Indexed OCR Text
Pages 441-460
٤٤١ باب ٢٤ كتاب المناقب الكثيرُ منه القطعَ عند أهل العلم بالآثار، والعِناية بالسِّير والأخبار، وإن لم يَصِل عند غيرهم إلى هذه الرُّتبة لعَدَمِ عِنايتهم بذلك، بل لو ادَّعى مُدَّع أنَّ غالبَ هذه الوقائع مُفيدَةٌ للقطع بطريقٍ نظَريٍّ لمَا كان مُستَبعَداً، وهو أنَّه لا مِرْية أنَّ رواة الأخبار في كلّ طبقة قد حَدَّثوا بهذه الأخبار في الجملة، ولا يُحْفَظُ عن أحدٍ من الصَّحابة ولا مَن بعدهم مُخالَفةٌ الراوي فيما حكاه من ذلك، ولا الإنكار عليه فيما هنالكَ، فيكون الساكِت منهم كالناطِقِ، لأنَّ مجموعَهم محفوظ من الإغضاء على الباطل. وعلى تقدير أن يُوجَد من بعضهم إنكارٌ أو طَعنٌ على بعض مَن روى شيئاً من ذلك، فإنَّما هو من جِهَة تَوَقُّفٍ في صِدق الراوي، أو تُهُمَته بكذِبٍ، أو تَوَقُّف في ضبطه ونِسبته إلى سوء الحفظ أو جواز الغَلَط، ولا يُوجَد من أحدٍ منهم طَعنٌ في المرويّ، كما وُجِدَ منهم في غير هذا الفَنّ من الأحكام والآداب وحُروف القرآن ونحو ذلك. وقد قَرَّرَ القاضي عياض ما قَدَّمته من وجود إفادة القطع في بعض الأخبار عند بعض العلماء دون بعض تقريراً حسناً، ومَثَّلَ ذلك بأنَّ الفقهاء من أصحاب مالك قد تَواتَرَ عندهم النَّقل أنَّ مذهبه إجزاء النّية من أوَّل رمضان خِلافاً للشّافعي في إيجابه لها في كلّ ليلة، وكذا إيجاب مَسح جميع الرَّأس في الوضوء خِلافاً للشّافعي في إجزاء بعضه، وأنَّ مذهبهما معاً إيجاب النّية في أوَّل الوضوء، واشتراط الوَلي في النِّكاح خِلافاً لأبي حنيفة، وتجد العَدَد الكثير والجَمّ الغَفير من الفقهاء مَن لا يَعرف ذلك من خِلافهم، فضلاً عَمَّن لم يَنظُر في الفقه، وهو أمر واضح، والله أعلم. وذكر النَّوَوي في مُقدِّمة ((شرح مسلم)) أنَّ مُعجِزات النبيِ وَ لَّ تَزيد على ألفٍ ومئَتَين، وقال البيهقي / في ((المدخَل)): بَلَغَت ألفاً، وقال الزّاهدي من الحنفية: ظَهَرَ على يَدَيه ألف ٥٨٣/٦ مُعجِزة، وقيل: ثلاثة آلاف، وقد اعتَنى بجمعِها جماعة من الأئمَّة كأبي نُعَيم والبيهقي وغيرهما. قوله: ((في الإسلام)) أي: من حين المبعَث وهَلُمَّ جَرّاً، دون ما وقَعَ قبل ذلك، وقد جَمَعَ ٤٤٢ باب ٢٤ فتح الباري بشرح البخاري ما وقَعَ مِن ذلك قبل المبعَث، بل قبل المولِد: الحاكمُ في ((الإكليل))، وأبو سعيد النَّيسابوري في ((شَرَف المصطَفى)) وأبو نُعَيم والبيهقي في «دلائل النبوَّة))، وسيأتي منه في هذا الكتاب في قصَّة زيد بن عَمْرو بن نُفَيل في خروجه في ابتغاء الدِّين(١)، ومضى منه قصَّة وَرَقة بن نَوفَل(٢) وسَلمان الفارسي(٣)، وقَدَّمت في ((باب أسماء النبي ◌َّ) قصَّة محمَّد بن عَدي بن ربيعة في سبب تسميته محمَّداً (٤)، ومن مشهور ذلك قصَّة بَحِيْرا الرّاهب، وهي في ((السِّيرة)) لا بن إسحاق(٥). وروى أبو نُعَيم في ((الدَّلائل))(٦) من طريق شعيب - أي: ابن محمّد بن عبد الله بن عَمْرو ابن العاص - عن أبيه عن جَدّه، قال: كان بمَرِّ الظَّهران راهب يُدعى عيصا، فذكر الحديث، وفيه: أنَّه أُعلِم عبد الله بن عبد المطَّلِب ليلة وُلِدَ له النبيِوَلِ بأنَّه نبي هذه الأُمَّة، وذکر له أشياء من صِفَته. وروى الطبراني(٧) (٨/ ٧٢٦٢) من حديث معاوية بن أبي سفيان عن أبيه: أنَّ أُميَّة بن أبي الصَّلت قال له: إنّ أجِد في الكتب صفةً نبيِّ يُبعَث من بلادنا، وكنت أظنّ أنّي هو، ثمَّ ظَهَرَ لي أنَّه من بني عبد مَناف، قال: فَتَظَرت فلم أجِد فيهم مَن هو مُتَّصِف بأخلاقه إلّا عُتبة بن ربيعة، إلّا أنَّه جاوَزَ الأربعينَ ولم يوحَ إليه فعَرَفت أنَّه غيره. قال أبو سفيان: فلمَّا بُعِثَ محمَّد، قلت لأُميَّة عنه، فقال: أما إنَّه حَقٌّ فاتَّبِعْه، فقلت له: فأنتَ ما يَمنَعك؟ قال: (١) سيأتي عند البخاري برقم (٣٨٢٧). (٢) سلف برقم (٣). (٣) انظر الكلام على شرح باب شراء المملوك من الحربي وهبته من كتاب البيوع قبل الحديث (٢٢١٧)، وانظر شرح الحديث (٣٩٤٦). (٤) عند شرح الحديث (٣٥٣٢). (٥) لكنها لم تقع موصولة فيه، وإنما وصلها الترمذي (٣٦٢٠) وغيره من حديث أبي موسى الأشعري بإسناد قوي كما قال الحافظ عند شرح الحديث (٤٩٥٣). (٦) لم نقف عليه فيما طبع من الكتاب، وقد ساق إسناده ابن كثير في («البداية والنهاية» ٣/ ٤٠٣، وفيه رجل متروك، فلا یصُ. (٧) وإسناده ضعيف جدّاً. ٤٤٣ باب ٢٤ كتاب المناقب الحياء من نُسَيّات ثَقيف، أنّي كنت أُخبِرُهنَّ أنّي هو، ثمَّ أصير تَبَعاً لفَتَّى من بني عبد مناف. وروى ابن إسحاق من حديث سَلَمةَ بن سلامة بن وَقْش، وأخرجه أحمد (١٥٨٤١) وصَخَّحَه ابن حِبّان(١) من طريقه، قال: كان لنا جار من اليهود بالمدينة، فخَرَجَ إلينا قبل البِعْثة بزمانٍ، فذَكَر الحَشر والجنَّةَ والنار، فقلنا له: وما آيَةُ ذلك؟ قال: خروج نبي يُبعَث من هذه البلاد - وأشارَ بيده إلى مكَّة - فقالوا: متى يقع ذلك؟ قال: فَرَمى بطَرَفِه إلى السماء - وأنا أصغر القوم - فقال: إن يَسْتَنِفِدْ هذا الغلامُ عمرَه يُدرِكُه، قال: فما ذهَبَتِ الأیامُ واللَّيالي حتَّى بَعَثَ الله نبيّه وهو حَيٍّ، فَآمَنّا به وكفرَ هو بَغياً وحَسَداً. وروی يعقوب بن سفيان بإسنادٍ حسن عن عائشة قالت: کان یهوديٌّ قد سَکَنَ مگَّة، فلمَّا كانت اللَّيلة التي وُلِدَ فيها النبيَِِّ قال: يا مَعشَر قريش هل وُلِدَ فيكم اللَّيلة مَولود؟ قالوا: لا نَعلَم. قال: انظُرُوا، فإنَّه وُلِدَ في هذه اللّيلة نبي هذه الأُمَّة، بين كَتِفَيه علامةٌ، لا يَرْضَع ليلَتَين، لأنَّ عِفريتاً من الجِنّ وضَعَ يده على فمه، فانصَرَفوا، فسألوا، فقيل لهم: قد وُلِدَ لعبد الله بن عبد المطَّلِب غلام، فذهب اليهوديّ معهم إلى أمّه، فأخرجته لهم، فلمَّا رأى اليهوديّ العلامة خَرَّ مَغشياً عليه، وقال: ذهبَت النبوَّة من بني إسرائيل، يا مَعشَر قريش، أما والله لَيَسطُوَنَّ بكم سَطْوةً يَخْرُجِ خَبرُها من المشرق والمغرب. قلت: ولهذه القِصَص نظائر يَطُول شرحها. وممّا ظَهَرَ من علامات نُبوَّته عند مَولِده وبعده: ما أخرجه الطبراني (٣٥٥/٢٥)(٢) عن عثمان بن أبي العاص الثَّقَفي، عن أمّه: أنَّهَا حَضَرَت آمِنة أمَّ النبيِ وَِّ، فلمَّاً ضَرَبَها المخاض قالت: فجَعَلتُ أنظُر إلى النُّجومِ تَدَلّى حتَّى أقول: لَتَقَعنَّ عليَّ، فلمَّا وَلَدَتْ خَرَجَ منها نورٌ (١) كذا نسبه الحافظُ هنا إلى ابن حبان، ولم نقف عليه في ((صحيحه))، ولا ذكره الحافظ نفسه في («إتحاف المهرة)) (٦٠٢٦)! وإنما صححه الحاكم ٣/ ٤١٧، فالظاهر أنَّ الحافظ أراده لكن سبق قلمه، فذكر ابن حبان، والله أعلم، والحديث في ((السيرة النبوية)) لابن هشام ١/ ٢١٢. (٢) في إسناده متروك. ٤٤٤ باب ٢٤ فتح الباري بشرح البخاري أضاء له البيت والدّار. وشاهِده حديث العرباض بن سارية، قال: سمعت رسول الله وَ له يقول: ((إنّي عبدُ الله وخاتم النبيينَ وإِنَّ آدَمَ لَمُنْجَدِلٌ في طِينَتَه، وسأُخبِرُكم عن ذلك: أنا دَعْوةُ أبي إبراهيم، وبشارة عيسى بي، ورُؤيا أمّي التي رأت، وكذلك أمَّهات النبيّينَ يَرَينَ، وإنَّ أمّ رسول الله رأت حين وضَعَته نوراً أضاءت له قُصور الشّام)) أخرجه أحمد (١٧١٥٠)، وصَحَّحَه ابن حِبّان (٦٤٠٤)، والحاكم (٦٠٠/٢). وفي حديث أبي أُمامةُ عند أحمد (٢٢٢٦١) نحوه. وأخرج ابن إسحاق(١) عن ثَور بن يزيد عن خالد بن معدان عن أصحاب رسول الله وَّل نحوه، وقال: ((أضاءَت له بُصرى من أرض الشّام)). ٥٨٤/٦ وروى ابن حِبّان (٦٣٣٥)،/ والحاكم(٢) في قصَّة رَضاعه ◌َلِّ من طريق ابن إسحاق بإسنادِهِ إلى حَليمة السَّعدية الحديث بطولِهِ، وفيه من العلامات: كَثْرَةُ اللَّبَن في ثَدَيَيها، ووجود اللَّبَن في شارفها بعد الهُرال الشَّديد، وسُرعة مَشي حمارها، وكَثْرة اللَّبَن في شياهِها بعد ذلك، وخِصب أرضها، وسُرعة شبابه، وشَقّ الملَكَین صَدرَه. وهذا الأخير أخرجه مسلم (١٦٢ / ٢٦١) من حديث أنس: أنَّ النبي ◌َّ أتاه جِبْريل وهو يَلعَب مع الغِلمان، فأخَذَه فَصَرَعَه، فَشَقّ عن قلبه، فاستَخرَجَ منه عَلَقَةً، فقال: هذا حَظّ الشيطان مِنك، ثمَّ غَسَلَه في طَسْتٍ من ذهبٍ بماءٍ زَمَزَم، ثمَّ جَمَعه فأعادَه مكانه، الحديث. وفي حديث تَحزوم بن هانئ المخزومي عن أبيه، قال: وكان قد أتت عليه خمسونَ ومئة سنة قال: لمَّا كانت اللَّيلة التي وُلِدَ فيها رسول الله وَّ انكَسَرَ إیوان كِسرى وسقطت منه أربع عشرة شُرفةً، وَدَت نار فارس ولم تُحمَد قبل ذلك بألفٍ عام، وغاضَت بُخَيرة (١) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام ١/ ١٦٦. (٢) كذا نسبه الحافظ رحمه الله هنا للحاكم، مع أنه لم يخرجه منه في («إتحاف المهرة)) (٢١٤٠٦)، ولم نقف عليه في المطبوع من ((المستدرك)»! ٤٤٥ باب ٢٤ كتاب المناقب ساوه، ورأى المُوبِذان إيلاًّ صِعاباً تقودُ خَيلاَ عِراباً قد قَطَعَت دِجلة وانتَشَرَت في بلادها، فلمَّا أصبَحَ كِسرى أفزَعَه ما وَقَعَ، فسأل علماءَ أهل مملَكَته عن ذلك، فأرسَلوا إلى سَطِيح، فذكر القصّة بطولها، أخرجها ابن السَّكَن وغيره في ((معرفة الصَّحابة))(١). ثم أورد المصنف في الباب نحو خمسين حديثاً: ٣٥٧١- حدَّثنا أبو الوليدِ، حدَّثنا سَلْمُ بنُ زَرِيرٍ، سمعتُ أبا رَجاءٍ، قال: حدَّثْنَا عِمْرانُ ابنُ حُصَينٍ: أنَّهم كانوا معَ النبيِّ ◌َّهِ فِي مَسِيرٍ، فَأَدَجَوا لَيَلَتَهم، حتَّى إذا كان في وجهِ الصُّبْحِ عَرَّسُوا، فغَلَبَتْهم أعيُنُهم حتَّى ارتَفَعَتِ الشمسُ، فكان أوَّلَ مَنِ استَقَظَ من مَنامِه أبو بكرٍ، وكان لا يوقَظُ رسولُ اللهِ وَِّ مِن مَنامِه حتَّى يَسْتَيقِظَ، فاستَقَظَ عمرُ، فَقَعَدَ أبو بكرٍ عندَ رأسِه، فجَعَلَ يُكَبِّرُ ويرفَعُ صوتَه، حتَّى اسْتَقَظَ النبيُّ بِهِ، فنزلَ وصَلَى بنا الغَدَاةَ، فَاعْتَزَّلَ رجلٌ مِن القَومِ لم يُصَلِّ مَعَنا، فلمَّ انصَرَفَ قال: ((يا فلانُ، ما يَمْنَعُكَ أن تُصَلِّيَّ مَعَنا؟)) قال: أصابتْنِي جَنابةٌ، فأمَرَه أن يَتَيِمَّمَ بالصَّعِيدِ، ثمَّ صَلَّى، وجَعَلَني رسولُ اللهِ وَّ فِي رَكوبٍ بينَ يَدَيه، وقد عَطِشْنا عَطَشاً شديداً، فبينما نحنُ نَسِيرُ إذا نحنُ بامرأةٍ سادِلةٍ رِجْلَيها بينَ مَزادتَينِ، فقُلْنا لها: أينَ الماءُ؟ فقالت: إنَّه لا ماءَ، فقُلْنا: كَم بينَ أهلِكِ وبينَ الماءِ؟ قالت: يومٌ وليلةٌ، فقُلْنا: انطَلِقِي إلى رسولِ الله وَّه، فقالت: وما رسولُ الله؟ فلم تُمَلِّكْها من أمرِها حتَّى اسْتَقبَلْنا بها النبيَّ ◌َّهِ، فحدَّثَتْه بمِثْلِ الذي حدَّثَتْنا، غيرَ أنَّهَا حدَّثَتْه أنَّهَا مُؤْتِمَةٌ، فأمَرَ بمَزادَتَيها فَمَسَحَ بِالعَزْلاوَينِ، فَشَرِبْنا عِطاشاً أربعونَ رجلاً حتَّى رَوِينا، فمَلأنا كُلَّ قِرْبةٍ مَعَنا وإِدَاوَةٍ، غيرَ أنَّه لم نَسْقِ بَعِيراً، وهي تكادُ تَبِضُّ مِن المِلْءِ، ثمَّ قال: ((هاتُوا ما عندَكم)) فجُمِعَ لها مِن الكِسَرِ والتَّمْرِ حتَّى أنت أهلها، فقالت: لَقِيتُ أسحَرَ الناسِ! أو هو نبيٌّ كما زَعَموا، فهَدی الله ذَلِكَ الصِّْمَ بِتِيْكَ المرأةِ، فأسلَمَتْ وأسلَموا. الحديث الأول: حديث عمران بن حُصَينٍ في قصَّة المرأة صاحبة المزادتَينِ، والمعجزة فيها تكثير الماء القليل ببَرَكَتِهِ له، وقد تقدَّم شرح الحديث مُستَوفَّى في أبواب التيمُّم (٣٤٤). (١) وانظر أيضاً (دلائل النبوة)) لأبي نعيم (٨٢)، و((دلائل النبوة)) للبيهقي ١٢٦/١. ٤٤٦ باب ٢٤ فتح الباري بشرح البخاري وقوله في هذه الرِّواية: ((إِيْهِ)) بكسر الهمزة وسكون التَّحتانية(١)، وفي بعض النُّسَخِ: أَيهاً، بالتَّنوين مع الفتح، وحَکَی الجوهري جواز فتح الهمزة في هذه. وقوله: ((مُؤْتِمَة)) أي: ذات أيتام. وقوله: ((فمَسَحَ بالعَزْلاوين)) في رواية الكُشْمِيهني: في العزلاوَين، وهما تَثنية عَزْلاء، بسكونِ الزّاي وبالمدِّ، وهو فم القِربة، والجمع عَزالي، بكسر اللّام الخفيفة، وكذلك وقَعَ في الرِّواية المتقدِّمة. قوله: ((فشَرِبْنا عِطاشاً أربعونَ رجلاً)) أي: ونحنُ حينئذٍ أربعونَ، وفي رواية الكُشْمِيهني: أربعينَ، بالنَّصبِ، وتوجيهها ظاهر. وقوله: ((وهي تكاد تَبِضّ)) بكسر الموحّدة بعدها مُعجَمة ثقيلة، أي: تَسيل، وحَكَى عياض عن بعض الرُّواة بالصّادِ المهمَلة من البَصيص، وهو اللَّمَعان، ومعناه مُستَبعَد هنا، فإنّ في نفس الحديث: تكاد تَبِضُّ من الملء، بكسر الميم وسكون اللّام بعدها همزة، فگونها تكاد تَسيل من المِلء ظاهرٌ، وأمَّا كَونها تَلمَع من الملء فبعید. وقال ابن التِّين: معنى قوله: ((تَبِضّ)) بالمعجَمة، أي: تَشُقّ، يقال: بَضَّ الماءُ من العين إذا نَبَعَ، وكذا بَضَّ العَرَق، قال: وفيه روايات أُخرى: روي: تَنِضّ، بنونٍ وضاد مُعجَمة، وروي: تَيْصَر، بمُثنّةٍ مفتوحة بعدها تحتانية ساكنة وصاد مُهمَلة ثمَّ راء. قال: وذكر الشَّيخ أبو الحسن أنَّ معناه تَنشَقّ، قال: ومنه صِيرُ الباب، أي: شَقُّ الباب، ورَدَّه ابن التِّين بأن ((صِيرَ)) عينُهُ حرفُ عِلَّة، فكان يَلَزَم أن يقول: تَصَوَّرُ، وليس هذا في شيءٍ من الرِّوايات. ورأيت في رواية أبي ذرِّ عن الكُشْمِيهني: تَنْصَب، بفتح المثنّاة وسكون النُّون وفتح الصّاد المهمَلة بعدها موحّدة، فتوافق الرِّواية الأولى لأنَّها بمعنی تَسيل. (١) كذا ضبطها الحافظ رحمه الله، وتبعه العيني في ((عمدة القاري) ١١٨/١٦، وزاد العيني أنها بمعنى هيهات، ولم يبينا في أي الروايات هي كذلك، وإلا فلم يرد في اليونينية ولا في شرح القسطلّاني خلاف في أنَّ الرواية عند البخاري: ((إنه لا ماء)) لكن جاء في رواية مسلم: «أيهاه))، وهو بمعنى هيهات، فالله تعالى أعلم. ٤٤٧ باب ٢٤ / ح ٣٥٧٢ -٣٥٧٥ كتاب المناقب ٣٥٧٢- حدَّثنا محمَّدُ بنُ بشّار، حدَّثنا ابنُ أبي عَدِيٍّ، عن سعيدٍ، عن قَتَادةَ، عن أنسٍ ﴾ قال: أُتِيَ النبيُّ نَِّ بإناءٍ، وهو بالزَّوْراءِ، فَوَضَعَ يدَه في الإناءِ، فَجَعَلَ الماءُ يَنْبُعُ مِن بينِ أصابعِهِ، فَتَوضَّأ القومُ. قال قَتَادةُ: قلتُ لأنسٍ: كَم كنتُمْ؟ قال: ثلاثَ مئةٍ، أو زُهاءَ ثلاثٍ مئةٍ. ٣٥٧٣- حدَّثْنَا عبدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ، عن مالكٍ، عن إسحاقَ بنِ عبدِ الله بنِ أبي طَلْحَةً، عن أنسٍ ابن مالكٍ ﴾، أَنَّه قال: رأيتُ رسولَ الله وَّهِ وحانَت صلاةُ العَصْرِ، فالتَمَسَ الناسُ الوَضوءَ فلم يَجِدُوهُ، فَتِيَ رسولُ الله ◌َّ بَوَضوءٍ، فَوَضَعَ رسولُ اللهِ وَزِ يدَه في ذلك الإِناءِ، فَأَمَرَ الناسَ أن يَتَوضَّؤْوا منه، فرأيتُ الماءَ يَنْبَعُ من تحتِ أصابعِهِ، فَتَوضَّأ الناسُ حتَّى تَوضَّؤوا من عندِ آخرِهم. ٣٥٧٤- حدَّثنا عبدُ الرحمن بنُ مُبارَكٍ، حدَّثنا حَزْمٌّ، قال: سمعتُ الحسنَ، قال: حدَّثْنا أنسُ بنُ مالكٍ ﴾، قال: خَرَجَ النبيُّ وَّه في بعضِ تَخارِجِه ومعه ناسٌٌ من أصحابه، فانطَلَقُوا يَسِيرونَ، فحَضَرَتِ الصَّلاةُ، فلم يَجِدوا ماءً يَتَوضَّؤونَ، فانطَلَقَ رجلٌ مِن القومِ، فجاء بقَدَحِ من ماءٍ يَسِيرٍ، فَأَخَذَه النبيُّ ◌َّهِ فَتَوضَّأْ، ثمَّ مَّ أَصابِعَه الأربعَ على القَدَحِ، ثمَّ قال: ((قوموا تَوضَّؤْوا)) فتَوضَّأ القومُ حتَّى بَلَغُوا فيما يُرِيدونَ مِن الوَضُوءِ، وكانوا سبعِينَ أو نحوَه. ٣٥٧٥- حدَّثنا عبدُ الله بنُ مُنيرٍ، سمعَ يزيدَ، أخبرنا مُميدٌ، عن أنسٍ ﴾، قال: حَضَرَتِ الصَّلاةُ، فقامَ مَن كان قريبَ الدّار مِن المسجدِ فَتَوضَّأَ، وبَقِيَ قومٌ، فَأَتِيَ النبيُّ وَِّ بِمِخْضَبٍ من حِجارةٍ فيه ماءٌ، فَوَضَعَ كَفَّه فصَغُرَ المِخْضَبُ أن يَبْسُطَ فيه كَفَّه، فضَمَّ أصابِعَه فَوَضَعَها في المِخْضَبِ، فَتَوضَّأَ القومُ كلُّهُم جميعاً، قلتُ: كَم كانوا؟ قال: ثمانونَ رجلاً. الحديث الثاني والثالث عن أنس في نَبع الماء من بين أصابعه وَ لَّ، أورَدَه من أربعة طرق: من رواية قَتَادة وإسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة والحسن البصري وحُميد، وتقدَّم عنده في الطَّهارة من رواية ثابت (٢٠٠)، كلّهم عن أنس، وعند بعضهم ما ليس عند بعض، وظَهَرَ لي من مجموع الرِّوايات أنَّهما قِصَّتان في مَوطِنَين للتَّغايُرِ فِي عَدَد مَن حَضَرَ، وهي مُغايَرة واضحة يَبعُد الجمعُ فيها، وكذلك تعيين المكان الذي وقعَ ذلك فيه، لأنَّ ظاهر ٤٤٨ باب ٢٤ / ح ٣٥٧٢ -٣٥٧٥ فتح الباري بشرح البخاري رواية الحسن أنَّ ذلك كان في سَفَر، بخِلاف رواية قَتَادة فإنَّهَا ظاهرةٌ في أنَّها كانت بالمدينة، وسيأتي في غير حديث أنس أنَّها كانت في مَواطنَ أُخَرَ. قال عياض: هذه القصَّة رواها الثِّقاتُ من العَدَد الكثير، عن الجَمّ الغَفير، عن الكافَّة، ٥٨٥/٦ مُتَّصِلةً بالصَّحابة، وكان/ ذلك في مَواطنِ اجتماع الكثير منهم في المحافل وتَجَمَع العساكر، ولم يَرِدَّ عن أحد منهم إنكارٌ على راوي ذلك، فهذا النَّوع مُلحَق بالقطعي من مُعجِزاته. وقال القُرطُبي: قضية نَبع الماء من بين أصابعه ﴿ ﴿ تَكَرَّرَت منه في عِدَّة مواطن في مشاهد عظيمة، ووَرَدَت من طرق كثيرة يفيد مجموعها العلم القطعي المستفاد من التَّواتُر المعنَوي - قلت: أخَذَ كلام عياض وتَصَرَّفَ فيه - قال: ولم يُسمَع بمِثلِ هذه المعجزة عن غير نبيِّنَا وَله. وحديث نَبع الماء جاء من رواية أنس عند الشَّيخَين وأحمد وغيرهم من خمسة طرق(١)، وعن جابر بن عبد الله من أربعة طرق(٣)، وعن ابن مسعود عند البخاري (٣٥٧٩)، والتِّرمِذي (٣٦٣٣)(٣)، وعن ابن عبّاس عند أحمد (٢٢٦٨)، والطبراني (١٢٥٦٠) من طريقَينِ، وعن أبي ليلى(٤) والد عبد الرحمن عند الطبراني (٦٤٢٠)، فعَدَد هؤلاءِ الصَّحابة ليس كما يُفهَم من إطلاقهما. وأمَّا تكثير الماء بأن يَلمِسه بيده، أو يَتَفُل فيه، أو يأمر بوضع شيء فيه، كسَهُمٍ من (١) أخرجه من طريق إسحاق بن عبد الله: مسلم (٢٢٧٩) (٥)، وأحمد في ((مسنده)) (١٢٣٤٨). وأخرجه من طريق حميد: أحمد في ((مسنده)) (١٢٠٣٢)، وأخرجه من طريق ثابت: مسلم (٢٢٧٩) (٤)، وأحمد (١٢٤١٢)، وأخرجه من طريق قتادة: مسلم (٢٢٧٩) (٧)، وأحمد (١٢٧٤٢)، وأخرجه من طريق الحسن أحمدُ (١٣٢٦٦). (٢) هو عند البخاري في هذا الباب برقم (٣٥٧٦) من طريق سالم بن أبي الجعد، ومسلم (٣٨٣) من طريق عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت، وأحمد (١٤١١٥) من طريق نبيح العنزي و(١٤٦٩٧) من طريق أنس بن مالك، أربعتهم عن جابر. (٣) وهو أيضاً في ((مسند أحمد)) (٤٣٩٣). (٤) وقع في الأصلين و(س): وعن ابن أبي ليلى، بإقحام لفظة ((ابن))، وهو خطأ. ٤٤٩ باب ٢٤ / ح ٣٥٧٢ -٣٥٧٥ كتاب المناقب كِنِانَته، فجاء في حديث عِمران بن حُصَينٍ في ((الصحيحينِ))(١)، وعن البراء بن عازب عند البخاري (٣٥٧٧)، وأحمد (١٨٥٦٣) و(١٨٥٨٤) من طريقَينِ، وعن أبي قَتَادة عند مسلم (٦٨١)، وعن أنس عند البيهقي في ((الدَّلائل)) (١٢١/٤ - ١٢٥)، وعن زياد بن الحارث الصُّدائي عنده (١٢٥/٤-١٢٧)، وعن حِبّان بن بُحّ - بضمِّ الموحّدة وتشديد المهمَلة - الصُّدائي أيضاً(٢)، فإذا ضُمَّ هذا إلى هذا بَلَغَ الكَثْرة المذكورة أو قارَبها. وأمَّا مَن رواها من أهل القرن الثّاني فهم أكثر عَدَداً، وإن كان شَطر طرقه أفراداً. وفي الجملة يُستَفاد منها الردّ على ابن بَطّال حيثُ قال: هذا الحديث شَهِدَه جماعةٌ كثيرةٌ من الصَّحابة، إلّا أنَّه لم يُروَ إلّا من طريق أنس، وذلك لِطُولِ عمره وتَطَلُّبِ الناسِ العُلوَّ في السَّنَد. انتهى. وهو يُنادى عليه بقِلَّة الاطّلاع والاستحضار لأحاديث الكتاب الذي شَرَحَه، وبالله التَّوفيق. قال القُرطُبي: ولم يُسمَع بمِثلِ هذه المعجزة عن غير نبينا وَّةِ، حيثُ نَبَعَ الماء من بين عَظْمِهِ وعَصَبه ولحمه ودمه، وقد نَقَلَ ابن عبد البَرّ عن المُزَني أنَّه قال: نَبْعُ الماء من بين أصابعه وَّهِ أَبلَغْ في المعجزة من نَبع الماء من الحجر حيثُ ضَرَبَه موسى بالعَصا فتَفَجَّرَت منه المياه، لأنَّ خروج الماء من الحجارة مَعهود، بخِلاف خروج الماء من بين اللَّحم والدَّم. انتهى. وظاهر كلامه أنَّ الماء نَبَعَ من نفس اللَّحم الكائن في الأصابع، ويُؤيِّده قوله في حديث جابر الآتي: فرأیت الماء يخرُج من بين أصابعه، وأوضح منه ما وقع في حديث ابن عبّاس عند الطبراني (١٢٥٦٠): فجاؤوا بشَنّ، فَوَضَعَ رسول اللهِوَ لِّ يده عليه، ثمَّ فَرَّقَ أصابعه، فَنَبَعَ الماء من أصابع رسول الله وَّ مِثل عَصا موسى. فإنَّ الماء تَفَجَّرَ من نفس العَصا، فتَمَسُّكه به يقتضى أنَّ الماء تَفَجَّرَ من بين أصابعه، ويَحْتَمِل أن يكون المراد أنَّ الماء كان يَنْبُع من بين أصابعه بالنِّسبة إلى رُؤية الرّائي، وهو في نفس الأمر للبَرَكة الحاصلة فيه يَفورُ (١) هو أول أحاديث هذا الباب، وأخرجه مسلم (٦٨٢). (٢) حديثه عند أحمد (١٧٥٣٦). ٤٥٠ باب ٢٤ / ح ٣٥٧٢ -٣٥٧٥ فتح الباري بشرح البخاري ويَكْثُرُ وكَفُّه ◌َِّ في الماء، فيراه الرّائي نابعاً من بين أصابعه، والأوَّل أبلَغُ في المعجزة، ولیس في الأخبار ما يَرُدّه، وهو أولى. قوله: ((عن سعيد)) هو ابن أبي عَرُوبة. قوله: ((عن أنس)) لم أرَه من رواية قَتَادة إلّا مُعَنعَناً، لكن بقيَّة الخبر تَدُلّ على أنَّه سمعَه من أنس لقوله: قلت: كَم كنتُم، لكن أخرجه أبو نُعَيم في ((الدَّلائل)) من طريق مَكّي بن إبراهيم عن سعيد، فقال: عن فَتَادة عن الحسن عن أنس(١)، فهذا لو كان محفوظاً اقتَضى أنَّ في رواية ((الصَّحيح)) انقطاعاً، وليس كذلك لأنَّ مَكّ بن إبراهيم ممَّن سمعَ من سعيد ابن أبي عَرُوبة بعد الاختلاط(٢). قوله: ((وهو بالزَّوْراء)) بتقديم الزّاي على الرّاء وبالمدِّ: مكان معروف بالمدينة عند السّوق. وزَعَمَ الدَّاوودي أنَّه كان مُرتَفِعاً كالمنارة، وكأنَّه أخَذَه من أمر عثمان بالتَّأذين على الَّوراء، وليس ذلك بلازمٍ، بل الواقع أنَّ المكان الذي أَمَرَ عثمان بالتَّأذين فيه كان بالزّوراءِ، لا أنَّ الَّوراء نفسها. ووقعَ في رواية همَّم عن قَتَادة عن أنس: شَهِدت النبي ◌َّ مع أصحابه عند الزَّوراء، أو عند بيوت المدينة. أخرجه أبو نُعَيم (٣١٧) (٣). ٥٨٦/٦ وعند أبي نُعَيم(٤) من رواية شَرِيك/ بن أبي نَمِر عن أنس: أنَّه هو الذي أحضَرَ الماء، وأنَّه أحضَرَه إلى النبيِنَِّ من بيت أمّ سَلَمة، وأنَّه رَدَّه بعد فراغهم إلى أمّ سَلَمةَ، وفيه قَدْرُ ما کان فيه أوَّلاً. ووقعَ عنده(٥) في رواية عُبيد الله بن عمر عن ثابت عن أنس: أنَّ النبي ◌َّ خَرَجَ إلى قُباء، فأُتي مِن بعض بيوتهم بقَدَحٍ صغير. (١) ولكن من طريق يعلى عن هدبة بن خالد عن همام عن قتادة عن أنس. (٢) ونقل الحافظ ابن رجب في (شرح علل الترمذي)) ٢/ ٧٣٢ عن الحافظ البرديجي قوله: لا يثبت بهذا الإسناد حدیث أصلاً من رواية الثقات. (٣) انظر لزاماً كلام الحافظ في بيان الزوراء عند شرح الحديث (٩١٢). (٤) وهو أيضاً عند الطبراني في «الأوسط)) (٧٥٠٧). (٥) وهو أيضاً في («مسند أبي عوانة)» (٨١٣٠) و(٨١٣١). ٤٥١ باب ٢٤ / ح ٣٥٧٦ كتاب المناقب ووقعَ في حديث جابر الآتي التَّصريحُ بأنَّ ذلك كان في سَفَر، ففي رواية نُبَيحِ العَنَزي عند أحمد (١٤١١٥) عن جابر قال: سافَرنا مع رسول الله وَ لَ فِحَضَرَت الصلاةُ، فقال رسول الله وَّ: ((أمَا في القوم من طَهُور؟)) فجاء رجل بفَضْلةٍ في إدَاوَة فصَبَّه في قَدَح، فتَوضَّأ رسولُ اللهِ وَّةِ، ثمَّ إِنَّ القومِ أَتَوْا ببقيَّة الطَّهور، فقالوا: تَسَّحوا تَسَّحوا، فسمعَهم رسولُ اللهِ وَ لَّ، فقال: ((على رِسْلِكم)) فضَرَبَ بيدِه في القَدَح في جَوف الماء، ثمَّ قال: ((أسبغوا الطَّهور)) قال جابر: فوالذي أذهَب بَصري، لقد رأيتُ الماء يَخْرُج من بين أصابع رسول الله وَلِّ، حتَّى توضؤوا أجْمَعونَ، قال: حَسِبته قال: كنَّا مثَتَين وزيادة. وجاء عن جابر قصَّة أُخرى أخرجها مسلم (٣٠١٣) من وجه آخر عنه في أواخر الكتاب في حديث طويل فيه: أنَّ الماء الذي أحضروه له كان قَطرة في إناء من جِلد، لو أَفَرَغَها لَشَرِبَها يابسُ الإناء، وأنَّه لم يَجِد في الرَّكْب قَطرةَ ماءِ غيرَها، قال: فَأَخَذَه النبيَِّ، فتَكلَّمَ وغَمَزَ بيدِه، ثمَّ قال: ((نادِ بجَفْنة الرَّكب)) فجيءَ بها، فقال بيدِه في الجَفْنة، فَبَسَطَها ثَّ فَرَّقَ أصابِعِه، ووَضَعَ تلكَ القَطرة في قَعْرِ الجَفْنة، فقال: ((خُذْ يا جابر، فصُبَّ عليَّ وقُل: بسمِ الله)) ففَعَلتُ، قال: فرأيت الماء يَفورُ من بين أصابعه، ثمَّ فارَتِ الجَفْنة، ودارت حتَّى امتَلَأت، فأتى الناسُ فاستَقَوا حتَّى رَوَوا، فَرَفَعَ يده من الجَفْنة وهي مَلأى. وهذه القصّة أبلَغ من جميع ما تقدَّم، لاشتمالها على قِلَّة الماء وعلى كثرة مَنِ استَقی منه. قوله: ((زُهاء ثلاثٍ مئة)) هو بضمِّ الزّاي وبالمدِّ، أي: قَدر ثلاث مئة، مأخوذ من زَهَوتُ الشيءَ: إذا حَصَرتَه. ووقعَ عند الإسماعيلي من طريق خالد بن الحارث عن سعيد، قال: ثلاث مئة، بالجزمِ، بدونِ قوله: زُهاء، والله أعلم. ٣٥٧٦- حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ مُسلم، حدَّثنا حُصَينٌّ، عن سالم بنِ أبي الجَعْدِ، عن جابرِ بنِ عبدِ الله رضي الله عنهما، قال: عَطِشَ الناسُ يومَ الحُدَيْبِيَّةِ والنبيُّ وَّهُ بِينَ يَدَيْهِ رَكْوةٌ، فَتَوضَّأْ جَهَشَ الناسُ نحوَه، قال: ((ما لكم؟)) قالوا: ليس عندَنا ماءٌ ٤٥٢ باب ٢٤ / ح ٣٥٧٧ - ٣٥٧٨ فتح الباري بشرح البخاري تَتَوضَّأُ ولا نَشَرَبُ إلّا ما بَينَ يَدَيكَ، فَوَضَعَ بِدَه في الرَّكْوةِ، فَجَعَلَ الماءُ يَثُورُ بينَ أصابعِه كأمثال العُيونِ، فشَرِبْنا وتَوضَّأْنا، قلتُ: كَم كنتُمْ؟ قال: لو كنَّا مئةَ ألفٍ لَكَفانا، كنَّا خمسَ عَشْرةَ منّةً. [أطرافه في: ٤١٥٢، ٤١٥٣، ٤١٥٤، ٤٨٤٠، ٥٦٣٩] الحديث الرابع: حديث جابر في نَبْع الماء أيضاً: قوله: ((عَطِشَ الناس يوم الُحُدَيبية، والنبي ◌َّ بين يَدَيهِ رَكْوَة)) كذا وقعَ في هذه الطَّريق، ووقعَ في الأشربة (٥٦٣٩) من طريق الأعمش عن سالم: أنَّ ذلك كان لمَّا حَضَرَت صلاة العصر، وسيأتي شرح الحديث مُستَوفَّى في غزوة الحديبية (٤١٥٢) إن شاء الله تعالى. وقوله: ((جَهَشَ)) هو بفتح الجيم والهاء بعدها مُعجَمة، أي: أسرَعوا لأخذِ الماء، وفي رواية الكُشْمِيهني: فجَهَشَ، بزيادة فاءٍ في أوَّله. وقوله: ((فَجَعَلَ الماءُ يَثُورُ)) كذا للأكثر بمُثَلَّةٍ، وللكُشْمِيهني بالفاءِ، وهما بمعنَّى. ٣٥٧٧ - حدَّثنا مالكُ بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاق، عن البراءِ ﴾، قال: كنَّا بِالْحُدَسِيَّةِ أربعَ عَشْرةَ منّةً، والُدَيِيةُ بِثَرٌ، فَتَزَحْنَاهَا حَتَّى لم نَتْرُكُ فيها قَطْرَةً، فَجَلَسَ النِبِيُّ ◌َه على شَفِيرِ البِثْرِ، فَدَعا بماءٍ فَمَضْمَضَ ومَجَّ في البِتْرِ، فمَكَثْنا غيرَ بَعِيدٍ، ثمَّ استَقَينا حتَّى رَوِينا ورَوِيَتْ - أو صَدَرَتْ - رِ كَابُنا. [طرفاه في: ٤١٥١،٤١٥٠] الحديث الخامس: حديث البراء في تكثير الماء ببئرِ الحُدَيبية، وسيأتي الكلام عليه أيضاً في غزوة الحديبية (٤١٥٠)، وأُبيِّن هناك التَّوفيق بينه وبين حديث جابر الذي قبله إن شاء الله تعالى. وقوله: ((رَوِينا)) بكسر الواو، من الرِّيّ(١). ٣٥٧٨ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، أخبرنا مالكٌ، عن إسحاقَ بنِ عبدِ الله بنِ أبي طَلْحَةً، (١) هذه الفقرة تقدمت في الأصلين و (س) قبل قول الحافظ: الحديث الخامس: حديث البراء، ومحلها هنا هو الأليق، لأنها من حديث البراء، فلذلك نقلناها، ولعلَّ بعض النساخ قدّمها سهواً، والله أعلم. ٤٥٣ باب ٢٤ / ح ٣٥٧٨ كتاب المناقب أنَّه سمعَ أنسَ بنَ مالكٍ يقول: قال أبو طَلْحةَ لأُمَّ سُلَيم: لقد سمعتُ صوتَ رسولِ اللهِ وَله ضَعِيفاً، أعرفُ فيه الجوعَ، فَهَل عندَكِ مِن شيءٍ؟ قالت: نعم، فأخرَ جَت أقراصاً من شَعِيرٍ، ثمّ أخرَجَت ◌ِماراً لها فلَفَّتِ الخُبْزَ ببعضِه، ثمَّ دَسَّتْه تحتَ يَدي ولاتَتْني ببعضِه، ثمَّ أرسَلَتْني إلى رسولِ اللهِ وَ﴾، قال: فذهبتُ به، فوَجَدْتُ رسولَ الله وَله في المسجدِ ومعه الناسُ، فَقُمْتُ عليهم، فقال لي رسولُ الله وَّهِ: ((آرْسَلَكَ أبو طَلْحةَ؟)) فقلتُ: نعم، قال: ((بطعامِ؟)) قلتُ: نعم، فقال رسولُ اللهَ وَّ لمن معه: ((قُومُوا))، فانطَلَقَ وانطَلَقْتُ بينَ أيدِيهم، حتَّى جِئْتُ أبا طَلْحَةَ فأخبَرَتُه، فقال أبو طَلْحةَ: يا أمَّ سُلَيم، قد جاء رسولُ الله ◌َلۇ بالناسِ، وليس عندنا ما نُطْعِمُهم، فقالت: الله ورسوله أعلمُ، فانطَلَقَ أبو طَلْحةَ حتَّى لَفِيَ رسولَ الله وَّهِ، فَأقبَلَ رسولُ الله ◌ِ وأبو طَلْحةَ معه، فقال رسولُ اللهِ وَّةِ: ((هَلُمّي يا أمَّ سُلَيم ما عندَك))، فأتت بذلك الخُبْزِ، فأمَرَ بِ رسولُ الله ◌ِهِ فَفُتَّ، وعَصَرَت أمُّ سُلَيم عُكّةً فأدَمَتْهُ، ثمَّ قال رسولُ الله وَّ فيه ما شاءَ اللهُ أن يقول، ثمّ قال: ((اتْذَن لعَشَرةٍ)، فأذِنَ لهم، فأكَلُوا حَتَّى شَبِعوا، ثمَّ خَرَجوا، ثمَّ قال: ((اتْذَن لعَشَرةٍ)، فأذِنَ لهم، فأكَلُوا حتَّى شَبِعوا، ثمَّ خَرَجوا، ثمَّ قال: ((اتْذَن لعَشَرةٍ»، فأذِينَ لهم، فأكَلُوا حَتَّى شَبِعوا، ثمَّ خَرَجوا، ثمَّ قال: ((ائْذَن لعَشَرةٍ)، فأكَلَ القومُ كلَّهم وشَبِعوا، والقومُ سبعونَ أو ثمانونَ رجلاً. ٥٨٨/٦ الحديث السادس: حديث أنس في تكثير الطَّعام القليل. قوله: ((قال أبو طَلْحة)) هو زيد بن سَهل الأنصاري زوج أمّ سُلَيم والدة أنس، وقد اَتَّفَقَتِ الطُّرق على أنَّ الحديث المذكور من مُسنَد أنس، وقد وافَقَه على ذلك أخوه لأُمُّه عبد الله بن أبي طلحة، فرواه مُطوَّلاً عن أبيه، أخرجه أبو يعلى (١٤٢٦) من طريقه بإسنادٍ حسن، وأوُّله عن أبي طلحة قال: دَخَلت المسجد فعَرَفت في وجه رسول الله ◌َّ الجوعَ، الحديث، والمراد بالمسجِدِ: الموضع الذي أعَدَّه النبي ◌َّ للصلاة فيه حين مُحَاصَرة الأحزاب للمدينة في غزوة الخندق. قوله: ((ضعيفاً أعْرِف فيه الجوعَ)) فيه العمل على القرائن. ووقعَ في رواية مُبارَك بن ٤٥٤ باب ٢٤ / ح ٣٥٧٨ فتح الباري بشرح البخاري فَضَالة عن بكر بن عبد الله وثابت عن أنس عند أحمد(١): أنَّ أبا طلحة رأى رسول الله وَهل طاوياً. وعند أبي يَعْلى (٢٨٣٠) من طريق محمَّد بن سِيرِين عن أنس: أنَّ أبا طلحة بَلَغَه أنَّه ليس عند رسول الله وَّ﴿ طعام، فذهب فآجَرَ نفسه بصاعٍ من شعير، فعمِلَ بقيَّة يومه ذلك ثُمَّ جاء به، الحديث، وفي رواية عَمْرو بن عبد الله بن أبي طلحة، وهو أخو إسحاق راوي حديث الباب عن أنس عند مسلم (٢٠٤٠) وأبي يَعْلى قال: رأى أبو طلحة رسول الله وَل مُضْطَجِعاً يَتَقَلَّب ظَهْراً لبطنٍ. وفي رواية يعقوب بن عبد الله بن أبي طلحة عند مسلم أيضاً (٢٠٤٠) عن أنس قال: جِئت رسولَ الله وَ ◌ّهِ، فَوَجَدته جالساً مع أصحابه يُحدِّثهم، وقد عَصَبَ بطنه بعِصابةٍ، ٥٨٩/٦ فسألتُ بعض أصحابه، فقالوا: من الجوع، فذهبت إلى/ أبي طلحة فأخبَرَتُه، فدَخَلَ على أمّ سُلَيم فقال: هل من شيء، الحديث. وفي رواية محمّد بن كعب عن أنس عند أبي نُعَيم: جاء أبو طلحة إلى أمّ سُلَيم فقال: أعندك شيء، فإنّ مَرَرت على رسول الله وَّهِ وهو يُقرِئ أصحابَ الصُّفَّة سورةَ النِّساء، وقد رَبَطَ على بطنه حجراً من الجوع. قوله: ((فأخرجت أقراصاً من شعير)) في رواية محمَّد بن سِيرِين عن أنس عند أحمد (١٢٤٩١) قال: عَمَدَت أمّ سُلَيم إلى نصف مُدّ من شَعير فطَحَنَتَه. وعند المصنِّف من هذا الوجه ومن غيره (٥٤٥٠) عن أنس: أنَّ أمَّه أمُّ سُلَيم عَمَدَت إلى مُدّ من شَعير جَشَتْهُ، ثمَّ عَمِلَتْه. وفي رواية عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أنس عند أحمد (١٣٤٢٧)، ومسلم (١٤٣/٢٠٤٠): (١) كذا قال الحافظ، وهو وهمٌ منه رحمه الله، فليس الحديث في ((مسند أحمد)»، ولم يعزُهُ إليه هو نفسه في («إتحاف المهرة)) (٣٨٧)، ولم يذكره أيضاً في ((أطراف المسند))، وإنما خرجه الحافظ في ((الإتحاف)) من ابن حبان، وهو فيه برقم (٥٢٨٥). وهو أيضاً عند البزار (٦٧٥٩)، وأبي يعلى (٤١٥١)، وغيرهما. ٤٥٥ باب ٢٤ / ح ٣٥٧٨ كتاب المناقب أتى أبو طلحة بمُدَّين(١) من شَعير، فأمَرَ به فصُنِعَ طعاماً. ولا مُنافاة بين ذلك لاحتمال أن تكون القصَّة تَعَدَّدَت، وأنَّ بعض الرُّواة حَفِظَ ما لم يَحَفَظِ الآخرُ، ويُمكِن الجمعُ بأن يكون الشَّعير في الأصل كان صاعاً، فأفرَدَت بعضه لعيالهم وبعضه للنبي وَّه، ويدلّ على التَّعدُّد ما بين العَصِيدة والخُبز المفتُوت الملتُوت بالسَّمْنِ من المغايرة. وقد وقعَ لأُمُّ سُلَيم في شيءٍ صَنَعَتِه للنبي وَِّ لِمَّ تزوَّجَ زينب بنت جَحْش قريبٌ من هذه القصَّة، من تكثير الطَّعام وإدخال عَشَرة عَشَرة، كما سيأتي في مكانه في ((الوَلِيمة)) من كتاب النِّكاح(٢). ووقعَ عند أحمد (١٢٤٩١) في رواية ابن سِيرِين عن أنس: عَمَدَتْ أمُّ سُلَيم إلى نصف مُدّ من شَعير فطَحَنَته، ثمَّ عَمَدَت إلى عُكَّة كان فيها شيء من سَمن، فاتَّخَذَت منه خطيفة، الحديث، والخطيفة: هي العَصِيدةُ وزناً ومعنَى، وهذا بعينِه يأتي للمصنِّف في الأطعمة (٥٤٥٠). قوله: ((ولائَتْني ببعضِه)) أي: لَفَّتني به، يقال: لاثَ العِمامةَ على رأسه، أي: عَصَبَها، والمراد أنَّهَا لَفَّتْ بعضَه على رأسه وبعضَه على إبطه. ووقعَ في الأطعمة (٥٣٨١) للمصنّف عن إسماعيل بن أبي أوَيس عن مالك في هذا الحديث: فلَفَّت الخُبز ببعضِه، ودَسَّتِ الخُبز تحت ثوبي ورَدَّتْني ببعضِه. تقول: دَسَّ الشيءَ يَدُسّه دَسّاً: إذا أدخَلَه في الشيء بقَهرٍ وقوَّة. قوله: «فقال لي رسول الله وَله: آرْسَلَكَ أبو طَلْحة؟ فقلت: نعم، قال: بطعام؟ قلت: نعم، فقال رسول الله (وَل﴿ لمن معه: قوموا)) ظاهره أنَّ النبي ◌ََّ فَهمَ أنَّ أبا طلحة استدعاه إلى مَنزِله، فلذلك قال لمن عنده: ((قوموا)) وأوَّل الكلام يقتضي أنَّ أمّ سُلَيم وأبا طلحة أرسلا (١) في (س): بمد، وهو خطأ. (٢) هو في الوليمة من كتاب النكاح برقم (٥١٦٨) لكنه مختصر ليس فيه قصة تكثير الطعام وإدخال عشرة عشرة، وإنما جاء ذلك عند البخاري في باب الهدية للعروس في كتاب النكاح معلقاً برقم (٥١٦٣). ٤٥٦ باب ٢٤ / ح ٣٥٧٨ فتح الباري بشرح البخاري الخُبز مع أنس، فيُجمَع بأنَّهما أرادا بإرسال الخُبز مع أنس أنْ يأخذه النبيِ نَ ◌ّهِ فِيأْكلَه، فلمَّا وصلَ أنس، ورأى كَثْرة الناس حول النبي ◌َِّ استَحيا، وظَهَرَ له أن يَدعُوَ النبيَّ ◌َّهِ ليقومَ معه وحدَه إلى المنزل، فيَحصُل مقصودهم من إطعامه. ويحتمل أن يكون ذلك عن رأي مَن أرسَلَه، عَهِدَ إليه إذا رأى كَثْرة الناس أن يستدعيَ النبيَّ ◌َّهَ وَحْده خشية أن لا يكفيَهم ذلك الشيءُ هو ومَن معه، وقد عَرَفوا إيثار النبيِّ وَّل وأنَّه لا يأكل وحده. وقد وجَدتُ أنَّ أكثر الرُّوايات تَقْتَضى أنَّ أبا طلحة استَدعى النبيَّ ◌َّ في هذه الواقعة، ففي رواية سعد بن سعيد عن أنس: بَعَثَني أبو طلحة إلى النبي ◌َّهِ لأدعوَه، وقد جَعَلَ له طعاماً. وفي رواية عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أنس: أمَرَ أبو طلحة أمّ سُلَيم أن تَصنَع للنبي ◌ِّل لنفسِه خاصَّة، ثمَّ أرسَلَتني إليه. وفي رواية يعقوب بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس: فدَخَلَ أبو طلحة على أمّي، فقال: هل من شيء؟ فقالت: نعم، عندي كِسَرٌ من خُبز، فإن جاءنا رسول الله وَله وحدَه أشبَعناه، وإن جاء أحدٌ معه قَلَّ عنهم. وجميع ذلك عند مسلم (١٤٣/٢٠٤٠). وفي رواية مُبارَك بن فضالة المذكورة(١) أنَّ أبا طلحة قال: اعجِنيه وأصلِحيه عَسى أن نَدعو رسول اللهِ وَ ﴿ فيأكل عندنا، ففَعَلَت، فقالت: ادعُ رسول الله ◌َّ﴾. وفي رواية يعقوب بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس عند أبي نُعَيم (٣٢٣)، وأصله عند مسلم (٢٠٤٠/ ١٤٣): فقال لي أبو طلحة: يا أنس، اذهَب فقُم قريباً من رسول الله وَ لَ﴾، فإذا قامَ فَدَعْه حتَّى يَتَفَرَّقَ أصحابُه، ثمَّ اتْبعه حتَّى إذا قامَ على عَتَبَة بابه، فقُل له: إنَّ أبي يَدعُوك. ٥٩٠/٦ وفي رواية عَمْرو بن عبد الله بن أبي طلحة عند أبي يَعْلى عن أنس: قال لي أبو طلحة:/ اذهَب فادعُ رسولَ الله لچ. (١) هي عند أبي يعلى (٤١٥١)، وابن حبان برقم (٥٢٨٥). ٤٥٧ باب ٢٤ / ح ٣٥٧٨ كتاب المناقب وعند المصنِّف (٥٤٥٠) من رواية ابن سِيرِين في الأطعمة عن أنس: ثمَّ بَعَثَني إلى رسول الله وَل﴾، فأتيته وهو في أصحابه فدَعَوتُه. وعند أحمد (١٣٥٤٧) من رواية النَّضر بن أنس عن أبيه: قالت لي أمّ سُلَيم: اذهَب إلى رسول الله ﴿ فقُل له: إن رأيتَ أن تَغَدّى عندنا فافعل. وفي رواية عَمْرو بن يحيى المازني عن أبيه عن أنس عند البَغَوي(١): فقال أبو طلحة: اذْهَب يا بُنيَّ إلى النبيِ وَّ فادعُه، قال: فجِئْتُه، فقلتُ له: إنَّ أبي يَدعُوك، الحديث. وفي رواية محمَّد بن كعب: فقال: يا بُنيَّ اذهَب إلى رسول الله وَ ◌ّهِ فادعُه، ولا تَدعُ معه غیرَه، ولا تَفضحني(٢). قوله: ((آرْسَلَكَ أبو طَلْحة)) بهمزةٍ ممدودة للاستفهام، وفي رواية محمَّد بن كعب: فقال للقومِ: ((انطَلِقوا) فانطَلَقوا، وهم ثمانونَ رجلاً. وفي رواية يعقوب: فلمَّا قلت له: إنَّ أبي يَدعوك، قال لأصحابه: ((يا هؤلاءِ تعالَوا)) ثمَّ أَخَذَ بيدي فشَدَّها، ثمَّ أقبَلَ بأصحابه حتَّى إذا دَنَوا أرسَلَ يَدِي فَدَخَلتُ، وأنا حَزِيزٌ، لگثرة من جاء معه. قوله: ((فقال أبو طَلْحة: يا أمّ سُلَيم قد جاء رسول الله وَّ بالناسِ، وليس عندنا ما نُطْعِمُهم)) أي: قَدرَ ما يَكفِيهم ((فقالت: الله ورسُولُه أعلم)) كأنَها عَرَفَت أنَّه فَعَلَ ذلك عَمداً ليُظهِر الكرامةَ في تكثير ذلك الطَّعام، ودَلَّ ذلك على فِطنة أمّ سُلَيم ورُجْحان عقلها. وفي رواية مُبارَك بن فضالة: فاستَقبَلَه أبو طلحة، فقال: يا رسول الله، ما عندنا إلّا قُرصٌ عَمِلَته أمّ سُلَیم. (١) وعنه أخرجه الطبراني في ((الكبير)) ٢٥/ (٢٧٩)، وأصله في ((صحيح مسلم)) (٢٠٤٠) لكنه لم يسق لفظه بتمامه. (٢) أخرجه من طريق محمد بن كعب: الطبراني في ((الكبير)) ٢٥/ (٢٧٥)، وفي (الأوسط)) (٣١٠٥) و(٨٧٦٥). ٤٥٨ باب ٢٤ / ح ٣٥٧٨ فتح الباري بشرح البخاري وفي رواية سعد بن سعيد: فقال أبو طلحة: إنَّمَا صَنَعتُ لك شيئاً، ونحوه في رواية ابن سِیرین. وفي رواية عَمْرو بن عبد الله: فقال أبو طلحة: إنَّما هو قُرص، فقال: ((إنَّ الله سَيُبارِكُ فيه))، ونحوه في رواية عَمْرو بن يحيى المازني. وفي رواية يعقوب: فقال أبو طلحة: يا رسول الله، إنَّما أرسَلتُ أنساً يَدعُوك وَحْدَك، ولم يكن عندنا ما يُشبِع مَن أرى، فقال: ((ادخُل، فإنَّ الله سَيُبارِكُ فيما عندك)). وفي رواية النَّضر بن أنس عن أبيه: فدَخَلتُ على أمّ سُلَيم وأنا مُندَهِش. وفي رواية عبد الرحمن بن أبي ليلى: أنَّ أبا طلحة قال: يا أنس فضَحْتَنا، وللطَّبَراني في ((الأوسط))(١) (٣١٠٥): فجَعَلَ يرميني بالحجارة. قوله: ((فقال رسول الله وَل﴾: هَلُمّي يا أمّ سُلَيم ما عندك)) كذا لأبي ذرِّ عن الكُشْمِيهَني، ولغيره: هَلُمَّ، وهي لغة حِجازية، هَلُمَّ عندهم لا يُؤْنَّث ولا يُثَنّى ولا يُجمَع، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلْقَآَيِنَ لإِخْوَذِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾، والمراد من ذلك طلبُ ما عندها. قوله: ((وعَصَّرَت أمّ سُلَيم عَُّة فأدَمَتْهُ)) أي: صَيَّرَت ما خَرَجَ من العُكَّة له إداماً، والعُكَّة، بضمِّ المهمَلة وتشديد الكاف: إناء من جِلٍ مُستَدير يُجْعَل فيه السَّمْنُ غالباً والعَسَلُ. وفي رواية مُبارَك بن فَضالة: فقال: هل مِن سَمن؟ فقال أبو طلحة: قد كان في العُكَّة شيءٌ، فجاء بها فجَعَلا يَعْصِرانها حتَّى خَرَجَ، ثمَّ مَسَحَ رسولُ الله ◌َِّ بِهِ سَبّابَتَه، ثمَّ مَسَحَ القُرصَ فانتَفَخَ، وقال: ((بسمِ الله) فلم يزل يصنع ذلك، والقُرصُ يَنْتَفِخُ حتَّى رأيتُ القُرصَ في الْجَفْنة يَتَميَّع. وفي رواية سعد بن سعيد: فَمَسَّها رسول الله وَّهِ ودَعَا فيها بالبَرَكة. وفي رواية النَّضر بن أنس: فجِئت بها ففَتَحَ رِباطَها، ثمَّ قال: ((باسمِ الله، اللهمَّ أعظِم (١) وهو في ((الكبير)) أيضاً ٢٥/ (٢٧٥). ٤٥٩ باب ٢٤ / ح ٣٥٧٨ كتاب المناقب فيها البَرَكة))، وعُرِفَ بهذا المراد بقوله: وقال فيها ما شاءَ الله أن يقول. قوله: ((ثُمَّ قال: ائْذَن لعَشَرةٍ، فأذِنَ لهم)) ظاهرُه أنَّه ◌َ دَخَلَ مَنزِل أبي طلحة وحدَه وصَرَّحَ بذلك في رواية عبد الرحمن بن أبي ليلى، ولفظه: فلمَّا انتهى رسولُ الله ◌َّهِ إلى الباب، فقال لهم: ((اقعُدُوا)) ودَخَلَ. وفي رواية يعقوب: أَدْخِل عليَّ ثمانية، فما زالَ حتَّى دَخَلَ عليه ثمانونَ رجلاً، ثمَّ دَعاني ودَعا أمّي وأبا طلحة، فأكَلْنا حتَّى شَبِعْنا. انتهى. وهذا يدلُّ على تعدُّد القصَّة، فإنَّ أكثر الرِّوايات فيها أنَّه أدخَلهم عَشَرَةً عَشَرةً سوى هذه، فقال: إنَّه أدخَلهم ثمانيةً ثمانيةً، فالله أعلم. قوله: ((فأكَلُوا)) في رواية مُبارَك بن فضالة: فَوَضَعَ يده وسَط القُرص، وقال: ((كُلوا بسمِ الله)) فأكَلُوا من حَوالَ القَصْعة حتَّى شَبِعُوا. وفي رواية بكر بن عبد الله: فقال لهم: ((كُلوا من بين أصابعي)). قوله: ((ثمَّ خَرَجوا)) في رواية عبد الرحمن بن أبي ليلى: ثمَّ قال لهم: ((قوموا، وليَدخُلْ ٥٩١/٦ عشرةٌ مکانکم)). قوله: ((والقوم سبعونَ أو ثمانونَ رجلاً) كذا وقعَ بالشكِّ، وفي غيرها بالجزمِ بالثَّانينَ، كما تقدَّم من رواية محمّد بن كعب وغيره، وفي رواية مُبارَك بن فَضَالة: حتَّى أكَلَ منه بضعة وثمانونَ رجلاً، وفي رواية عبد الرحمن بن أبي ليلى: حتَّى فعلَ ذلك بثمانينَ رجلاً، ثمَّ أَكَلَ النبيُّ ◌َ بعد ذلك وأهلُ البيت، وتَرَكوا سُؤراً، أي: فضلاً. وفي روايته عند أحمد: قلت: كَم كانوا؟ قال: كانوا نَيِّقاً وثمانينَ، قال: وأفْضَلَ لأهلِ البيت ما يُشبِعهم، ولا مُنافاةَ بينهما لاحتمال أن يكون ألغى الكسرَ. ولكن وقعَ في رواية ابن سِيرِين عند أحمد: حتَّى أكَلَ منها أربعون رجلاً وبقيتْ كما هي. وهذا يُؤيِّد التَّغايُر الذي أشَرتُ إليه، وأنَّ القصّة التي رواها ابن سِيرِين غير القصَّة التي رواها غيره. وزاد مسلم (٢٠٤٠) في رواية عبد الله بن عبد الله بن أبي طلحة: وأفضلوا ٤٦٠ باب ٢٤ / ح ٣٥٧٩ فتح الباري بشرح البخاري ما بَلَّغُوا جيرانَهم، وفي رواية عَمْرو بن عبد الله: وفَضَلَت فضلة، فأهدَيناها لجيراننا، ونحوه عند أبي نُعَيم من رواية عمارة بن غَزِيّة عن ربيعة عن أنس بلفظ: حتَّى أهدَت أمّ سُلَيم لجيرانها، ولمسلمٍ في أواخر رواية سعد بن سعيد: حتَّى لم يَبقَ منهم أحد إلّا دَخَلَ فأكَلَ حتَّى شَبِعَ، وفي رواية له من هذا الوجه: ثمَّ أَخَذَ ما بقي فجمعه، ثمَّ دَعَا فيه بالبَرَكة فعادَ كما كان. وقد تقدَّم الكلام على شيء من فوائد هذا الحديث في أبواب المساجد من أوائل كتاب الصلاة (٤٢٢). تكملة: سُئِلتُ في مجلِس الإملاء لمّا ذکرتُ حدیث عبد الرحمن بن أبي ليلى عن حِكمة تبعيضهم، فقلت: يحتمل أن يكون عَرَفَ أنَّ الطَّعام قليل، وأنَّه في صَحفة واحدة، فلا يُتصوَّر أن يَتَحلَّق ذلك العَدَد الكثير، فقيل: لمَ لا دَخَلَ الكُلُّ وبَعَّضَ لمن يَسَعُه التَّحليق، فكان أبلَغ في اشتَراك الجميع في الاطّلاع على المعجزة، بخلاف التَّبعيض، فإنَّه يَطْرُقه احتمال تَكَرُّر وضع الطَّعام لصِغَرِ الصَّحْفَةِ؟ فقلت: يحتمل أن يكون ذلك لضيق البيت، والله أعلم. ٣٥٧٩- حدَّثنا محمَّدُ بنُ المثنَّى، حدَّثنا أبو أحمدَ الزُّبَيِيُّ، حدَّثنا إسرائيلُ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ، عن عَلْقمةَ، عن عبدِ الله، قال: كنَّا نَعُدُّ الآياتِ بَرَكَةً، وأنتم تَعُدّونَها تَخْوِيفاً، كنّا معَ رسولِ اللهِ وَلِّ فِي سَفَرٍ فقَلَّ الماءُ، فقال: ((اطْلُبُوا فَضْلةً من ماءٍ)) فَجاؤوا بإناءٍ فيه ماءٌ قَلِيلٌ، فأدخَلَ يَدَه في الإناءِ، ثمَّ قال: ((حَيَّ على الطَّهورِ المبارَكِ، والبَرَكُ مِن الله)) فلقد رأيتُ الماءَ يَنْبُعُ من بين أصابعٍ رسولِ الله ◌َّهِ، ولقد كنّا نَسْمَعُ تَسْبِيحَ الطَّعامِ وهو يُؤْكَلُ. الحديث السابع: حديث عبد الله - وهو ابن مسعود - في نَبع الماء أيضاً، وتسبيح الطَّعام. قوله: ((كنَّا نَعُدّ الآيات)) أي: الأُمور الخارقة للعادات. قوله: ((بَرَكَةً، وأنتم تَعُدّونَها تَخْوِيفاً)) الذي يَظهَر أنَّه أنكَرَ عليهم عَدّ جميع الخوارق تَخويفاً، وإلّا فليس جميع الخوارق بَرَكة، فإنَّ التَّحقيق يقتضى عَدّ بعضها بَرَكة من الله،