Indexed OCR Text

Pages 21-40

٢١
باب ٢ / ح ٣٦٥٣
كتاب فضائل الصحابة
قوله: (لو أنَّ أحدَهم نظرَ تحت قَدَمَيهِ)) فيه مَجَيءُ (لو)) الشَّرْطية للاستقبال خلافاً للأكثر،
واستَدَلَّ مَن جَوَّزَه بمَجيءِ الفِعل المضارع بعدها كقوله تعالى: ﴿لَوْ يُطِعُكُمْ فِ كَثِيرٍ مِنَ الْأَمَِّ
لَعَنْتُمْ﴾ [الحجرات: ٧]، وعلى هذا فيكون قاله حالةَ وُقُوفِهم على الغار، وعلى القول الأكثر
يكون قاله بعد مُضيِّهم شُكراً لله تعالى على صيانتهما منهم.
قوله: (لو أنَّ أحدهم نظرَ تحت قَدَمَيهِ)) في رواية موسى: ((لو أنَّ بعضَهم طَأْطَأْ بَصَرَه))،
وفي رواية حِبّان: ((رَفَعَ قَدَمَيهِ))، ووَقَعَ مثله في حديث حُبْشِيٍّ بن جُنَادة أخرجه ابن
عساكر(١)، وهي مُشكِلة فإنَّ ظاهرها أنَّ باب الغار استَتَرَ بأقدامهم، وليس كذلك إلّا أن
يُحِمَل على أنَّ المراد أنَّه استَتَرَ بثيابهم، وقد أخرجه مسلم (٢٣٨١) من رواية حِبّان
المذكورة بلفظ: ((لو أنَّ أحدهم نظرَ إلى قَدَمَيه أبصَرَنا تحت قَدَمَيهِ»، وكذا أخرجه أحمد
(١١) عن عَفّان عن هَمَّام، ووَقَعَ في مغازي عُرْوة ابن الزُّبَير في قصَّة الهجرة قال: وأتى
المشركونَ على الجبل الذي فيه الغار الذي فيه النبيُّ ◌َِّ حَتَّى طَلَعوا فوقَه، وسمعَ أبو بكر
أصواتهم، فأقبَلَ عليه الهمُّ والخوف، فعند ذلك يقول له النبيُّ وَّ: ((لا تَحَزَنْ إنَّ الله معنا)»
ودَعَا رسول الله وَ ل﴿ فنزلت عليه السَّكينة، وفي ذلك يقول الله عزَّ وجلّ: ﴿إِذْ يَقُولُ
لِصَحِبِهِ، لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا﴾ الآية [التوبة: ٤٠]، وهذا يُقَوِّي أنَّه قال ما في حديث
الباب حينئذٍ، ولذلك أجابَه بقوله: ﴿لَا تَحْزَنْ
قوله: «ما ظنُك يا أبا بكر باثنین اللهُ ثالثُهما)» في رواية موسی: «فقال: اسگُت يا أبا بكر، اثنان
الله ثالثهما))، وقوله: ((اثنان)) خبرُ مُبتَدَأْ محذوفٍ، تقديره: نحنُ اثنان، ومعنى (ثالثهما)): ناصرُ هما
ومُعِينُهما، وإلّا فالله ثالثُ كلِّ اثنين بعِلمِه، وستأتي الإشارة إلى ذلك في تفسير براءَة (٤٦٦٣).
وفي الحديث مَنقَبة ظاهرة لأبي بكر، وفيه أنَّ باب الغار كان مُنخَفِضاً إلّا أنَّه كان ضَيِّقاً،
فقد جاء في ((السِّيَرَ)) الواقدي: أنَّ رجلاً كَشَفَ عن فَرْجه وجَلَسَ يَبُول فقال أبو بكر: قد
رآنا يا رسول الله، قال: ((لو رآنا لم يَكشِفْ عن فَرْجِه))، وسيأتي مَزِيدٌ لذلك في قصَّة الهجرة
إن شاء الله تعالى.
(١) في «تاریخ دمشق)) ٣٠/ ٨٥ وفيه: ((رفع قدمه)) بالإفراد.

٢٢
باب ٣ / ح ٣٦٥٤
فتح الباري بشرح البخاري
١٢/٧
تنبيه: اشتَهرَ أنَّ حديث الباب تفرَّد به همَّام/ عن ثابت، ومَمَّن صَرَّحَ بذلك التِّرمِذي
والبزَّار(١)، وقد أخرجه ابن شاهين في ((الأفراد)) من طريق جعفر بن سليمان عن ثابت بمُتَابَعة
هَمَّام، وقد قَدَّمتُ له شاهداً من حديث حُبْشِيِّ بن جُنَادة(٢)، ووَجَدتُ له آخر عن ابن
عبَّاس، أخرجه الحاكم في ((الإكليل)).
٣- باب قول النبيِّ وَ لَ: ((سُدُّوا الأبوابَ إلّا بابَ أبي بكرٍ))
قاله ابنُ عبَّاسٍ، عن النبيِّ ◌َّؤ.
٣٦٥٤- حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمَّدٍ، حَدَّثنا أبو عامٍ، حدَّثنا فُلَيِحٌ، قال: حدَّثني سالمٌ أبو النَّضِرِ،
عن بُشْرِ بنِ سعيدٍ، عن أبي سعيدِ الخُدْرِيِّ ﴾ قال: خَطَبَ رسولُ الله ◌َّهِ النّاسَ، وقال: ((إنَّ الله
خَيَّرَ عبداً بين الدُّنيا وبين ما عندَه، فاختارَ ذلك العبدُ ما عندَ الله)) قال: فبكى أبو بكرٍ، فعَجِبنا لبكائِه
أن يُخْبِرَ رسولُ الله وَّهِ عن عبدٍ خُيُّرَ، فكان رسول الله وَّه هو المخَيَّرَ، وكان أبو بكرٍ أَعلَمَنا، فقال
رسولُ الله ◌َّ: ((إنَّ أَمَنَّ الناسِ عليَّ في صُحبَتِهِ ومالِهِ أبو بكرٍ، ولو كنتُ مُتَّخِذاً خليلاً غيرَ ربِّ
لأَنَّخذتُ أبا بكرٍ، ولكن أُخوّةُ الإِسلامِ ومَوَدَّتُه، لا یَبقَنَّ في المسجدِ بابٌ إلا سُدَّ، إلا باب أبي بكرٍ)).
قوله: (باب قول النبيِّ وََّ: سُدُّوا الأبواب، إلّا باب أبي بكر، قاله ابن عبَّاس عن النبي ◌ِّ)
وَصَلَه المصنِّف في الصلاة (٤٦٧) بلفظ: ((سُدُّوا عَنِّي كلَّ خَوخَة)) فكأنَّه ذكره بالمعنى.
قوله: ((حدَّثنا أبو عامر)) هو العَقَدي، وفُليح: هو ابن سليمان، وهو ومَن فوقَه مدنُّون.
قوله: ((عن عُبيد بن حُنَينٍ)) تقدَّم بيان الاختلاف في إسناده في ((باب الخَوْخَة في المسجد))
في أوائل الصلاة(٣).
(١) الترمذي في ((جامعه)) تحت الحديث (٣٠٩٦)، والبزار في ((مسنده)) تحت الحديث (٣٦).
(٢) أخرجه ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) ٣٠/ ٨٥، وقد تقدم قريباً.
(٣) برقم (٤٦٦): أبو النضر عن عبيد عن بُسر، وقال الحافظ في شرحه هناك - بعد أن أشار إلى أن كلًّا من عبيد
ابن حنين وبسر بن سعيد قد رواه عن أبي سعيد -: ورواه أبو عامر العَقَدي، عن فُلیح، عن أبي النضر، عن
بُشْر وحده، أخرجه المصنف في مناقب أبي بكر. قلنا: يعني به هذا الموضع، فالصواب عدم ذكر عبيد بن
حنين في هذه الرواية، وكذلك لم يذكره في هذا الموضع القسطلاني في شرحه ((إرشاد الساري)) ١٠/ ٨٣
مع اهتمامه بروايات ونسخ ((صحيح البخاري))، ولا ذكر في النسخة اليونينية.

٢٣
باب ٣ / ح ٣٦٥٤
كتاب فضائل الصحابة
قوله: ((خَطَبَ رسول الله ◌ِّ)) في رواية مالك عن أبي النَّضر الآتية في الهجرة إلى المدينة
(٣٩٠٤): ((جَلَسَ على المِنْبَر فقال))، وفي حديث ابن عبّاس الماضي (٤٦٧) تِلْوَ حديث أبي
سعيد في ((باب الخَوخَة)) من أوائل الصلاة: ((في مرضه الذي ماتَ فيه))، ولمسلمٍ (٥٣٢) من
حدیث جُندُب: «سمعت النبي پټ یقول قبل أن يموت بخمسٍ لَیالٍ))، وفي حديث أُبيّ بن
كعب الذي سأُنّبِّه عليه قريباً: ((إنَّ أحدث عَهْدي بنبيِّكم قبل وفاته بثلاثٍ))، فذكر الحديث
في خُطْبة أبي بكر، وهو طَرَف من هذا، وكأنَّ أبا بكر﴾ فَهِمَ الرَّمز الذي أشارَ به النبيُّ ◌َّـ
من قَرِينة ذِكْره ذلك في مرض موته، فاستَشعَرَ منه أنَّه أراد نفسَه، فلذلك بكى.
قوله: ((بين الدُّنيا وبين ما عنده)) في رواية مالك المذكورة: ((بين أن يُؤْتِيَه من زَهْرة الدُّنيا
ما شاء وبین ما عنده)).
قوله: ((فعَجِبنا لبكائِه)) وَقَعَ في رواية محمد بن سِنان (٤٦٦) في ((باب الخَوخَة)) المذكورة:
فقلت في نَّفْسي، وفي رواية مالك: فقال الناس: انظروا إلى هذا الشَّيخ يُحْبِرِ رسول الله وَله
عن عبدٍ، وهو يقول: فَدَيناك! ويُجمَع بأنَّ أبا سعيد حدَّث نفسَه بذلك، فوافَق تحديثَ غيره
بذلك، فنقل جمیع ذلك.
قوله: ((وكان أبو بكر أعلَمَنا)) في رواية مالك: ((وكان أبو بكر هو أعلَمَنا به)) أي: بالنبيِّ وَِّ،
أو بالمرادِ من الكلام المذكور، زاد في رواية محمد بن سِنَان: فقال: ((يا أبا بكر لا تَبَكِ)).
قوله: ((إنَّ أمَنَّ الناس عليَّ في صُحبَته وماله أبو بكر)) في رواية مالك كذلك، وفي رواية
محمد بن سِنان: ((إنَّ مِن أَمَنّ الناس عليَّ)) بزيادة ((من))(١)، وقال فيها: ((أبا بكر)) بالنَّصب
للأكثر، ولبعضهم ((أبو بكر)) بالرَّفع، وقد قيل: إنَّ الرَّفع خطأ والصواب النَّصب، لأنَّه
اسم إنّ، ووجه الرَّفع بتقدير ضمير الشَّأن، أي: إنَّه، والجار والمجرور بعده خبرٌ مُقدَّمٌ،
و((أبو بكر)) مُبتَدَأْ مُؤَخَّر، أو على أنَّ مجموع الكُنية اسم فلا يُعرَبُ ما وَقَعَ فيها من الأداة، أو
((إنَّ) بمعنى نعم، أو إنَّ ((مِن)) زائدة على رأي الكِسائي، وقال ابن بَرِّي: يجوز الرَّفعُ إذا
(١) كلمة ((من)) لم ترد في رواية محمد بن سنان السالفة برقم (٤٦٦)، ولم يُشِر إليها الحافظ اليونيني في نسخته، إنما
ستأتي برقم (٣٩٠٤) في رواية مالك عن أبي النضر.

٢٤
باب ٣ / ح ٣٦٥٤
فتح الباري بشرح البخاري
جعلت ((مِن)) صِفةً لشيءٍ محذوف تقديره: إنَّ رجلاً أو إنساناً من أمَنّ الناس، فيكون اسم
((إِنَّ) محذوفاً والجارّ والمجرور في موضع الصِّفة، وقوله: ((أبو بكر)) الخَبَرَ، وقوله: ((أمَنّ))
أفعَل تفضيل من المنِّ بمعنى: العطاء والبَذْل، بمعنى: إنَّ أبذَل الناس لنفسِه وماله، لا من
الِنَّةِ التي تُفسِد الصَّنيعة، وقد تقدَّم تقرير ذلك في ((باب الخَوخَة))، وأغرَبَ الدّاووديُّ
فَشَرَحَه على أنَّه من الِنَّة، وقال: تقديره: لو كان يَتَوجَّه لأحدٍ الامتِنانُ على نبي الله وَله
التَوجَّهَ له، والأوَّل أَولى.
وقوله: ((أمَنّ الناس)) في رواية الباب ما يوافق حديث ابن عبّاس بلفظ: ((ليس أحدٌ من
الناس أمَنَّ عليَّ في نفسِه ومالِه من أبي بكر))، وأمَّا الرِّواية التي فيها: ((مِن)) فإن قلنا: زائدة،
فلا تَّخَالُفَ، وإلّ فتُحمَل على أنَّ المراد أنَّ لغيره مُشارَكةً ما في الأفضلية إلّا أنَّه مُقدَّم في
ذلك بدليلٍ ما تقدَّم من السِّياق وما تأخّر، ويُؤيِّده ما رواه التِّرمِذي (٣٦٦١) من حديث
أبي هريرة بلفظ: ((ما لأحدٍ له عندنا يدٌ إلّا كافَأْناه عليها، ما خَلَا أبا بكر، فإنَّ له عندنا يداً
يُكافئُّه الله بها يوم القيامة))، فإنَّ ذلك يدلُّ على ثبوت يدِ لغيره، إلّا أنَّ لأبي بكر رُجْحاناً.
فالحاصل أنَّه حيثُ أطلقَ أراد أنَّه أرجَحُهم في ذلك، وحيثُ لم يُطلِقِ أراد الإشارة إلى مَن
شارَكَه في شيء من ذلك، ووَقَعَ بيان ذلك في حديث آخر لابن عبَّس رَفَعَه نحو حديث
التِّرمِذي وزاد: ((منه أعتَقَ بلالاً، ومنه هاجَرَ بنبيِّه)) أخرجه الطبراني(١)، وعنه في طريق أُخرى:
((ما أحد أعظَم عندي يداً من أبي بكر: واساني بنفسِه وماله، وأنكَحَني ابنتَه)) أخرجه الطبراني
(١١٤٦١)، وفي حديث مالك بن دينار عن أنس رَفَعَه: ((إنَّ أعظَم الناس علينا مَنّاً أبو بكر،
زَوَّ جَني ابنتَه، وواساني بنفسِه، وإنَّ خير المسلمين مالاً أبو بكر، أعتَقَ منه بلالاً، وَمَلَني إلى دار
الهجرة)) أخرجه ابن عساكر(٣)، وأخرج من رواية ابن حِبّان التَّيميِّ عن أبيه عن عليٍّ نحوه،
وجاء عن عائشة مِقدار المال الذي أنفَقَه أبو بكر، فروى ابن حِبّان (٦٨٥٩) من طريق هشام
(١) لم نقف عليه في المطبوع من معاجم الطبراني، وأخرجه ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) ٣٠/ ٦٠، وقوله: ((منه أعتق
بلالاً، ومنه هاجر)) أي: من ماله رضى الله عنه، وقد تصحف في (س) إلى: ((منة)) بالتاء المربوطة في الموضعين.
(٢) في ((تاريخ دمشق)) ٦٢/٣٠.

٢٥
باب ٣ / ح ٣٦٥٤
كتاب فضائل الصحابة
ابن عُرْوة عن أبيه عن عائشة أنَّها قالت: أنفَقَ أبو بكر على النبي ◌َّ أربعين ألف دِرهَم(١)،
وروى الزُّبَير بن بكّار عن عُرْوة عن عائشة: أنَّه لمَّا ماتَ، ما تَرَكَ ديناراً ولا دِرِهَماً.
قوله: ((لو كنت مُتَّخِذاً خليلاً)) يأتي الكلام عليه بعد باب (٣٦٥٦)، قال الدّاوودي: لا
يُنافي هذا قولَ أبي هريرة وأبي ذرِّ وغيرهما: أخبَرَني خليلي ◌َِّ؛ لأنَّ ذلك جائز لهم، ولا
يجوز للواحدٍ منهم أن يقول: أنا خليل النبي ◌َِّ، ولهذا يقال: إبراهيم خليل الله، ولا يقال: الله
خليل إبراهيم. قلت: ولا يخفى ما فيه.
قوله: ((ولكن أُخوَّة الإسلام ومَوَدَّته)) أي: حاصلٌ، ووقع في حدیث ابن عبّاس الآتي
بعد باب (٣٦٥٧): ((أفضل))، وكذا أخرجه الطبراني (١١٩٧٤) من طريق عُبيد الله بن تمام
عن خالد الحذّاء بلفظ: ((ولكن أُخوَّة الإيمان والإسلام أفضل))، وأخرجه أبو يَعْلى
(٢٥٨٤) من طريق يَعْلى بن حكيم عن عِكْرمة بلفظ: ((ولكن خُلَّة الإسلام أفضل))(٢) وفيه
إشكال، فإنَّ الخُلَّة أفضل من أُخوَّة الإسلام لأنَّها تَستَلزِم ذلك وزيادة، فقيل: المراد أنَّ
مَوَذَّة الإسلام مع النبيِّ ◌َل﴿ أفضَلُ من مَوَدَّته مع غيره، وقيل: أفضل بمعنی فاضِل، ولا
يُعكِّر على ذلك اشتراك جميع الصحابة في هذه الفضيلة، لأنَّ رُجْحان أبي بكر عُرِفَ من
غير ذلك، وأُخوَّة الإسلام ومَوَدَّته مُتَفاوتة بين المسلمين في نصر الدِّين وإعلاء كلمة الحقّ
وتحصيل كَثْرة الثَّواب، ولأبي بكر من ذلك أعظَمُه وأكثرُه، والله أعلم.
ووَقَعَ في بعض الرِّوايات: ((ولكن خوَّةُ الإسلام))(٣) بغير ألف، فقال ابن بَطّال: لا
أعرِف معنى هذه الكلمة، ولم أجد «خوَّة)) بمعنی خُلَّة في كلام العرب، وقد وجدتُ في بعض
الرّوايات: / ((ولكن خُلَّة الإسلام)) وهو الصواب، وقال ابن التِّين: لعلَّ الألف سَقَطَت من ١٤/٧
الرِّواية فإنَّهَا ثابتة في سائر الرِّوايات، ووَجَّهَه ابنُ مالك بأنَّه نُقِلَت حركة الهمزة إلى النُّون
فخُذِفَ الألف، وجَوَّزَ مع حذفها ضَمَّ نون ((لكن)) وسكونَها، قال: ولا يجوز مع إثبات الهمزة
(١) لفظة ((درهم)) لم ترد في ((الإحسان))، ولا في ((موارد الظمآن)) (٢١٦٧).
(٢) وهي عند البخاري (٤٦٧) من الطريق نفسها، وعنده (٦٧٣٨) من طريق أيوب عن عكرمة.
(٣) وهي رواية الأصيلي لهذا الحديث فيما ذكر الحافظ نفسه في كتاب الصلاة عند الحديث (٤٦٦)، والقاضي
عياض في ((المشارق)) ٢٢/١، وابن بطال في شرحه على ((الصحيح)) ١١٥/٢.

٢٦
باب ٣ / ح ٣٦٥٤
فتح الباري بشرح البخاري
إلّا سكون النُّون فقط.
وفي قوله: (ولو كنت مُتَّخذاً خليلاً ... )) إلى آخره، منقبة عظيمة لأبي بكر لم يُشارِکْه فيها أحد.
ونَقَلَ ابن التِّين عن بعضهم أنَّ معنى قوله: ((ولو كنت مُتَّخِذاً خليلاً): لو كنت أخصُّ
أحداً بشيءٍ من أمر الدّين لَخَصَصتُ أبا بكر، قال: وفيه دلالة على كذِب الشِّيعة في دَعواهم
أنَّ النبيَّ ◌َّ كان خَصَّ عليّاً بأشياء من القرآن وأُمور الدّين لم يَخُصَّ بها غيرَه. قلت:
والاستدلال بذلك مُتوقُّف على صِحَّة التأويل المذكور، وما أَبعدَها.
قوله: ((لا يَبقََّّ) بفتح أوَّله وبنون التأكيد، وفي إضافة النَّهي إلى الباب تَجوُّز، لأنَّ عَدَم
بقائه لازمٌ للنَّهي عن إبقائهِ، فكأنَّه قال: لا تُبقُوه حتَّى لا يبقى. وقد رواه بعضهم بضمِّ
أوَّله وهو واضح.
قوله: ((إلّا سُدَّ) بضمِّ المهمَلة، وفي رواية مالك (٣٩٠٤): ((خَوخَة)) بَدَل ((باب))، والخَوْخَة:
طاقة في الجِدار تُفْتَح لأجلِ الضَّوء ولا يُشتَرط عُلُّها، وحيثُ تكون سُفلى يُمكِن الاستطراق
منها لاستقراب الوصول إلى مكان مطلوب، وهو المقصود هنا، ولهذا أُطلِقَ عليها بابٌ،
وقيل: لا يُطلَق عليها باب إلّا إذا كانت تُغلَق.
قوله: ((إلّا باب أبي بكر» هو استثناء مُفرّغ، والمعنى: لا تُبقوا باباً غير مسدود إلّا باب
أبي بكر فاترُکوه بغیر سَدّ.
قال الخطَّابي وابن بَطّال وغيرهما: في هذا الحديث اختصاصٌ ظاهر لأبي بكر، وفيه
إشارة قويّة إلى استحقاقه للخلافة، ولا سيما وقد ثَبتَ أنَّ ذلك كان في آخِر حياة النبيِّ وَّلـ
في الوقت الذي أمَرَهم فيه أن لا يَؤُمَّهم إلّا أبو بكر. وقد اذَّعی بعضهم أنَّ الباب کِناية عن
الخلافة والأمرَ بالسَّدِّ كِناية عن طلبها كأنَّه قال: لا يَطلُبَن أحد الخلافة إلّا أبا بكر، فإنَّه لا
حَرَج عليه في طلبها، وإلى هذا جَنَحَ ابن حِبّان فقال بعد أن أخرج هذا الحديث(١): في هذا
دليل على أنَّه الخليفة بعد النبي ◌ََّ، لأنَّه حَسَمَ بقوله: ((سُدُّوا عَنِّي كلَّ خَوْخة في المسجد)»
(١) بإثر حديث ابن عباس (٦٨٦٠)، وأما حديث أبي سعيد فيَلِي حديث ابن عباس برقم (٦٨٦١).

٢٧
باب ٣ / ح ٣٦٥٤
كتاب فضائل الصحابة
أطماعَ الناس كلِّهم عن أن يكونوا خُلَفاءَ بعده.
وقوَّى بعضهم ذلك بأنَّ منزلَ أبي بكر كان بالسُّنْح من عَوَالي المدينة كما سيأتي قريباً
بعد بابٍ، فلا يكون له خَوْخَة إلى المسجد، وهذا الاستنادُ (١) ضعيفٌ، لأنَّه لا يَلزَم من كَون
مَنزِله كان بالسُّنحِ أن لا يكون له دارٌ مُجَاوِرةٌ للمسجد، ومَنزِله الذي كان بالسُّنحِ هو منزل
أصهاره من الأنصار، وقد كان له إذ ذاكَ زوجةٌ أُخرى وهي أسماء بنت عُمَيس بالاتّفاق
وأُمّ رومان على القول بأنَّها كانت باقية يومئذٍ.
وقد تَعقَّبَ المحِبُّ الطَّبَري كلام ابن حِبّان فقال: وقد ذكر عمر بن شَبَّة في ((أخبار
المدينة)): أنَّ دار أبي بكر التي أذِنَ له في إبقاء الخَوخَة منها إلى المسجد كانت مُلاصِقة للمسجدِ
ولم تَزَلْ بيدِ أبي بكر حتَّى احتاجَ إلى شيء يُعطيه لبعض مَن وَفَدَ عليه، فباعها فاشتَرَتها منه
حفصة أمّ المؤمنين بأربعة آلاف دِرهَم، فلم تزل بيدها إلى أن أرادوا توسيع المسجد في خلافة
عثمان، فطلبوها منها ليُوسِّعوا بها المسجد فامتَنَعَت وقالت: كيف بطريقي إلى المسجد؟ فقيل
لها: نُعطِيك داراً أوسَعَ منها ونَجعَل لك طريقاً مثلها، فسَلَّمَت ورضيت.
قوله: ((إلّا باب أبي بكر)) زاد الطبراني(٢) من حديث معاوية في آخِر هذا الحديث بمعناه:
«فإنّ رأيتُ علیه نوراً».
تنبيه: جاء في سَدّ الأبواب التي حولَ المسجد أحاديثُ يُخالف ظاهرُها حديثَ الباب،
منها حديث سعد بن أبي وقّاص قال: أمَرَنا رسول الله وَّهِ بسَدِّ الأبواب الشّارعة في
المسجد وتَرَكَ باب عليّ، أخرجه أحمد (١٥١١) والنَّسائي (ك٨٣٧١)، وإسناده قوي(٣)،
وفي رواية للطَّبَراني في ((الأوسط)) (٣٩٤٢) رجالها ثِقات من الزّيادة: فقالوا: يا رسول الله،
(١) في (س): الإسناد، وهو تحريف.
(٢) في ((الأوسط)) برقم (٧٠١٧)، وفي الإسناد عنعنة ابن إسحاق، وهذا مما يليِّنْه.
(٣) قول الحافظ: إسناده قوي، ذهولٌ منه رحمه الله، ففيه عبد الله بن الرُّقَيم مجهول، وفيه أيضاً: عبد الله بن شَريك
مختلف فيه، وكان من أصحاب المختار، وهذا الحديث أورده ابن الجوزي في ((الموضوعات)) ٣٦٣/١،
وللحافظ ابن حجر في ((القول المسدد)» ص ٥-٦ و١٧ -٢٣ كلام طويل في هذا الحديث، فانظره.

٢٨
باب ٣ / ح ٣٦٥٤
فتح الباري بشرح البخاري
سَدَدتَ أبوابنا، فقال: ((ما أنا سَدَدتُها، ولكن الله سَدَّها».
وعن زيد بن أرقَمَ قال: كان لنَفَرٍ من الصحابة أبواب شارعة في المسجد، فقال
رسول الله وَّ: «سُدُّوا هذه الأبواب إلّا باب عليٍّ»/ فتَكلَّمَ ناس في ذلك فقال رسول الله
١٥/٧ وَّهُ: ((إنّي والله ما سَدَدتُ شيئاً ولا فتحتُه، ولكن أُمِرتُ بشيءٍ فَاتَّبَعته)) أخرجه أحمد
(١٩٢٨٧) والنَّسائي (ك ٨٣٦٩) والحاكم (١٢٥/٣) ورجاله ثقات(١).
وعن ابن عبّاس قال: أمَرَ رسول الله وَلَهَ بأبواب المسجد فسُدَّت إلّا باب عليّ، وفي
رواية: وأمَرَ بسَدِّ الأبواب غير باب عليٍّ، فكان يدخل المسجد وهو جُنُب ليس له طريق
غيره، أخرجهما أحمد (٣٠٦١) والنَّسائي (ك ٨٣٥٤ و٨٣٧٢) ورجالهما ثقات(٢).
وعن جابر بن سَمُرة قال: أمَرَنا رسول الله وَ لَّهِ بِسَدِّ الأبواب كلّها غير باب علي، فرُبَّما
مرَّ فيه وهو جُنُب، أخرجه الطبراني (٢٠٣١)(٣).
وعن ابن عمر قال: كنَّا نقول في زمن رسول الله وَله: رسولُ الله وَّل خيرُ الناس، ثمَّ أَبو
بكر، ثمَّ عمر، ولقد أُعطيَ عليٌّ بن أبي طالب ثلاث خصال لَأنْ يكونَ لي واحدة منهنَّ
أحبُّ إليَّ من حُمْرِ النَّعَمِ: زَوَّجَه رسولُ الله ◌َِّ ابنتَه ووَلَدَت له، وسَدَّ الأبواب إلّا بابه في
المسجد، وأعطاه الرايةَ يوم خيبر، أخرجه أحمد (٤٧٩٧) وإسناده حَسَن(٤)، وأخرج
النَّسائي(٥) من طريق العلاء بن عَرَار - بمُهمَلاتٍ - قال: فقلت لابن عمر: أخبرني عن عليّ
وعثمان - فذكر الحديث، وفيه: وأمَّا عليٌّ فلا تسأل عنه أحداً وانظُر إلى منزلته من رسول الله
(١) بل فيه ميمون أبي عبد الله البصري الكندي، الجمهور على تضعيفه، وقال أحمد: أحاديثه مناکیر.
(٢) بل في إسنادهما ضعف، وانظر تفصيل ذلك في ((مسند أحمد)).
(٣) قال الهيثمي في ((المجمع)) ٩/ ١١٥ : فيه ناصح أبو عبد الله وهو متروك.
(٤) بل إسناده ضعيف، فيه هشام بن سعد المدني ضعيف يكتب حديثه للمتابعات، ثم هو شيعي وقد ضعفه
أحمد وابن معين وغيرهما، انظر ((تهذيب الكمال)) ٢٠٧/٣٠.
(٥) في ((الكبرى)) (٨٤٣٥) و(٨٤٣٧) بسياق آخر وليس فيه قوله: ((وأقرَّ بابه))، والسياق المذكور أخرجه
الطبراني في «الأوسط)) (١١٦٦)، وفي سنده أحمد بن عبد الرحمن بن عقال شيخ الطبراني، قال عنه أبو
عروبة الحراني: ليس بمؤتمن على دينه، وقال ابن عدي: هو ممن يكتب حديثه، أي: للمتابعة. وقال
الهيثمي في ((المجمع)) ٩/ ١١٥: رواه الطبراني في ((الأوسط)) وفيه من لم أعرفه.

٢٩
باب ٣ / ح ٣٦٥٤
كتاب فضائل الصحابة
وَلَّه قد سَدَّ أبوابنا في المسجد وأقَرَّ بابه، ورجاله رجال الصحيح إلّ العلاء وقد وثَّقه يحيى
ابن مَعِين وغيره. وهذه الأحاديث يُقوِّي بعضها بعضاً، وكلَّ طريق منها صالح للاحتجاج
فضلاً عن مجموعها.
وقد أورَدَ ابن الجُّوْزي هذا الحديث في ((الموضوعات))، وأخرجه من حديث سعد بن
أبي وقّاص (٣٦٣/١) وزيد بن أرقم (٣٦٥/١) وابن عمر (٣٦٤/١) مُقتَصِراً على بعض
طرقه عنهم، وأعَلَّه ببعض مَن تُكلِّمَ فيه من رُواته، وليس ذلك بقادِحِ لمَا ذكرت من كَثْرة
الطُرق، وأعَلَّه أيضاً بأنَّه مُخَالِفِ للأحاديثِ الصحيحة الثابتة في باب أبي بكر، وزَعَمَ أنَّه
من وضع الرافضة قابَلُوا به الحديث الصحيح في باب أبي بكر. انتهى، وأخطاً في ذلك
خطأَ شَنيعاً، فإنَّه سَلَكَ في ذلك رَدَّ الأحاديث الصحيحة بتَوهُّمِه المعارضة، مع أنَّ الجمع
بين القِصَّتَيْنِ مُمكِن، وقد أشارَ إلى ذلك البَزَّار في ((مُسنَده)) فقال: وَرَدَ من روايات أهل
الكوفة بأسانيدَ حِسَان في قصَّة عليٍّ، ووَرَدَ من روايات أهل المدينة في قصَّة أبي بكر، فإن
ثَبَتَت روايات أهل الكوفة فالجمع بينهما بما دَلَّ عليه حديث أبي سعيد الخُدْري؛ يعني:
الذي أخرجه التِّرمِذي (٣٧٢٧)، أنَّ النبي ◌َِّ قال: ((لا يَحِلّ لأحدٍ أن يَطْرُق هذا المسجد
جُنُباً غيري وغيرك))(١)، والمعنى أنَّ باب عليٍّ كان إلى جِهَة المسجد ولم يكن لبيته بابٌ غيره،
فلذلك لم يُؤمَر بسَدِّه، ويُؤيِّد ذلك ما أخرجه إسماعيل القاضي في ((أحكام القرآن)) من
طريق المطَّلِب بن عبد الله بن حَنطَب: أنَّ النبي ◌َّهِ لم يأذَنْ لأحدٍ أن يَمُرَّ في المسجد وهو
جُنُب إلّا لعليّ بن أبي طالب لأنَّ بيته كان في المسجد.
ومُحُصَّل الجمع أنَّ الأمر بسَدِّ الأبواب وَقَعَ مرَّتَينٍ، ففي الأُولى استُثنيَ عليٌّ لمَا ذكرَه،
وفي الأُخرى استُني أبو بكر، ولكن لا يَتِمّ ذلك إلّ بأن يُحمَل ما في قصَّة عليٍّ على الباب
الحقيقي، وما في قصَّة أبي بكر على الباب المجازي والمراد به: اخَوْخَة كما صَرَّحَ به في بعض
طرقه، وكأنَّهم لمَّا أُمِروا بسَدِّ الأبواب سَدّوها وأحدَثوا خِوَخاً يَستَقِرِبونَ الدُّخول إلى
(١) وإسناده ضعيف، من أجل علي بن المنذر، قال عنه الذهبي: شيعي محض، وفيه سالم بن أبي حفصة قال
عنه أبو حاتم: هو من عتق الشيعة، يكتب حديثه ولا يُحتج به، وقال النسائي: ليس بثقة.

٣٠
باب ٤ / ح ٣٦٥٥
فتح الباري بشرح البخاري
المسجد منها فأُمِروا بعد ذلك بسَدِّها، فهذه طريقة لا بأس بها في الجمع بين الحديثَينِ، وبها
جمع بين الحديثَينِ المذكورَينِ أبو جعفر الطَّحاوي في ((مُشكِل الآثار))، وهو في أوائل الثُّلث
الثالث منه (١٩٠/٩)، وأبو بكر الكَلاباذي في ((مَعاني الأخبار))، وصَرَّحَ بأنَّ بيت أبي بكر
كان له باب من خارج المسجد وخَوخَة إلى داخل المسجد، وبيتُ عليٍّ لم يكن له باب إلّا
من داخل المسجد، والله أعلم.
وفي حديث الباب من الفوائد غير ما تقدَّم: فضيلةٌ ظاهرة لأبي بكر الصِّدِّيق، وأنَّه كان
مُتأهِّلاً لأن يَتَّخِذِه النبيَِّ خليلاً لولا المانع المتقدِّم ذِكرُه، ويُؤْخَذ منه أنَّ للخليلِ صِفة
خاصَّة تَقْتَضي عَدَم المشارَكة فيها، وأنَّ المساجد تُصَان عن التطرّق إليها لغير ضَرُورة مُهمَّة،
والإشارة بالعلم الخاصّ دون التصريح لإثارة أفهام السامعين وتَفاوت العلماء في الفَهم،
وأنَّ مَن كان أرفعَ في الفَهْم استَحقَّ أن يُطلَق عليه أَعلم.
وفيه الترغيب في اختيار ما في الآخِرة على ما في الدُّنيا، وفيه شُكر المحسِن والتَّنويه
بفضلِه والثّناء عليه.
وقال ابن بَطّال: فيه أنَّ المرشَح للإمامة يُخْصُّ بكرامةٍ تَدُلّ عليه، كما وَقَعَ في حقِّ الصِّدِّيق
في هذه القصّة.
٤ - باب فضل أبي بكرٍ بعد النبيِّ ◌ِلّ
١٦/٧
٣٦٥٥- حدّثنا عبدُ العزيزِ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا سليمانُ، عن يحيى بنِ سعيدٍ، عن نافعٍ، عن
ابنِ عمرَ رضي الله عنهما، قال: كنّا نُخيّرُ بين الناسِ فِي زَمَنِ النبيِّ ◌َّةِ، فَتُخيِّرُ أبا بكرٍ، ثمَّ عمرَ
ابنَ الخطَّب، ثمَّ عثمانَ بنَ عَفّان رضي الله عنهم.
[طرفه في: ٣٦٩٧]
قوله: ((باب فضل أبي بكر بعد النبيِّ وَّ)) أي: في رُتْبة الفضل، وليس المراد البَعْديَّة
الزمانیة، فإنَّ فَضْلَ أبي بکر کان ثابتاً في حیاته ێ کما دَلَّ علیه حديث الباب.
قوله: ((حدّثنا سليمان)) هو ابن بلال، ويحيى بن سعيد: هو الأنصاري، والإسناد كلُّه مدنُّون.

٣١
باب ٤ / ح ٣٦٥٥
كتاب فضائل الصحابة
قوله: ((كنَّا نُخيِّرُ بين الناس في زمان رسول الله وَ ◌ّه)) أي: نقول: فلان خير من فلان ...
إلى آخره، وفي رواية عُبيد الله بن عمر عن نافع الآتية (٣٦٩٧) في مناقب عثمان: ((كنَّا لا
نَعدِل بأبي بكر أحداً ثمَّ عمر ثمَّ عثمان، ثمَّ نَترُك أصحاب رسول الله وَّ، فلا نُفاضِل
بينهم)، وقوله: ((لا نَعدِل بأبي بكر)) أي: لا نَجعَل له مِثْلاً، وقوله: «ثمَّ نَترُك أصحاب
رسول الله ێ)» یأتي الكلام فيه.
ولأبي داود (٤٦٢٨) من طريق سالم عن ابن عمر: كَّا نقول ورسول الله وَلِّ حيٍّ:
أفضلُ أمَّة النبيِّ وَ لِّ بعده أبو بكر ثمَّ عمر ثمَّ عثمان، زاد الطبراني (١٣١٣٢) في رواية:
فَيَسمَع رسولُ الله ﴿ ﴿ ذلك فلا يُنكِرِه، وروى خَيْئمة بن سليمان في ((فضائل الصحابة)) من
طريق سُهَيل بن أبي صالح عن أبيه عن ابن عمر: كنّا نقول: إذا ذهب أبو بكر وعمر
وعثمان استَوى الناس، فيَسمَع النبي ◌َّر ذلك فلا يُنكِرِه، وهكذا أخرجه الإسماعيلي من
طریق ابن أبي أُویس عن سلیمان بن بلال في حديث الباب دون آخره.
وفي الحديث: تقديم عثمان بعد أبي بكر وعمر، كما هو المشهور عند جمهور أهل السُّنَّة،
وذهب بعض السَّلَف إلى تقديم عليٍّ على عثمان، وثمَّن قال به سفيان الثَّوري، ويقال: إنَّه
رَجَعَ عنه، وقال به ابن خُزيمة، وطائفة قبله وبعده، وقيل: لا يُفضَّل أحدهما على الآخر،
قاله مالك في ((المدَوَّنة))، وتَبِعَه جماعة منهم يحيى القَطّان، ومن المتأخّرين ابن خَزْم.
وحديث الباب حُجَّة للجمهور، وقد طَعَنَ فيه ابن عبد البَرِّ واستَنَّدَ إلى ما حكاه عن
هارون بن إسحاق قال: سمعت ابن مَعِين يقول: مَن قال: أبو بكر وعمر وعثمان وعليّ،
وعَرَفَ لِعليٍّ سابقيَّتَه وفَضْلَه فهو صاحب سُنَّة، قال: فذكرت له من يقول: أبو بكر وعمر
وعثمان ويَسكُتونَ، فَتَكلَّمَ فيهم بكلامٍ غَليظ.
وتُعقِّبَ بأنَّ ابن مَعِين أنكَرَ رأيَ قومٍ، وهم العُثمانية الذين يُغالُونَ في حبِّ عثمان ويَنْتَقِصونَ
عليّاً، ولا شَكَّ في أنَّ مَن اقتَصَرَ على ذلك ولم يعرِف لِعليّ بن أبي طالب فضله فهو مذموم،
وادَّعى ابن عبد البَرِّ أيضاً أنَّ هذا الحديث خلافُ قول أهل السُّنَّة: أنَّ عليّاً أفضل الناس

٣٢
باب ٤ / ح ٣٦٥٥
فتح الباري بشرح البخاري
بعد الثلاثة، فإنَّهم أجمعوا على أنَّ عليّاً أفضلُ الخلق بعد الثلاثة، ودَلَّ هذا الإجماع على أنَّ
حديث ابن عمر غَلَطٌ وإن كان السَّنَد إليه صحيحاً.
وتُعقّبَ أيضاً بأنَّه لا يَلزَم من سُكوتهم إذ ذاكَ عن تفضيله عَدَمُ تفضيله على الدَّوام،
وبأنَّ الإجماع المذكور إنَّما حَدَثَ بعد الزَّمَن الذي قَيَّدَه ابن عمر فَيَخرُج حديثه عن أن
١٧/٧ يكون غَلَطاً، والذي أظنّ أنَّ ابن عبد البَرِّ إنَّما أنكَرَ الزّيادة التي / وَقَعَت في رواية عُبيد الله
ابن عمر، وهو قول ابن عمر: ((ثمَّ نَترُك أصحاب رسول الله وَّةٍ ... )) إلى آخره، لكن لم
يَنْفِرِدْ بها نافعٌ فقد تابَعَه ابن الماِشُون، أخرجه خَيْئمة من طريق يوسف بن الماجِشُونِ عن
أبيه عن ابن عمر: ((كنّا نقول في عهد رسول الله وَله: أبو بكر وعمر وعثمان، ثمَّ نَدَع
أصحاب رسول الله وَّهِ فلا نُفاضِل بينهم))، ومع ذلك فلا يَلزَمُ من تَركِهم التفاضُلَ إذ
ذاكَ أن لا يكونوا اعتَقَدوا بعد ذلك تفضيلَ عليٍّ على مَن سواه، والله أعلم.
وقد اعترَفَ ابن عمر بتقديم عليٍّ على غیرہ کما تقدَّم في حديثه الذي أوردتُه في الباب
الذي قبله، وقد جاء في بعض الطّرق في حديث ابن عمر تقييد الخَيريَّة المذكورة
والأَفضليّة بما يتعلَّق بالخلافة، وذلك فيما أخرجه ابن عساكر(١) عن عبد الله بن يسار عن
سالم عن ابن عمر قال: إنَّكم لَتَعلَمونَ أنّا كنَّا نقول على عَهْد رسول الله وَّهِ: أبو بكر
وعمر وعثمان، يعني: في الخلافة، كذا في أصل الحديث، ومن طريق عُبيد الله عن نافع عن
ابن عمر: كَّا نقول في عهد رسول الله وَّهَ: مَن يكون أولى الناس بهذا الأمر؟ فنقول: أبو
بکر ثمَّ عمر(٢).
وذهب قوم إلى أنَّ أفضل الصحابة مَن استُشهِدَ في حياة النبيِّ وَّهِ، وعَيَّنَ بعضُهم منهم
(١) هو عنده في ((تاريخ دمشق)) ١٦٣/٣٩، ولكن من طريق عمر بن محمد بن زيد عن سالم، ومن هذه
الطريق أخرجه البزار في («مسنده» (٦٠٨٣)، وطريق عبد الله بن يسار عن سالم أخرجها الطبراني في
((الكبير)) (١٣١٨١)، وأورده الهيثمي في ((المجمع)) ١٧٧/٥ وقال: هو في ((الصحيح)) خلا قوله: في
الخلافة، ورواه البزار والطبراني، ورجال البزار رجال الصحيح.
(٢) أخرجه من هذا الطريق الطبراني في ((الكبير)) (١٣٣٩١)، وفي إسناده يوسف بن خالد - وهو السَّمْتي -
كذبه ابن معين وغيره كما في ((الجرح والتعديل)) ٩/ ٢٢١ لابن أبي حاتم.

٣٣
باب ٥ / ح ٣٦٥٦ -٣٦٥٧
كتاب فضائل الصحابة
جعفر بن أبي طالب. ومنهم مَن ذهب إلى العبّاس، وهو قول مرغوبٌ عنه ليس قائلُه من
أهل السُّنَّة بل ولا من أهل الإيمان، ومنهم مَن قال: أفضلهم مُطلَقاً عمرُ، مُتَمسِّكاً
بالحديث الآتي في ترجمته (٣٦٨٢) في المنام الذي فيه في حقّ أبي بكر: ((وفي نَزْعه ضَعفٌ))،
وهو تَشُّكٌ واهٍ. وَقَلَ البيهقي في ((الاعتقاد))(١) بسنده إلى أبي ثَوْر عن الشّافعي أنَّه قال:
أجمعَ الصحابة وأتباعهم على أفضليَّة أبي بكر، ثمَّ عمرَ، ثمَّ عثمانَ، ثمَّ عليٍّ.
٥- باب قول النبيِّ ◌َلّة: ((لو كنت متخذاً خلیلاً))
قاله أبو سعيدٍ.
٢٣/٧
قوله: ((باب قول النبيِّ وَله: لو كنت مُتَّخِذاً خليلاً، قاله أبو سعيد)) يشير إلى حديثه
السابق قبلُ ببابٍ (٣٦٥٤).
ثمَّ ذكر المصنِّف في الباب أحاديث:
الحديث الأوَّل: حديث أبي سعيد المذكور.
الحديث الثاني: حديث ابن عبّاس، أخرجه من طرق ثلاثة:
٣٦٥٦- حدَّثنا مسلمُ بنُ إبراهيمَ، حدَّثنا وُهَيبٌ، حدَّثنا أيوبُ، عن عِكْرمةَ، عن ابنِ
عبَّاسٍ رضي الله عنهما، عن النبيِّ وَّهِ: قال: ((لو كنتُ مُتَّخِذاً خَليلاً لاتَّخذتُ أبا بكرٍ، ولكنْ
أخي وصاحبي».
٣٦٥٧- حدَّثْنا مُعلَّى بنُ أَسَدٍ وموسى بنُ إسماعيلَ التَّبُوذَكيُّ، قالا: حدَّثنا وُهَيبٌ، عن
أيوبَ وقال: ((لو كنتُ مُتَّخِذاً خَليلاً لاتَّخَذْتُه خَليلاً، ولكن أُخوّةُ الإسلامِ أفضلُ)).
حدَّثنا قُتَيَبةُ، حدَّثنا عبدُ الوهّاب، عن أيوبَ ... مثلَه.
الأولى: قوله: ((لو کنت مُتَّخِذاً خلیلاً) زاد في حديث أبي سعيد (٣٦٥٤): ((غیر رَبّ))،
وفي حديث ابن مسعود عند مسلم (٣/٢٣٨٣): ((وقد اتَّخِذَ اللهُ صاحبَكم خليلاً)). وقد
تَوارَدَت هذه الأحاديث على نفي الخُلَّة من النبيِّ وَّهِ لأحدٍ من الناس، وأمَّا ما رُويَ عن
(١) انظر ((الاعتقاد)» ص٣٦٨ و٣٦٩.

٣٤
باب ٥ / ح ٣٦٥٦ -٣٦٥٧
فتح الباري بشرح البخاري
أبيّ بن كعب قال: إنَّ أحدَثَ عَهدي بنبيِّكم قبل موته بخمسٍ، دخلتُ عليه وهو يقول:
((إنَّه لم يكن نبيٌّ إلّا وقد اتَّخَذَ من أمَّته خليلاً، وإنَّ خليلي أبو بكر، ألا وإنَّ الله اتَّخَذَني خليلاً
كما اَّخَذَ إبراهيم خليلاً)) أخرجه أبو الحسن الحَرْبي في ((فوائده)(١)، وهذا يعارضه ما في
رواية جُندُبٍ عند مسلم (٥٣٢) كما قَدَّمته: أنَّه سمعَ النبيَّ وَلَه يقول قبل أن يموت
بخمسٍ: ((إنّ أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل))، فإن ثَبَتَ حديث أبيِّ أمكَنَ أن يُجمَع
بينهما: بأنَّه لمَّا بَرِئَ من ذلك تَواضُعاً لربِّه وإعظاماً له، أزِنَ الله تعالی له فیه من ذلك اليوم
لمَا رأى من تَشَوُّفه إليه وإكراماً لأبي بكر بذلك، فلا يَتَنَافى الخَبَرَان، أشارَ إلى ذلك المحِبّ
الطَّبَري. وقد رُويَ من حديث أبي أمامةَ نحو حديث أُبيّ بن كعب دون التقييد بالخمسِ،
أخرجه الواحدي في «تفسيره)) (١٢١/٢)(٢)، والخَبَرَان واهيانٍ، والله أعلم.
قوله: ((ولكن أخي وصاحبي)) في رواية خَيْئمةَ في ((فضائل الصحابة)) عن أحمد بن الأسوَد
عن مسلم بن إبراهيم وهو شيخ البخاري فيه: ((ولكنَّه أخي وصاحبي في الله تعالى))، وفي
الرواية التي بعدها: ((ولكن أُخوَّة الإسلام أفضل))، وقد تقدَّم توجيهُها قبلَ بابٍ.
وقوله في الرِّواية الثانية: ((حدَّثْنا مُعلَّى بن أسَد وموسى بن إسماعيل التَّبُوذَكي» کذا للأكثر
وهو الصواب، ووَقَعَ في رواية أبي ذرٍّ وحده ((التَّنوخي)) وهو تصحيف، وقد تقدَّم تفسير
الخليل في ترجمة إبراهيم عليه السلام من أحاديث الأنبياء(٣).
واختُلِفَ في الموَدَّة والخُلَّة والمحَبَّة والصداقة، هل هي مُتَرَادِفة أو مُختَلِفة، قال أهل اللُّغة:
الخُلَّة أرفَعُ رُتبةً، وهو الذي يُشعِرُ به حديثُ الباب، وكذا قوله عليه السلام: ((لو كنت مُتَّخِذاً
خليلاً غير رَبِّ)) (٣٦٥٤)، فإنَّه يُشعِر بأنَّه لم يكن له خليل من بني آدم، وقد ثَبَتَت مَحَبَّتَه
لجماعةِ من أصحابه كأبي بكر وفاطمة وعائشة والحسَنَينِ وغيرهم.
(١) وأخرجه أيضاً الطبراني في ((الكبير)) ١٩/ (٨٩)، وفي إسناده علي بن يزيد، وهو الأَهاني، وهو ضعيف
منكر الحديث.
(٢) وفي إسناده أيضاً عليّ بن يزيد الألهاني.
(٣) في باب (٨) من كتاب أحاديث الأنبياء.

٣٥
باب ٥ / ح ٣٦٥٨
كتاب فضائل الصحابة
ولا يُعكِّر على هذا اتِّصاف إبراهيم عليه السلام بالخُلَّة ومحمَّدٍ وَّه بالمحَبَّة، فتكون المحبَّة
أرفعَ رُتْبةً من الخُلَّة، لأَنَّه يُجاب عن ذلك بأنَّ محمداً وَّهِ قد ثَبَتَ له الأمرانِ معاً، فيكون
رُجْحانه من الجِهَتینِ، والله أعلم.
وقال الَّتَشَري: الخليل هو الذي يوافقك في خِلَالك ويُسايرك في طريقك، أو الذي
يَسُدُّ خَلَلَك وتَسُدُّ خَلَلَه، أو يُداخلُك خِلال مَنزِلك. انتهى، وكأنَّه جَوَّزَ أن يكون اشتِقاقه
مَا ذُكِرٍ.
وقيل: أصل الخُلَّة: انقطاع الخليل إلى خليله، وقيل: الخليل مَن يَتَخلَّله سِرُّك، وقيل:
مَن لا يَسَع قلبُهُ غيرَك، وقيل: أصل الخُلَّة: الاستصفاء، وقيل: المختَصّ بالموَدَّة، وقيل:
اشتقاق الخليل من الخَلَّة بفتح الخاء: وهي الحاجة، فعلى هذا فهو المحتاج إلى مَن يُجَالُّه،
وهذا كلُّه بالنّسبة إلى الإنسان، أمَّا خُلَّة الله للعبدِ فبمعنى نَصْرِه له ومُعاوَنَتِه.
الحديث الثالث: حديث ابن الزُّبَير في المعنى.
٣٦٥٨- حدَّثْنا سليمانُ بنُ حَرْبٍ، أخبرنا حَمَّدُ بنُ زيدٍ، عن أيوبَ، عن عبدِ الله بنِ أبي
مُلَيكَةَ، قال: كَتَبَ أهلُ الكوفةِ إلى ابنِ الزُّبَيِ في الجَدِّ، فقال: أمَّا الذي قال رسولُ الله وَّةِ: (لو
كنتُ مُتَّخِذاً من هذه الأُمَةِ خَليلاً لاتَّخذتُه)) أنزَلَه أباً، يعني: أبا بكرٍ.
وسيأتي الكلام على ما يتعلَّق منه بالجَدِّ في كتاب الفرائض(١) إن شاء الله تعالى.
والمراد بقوله: ((كَتَبَ أهلُ الكوفة)) بعضُ أهلها: وهو عبد الله بن عُتبة بن مسعود، وكان
ابن الزُّبَير جعله على قضاءِ الكوفة، أخرجه أحمد (١٦١٠٧) من طريق سعيد بن جُبَير قال:
كنت عند عبد الله بن عُتبة، وكان ابن الزُّبَير جعله على القضاء فجاءه كتابُه: كتبتَ تسألُني
عن الجَدّ ... فذكره نحوَه، وزاد بعد قوله: ((لاتَّخذتُ أبا بكر»: ((ولكنَّه أخي في الدِّين،
وصاحبي في الغار))، ووَقَعَ في رواية أحمد (١٦١١٢) من طريق ابن جُرَيج عن ابن أبي
مُلَيكة في هذا/ الحديث: ((لو كنتُ مُتَّخِذاً خليلاً سِوى الله حتَّى أَلقاه)).
٢٤/٧
(١) في باب (٩): ميراث الجد مع الأب والإخوة.

٣٦
باب ٥ / ح ٣٦٥٩
فتح الباري بشرح البخاري
الحديث الرابع: حديث محمد بن جُبَير بن مُطعِم عن أبيه.
٣٦٥٩- حدَّثْنا الحُمَيديُّ ومحمَّدُ بنُ عُبيدِ الله، قالا: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ سعدٍ، عن أبيه،
عن محمَّدٍ بنِ جُبَيرِ بنِ مُطعِمٍ، عن أبيه، قال: أنتِ امرأةٌ النبيَّ ◌َّهِ فأمَرَها أن تَرجِعَ إليه، قالت:
أَرأيتَ إن جئتُ ولم أجِدْكَ؟ كأنَها تقولُ: الموتَ، قال ◌َّ: ((إن لم تَجِديني فائْتِي أبا بكرٍ)).
[طرفاه في: ٧٢٢٠، ٧٣٦٠]
قوله: ((أتت امرأةٌ)) لم أقِفْ على اسمها.
قوله: ((أرأيتَ)) أي: أخبرني.
قوله: ((إن جئتُ ولم أجِذْك؟ كأنّها تقول: الموتَ)) في رواية يزيد بن هارون عن إبراهيم بن
سعد عند البَلاذُرِيّ: قالت: فإن رجعتُ فلم أجِدْك؟ تُعرِّض بالموت، وكذا عند الإسماعيلي
من طريق أبي مَعمَر(١) عن إبراهيم، وهو يُقوِّي جَزْمَ القاضي عِيَاض أنَّه كلام جيِّد. وفي
رواية الحميدي الآتي ذِكْرها في الأحكام (٧٣٦٠): ((كأنَّها تعني الموت)) ومُرادُها: إن جئتُ
فَوَجَدتُّك قد ◌ِمِتَّ، ماذا أعمَل؟ واختُلِفَ في تعيين قائل: ((كأنَها))، فجَزَمَ عياض بأنَّه جُبَير بن
مُطعِم راوي الحديث، وهو الظّاهر، ويحتمل مَن دونَه.
وروى الطبراني (١٧/ ٤٧٧) من حديث عِصْمة بن مالك قال: قلنا: يا رسول الله، إلى
مَن نَدفَعُ صَدَقاتِ أموالنا بعدك؟ قال: ((إلى أبي بكر الصِّدِّيق))، وهو لو ثَبَتَ كان أصرَحَ
مِن حديث الباب من الإشارة إلى أنَّه الخليفة بعده، لكن إسناده ضعيف(٢). وروى
الإسماعيلي في ((مُعجَمه)) (٣٢٥) من حديث سَهْل بن أبي خَيْئمةَ قال: بايعَ النبيُّ وَله
أعرابيّاً، فسألَه إنْ أتى عليه أجَلُه: مَن يَقضِيه؟ فقال: ((أبو بكر)) ثمَّ سأله: مَن يَقضِيه بعده؟
(١) في (أ): معمر، وفي (س): ابن معمر، وكلاهما خطأ، وأبو معمر هذا: هو إسماعيل بن إبراهيم الهذلي،
يروي عن إبراهيم: وهو ابن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف.
(٢) إسناده ضعيف جدّاً من أجل الفضل بن المختار، منكر الحديث يأتي بالأباطيل كما في ((الجرح والتعديل))
لابن أبي حاتم ٦٩/٧.

٣٧
باب ٥ / ح ٣٦٦٠
كتاب فضائل الصحابة
قال: ((عمر)) الحديث، وأخرجه الطبراني في ((الأوسط)) (٦٩١٤) من هذا الوجه مختصراً(١).
وفي الحديث: أنَّ مَوَاعيد النبيِّ وَ ﴿ كانت على مَن يَتَوَّ الخلافةَ بعده تنجيزُها. وفيه رَدّ
على الشِّيعة في زَعْمهم أنَّه نَصَّ على استخلاف عليٍّ والعبّاس، وسيأتي شيءٌ من ذلك في
((باب الاستخلاف))(٢) من كتاب الأحكام إن شاء الله تعالى.
الحديث الخامس:
٣٦٦٠- حدَّثني أحمدُ بنُ أبي الطَّيِّبِ، حدَّثنا إسماعيلُ بنُ مُجالدٍ، حدَّثنا بيانُ بنُ بِشْرِ، عن
وَبَرَةَ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن هنَّام، قال: سمعتُ عمَّاراً يقول: رأيتُ رسولَ الله ◌َِّ وما معه إلا
خمسةُ أَعْبُدٍ، وامرأتانٍ، وأبو بكرٍ.
[طرفه في: ٣٨٥٧]
قوله: «حدّثنا أحمد بن أبي الطَّيِّب) هو المروزي، بغداديُّ الأصل، يُكْنی أبا سليمان،
واسم أبيه سليمان، وَصَفَه أبو زُرْعة بالحِفْظ، وضَعَّفَه أبو حاتم، وليس له في البخاريِّ غیرَ
هذا الحديث. وقد أخرجه من رواية غيره كما سيأتي في ((باب إسلام أبي بكر)) (٣٨٥٧).
قوله: ((حدَّثنا إسماعيل بن مُجالِد)) بالجيم: هو الكوفي، قَوّاه يحيى بن مَعِين وجماعة، وليّنه
بعضهم، وليس له عند البخاري أيضاً غير هذا الحديث. ووَبَرة: بفتح الواو والموحّدة،
تابعي صغير.
قوله: ((عن همَّام)) هو ابن الحارث، وعند الإسماعيلي من طريق جُهورِ(٣) بن منصور عن
إسماعيل: سمعت همَّام بن الحارث، وهو من كبار التابعين، وعَّار: هو ابن ياسر، والإسناد
من إسماعيل فصاعداً كوفیُّون.
(١) ولفظه: ((إذا أنا مت وأبو بكر وعمر، فإن استطعت أن تموت فمت))، وفي إسناده وإسناد حديث الإسماعيلي
الذي قبله سلم بن میمون الخواص، وهو ضعيف، ساق الحافظ حديثه هذا في ((لسان الميزان)) ٦٦/٣
وضعفه.
(٢) باب رقم (٥١).
(٣) تحرَّف في (س) إلى: جهور. وجمهور هذا ذكره ابن حبان في ((الثقات)) ٨/ ١٦٧.

٣٨
باب ٥ / ح ٣٦٦٠ -٣٦٦١
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((وما معه)) أي: ثمَّن أسلَم.
قوله: ((إلّا خمسة أعبُّد وامرأتان وأبو بكر)) أمَّا الأعبُد: فهم بلال وزيد بن حارثة وعامر
ابن فُهَيرة مولى أبي بكر، فإنَّه أسلَمَ قديماً مع أبي بكر، وروى الطبراني (١٠٠٨) من طريق
عُرْوة أنَّه كان ممَّن كان يُعذَّب في الله فاشتَراه أبو بكر وأعتَقَه، وأبو فُكَيهة مولى صفوان بن
أُميَّة بن خَلَف، ذكر ابن إسحاق أنَّه أسلَمَ حين أسلَمَ بلال، فعَذَّبَه أُميَّ فاشتَراه أبو بكر
فأعتَقَه. وأمَّا الخامس فيحتمل أن يُفَسَّر بشُقْران، فقد ذكر ابن السَّكَن في ((كتاب الصحابة))
عن عبد الله بن داود: أنَّ النبيَّ وَ ﴿ وَرَّثَه من أبيه هو وأُمّ أيمَن، وذكر بعض شيوخنا بَدَل
أبي فُكَيهة عَّرَ بن ياسر وهو مُخْتَمَل، وكان ينبغي أن يكون منهم أبوه وأُمُّه، فإنَّ الثلاثة
كانوا ممَّن يُعَذَّب في الله، وأُمّه أوَّل مَن استُشهِدَت في الإسلام طَعَنَها أبو جهل في قلبها
بحَرْبةٍ فماتت، وأمَّا المرأتان فخديجةُ، والأُخرى أمُّ أيمَن أو سُميَّة، وذكر بعض شيوخنا
تَبَعاً للدِّمياطي: أنَّها أمّ الفضل زوج العبَّاس، وليس بواضحٍ لأنَّها - وإن كانت قديمة
الإسلام - إلّا أنَّها لم تُذكَر في السابقين، ولو كان كما قال لَعُدَّ أبو رافع مولى العبّاس، لأنَّه
أسلَمَ حين أسلَمَت أمُّ الفضل. كذا عند ابن إسحاق.
وفي هذا الحديث: أنَّ أبا بكر أوَّلُ مَن أسلَمَ من الأحرار مُطلَقاً، ولكنَّ مُراد عمَّار بذلك
مَمَّن أظهَرَ إسلامه، وإلّا فقد كان حينئذٍ جماعة ثَمَّن أسلَمَ لكنَّهم كانوا يُحْفُونَه من أقاربهم،
وسيأتي قول سعد: أَنَّه كان ثُلُثَ الإسلام (٣٨٥٨)، وذلك بالنّسبة إلى مَن الطَّلَعَ على
إسلامه مَمَّن سَبَقَ إسلامه.
الحديث السادس:
٣٦٦١- حدَّثني هشامُ بنُ عَّار، حدَّثنا صَدَقةُ بنُ خالدٍ، حذَّثنا زيدُ بنُ واقدٍ، عن بُسرِ بنِ
عُبيدِ الله، عن عائذِ الله أبي إدريسَ، عن أبي الدَّرداءِ ﴾ قال: كنتُ جالساً عندَ النبيِّ وَلَّ، إذ
أقبَلَ أبو بكرٍ آخِذاً بطَرَفِ ثوبِهِ، حتَّى أبدَى عن رُكِبَتِه، فقال النبيُّ ◌َّ: ((أمَّا صاحبكم فقد
غامَرَ)) فسَلَّمَ وقال: يا رسولَ الله، إنّي كان بيني وبين ابنِ الخطّاب شيءٌ، فأسرَعتُ إليه ثمَّ

٣٩
باب ٥ / ح ٣٦٦١
كتاب فضائل الصحابة
نَدِمتُ، فسألتُه أن يَغْفِرَ لي، فَأَبِى عليَّ، فأقبَلتُ إليكَ فقال: ((يَغْفِرُ اللهُ لكَ يا أبا بكرٍ)) ثلاثاً، ثمَّ
إِنَّ عمرَ نَدِمَ، فَأَتَى مَنْزِلَ أبي بكرٍ، فسألَ: أَّمَ أبو بكرٍ؟ فقالوا: لا، فَأَتَى إلى النبيِّ ◌َّهِ فِسَلَّمَ،
فَجَعَلَ وَجَهُ النبيِّ ◌َل ◌ِ يَتَمعَّرُ حتَّى أشفَقَ أبو بكرٍ، فَثًا على رُكَبَتَه فقال: يا رسولَ الله، والله
أنا كنتُ أظلَمَ، مَرَّتَينِ، فقال النبيُّ ◌َّ: ((إنَّ الله بَعَثَني إليكُم، فقلتُمْ: كَذَبتَ، وقال أبو بكرٍ:
صَدَقَ، وواساني بنَفْسِه ومالِه، فهل أنتم تارِكُو لي صاحبي)) مَرَّتينٍ، فما أُوذِيَ بعدَها.
[طرفه في: ٤٦٤٠]
قوله: «حدّثنا زيد بن واقد»/ هو الدِّمشقي، ثقةٌ قلیل الحدیث، وليس له في البخاري ٢٥/٧
غير هذا الحديث الواحد، وكلَّهم دمشقُّون، وبُسْر: بضمِّ الموحّدة وبالمهمَلة.
قوله: ((عن بُسْر بن عُبيد الله)) في رواية عبد الله بن العلاء بن زيد عند المصنِّف في
التفسير (٤٦٤٠): حدَّثني بُشْر بن عُبيد الله، حدَّثني أبو إدريس، سمعت أبا الدَّرداء.
قوله: ((أمَّا صاحبُكم)) في رواية الكُشْمِيهني: «أمَّا صاحبُك)) بالإفراد.
قوله: ((فقد غامَرَ)) بالغَين المعجَمة، أي: خاصَمَ، والمعنى: دَخَلَ في غَمْرة الخصومة،
والغامِر: الذي يرمي بنفسِه في الأمر العظيم كالحربِ وغيره. وقيل: هو من الغِمْر، بكسر
المعجَمة: وهو الحِقد، أي: صَنَعَ أمراً اقتَضى له أن يَحِقِد على مَن صَنَعَه معه ويَحِقِد الآخرُ
عليه، ووَقَعَ في تفسير الأعراف (٤٦٤٠) في رواية أبي ذرٍّ وحده: ((قال أبو عبد الله - هو
المصنِّف -: غامَرَ، أي: سَبَقَ، أي: سَبَقَ بالخيرِ))، وذكر عياض أنَّه في رواية المُستَمْلي
وحده عن أبي ذرٍّ، وهو تفسيرٌ مُستَغرَب، والأوَّل أظهَر، وقد عَزَاه المحِبّ الطَّبَري لأبي
عُبيدة بن المثنَّى أيضاً، فهو سَلَفُ البخاري فيه، وقَسِيمُ قوله: ((أمَّا صاحبُكم)) محذوف، أي:
وأمَّا غيره فلا.
قوله: ((فسَلَّمَ)) بتشديد اللّام من السَّلام، ووَقَعَ في رواية محمد بن المبارك عن صَدَقة بن
خالد عند أبي نُعَيم في ((الحِلية)) (٣٠٤/٩): حتَّى سَلَّمَ على النبي ◌َّ، ولم يقع في الحديث ذِكرُ
الردِّ، وهو مَّا يُحذَف للعِلْم به.

٤٠
باب ٥ / ح ٣٦٦١
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((كان بيني وبين ابن الخطّاب شيءٌ)) في الرِّواية التي في التفسير: ((مُحاوَرَةٌ)) وهو بالحاء
المهمَلة، أي: مُراجَعة، وفي حديث أبي أمامةَ عند أبي يَعْلى: ((مُعاتَبة)) وفي لفظ: ((مُقَاوَلة)).
قوله: ((فأسرَعتُ إليه)) في التفسير: فأغضَبَ أبو بكر عمرَ، فانصَرَفَ عنه مُغْضَباً فاتَّبَعَه
أبو بكر.
قوله: (ثُمَّ نَدِمت)) زاد محمد بن المبارك: على ما كان.
قوله: ((فسألته أن يَغْفِرَ لي)» في الرّواية التي في التفسير: أن يَستَغْفِر لي، فلم يَفعَل حتَّى
أغلق بابه في وجهه.
قوله: (فَأَبى عليَّ) زاد محمد بن المبارك: فَتَبِعتُه إلى البَقيع حتَّى خرج من داره،
وللإسماعيلي عن الهِسِنجاني عن هشام بن عمَّار: وتَحَرَّزَ مِنِّي بدارِهِ، وفي حديث أبي أمامةَ(١):
فاعتَذَرَ أبو بكر إلى عمر، فلم يقبل منه.
قوله: ((يَغْفِر الله لك يا أبا بكر، ثلاثاً) أي: أعاد هذه الكلمة ثلاث مرات.
قوله: ((يَتَمَعَّر)) بالعين المهمَلة المشدَّدة، أي: تذهب نَضارَته من الغضب، وأصله من
المَعَرِ: وهو الجَذْب(٢)، يقال: أَمعَرَ المكانُ: إذا أجْدَبَ(٣)، وفي بعض النُّسَخِ: ((يَتَمغَّر))
بالغَيْنِ المعجَمة، أي: تَحِمَرُّ من الغضب فصارَ كالذي صُبِغَ بالمَغَرَةِ (٤)، وللمؤلِّف في
التفسير (٤٦٤٠): ((وَغَضِبَ رسول الله وَ))، وفي حديث أبي أمامةَ عند أبي يَعْلى في نحو
هذه القصَّة: فجَلَسَ عمرُ فأعرَضَ عنه - أي: النبيُّ وَّه ــ ثمَّ تَحوَّلَ فَجَلَسَ إلى الجانب
الآخر فأعرَضَ عنه، ثمَّ قامَ فجَلَسَ بین یَدَیه فأعرَضَ عنه، فقال: يا رسول الله، ما أرى
(١) حديث أبي أمامة سلف قريباً، وذكر أنه عند أبي يعلى، ولم نقف عليه في المطبوع من ((مسنده))، ولكن
أورده البوصيري في («إتحاف الخيرة المهرة)) ٧/ ١٥١ وقال: رواه أبو يعلى بإسناد ضعيف وأصله في
((الصحيح)) من حديث أبي الدرداء.
(٢) في (س): ((العر: وهو الجرب)) وهو خطأ، وانظر ((اللسان)) (معر).
(٣) في (س): أجرب، وهو تحريف.
(٤) والمَغَرَة: طين أحمر يصبغ به. ((اللسان)) (مغر).