Indexed OCR Text

Pages 141-160

١٤١
باب ٢٧ / ح ٣٤٠٠ - ٣٤٠٢
كتاب أحاديث الأنبياء
من حَشيشٍ، وهذا موافقٌ لقولٍ عبد الرَّزّاق، وعن ابن الأعرابي: الفَرْوةُ أرضٌ بيضاءُ لیس
فيها نَباتٌ، وبهذا جَزَمَ الْخَطّابي ومَن تَبِعَه، وحُكي عن مجاهدٍ أنَّه قيل له: الخَضِرُ؛ لأنَّه كان
إذا صَلَّى اخضَرَّ ما حولَه.
والخَضِر قد اختُلِفَ في اسمه قبل ذلك وفي اسم أبيه وفي نَسَبِهِ وفي نُبُوَّته وفي تعمیره،
فقال وَهْب بن مُنبِّه: هو بَلْيا، بفتح الموخَّدة وسكون اللّام بعدها تحتانية، ووُجِدَ بخَطِّ
الدِّمياطي في أوَّل الاسم بنُقطتَينٍ، وقيل: كالأوَّل بزيادة ألِفٍ بعد الياء، وقيل: اسمه
إلياس، وقيل: اليَسَع، وقيل: عامر، وقيل: خَضْرون، والأوَّل أثبت، ابن مَلكان بن فالغ
ابن عابر بن شالخ بن أَرفَخشَذ بن سام بن نوح، فعلى هذا فمَولِدُه قبل إبراهيم الخليل،
لأنَّه يكون ابن عمِّ جَدِّ إبراهيم، وقد حَكَى الثَّعلَبي قولَين في أنَّه كان قبل الخليل أو بعده،
قال وَهْب: وكُنْيته أبو العبّاس، وروى الدّارَقُطْني في ((الأفراد)) من طريق مُقاتل عن
الضَّحَاك عن ابن عبّاس قال: هو ابن آدم لصُلْبِهِ، وهو ضعيف مُنقَطِع، وذَكَر أبو حاتم
السِّجِستاني في ((المعمَّرينَ)) أنَّه ابن قابيل بن آدم، رواه عن أبي عبيدة وغيره، وقيل: اسمه
إِرميا بن طيفا، حكاه ابن إسحاق عن وَهْب، وإرميا بكسر أوَّله، وقيل: بضمِّه، وأشبَعها
بعضهم واواً.
واختُلِفَ في اسم أبيه فقيل: ملكان، وقيل: كليان، وقيل: عاميل، وقيل: قابل، والأوَّل
أشهر، وعن إسماعيل بن أبي أويس: هو المعمر بن مالك بن عبد الله بن نصر / بن الأزد، ٤٣٤/٦
وحَكَى السُّهَيلي عن قوم: أنَّه كان مَلَكاً من الملائكة وليس من بني آدم، وعن ابن لَهِيعة:
کان ابنَ فِرعون نفسه، وقيل: ابن بنت فِرِعَون، وقيل: اسمه خضرونَ بن عابيل بن معمر
ابن عيصو بن إسحاق بن إبراهيم، وقيل: كان أبوه فارسيّاً، رواه الطَّبَري من طريق
عبد الله بن شوذب، وحَكَى ابن ظَفَر في ((تفسيره)) أنَّه كان من ذُرّية بعض مَن آمَنَ
بإبراهيم، وقيل: إنَّه الذي أماته الله مئة عام ثمَّ بَعَثَه، فلا يموت حتَّى يُنْفَخ في الصُّور،
وروى الدّارَ قُطْني في الحديث المذكور قال: مُدَّ للخَضِرِ في أجَله حتَّى يُكذِّب الدَّجّال.

١٤٢
باب ٢٧ / ح ٣٤٠٠ - ٣٤٠٢
فتح الباري بشرح البخاري
وقال عبد الرَّزّاق في «مُصنَّه)) (٢٠٨٢٤) عن مَعمَر في قصَّة الذي يَقتُله الدَّجّال ثمَّ يُجيبه:
بلغني أنَّه الخضِر! و کذا قال إبراهيم بن سفيان الراوي عن مسلم في ((صحیحه))، وروى
ابن إسحاق في ((المبتَدَأ)) عن أصحابه: أنَّ آدم أخبر بَنيهِ عند الموت بأمرِ الطَّوفان، ودَعا لمن
يَحفَظ جسده بالتَّعمير حتَّى يَدِفِنه، فجَمَعَ نوح بَنيهِ لمَّ وَقَعَ الطّوفان وأعلمَهم بذلك
فحفظوه، حتَّى كان الذي تولی دفنه الخضر.
وروى خَيْئمة بن سليمان من طريق جعفر الصّادِقِ عن أبيه: أنَّ ذا القَرنَين كان له
صديق من الملائكة، فطلب منه أن يدلَّه على شيء يَطولُ به عُمُره، فدَلَّه على عين الحياة
وهي داخل الظُّلمة، فسارَ إليها والخَضِر على مُقدّمَته، فظَفِرَ بها الخضر ولم يَظفَر بها ذو
القَرنَين. وروى عن مكحول عن كعب الأحبار قال: أربعة من الأنبياء أحياءٌ أمانٌ لأهلِ
الأرض: اثنان في الأرض: الخَضِر وإلياس، واثنان في السماء: إدريس وعيسى. وحَكَى ابن
عَطيَّة والبَغَوي عن أكثر أهل العلم أنَّه نبيٌّ، ثمَّ اختَلَفوا هل هو رسول أم لا؟ وقالت
طائفة منهم القُشَيري: هو وليٌّ. وقال الطَّبَري في ((تاريخه)): كان الخَضِر في أيام أفريدون في
قول عامَّة علماء الكتاب الأوَّل، وكان على مُقدّمة ذي القَرنَين الأكبر.
وأخرج النَّقّاش أخباراً كثيرة تَدُلّ على بقائه لا تقوم بشيءٍ منها حُجَّة. قاله ابن عَطيّة،
قال: ولو كان باقياً لكان له في ابتداء الإسلام ظُهور، ولم يَثْبُت شيء من ذلك. وقال
الثَّعلَبي في ((تفسيره): هو مُعمَّر على جميع الأقوال، محجوب عن الأبصار، قال: وقد قيل:
إنَّه لا يموت إلّا في آخر الَّمان حين يُرفَع القرآن.
قال القُرطُبي: هو نبيٌّ عند الجمهور، والآية تَشْهَد بذلك، لأنَّ النبي ◌َّهِ لا يَتعلَّم ممَّن
هو دونه، ولأنَّ الحُكم بالباطنِ لا يَطَّلِعِ عليه إلّ الأنبياء.
وقال ابن الصلاح: هو حَيٌّ عند ◌ُمهور العلماء والعامَّة معهم في ذلك، وإنَّما شَذَّ بإنكاره
بعض المحدِّثينَ. وتَبِعَه النَّوَوي وزادَ: أنَّ ذلك مُتَّفَق عليه بين الصّوفية وأهل الصلاح،
وحكاياتهم في رُؤْيَته والاجتماع به أكثر من أن تُحصَر. انتهى، والذي جَزَمَ بأنَّه غير موجود

١٤٣
باب ٢٧ / ح ٣٤٠٠ - ٣٤٠٢
كتاب أحاديث الأنبياء
الآن البخاري وإبراهيم الحَرْبي وأبو جعفر بن المنادي(١) وأبو يَعْلى بن الفَرّاء وأبو طاهر
العبادي وأبو بكر بن العربي وطائفة، وعُمدَتُهم الحديث المشهور عن ابن عمر وجابر(٢)
وغيرهما أنَّ النبي ◌َّم قال في آخر حياته: ((لا يبقى على وجه الأرض بعد مئة سنة ممَّن هو
عليها اليوم أحدٌ)) قال ابن عمر: أراد بذلك انخِرامَ قَرْنِهِ. وأجابَ مَن أثبَتَ حياتَه بأنَّه كان
حينئذٍ على وجه البحر، أو هو مخصوص من الحديث كما خُصَّ منه إبليس بالاتّفاق.
ومن حُجَج مَن أنكَرَ ذلك قوله تعالى: ﴿ وَمَا جَعَلْنَا لِيَشَرِ مِن قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾ [الأنبياء: ٣٤]
وحديث ابن عبّاس: ما بَعَثَ الله نبيّاً إلّا أخَذَ عليه الميثاق: لَئِن بُعِثَ محمَّد وهو حَيّ لَيُؤْمِنَنَّ
به ولَيَنصُرَنَّه، أخرجه البخاري (٣)، ولم يأتِ في خبر صحيح أنَّه جاء إلى النبي ◌َِّ ولا قائَلَ
معه، وقد قال ◌َّه يوم بدر: ((اللهمَّ إن تُهلِكْ هذه العِصابة لا تُعبَدْ في الأرض)) (٤)، فلو كان
الخضرُ موجوداً لم يَصِحَّ هذا النَّفي، وقال ◌َّ: ((رَحِمَ الله موسى، لَوَدِدْنا لو كان صَبَرَ حتَّى
يُقَصَّ علينا من خبرهما))، فلو كان الخَضِر موجوداً لمَا حَسُنَ هذا التمنِّي، ولَأحضَرَه بين
يَدَيه وأراه العجائب، وكان أدعى لإيمان الكفرة لا سيما أهل الكتاب.
وجاء في اجتماعه بالنبي ◌َّټ حديث ضعيف أخرجه ابن عديٌّ (٦/ ٦٢) من طريق كثير
ابن عبد الله بن عَمْرو بن عَوْف عن أبيه/ عن جَدّه: أنَّ النبي ◌َّ سمعَ وهو في المسجد ٤٣٥/٦
كلاماً فقال: ((يا أنس، اذهَبْ إلى هذا القائل فقل له: يَستَغْفِر لي)) فذهب إليه فقال: قل له:
إنَّ الله فضَّلَكَ على الأنبياء بما فضَّلَ به رمضانَ على الشُّهور. قال: فذهبوا يَنظُرُونَ فإذا هو
(١) كذا نسبه الحافظ هنا إلى أبي جعفر بن المنادي، ولعله سبقُ قلمٍ منه، فقد نسبه ابنُ الجوزي في ((المنتظم))
١/ ٣٦٣ إلى أبي الحسين بن المنادي، وهو حفيد هذا، وكذا نسبه إليه الحافظُ نفسه في ترجمة الخضر من
((الإصابة)) ٢/ ٣٠٠.
(٢) حديث ابن عمر سلف برقم (١١٦)، وأخرجه مسلم (٢٥٣٧)، وحديث جابر أخرجه مسلم (٢٥٣٨).
(٣) لم نقف على هذا الأثر عند البخاري لا في ((صحيحه)) ولا في غيره، وقد سبقه في عزوه للبخاريّ ابنُ كثير
في غير موضع من كتابه «البداية والنهاية))! وإنما روي نحوه عن عليٍّ ﴾ه عند الطبري في ((تفسيره)»
٣٣٢/٣ بسند ضعيف، والله تعالى أعلم.
(٤) أخرجه أحمد (٢٠٨)، ومسلم (١٧٦٣) (٥٨) وغيرهما من حديث عمر.

١٤٤
باب ٢٧ / ح ٣٤٠٠ - ٣٤٠٢
فتح الباري بشرح البخاري
الخَضِر، إسناده ضعيف. وروى ابن عساكر(١) من حديث أنس نحوه بإسنادٍ أَوْهى منه،
وروى الدّارَقُطني في ((الأفراد)) من طريق عطاء عن ابن عبّاس مرفوعاً: ((يَجِتَمِع الخَضِرُ
وإلياسُ كلّ عام في الموسِم، فيَحِلِقِ كلُّ واحد منهما رأسَ صاحبه، ويتفرَّقانِ عن هؤلاءِ
الكلمات: باسْمِ الله ما شاءَ الله)) الحديث، في إسناده محمَّد بن أحمد بن زَبْد - بمُعجَمة ثمَّ
موحّدة ساكنة - وهو ضعيف. وروى ابن عساكر من طريق هشام بن خالد عن الحسن بن
يحيى عن ابن أبي رَوّاد نحوه، وزادَ: ويَشرَبان من ماءِ زَمزَمَ شَربةً تَكِفِيهما إلى قابل(٣)، وهذا
مُعضَل. ورواه أحمد في (الزُّهد))(٣) بإسناد حسن عن ابن أبي رَوّاد وزادَ: أنَّهما يصومان
رمضان ببيتِ المَقدِس، وروى الطّبري من طريق عبد الله بن شْذَب نحوه. وروي عن
عليّ: أنَّه دَخَلَ الطَّواف فسمعَ رجلاً يقول: يا مَن لا يَشغَله سَمعٌ عن سَمْع ... الحديث،
فإذا هو الخَضِر، أخرجه ابن عساكر من وجهَين في كلٍّ منهما ضعف، وهو في ((المجالَسة))
(١٠٢) من الوجه الثّاني.
وجاء في اجتماعه ببعضِ الصَّحابة فمَن بعدهم أخبارٌ أكثرها واهي الإسناد، منها ما
أخرجه ابن أبي الدُّنيا والبيهقي(٤) من حديث أنس: لمَّا قُبِضَ النبيُّ وَِّ دَخَلَ رجل
فَتَخَطّاهم - فذكر الحديث في التَّعزية - فقال أبو بكر وعلي: هذا الخَضِر، في إسناده عبّاد بن
عبد الصَّمَد، وهو واهٍ. وروی سیف في ((الرِّدَة)) نحوه بإسناد آخر مجهول. وروى ابن أبي
حاتم من طريق جعفر بن محمَّد عن أبيه عن عليّ نحوه. وروى ابن وَهْب من طريق ابن
المنكَدِر: ((أنَّ عمر صَلّى على جِنازة، فسمعَ قائلاً يقول: لا تَسِقْنا - فذكر القصَّة وفيها: أنَّه
دَعَا للميِّتِ - فقال عمر: خُذوا الرجلَ، فتَوارَى عنهم، فإذا أثر قدمِه ذِراع، فقال عمر: هذا
والله الخَضِرُ، في إسناده مجهول مع انقطاعه. وروى أحمد في ((الزُّهد)) من طريق مِسعَر عن
(١) في ((تاریخ دمشق)) ٤٢٢/١٦-٤٢٣.
(٢) المصدر السابق ١٦/ ٤٢٨، وهو موقوف على ابن أبي رواد من كلامه.
(٣) ((الزهد)) ص ٢٣٠، لكنه من رواية عبد الله بن أحمد وليس من رواية أبيه.
(٤) في ((دلائل النبوة)) ٢٦٩/٧.

١٤٥
باب ٢٧ / ح ٣٤٠٠ - ٣٤٠٢
كتاب أحاديث الأنبياء
مَعْن بن عبد الرحمن عن عَوْن بن عبد الله قال: بينا رجل بمِصر في فِتْنة ابن الزُّبَيرِ مَهموماً
إذ لَقيه رجل فسأله، فأخبَرَه باهتمامه بما فيه الناس من الفتن، فقال: قل: اللهمَّ سَلِّمني
وسَلِّم منِّي، قال: فقالها فسَلِمَ. قال مسعر: يَرَونَ أنَّه الخَضِر.
وروى يعقوب بن سفيان في ((تاريخه)) (١/ ٥٧٧) وأبو عَرُوبة من طريق رِياح
- بالتَّحتانية - بن عُبيدة قال: رأيت رجلاً يُماشي عمرَ بن عبد العزيز مُعتَمِداً على يَدَيه، فلمَّا
انصَرَفَ قلت له: مَن الرجل؟ قال: رأيتَه؟ قلت: نعم. قال: أحسَبُك رجلاً صالحاً، ذاكَ
أخي الخَضِرُ بَشَّرَني أنّ سأَلي وأعدِل. لا بأس برجاله، ولم يقع لي إلى الآن خبر ولا أثر بسند
جيِّد غيره(١)، وهذا لا يعارض الحديثَ الأوَّل في مئة سنة، فإنَّ ذلك كان قبل المئة!
وروى ابن عساكر(٢) من طريق كُرْز بن وَبَرة قال: أتاني أخ لي من أهل الشّام فقال:
اقبَل منِّي هذه الهدية، إنَّ إبراهيم التَّيْمي حدَّثني قال: كنت جالساً بفناء الكعبة أذكُر الله،
فجاءني رجل فسَلَّمَ عليَّ، فلم أرَ أحسنَ وجهاً منه ولا أطيَبَ رِيماً، فقلت: مَن أنت؟ فقال:
أنا أخوك الخضِر، قال: فعلَّمَه شیئاً إذا فعله رأى النبي ◌ّ في المنام. وفي إسناده مجهول
وضعيف. وروى ابن عساكر (٣٣/٣٨ -٣٤) في ترجمة أبي زُرْعة الرّازي بسند صحيح(٣):
أنَّه رأى وهو شابٌّ رجلاً تَهاه عن غِشْيان أبواب الأُمَراء، ثمَّ رآه بعدَ أن صارَ شيخاً كبيراً
على حالَته الأولى، فنَهاه عن ذلك أيضاً، قال: فالتَفَتّ لأُكلِّمه فلم أرَه، فوَقَعَ في نفسي أنَّه
الخضر. وروی عمر الجمحي في «فوائده)) والفاکھي في «کتاب مگَّة)) بسندٍ فيه مجهول عن
جعفر بن محمَّد: أنَّه رأى شيخاً كبيراً يُحدِّث أباه ثمَّ ذهبَ، فقال له أبوه: رُدَّه عليَّ، قال:
فَتَطَلَّبته فلم أقدِرْ عليه، فقال لي / أبي: ذاكَ الخَضِرُ. وروى البيهقي(٤) من طريق الحجّاج بن ٤٣٦/٦
(١) في إسناده ضمرة بن ربيعة الفلسطيني، وهذا رجل صدوق لكن له أوهام وعنده مناكير، وهذا الخبر من
جملة مناكيره، والله تعالى أعلم.
(٢) في ((تاريخ دمشق)) ٤٣٠/١٦.
(٣) كيف هذا وفيه طاهر بن سهل الإسفراييني شيخ ابن عساكر، وقد غمزه ابن عساكر نفسه في ترجمته من
((التاريخ)) ٢٤/ ٤٥١ ونعته بالجهل في الحديث وعدم الثقة.
(٤) في ((شعب الإيمان)) (٤٨٥٦)، وإسناده ضعيف لانقطاعه، الحجاج بن فرافصة لم يدرك ابنَ عمر.

١٤٦
باب ٢٨ / ح ٣٤٠٣ -٣٤٠٥
فتح الباري بشرح البخاري
فُرافِصَة: أنَّ رجلين كانا يَتَبايعان عند ابن عمر، فقامَ عليهم رجل فنَهاهما عن الحَلِف بالله
ووَعَظَهم بمَوعِظَةٍ، فقال ابن عمر لأحدِهما: اكتُبها منه، فاستَعادَه حتَّى حَفِظَها ثمَّ تَطَلَّبَه
فلم يَرَه، قال: وكانوا يُرَونَ أنَّه الخَضِر.
٢٨- بابٌ
٣٤٠٣- حذَّثني إسحاقُ بنُ نَصْرٍ، حدَّثنا عبدُ الرَّزّاق، عن مَعمَر، عن همَّامِ بنِ مُنِيِِّ، أنَّه
سمعَ أبا هريرةَ﴾ يقول: قال رسولُ الله ◌َّهِ: ((قيلَ لبني إسرائيلَ: ﴿وَأَدْخُلُواْ أَلْبَابَ سُجَّدًا
وَقُولُواْ حِظَّةٌ ﴾ فَبَدَّلُوا، ودَخَلُوا يَزْحَفونَ على أَسْتَاهِهم، وقالوا: حَبّةٌ في شَعْرةٍ)).
[طرفاه في: ٤٤٧٩، ٤٦٤١]
٣٤٠٤- حدَّثنا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ، حدَّثنا رَوْحُ بنُ عُبَادَةَ، حدَّثْنَا عَوْفٌ، عن الحسنِ
ومحمَّدٍ وخِلَاسٍ، عن أبي هريرةَ﴾، قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((إنَّ موسى كان رجلاً حَيِّاً
سَتِيْراً، لا يُرَى من جِلْدِه شيءٌ اسْتِخياءً منه، فآذاهُ مَن آذاه مِن بني إسرائيلَ فقالوا: ما يَسْتَئِّرُ
هذا التَّسَتُّرَ إلَّا مِن عَيبٍ بِحِلْدِه: إمّا بَرَصٍ، وإمّا أُدْرةٍ، وإمّا آفةٍ، وإنَّ اللهَ أرادَ أن يُبَرِّئَه ممّاً قالوا
لموسى، فخَلَا يوماً وَحْدَه فَوَضَعَ ثِيابَه على الحجَرِ، ثمَّ اغتَسَلَ، فلمَّا فَرَغَ أقبَلَ إلى ثِيَابِهِ
ليأخُذَها، وإنَّ الحجرَ عَدَا بثوبِهِ، فأخَذَ موسى عَصَاهُ وطَلَبَ الحجرَ، فجَعَلَ يقول: ثَوْبِ حَجَرُ،
ثَوْبِي حَجَرُ، حتَّى انتَهَى إلى مَلإِ من بني إسرائيلَ، فَرَأوْه عُرْياناً أحسنَ مَا خَلَقَ اللهُ، وأبْرَأَهَ مَّ
يقولون، وقامَ الحجرُ فأخَذَ ثوبَه فَبِسَه، وطَفِقَ بالحجرِ ضَرْباً بعَصَاهُ، فوالله إنَّ بالحجرِ لَنَدَباً
من أثَرِ ضَرْبِهِ ثلاثاً أو أربعاً أو خمساً، فذلكَ قولُه: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَكُونُواْ كَذِينَ ءَاذَوْاْ
مُوسَى فَبََّهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُواْ وَكَانَ عِنْدَ الَّهِ وَحِيَهًا﴾ [الأحزاب: ٦٩])).
٣٤٠٥ - حدَّثنا أبو الوليدِ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن الأعمَشِ، قال: سمعتُ أبا وائلٍ، قال:
سمعتُ عبدَ الله﴾ قال: قَسَمَ النبيُّ نَّهِ قَسْماً فقال رجلٌ: إنَّ هذه لَقِسْمَةٌ ما أُرِيدَ بها وَجْهُ الله،
فَأَتَيْتُ النبيَّ ◌َِّ فأخبَرَتُه، فَغَضِبَ حتَّى رأيتُ الغضبَ في وجهِه، ثمَّ قال: ((يرحمُ اللهُ موسى،
قد أُوذِي بأكثر من هذا فصبرً )).

١٤٧
باب ٢٨ / ح ٣٤٠٣ -٣٤٠٥
كتاب أحاديث الأنبياء
قوله: ((بابٌ)) كذا لأبي ذرِّ وغيره بغير ترجمةٍ، وهو كالفَصْل من الباب الذي قبلَه،
وتعلُّقُهُ به ظاهرٌ، وأورَدَ فيه أحاديثَ:
أحدها: حديثُ أبي هريرة: ((قيل لبني إسرائيلَ: ادخلوا البابَ سُجَّداً)، وسيأتي شرحُه
في تفسير الأعراف (٤٦٤١).
ثانيها: حديثه: ((إنَّ موسى كان رجلاً حَبِيّاً)) بفتح المهملة وكسر التَّحتانية الخفيفة بعدَها
أُخرى مُثقَّلةٌ، بوَزنِ فَعِيلٍ من الحياءِ.
وقوله: ((سَتِيراً)) بوَزنِه من السِّتِرِ، ويقال: سِتِيراً بالتَّشْدید.
قوله في الإسناد: ((حدَّثْنَا عَوْفٌ)) هو الأعرابي.
قوله: ((عن الحسنِ ومحمَّدٍ وخِلَاسِ)) أمَّا الحسنُ: فهو البصري، وأمَّا محمَّدٌ: فهو ابن
سِيرِين، وسماعُه من أبي هريرة ثابتٌ، فقد أخرج أحمدُ (١٠٦٧٨) هذا الحديثَ عن رَوْحِ
عن عَوْفٍ عن محمَّدٍ وحدَه(١) عن أبي هريرة.
وأمَّ خِلَاسُ، فبكسر المعجَمة وتخفيفِ / اللّام وآخرُه مُهمَلةٌ: هو ابن عَمرو، بصري، ٤٣٧/٦
يقال: إنَّه كان على شُرَطة علي، وحديثُه عنه في التِّرمِذي (٩١٤) والنَّسائي (٤٨١١ و٥٠٤٩)
وجَزَمَ يحيى القَطّانُ بأنَّ روايتَه عنه من صَحِيفة، وقال أبو داود عن أحمدَ: لم يَسمَعْ خِلَاسُ
من أبي هريرة. وقال ابن أبي حاتم عن أبي زُرْعَةَ: كان يحيى القَطّانُ يقول: روايتُه عن عليّ
من كتابٍ، وقد سمعَ من عمَّر وعائشةَ وابن عبّاسٍ. قلت: إذا ثَبَتَ سماعُه من عَّار وكان على
شُرَطة عليٌّ، كيف يَمْتَنِعُ سماعُه من علي؟ وقال أبو حاتم: يقال: وَقَعَت عنده صَحيفةٌ عن على،
وليس بقَوي، يعني: في عليٍّ. وقال صالحُ بنُ أحمد عن أبيه: كان يحيى القَطّانُ يَتَوقَّى أن يُحدِّثَ
عن خِلَاسٍ عن عليّ خاصَّةً. وأطلقَ بقيَّةُ الأئمّة توثيقَه.
قلت: وما له في البخاري سوى هذا الحديثِ، وقد أخرجه له مقروناً بغيره، وأعادَه سنداً
(١) بل مقروناً بخِلاس، ورواية محمد وحده عن أبي هريرة أخرجها الطحاوي في ((شرح مشكل الآثار))
(٦٧).

١٤٨
باب ٢٨ / ح ٣٤٠٣ -٣٤٠٥
فتح الباري بشرح البخاري
ومَتناً في تفسير الأحزاب (٤٧٩٩)، وله عنه حديثٌ آخرُ أخرجه في الأيمان والتُّذُورِ مقروناً
أيضاً بمحمَّدٍ بن سِيرِين عن أبي هريرة (٦٦٦٩)، ووَهِمَ الِزّي فَسَبَه إلى الصوم.
وأمَّا الحسنُ البصري فلم يَسمَعْ من أبي هريرة عند الحُفّاظِ النُّقَّاد، وما وَقَعَ في بعض
الرِّوايات مما يخالفُ ذلك فهو محكومٌ بوَهِه عندهم، وما له في البخاري عن أبي هريرة
سوى هذا مقروناً، وله حديثٌ آخرُ في بَدْءِ الخلق (٣٣٢١) مقروناً بابن سِيرِين، وثالثٌ
ذكره في أوائلِ الكتاب في الإيمان (٤٧) مقروناً بابن سيرين أيضاً.
قوله: ((لا يُرى من جِلْدِه شيءٌ اسْتِخْياءٌ منه)» هذا يُشعِرُ بأنَّ اغتِسالَ بني إسرائيلَ عُراةً
بمَحضَرٍ منهم كان جائزاً في شرعِهم، وإنَّما اغتَسَلَ موسى وحدَه استحياءً.
قوله: ((وإمّا أُذْرةٍ) بضمُّ الهمزة وسكونِ الدّال على المشهور، وبفتحَتَين أيضاً فيما حكاه
الطَّحاوي عن بعضٍ مشائِهِ وَرَجَّحَ الأوَّلَ، وتقدَّم بيانُه في كتاب الغُسل (٢٧٨)، ووَقَعَ في
رواية ابن مَرْدويه من طريق عثمانَ بن الهيثم عن عَوْفٍ الجزمُ بأنَهم قالوا: إنَّه آدَرُ.
قوله: ((فخَلَا يوماً وحدَه فَوَضَعَ ثيابَه)) في رواية الكُشْمِيهني: ثياباً، أي: ثياباً له، والأوَّلُ
هو المعروف، وظاهرُه أنَّه دَخَلَ الماءَ عُرياناً، وعليه بَوَّبَ المصنِّفُ في الغُسلِ: ((مَن اغتَسَلَ
عُرِياناً)، وقد قَدَّمتُ توجيهَه في كتاب الغُسلِ، ونَقَلَ ابن الجَوْزي عن الحسن بن أبي بكرٍ
النَّيسابوري: أنَّ موسى نزلَ إلى الماءِ مُؤْتَزِراً، فلمَّا خَرَجَ تَتَّعَ الحجرَ والِزَرُ مُبْتَلٌّ بالماءِ
فَعَلِموا عند رُؤْيَتِهِ أَنَّه غيرُ آدَرَ، لأنَّ الأُذْرةَ تَبِينُ تحت الثَّوب المبلولِ بالماءِ. انتهى، وهذا إن
كان هذا الرجلُ قاله احتمالاً، فيُحتَملُ، لكنّ المنقول يخالفُه، لأنَّ في رواية عليّ بن زيدٍ (١)
عن أنسٍ عند أحمد (١٣٧٦٤) في هذا الحديث: ((إنَّ موسى كان إذا أراد أن يَدخُلَ الماءَ لم
يُلقِ ثوبه حتّی یواري عورته في الماء)».
قوله: ((عَدَا بثوبِهِ)) بالعين المهمَلة، أي: مضى مُسرِعاً.
(١) أي: ابن جُدْعان، وهو ضعيف عند الجمهور، وحديث أبيّ الذي أخرجه البخاري يُغني عن الاستدلال
بهذا الحديث.

١٤٩
باب ٢٨ / ح ٣٤٠٣ - ٣٤٠٥
كتاب أحاديث الأنبياء
قوله: (ثَوْبي حجرُ، ثَوْبي حجرُ)) (١) أي: أعطِنِي ثوبيَ، أو رُدَّ ثوبيَ، و((حجرُ)) بالضَّمِّ على
حذفٍ حرف النِّداءِ، وتقدَّم في الغُسلِ بلفظ: ((ثوبي يا حجرٌ)).
قوله: ((وأبرَأْه ممَّاً يقولون)) في رواية قَتَادة عن الحسن عن أبي هريرة عند ابن مَرْدويه
وابن خُزيمةَ: ((وأعدَلَه صورةً))، وفي روايتِهِ: ((فقالت بنو إسرائيلَ: قاتَلَ الله الأفّاكِينَ.
وكانت براءَته))، وفي رواية رَوْح بن عُبَادة المذكورة(٢): ((فرأَوْه كأَحسنِ الرِّجال خلقاً،
فَبَرَّأه ممَّا قالوا)).
قوله: (وقامَ حجرٌ فأخَذَ بثوبه)) قلت: کذا فیه، وفي «مُسنَد إسحاق بن إبراهيم)) (١١٨) شيخ
البخاري فيه: ((وقامَ الحجر)) بالألفِ واللّام، وكذا أخرجه أبو نُعيم وابن مردويه من طريقه.
قوله: ((فوالله إنَّ بالحجرِ لَنَدَباً)) ظاهرُه أنَّه بقيَّةُ الحديث، وقد بيَّن في رواية هَّام في
الغُسلِ (٢٧٨) أنَّه قولُ أبي هريرة.
قوله: ((ثلاثاً أو أربعاً أو خمساً) في رواية همَّام المذكورة: ((سنَّةً أو سبعةً))، ووَقَعَ عند ابن
مَرْدويه من رواية حبيبٍ بن سالم عن أبي هريرة الجزمُ بستٌّ ضَرَباتٍ.
قوله: ((فذلك قوله تعالى: ﴿يَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَكُونُواْ كَالَّذِينَ ءَاذَوْا مُوسَى فَبَرََّهُ اللَّهُ مِمَّا
قَالُواْ ﴾)) لم يقع هذا في رواية همَّام، وروى ابن مَرْدويه من طريق عِكْرمةً عن أبي هريرة قال:
قرأ رسول الله وَإليه ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَكُونُواْ كَالَّذِينَ/ مَاذَوْاْ مُوسَى﴾ الآيةَ، قال: ((إنَّ بني ٤٣٧/٦
إسرائيلَ كانوا يقولون: إنَّ موسى آدَرُ، فانطَلَقَ موسى إلى النَّھر یَغتَسِلُ)) فذكر نحوه، وفي
رواية عليّ بن زيدٍ المذكورة قريباً(٣) في آخره: ((فرأَوه ليس كما قالوا، فأنزلَ تعالى: ﴿يَأَيُّهَا
الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَكُونُواْ كَالَّذِينَ ءَاذَوْ مُوسَى﴾)).
(١) زاد في (س) وحدها بعد هذا: ((هو بفتح الياء الأخيرة من ثوبي))، وليست في أصولنا الخطية، ولم تُضبط
الياء في شيء من روايات ((الصحيح)) المعتمدة في النسخة اليونينية. وكلا الوجهين في ياء المتكلم:
التسکین والفتح، جائز.
(٢) وهي عند أحمد (١٠٦٧٨).
(٣) وهي من حديث علي بن زيد عن أنس عند أحمد (١٣٧٦٤)، لكن ليس فيها ما ذكره الحافظ، والله أعلم.

١٥٠
باب ٢٨ / ح ٣٤٠٣ - ٣٤٠٥
فتح الباري بشرح البخاري
وفي الحديث جوازُ المشي عُرياناً للضَّرورة، وقال ابن الجَوْزيّ: لمَّا كان موسى في
خَلْوةٍ وخَرَجَ من الماءِ فلم يَجِدْ ثوبَه، تَبِعَ الحجرَ بناءً على أن لا يُصادِفَ أحداً وهو عُريان،
فاتَّفَقَ أنَّه كان هناك قومٌ فاجتازَ بهم، كما أنَّ جوانبَ الأنهار وإن خَلَتْ غالباً، لا يُؤْمَنُ
وجودُ قومٍ قريباً منها، فبنى الأمرَ على أنَّه لا يراه أَحدٌ لأجلِ خَلاءِ المكان، فاتَّفَقَ رؤيةُ مَن
رآه. والذي يَظهَرُ أنَّه استَمرَّ يَتَبَعُ الحجرَ على ما في الخيرِ حتَّى وقَفَ على تَجَلِسٍ لبني
إسرائيلَ كان فيهم مَن قال فيه ما قال، وبهذا تَظْهَرُ الفائدة، وإلّا فلو كان الوقوفُ على قومِ
منهم في الجملة، لم يقع ذلك الموقعَ.
وفيه جوازُ النَّظَرِ إلى العَورة عند الضَّرورة الدّاعية لذلك من مُداواةٍ أو براءَةٍ من عَيبٍ،
كما لو ادَّعى أحدُ الَّوجَين على الآخرِ البَرَصَ ليفسَخَ النِّكَاحَ فأنكَرَ. وفيه أنَّ الأنبياءَ في
خَلِقِهم وخُلُقِهم على غاية الكمال، وأنَّ مَن نَسَبَ نبيّاً من الأنبياءِ إلى نقصٍ في خِلْقَتِهِ فقد
آذاه، ويُحُشى على فاعلِه الكفر. وفيه مُعجِزةٌ ظاهرةٌ لموسى عليه السلام، وأنَّ الآدمي يَغْلِبُ
عليه طِباعُ البشرِ، لأنَّ موسى عَلِمَ أنَّ الحجرَ ما سارَ بثوبِه إلّا بأمرٍ من الله، ومع ذلك عامَلَه
مُعامَلةَ مَن يَعْقِلُ حتَّى ضَرَبَه. ويحتملُ أنَّه أراد بيانَ مُعجِزةٍ أُخرى لقومِه بتأثير الضَّربِ
بالعَصا في الحجر. وفيه ما كان في الأنبياءِ عليهم الصلاةُ والسَّلامُ من الصَّيرِ على الجُّال
واحتمال أذاهم، وجعل الله تعالى العاقبةَ لهم على مَن آذاهم.
وقد روى أحمدُ بنُ مَنِيعِ في «مُسنَدِه)) بإسنادٍ حسنٍ والطَّحاوي(١) وابن مردويه من
حديث عليٍّ: أنَّ الآيةَ المذكورةَ نزلت في طَعنِ بني إسرائيلَ على موسى بسَبَبٍ هارونَ؛ لأنَّه
تَوَجَّهَ معه إلى زيارةٍ فماتَ هارونُ فدَفَنَه موسى، فطَعَنَ فيه بعضُ بني إسرائيل، وقالوا:
أنتَ قتلته، فبَرَّأه الله تعالى بأن رَفَعَ لهم جسدَ هارونَ وهو ميِّتُ فخاطَبَهم بأنَّه ماتَ. وفي
الإسناد ضعفٌ، ولو ثَبَتَ لم يكن فيه ما يَمنَعُ أن يكونَ في الفريقَين معاً، لصِدقِ أنَّ كلَّا
منهما آذى موسى فبَرَّأه الله ممّا قالوا، والله أعلم.
(١) في ((شرح مشكل الآثار)) بإثر الحديث (٦٧).

١٥١
باب ٢٩ / ح ٣٤٠٦
كتاب أحاديث الأنبياء
ثم أورد المصنف في الباب حديثَ ابن مسعودٍ في قولِ الرجل: ((إنَّ هذه لَقِسمةٌ ما أُرِيدَ
بها وجه الله))، والغرضُ منه ذِكرُ موسى، وقد تقدَّم في أواخر فرض الخُمسِ من الجهاد في ((باب
ما كان النبي ◌َّيُعطي من المؤلّفة)) (٣١٥٠) وعُيِّنَ هناك موضعُ شرحِه، والله أعلم.
٢٩ - باب ﴿يَعَّكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَّهُمْ﴾ [الأعراف: ١٣٨]
﴿مُتَبٌِّ ﴾ [الأعراف: ١٣٩]: خُسْرانٌ.
﴿وَلِيُتَّبِرُواْ﴾: يُدمِّروا ﴿مَا عَلَوْ﴾ [الإسراء: ٧]: ما غَلَبوا.
٣٤٠٦- حدَّثنا يحيى بنُ بُكَير، حدَّثْنا اللَّيثُ، عن يونُسَ، عن ابنِ شِهابٍ، عن أبي سَلَمَةَ
ابنِ عبدِ الرحمن، أنَّ جابرَ بنَ عبدِ الله رضي الله عنهما قال: كنَّا معَ رسولِ الله وَّ نَجْني
الكَبَاثَ، وإنَّ رسولَ الله وَّه قال: ((عليكم بالأسوَدِ منه، فإنَّه أَطيَبُه)) قالوا: أكنتَ تَّرْعَى
الغنمَ؟ قال: ((وهَلْ من نبيٌّ إلَّا وقدْ رَعَاها؟!)).
[طرفه في: ٥٤٥٣]
قوله: ((بابٌ ﴿يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامِ لَّهُمْ﴾. ﴿مُتَبٌِّ﴾: خُسْرانٌ، ﴿وَلِيُتَبِرُواْ﴾: يُدمِّروا ﴿مَا
عَلَوْاْ﴾: ما غَلَبوا)) ثمَّ ساقَ حديثَ جابرٍ: كنَّا مع رسولِ اللهِوََّ نَجْنِي الكَبَاثَ، وإنَّ رسولَ الله
وَلّ قال: ((عليكم بالأسوَدِ منه فإنَّه أطيبُه)) قالوا: أكنت / تَرعى الغنمَ؟ قال: ((وهل من نبيّ ٤٣٩/٦
إلّا وقد رَعَاها؟!)) والكَبَاثُ - بفتح الكاف والموخَّدة الخفيفة وآخرُه مُثَلَّةٌ ـ: هو ثَمَرُ
الأراكِ، ويقال ذلك للنَّضيج منه، كذا نَقَلَه النَّوَوي عن أهلِ اللُّغة، وقال أبو عُبيدٍ: هو ثَمَرُ
الأَرَاكِ إذا يَبِسَ وليس له عَجَمٌ، وقال القَزّازُ: هو الغَضُّر من ثَمَرِ الأراكِ، وإنَّما قال له
الصَّحابةُ: ((أكنتَ ترعى الغنمَ؟)) لأنَّ في قوله لهم: (عليكم بالأسودِ منه)) دلالةٌ على تمييزِه
بين أنواعه، والذي يُميِّزُ بين أنواع ثَمَرِ الأراكِ غالباً مَن يُلازِمُ رَعْيَ الغنمِ على ما ألِفوه.
وقوله في التَّرجمة: ((باب ﴿يَعَكُفُونَ عَلَى أَصْنَامِ لَّهُمْ﴾)) أي: تفسيرُ ذلك، والمرادُ تفسيرُ قوله
تعالى: ﴿وَجَزْ نَا بِبَنِىّ إِسْرَّاءِ يلَ الْبَحْرَ فَأَتَوَّأْ عَلَى قَوْمٍ يَعَكُفُونَ عَلَى أَصْنَاءِ لَّهُمْ﴾، ولم يُفسِّرِ المؤلِّفُ
من الآية إلّا قوله تعالى فيها: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءٍ مُتَبَرٌ مَاهُمْ فِيهِ﴾ فقال: إنَّ تفسيرَ مُتَبَّ: خُسرانٌ، وهذا

١٥٢
باب ٢٩ / ح ٣٤٠٦
فتح الباري بشرح البخاري
أخرجه الطَّبَري (٤٦/٩) من طريق عليّ بن أبي طلحةَ عن ابن عبّاسٍ قال في قوله: ﴿إِنَّ هَؤُلاءِ
مُتَبِّرُ مَا هُمْ فِيهِ﴾ قال: خُسرانٌ، والخسرانُ تفسيرُ الََّبير الذي اشتُقَّ منه المتبَّر، وأمَّا قوله:
﴿وَلِيُنَّبِرُواْ﴾: ليُدمِّروا، فذكره استطراداً، وهو تفسيرُ قَتَادة أخرجه الطَّبَري (٤٣/١٥) من
طريق سعيدٍ (١) عنه في قوله: ﴿وَلِيُتَبِرُواْ مَا عَلَوْ اْ تَتْبِيرًا﴾ قال: ليُدمِّروا ما غَلَبوا عليه تدميراً.
وأمَّا حديثُ جابرٍ في رَعْي الغنم، فمُناسَبتُه للَّرجمة غيرُ ظاهرةٍ، وقال شيخُنا ابن
المُلقِّن في ((شرحِه)): قال بعضُ شيوخِنا: لا مُناسَبةَ [له]، قال شيخُنا: بل هي ظاهرةٌ
لدخولِ عيسى فيمَن رَعى الغنمَ. كذا رأيت في النُّسْخَة، وكأنَّه سَبقُ قَلَم وإنَّما هو موسى لا
عيسى، وهذا مُناسبٌ لِذِكْر المتنِ في أخبار موسى، وأمَّا مُناسَبةُ التَّرجمة للحديث فلا، والذي
يَهَجِسُ في خاطري أنَّه كان بين التَّفسير المذكورِ وبين الحديث بياضٌ أُخليَ لحديثٍ لِيُدخَلَ
في التَّرجمة، ولترجمةٍ تَصلُحُ لحدیث جابٍ، ثمَّ وُصِلَ ذلك كما في نظائره.
ومُناسَبةُ حديث جابرٍ لقَصَصِ موسى من جِهَة عمومٍ قوله: ((وهَل من نبي إلّا وقد
رَعاها))، فدَخَلَ فيه موسى كما أشارَ إليه شيخُنا، بل وَقَعَ في بعضٍ طرق هذا الحديث: ((ولقد
بُعِثَ موسى وهو يَرعى الغنمَ))، وذلك فيما أخرجه النَّسائي في التَّفسير (٢) من طريق أبي إسحاقَ
عن نَصِرٍ بن حَزْنٍ قال: افتَخَرَ أهلُ الإبل والشّاء، فقال النبيِ نَِّ: (بُعِثَ موسى وهو راعي
غَنَمِ)) الحديثَ، ورجالُ إسنادِهِ ثِقَاتٌ، ويُؤيِّدُ هذا الذي قلتُ أنَّه وَقَعَ في رواية النَّسَفي ((باب))
بغير ترجمةٍ، وساقَ فيه حديثَ جابٍ ولم يَذكُر شيئاً قبلَه، وكأنَّه حَذَفَ البابَ الذي فيه النَّاسیرُ
الموقوفةُ كما هو الأغلَبُ من عادَتِهِ، واقتَصَرَ على الباب الذي فيه الحديثُ المرفوع.
وقد تَكلَّفَ بعضُهم وجهَ المناسَبة - وهو الكِرْماني - فقال: وجه المناسَبة بينهما أنَّ بني
إسرائيلَ كانوا مُستَضعَفِينَ جُهّالاً، فَضَّلهم الله على العالَمينَ، وسياقُ الآية يدلُّ عليه - أي:
فيما يَتَعلَّقُ ببني إسرائيلَ - فكذلك الأنبياءُ كانوا أوَّلاً مُستَضعَفينَ بحيثُ إنَّهم كانوا يَرعَونَ
(١) بل هو عنده من طريق معمر وليس من طريق سعيد، ولعلَّ سعيداً هنا محرَّف عن معمر.
(٢) من ((سننه الكبرى)) (١١٢٦٢).

١٥٣
باب ٣٠
كتاب أحاديث الأنبياء
الغنمَ. انتهى، والذي قاله الأئمّةُ: أنَّ الحكمةَ في رِعاية الأنبياءِ للغنم ليأخُذوا أنفُسَهم
بالتَّواضُعِ، وتَعتادَ قلوبُهم بالخَلْوة، ويَتَرَقَّوا من سياسَتِها إلى سياسة الأُمَمِ، وقد تقدَّم
إيضاحُ هذا في أوائلِ الإجارة (٢٢٦٢)، ولم يذكُر المصنّفُ من الآيات بالعِبارة والإشارة إلّا
قوله: ﴿مُتَبِرِّ مَاهُمْ فِهِ﴾ ولا شَكَّ أنَّ قوله: ﴿وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَلَمِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٠]
إِنَّما ذُكِرَ بعدَ هذا، فكيف يُحِمَّلُ على أنَّه أشارَ إليه دونَ ما قبلَه، فالمعتمَدُ ما ذكرتُه. ونَقَلَ
الكِرْماني عن الخَطّابي قال: أراد أنَّ الله لم يَضَع النبوَّةَ في أبناءِ الدُّنيا والمترَفينَ منهم، وإنّما
جعلها في أهلِ التَّواضُعِ كُرُعاة الشّاءِ وأصحاب الحِرَف. قلت: وهذه أيضاً مناسبةٌ للمَتنِ
لا لخُصوصِ التَّرجمة، وقد نَقَلَ القُطبُ الحَلَبي هذا عن الخَطّابي ثمَّ قال: ويُنظَرُ في وجه
مُناسَبة هذا الحديث للتَّرجمة، والله أعلم.
٣٠ - باب
﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ كُمْ أَن تَذْ بَحُواْ بَقَرَةً﴾ الآيةَ [البقرة: ٦٧]
قال أبو العاليَةِ: العَوَانُ: النَّصَفُ بينَ الِكْرِ والهَرِمة.
﴿فَائِعٌ ﴾: صافٍ.
﴿لَّا ذَلُولٌ﴾: لم يُذِنَّا العملُ.
﴿ُثِيرُ الْأَرْضَ﴾: ليست بِذَلُولٍ تُشِيرُ الأرضَ، ولا تَعمَلُ في الحَرْث.
﴿مُسَلَّمَةٌ﴾: مِن العُيوب.
﴿لَا شِيَةَ﴾: بياضٌ.
﴿صَفْرَآءُ﴾ إن شئتَ سوْداءُ، ويقال: صَفْراءُ، كقوله: ﴿جِمَلَتُ صُفْرٌ﴾ [المرسلات: ٣٣].
﴿فَأَدَّارَ هُ ثُمْ ﴾ [البقرة: ٧٢]: اختَلَفْتُم.
قوله: ((﴿ وَ إِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ، إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُواْ بَقَرَةً﴾ الآيَةَ)) لم يذكر فيه سوى ٤٤٠/٦
شيء من التَّفسير عن أبي العالية، وقصَّةُ البقرة أورَدَها آدمُ بنُ أبي إياسٍ في ((تفسيره)) قال:

١٥٤
باب ٣٠
فتح الباري بشرح البخاري
حدَّثنا أبو جعفرِ الرّازي عن الرَّبيع بن أنسٍ عن أبي العالية في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ
أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً﴾ قال: كان رجلٌ من بني إسرائيلَ غَنِيّاً ولم يكن له ولدٌ وكان له قريبٌ
وارثٌ، فَقَتَلَه ليِرِثَه ثمَّ ألقاه على مَجَمَع الطَّريقِ، وأتى موسى فقال: إنَّ قريبي قُتِلَ، وأتى إليّ
أمرٌ عظيمٌ، وإنّ لا أجِدُ أحداً يُبيِّنُ لي قاتلَه غيرَك يا نبي الله، فنادى موسى في الناس: مَن
كان عنده عِلمٌ من هذا فليُبيِّنه، فلم يكن عندهم عِلمٌ، فأوحى الله إليه: قل لهم: فليَذْبَحوا
بقرةً، فعَجِبوا وقالوا: كيف نَطلُبُ معرفةَ مَن قتل هذا القتيلَ فنُؤْمَرُ بذَبْح بقرةٍ؟ وكان ما
قَصَّه الله تعالى قال: ﴿إِنَّهُ, يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَّا فَارِضٍّ وَلَا بِكْرٌ﴾ يعني: لا هَرِمةٌ ولا صغيرةٌ
﴿عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ أي: نَصَفُ بين البِكرِ والهَرِمة ﴿قَالُواْ أَدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنِ لَّنَا مَا
لَوْنُهَأَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَآءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾ أي: صافٍ ﴿ تَسُزُ النَّظِرِينَ ﴾
أي: تُعجِبُهم ﴿ قَالُواْ أَدْعُ لَنَا رَبَّكَ﴾ الآيَةَ ﴿ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ﴾، أي: لم يُذِنَّا
العملُ ﴿يُثِيرُ الْأَرْضَ﴾ يعني: ليست بذَلولٍ فُثيرُ الأرضَ ﴿ وَلَا تَسْقِى الْرَثَ﴾، يقول: ولا
تَعمَلُ في الحَرِثِ ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾ أي: من العُيوب ﴿لَّ يِشِيَةَ فِيهَا﴾، أي: لا بياضَ ﴿قَالُوا الْعَّنَ
جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾ قال: ولو أنَّ القومَ حينَ أُمِروا بذَبح بقرةٍ اسْتَعرَضوا (١) أيَّ بقرةٍ كانت
لأجزأت عنهم، ولكنَّهم شَدَّدوا فتُدِّدَ عليهم، ولولا أنَّهم استَثَنَوا فقالوا: ﴿وَإِنَّا إِن شَآءَ اللَّهُ
لَمُهْتَدُونَ﴾ لمَا اهتَدَوْا إليها أبداً، فبَلَغَنا أنَّهم لم يَجِدوها إلّا عند عجوزٍ، فَأَغْلَت عليهم في
الثَّمَنِ، فقال لهم موسى: أنتم شَدَّدتُم على أنفُسِكم، فأعطوها ما سألت، فذَبَحوها،
فأخذوا عَظماً منها فضَرَبوا به القتيلَ فعاشَ، فسَمّى لهم قاتلَه، ثمَّ ماتَ مكانه فأُخِذَ قاتلُه،
وهو قريبُه الذي كان يريدُ أن يَرِئَه فقَتَلَه الله على سوء عمله.
وأخرج ابن جَرِير (٣٣٩/١-٣٤٠) هذه القصّةَ مُطوَّلةً من طريق العَوْفي عن ابن
عبَّاسٍ، ومن طريق السُّدّي كذلك، وأخرجها هو وابن أبي حاتم وعبدُ بنُ محُميدٍ بإسنادٍ
صحيحٍ عن محمَّدٍ بن سِيرِين عن عَبِيدة بن عَمرِو السَّلْماني أحدٍ كِبار التابعين.
(١) تحرف في (س) إلى: استرضوا.

١٥٥
باب ٣١ / ح ٣٤٠٧
كتاب أحاديث الأنبياء
وأمَّا قوله: (﴿صَفْرَآءُ﴾ إن شئت سوداءُ، ويقال: صَفْراءُ، كقوله: ﴿حِمَلَتُ صُفْرٌ﴾)) فهو
قولُ أبي عُبيدة، قال في قوله تعالى: ﴿صَفْرَآءُ فَاقِعٌ لَّوْنُهَا ﴾: إن شئت صفراءُ، وإن شئت
سوداءُ، كقوله: ﴿ِمَلَتُ صُفْرٌ﴾، أي: سُودٌ، والمعنى أنَّ الصُّفرةَ يُمكِّنُ حَملُها على معناها
المشهور، وعلى معنى السَّوادِ كما في قوله: ﴿جِمَلَتُ صُفْرٌ﴾ فإنَّهَا فُسِّرَت بأنَّهَا صُفرٌ تَضِرِبُ
إلى سوادٍ. وقد روي عن الحسن أنَّه أخَذَ أنَّها سوداءُ من قوله: ﴿فَاقِعٌ لَّوْنُهَا ﴾.
وقوله: (﴿فَأَذَّارَأْ تُمْ﴾: اختلَفْتُم))، هو قولُ أبي عُبيدة أيضاً، قال: وهو من التَّدارُوِ:
وهو التَّافُع.
٣١- وفاةُ موسى، وذِكرُه بعدُ
٣٤٠٧ - حدَّثنا يحيى بنُ موسى، حدَّثنا عبدُ الرَّزّاق، أخبرنا مَعمَرٌ، عن ابنِ طاووسٍ، عن
أبيه، عن أبي هريرةَ ﴾ قال: أُرسِلَ مَلَكُ الموتِ إلى موسى عليهما السَّلام، فلمَّا جاءَه صَكَّه،
فَرَجَعَ إلى ربِّه فقال: أرسَلْتَني إلى عبدٍ لا يُرِيدُ الموتَ، قال: ارجِعْ إليه، فقُلْ له: يَضَعُ يدَه على
مَثْنِ ثَوْرٍ، فَلَه بما غَطَّى يَدُه بكلِّ شَعَرةٍ سنةٌ، قال: أيْ ربِّ، ثمَّ ماذا؟ قال: ثمَّ الموتُ، قال:
فالآنَ، قال: فسألَ اللهَ أن يُدْنِيَه مِن الأرضِ المقدَّسةِ رَمْيةً بحَجَرٍ. قال أبو هريرةَ: فقال
رسولُ الله ◌ِِّ: ((لو كنتُ ثَمَّ، لأَرَيتُكُمْ قَبْرَه من جانبِ الطَّريقِ، تحتَ الكَثِيبِ الأحمرِ)).
قال: وأخبرنا مَعمَرٌّ، عن همَّام: حدَّثنا أبو هريرةَ، عن النبيِّ يَّر ... نحوَه.
قوله: ((وفاةُ موسى وذِكرُه بعدُ)) كذا لأبي ذرِّ بإسقاط ((باب)) ولغيره بإثباته. وقوله:
((وذِكرُه بعدُ)) بضمِّ دال ((بعدُ)) على البناء.
ثم أورد فيه أحاديث:
الأول: حديثُ أبي هريرة في قصَّة موسى مع مَلَكِ الموت، أورَدَه موقوفاً من طريق
طاووسٍ عنه، ثمَّ عَقَّبَه برواية هَمَّام عنه مرفوعاً، وهذا هو المشهورُ عن عبد الرَّزّاق، وقد
رَفَعَ محمَّدُ بنُ یحیی عنه روایةً طاووسٍ أيضاً، أخرجه الإسماعيلي.
قوله: ((أُرسِلَ مَلَكُ الموتِ إلى موسى عليهما السَّلامُ فلمَّا جاءَه صَكَّه)) أي: ضَرَبَه على

١٥٦
باب ٣١ / ح ٣٤٠٧
فتح الباري بشرح البخاري
عينِهِ، وفي رواية همَّام عن أبي هريرة عند أحمد (٨١٧٢) ومسلم (٢٣٧٢ /١٥٨): ((جاء مَلَكُ
الموت إلى موسى فقال: أجِبْ ربَّك، فلَطَمَ موسى عينَ مَلَكِ الموت ففَقَأَها)»، وفي رواية
عمَّر بن أبي عنَّار عن أبي هريرة عند أحمد (١٠٩٠٤) والطََّري(١): ((كان مَلَكُ الموت يأتي
الناسَ عِياناً، فأتى موسى فلَطَمَه ففَقَأْ عينَه)».
قوله: ((لا يريدُ الموتَ)) زاد همَّامٌ: ((وقد فقاً عيني، فردَّ الله/ علیه عينه)»، وفي رواية عمّار:
٤٤٢/٦
((فقال: يا ربِّ، عبدُك موسى فقَأ عيني، ولولا كَرامَتُهُ عليك ◌َشَقَقتُ عليه)».
قوله: ((فقُل له: يَضَعُ يدَه)) في رواية أبي يونُسَ(٢): ((فقل له: الحياةَ تريد؟ فإن كنت تريدُ
الحياةَ فضَعْ يدَك)).
قوله: ((على مَتْن)) بفتح الميم وسكونِ المثنّاة: هو الظَّهر، وقيل: مُكتَنَفُ الصُّلْبِ بين العَصَبِ
واللَّحمِ، وفي رواية عمَّار: ((على جِلْد نَورِ)).
قوله: ((فَلَه بما غَطّى يُدُه)) في رواية الكُشْمِيهني: «بما غَطَّتِ يَدُه)).
قوله: ((ثمَّ الموتُ)) في رواية أبي يونس: ((قال: فالآنَ يا ربِّ من قریبٍ»، وفي رواية عمّار:
((فأتاه فقال له: ما بعدَ هذا؟ قال: الموتُّ، قال: فالآنَ))، و((الآنَ)) ظَرفُ زمانٍ غيرُ مُتمكِّنٍ،
وهو اسمٌ لزمان الحال الفاصلِ بين الماضي والمستَقبَل.
قوله: (فسأل الله أن يُذْنِیه من الأرضِ المقدَّسَةِ رَمْیةً بحجٍ» قد تقدّم شرحُ ذلك وبيانُه في
الجنائز (١٣٣٩).
قوله: ((فلو كنتُ ثَمَّ) بفتح المثلَّثة، أي: هناك.
قوله: ((من جانبِ الطَّريق)) في رواية المُستَمْلِي والكُشْمِيهني: ((إلى جانبِ الطَّريق)»
وهي روايةُ همَّام.
قوله: ((تحتَ الكَثِيبِ الأحمر)) في روايتهما: ((عند الكَثِيبِ الأحمر)) وهي روايةُ همَّام أيضاً،
(١) في ((التاريخ)) ١/ ٤٣٤.
(٢) عند أحمد في ((المسند)) (٨٦١٦).

١٥٧
باب ٣١ / ح ٣٤٠٧
كتاب أحاديث الأنبياء
والكثيبُ بالمثلَّثة وآخرُه موحّدةٌ وزنُ عظيمٍ: الرَّمِلُ المجتَمِعِ، وَزَعَمَ ابن حِبّان أنَّ قِبَرَ
موسى بمَدْيَنَ بين المدينة وبيتِ المَقدِس، وتَعقَّبَه الضِّياءُ بأنَّ أرضَ مَدْيَنَ ليست قريبةً من
المدينة ولا من بيتِ المَقدِس، قال: وقد اشتَهرَ عن قبرِ بأَرِيحا عنده كَثِيبٌ أحمرُ أنَّه قبرُ
موسى، وأَرِيحا من الأرضِ المقدَّسة، وزاد عمَّارٌ في روايتِهِ: «فشَمَّه شَمَّةً فقَبَضَ روحَه،
وكان يأتي الناسَ خُفيةً)) يعني: بعدَ ذلك، ويقال: إنَّه أتاه بتُفّاحةٍ من الجنَّة فشَمَّها فماتَ.
وذكر السُّدِّي في «تفسيره)): أنَّ موسى لمَّا دَنَتْ وفاتُه مَشَى هو وفَتَاه يُوشَعُ بنُ نوٍ،
فجاءت ريحٌ سوداء، فظَنَّ يُوشَعُ أنَّها الساعةُ فالتَزَمَ موسى، فانسَلَّ موسى من تحتٍ
القميصِ، فَأقبَلَ يُوشَعُ بالقميص. وعن وَهْب بن مُنبِّهِ: أنَّ الملائكةَ تَوَلَّوا دفنَه والصلاةَ
عليه، وأنَّه عاشَ مئةً وعشرينَ سنةً.
قوله: ((قال: وأخبَرَنا مَعمَرٌ عن هَّام ... )) إلى آخره، هو موصولٌ بالإسناد المذكورِ،
ووَهِمَ مَن قال: إنَّه مُعلَّقٌ، فقد أخرجه أحمدُ (٨١٧٢) عن عبد الرَّزّاق عن مَعمَر، ومسلمٌ
(١٥٨/٢٣٧٢) عن محمَّدٍ بن رافعٍ عن عبد الرَّزّاق كذلك.
وقوله في آخره: ((نحوه)) أي: إنَّ روایةً مَعمَر عن همَّام بمعنی روایتِه عن ابن طاووسٍ
لا بلفظه، وقد بيَّنتُ ذلك فيما مضى.
قال ابن خُزَيمةَ: أنكَرَ بعضُ المبتَدِعة هذا الحديثَ وقالوا: إن كان موسى عَرَفَه فقد
استَخَفَّ به، وإن كان لم يَعرِفْه فكيف لم يُقْتَصَّ له من فَقْءِ عينِهِ؟ والجوابُ: أنَّ الله لم يَبعَث
مَلَّكَ الموت إلى موسى وهو يريدُ قَبضَ روحِه حينئذٍ، وإِنَّمَا بَعَثَه إليه اختباراً، وإنَّما لَطَمَ
موسى مَلَكَ الموت لأنَّه رأى آدميّاً دَخَلَ دارَه بغير إذنِهِ، ولم يعلم أنَّه مَلَكُ الموت، وقد أباحَ
الشّارعُ فَقْءَ عين الناظرِ في دار المسلم بغير إذنٍ، وقد جاءت الملائكةُ إلى إبراهيمَ وإلى لوطٍ
في صورة آدميينَ فلم يَعرِفاهم ابتداءً، ولو عَرَفَهم إبراهيمُ لمَا قَدَّمَ لهم المأكولَ، ولو عَرَفَهم
لوطٌ لمَا خافَ عليهم من قومِه. وعلى تقدير أن يكونَ عَرَفَه، فمِن أين لهذا المبتَدِعِ
مشروعيةُ القِصاص بين الملائكة والبشرِ؟ ثمَّ من أين له أنَّ مَلَكَ الموت طلبَ القِصاصَ من
موسی فلم يُقتَصَّ له؟

١٥٨
باب ٣١ / ح ٣٤٠٧
فتح الباري بشرح البخاري
ولخَّصَ الْخَطّابي كلامَ ابن خُزَيمةَ وزاد فيه: أنَّ موسی دَفَعَه عن نفسِه لما رُگِّبَ فیه من
الِحِدَّة، وأنَّ الله رَدَّ عينَ مَلَكِ الموت ليعلمَ موسى أنَّه جاءه من عندِ الله، فلهذا استَسلَمَ
حينئذٍ. وقال النَّوَوي: لا يَمْتَنِعُ أن يأذَنَ الله لموسى في هذه اللَّطْمة امتحاناً للملطوم. وقال
غيرُهُ: إِنَّا لَطَمَه لأنَّه جاء لقَبْض روحِه من قَبَلِ أن يُخُيِّرَه، لمَا ثَبَتَ أنَّه لم يُقْبَض نبيٌّ حَتَّى
يُخِيَّرَ، فلهذا لمَّا خَيَّرَه في المرّة الثّانية أذعَنَ، قيل: وهذا أَولى الأقوال بالصَّواب، وفيه نظرٌ،
لأَنَّه يعودُ أصلُ السُّؤال فيقال: لِمَ أقْدَمَ مَلَكُ الموت على قَبْضِ نبي الله وأخَلَّ بالشَّرطِ؟
فيعودُ الجوابُ: أنَّ ذلك وَقَعَ امتحاناً.
وزَعَمَ بعضُهم أنَّ معنى قوله: ((فقَأْ عِينَه)) أي: أبطَلَ حُجَّتَه، وهو مردودٌ بقوله في نفسِ
٤٤٣/٦ الحديث: ((فَرَدَّ الله عينَه))، وبقوله: ((لَطَمَه وصَكَّه)) / وغير ذلك من قرائنِ السِّياق، وقال
ابن قُتَيبةَ: إِنَّما فقَاً موسى العينَ التي هي تخييلٌ وتمثيلٌ، وليست عيناً حقيقةً، ومعنى ((رَدَّ الله
عينَه)) أي: أعادَه إلى خِلْقَتِه الحقيقية، وقيل: على ظاهره، ورَدَّ الله إلى مَلَكِ الموت عينَه
البشريةَ ليرجِعَ إلى موسى على كمال الصّورة، فيكون ذلك أقوى في اعتباره، وهذا هو
المعتمَد. وجَوَّزَ ابن عَقيلِ أن يكونَ موسى أُذِنَ له أن يفعلَ ذلك بمَلَكِ الموت، وأُمِرَ مَلَكُ
الموت بالصَّيرِ على ذلك، كما أُمِرَ موسى بالصَّيرِ على ما يصنعُ الخَضِر.
وفيه أنَّ الملَكَ يتصوَّر بصورة الإنسان، وقد جاء ذلك في عِدَّة أحاديثَ. وفيه فضلُ
الدَّفنِ في الأرضِ المقدَّسة، وقد تقدَّم شرحُ ذلك في الجنائز (١٣٣٩).
واستُدلَّ بقوله: ((فَلَكَ بكلِّ شَعرةٍ سنةٌ)) على أنَّ الذي بقي من الدُّنيا كثيرٌ جدّاً؛ لأنَّ
عَدَدَ الشَّعرِ الذي تواريه اليدُ قَدْرُ المَدَّة التي بين موسى وبِعثة نبينا نََّ مَرَّتَين وأكثر.
واستُدِلَّ به على جواز الزّيادة في العُمُرِ، وقد قال به قومٌ في قوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمٍَّ
وَلَا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ: إِلَّا فِ كِنَبٍ﴾ [فاطر: ١١] أنَّه زيادةٌ ونقصٌّ في الحقيقة، وقال الجمهورُ:
والضَّميرُ في قوله: ﴿مِنْ عُمُرِهٍِ﴾ للجِنسِ لا للعينِ، أي: ولا يُنقَصُ من عُمُرٍ آخرَ، وهذا
كقولهم: عندي ثوبٌ ونصفُه، أي: ونصفُ ثوبٍ آخرَ. وقيل: المرادُ بقوله: ﴿وَلَا يُنْقَصُ مِنْ

١٥٩
باب ٣١ / ح ٣٤٠٨
كتاب أحاديث الأنبياء
عُمُرِهِةٍ﴾ أي: وما يذهبُ من عمره، فالجميعُ معلومٌ عند الله تعالى.
والجوابُ عن قصَّة موسى: أنَّ أجَلَه قد كان قَرُبَ حضورُه ولم يَبقَ منه إلّا مِقدارُ ما دارَ
بينه وبين مَلَكِ الموت من المراجَعَتَينِ، فَأُمِرَ بقَبضِ روحِه أوَّلاً مع سَبْقِ علم الله أنَّ ذلك لا
يقعُ إلَّ بعدَ المراجَعة، وإن لم يُطلِعْ مَلَكَ الموت على ذلك أوَّلاً، والله أعلم.
٣٤٠٨- حدَّثنا أبو اليَمَان، أخبرنا شعيبٌ، عن الزُّهْريِّ، قال: أخبرني أبو سَلَمةَ بُ
عبدِ الرحمن وسعيدُ بنُ المسيّبِ، أنَّ أبا هريرةَ ﴾ قال: استَبَّ رجلٌ مِن المسلمينَ ورجلٌ مِن
اليهودِ، فقال المسلمُ: والذي اصْطَفَى محمَّداً ◌َِّ على العالَمِينَ - فِي قَسَمِ يُقْسِمُ به - فقال
اليهوديُّ: والذي اصْطَفَى موسى على العالَمِينَ، فَرَفَعَ المسلمُ عندَ ذلك يدَه فَلَطَمَ اليهوديّ،
فذهب اليهوديُّ إلى النبيِّ وََّ، فأخبَرَه الذي كان من أمرِه وأمرِ المسلمِ، فقال: ((لا تُخُيِّروني على
موسى، فإنَّ الناسَ يَصْعَقونَ، فأكونُ أوَّلَ مَن يُفِيقُ، فإذا موسی باطِئٌ بجانبِ العَرْشِ، فلا
أدري أكان فيمَن صَعِقَ فأفاقَ قبلي، أو كان ثمَّنِ استَنَى اللهُ).
الحديث الثاني: حديثُ أبي هريرة أيضاً.
قوله: ((أخبَرَني أبو سَلَمةَ بنُ عبدِ الرحمن وسعيدُ بنُ المسيّب)) كذا قال شعيبٌ عن
الزّهْرِي، وتابَعَه محمَّدُ بنُ أبي عَتيقٍ عن ابن شِهابٍ كما سيأتي في التَّوحيد (٧٤٧٢)، وقال
إبراهيمُ بنُ سعدٍ: ((عن الزُّهْري عن أبي سلمة والأعرج)) كما سيأتي في الرقاق (٦٥١٧)(١)،
والحديث محفوظ للزهري على الوجهَين. وقد جَمَعَ المصنِّفُ بين الرِّوايتَين في التَّوحيد إشارةً
إلى ثُبُوتِ ذلك عنه على الوجهَينِ، وله أصلٌ من حديث الأعرَج من رواية عبد الله بن
الفضل عنه وسيأتي بعدَ ثلاثة أبوابٍ (٣٤١٤)، ومن طريق أبي الزِّنادِ عنه كما سيأتي في
الرِّقاق (٦٥١٨)، ومن طريق أبي سَلَمةَ عن أبي هريرة أخرجه التِّرمِذي (٣٢٤٥) وابن
ماجَهْ (٤٢٧٤) من طريق محمَّدٍ بن عَمرِو عنه، ورواه مع أبي هريرة أبو سعيدٍ، وقد تقدَّم في
الإشخاص (١٢ ٢٤) بتمامه.
(١) وسلف كذلك في الإشخاص والخصومة برقم (٢٤١١).

١٦٠
باب ٣١ / ح ٣٤٠٨
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((استَبَّ رجلٌ من المسلمينَ ورجلٌ من اليهود)) وَقَعَ في رواية عبد الله بن الفضل
سببُ ذلك، وأوَّلُ حديثِه: ((بينَمَا يهوديٌّ يَعرِضُ سِلعةً أُعطِيَ بها شيئاً كَرِهَه فقال: لا
والذي اصطَفى موسى على البشر))، ولم أقِفْ على اسم هذا اليهودي في هذه القصَّة، وزَعَمَ
ابن بَشكُوالَ أنَّه فِنحاصُ - بكسر الفاءِ وسكونِ النّونِ ومُهمَلَتَين - وعزاه لابن إسحاقَ،
والذي ذكره ابن إسحاقَ لِفِنحاصَ مع أبي بكرِ الصِّدّيق في لَطِه إياه قصَّةٌ أُخرى في نزولِ
قوله تعالى: ﴿لَّقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ الآيَةَ [آل عمران: ١٨١].
وأمَّا كَونُ اللّطمِ في هذه القصَّة هو الصِّدّيقَ، فهو مُصرَّحٌ به فيما أخرجه سفيانُ بنُ عُيَينَةَ
في ((جامعِه)) وابن أبي الدُّنيا في كتاب ((البعث)) من طريقِه عن عَمرِو بن دينارٍ عن عطاءٍ،
وابن جُدْعانَ عن سعيد بن المسيّب قال: كان بين رجلٍ من أصحاب النبي ◌ٍَّ وبين رجلٍ
من اليهودِ كلامٌ في شيءٍ - فقال عمرو بنُ دينارٍ: هو أبو بكرِ الصِّدّيقُ - فقال اليهودي:
والذي اصطَفى موسى على البشرِ، فلَطَمَه المسلم ... الحديثَ.
قوله: ((فَرَفَعَ المسلمُ يدَه عند ذلك فَلَطَمَ اليهودي)) أي: عند سماعه قولَ اليهودي:
((والذي اصطَفى موسى على العالَمِينَ)) وإنَّما صَنَعَ ذلك لمَا فَهِمَه من عمومِ لفظِ العالَمِينَ
فَدَخَلَ فيه محمَّدٌ وَّهِ، وقد تَقرَّرَ عند المسلم أنَّ محمَّداً أفضل، وقد جاء ذلك مُبيَّاً في حديث
أبي سعيدٍ (١) أنَّ الضّاربَ قال لليهودي حينَ قال ذلك: ((أيْ خبيثُ، على محمَّدٍ؟!))، فدَلَّ
على أنَّه لَطَمَ اليهودي عُقوبةً له على كذِبِهِ عنده. ووَقَعَ/ في رواية إبراهيمَ بن سعدٍ (٦٥١٧):
((فَلَطَمَ وجهَ اليهودي))، ووَقَعَ عند أحمد (٧٥٨٦) من هذا الوجه: ((فَلَطَمَ عين اليهودي))، وفي
رواية عبد الله بن الفضل (٣٤١٤): ((فسمعَه رجلٌ من الأنصار فلَطَمَ وجهَه وقال: أتقولُ
هذا ورسولُ اللهِ وَلَل بين أظهُرِنا))، وكذا وَقَعَ في حديث أبي سعيدِ: أنَّ الذي ضَرَبَه رجلٌ
من الأنصار، وهذا يُعكِّرُ على قولِ عَمِرِو بن دينارٍ: إنَّه أبو بكرِ الصِّدّيق، إلّا إن كان المرادُ
بالأنصار المعنى الأعمَّ، فإنَّ أبا بكرِ الصِّدّيقُ ﴾ من أنصار رسولِ الله وَلّ قطعاً، بل هو
رأسُ مَن نَصَرَه ومُقدَّمُهم وسابقُهم.
(١) سلف برقم (٢٤١٢).