأعَزّ الإسلام، وروى البزَّار نحوه (٢٤٩٥) من حديث ابن عبّاس وقال فيه: فنزلَ
جِبْريل فقال: يا أيّها النبيُّ حَسبُك الله ومَن اتَّبَعَك من المؤمنين))، وفي ((فضائل الصحابة))
الخَيْئمة من طريق أبي وائل عن ابن مسعود قال: قال رسول الله وَليّ: ((اللهمَّ أيِّد الإسلام
بُعُمرَ))(٣)، ومن حديث عليٍّ مثله بلفظ: ((أعِزَّ»، وفي حديث عائشة مثله، أخرجه الحاكم
(٨٣/٣) بإسنادٍ صحيح، وأخرجه التِّرمِذي (٣٦٨١) من حديث ابن عمر بلفظ: ((اللهمَّ
أعِزَّ الإسلام بأحَبّ الرجلينِ إليك: بأبي جهل أو بعمر)) قال: فكان أحبَّهما إليه عمرُ. قال
التِّرمِذي: حسن صحيح (٤).
(١) في ((سننه)) (٧)، وليس عنده قول خبّاب: أبشر يا عمر ... إلى آخره، وقصة إسلام عمر بتمامها أخرجها
ابن سعد في ((الطبقات)) ٢٦٨،٢٦٧/٣ من الطريق المذكورة.
(٢) وأخرجه أبو نعيم في ((الحلية)) ١/ ٤٠، وابن عساكر في ((تاريخ دمشق) ٣١/٤٤.
(٣) وأخرجه أحمد في ((مسنده)) برقم (٤٣٦٢)، وهو حديث حسن، وانظر تتمة تخريجه فيه.
(٤) وهو في ((مسند)) أحمد برقم (٥٦٩٦)، وانظر التعليق عليه وتتمة تخريجه فيه.

٩١
باب ٦ / ح ٣٦٨٥
كتاب فضائل الصحابة
قلت: وصَحَّحَه ابن حِبّان أيضاً (٦٨٨١)، وفي إسناده خارجة بن عبد الله صَدوق فيه
مقال، لكن له شاهد من حديث ابن عبّاس أخرجه التِّرمِذي (٣٦٨٣) أيضاً(١)، ومن
حديث أنس كما قَدَّمته في القصَّة المطوّلة، ومن طريق أسلَمَ مولى عمر عن عُمرَ عن خَبّاب،
وله شاهد مُرسَل أخرجه ابن سعد (٢٦٧/٣) من طريق سعيد بن المسيّب والإسناد
صحيح إليه، وروى ابن سعد أيضاً من حديث صُهَيب قال: ((لمَّا أسلَمَ عمرُ قال
المشرِكونَ: انتَصَفَ القومُ منّ))(٢)، وروى البَزَّار (٢٤٩٥) والطبراني (١١٦٥٩) من حديث
ابن عبّاس نحوه(٣).
٣٦٨٥- حدَّثنا عَبْدانُ، أخبرنا عبدُ الله، أخبرنا عمرُ بنُ سَعيدٍ، عن ابنِ أبي مُلَيكةَ، أنَّه
سمعَ ابنَ عبَّاسٍ يقول: وُضِعَ عمرُ على سَريرِهِ، فَتَكَنَّفَه الناسُ يَدْعُونَ ويُصَلُّونَ قبلَ أن يُرفَعَ
وأنا فيهم، فلم يَرُعْني إلا رجلٌ آخِذٌ مَنكِبِي، فإذا عليٌّ بنُ أبي طالبٍ، فَتَرَخَّمَ على عمرَ، وقال:
ما خَلَّفتَ أحداً أحَبَّ إليَّ أن ألقَى اللهَ بمثلٍ عَمَلِهِ مِنكَ، وايمُ الله، إن كنتُ لأظُنُّ أن يَجِعَلَكَ الله
مع صاحبَيكَ، وحَسِبتُ أنّي كنتُ كَثيراً أسمَعُ النبيَّ ◌َّ يقول: «ذهبتُ أنا وأبو بكرٍ وعمرُ،
ودَخَلتُ أنا وأبو بكرٍ وعمرُ، وخَرَجتُ أنا وأبو بكرٍ وعمرُ)».
الحديث السابع: حديث ابن عبَّاس قال: ((وُضِعَ عمر على سَريره، فَتَكَنَّفَه الناسُ))
بنونٍ وفاء، أي: أحاطوا به من جميع جَوانبه، والأكناف: النَّواحي.
قوله في السَّنَد: «أخبَرنا عمر بن سعيد)) أي: ابن أبي حُسَين، ووَقَعَ في رواية القابِسي:
(سَعْد)» بسکون العین وهو وهمٌ.
قوله: ((وُضِعَ عمرُ على سريره)) تقدَّم في آخِر مناقب أبي بكر (٣٦٧٧) بلفظ: ((إنّ لَواقفٌ
مع قوم وقد وُضِعَ عمرُ على سَريره)) أي: لمَّا مات، وهي ◌ُملة حاليَّة من عمر.
(١) في إسناده النضر بن عبد الرحمن أبو عمر ضعيفٌ جدّاً.
(٢) في ((الطبقات)) ٢٦٩/٣ بلفظ: ((وانتصفنا ممن غلظ علينا)) من مقول صهيب، وأما اللفظ المذكور فأخرجه
الطبراني في «الكبير)) (١١٦٥٩)، والحاكم ٣/ ٨٥ من طريق عكرمة عن ابن عباس.
(٣) في إسناده النضر بن عبد الرحمن، وهو ضعيف جدّاً.

٩٢
باب ٦ / ح ٣٦٨٦
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((فلم يَرُعْني)) أي: لم يُفزِعني، والمراد أنَّه رآه بغتةً.
قوله: ((إلّا رجل آخِذ)» بوزن فاعل، وفي رواية الكُشْمِيهني: ((أَخَذَ)) بلفظ الفِعل الماضي.
قوله: (فَتَرَخَّمَ على عمر)) تقدَّم في مناقب أبي بكر بلفظ: فقال: يرحمك الله.
قوله: ((أحَبّ)) يجوز نصبه ورفعه، و((أنّ)) يجوز فيه الفتح والكسر. وفي هذا الكلام أنَّ
عليّاً كان لا يَعْتَقِّد أنَّ لأحدٍ عملاً في ذلك الوقت أفضل من عمل عمر. وقد أخرج ابن أبي
شَيْبة (١٢/ ٣٧) ومُسدَّد من طريق جعفر بن محمد عن أبيه عن عليٍّ نحو هذا الكلام وسنده
٤٩/٧ صحيح، وهو شاهد جيِّ لحديثِ / ابن عبّاس لِكَونِ تَخَرَجه عن آلِ عليٍّ رضي الله عنهم.
قوله: ((مع صاحبَيك)) يحتمل أن يريد ما وَقَعَ وهو دَفنُه عندهما، ويحتمل أن يريد بالمعيَّة
ما يَؤول إليه الأمر بعد الموت من دخول الجنَّة ونحو ذلك، والمراد بصاحبَيه: النبيُّ وَّل
وأبو بكر.
وقوله: ((وحَسِبت أنّي)) يجوز فتح الهمزة وكسرها، وتقدَّم في مناقب أبي بكر (٣٦٧٧)
بلفظ: ((لأنّي كثيراً ما كنت أسمَع))، واللّام للتعليل، و((ما)) إبهامية مُؤكِّدة، و((كثيراً)) ظرف زمان
وعاملُه كان قُدِّمَ عليه، وهو كقوله تعالى: ﴿قَلِلًا مَّا تَشْكُرُونَ﴾ [الأعراف: ١٠]، ووَقَعَ للأكثر:
((كثيراً ممّا كنت أسمَع))بزيادة ((من)) ووُجِّهَت بأنَّ التقدير: أنّ أجِد كثيراً مَّا كنت أسمَع.
الحديث الثامن: حديث: ((اثبُت أُحُد)).
٣٦٨٦- حدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا يزيدُ بنُ زُرَيع، حدَّثنا سعيدُ بنُ أبي عَرُوبَةَ. وقال لي خليفةُ:
حدَّثنا محمَّدُ بنُ سواءٍ وكَهمَسُ بنُ المِنهال، قالا: حدَّثنا سعيدٌ، عن قَتَادةَ، عن أنسِ بنِ مالكٍ ﴾
قال: صَعِدَ النبيُّ ◌َّهِ أُحُداً، ومعه أبو بكرٍ وعمرُ وعثمانُ، فَرَجَفَ بهم فضَرَبَه برِجلِه، قال:
(ثُبُتْ أُحُدُ، فما عليك إلا نبيٍّ أو صِدِّيقٌ أو شهيدٌ)).
تقدَّم شرحه في مناقب أبي بكر (٣٦٧٥).
قوله: (وقال لي خليفَة)) هو ابن خَيّاط، ومحمد بن سَواء بمُهمَلةٍ وتخفيف ومَدّ: هو السَّدوسي
البصري، أخرج له هنا وفي الأدب (٦٠٣٢)، وكَهمَس بمُهمَلةٍ وزن جعفر: هو ابن المِهال،

٩٣
باب ٦ / ح ٣٦٨٧
كتاب فضائل الصحابة
سَدُوسي أيضاً، بَصْري ما له في البخاري غير هذا الموضع، وسعيد: هو ابن أبي عَرُوبة، وسَقَطَ
جميع ذلك من رواية أبي ذرِّ في بعض النُّسَخ، واقتَصَرَ على طريق يزيد بن زُرَيع.
قوله: ((فما عليك إلّا نبي أو صدّيق أو شهيد)) تقدَّم في مناقب أبي بكر بلفظ: «فإنَّما عليك
نبيٌّ وصِدّيق وشهيدان)) فتكون ((أو)) في حديث الباب بمعنى الواو، ويكون لفظ ((شهيد))
للجِنسِ، ووَقَعَ لبعضهم بلفظ: ((نبي وصِدّيق أو شهيد)) فقيل: ((أو) بمعنى الواو، وقيل:
تغيير الأُسلوب للإشعار بمُغايرة الحال، لأنَّ صِفَتَي النُّوَّة والصِّدِّيقية كانتا حاصلَتَينِ
حينئذٍ، بخلاف صِفة الشَّهادة فإنَّها لم تكن وَقَعَت حينئذٍ.
الحديث التاسع:
٣٦٨٧- حدَّثنا يحيى بنُ سليمانَ، قال: حدَّثني ابنُ وَهْبٍ، قال: حدَّثني عمرُ - هو ابنُ
محمَّدٍ - أنَّ زيدَ بنَ أسلَمَ حدَّثه عن أبيه، قال: سألَني ابنُ عمرَ عن بعض شأنِهِ - يعني عمرَ -
فأخبَرَتُه فقال: ما رأيتُ أحداً قَطُّ بعدَ رسولِ اللهِوَِّ من حين قُبِضَ كان أجَدَّ وأجوَدَ حتَّى
انتَهَى، من عمرَ بنِ الخطّاب.
قوله: ((حدَّثني عمر، هو ابن محمَّد)) وَوَقَعَ في رواية حَرمَلة عن ابن وَهْب(١): ((حدَّثني
عمر بن محمد بن زید)) أي: ابن عبد الله بن عمر.
قوله: ((سألَني ابن عمر عن بعض شأنه؛ يعني: عمر)) يريد أنَّ ابن عمر سألَ أسلَمَ مولى
عمر عن بعض شأن عمر.
قوله: ((فقال: ما رأيتُ)) هو مَقُول ابن عمر.
قوله: ((أجَدَّ)) بفتح الجيم والتشديد أفعَل، من جَدَّ: إذا اجتَهَد، و ((أجوَدَ)) أفعَل من الجُود.
(١) رواية حرملة - وهو ابن یحیی - عن ابن وهب أخرجها مسلم (٢٨٥٠) عنه في سياق حديث آخر عن
ابن عمر وفيه قوله وقالفيه: ((إذا صار أهل الجنة إلى الجنة، وأهل النار إلى النار أتي بالموت .... )) إلخ، ووقع
في (ع): (وفي رواية عن ابن وهب» دون ذکر حرملة، وهذه الرواية عند البخاري (٤٧٧٨) عن یحیی بن
سليمان عنه في حديث ابن عمر عن النبي ◌ّير: ((مفاتيح الغيب خمسة)).

٩٤
باب ٦ / ح ٣٦٨٨
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((بعد رسول الله وَليّ)) يحتمل أن يكون المراد بالبَعدَّة في الصِّفات ولا يُتعرَّض فيه
للزَّمان، فيَتَنَاوَل زمانَ رسول اللهِ وَّه وما بعده، فيُشكِل بأبي بكر الصِّدِّيق وبغيره من
الصحابة ممَّن كان يَتَّصِف بالجودِ المفرط، أو بعد موت رسول الله مَ لته، فيُشكِل بأبي بكر
الصِّدِّيق أيضاً، ويُمكِن تأويله بزمان خلافته، و((أجود)) أفعَل من الجود، أي: لم يكن أحدٌ
أجَدَّ منه في الأُمور ولا أجوَدَ بالأموال، وهو محمولٌ على وقتٍ مخصوص، وهو مُدّة خلافته
لِيَخرُجَ النبيُّ ◌َل﴿ وأبو بكر من ذلك.
قوله: ((حتَّى انتَهَى)) أي: إلى آخِرٍ (١) عمره، وهذا بناءً على أنَّ فاعل ((انتَهَى)): عمرُ،
وقائل ذلك ابن عمر، ويحتمل أن يكون فاعل ((انتَهَى)): ابنُ عمر، أي: انتَهَى في الإنصاف
بعد أجَدَّ وأجوَدَ حتَّى فَرَغَ ممّا عنده، وقائل ذلك نافع، والله أعلم.
الحدیث العاشر: حديث أنس.
٣٦٨٨- حدَّثنا سليمانُ بنُ حَربٍ، حدَّثنا حَمَّادُ بنُ زيدٍ، عن ثابتٍ عن أنسٍ ﴾: أنَّ رجلاً
سألَ النبيَّ ◌َّهِ عن الساعةِ، فقال: متى الساعةُ؟ قال: ((وماذا أَعدَدتَ لها؟)) قال: لا شيءَ، إلا
أنِّ أُحِبُّ اللهَ ورسولَهِ وَّةِ، فقال: ((أنتَ مع مَن أحبَبتَ)). قال أنسُّ: فما فَرِحْنا بشيءٍ فَرَحَنا
بقولِ النبيِّ وَّهِ: ((أنتَ مع مَن أحبَبتَ))، قال أنسِّ: فأنا أُحِبُّ النبيَّ ◌َّهِ وأبا بكرٍ وعمَرَ،
وأرجو أن أكونَ معهم بحُبّي إيّاهم، وإن لم أعمَلْ بمثلِ أعمالِهم.
[أطرافه في: ٦١٦٧، ٦١٧١، ٧١٥٣]
((أنَّ رجلاً سألَ النبيّ(َّهِ عن الساعة)) هو ذو الخُوَيصِرَةِ الْيَمَاني، وزَعَمَ ابن بَشكُوال
أنَّه أبو موسى الأشعريّ أو أبو ذَرّ.
ثمَّ ساقَ من حديث أبي موسى: ((قلت: يا رسول الله، المرء يُحِبّ القوم ولمَّا يَلحَق بهم))(٢)،
ومن حديث أبي ذرٍّ: ((فقلت: يا رسول الله، المرء يُحِبّ القوم ولا يستطيع أن يعمل بعملِهم))(٣)،
(١) في (س): إلى عمل آخِر عمره، بزيادة ((عمل)).
(٢) سيأتي برقم (٦١٧٠).
(٣) أخرجه أحمد (٢١٣٧٩)، والبخاري في ((الأدب المفرد)) (٣٥١)، وأبو داود (٥١٢٦) وإسناده صحيح.

٩٥
باب ٦ / ح ٣٦٨٩
كتاب فضائل الصحابة
وسؤال هذَينِ إِنَّا وَقَعَ عن العمل، والسُّؤال في حديث الباب إِنَّمَا وَقَعَ عن الساعة، فدَلَّ
على التعدُّد. وسيأتي في الأدب (٦١٦٧) من طريق آخر عن أنس أنَّ السائل عن الساعة
أعرابيٌّ، وكذا وَقَعَ عند الدّارَقُطنيِّ (٤٧٨) من حديث أبي مسعود: أنَّ الأعرابيّ الذي بالَ
في المسجد قال: يا محمَّدُ، متى الساعةُ؟ قال: ((وما أعددتَ لها؟))، فدَلَّ على أنَّ السائل في
حديث أنس هو الأعرابيّ الذي بالَ في المسجد، وتقدَّم في الطَّهارة(١) أنَّه ذو الخُوَصِرة
الْيَمَاني كما أخرجه أبو موسى المدينيّ في ((ذيل(٢) مَعرِفة الصحابة))، وسيأتي شرح هذا
الحديث في كتاب الأدب (٦١٦٧)، والمراد منه ذِكْر أبي بكر وعمر في حديث أنس / هذا، ٥٠/٧
وأنَّه قَرَنَهما في العمل بالنبيِّ نََّ، والله أعلم.
الحديث الحادي عشر: حديث أبي هريرة، أورده من وجهين:
٣٦٨٩- حدَّثنا يحيى بنُ قَزَعَةَ، حدَّثنا إبراهيمُ بنُ سعدٍ، عن أبيه، عن أبي سَلَمةَ، عن أبي
هريرةَ تُه، قال: قال رسولُ اللهِ وَّةِ: ((لقد كان فيما قبلَكم مِن الأُمَم ناسٌ مُحدَّثونَ، فإن يَكُ في
أمَّتي أحدٌ، فإنَّه عمرُ)).
زادَ زكريّا بنُ أبي زائدةً، عن سعدٍ عن أبي سَلَمَةَ، عن أبي هريرةَ، قال: قال النبيُّ وَّ: ((لقد
كان فيمَن كان قبلَكم من بني إسرائيلَ رجالٌ يُكلَّمونَ من غيرِ أن يكونوا أنبياءَ، فإنْ يكن في
أمَّتي منهم أحدٌ، فعُمرُ)).
قال ابنُ عبّاس رضي الله عنهما: ((مِنْ نَبِيٍّ ولا مُحدَّثٍ)).
قوله: ((عن أبي هريرة)) كذا قال أصحاب إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن
ابن عَوْف عن أبيه عن أبي سَلَمة، وخالَفَهم ابن وَهْب فقال: ((عن إبراهيم بن سعد بهذا
الإسناد عن أبي سَلَمة عن عائشة))(٣)، قال أبو مسعود: لا أعلم أحداً تابع ابن وَهْب على هذا،
(١) انظر شرح الحديث (٢٢٠).
(٢) تحرف في (س) و(ع) إلى: ((دلائل))، وكتاب أبي موسى المديني هذا استدرك فيه على كتاب ((معرفة
الصحابة)) لأبي نعيم الحافظ، ووصفه الذهبي فقال: جمع فأوعى. انظر ((سير أعلام النبلاء)) ١٥٤/٢١.
(٣) أخرجه من طريق ابن وهبٍ مسلم (٢٣٩٨).

٩٦
باب ٦ / ح ٣٦٨٩
فتح الباري بشرح البخاري
والمعروف عن إبراهيم بن سعد أنَّه عن أبي هريرة لا عن عائشة، وتابَعَه زكريّا بن أبي زائدة
عن سعد بن إبراهيم(١)؛ يعني: كما ذكره المصنّف مُعلَّقاً هنا، وقال محمد بن عَجْلان: عن
سعد بن إبراهيم عن أبي سَلَمة عن عائشة، أخرجه مسلم (٢٣٩٨)، والِّرمِذيّ (٣٦٩٣)،
والنَّسائيُّ (ك٨٠٦٥)، وقال أبو مسعود: وهو مشهور عن ابن عَجْلان، فكأنَّ أبا سَلَمة
سمعَه من عائشة ومن أبي هريرة جميعاً.
قلت: وله أصلٌّ من حديث عائشة، أخرجه ابن سعد (٣٣٥/٢) من طريق ابن أبي
عَتيق عنها، وأخرجه من حديث خفاف بن إيماءَ: أنَّه كان يُصلِّي مع عبد الرحمن ابن عَوْف،
فإذا خَطَبَ عمر سمعَه يقول: أشهد أنَّك مُكلَّم(٢).
قوله: ((مُحدَّثونَ)) بفتح الدّال جمع مُحدَّث، واختُلِفَ في تأويله، فقيل: مُلهَم، قاله الأكثر،
قالوا: المحدَّث بالفتح: هو الرجل الصّادِقِ الظَّنّ، وهو مَن أُلقي في روعه شيء من قِبَل
الملأ الأعلى، فيكون كالذي حدَّثه غيره به، وبهذا جَزَمَ أبو أحمد العَسكَريّ. وقيل: مَن
يجري الصواب على لسانه من غير قصد، وقيل: مُكلَّم، أي: تُكلِّمه الملائكة بغير نُبوّة،
وهذا وَرَدَ من حديث أبي سعيد الخُذْريِّ مَرفوعاً ولفظه: قيل: يا رسول الله، وكيف
يُحدَّث؟ قال: ((تتكلّم الملائكة على لسانه)) رُوِّيناه في ((فوائد» الجَوْهريّ، وحكاه القاسيّ
وآخرون(٣)، ويُؤْيِّده ما ثَبَتَ في الرِّواية المعَلَّقة.
ويحتمل رَدّه إلى المعنى الأوَّل، أي: تُكلِّمه في نفسه وإن لم يَرَ مُكلِّماً (٤) في الحقيقة، فیرجِع
إلى الإلهام، وفَسَّرَه ابن التِّين بالتفُرُّسِ.
(١) في (س): ((إبراهيم بن سعد)) وهو خطأ ظاهر، وما أثبتناه من الأصلين، وهو عين الرواية المعلقة التي
ذكرها البخاري في هذا الباب.
(٢) في المطبوع: معلّم.
(٣) وأخرجه الطبراني في ((الأوسط)) (٦٧٢٦) من حديث أبي سعيد الخدري. وأورده الهيثمي في ((المجمع))
٦٩/٩ وعزاه للطبراني وقال: وفيه أبو سعد خادم الحسن البصري ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات.
(٤) في (أ): ((متكلماً))، وفي (ع): ((ملكاً)) وكلها متقاربة المعنى في هذا السياق.

٩٧
باب ٦ / ح ٣٦٨٩
كتاب فضائل الصحابة
ووَقَعَ في ((مُسنَدِ الْحُميديّ)) عَقِبَ حديث عائشة: ((المحدَّثِ: الملهَم بالصواب الذي يُلقَى
على فيه))(١)، وعند مسلم (٢٣٩٨) من رواية ابن وَهْب: ((مُلهَمون، وهي الإصابة بغير نُبّة))،
وفي رواية التِّرمذيّ (٣٦٩٣) عن بعض أصحاب ابن عُبَينَةَ: ((مُحدَّثونَ، يعني: مُفهَّمونَ))، وفي
رواية الإسماعيليّ: ((قال إبراهيم - يعني ابن سعد راويهِ -: قوله. مُحدَّث؛ أي: يُلقَى في
رُوعه)). انتَهَى، ويُؤْيِّده حديث: ((إنَّ الله جَعَلَ الحقّ على لسان عمر وقَلْبِهِ)) أخرجه التِّرمذيّ
(٣٦٨٢) من حديث ابن عمر، وأحمد (٩٢١٣) من حديث أبي هريرة، والطبرانيُّ (١٠٧٧)
من حديث بلال، وأخرجه في ((الأوسط))(٢) من حديث معاوية، وفي حديث أبي ذرِّ عند أحمد
(٢١٢٩٥) وأبي داود (٢٩٦٢): ((يقول به)) بَدَل قوله: ((وقلبه))، وصَحَّحَه الحاكم (٨٦/٣-
٨٧)، وكذا أخرجه الطبرانيُّ في ((الأوسط)) (٦٦٨٨) من حديث عمرَ نفسِه.
قوله: «زادَ ز کریّا بن أبي زائدة عن سعد)» هو ابن إبراهيم المذكور، وفي روایته زیادتان:
إحداهما: بيان كَونهم من بني إسرائيل، والثانية: تفسير المراد بالمحدَّثِ في رواية غيره، فإنَّه
قال بَدَلها: ((يُكلَّمونَ من غير أن يكونوا أنبياء)».
قوله: ((منهم أحدٌ)) في رواية الكُشْمِيهنيِّ: ((من أحد))، ورواية زكريّا وَصَلَها الإسماعيليّ
وأبو نعيم في (مُستَخرجیھما)).
وقوله: ((وإن يَكُ في أمَّتي)) قيل: لم يورِد هذا القول مَورِد الترديد، فإنَّ أمَّته أفضل
الأُمم، وإذا ثَبَتَ أنَّ ذلك وُجِدَ في غيرهم فإمكان وُجودِهِ فيهم أَوْلى، وإنَّما أورَدَه مَورِد
التأكيد كما يقول الرجل: إن يكن لي صديق فإنَّه فلان، يريد اختصاصه بكمال الصداقة لا
نَفْيَ الأصدِقاء، ونحوه قول الأجير: إن كنتُ عَمِلتُ لك فوَقِّني حَقّي، وكلاهما عالمٌ
بالعملِ لكن مُراد القائل: أنَّ تأخيرك حَقّي عَمَلُ مَن عنده شَكٌّ في كَونِي عَمِلت.
وقيل: الحكمة فيه أنَّ وُجودهم في بني إسرائيل كان قد تَحقَّقَ وقوعُه، وسبب ذلك
احتياجهم حيثُ لا يكون حينئذٍ فيهم نبيٌّ، واحتَمَلَ عنده ◌َّ أن لا تحتاج هذه الأُمّة إلى
(١) هو في ((مسنده)) برقم (٢٥٣)، وليس عقبه في المطبوع ما ذكره الحافظ.
(٢) لم نقف عليه في ((الأوسط)) من حديث معاوية، وهو في ((معجمه الكبير)) ١٩/ (٧٠٧).

٩٨
باب ٦ / ح ٣٦٨٩
فتح الباري بشرح البخاري
٥١/٧ ذلك لاستغنائها بالقرآن عن حُدوث نبيٍّ، وقد / وَقَعَ الأمر كذلك حتَّى إنَّ المحدَّث منهم
إذا تَحقَّقَ وُجوده لا يَحكم بما وَقَعَ له، بل لا بدَّ له من عَرضه على القرآن، فإن وافقَه أو وافق
السُّنّة عَمِلَ به وإلّا تَرَكَه، وهذا، وإن جازَ أن يقع، لكنَّه نادِر ثمّن يكون أمره منهم مَبنيّاً
على اتِّباع الكتاب والسُّنّة، وتَمَخَّضَت الحكمة في وُجودهم وكَثرتهم بعد العصر الأوَّل في
زيادة شَرَف هذه الأُمّة بوُجودِ أمثالهم فيه، وقد تكون الحكمة في تكثيرهم: مُضاهاةٌ بني
إسرائيل في كَثْرة الأنبياء فيهم، فلمَّا فاتَ هذه الأُمّةَ كَثْرةُ الأنبياء فيها؛ لكَونِ نبيِّها خاتَم
الأنبياء عوِّضوا بكَثْرة الملهَمين.
وقال الطِّبيُّ: المراد بالمحدَّثِ: الملهم البالغ في ذلك مَبلَغ النبيِّ وَّه في الصِّدق، والمعنى:
لقد كان فيما قبلكم من الأُمم أنبياء مُلهَمون، فإن يَكُ في أمَّتي أحد هذا شأنه فهو عمر،
فكأنَّه جعله في انقطاع قَرِينه في ذلك، كأنه نبيٌّ، فلذلك أتى بلفظ: ((إنْ))، ويُؤيِّده حديث:
(لو كان بعدي نبيّ لكان عُمر)) فـ((لو)) فيه بمَنزِلة ((إنْ)) في الآخر على سبيل الفَرض
والتقدير، انتهى.
والحديث المشار إليه أخرجه أحمد (١٧٤٠٥) والتِّرمِذيّ (٣٦٨٦) وحَسَّنَه وابن حِبّان(١)
والحاكم (٨٥/٣) من حديث عُقْبة بن عامر، وأخرجه الطبرانيُّ في ((الأوسط))(٢) من
حديث أبي سعيد، ولكِن في تقرير الطِّيبِيّ نظر، لأنَّه وَقَعَ في نفس الحديث: ((من غير أن
يكونوا أنبياء)» ولا يَتِمّ مُراده إلّا بفَرضٍ أنَّهم كانوا أنبياء.
قوله: ((قال ابن عبّاس: من نبيٍّ ولا مُحدَّثٍ)) أي: في قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ
مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبٍِ إِلَّا إِذَا تَمَنّى﴾ الآية [الحج: ٥٢]، كأنَّ ابن عبّاس زاد فيها ((ولا مُحدَّث))
أخرجه سفيان بن عُيَينةَ في أواخر ((جامعه)) وأخرجه عبد بن حُميدٍ (٣) من طريقه وإسناده إلى ابن
(١) لم نقف عليه في المطبوع منه.
(٢) سقط من المطبوع من ((المعجم الأوسط)) وهو في ((مجمع البحرين)) (٣٦٦٦).
(٣) في ((تفسيره)) كما في ((تغليق التعليق)) ٦٥/٤، وأورده السيوطي في (الدر المنثور)) ٦٥/٦ وعزاه له ولابن
الأنباري في ((المصاحف)).

٩٩
باب ٦ / ح ٣٦٩٠ -٣٦٩١
كتاب فضائل الصحابة
عبَّاس صحيح، ولفظه عن عَمْرو بن دينار قال: كان ابن عبّاس يقرأ: ((وما أرسلنا من قبلك
من رسول ولا نبيّ ولا مُحدَّث)). والسَّبَب في تخصيص عمر بالذِّكرِ لكَثْرة ما وَقَعَ له في زمن
النبيِّ وَّه من الموافَقات التي نزلَ القرآن مُطابقاً لها، ووَقَعَ له بعد النبيِّ وَِّعِدّةُ إصابات.
الحديث الثاني عشر: حديث أبي هريرة في الذي كَلَّمَه الذِّئب.
٣٦٩٠- حدّثنا عبدُ الله بنُ يوسُفَ، حدَّثنا اللَّيثُ، حدَّثنا عُقَيْلٌ، عن ابنِ شِهابٍ، عن
سعيدِ بنِ المسيّبٍ وأبي سَلَمَةَ بنِ عبدِ الرحمنِ، قالا: سمعنا أبا هريرةَ ه يقول: قال رسولُ اللهِت.
(بينما راعٍ في غَنَمِه عَدَا الذّئبُ فَأَخَذَ منها شاةّ، فطَلَبَها حتَّى اسْتَنَقَذَها، فالْتَفَتَ إليه الذِّئبُ، فقال
له: مَن لها يومَ السَّبُعِ! ليس لها راعٍ غيري)) فقال الناسُ: سبحانَ الله! فقال النبيُّ ◌َلّ: «فإنّي
أُومِنُ به وأبو بكرٍ وعمرُ)) وما ◌َمَّ أبو بكرٍ وعمرُ.
أورَدَه مختصراً بدون قِصّة البقرة، وقد تقدَّم شرحه (٣٦٦٣) في مناقب أبي بكر.
الحديث الثالث عشر: حديث أبي أُمامة عن أبي سعيد الخدري.
٣٦٩١- حدَّثنا يحيى بنُ بُكَير، حدَّثنا اللَّيثُ، عن عُقَيل، عن ابنِ شِهابٍ، قال: أخبرني
أبو أمامةَ بنُ سَهلِ بنِ حُنَيفٍ، عن أبي سعيدِ الخُذريِّ ﴾، قال: سمعتُ رسولَ الله وَلا يقول:
(بَيْنا أنا نائمٌّ، رأيتُ الناسَ عُرِضوا عليَّ، وعليهم قُمُصٍ، فمِنها ما يَبلُغُ القُّدِيَّ، ومنها ما يَبلُغُ
دونَ ذلكَ، وعُرِضَ عليَّ عمرُ وعليه قَميصٌ اجتَرَّه)) قالوا: فما أوَّلتَه يا رسولَ الله؟ قال:
(الدِّينَ)).
قوله: ((عن أبي سعيد الخُدْريِّ) كذا رواه أكثر أصحاب الزّهْريّ، ورواه مَعمَر عن
الزُّهْريّ عن أبي أُمامةَ بن سَهْل عن بعض أصحاب النبيِّ وَّرِ فَأَبهَمَه، أخرجه أحمد (١١٨١٤)،
وقد تقدَّم في الإيمان (٢٣) من رواية صالح بن كَيْسان عن الزّهْريّ فصَرَّحَ بذِكْر أبي سعيد،
ووَقَعَ في التعبير (٧٠٠٨) من هذا الوجه عن أبي أمامةَ بن سَهلِ: أنَّه سمعَ أبا سعيد.
قوله: ((رأيت الناس عُرِضوا عليَّ ... )) الحديثَ، وفيه: ((عُرِضَ عليَّ عمرُ وعليه قميصٌ
اجتَرَّه)) أي: لطولِه، وقد تقدَّم من رواية صالح بلفظ: ((يَجُرّه)).

١٠٠
باب ٦ / ح ٣٦٩٢
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((قالوا: فما أوَّلت ذلكَ؟)) سيأتي في التعبير (٧٠٠٨) أنَّ السائل عن ذلك أبو بكر،
ويأتي بقيّة شرحه هناك إن شاء الله تعالى.
وقد استُشكِّلَ هذا الحديث بأنَّه يَلزَم منه أنَّ عمرَ أفضلُ من أبي بكر الصِّدِّيق، والجواب
عنه تخصيص أبي بكر من عُموم قوله: ((عُرِضَ عليَّ الناس)) فلعلَّ الذين عُرِضوا إذ ذاكَ لم
یکن فیھم أبو بكر، وأنَّ کون عمر علیه قمیص یَجُُّه لا يستلزم أن لا یکون علی أبي بكر
قميصٌ أطوَلُ منه وأسبَغُ، فلعلَّه كان كذلك إلّا أنَّ المراد كان حينئذٍ بيانُ فضيلة عمر
فاقتَصَرَ عليها، والله أعلم.
الحديث الرابع عشر:
٣٦٩٢ - حدّثنا الصَّلْتُ بنُ محمَّدٍ، حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إبراهيمَ، حدَّثنا أيوبُ، عن ابنِ أبي
مُلَيكَةَ، عن المِسوَرِ بنِ تَخَرَمةَ، قال: لمَّا طُعِنَ عمرُ جَعَلَ يألَمُ، فقال له ابنُ عبَّاسٍ، وكأنَّه
يُجِزِّعُه: يا أميرَ المؤمنين، ولَئِن كان ذاكَ لقد صَحِبتَ رسولَ اللهِ، فأحسنتَ صُحْبتَه، ثمَّ
فارَقتَه وهو عنكَ راضٍ، ثمَّ صَحِيتَ أبا بكرٍ فأحسنتَ صُحْبتَه، ثمَّ فارَقْتَ وهو عنكَ راضٍ،
ثمَّ صَحِبتَهم فأحسنتَ صُحْبتَهم، ولَئِن فارَقْتَهم لَتُفَارِقَنَّهم وهم عنكَ راضُونَ. قال: أمّا ما
ذكرتَ من صُحْبةِ رسولِ الله ◌ِّهِ ورِضَاهُ، فإنَّ ذلكَ مَنٌّ مِن الله تعالى مَنَّ به عليَّ، وأمَّا ما
ذكرتَ من صُحْبةٍ أبي بكرٍ ورِضاهُ، فإنَّ ذلك مَنٌّ مِن الله جلَّ ذِكرُه مَنَّ به عليَّ، وأمَّا ما تَرَى من
جَزَعي، فهو من أجْلِكَ وأجلِ أصحابكَ، والله لو أنَّ لي طِلاعَ الأرضِ ذَهبَاً، لافتَدیتُ به من
عذاب الله عزَّ وجلَّ قبلَ أن أَراهُ.
قال حَمَّادُ بنُ زيدٍ: حدَّثنا أيوبُ، عن ابنِ أبي مُلَيكةَ، عن ابنِ عبّاسٍ: دَخَلتُ على عمرَ ... بهذا.
قوله: ((حدّثنا إسماعيل بن إبراهيم)) هو الذي يقال له ابن عُلِيَّة.
قوله: ((عن المِسوَر بن تَخَرَمةَ)) كذا رواه ابن عُليَّة، ورواه حمّاد بن زيد كما عَلَّقَه المصنّف
بعدُ، فقال: عن ابن عبّاس، وأخرجه الإسماعيليُّ من رواية القَواريريّ عن حمّاد بن زيد
موصولاً، ويحتمل أن يكون محفوظاً عن الاثنين.