Indexed OCR Text

Pages 101-120

١٠١
باب ١١ / ح ٣٣٧٢
كتاب أحاديث الأنبياء
وقيل: معناه: أقدِرْني على إحياء الموتى، فتأدَّبَ في السُّؤال، وقال ابن الحَصّار: إنَّما سأل
أن يُحيِيَ الله الموتى على يَدَيه، فلهذا قيل له في الجواب: ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾.
وحَكَى ابن التِّين عن بعض مَن لا تحصيل عنده أنَّه أراد بقوله: ﴿قَلِى﴾ رجلاً صالحاً
كان يَصحَبُهُ سأله عن ذلك، وأبعَدُ منه ما حكاه القُرطُبي المفسِّر عن بعض الصّوفية: أنَّه
سأل من ربّه أن يُرِيَه كيف يُحيي القلوبَ، وقيل: أراد طُمأنينة النَّفس بكَثْرة الأدلَّة، وقيل:
◌َحبَّة المراجعة في السُّؤال.
ثمَّ اختَلَفوا في معنى قوله ◌َّهِ: ((نحنُ أحقُّ بالشكّ)) فقال بعضهم: معناه: نحن أشدُّ
اشتياقاً إلى رُؤية ذلك من إبراهيم، وقيل: معناه: إذا لم نَشُكَّ نحنُ فإبراهيم أولى أن لا
يَشُكّ، أي: لو كان الشكّ مُتَطَرِّقاً إلى الأنبياء لكنت أنا أحقَّ به منهم، وقد عَلمتُم أنّي لم
أشُكَ، فاعلموا أنَّه لم يَشُكّ؛ وإنَّما قال ذلك تَواضُعاً منه، أو من قبل أن يُعلِمه الله بأنَّه
أفضل من إبراهيم، وهو كقوله في حديث أنس عند مسلم (٢٣٦٩): أنَّ رجلاً قال للنبي وَلّ.
يا خير البَرِيّة! قال: ((ذاكَ إِبراهيم)».
وقيل: إنَّ سبب هذا الحديث أنَّ الآية لمَّا نزلت قال بعض الناس: شَكَّ إبراهيمُ ولم
يَشُكَّ نبِيُّنَا، فَبَلَغَه ذلك فقال: ((نحنُ أحقّ بالشكِّ من إبراهيم))، وأراد ما جَرَت به العادة
في المخاطَبة لمن أراد أن يَدفَعَ عن آخر شيئاً، قال: مهما أردتَ أن تقوله لفلانٍ فقُله لي،
ومقصوده: لا تَقُل ذلك. وقيل: أراد بقوله: ((نحنُ)) أمَّتَه الذينَ يجوز عليهم الشكّ، وأخرجه
هو منه بدلالة العِصْمة. وقيل: معناه: هذا الذي تَرَونَ أنَّه شَكٌّ، أنا أَولی به، لأنَّه لیس.
بشَكِّ إنَّما هو طلب لمزيد البيان.
وحَكَى بعض علماء العربية أنَّ (أفعل)) رُبَّما جاءت لنفي المعنى عن الشَّيئين، نحو قوله
تعالى: ﴿أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعَ﴾ [الدخان: ٣٧]، أي: لا خيرَ في الفريقَينِ، ونحو قول القائل:
الشيطانُ خيرٌ من فلان، أي: لا خيرَ فيهما، فعلى هذا فمعنى قوله: ((نحنُ أحقُّ بالشكِّ من
إبراهيم)) لا شَكَّ عندنا جميعاً.

١٠٢
باب ١١ / ح ٣٣٧٢
فتح الباري بشرح البخاري
وقال ابن عَطيّة: تَرجَمَ الطَّبَري في ((تفسيره)) فقال: وقال آخرونَ: شَكَّ إبراهيم في
القُدْرة؛ وذكر أثر ابن عبّاس وعطاء، قال ابن عَطيّة: وَحَمَل قول ابن عبَّاس عندي: ((إنَّهَا
أرجى آية)) لما فيها من الإدلال على الله وسؤال الإحياء في الدُّنيا، أو لأنَّ الإيمان يكفي فيه
٤١٣/٦ الإجمالُ ولا/ يحتاج إلى تنقير وبحث. قال: ومَحَمَل قول عطاء: ((دَخَلَ قلبَ إبراهيم بعضُ
ما يَدخُل قلوب الناس)) أي: من طلب المعاينة. قال: وأمَّا الحديث فمَبنيٍّ على نفي الشكّ،
والمراد بالشكِّ فيه الخواطر التي لا تَثْبُت، وأمَّ الشكُّ المصطَلَح: وهو التوقُّفُ بين الأمرَين
من غير مَزِيَّة لأحدِهما على الآخر، فهو مَنفيٍّ عن الخليل قطعاً؛ لأنَّه يَبعُد وقوعُهُ مَمَّن رَسَخَ
الإيمان في قلبه، فكيف بمَن بَلَغَ رُتْبة النبوَّة. قال: وأيضاً فإنَّ السُّؤال لمَّا وَقَعَ بكيفَ، دَلَّ
على حال شيء موجود مُقرَّر عند السائل والمسؤول، كما تقول: كيف عِلمُ فلان؟ فکیف في
الآية سؤال عن هيئة الإحياء، لا عن نفس الإحياء، فإنَّه ثابت مُقرَّر.
وقال ابن الجَوْزي: إنَّما صارَ أحقَّ من إبراهيم لما عانى من تكذيب قومه، ورَدّهم
عليه، وتَعَجُّبهم من أمر البعث، فقال: أنا أحقّ أن أسأل ما سأل إبراهيم، لعظيمٍ ما جَرَى
لي مع قومي المنكِرِينَ لإحياءِ الموتى، ولمعرفتي بتفضيلِ الله لي، ولكن لا أسألُ في ذلك.
قوله: ﴿قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن﴾ الاستفهام للتَّقريرِ، ووجهه أنَّه طلب الكيفية، وهو مُشعِر
بالتَّصديق بالإحياء.
قوله: ﴿قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَظْمَبِنَّ قَلْبِى﴾ أي: ليزيدَ سكوناً بالمشاهدة المنضَمَّة إلى اعتقاد
القلب، لأنَّ تَظاهر الأدلَّة أسكَنُ للقلوب، وكأنَّه قال: أنا مُصَدِّق، ولكن للعِيان لطيفُ
معنی.
وقال عياض: لم يَشُكّ إبراهيمُ بأنَّ الله يُحيي الموتى، ولكن أراد ◌ُمأنينة القلب وتَرْك
المنازَعة لمشاهدة الإحياء، فحَصَلَ له العلمُ الأوَّل بوقوعِه، وأراد العلمَ الثّاني بكيفيَّتِه
ومُشاهَدَته، ويحتمل أنَّه سأل زيادة اليقين وإن لم يكن في الأوَّل شَكٍّ، لأنَّ العلوم قد
تَتَفَاوَت في قوَّتها، فأراد التَرقِّي من عِلم اليقين إلى عين اليقين، والله أعلم.

١٠٣
باب ١٢ / ح ٣٣٧٣
كتاب أحاديث الأنبياء
قوله: ((ويرحم الله لوطاً ... )) إلى آخره، يأتي الكلام عليه قريباً في ترجمة لوط (٣٣٧٥).
قوله: ((ولو لَبِثْتُ في السِّجْن طول ما لَبِثَ يوسف لَأَجَبْت الدّاعي)) أي: لأسرَعت
الإجابة في الخروج من السِّجن، ولمَا قَدَّمت طلب البراءَة، فوَصَفَه بشِدَّة الصَّبر حيثُ
لم يُبادِر بالخروج، وإنَّما قاله وَلّهِ تَواضُعاً، والتَّواضُع لا يَخُطُّ مَرتَبة الكبير، بل يزيده
رِفعةً وجَلالاً، وقيل: هو من جِنس قوله: ((لا تُفضِّلوني على موسى (١)))، وقد قيل: إنَّه
قاله قبل أن يعلم أنَّه أفضل من الجميع، وسيأتي تكملةٌ لهذا الحديث في قصَّة يوسف
(٣٣٨٧).
١٢ - باب قول الله تعالى:
﴿ وَأَذَّكُرْ فِ الْكِنَبِ إِسْمَعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ﴾ [مريم :٥٤]
٣٣٧٣- حدَّثْنَا قُتَبةُ بنُ سعيدٍ، حدَّثنا حاتمٌ، عن يزيدَ بنِ أبي عُبيدٍ، عن سَلَمَةَ بنِ الأكوَعِ
قال: مَّ النبيُّ ◌َ ◌ّه على نَفَرِ من أسلَمَ يَتَضِلونَ، فقال رسولُ اللهِوَالَ: «ارْمُوا بني إسماعيلَ، فإنَّ
أباكم كان رامِياً، ارْمُوا وأنا معَ ابنِ فلانٍ)) قال: فأمسَكَ أحدُ الفَرِيقَين بأيدِيهم، فقال
رسولُ اللهِ وَّ: ((ما لكم لا تَرْمُونَ؟)) فقالوا: يا رسولَ الله، نَرْمي وأنتَ معهم؟! قال: ((ازْمُوا
وأنا معکم کلِّكم».
قوله: ((باب قول الله تعالى: ﴿وَأَذَكُرْ فِ الْكِتَبِ إِسْمَعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ﴾)» تقدَّم في أواخر
الشَّهادات سببُ تسميته صادقَ الوَعْد(٢).
ثم ذكر المصنف حديثَ سَلَمَةَ بن الأكوع: ((ارموا بني إسماعيل))، وقد تقدَّم شرحه في
((باب التَّحريض على الرَّمي)) من كتاب الجهاد (٢٨٩٩)، واحتَجَّ به المصنّف على أنَّ اليمن
من بني إسماعيل كما سيأتي في أوائل المناقب (٣٥٠٧) مع الكلام عليه.
(١) هكذا في (أ)، وهو الصواب، وتحرف في (ع) و(س) إلى: يونس، والحديث سلف عند البخاري برقم
(٢٤١١) من حديث أبي هريرة مرفوعاً لكن بلفظ: ((لا تخيِّروني على موسى)).
(٢) تحت باب (٢٨): من أمر بإنجاز الوعد ..

١٠٤
باب ١٣ - ١٤ / ح ٣٣٧٤
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((وأنا مع ابن فلان)) وَقَعَ في رواية الكُشْمِيهني: ((وأنا مع بني فلان))، وكذا هو في
الجهاد، قيل: والصَّواب الأوَّل، لقوله في حديث أبي هريرة: ((وأنا مع ابن الأدرَع))(١)، وقد تقدَّم
٤١٤/٦ تسمية ابن / الأدرَع في الجهاد، وقد تقدَّم كثير من أخبار إسماعيل فيما مضى قريباً.
١٣ - قصّة إسحاق بن إبراهيم النبيِّ عليهما السلام
فيه ابنُ عمرَ وأبو هريرةَ، عن النبيِّ ◌ِّ.
قوله: ((قصَّة إسحاق بن إبراهيم النبي عليهما السلام)) ذكر ابن إسحاق: أنَّ هاجَرَ لمَّا
حَمَلَت بإسماعيل غارَت سارةُ فحَمَلَت بإسحاق، فوَضَعَتًا معاً، فشَبَّ الغلامان. ونُقِلَ عن
بعض أهل الكتاب خِلافُ ذلك، وأنَّ بين مَولِديهما ثلاث عشرة سنة، والأوَّل أَولى.
قوله: ((فيه ابن عمر وأبو هريرة)) كأنَّه يشير بحديث ابن عمر إلى ما سيأتي في قصَّة
يوسف (٣٣٨٢)، وبحديث أبي هريرة إلى الحديث المذكور في الباب الذي يليه، وأغرَبَ
ابن التِّين فقال: لم يَقِف البخاري على سنده فأرسَلَه، وهو كلام مَن لم يفهم مقاصد
البخاري، لأنَّه يَستَلزِم أن يكون البخاري أثبَتَ في كتابه حديثاً لا يَعرف له سنداً، ومع
ذلك ذكره مُرسَلاً، ولم تَجِرِ للبخاري بذلك عادةٌ حتَّى يُحمَل هذا الموضعُ عليها، ونحوه
قول الكِرْماني: قوله: ((فيه)) أي: في الباب، حديث من رواية ابن عمر في قصَّة إسحاق بن
إبراهيم عليهما السَّلامِ؛ فأشارَ البخاري إليه إجمالاً ولم يَذكُره بعينِهِ، لأنَّه لم يكن بشرطِهِ
انتهى، وليس الأمر كذلك لمَا بيَّنته، والله المستعان.
١٤ - باب ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ ﴾
الآيةَ [البقرة:١٣٣]
٣٣٧٤- حدَّثنا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ، سمعَ المعتَمِرَ، عن عُبيد الله، عن سعيد بنِ أبي سعيد
المقبُريِّ، عن أبي هريرةَ ﴾، قال: قيلَ للنبيِّ وََّ: مَن أكرَمُ الناسِ؟ قال: ((أكرَمُهم أتقاهم»
(١) أخرجه البزار (٨٠٢٤)، وابن حبان (٤٦٩٥) وإسناده حسن.

١٠٥
باب ١٤ / ح ٣٣٧٤
كتاب أحاديث الأنبياء
قالوا: يا نبيَّ الله، ليس عن هذا نَسألُكَ، قال: ((فأكرَمُ الناسِ يوسفُ نبيُّ الله ابنُ نبيِّ الله ابنِ نبيِّ الله،
ابنِ خليلِ الله)) قالوا: ليس عن هذا نَسألُكَ، قال: ((أفعَن مَعادِنِ العربِ تسألونَني؟» قالوا:
نعم، قال: ((فخِيارُكم في الجاهليَّةِ خِيارُكم في الإسلامِ، إذا فَقُهوا)).
قوله: ((باب ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ ﴾ الآيةَ)) أورَدَ فيه
حديث أبي هريرة: ((أكرَمُ الناس يوسف نبي الله ابن نبي الله)) الحديث، ومُناسَبته لهذه
التَّرجمة من جِهَة مُوافَقة الحديث للآية في سياق نَسَب يوسف عليه السلام، فإنَّ الآية
تَضَمَّنَت أنَّ يعقوب خاطَبَ أولاده عند موته مُحرِّضاً لهم على الثَّبات على الإسلام، وقال له
أولاده: إنَّهم يَعْبُدُونَ إلهه وإله آبائه إبراهيمَ وإسماعيل وإسحاق، ومن جُملة أولاد يعقوب
يوسف عليهم السَّلام، فنَصَّ الحديث على نَسَب يوسف، وأنَّه ابن يعقوب بن إسحاق بن
إبراهيم، وزاد أنَّ الأربعة أنبياء في نَسَقٍ.
قوله: ((حدّثنا إسحاق بن إبراهيم)) هو ابن راهويه الإمام المشهور.
قوله: ((سمعَ المعتَمِرَ)) أي: أنَّه سمعَ المعتمِر، وهم يَحِذِفُونَ ((أَنَّه)) خَطّاً كما يَحَذِفُونَ ((قال))
خَطّاً، ولا بُدَّ من ثُبُوتهما لفظاً. وعُبيد الله: هو ابن عمر العُمَري.
قوله: ((أكرَمُهم أتقاهم)» هو موافق لقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَنْقَنَّكُمْ
[الحجرات: ١٣].
قوله: ((قالوا: يا نبي الله، ليس عن هذا نَسألك، قال: فأكرَمُ الناس يوسُف)) الجواب الأوَّل
من جِهَة الشَّرَف بالأعمال الصالحة، والثّاني من جِهَة الشَّرَف بالنَّسَبِ الصالح.
قوله: (أَفَعن مَعادِن العرب)) أي: أُصولِهم التي يُنسَبونَ إليها ويَتَفَاخَرونَ بها، وإِنَّا جُعِلَت
مَعادِنَ لمَا فيها من الاستعداد المتفاوت، أو شَبَّهَهم بالمعادنِ لكَونِهِم أوعيةَ الشَّرَف، كما أنَّ
المعادن أوعيةٌ للجواهر.
قوله: ((فخياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فَقُهوا)) يحتمل أن يريد بقوله: ٤١٥/٦
((خياركم)) جمع خيِّر، ويحتمل أن يريد أفعلَ التَّفضيل، تقول في الواحد: خَيْرِ وأخْيَرَ، ثمَّ

١٠٦
باب ١٥ / ح ٣٣٧٥
فتح الباري بشرح البخاري
القسمة رباعية، فإنَّ الأفضل مَن جَمَعَ بين الشَّرَف في الجاهلية والشَّرَف في الإسلام، وكان
شَرَفُهم في الجاهلية بالخِصال المحمودة من جِهَة مُلاءَمة الطَّبع ومُنافَرَته، خُصوصاً
بالانتساب إلى الآباء المتَّصِفينَ بذلك، ثمَّ الشَّرَف في الإسلام بالخِصال المحمودة شرعاً، ثمَّ
أرفَعُهم مَرتَبَةً مَن أضافَ إلى ذلك التفقُّهَ في الدِّين، ومُقابِل ذلك مَن كان مشروفاً في
الجاهلية واستَمرَّ مشروفاً في الإسلام، فهذا أدنى المراتب، والقسم الثّالث: مَن شَرُفَ في
الإسلام وفَقُهَ، ولم يكن شريفاً في الجاهلية، ودونَه مَن كان كذلك لكن لم يَتَفَقَّه، والقسم
الرّابع: مَن كان شريفاً في الجاهلية ثمَّ صارَ مشروفاً في الإسلام، فهذا دون الذي قبله، فإن
تَفَقَّهَ فهو أعلى رُتْبةً من الشَريف الجاهل.
١٥ - بابٌ ﴿ وَلُوطَا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ= آَتَأَتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾
إلى قوله: ﴿فَسَآءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾ [النمل: ٥٤-٥٨]
٣٣٧٥- حدَّثنا أبو اليَمَان، أخبرنا شعيبٌ، حدَّثنا أبو الزِّنادِ، عن الأعرج، عن أبي هريرةَ ﴾،
أنَّ النبيَّ ◌َ قال: ((يَغْفِرُ اللهُ لِلُوطِ، إِنْ كان لَيَأْوِي إلى رُكْنٍ شديدٍ)).
قوله: ((بابٌ ﴿وَلُوطَا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ: أَتَأْتُونَ الْفَحِشَةَ﴾ إلى قوله: ﴿فَسَآءَ مَطَرُ
اُلْمُنذَرِينَ﴾)) يقال: إنَّه لوط بن هاران بن تارخ، وهو ابن أخي إبراهيم عليه السلام، وقد
قَصَّ الله تعالى قِصَّته مع قومه في الأعراف وهود والشُّعَراء والنَّمل والصّافَّات وغيرها،
وحاصلها أنَّهم ابتَدَعوا وَطْءَ الذُّكور، فدَعَاهم لوط إلى التَّوحيد وإلى الإقلاع عن
الفاحشة، فأصَرُّوا على الامتناع، ولم يَتَّفِقِ أن يُساعدَه منهم أحدٌ، وكانت مدائنهم تُسَمّى
سَدُومٍ، وهي بغَوْرِ زُغَر من البلاد الشّامية، فلمَّا أراد الله إهلاكھم بَعَثَ چِبريل وميكائيل
وإسرافيل إلى إبراهيم فاستضافوه، فكان ما قَصَّ الله في سورة هود، ثمَّ تَوَجَّهوا إلى لوط
فاستضافوه، فخافَ عليهم من قومه وأراد أن يُخْفِيَ عليهم خبرَهم، فنَمَتْ عليهم امراتُه،
فجاؤوا إليه وعاتَبوه على كِتمانه أمرهم، وظَنُّوا أَّهم ظَفِروا بهم، فأهلَكَهم الله على يد
جِبْريل، فقَلَبَ مدائنَهم بعد أن خَرَجَ عنهم لوط بأهلِ بيته، إلّا امرأتَه فإنَّها تأخّرَت مع

١٠٧
باب ١٦
كتاب أحاديث الأنبياء
قومها، أو خَرَجَت مع لوطٍ فأدرَكَها العذاب، فقَلَبَ جِبْرِيل المدائنَ بطَرَفِ جناحه، فصارَ
عالِيُها سافلها، وصارَ مكانَها بُحَيْرةٌ مُنِنةٌ لا يُنتَفَع بمائها ولا بشيءٍ ممَّا حولها.
قوله: «یغفِر الله للوط إن کان لیاوي إلی رُكْنٍ شدیدٍ» أي: إلی الله سبحانه وتعالى، یشیر
وَلَّه إلى قوله تعالى: ﴿لَوَّ أَنَّ لِ بِكُمْ قُوَّةً أَوْ ءَاوِىّ إِلَى رَكْنِ شَدِيدٍ﴾ [هود: ٨٠]، ويقال: إنَّ قوم
لوط لم يكن فيهم أحد يَجتَمِع معه في نَسَبه، لأنَّهم من سَدُوم، وهي من الشّام، وكان أصل
إبراهيم ولوط من العراق، فلمَّا هاجَرَ إبراهيم إلى الشّام هاجَرَ معه لوط، فَبَعَثَ الله لوطاً
إلى أهل سَدُوم، فقال: لو أنَّ لي مَنَعَةً وأقارب وعَشيرةً لكنت أستَنِصِر بهم عليكم ليدفعوا
عن ضِيفاني، ولهذا جاء في بعض طرق هذا الحديث كما أخرجه أحمد (١٠٩٠٣) من طريق
محمّد بن عَمْرو عن أبي سَلَمَةَ عن أبي هريرة عن النبيِ ◌ّقال: «قال لوط: لو أنَّ لي بكم
قوَّةً أو آوي إلى رُكنٍ شديدٍ، قال: فإنه كان يأوي إلى رُكْن شديد ولكنَّه عَنَى عَشِیرتَه، فما
بَعَثَ الله نبيّاً إلّا في/ ذُرْوةٍ من قومه))، زاد ابن مَرْدَويه من هذا الوجه: ((ألم تَرَ إلى قول قوم ٤١٦/٦
شعیب: ﴿وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَكَ﴾ [هود:٩١]))، وقيل: معنى قوله: «لقد کان یأوي إلى ◌ُكْن
شديد)) أي: إلى عشيرته، لكنَّه لم يَأوِ إليهم، وأوى إلى الله. انتهى، والأوَّل أظهَر لمَا بَيَّنّاه.
وقال النَّوَوي: يجوز أنَّه لمَّ اندَهَشَ بحال الأضياف قال ذلك، أو أنَّه التَجَأ إلى الله في
باطنه وأظهَرَ هذا القولَ للأضياف اعتذاراً، وسَمَّى العشيرة رُكناً لأنَّ الرُّكن يُستَنَد إليه
ويُمتَنَعَ به، فشَبَّهَهم بالرُّكنِ من الجبل لشِلَّتِهِم ومَنَعَتهم، وسيأتي في الباب الذي بعده
تفسير الرُّكن بلفظٍ آخر.
١٦ - باب
فَلَمَّا جَآءَ ءَالَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ ﴿ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُّنْكَرُونَ﴾ [الحجر: ٦١ -٦٢]
﴿يُرَكْتِهِ،﴾ [الذاريات: ٣٩]: بمَن معه لأنَّهم قوَّتُه.
﴿ترکنُواْ ﴾ [هود:١١٣]: تَمِیلوا. فأنكرهم ونکِرهم واستنگرهم، واحدٌ.
﴿يُهْرَعُونَ﴾ [هود:٧٨]: يُسرِعونَ.

١٠٨
باب ١٦ / ح ٣٣٧٦
فتح الباري بشرح البخاري
دائِرٌ: آخِرٌ.
صَيْحةٌ: هَلَكةٌ.
﴿لِلْمُتَوَسّمِينَ﴾ [الحجر: ٧٥]: للنّاظِرِينَ.
﴿لَبِسَبِيلٍ﴾ [الحجر: ٧٦]: لَبطريقٍ.
٣٣٧٦ - حدّثنا محمودٌ، حدَّثنا أبو أحمدَ، حدَّثنا سفيانُ، عن أبي إسحاقَ، عن الأسوَدِ، عن
عبدِ الله﴾: قال: قَرأَ النبيُّ ◌َله ﴿فَهَلْ مِن مُّذَّكِرٍ﴾.
قوله: ((باب ﴿ فَلَمَّاجَآءَ ءَالَ لُوطٍ اُلْمُرْسَلُونَ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُّنْكَرُونَ﴾ أي: أنكَرَهم لوط.
قوله: ((بُرُكْنِهِ: بمَن معه لأنَّهم قوَّته)) هو تفسير الفَرّاء، وقال أبو عبيدة: فَتَوَّ بُرُكنِه
وبجانبِهِ سواء، إنَّما يعني ناحيتَه. وقال في قوله: ﴿أَوْ ءَاوِىّ إِلَى رَّكْنِ شَدِيدٍ﴾ أي: عَشيرة
عزيزة مَنِيعة.
كذا أورَدَ المصنِّف هذه الجملة في قصَّة لوط، وهو وهمٌّ، فإنّها من قصَّة موسى
والضَّمير لِفِرعَون، والسَّبَب في ذلك أنَّ ذلك وَقَعَ تِلْوَ قصَّة لوط، حیثُ قال تعالى في آخر
قصَّة لوط: ﴿ وَرَّكَا فِيَهَآ ءَايَّةٌ لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ ثمّ قال عَقِب ذلك: ﴿وَفِى مُوسَى إِذْ
أَزْسَلْنَهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ ) فَوَّ بِّكْيِهِ﴾، أو ذكره استطراداً لقوله في قصَّة لوط: ﴿أَوْ
ءَاوِيّ إِلَى رَّكْنِ شَدِيدٍ﴾ [هود: ٨٠].
قوله: ((تَركَنوا: تَمِيلوا)) قال أبو عبيدة في قوله: ﴿ وَلَا تَرَّكَنُوْاْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾: لا تَعدِلوا
إليهم ولا تَميلوا، تقول: رَكَنتُ إلى قولك، أي: أحبَبتُه وقَبِلته، وهذه الآية لا تتعلَّق بقصَّة
لوط أصلاً. ثمَّ ظَهَرَ لي أنَّه ذكر هذه اللَّفظة من أجل ماذَّة (رَكَنَ) بدليلٍ إيراده الكلمة
الأُخرى وهي ﴿ وَلَا تَزَكَنُواْ﴾.
قوله: «فأنكَرَهم ونَكِرَهم واستَنكَرَهم، واحد)) قال أبو عبيدة: نَكِرَهم وأنگرهم واحد،
وكذلك استَنكَرَهم. وهذا الإنكار من إبراهيم غير الإنكار من لوط، لأنَّ إِبراهيم أنكَرَهم
لمَّا لم يأكلوا من طعامه، وأمَّا لوط فأَنكَرَهم لمَّا لم يُبالُوا بمجيءٍ قومه إليهم، ولكن لها

١٠٩
باب ١٦ / ح ٣٣٧٦
كتاب أحاديث الأنبياء
تعلُّق مع كونها لإبراهيم بقصَّة لوط.
قوله: ((﴿يُهْرَعُونَ﴾: يُسرِعونَ)) قال أبو عبيدة: ◌ُهُرَعونَ إلیه، أي: يُستَحقُّون إليه، قال
الشّاعر:
بِمُعجَلاتٍ نحوَهم مَهارِعُ(١)
أي: سِرَاع. وقيل: معناه يُزْعَجونَ مع الإسراع.
قوله: ((دائِرٌ: آخِرٌ)) قال أبو عُبيدة في تفسير قوله: ﴿أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءٍ﴾ [الحجر: ٦٦] أي:
آخرهم.
قوله: ((صَيحة: هَلَكَة)) هو تفسير قوله: ﴿إِن كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةُ وَحِدَةً﴾ [يس: ٢٩]، ولم
أعرف وَجْهَ دخوله هنا، لكن لعلَّه أشارَ إلى قوله: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ﴾ [الحجر: ٧٣]
فإنَّها تتعلَّق بقومٍ لوط.
قوله: (﴿لِلْمُتَوَسِّينَ﴾: للنّاظِرِينَ)) قال الفَرّاء في قوله تعالى: ﴿ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَتٍ لِلْمُتَوَسِمِينَ ﴾
أي: للمُتَفَكِّرِينَ، ويقال: للنّاظرينَ المتفرِّسينَ، وقال أبو عبيدة:، أي: المتبصِّرينَ المتثبِّتِينَ.
قوله: (﴿لَبِسَبِيلٍ﴾: لَبِطَريقٍ)) هو تفسير أبي عُبيدة، والضَّمير في قوله: ﴿وَإِنَّهَا ﴾ يعود
على مدائن قوم لوط، وقيل: يعود على الآيات.
ثم أورد المصنف حديثَ عبد الله - وهو ابن مسعود - قال: ((قرأ النبي ◌َّ: ﴿فَهَلْ مِن
مُذَّكِرٍ﴾)) يعني: بالدال المهملة، وسيأتي بيان ذلك في تفسير القمر (٤٨٧٢).
تنبيهان:
أحدُهما: هذه التَّاسير وَقَعَت في رواية المُستَمْلي وحده.
ثانيهما: أورَدَ المصنِّف ◌َقِبَ هذا قصَّةِ ثَمُود وصالح، وقد قَدَّمتُها في مكانها عَقِب قصّة
عادٍ وهود(٢)، وكأنَّ السَّبَب في إيرادها هنا أنَّه لمَّا أورَدَ التَّفاسير من سورة الحِجْر، كان
(١) في (س): نهارع، وفيها أيضاً: ((أي: نسارع))، والمثبت من أصولنا و((مجاز القرآن)) لأبي عبيدة ٢٩٤/١.
(٢) يعني عقب الباب رقم (٦) من كتاب أحاديث الأنبياء.

١١٠
باب ١٨ / ح ٣٣٨٢
فتح الباري بشرح البخاري
٤١٧/٦ آخرها قوله: ﴿ وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ ) إِنَّ فِ / ذَلِكَ لَآيَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ ﴿ وَإِن كَانَ أَصْحَبُ اُلْأَتِكَةِ
لَظَالِينَ ﴿ فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُّبِينٍ (٦) وَلَقَدْ كَذَّبَ أَمْحَبُ اَلِجْرِ الْمُرْسَلِينَ﴾ إِلى
آخره، فجاءت قصَّة ثَمُود - وهم أصحاب الحِجر في هذه السّورة - تاليةً لقصَّة قوم لوط،
وتَخَلَّل بينهما قصَّة أصحاب الأَيْكة مختصرة، فأورَدَها مَن أورَدَها على ذلك، وقد قَدَّمتُ
الاعتذار علی ذلك فيما مضى.
١٨ - باب ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ﴾ [البقرة: ١٣٣]
٣٣٨٢- حدَّثنا إسحاقُ بنُ منصورٍ، أخبرنا عبدُ الصَّمَد، حدَّثنا عبدُ الرحمن بنُ عبدِ الله،
عن أبيه، عن ابنِ عمرَ رضي الله عنهما، عن النبيِّ وَ﴿ أَنَّه قال: ((الكَرِيمُ ابنُ الكَرِيمِ ابنِ الكَرِيمِ
ابنِ الكَرِيم: يوسفُ بنُ يعقوبَ بنِ إسحاقَ بنِ إبراهيمَ)) عليهم السَّلام.
[طرفاه في: ٣٣٩٠، ٤٦٨٨]
قوله: ((باب ﴿ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْنُ﴾)) كذا ثبتت هذه التَّرجمةُ هنا،
وهي مُكرَّرةٌ كما سَبَقَ قريباً، والصَّوابُ أنَّ حديثَها تِلوَ حديث الباب الذي يَليها، وهي من
قصَّة يوسف عليه السلام.
وقوله: «أخبرنا عبدُ الصَّمَد» هو ابن عبد الوارث.
قوله: ((يوسُفُ بنُ يعقوبَ بنِ إسحاقَ بنِ إبراهيمَ)) وفي رواية الطبراني(١) من طريق أبي
عُبيدة بن عبد الله بن مسعودٍ عن أبيه: ((يوسفُ بنُ يعقوب بن إسحاقَ ذَبيح الله))، ولَه (٢)
من حديث ابن عبّاسٍ: قالوا: يا رسولَ الله، مَن السَّيِّدُ؟ قال: ((يوسفُ بنُ يعقوب))(٣)، قالوا:
فما في أمَّتِك سَيِّدٌ؟ قال: ((رجلٌ أُعطيَ مالاً حلالاً، ورُزِقَ سَماحةً)) وإسنادُه ضعيفٌ.
(١) في ((المعجم الكبير)) (١٠٢٧٨)، وإسناده ضعيف.
(٢) في ((الأوسط)) (٧٠٠٦).
(٣) وقع هنا في (س) زيادة: ((بن إسحاق ذبيح الله))، وليست في أصولنا، ولفظ: ((ذبيح الله)) في هذه الرواية ليس عند
الطبراني في «الأوسط)) ولا في («مجمع الزوائد» للهيثمي ١٢٨/٣ و٢٠٢/٨.

١١١
باب ١٩ / ح ٣٣٨٣ - ٣٣٩٠
كتاب أحاديث الأنبياء
١٩ - باب قول الله تعالى:
◌َّقَدْ كَانَ فِ يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ.ءَايَتٌ لِلِسَّآيِلِينَ﴾ [يوسف: ٧]
٣٣٨٣- حذَّثني عُبيدُ بنُ إسماعيلَ، عن أبي أسامةَ، عن عُبيدِ الله، قال: أخبرني سعيدُ بنُ
أبي سعيدٍ، عن أبي هريرةَ ﴾: سُئِلَ رسولُ الله وََّ: مَن أكرَمُ الناسِ؟ قال: ((أتقاهم لله)) قالوا:
ليس عن هذا نَسألُكَ، قال: ((فأكرَمُ الناسِ يوسفُ نبيُّ الله ابنُ نبيِّ الله ابنِ نبيِّ الله ابنِ خليلِ الله))
قالوا: ليس عن هذا نَسألُكَ، قال: ((فعن مَعادِنِ العربِ تسألونَني؟ الناسُ مَعاِنُ، خِیارُهم في
الجاهليَّةِ خِيارُهم في الإسلامِ، إذا فَقُهوا)).
أَخبرنا محمَّدُ بنُ سَلَامِ، أَخبرني عَبْدُ، عن عُبيدِ الله، عن سعيدٍ، عن أبي هريرةً ﴾، عن
النبيِّ ٹڑ۔۔۔ بهذا.
٣٣٨٤- حدَّثنا بَدَلُ بنُ المحَبَِّ، أخبرنا شُعْبةُ، عن سَعْدِ بنِ إبراهيمَ، قال: سمعتُ عُرْوَةَ
ابنَ الزُّبَيرِ، عن عائشةَ رضي الله عنها، أنَّ النبيَّ وَِّ قال لها: «مُرِي أبا بكرٍ يُصَلِّي بالناسِ»
قالت: إنَّه رجلٌ أَسِيفٌ، متى يَقُمْ مَقامَكَ رَقَّ، فعادَ فعادَتْ، قال شُعْبةُ: فقال في الثّالثةِ أو
الرّابعة: ((إِنَّكُنَّ صَوَاحبُ يوسفَ، مُرُوا أبا بكرٍ ... )).
٣٣٨٥- حدَّثنا الرَّبِيعُ بنُ يحيى البَصْريُّ، حدَّثنا زائدةُ، عن عبدِ الملكِ بنِ عُمَيٍ، عن أبي
بُرْدَةَ بنِ أبي موسى، عن أبيه، قال: مَرِضَ النبيُّ ◌َّهِ فقال: ((مُرُوا أبا بكرٍ فَلْيُصَلُّ بالناس))
فقالت عائشة: إنَّ أبا بكرِ رجلٌ كذا، فقال مِثْلَه، فقالت مِثلَه، فقال: ((مُرُوا أَبا بكرٍ، فإِنَّكُنَّ
صَوَاحبُ يوسفَ)) فأَّ أبو بكرٍ في حياةِ رسولِ الله ◌ِل.
وقال حسينٌ، عن زائدةَ: ((رجلٌ رَقِيقٌ)).
٣٣٨٦- حدّثنا أبو اليَمَان، أخبرنا شعيبٌ، حدَّثنا أبو الزِّنادِ، عن الأعرج، عن أبي هريرةَ ﴾،
قال: قال رسولُ الله وَّ: ((اللهمَّ أَنْج عيّاشَ بنَ أبي رَبِيعةَ، اللهمَّ أَنْجٍ سَلَمَةَ بنَ هشامٍ، اللهمَّ
أنْجِ الوليدَ بنَ الوليدِ، اللهمَّ أنْجِ المستَضعَفِينَ مِن المؤمنينَ، اللهمَّ اشدُدْ وَطْأَتكَ على مُضَرَ،
اللهمَّ اجْعَلْها سِنِينَ كِنِي يوسفَ)».

١١٢
باب ١٩ / ح ٣٣٨٣-٣٣٨٩
فتح الباري بشرح البخاري
٣٣٨٧- حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمَّدِ بنِ أسماءَ ابنُ أخي جُوَيِرِيةَ، حدَّثنا جُوَيِرِيةُ بنُ أسماءَ،
عن مالكٍ، عن الزُّهْريّ: أنَّ سعيدَ بنَ المسيّبِ وأبا عُبيدٍ أخبَرَاه، عن أبي هريرةَ ﴾، قال: قال
رسولُ الله ◌َّ: ((يرحمُ الله لُوطاً، لقد كان يَأوي إلى رُكْنٍ شديدٍ، ولو لَبِثْتُ في السِّجْنِ ما لَبِثَ
يوسفُ ثمَّ أتاني الدّاعي لأجبتُه».
٣٣٨٨- حدَّثنا محمَّدُ بنُ سَلَامٍ، أخبرنا ابنُ فُضَيلٍ، حدَّثنا حُصَيْنٌ، عن شَقِيقٍ، عن
مَسْروقٍ، قال: سألتُ أَّ رُومانَ، وهي أُّ عائشةَ، لمَّا قيلَ فيها ما قيلَ، قالت: بينما أنا معَ
عائشةَ جالسَتانٍ، إذْ وَلَجَت علينا امرأةٌ مِن الأنصار وهي تقولُ: فعلَ الله بفلانٍ وفَعَل، قالت:
فقلتُ: لِمَ؟ قالت: إنَّه تَمَا ذِكْرَ الحديثِ، فقالت عائشةُ: أيُّ حديثٍ؟ فأخبَرَتْها، قالت: فسمعَه
أبو بكرٍ ورسولُ الله؟ قالت: نعم، فخَرَّت مَغْشِيّاً عليها، فما أفاقَتْ إلا وعليها حُمَّى بنافِضٍ،
فجاء النبيُّنَ له فقال: ((ما لهذِه؟)) قلتُ: حُمَّى أَخَذَتْها من أجْلِ حديثٍ تُحُدِّثَ به، فقَعَدَت،
فقالت: والله لَئِنِ حَلَفتُ لا تُصَدِّقونني، ولَئِنِ اعْتَذَرتُ لا تَعْذِرُونَنِي، فَمَثَلِي وَمَثَلُكُم كَمَثَلِ
يعقوبَ وبَنِيه، فاللهُ المستَعانُ على ما تَصِفُونَ، فانصَرَفَ النبيُّ ◌َّهِ، فَأَنزَلَ اللهُ ما أَنزَلَ، فأخبَرَها،
فقالت: بحَمْدِ الله لا بحَمْدِ أحدٍ.
[أطرافه في: ٤١٤٣، ٤٦٩١، ٤٧٥١]
٣٣٨٩- حدَّثنا يحيى بنُ بُكَير، حدَّثنا اللَّيْثُ، عن عُقَيل، عن ابنِ شِهابٍ، قال: أخبرني
عُرْوةُ: أنَّه سأل عائشةَ رضي الله عنها زوجَ النبيِّ ◌ِ: أرأيتِ قولَ الله: ﴿حَتََّ إِذَا أَسْتَبَْسَ
الرُّسُلُ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ﴾ [يوسف: ١١٠] أو كُذُّبُوا؟ قالت: بل كَذَّبَهم قومُهم،
فقلتُ: والله لقد استَيقَنوا أنَّ قومَهم كَذَّبوهم، وما هو بالظَّنِّ، فقالت: يا عُرَيَّةُ، لقد استَيقَنوا
بذلك، قلتُ: فلعلَّها ((كُذِبُوا))، قالت: مَعاذَ الله! لم تكنِ الرُّسُلُ تَظُنُّ ذلك بربِها، وأمَّا هذه
الآيةُ، قالت: هم أتباعُ الرُّسُلِ الذينَ آمنوا بريّهم، وصَدَّقوهم، وطالَ عليهم البلاءُ،
واستَأخَرَ عنهم النَّصْرُ، حتَّى إذا استَيَأْسَت ممَّن كَذَّبَهم من قومِهم، وظنُّوا أنَّ أتباعَهم
كَذَّبوهم، جاءَهم نَصْرُ الله.

١١٣
باب ١٩ / ح ٣٣٨٣ -٣٣٩٠
كتاب أحاديث الأنبياء
قال أبو عبد الله: ﴿أُسْتَيْئَسُواْ﴾: استَفعَلوا، من يَبِسْتُ ﴿مِنْهُ﴾ [يوسف: ٨٠]: من يوسفَ.
﴿وَلَا تَأْيْئَسُواْ مِنْ زَّوْجِ اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٧]: مَعْناه: من الرَّجاءِ.
[أطرافه في: ٤٥٢٥، ٤٦٩٥، ٤٦٩٦]
٣٣٩٠ - أخبرني عَبْدةُ، حدَّثنا عبدُ الصَّمَد، عن عبدِ الرحمن، عن أبيه، عن ابنِ عمرَ رضي الله
عنهما، أنَّ النبيَّ نَّه قال: ((الكَرِيمُ ابنُ الكَرِيمِ ابنِ الكَرِيمِ ابنِ الكَرِيمِ، يوسفُ بنُ يعقوبَ بنِ
إسحاقَ بنِ إبراهيمَ)) عليهم السَّلام.
قوله: ((باب قول الله تعالى: ﴿لَّقَدْ كَانَ فِى يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ،مَايَتُ لِلِسَّآيِلِينَ﴾)) اسمُ إخوة ٤١٩/٦
يوسف: رُوبيلُ بضمِّ الرّاءِ وسكونِ الواو وكسر الموخَّدة بعدَها تحتانيةٌ ساكنةٌ، ثمَّ لامٌ وهو
أكبرُهم، وشَمِعُونُ بالشّين المعجَمة، ولاوي، ويهوذا، وداني، ونفتالي بفاءٍ ومُثنّةٍ، وكاد،
وإسبر، وإيشاجر، ورايلون، وبنيامينُ، وهم الأسباط، وقد اختُلِفَ فيهم فقيل: كانوا
أنبياءَ، ويقال: لم يكن فيهم نبيٌّ، وإنَّما المرادُ بالأسباط قبائلُ من بني إسرائيلَ، فقد كان فيهم
من الأنبياءِ عَدَدُ کثیرٌ.
ثم ذكر المصنف في الباب سبعة أحاديث:
أحدها: حديثُ أبي هريرة في أكرم الناس، أي: أصلاً، ذكره من وجهين عن عُبيد الله
ابنِ عمرَ.
ثانيهما: قال فيه: ((أخبرنا محمَّدُ بنُ سَلَام أخبرني عَبْدة)) وهو ابن سليمانَ. ووَقَعَ في
((المستَخرَجِ)) لأبي نُعَيم أنَّ البخاري أخرجه عن عثمانَ بن أبي شَيْبةَ عن عَبْدة، فالله أعلم،
وقد تقدَّم شرحُه قريباً (٣٣٧٤).
الحديث الثاني: حديثُ عائشةَ: ((مُروا أبا بكرٍ فليُصَلِّ بالناس))، وقد تقدَّم شرحُه في أبواب
الإمامة (٦٧٩)، وأورَدَه هنا مختصراً، والغرضُ منه قوله: ((إنَّكُنَّ صَوَاحبُ يوسفَ)).
وقوله في أوَّلِ الإسناد: ((حدَّثنا الرَّبيعُ بنُ يحيى)) في رواية أبي ذرِّ بغير ألِفٍ ولامٍ، وزاد في
رواية كَرِيمة: ((البَصْري))، ووَقَعَ في نُسخَة: ((حدَّثنا النَّضرُ حدَّثنا زائدة))، وهو غَلَطُ فاحشُ

١١٤
باب ١٩ / ح ٣٣٨٣ -٣٣٩٠
فتح الباري بشرح البخاري
تصحيفٌ من ((البصري))، وقد تقدَّم ذِكرُ مُناسَتِه هناك، وقد قَصَّ الله تعالى قصَّةَ يوسف
مُطوَّلةً في سورةٍ لم يَذكُر فيها قصَّةً لغيره، وقد روى ابن حِبّان (٦٢٠٦) من طريق محمَّدٍ بن
عَمْرٍو عن أبي سَلَمَةَ عن أبي هريرة مرفوعاً: ((رَحِمَ الله يوسف، لولا الكلمةُ التي قالها
﴿أَذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ﴾ [يوسف: ٤٢] ما لَبِثَ في السِّجنِ ما لَبِثَ».
الثالث: حديث أبي موسى في المعنى، وقد تقدم أيضاً.
الرابع: حديثُ أبي هريرة في الدُّعاءِ عند الرفع من الرُّكوع: ((اللهمَّ أنج المستَضعَفينَ))،
وقد تقدَّم شرحُه في الصلاة أيضاً (٧٩٧ و٨٠٤ و ١٠٠٦)، والغرضُ منه قوله: ((اجعَلها عليهم
سنين كَسِني يوسف))، المرادُ بسني يوسف ما قَصَّه الله من ذِكْر السِّنينَ المجدِبة في زمانه،
ويقال: اسمُ الملكِ الذي رأى الرُّؤْيا الرَّيّانُ بنُ الوليد من ذُرّية لاوذبن سام بن نوحٍ.
الخامس: حديثُه في ذِكْر لوطٍ ويوسف، وقد تقدَّم في ترجمة إبراهيمَ (٣٣٧٢).
السادس: حديثُ أمِّ رُومانَ والدة عائشةَ في قصَّة الإفكِ، أَورَدَهُ لقولِ عائشةً فيه:
((فَمَثَلي ومَثَلُكُمْ كمَثَلِ يعقوب وبَنيه))، وسيأتي في تفسير النّورِ (٤٧٥٧) في سياق قصَّة
الإفكِ عن عائشةَ بلفظ: ((والتَمَستُ اسمَ يعقوب فلم أجِده، فقلت: ما أجِدُ لي ولکم مثلاً
إلّا أبا يوسف))، ويأتي الكلامُ على ما قيل في هذا الإسناد من التَّعليلِ بالانقطاع، والجوابُ
عنه في غزوة بني المصطَلِقِ من كتاب المغازي (٤١٤٣) إن شاء الله تعالى.
السابع: حديثُ عائشةَ في تفسير قوله تعالى: ﴿حََّ إِذَا أَسْتَيَْسَ الرُّسُلُ﴾، وسيأتي
شرحُه في آخرٍ تفسير سورة يوسف (٤٦٩٥).
٤٢٠/٦
قوله: ((﴿أَسْتَيِّئَسُواْ﴾: اسْتَفْعَلوا من يَتِسْتُ، ﴿مِنْهُ﴾: من يوسُفَ)) وَقَعَ في كثيرٍ/ من
الرِّوايات ((افتَعَلوا))، والصَّوابُ الأوَّل. وفي ((تفسير ابن أبي حاتم)) من طريق ابن إسحاقَ:
فَلَمَّا أَسْتَيْتَسُواْ﴾، أي: لمَّا حَصَلَ لهم اليأسُ من يوسف.
قوله: (﴿وَلَا تَأْيْتَسُواْ مِن زَّوْجِ اللَّهِ﴾: معناه: من الرَّجاء)) وروى ابن أبي حاتم من طريق
سعيد بن بَشيرٍ عن قَتَادة: ((لا تيأسوا من روح الله، أي: من رحمة الله)).

١١٥
باب ٢٠ / ح ٣٣٩١
كتاب أحاديث الأنبياء
تنبيه: مُطابقَةُ هذا الحديث للتَّرجمة وقوعُ الآية في سورة يوسف، ودخولُه هو في عموم
قوله: ﴿ وَمَآ أَزْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِىّ إِلَيْهِم﴾ [يوسف: ١٠٩]، وكان مُقَامُه في السِّجنِ
تلكَ المدَّةَ الطَّويلةَ إلى أن جاءه النَّصرُ من عندِ الله تعالى بعدَ اليأسِ، لأنَّه أمَرَ الفتى الذي
ظنَّ أنَّه ناج أن یذکُرَ قِصَّتَه، وانَّه ◌ُسَ ظُلماً، فلم یذکُرها إلّا بعدَ سبع سنين، وفي مِثل
هذا يَحصُلُ اليأسُ في العادة المطَّرِدة.
الحديث الثامن: حديثُ ابن عمرَ: ((الكريمُ ابن الكريم)) الحديث، تقدَّم شرحُه قبلَ هذا
(٣٣٨٢).
وعَبْدةُ شيخُ المصنِّف: هو ابن عبد الله المروَزي، وعبدُ الصَّمَد: هو ابن عبد الوارثِ،
وعبدُ الرحمن: هو ابن عبد الله بن دینارٍ.
٢٠ - باب قول الله تعالى: ﴿وَأَتُوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ﴾
الآيةَ [الأنبياء: ٨٣]
﴿ آَرَّكُضْ﴾ [ص: ٤٢]: اضْرِبْ.
﴿يَكُونَ﴾ [الأنبياء: ١٢]: يَعْدُونَ.
٣٣٩١- حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمَّدِ الجُعْفيُّ، حدَّثنا عبدُ الرَّزّاق، أخبرنا مَعمَرٌ، عن هنَّام،
عن أبي هريرةَ ﴾، عن النبيِّ ◌َِّ، قال: «بَيْنا أيوبُ یَغتَسِلُ عُزْیاناً، خَرَّ علیه رِجْلُ جَرادٍ من
ذهبٍ، فَجَعَلَ يَجْنِي في ثَوْبِهِ، فنادَى ربُّه: يا أيوبُ، ألم أكُن أغنَيتُكَ عمَّا تَرَى؟ قال: بلى يا ربِّ،
ولكن لا غِنَى لي عن بَرَ كَتِكَ».
قوله: ((باب قولِ الله تعالى: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ﴾ الآيَةَ)) يقال: هو أيوبُ بنُ ساري
ابن رغوال بن عيصو بن إسحاقَ بن إبراهيمَ، وقيل: اسمُ أبيه موص، والباقي سواءٌ،
وقيل: مَوص بن رزاح بن عيص، وقيل: أيوبُ بنُ رزاح بن موص بن عيصو، ومنهم مَن
زاد بين موص وعيصو ليفزن، وزَعَمَ بعضُ المتأخّرينَ أنَّه من ذُرّية رُومٍ بن عيص، ولا
يَئُتُّ ذلك.

١١٦
باب ٢٠ / ح ٣٣٩١
فتح الباري بشرح البخاري
وحَكَى ابن عساكرَ أنَّ أمَّه بنتُ لوطٍ عليه السلام، وأنَّ أباه كان مَمَّن آمَنَ بإبراهيمَ،
وعلى هذا فكان قبلَ موسى. وقال ابن إسحاقَ: الصَّحيحُ أنَّه كان من بني إسرائيلَ، ولم
يَصِحَّ فِي نَسَبِهِ شيءٌ إلّا أنَّ اسمَ أبيه آمص، والله أعلم. وقال الطََّري: كان بعدَ شعيبٍ.
وقال ابن أبي خَيْئمةَ: كان بعدَ سليمانَ، وكان عيصو تزوَّجَ بشمت بنت عمِّه إسماعيلَ،
فِرُزِقَ منها رغوال، وهو بغَيْنِ مُعجَمةٍ.
قوله: (﴿اُزَكُمْ﴾: اضْرِب، ﴿یَكُونَ﴾: بَعْدونَ)) روى ابن جَرِیر (١٦٦/٢٣) من طريق
شُعْبةَ عن قَتَادة في قوله: ﴿أَرَّكُضْ بِحْلِكَ﴾ قال: ضَرَبَ بِرِجلِه الأرضَ فإذا عينان تَنْبَعان،
فشَرِبَ من إحداهما واغتَسَلَ من الأُخرى.
وقال الفَرّاءُ في قوله تعالى: ﴿إِذَا هُمْ مِنْهَا يَكُونَ﴾ أي: يَهُبونَ. وأخرج الطََّري
(٨/١٧) من طريق مجاهدٍ في قوله: ﴿لَا تَرْكُضُواْ﴾ [الأنبياء: ١٣]، أي: لا تَفِرّوا.
قوله: ((بَيْنا أيوبُ يغتسل)) أصلُ ((بَيْنا) بينَ أُشبِعَت الفتحة، ويَغْتَسِلُ خبرُ المبتَدَأ،
والجملةُ في مَلِّ الجر بإضافة بين إليه، والعاملُ ((خَرَّ عليه)»، أو هو مُقدَّرٌ و(خَرَّ)) مُفسِّرٌ له،
ووَقَعَ عند أحمد (٨٠٣٨) وابن حِبّان (٦٢٢٩ و٦٢٣٠) من طريق بشير بن نَهِيكٍ عن أبي
هريرة: «لمَّا عافى الله أيوبَ أمطَرَ عليه جَراداً من ذهبٍ)).
قوله: ((عُزْيانا) تقدَّم القولُ فيه في كتاب الغُسلِ (٢٧٩).
قوله: ((خَرَّ عليه)) أي: سقط عليه.
وقوله: ((رِجلُ جَرادٍ) أي: جماعةُ جَرادٍ، والجرادُ: اسمُ جمعٍ، واحدُه: جَرادةٌ، كتَمْرِ
وتمرةٍ، وحَكَى ابن سِيدَهْ: أَنَّه يقال للذَّكَرِ: جَرادٌ، وللُنثى: جَرادٌ.
قوله: ((يَخْئي)) بالمثلَّثة، أي: يأخُذُ بيدَيه جميعاً، وفي رواية بشير بن نَهِيكِ: ((يَلْتَقِط)).
قوله: ((في ثَوْبِه)) في حديث ابن عبّاسٍ عند ابن أبي حاتم: / («فجَعَلَ أيوبُ يَنْشُرُ طَرَفَ
٤٢١/٦
ثوبِه فيأخُذُ الْجَرادَ فيجعلُه فيه، فكلّما امتَلَأت ناحيةٌ نَشَرَ ناحيةً)).
قوله: ((فناداه ربُّه)) يحتملُ أن يكونَ بواسطةٍ أو بإلهامٍ، ويحتملُ أن يكونَ بغير واسطةٍ.

١١٧
باب ٢٠ / ح ٣٣٩١
كتاب أحاديث الأنبياء
قوله: ((قال: بلى)) أي: أغنَيتني.
قوله: ((ولكن لا غِنَى لي)) بالقصرِ بغير تنوينٍ، وخبرُ ((لا)) قوله: لي، أو قوله: عن
بَرَكَتِك، وفي رواية بشير بن نَهِيكٍ: ((فقال: ومَن يَشَبَعُ من رَحَمَتِك)) أو قال: ((من فضلِك)).
وفي الحديث جوازُ الحِرصِ على الاستكثار من الحلال في حَقِّ مَن وَثِقَ من نفسِه
بالشُّكرِ عليه، وفيه تسميةُ المال الذي يكون من هذه الجِهَة بَرَكَةً، وفيه فضلُ الغني الشّاكِرِ،
وسيأتي بقيَّةُ مباحثِ هذه الخَصْلة الأخيرة في الرِّقاق إن شاء الله تعالى(١).
واستنْبَطَ منه الخَطّابي جوازَ أخذِ النَّار في الإملاكِ، وتَعقَّبَه ابن الِّين فقال: هو شيءٌ
خَصَّ الله به نبيه أيوبَ، وهو بخِلاف النِّثار فإِنَّه من فعلِ الآدمي، فيُكرَه لما فيه من السَّرَفِ،
ورُدَّ عليه بأنَّه ◌ُذِنَ فيه من قِبَلِ الشّارعِ إِن ثَبَتَ الخبر، ويُستأنَسُ فيه بهذه القصَّة، والله أعلم.
تنبيه: لم يَئْبُت عند البخاري في قصَّة أيوبَ شيءٌ، فاكتَفى بهذا الحديث الذي على
شرطِه. وأصحُ ما وَرَدَ في قِصَّتِه ما أخرجه ابن أبي حاتمٍ وابن جرير(٢) وصَحَّحَه ابن حِبّان
(٢٨٩٨) والحاكمُ (٥٨١/٢-٥٨٢) من طريق نافع بن يزيدَ عن عُقَيل عن الزُّهْري عن
أنسٍ: «أنَّ أيوبَ عليه السلام ابتُلي فلَبِثَ في بَلائِه ثلاثَ عشرةَ سنةً، فَرَفَضَه القريبُ
والبعيدُ إلّا رجلين من إخوانه، فكانا يَغدُوان إليه ويَروحان، فقال أحدهما للآخر: لقد
أذَنَبَ أيوبُ ذَنباً عظيماً، وإلّا لكُشِفَ عنه هذا البلاء، فذكره الآخرُ لأيوبَ، يعني: فحَزِنَ
ودَعَا الله حينئذٍ فخَرَجَ لحاجته وأمسَكَت امرأتُه بيدِه، فلمَّا فَرَغَ أبطَأْت عليه، فأوحى الله
إليه: أن اركُضْ بِرِجلِك، فضَرَبَ بِرِجلِه الأرضَ فَنَبَعَت عينٌ فاغتَسَلَ منها، فَرَجَعَ
صحيحاً، فجاءت امرأتُه فلم تَعرِفْه، فسألته عن أيوبَ فقال: إنّ أنا هو، وكان له
أندَرانِ(٣): أحدُهما للقمح، والآخرُ للشَّعيرِ، فَبَعَثَ الله له سَحابةً فأفرَغَت في أَنْدَرِ القمح
الذَّهَبَ حتَّى فاضَ، وفي أندَرِ الشَّعير الفِضَّةَ حتَّى فاضَ)).
(١) في الباب رقم (١٦) منه: باب فضل الفقر.
(٢) تحرف في (س) إلى: ابن جريج. وهذا الحديث في ((تفسير)) ابن جرير الطبري ١٦٧/٢٣.
(٣) الأندر: البيدر، وهو الموضع الذي يُداس ويُذرَّى به القمح والشعير.

١١٨
باب ٢٠ / ح ٣٣٩١
فتح الباري بشرح البخاري
وروى ابن أبي حاتم نحوَه من حديث ابن عبّاسٍ، وفيه: ((فكَسَاه الله حُلَّةً من حُلَل
الجنّة، فجاءت امرأتُه فلم تَعرِفه فقالت: يا عبدَ الله، هل أبصرتَ المبتَلى الذي كان هنا، فلعلَّ
الذِّئابَ ذهبت به؟ فقال: ويحَكِ أنا هو))، وروى ابن أبي حاتم من طريق عبد الله بن عُبيد
ابن عُمَيرٍ نحوَ حديث أنسٍ، وفي آخره: «قال: فسَجَدَ وقال: وعِزَّتِكَ لا أرفَعُ رأسي حتَّى
تَكشِفَ عنِّي، فكَشَفَ عنه))، وعن الضَّحّاكِ عن ابن عبّاسٍ: «رَدَّ الله على امرأتِهِ شَبابَها حتَّى
وَلَدَت له ستَّةً وعشرينَ ولداً ذَكَراً».
وذكر وهبُ بنُ مُنِّهِ ومحمَّدُ بنُ إسحاقَ في ((المبتَدَأ) قصَّةً مُطوَّلةً جدّاً، وحاصلُها: أنَّه
كان بحَوْرانَ، وكان له البَشَنِيَّةُ سَهلُها وجبلُها، وله أهلٌ ومالٌ كثيرٌ ووَلَدٌ، فسُلِبَ ذلك كلّه
شيئاً فشيئاً، وهو يَصْبِرُ ويَحِتَسِب، ثمَّ ابتُلي في جسدِه بأنواعٍ من البلاءِ حتَّى أُلقيَ خارجاً من
البلد، فَرَفَضَه الناسُ إلّا امرأتَه، فَبَلَغَ من أمرها أنَّها كانت تَخْدُمُ بالأُجْرة وتُطعِمُه إلى أن
تَجِتَّبَها الناسُ خَشْيَةَ العَدْوى، فباعَت إحدى ضَفيرتيها من بعضٍ بنات الأشراف، وكانت
طويلةً حسنةً فاشتَرَت له به طعاماً طيِّاً، فلمَّا أحضَرَته له حَلَفَ أن لا يأكلَه حتَّى تُخْبِرَه من
أين لها ذلك، فكَشَفَت عن رأسِها، فاشتَدَّ حُزنُه وقال حينئذٍ: ربِّ إني مسَّني الضُّرُّ وأنت
أرحم الراحمين، فعافاه الله تعالى. وروى ابن أبي حاتم عن مجاهدٍ: أنَّ أيوبَ أوَّلُ مَن أصابه
الجُدَري.
ومن طريق الحسن: أنَّ إبليس أتى امرأته فقال لها: إن أكَلَ أيوبُ ولم يُسمِّ عُوفي،
فَعَرَضت ذلك على أيوبَ فحَلَفَ لَيَضرِبَنَّها مئةً، فلمَّا عُوفِيَ أمَرَه الله أن يأخُذَ عُرجوناً فيه
مئةُ شِمْراخٍ فيضربَها ضربةً واحدةً، وقيل: بل قَعَدَ إبليسُ على الطَّريق في صورة طَبِيبٍ،
فقال لها: إذا داوَيتُه فقال: أنتَ شَفَيتني، قَنَعتُ بذلك، فعَرَضَت ذلك عليه فغَضِبَ وكان
٤٢٢/٦ ما كان. وذكر الطَّبَري أنَّ اسمَها ليا بنتُ يعقوب، وقيل: رحمةُ بنتُ/ يوسف بن يعقوب،
وقيل: بنتُ إفرائيم أو ميشا بن يوسف، وأفادَ ابن خالويه أنَّه يقال لها: أُّ زيدٍ.
واختُلِفَ في مُدَّة بَلائِه، فقيل: ثلاثَ عشرةَ سنةً، كما تقدَّم، وقيل: ثلاثُ سنين، وهذا

١١٩
باب ٢١ / ح ٣٣٩٢
كتاب أحاديث الأنبياء
قولُ وَهْبٍ، وقيل: سبعُ سنين، وهو عن الحسن وقَتَادة، وقيل: إنَّ امرأته قالت له: ألا
تَدعُو الله ليُعافيَك، فقال: قد عِشتُ صحيحاً سبعينَ سنةً، أفلا أصبِرُ سبعَ سنين؟ والصَّحیحُ
ما تقدَّم أنَّه لَبِثَ في بَلائه ثلاثَ عشرةَ سنةً. وروى الطَّبَري أنَّ مُدَّةَ عمره كانت ثلاثاً
وتسعينَ سنةً، فعلى هذا فيكون عاشَ بعدَ أن عُوفي عشرَ سنين، والله أعلم.
٢١ - بابٌ ﴿وَأَذْكُرْ فِي الْكِنَبِ مُوسَىَّإِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نِّيًّا
٥١
وَدَيْنَهُ مِن جَاِبِ الُْورِ آلْأَيْمَنِ وَقَرَبْنَهُ فِيًّا ﴾ كلَّمه ﴿ وَوَهَبْنَا
لَهُ مِن رَّحْمَيِّنَا أَخَاهُ هَرُونَ نِيًّا﴾ [مريم: ٥١-٥٣]
يقال للواحدِ وللاثنَيْنِ، ويقال: خَلَصوا نَجِيّاً: اعْتَزَلوا نَجِيّاً، والجميعُ أنْجِيةٌ يَتَنَاجَوْنَ.
تَلَقَّفُ: تَلَقَّمُ.
٣٣٩٢- حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، حدّثنا اللَّيثُ، قال: حدَّثني عُقَيلٌ، عن ابنِ شِهابٍ،
سمعتُ عُرْوةَ، قال: قالت عائشةُ رضي الله عنها: فَرَجَعَ النبيُّ وَّهِ إلَى خَدِيجَةَ يَرْجُفُ فُؤَادُه،
فانطَلَقَت به إلى وَرَقَةَ بنِ نَوْفَلٍ - وكان رجلاً تَنَصَّرَ، يَقْرَأُ الإنجيلَ بالعربيَّةِ - فقال وَرَقةُ: ماذا
تَرَى؟ فأخبَرَه، فقال وَرَقةُ: هذا الناموسُ الذي أَنزَلَ اللهُ على موسى، وإنْ أدرَكَني يومُّكَ
أنصُرْكَ نَصْراً مُؤَزَّراً.
الناموسُ: صاحبُ السِّرِّ الذي يُطلِعُه بما يَستُرُه عن غيرِهِ.
قوله: ((بابٌ ﴿وَأَذْكُرْ فِ الْكِتَبِ مُوسَىَّ إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نِيًّا﴾ إلى قوله: ﴿وَجِيَّا﴾))
في رواية أبي ذرً: «قولُ الله: واذكر ... )) إلى آخره، ولیس فیہ «بابٌ))، وساقَ في رواية کَرِیمة
إلى قوله: ﴿أَخَاهُ هَذُرُونَ نِيًّا﴾.
قوله: ((يقال للواحدٍ والاثنَين)) زاد الكُشْمِيهني: ((والجميع: نَجِيٌّ)). ((ويقال: خَلَصوا:
اعتَزَلوا نَجيّاً، والجميعُ أَنجِيةٌ يَتَنَاجَوْنَ)) قال أبو عُبيدة في قوله تعالى: ﴿خَلَصُواْ نِيًّا﴾
[يوسف: ٨٠]: أي: اعتَزَلوا نَجيّاً يَتَنَاجَوْنَ، والنَّجِيُّ يقعُ لفظُه على الواحدِ والجمع أيضاً.
وقد يُجْمَعُ فيقال: نَجيٌّ وأنجِيٌ، قال لَبيدٌ:

١٢٠
باب ٢٢
فتح الباري بشرح البخاري
وشَهِدتُ أنجيةَ الأَفاقةِ عالياً كَعْبي، وأردافُ الملوكِ شُهوهُ(١)
وموسى: هو ابن عِمرانَ بن لاهب بن عازر بن لاوي بن يعقوب عليه السلام، لا
اختلافَ في نَسَبِهِ، ذكر السُّدّي في ((تفسيره)) بأسانيدِه أنَّ بَدْءَ أمرٍ موسى أنَّ فِرِعَون رأى
كأنَّ ناراً أقبَلَت من بيتِ المَقدِس، فأحرَقَت دورَ مِصرَ وجميعَ القِبْطِ إلّا دورَ بني إسرائيلَ،
فلمَّا استَقَظَ جَعَ الكَهَنَةَ والسَّحَرَةَ فقالوا: هذا غلامٌ يولدُ من هؤلاءِ يكون خَرابُ مِصرَ
على يدِهِ، فأمَرَ بقتل الغِلْمان، فلمَّا وُلِدَ موسى أوحى الله إلى أمِّه أنْ أرضِعيه، فإذا خِفْتٍ
عليه فألقيه في اليَمِّ، قالوا: فكانت تُرضِعُه، فإذا خافَت شيئاً جَعَلَته في تابوتٍ وألقَته في
البحر، وجَعَلَت الحبلَ عندها، فَسِيَت الحبلَ يوماً فجَرَى به النّيْلُ حتَّى وَقَفَ على باب
٤٢٣/٦ فِرِعَون، فالتَّقَطَه الجواري فأحضَروه عند امرأتِه، ففَتَحَت التابوتَ فرأته فأعجَبَها،/ فاستَوهَبَتَه
من فِرِعَون فوَهَبَه لها، فربّته حتَّی کان من أمره ما كان.
قوله: ((تَلَقَّفُ: تَلَقَّمُ)) هو تفسيرُ أبي عُبيدة، قاله في سورة الأعراف(٢).
ثم أورَدَ المصنِّفُ طَرَفاً من حديث بَدْءِ الوحي، وقد تقدَّم شرحُه بتمامه في أوَّل الكتاب (٣)،
والغرضُ منه قوله: ((الناموسُ الذي أُنزِلَ على موسى)).
قوله: ((الناموسُ: صاحبُ السِّرِّ الذي يُطلِعُه بما يَستُرُه عن غيرِه)) هو قولُ المصنّف، وقد
تقدَّم قولُ مَن خَصَّه سِرِ الخیر.
٢٢ - باب قول الله عزَّ وجلَّ: ﴿ وَهَلْ أَتَنكَ حَدِيثُ مُوسَىّ إِذْرَءَانَارًا﴾
إلى قوله: ﴿بِالْوَارِ الْمُقَدَّسِ طُوَّى﴾ [طه:٩-١٢]
﴿وَانَسْتُ﴾: أبصَرتُ ﴿نَّالَّعَلَّيْ ءَانِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ﴾ الآيَةَ.
قال ابنُ عبَّاسٍ: ﴿الْمُقَدَّسِ﴾: المبارك.
(١) الأفاقة: اسم موضع في البحرين، وأرداف الملوك: هم الذين يَخْلُفونهم في القيام بأمر المملكة، بمنزلة
الوزراء واحدهم - رِدْف. انظر ((اللسان)) (ردف) و(أفق).
(٢) الآية (١١٧)، والقراءة المذكورة قرأ بها السبعة إلّ عاصماً في رواية حفص عنه فإنه قرأ: ﴿تَلْقَفُ﴾ ساكنة
اللام خفيفة القاف. انظر ((السبعة)) لابن مجاهد ص ٢٩٠.