Indexed OCR Text
Pages 641-660
٦٤١ باب ١١ / ح ٣٢٩٦ كتاب بدء الخلق مُضطَرّونَ إلى أفعالهم وليسوا مُكلَّفينَ، قال: والدَّليل للجماعة ما في القرآن من ذَمِّ الشَّياطين والتحرُّز من شَرِّهم وما أُعدّ لهم من العذاب، وهذه الخِصال لا تكونُ إلَّا لمن خالَفَ الأمر وارتَكَبَ النَّهي مع تمكُّنه من أن لا يفعل، والآيات والأخبار الدَّالَّة على ذلك كثيرة جدّاً. وإذا تَقرَّرَ كَونُهُم مُكلَّفينَ، فقد اختَلَفوا، هل كان فيهم نبيٌّ منهم أم لا؟ فروى الطََّري (٣٦/٨) من طريق الضَّحّاك بن مُزاحم إثبات ذلك، قال: ومَن قال بقول الضَّحّاك احتَجَّ بأنَّ الله تعالى أخبر أنَّ من الجِنّ والإنس رُسُلاً أُرسِلوا إليهم، فلو جازَ أنَّ المراد بُرُسُل الجِنّ رُسُل الإنس لجازَ عَکسُه وهو فاسدٌ. انتهى. وأجاب الجمهور عن ذلك بأنَّ معنى الآية أنَّ رُسُل الإنس رُسُلٌ من قِبَل الله إليهم، ورُسُل الجِنّ بَثَّهم اللهُ في الأرض فسمعوا كلامَ الرُّسُل من الإنس وبَلَّغوه قومَهم، ولهذا قال قائلهم: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا كِتَبًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى﴾ الآية [الأحقاف: ٣٠]. واحتَجَّ ابن حَزم بأنَّهِ وَ﴿ قال: ((وكان النبي يُبعَث إلى قَومِه)(١) قال: وليس الجِنّ من قوم الإنس، فثَبَتَ أنَّه كان منهم أنبياءُ إليهم، قال: ولم يُبعَث إلى الجِنّ من الإنس نبيٌّ إلَّا نَبِيُنَا وَّ لعموم بعثته إلى الجِنّ والإنس باتِّفاقٍ. انتهى،/ وقال ابن عبد البَرِّ: لا يختلفونَ أنَّه ٣٤٥/٦ وَلَهُ بُعِثَ إلى الإنس والجِنّ. وهذا ممَّا فُضِّلَ به على الأنبياء، ونُقِلَ عن ابن عبّاس في قوله تعالى في سورة غافر: ﴿وَلَقَدْ جَاءَ كُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالْبَيِّنَتِ﴾ [غافر: ٣٤] قال: هو رسول الجِنّ(٢). وقال إمام الحرمَين في ((الإرشاد)) في أثناء الكلام مع العِيسَوية: وقد عَلِمنا ضَرُورةً أَنَّه ◌َ ادَّعى كونَه مبعوثاً إلى الثَّقَلَيْنِ. وقال ابن تَيميّةَ: اتَّفَقَ على ذلك علماء السَّلَف من الصحابة والتابعينَ وأئمّة المسلمين. قلت: وثَبَتَ التَّصريح بذلك في حديث: ((وكان النبي يُبعَث إلى قومه وبُعِثتُ إلى الإنس (١) هذا جزء من حديث أخرجه البخاري (٤٣٨)، ومسلم (٥٢١) (٣) من حديث جابر بن عبد الله. (٢) جاء بعد هذا في (ع) و(س): وهذا ذكره. فلعل الحافظ أراد أن يخرجه فلم يحضُره موضعه، والله أعلم. ولم نقف عليه في شيء من المصادر التي بين أيدينا. ٦٤٢ باب ١١ / ح ٣٢٩٦ فتح الباري بشرح البخاري والجِنّ)) فيما أخرجه البَزّار (٤٧٧٦)(١)، وعن ابن الكلبي: كان النبي يُبعَث إلى الإنس فقط، وبُعِثَ محمَّد نَّهِ إلى الإنس والجِنّ. وإذا تَقرَّرَ كَونُهم مُكلَّفينَ، فهم مُكلَّفونَ بالتَّوحيد وأركان الإسلام، وأمَّا ما عَداه من الفُرُوع فاختُلِفَ فيه لمَا ثَبَتَ من النَّهي عن الرَّوث والعظم، وأنَّهما زادُ الجِنّ، وسيأتي في السّيرة النبويَّة (٣٨٦٠) حديث أبي هريرة وفي آخره: «فقلت: ما بالُ الرَّوثِ والعظمِ؟ قال: هما طعامُ الجِنّ)) الحديث، فدَلَّ على جواز تَناؤُلهم للرَّوثِ وذلك حَرَام على الإنس، وكذلك روى أحمد (٢٥١٠) والحاكم (٢/ ١٠٢) من طريق عِكْرمة عن ابن عبَّاس قال: خَرَجَ رجل من خيبرَ فَتَبِعَه رجلان وآخَرُ يَتْلُوهما، يقول: ارجِعا حتَّى رَدَّهما، ثمَّ لَحِقَه فقال له. إنَّ هذَينٍ شيطانان، فإذا أتيتَ رسولَ الله وَ ل﴿ فاقرأ عليه السلام وأَخِرِه أنّا في جَمْع صَدَقاتنا، ولو كانت تَصلُح له لبَعَثْنا بها إليه. فلمَّا قَدِمَ الرجل المدينةَ أخبر النبيَّ وَّلـ بذلك فنَهى عن الخَلْوة؛ أي: عن السَّفَر مُنْفَرِداً. واختُلِفَ أيضاً هل يأكلون ويشربونَ ويَتَنَاكَحونَ أم لا؟ فقيل بالنَّفي وقيل بمُقابلِهِ، ثمَّ اختَلَفوا فقيل: أَكلُهم وشُربُهم تَشَمُّم واستِرواحٌ لا مَضْغ ولا بَلْع. وهو مردود بما رواه أبو داود (٣٧٦٨)(٢) من حديث أُمَيَّة بن مَخْشِيّ قال: كان رسول اللهِ وَّ جالساً ورجل يأكُل ولم يُسمِّ، ثمَّ سَمّى في آخِرِه، فقال النبي ◌َّ: ((ما زالَ الشيطان يأكُل معه فلمَّا سَمّى استقاءً ما في بطنه))، وروى مسلم (١٠٦/٢٠٢٠) من حديث ابن عمر قال: قال رسول الله بَّله: ((لا يأكُلَنَّ أحدُكم بشِماله ويشرب بشِماله، فإنَّ الشيطانَ يأُل بشِماله ویشرب بشماله)). (١) جاء بعد هذا في (ع) و(س): بلفظ. ولعل الناسخ أخطأ في إيرادها هنا، وأن محلها قبل سياق الحديث، لتكون العبارة: وثبت التصريح في حديث بلفظ؛ والله أعلم. قلنا: والحديث إسناده ضعيف، فيه سالم أبو حماد، جهَّله أبو حاتم الرازي كما في ((الجرح والتعديل)) ١٩٢/٤، فقول الحافظ: ((وثبت ... إلخ)) تساهلٌ منه رحمه الله. (٢) وهو أيضاً عند النسائي في ((الكبرى)) (٦٧٢٥). ٦٤٣ باب ١١ / ح ٣٢٩٦ كتاب بدء الخلق وروى ابن عبد البَرِّ (١١٦/١١) عن وهب بن مُنبِّه: أنَّ الجِنّ أصناف فخالِصُهم رِيحٌ لا يأكلون ولا يشربونَ ولا يَتَوالَدُونَ، وجِنس منهم يقع منهم ذلك، ومنهم السَّعالَى والغُول والقُطْرُب. وهذا إن ثَبَتَ كان جامعاً للقولَين الأوَّلَيْنِ، ويُؤْيِّده ما روى ابن حِبّان (٦١٥٦) والحاكم (٢/ ٤٥٦) من حديث أبي ثَعْلبة الخُشَني قال: قال رسول الله وَّهِ: ((الجِنّ على ثلاثة أصناف: صِنف لهم أجنحة يَطيرونَ في الهواء، وصِنف حَيّات وعَقارب(١)، وصِنف يَحُلّونَ ويَظْعَنونَ))، وروى ابن أبي الدُّنيا (٢) من حديث أبي الدَّرداء مرفوعاً نحوَه، لكن قال في الثَّالث: ((وصِنفٌ عليهم الحساب والعقاب))، وسيأتي شيء من هذا في الباب الذي يليه، وروى ابن أبي الدُّنيا من طريق يزيد بن يزيد بن جابر - أحدثِقات الشّاميينَ من صِغار التابعينَ - قال: ما من أهل بيتٍ إلَّا وفي سَقْف بيتهم من الجِنّ، وإذا وُضِعَ الغَداءُ نزلوا فَتَغَدَّوا معهم، والعَشاءُ كذلك(٣). واستَدَلَّ مَن قال بأنَّهم يَتَنَاكَحونَ بقوله تعالى: ﴿لَمْ يَطْمِنْهُنَّ إِنسُ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌ ﴾ [الرّحمن: ٥٦]، وبقوله تعالى: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ: أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ﴾ [الكهف: ٥٠]، والدّلالة من ذلك ظاهرة. واعتَلَّ مَن أنكَرَ ذلك بأنَّ الله تعالى أخبر أنَّ الجانّ خُلِقَ من نارٍ، وفي النار من الُوسة والخِّقَّةِ ما يَمتنعُ معه التَّوالُد. والجواب أنَّ أصلهم من النار كما أنَّ أصل الآدميِّ من التُراب، وكما أنَّ الآدميَّ ليس طيناً حقيقة كذلك الجِنّي ليس ناراً حقيقة، وقد وقع في (الصحيح)(٤) في قصَّة تَعرُّض الشيطان للنبي وَِّ أَنَّه قال: ((فأخَذتُه فخَنَقْتُهُ حتَّى وجدتُ بَرْد رِيقِه على (١) كذا قال الحافظ، مع أن الذي في حديث أبي ثعلبة عند ابن حبان والحاكم وغيرهما: حيات وكلاب، وإنما ذكر العقارب في حديث أبي الدرداء الذي أشار إليه الحافظ. (٢) في كتاب ((الهواتف)) (١٥٦)، وفي ((مكايد الشيطان)) (١). (٣) في كتاب ((مكايد الشيطان)) له (٤) وفيه: من الجن من المسلمين. (٤) الذي عند البخاري (١٢١٠)، ومسلم (٥٤١) من حديث أبي هريرة بلفظ: ((فأمكنني الله منه فذَعَتُّه)»، وأما اللفظ المذكور فهو عند أحمد في «مسنده)) (٣٩٢٦) من حديث ابن مسعود، ونحوه برقم (١١٧٨٠) من حديث أبي سعيد. ٦٤٤ باب ١١ / ح ٣٢٩٦ فتح الباري بشرح البخاري يَدَيَّ)). قلت: وبهذا الجواب يَندَفِع إيراد مَن استَشكَلَ قولَه تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَنْبَعَهُ, شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ [الصافات: ١٠] فقال: كيف تُحرِق النارُ النارَ؟ ٣٤٦/٦ وأمَّا قول المصنِّف: ((وثوابهم وعِقابهم)»/ فلم يَخْتلِف مَن أثبَتَ تكليفَهم أنَّهم يُعاقبونَ على المعاصي، واختُلِفَ هل يُثابونَ؟ فروى الطَّبَري (٢٦/٣٠) وابن أبي حاتم من طريق أبي الزِّناد موقوفاً قال: إذا دَخَلَ أهلُ الجنَّة الجنَّةَ، وأهلُ النار النارَ قال الله لِمُؤمني الجِنّ وسائر الأُمَم - أي من غير الإنس ـ: كونوا تراباً، فحينئذٍ يقول الكافر: ﴿يَّنَنِ كُتُ تُرَبً﴾، وروى ابن أبي الدُّنيا عن ليث بن أبي سُلَيم قال: ثواب الجِنّ أن يُجارُوا من النار، ثمَّ يقال لهم: كونوا تراباً، ورُوي عن أبي حنيفة نحوُ هذا القول. وذهب الجمهور إلى أنَّهم يُثابونَ على الطاعة، وهو قول الأئمّة الثلاثة والأوزاعي وأبي يوسف ومحمَّد بن الحسن وغيرهم، ثمَّ اختَلَفوا هل يَدخُلونَ مَدخَل الإنس؟ على أربعة أقوال: أحدها: نعم، وهو قول الأكثر، وثانيها: يكونونَ في رَبَض الجنَّة، وهو منقول عن مالك وطائفة، وثالثها: أنَّهم أصحاب الأعراف، ورابعها: التَّوقُّف عن الجواب في هذا. وروى ابن أبي حاتم من طريق أبي يوسف قال: قال ابن أبي ليلى في هذا: لهم ثواب، قال: فَوَجَدنا مِصداقَ ذلك في كتاب الله تعالى: ﴿وَلِكُلٍ دَرَجَتُ مِّمَّا عَمِلُواْ﴾ [الأنعام: ١٣٢]. قلت: وإلى هذا أشارَ المصنّف بقوله قبلها: ﴿يَمَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنَكُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٠]، فإن قوله تعالى: ﴿وَلِكُلّ دَرَجَتٌ مِّمَا عَمِلُواْ﴾ يلي الآية التي بعد هذه الآية، واستدلَّ بهذه الآية أيضاً ابن عبد الحكم. واستدلَّ ابن وَهْب بمِثْل ذلك بقوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِىَّ أُمُرٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِم مِنَ لَلِنَّ وَالْإِنسِ﴾ الآيَةَ [الأحقاف: ١٨]، فإنَّ الآية بعدها أيضاً: ﴿وَلِكُلٍ دَرَجَتُ مِّمَا عَمِلُواْ﴾. وروى أبو الشَّيخ في ((تفسيره)(١) عن مُغِيث بن سُميّ - أحدِ التابعينَ - قال: ما من شيء إلَّا وهو يَسمَعِ زَفير جهنّم إلَّا الثَّقَلَيْنِ اللَّذَينِ عليهم الحساب والعقاب. ونُقُلَ عن مالك أنَّه استَدلَّ على أنَّ عليهم العِقاب (١) وهو أيضاً في ((العظمة)) له (١١٧١). ٦٤٥٠ باب ١٢ كتاب بدء الخلق ولهم الثَّواب بقوله تعالى: ﴿ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَيِِّ جََّانِ﴾ [الرَّحمن: ٤٦]، ثمَّ قال: ﴿فَأَتِّ ◌َالَآءِ رَّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ والخِطاب للإنسِ والجِنّ، فإذا ثَبَتَ أنَّ فيهم مُؤمِنِينَ، والمؤمن من شأنِه أن يَخاف مقام ربِّ ثَبَتَ المطلوب، والله أعلم. قوله: (﴿يَخْسًا﴾: نُقْصانا)) يريد تفسير قوله تعالى حِكايةً عن الجِنّ: ﴿فَمَنْ يُؤْمِنُ بِرَبِّهِ، فَلَ يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا﴾ [الجن: ١٣]، قال يحيى الفَرّاء: البَخْس: النَّقص، والرَّهَق: الظُّلِم، ومفهوم الآية أنَّ مَن يَكفُر فإنَّه يخاف، فدَلَّ ذلك على ثبوت تكلیفهم. قوله: ((وقال مجاهد: ﴿وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ، وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾)) وَصَلَه الفِرْیابي من طريق ابن أبي نَجِيح عن مجاهد به، وفيه: فقال أبو بكر: فمَن أمَّهاتُهم؟ قالوا: بنات سَرَوات الجِنّ ... إلى آخره، وفيه: قال: عَلِمَتِ الْجِنُّ أنَّهم سيُحضَرونَ للحِساب. قلت: وهذا الكلام الأخير هو المتعلِّق بالتَّرجمة، وسَرَوات بفتح المهمَلة والرّاء جمع سَرِيَّة بتخفيف الرّاء أي: شريفة. ووقع هنا في رواية أبي ذرٍّ: ((وأمَّهاتهنَّ)، ولغيره: ((وأمَّهاتهم)) وهو أصوَب، ووقع أيضاً لغير الكُشْمِيهنيّ: ((جندٌ مُحضَرٌ)) (١) بالإفراد، وروايته أشبه. قوله: (﴿جُنْدٌ تُحْضَرُونَ﴾ عند الِحِساب)) وَصَلَه الفِرْيابي أيضاً بالإسناد المذكور عن مجاهد. ثمَّ ذكر المصنِّف حديث أبي سعيد: ((لا يَسمَع مَدى صوت المؤذِّن جِنّ ولا إنس إلَّا شَهِدَ له))، وقد تقدَّم مشروحاً في كتاب الأذان (٦٠٩)، والغَرَض منه هنا أنَّه يدلّ على أنَّ الجِنّ يُحِشَرونَ يوم القيامة، والله أعلم. ١٢ - باب قولِه تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَقْنَآ إِلَّكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِ﴾ إلى قولِهِ: ﴿أُوْلَئِكَ فِ ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الأحقاف: ٢٩] ﴿ مَصْرِفًا﴾ [الكهف: ٥٣]: مَعْدِلاً، ﴿صَرَفْنَا﴾ أي: وَجَّهْنا. (١) تحرف في (أ) و(س) إلى: محضرون. ٦٤٦ باب ١٣ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((باب قوله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنّ﴾ [الأحقاف: ٢٩] إلى قوله: ﴿أُوْلَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ ﴾ [الأحقاف: ٣٢])) سيأتي القول في تَعيينهم وتعيين بلدهم في التفسير (٤٩٢١) إن شاء الله تعالى. قوله: (﴿صَرَفْنَا﴾ أي: وَجَّهْنا)) هو تفسير المصنّف. وقوله: ((﴿مَصْرِفًا﴾: مَعْدِلاً)) هو تفسير أبي عبيدة، واستَشهَدَ بقول أبي كبير - بالموخَّدة - الهُذَلِي: ٣٤٧/٦ أزهيرُ هل عن شَيْبةٍ (١) من مَصِرِفِ أم لا خُلُودَ لباذِلٍ مُتكلِّفٍ تنبيه: لم يَذْكُر المصنّف في هذا الباب حديثاً، واللّائق به حديث ابن عبّاس الذي تقدَّم في صفة الصلاة (٧٧٣) في تَوَجُّه النبي ◌َّه إلى عُكاظ واستماع الجِنّ لقراءتِه، وسيأتي شرحه بتمامه في التفسير (٤٩٢١) إن شاء الله تعالى، وقد أشارَ إليه المصنِّف بالآية التي صَدَّرَ بها هذا الباب. ١٣ - باب قول الله تعالى: ﴿وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَةٍ﴾ وقال ابنُ عبَّاسٍ: الثُّعْبَانُ: الحيّةُ الذَّكَرُ منها، يقالُ: الحيّاتُ أجناسِّ: الجانُّ والأفاعي والأساود. ﴿وَاخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾ [هود:٥٦]: في مُلْكِهِ وسُلْطانِهِ. ويقالُ: ﴿صَّفَّاتٍ﴾: بُسُطُ أجْنِحَتُهُنَّ. ﴿ وَيَقْبِضْنَ﴾ [الملك: ١٩]: يَضْرِبنَ بأجنِحَتِهِنَّ. قوله: ((باب قول الله تعالى: ﴿وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِ دَآبَةٍ﴾)) كأنَّه أشارَ إلى سَبْق خلق الملائكة والجِنّ على الحيوان، أو سَبِقِ جميع ذلك على خلق آدم، والدَّابّة لغةً: ما دَبَّ من الحيوان، واستثنى بعضهم الطَّير لقوله تعالى: ﴿ وَمَا مِن دَآبَقٍ فِ اَلْأَرْضِ وَلَ طٍَّ يَطِيُرُ بِجَنَاحَيْهِ ﴾ (١) في الأصلين و(س): ميتة، والمثبت من ((مجاز القرآن)) لأبي عبيدة ١/ ٤٠٧، ومن كتب اللغة التي أورَدْته كـ ((الصحاح)) و((المحكم)) و((اللسان)) وغيرها. ٦٤٧ باب ١٣ كتاب بدء الخلق [الأنعام: ٣٨]، والأوَّل أشهر لقوله تعالى: ﴿مَّا مِن دَآبَةٍ إِلَّ هُوَ ءَاخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾. وعُرفاً: ذَواتُ الأربع، وقيل: يَخْتَصّ بالفرسِ، وقيل: بالحمار، والمراد هنا المعنى اللُّغَوي. وفي حديث أبي هريرة عند مسلم (٢٧٨٩): ((إنَّ خلقَ الدَّوابِّ كان يوم الأربعاء))(١)، وهو دالٌ على أنَّ ذلك قبل خلق آدم. قوله: ((وقال ابن عبّاس: الثُّعْبان: الحيَّة الذَّكَر)) وَصَلَه ابن أبي حاتم(٢) من طريقه، وقيل: الثُّعبان الكبير من الحيّات ذكراً كان أو أُنثى. قوله: ((يقال: الحيّات أجناسٌ، الجانّ والأفاعي والأساوِد)) في رواية الأَصِيلي: الجانّ أجناس، قال عياض: الأوَّل هو الصواب، قلت: هو قول أبي عبيدة، قاله في تفسير سورة القَصص، قال في قوله: ﴿كَأَنَّهَا جَانٌ﴾ [النمل: ١٠]، وفي قوله: ﴿حَيَّةٌ تَسْعَى﴾ [طه: ٢٠]: كأنَّها جانٌّ من الحيّات أو من حَيَّة الجانِّ، فجَرَى على أنَّ ذلك شيء واحد، وقيل: صارتِ العصا في أوَّل الحال جانّاً:/ وهي الحيَّة الصَّغيرة، ثمَّ صارت تُعباناً، فحينئذٍ ألقى العصا، وقيل: ٣٤٨/٦ اختَلَفَ وَصْفُها باختلاف أحوالها: فكانت كالحيَّة في سَعْيها، وكالجانٌّ في حَرَكَتها، وكالثُّعبانِ في ابتلاعها. والأفاعي جمع أفعى: وهي الأُنثى من الحيّات، والذَّكَر منها أُفعُوان بضمِّ الهمزة والعين، وكُنْية الأُفْعُوان أبو حَيّان وأبو يحيى، لأنَّه يعيش ألف سنة (٣)، وهو الشُّجاع الأسوَد الذي يُواثِب الإنسانَ، ومِن صفة الأفعى إذا فُقِئَت عينُها عادت ولا تُغِض حَدَقَتَها البَنَّةَ. والأَساود جمع أسود، قال أبو عُبيد: هي حيَّة فيها سواد، وهي أخبَث الحيّات. ويقال له: أسوَدُ سالغٌ، لأنَّه يَسلَخ جِلدَه كلّ عام. وفي ((سُنَن أبي داود)) (٢٦٠٣) والنَّسائي (١) كذا قال الحافظ، وهو ذهول منه رحمه الله، ففي ((صحيح مسلم)): ((وخلق النور يوم الأربعاء، وبثَّ فيها الدوابَ يوم الخميس))، على أنَّ في هذا الحديث مقالاً ذكرناه في تعليقنا على ((مسند أحمد)) برقم (٨٣٤١) فراجعه. (٢) في «تفسيره)) (٨٧٩٤). (٣) هذا زَعْمٌ لا يقوم على أساس علمي، والمعروف الآن أن الحيات التي في حدائق الحيوان قد يعيش القليل منها ثلاثين عاماً أو أكثر بقليل. ٦٤٨ باب ١٣ / ح ٣٢٩٧ -٣٢٩٩ فتح الباري بشرح البخاري (ك٧٨١٣) عن ابن عمر مرفوعاً: ((أعوذ بالله من أسَد وأَسوَدَ))(١)، وقيل: هي حَيَّة(٢) رَقشاء دقيقة العُنُقِ، عَريضة الرَّأس، ورُبَّما كانت ذاتَ قَرِنَين، والهاء في الحيَّة للوَحْدة، كَدَجَاجة، وقد عَدَّ لها ابن خالويه في كتاب ((ليس)) سبعينَ اسماً. قوله: (﴿ءَاخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾: في مُلْكه وسُلْطانه) قال أبو عُبيدة في قوله تعالى: ﴿مَا مِن دَآبَّةٍ إِلَّا هُوَ ءَاخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾ أي: في قَبْضَته ومُلكه وسُلطانه، وخَصَّ الناصية بالذِّكرِ على عادة العرب في ذلك، تقول: ناصية فلان في يد فلان: إذا كان في طاعَته، ومِن ثَمَّ كانوا يَجُزّونَ ناصيةَ الأسير إذا أطلقُوه. قوله: ((ويقال: ﴿صَنَّفَّاتٍ﴾: بُسُطُ أجْنِحَتُهنَّ، وقوله: ﴿وَيَقْبِضْنَ﴾: يَضْرِبْنَ بأجْنِحَتِهِنَّ» هو قول أبي عُبيدة أيضاً، قال في قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوَاْ إِلَى الَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَنَّفَّاتٍ﴾ أي: باسطات أجنِحَتَهنَّ، ﴿وَيَقْبِضْنَ﴾: يَضرِبْنَ بأجنِحَتِهنَّ، وروى ابن أبي حاتم (١٤٧٠٠) من طريق ابن أبي نَجِيح عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿صَّفَّتٍ﴾ قال: بُسُطُ أجنِحَتهنَّ. ٣٢٩٧- حدّثنا عبدُ الله بنُ محمَّدٍ، حدَّثنا هشامُ بنُ يوسفَ، حدَّثنا مَعمَرٌ، عن الزُّهْرِيِّ، عن سالمٍ، عن ابنِ عمرَ رضي الله عنهما، أنَّه سمعَ النبيَّ وَّهِ يَخْطُبُ على المِبَرِ، يقول: ((اقْتُلُوا الحيّاتِ، واقتُلُوا ذا الطَّفْيَينِ والأبتَرَ، فإنَّهِما يَطْمِسانِ البَصَرَ ويَسْتَسْقِطانِ الحَبَلَ)). [أطرافه في: ٣٣١٠، ٣٣١٢، ٤٠١٦] ٣٢٩٨- قال عبدُ الله: فبَيْنا أنا أُطاردُ حَيَّةً لِأَقْتُلَها، فناداني أبو لُبابةَ: لا تَقْتُلْها، فقلتُ: إنَّ رسولَ الله ◌ِ ◌َّ قد أمَرَ بقَتلِ الحيّات، فقال: إنَّه نَهَى بعدَ ذلك عن ذَوَاتِ البيوتِ، وهي العَوامِرُ. [طرفاه في: ٣٣١١، ٣٣١٣] ٣٢٩٩- وقال عبدُ الرزّاق عن مَعمَر: فرآني أبو لبابةَ أو زيدُ بنُ الخطّاب. وتابَعَه يونسُ وابنُ عُيَينةَ وإسحاقُ الكَلْبِيُّ والزُّبَيدِيُّ. (١) وأخرجه أيضاً أحمد (٦١٦١)، وإسناده ضعيف. (٢) زاد في (س): رقيقة، وهي مُقحَمة. ٦٤٩ باب ١٣ / ح ٣٢٩٧ -٣٢٩٩ كتاب بدء الخلق وقال صالحٌ وابنُ أبي حَفْصةَ وابنُ مُجُمِّعٍ، عن الزُّهْريِّ، عن سالمٍ، عن ابنِ عمرَ: رآني أبو لُبابةَ وزيدُ بنُ الخطّاب. ثم ذكر المصنف في الباب أحاديث: الأول: حديثُ أبي لُبابة: قوله: ((واقتُلُوا ذا الطَّفْيَتَين)) تثنية طُفْيَة بضمِّ الطاء المهمَلة وسكون الفاء: وهي خُوصة المُقْل، والطُّفَى خُوص المقْل، شُبِّهَ به الخطّ الذي على ظَهْر الحيَّة، وقال ابن عبد البَرِّ: يقال: إنَّ ذا الطُّفِيَتَين جنس من الحيّات يكون على ظهره خَطّانِ أبيضان. قوله: ((والأبتَر)) هو مقطوع الذَّنَب، زادَ النَّصْر بن شُمَيلِ: أنَّه أزرق اللَّون لا تَنظُر إليه حامل إلَّا أَلْقَتْ، وقيل: الأبتَر: الحيَّة القصيرة الذَّنَب، قال الدَّاوودي: هو الأفعى التي تكون قَدر شِبر أو أكثر قليلاً، وقوله: ((والأبتَر)» يقتضي التَّغايُر بين ذي الطُّفْيَتَين والأبتَر، ووقع في الطَّريق الآتية (٣٣١١): ((لا تَقْتُلوا الجِنَّان إِلَّ كَلَّ أبتَرَ ذي طُفِيَتَين))، وظاهره اتّحادهما، لكن لا ينفي المغايرة. قوله: ((فإنَّهما يَطْمِسانِ البَصَرَ)) أي يَمِحُوانِ نُورَه، وفي رواية ابن أبي مُلَيكة عن ابن عمر (٣٣١١): ((ويُذهِب البَصَرَ))، وفي حديث عائشة (٣٣٠٨): (فإنَّه يَلْتَمِس البَصَرَ)). قوله: ((ويَستَسقِطانِ الحَبَل)) هو بفتح المهملة والموحَّدة: الجنين، وفي رواية ابن أبي مُلَيكة عن ابن عمر الآتية بعد أحاديث (٣٣١١): ((فإنَّه يُسقِط الولد))، وفي حديث عائشة الآتي بعد أحاديث (٣٣٠٨): ((ويصيب الحَبَل))، وفي رواية أُخرى عنها (٣٣٠٩): ((ويُذْهِب الحَبَل))، وكلُّها بمعنّى. قوله: ((قال عبد الله)) هو ابن عمر، وفي رواية يونس عن الزُّهْريّ التي يأتي التَّنبيه عليها: قال ابن عمر: فكنت لا أترُك حَيَّةً إِلَّا قَتَلتُها، حتَّى طارَدتُ حَيَّةً من ذَوَات البيوت، الحدیث. وقوله: ((أُطارد)» أي: أنَّبع وأطلُب. ٦٥٠ باب ١٣ / ح ٣٢٩٧ -٣٢٩٩ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((فناداني أبو لُبابة)) بضمِّ اللّام وبموحّدتَین، صحابي مشهور اسمه بَشِير بفتح الموحّدة وكسر المعجمة، وقيل: مُصفَّر، وقيل: بتحتانية ومُهمَلة مُصغّر، وقيل: رِفاعة، وقيل: بل اسمُه ◌ُنْتُه، ورِفاعة وبَشِير أخَوَاه، واسم جَدّه زَنبر، بزاي ونون وموحّدة، وزن جعفر، وهو أَوسِيٍّ من بني أُمَيَّة بن زيد، وشَذَّ مَن قال: اسمه مروان، وليس له في ((الصحيح)) إلَّا هذا الحديث، وكان أحدَ النُّقَباء وشَهِدَ أُحداً، ويقال: شَهِدَ بدراً، واستَعمَلَه النبيُّ ◌َّل على المدينة، وكانت معه رايةُ قومِه يوم الفتح، ومات في أوَّل خلافة عثمان (١) على الصحيح. ٣٤٩/٦ قوله: ((إنَّه نَهى بعد ذلك عن ذَوات البيوت)) أي: اللّتي يُوجَدْنَ في البيوت، وظاهره التَّعميم في جميع البيوت، وعن مالك تخصيصه ببيوتٍ أهل المدينة، وقيل: يَخْتَصّ ببيوتٍ المدن دون غيرها، وعلى كلّ قولٍ فتُقتَل في البراري والصّحاري من غیر إنذار، وروى التِّرمِذي (٢) عن ابن المبارك: أنَّهَا الحَيَّة التي تكون كأنَّهَا فِضَّة ولا تَلتَوي في مِشيتها. قوله: «وهي العوامر) هو کلام الزُّهْريّ أُدرج في الخبر، وقد بيَّنه معمر في روايته عن الزُّهْريّ فساقَ الحديث، وقال في آخره: قال الزّهْريّ: وهي العَوامر. قال أهل اللُّغة: عُمَّار البيوت: سُكّانُها من الجِنّ، وتسميتهنَّ عَوامِرَ لطول لُبتهنَّ في البيوت، مأخوذ من العمر وهو طول البقاء، وعند مسلم (٢٢٣٦/ ١٤٠) من حديث أبي سعيد مرفوعاً: ((إنَّ لهذه البيوت عَوامِر، فإذا رأيتُم منها شيئاً فحَرِّجوا عليه ثلاثاً، فإن ذهب وإلَّ فاقتلوه))، واختُلِفَ في المراد بالثلاثِ، فقيل: ثلاث مرَّات، وقيل: ثلاثة أيام، ومعنى قوله: ((حَرِّجوا عليهنَّ)) أن يقال لهنَّ: أنتُنَّ في ضِيقٍ وحَرَج إِن لَبِثت عندنا، أو ظَهَرت لنا، أو عُدت إلينا. قوله: ((وقال عبد الرزَّاق عن مَعمَر: فرآني أبو لُبابة أو زيد بن الخطّاب)) يريد أنَّ مَعمَراً (١) كذا وقع في الأصلين و(س): في أول خلافة عثمان، وهو خطأ، لعله سبق قلم، صوابه: أول خلافة علي لأن الحافظ نفسه قال في ((التقريب)): عاش إلى خلافة علي ولم يقل أحدٌ من المتقدمين إنه مات في خلافة عثمان، سوى ما قاله الذهبي في («تاريخ الإسلام» ولم يُسبَق إليه. (٢) بإثر الحديث رقم (١٤٨٣). وصح أيضاً عن ابن مسعود عند أبي داود (٥٢٦١) أنه قال: اقتلوا الحيات كلها إلا الجانّ الأبيض الذي كأنه قضيب فضة. ٦٥١ باب ١٣ / ح ٣٢٩٧ -٣٢٩٩ كتاب بدء الخلق رواه عن الزُّهْريّ بهذا الإسناد على الشكِّ في اسم الذي لَقِيَ عبدَ الله بن عمر، وروايته هذه أخرجها مسلم (٢٢٣٣/ ١٣٠) ولم يَسُقْ لفظها، وساقه أحمد (١٥٧٤٨) والطبراني (٤٤٩٨) من طريقه. قوله: ((وتابَعَه يونس)) أي: ابن يزيد ((وابن عُبَينَ)) أي: سفيان ((وإسحاق الكَلْبِي والزُّبَيدي)) أي: إنَّ هؤلاءِ الأربعة تابَعُوا مَعمَراً على روايته بالشك المذكور. فأمَّا رواية يونس فوَصَلَها مسلم (١٣٠/٢٢٣٣) ولم يَسُق لفظَها وساقه أبو عَوَانة. وأمَّا رواية ابن عُيَينةَ فأخرجها أحمد (٤٥٥٧) والحُميدي (٦٢٠) في ((مُسنَدَيهما)) عنه، ووَصَلَها مسلم (١٢٨/٢٢٣٣) وأبو داود (٥٢٥٢) من طريقه، وفي رواية مسلم: وكان ابن عمر يَقتُل كلّ حَيَّة وَجَدَها، فأبصَرَه أبو لُبابة بن عبد المنذر أو زيد بن الخطّاب. وأمَّا رواية إسحاق وهو ابن يحيى الكلبي فُرُويناها في ((نُسخَته))، وأمَّا رواية الزُّبَيدي، وهو محمَّد بن الوليد الحِمْصِي، فَوَصَلَها مسلم (١٢٩/٢٢٣٣)، وفي روايته: قال عبد الله ابن عمر: فكنت لا أتُرُك حَيَّة أراها إلَّا قتلتُها، وزادَ في روايته: قال الزّهْريّ: ونرى ذلك من سُمِّيَّتِها. وقوله: ((وقال صالح وابن أبي حفصة وابن مُجمِّع)) إلى آخره، يعني أنَّ هؤلاءِ الثلاثة رَوَوا الحديث عن الزُّهْريّ فجمعوا فيه بين أبي لُبَابة وزيد بن الخطّاب، فأمَّا رواية صالح - وهو ابن كَيْسانَ - فَوَصَلَها مسلم (١٣٠/٢٢٣٣) ولم يَسُق لفظها، وساقه أبو عَوَانة. وأمَّا رواية ابن أبي حفصة - واسمه محمَّد - فُرُويناها في ((نُسخَته)) من طريق أبي أحمد بن عَدِيٌّ موصولة. وأمَّا رواية ابن مُجُمِّع: وهو إبراهيم بن إسماعيل بن مُجُمِّع - بالجيم وتشديد الميم - الأنصاري المدني، فوَصَلَها البَغَويُّ(١) وابن السَّكَن في كتاب ((الصحابة)). (١) في ((معجم الصحابة)) (٨٢٤). ٦٥٢ باب ١٤ / ح ٣٣٠٠ - ٣٣١٣ فتح الباري بشرح البخاري قال ابن السَّكَن: لم أجِدْ مَن جَمَعَ بين أبي لُبابة وزيد بن الخطّاب إلَّا ابن مُجُمِّع هذا وجعفر بن بُرْقانَ، وفي روايتهما عن الزُّهْريّ مقال. انتهى، وغَفَلَ عمَّا ذكره البخاري وهو عنده عن الفِرَبْريّ عنه، فسبحان مَن لا يَذْهَل، ويحتمل أنَّه لم تقعْ له موصولة من رواية ابن أبي حفصة وصالح، فصارَ مَن رواه بالجمع أربعة، لكن ليس فيهم مَن يُقارب الخمسة الذين رَوَوه بالشكِّ إلَّا صالح بن کَیْسانَ. وسيأتي في الباب الذي يليه من وجه آخر أنَّ الذي رأى ابنَ عمر هو أبو لُبابة بغير شكّ، وهو يُرجِّح ما جَنَحَ إليه البخاري من تقديمه لرواية هشام بن يوسف عن مَعمَر المقتَصِرة على ذِكْر أبي لُبابة، والله أعلم. وليس لزيد بن الخطّاب أخي عمر رواية في ((الصحيح)) إلَّا في هذا الموضع. وَزَعَمَ الدَّاوودي أنَّ الجِنّ لا تَتَمثَّل بذي الطُّفْيَتَين والأبتَر، فلذلك أُذِنَ في قتلهما. وسيأتي التّعقُّب عليه بعد قليل(١). وفي الحديث النَّهيُ عن قتل الحيّات التي في البيوت إلَّا بعد الإنذار، إلّا أن يكون أَبْتَرَ أو ذا طُفِيَتَين فيجوز قتلُه بغير إنذار، ووقع في حديث أبي سعيد عند مسلم (١٤٠/٢٢٣٦) الإذنُ في قتل غيرهما بعد الإنذار، وفيه: ((فإن ذهب وإلَّا فاقتلوه، فإنَّه كافر))، قال القرطبي: والأمر في ذلك للإرشاد، نعم ما كان منها مُقَّق الضَّرَر وَجَبَ دفعُه. ١٤ - بابٌ: خير مال المسلم غنمٌ يَتْبع بها شَعَفَ الجبال ٣٥٠/٦ ٣٣٠٠- حدّثنا إسماعيلُ بنُ أبي أُوَيسٍ، قال: حذَّثني مالكٌ، عن عبدِ الرَّحمن بنِ عبدِ الله ابنِ عبدِ الرَّحمن بنِ أبي صَعْصَعَةَ، عن أبيه، عن أبي سعيدِ الخُذْريِّ ﴾ قال: قال رسولُ الله وَله: « يُوشِكُ أن يكونَ خيرَ مال المسلمِ غَنَمِّ يَتْبَعُ بها شَعَفَ الجبالِ، ومَواقِعَ القَطْرِ، يَفِرُّ بدِينِهِ من الفِتَن)). (١) عند شرح الحديث (٣٣١١). ٦٥٣ باب ١٤ / ح ٣٣٠٠-٣٣١٣ كتاب بدء الخلق ٣٣٠١- حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، أخبرنا مالكٌ، عن أبي الزناد، عن الأعرَجِ، عن أبي هريرةَ ﴾، أنَّ رسولَ الله وَِّ قال: ((رأسُ الكُفْرِ نحوَ المشرِقِ، والفَخْرُ والخُيَلاءُ في أهلِ الخيلِ والإبلِ، والفَدّادِينَ أهلِ الوَبَرِ، والسَّكِينةُ في أهلِ الغنمِ)). [أطرافه في: ٣٤٩٩، ٤٣٨٨، ٤٣٨٩، ٤٣٩٠] ٣٣٠٢- حدَّثْنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا يحيى، عن إسماعيلَ، قال: حدَّثني قيسٌ، عن عُقْبَةَ بنِ عَمٍو أبي مسعودٍ، قال: أشارَ رسولُ اللهِ وَّهِ بِيدِه نحوَ اليمنِ، فقال: ((الإيمانُ يَمانِ ها مُنا، ألا إنَّ القَسْوةَ وغِلَظَ القلوبِ في الفَدّادينَ عندَ أُصولِ أَذْناب الإبلِ، حيثُ يَطلُعُ قَرْنا الشيطانِ في رَبِيعةَ ومُضَرَ )). [أطرافه في: ٣٤٩٨، ٤٣٨٧، ٥٣٠٣] ٣٣٠٣- حدَّثنا قُتَبةُ، حدَّثنا اللَّيْثُ، عن جعفرِ بنِ رَبِيعةَ، عن الأعرج، عن أبي هريرةَ ﴾، أَنَّ النبيَّ وَِّ قال: ((إذا سمعتُم صِياحَ الدِّيَكةِ، فاسألوا اللهَ من فَضْلِهِ، فإنََّا رَأْتْ مَلَكاً، وإذا سمعتُم تَبِيقَ الحمارِ، فَتَعَوَّذوا بالله من الشيطانِ، فإنها رأتْ شيطاناً)). ٣٣٠٤ - حدَّثنا إسحاقُ، أخبرنا رَوٌْ، أخبرنا ابنُ جُرَيج، قال: أخبرني عطاءٌ، سمعَ جابَرَ ابنَ عبدِ الله رضي الله عنهما، قال رسولُ الله وَّةَ: ((إذا كان جُنْحُ اللَّيلِ - أو أَمسَيتُم - فَكُفّوا صِبْيانكم، فإنَّ الشَّيَاطِينَ تَنْتَشِرُ حينَذٍ، فإذا ذَهَبَتْ ساعةٌ من اللَّيلِ فخَلُّوهُم، وأَغلِقوا الأبوابَ واذكُرُوا اسمَ الله، فإنَّ الشيطانَ لا يَفتَحُ باباً مُغلَقاً)). قال: وأخبرني عَمرُو بنُ دينارٍ، سمعَ جابرَ بنَ عبدِ الله، نحوَ ما أخبرني عطاءٌ ولم يذكُر: «واذكروا اسم الله)). ٣٣٠٥- حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا وُهَيبٌ، عن خالدٍ، عن محمَّدٍ، عن أبي هريرةَ ، عن النبيِّ ◌َّه قال: ((فُقِدَت أُمَّةٌ من بني إسرائيلَ لا يُذْرَى ما فَعَلَتْ، وإِّي لا أُراها إلا الفأَرَ، إذا وُضِعَ لهَا أَلْبانُ الإبلِ لم تَشْرَبْ، وإذا وُضِعَ هَا أَلْبَانُ الشّاءِ شَرِبَتْ)). فحدَّثْتُ كَعْباً، فقال: أنتَ سمعتَ النبيَّ ◌َه يقولُهُ؟ قلتُ: نعم، فقال لي مِراراً، فقلتُ: أَفْقَرَأُ النَّوراةَ؟! ٦٥٤ باب ١٤ / ح ٣٣٠٠- ٣٣١٣ فتح الباري بشرح البخاري ٣٥١/٦ ٣٣٠٦- حدَّثنا سعيدُ بنُ عُفَيرٍ، عن ابنٍ وَهْب، قال: حدَّثني يونسُ، عن ابنِ شِهابٍ، عن عُزوةَ، يُحدِّثُ عن عائشةَ رضي الله عنها، أنَّ النبيَّ وَِّ قال للوَزَعُ: ((القُوَيسِقُ)) ولم أسمَعْه أُمَرَ بقَتْلِهِ. وزَعَمَ سعدُ بنُ أبي وَقَّاصٍ أنَّ النبيَّ ◌ِ أُمَرَ بِقَتْلِهِ. ٣٣٠٧- حدَّثنا صَدَقةُ بنُ الفَضْلِ، أخبرنا ابنُ عُبَينَةَ، حدَّثنا عبدُ الحميد بنُ جُبَيْر بنِ شَيْبةَ، عن سعيد بنِ المسيّب، أنَّ أَمَّ شَرِيكٍ أخبَرَتْهُ: أنَّ النبيَّ وَ أُمَرَها بقَتْلِ الأَوزاغِ. [طرفه في: ٣٣٥٩] ٣٣٠٨- حدَّثنا عُبَيَدُ بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا أبو أسامةَ، عن هشام، عن أبيه، عن عائشةً رضي الله عنها، قالت: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: («اقتُلوا ذا الطُّفْيتَينِ، فإنَّه يَلْتمِسُ البَصَرَ ويُصِيبُ الحَبَلَ)». تابَعَهُ حَمَّادُ بن سَلَمَ. [طرفه في: ٣٣٠٩] ٣٣٠٩- حدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا يحيى، عن هشام، قال: حدَّثني أبي، عن عائشةَ، قالت: أمَرَ النبيُّ وَّهِ بِقَتْلِ الأَبْتَرِ وقال: ((إِنَّه يُصِيبُ البَصَرَ، ويُذهِبُ الحَبَلَ)). ٣٣١٠- حدَّثْنَا عَمرُو بنُ عليٍّ، حدَّثنا ابنُ أبي عَدِيٍّ، عن أبي يونسَ القُشَيرِيِّ، عن ابنِ أبي مُلَيكةً: أنَّ ابنَ عمرَ كان يَقْتُلُ الحيّاتِ ثُمَّ نَهَى، قال: إنَّ النبيَّ ◌َ هَدَمَ حائطاً له فوَجَدَ فيهِ سِلْخَ حَيَّةٍ، فقال: (انظُرُوا أينَ هو)) فتَظَروا فقال: ((اقْتُلُوه)). فكنتُ أَقْتُلُها لذلك. ٣٣١١- فلَقِيتُ أبا لُبابَ فأخبرني أنَّ النبيَّ ◌َّر قال: ((لا تَقتُلُوا الْجِنّانَ إلا كلَّ أبتَرَ ذي طُفْيَتَينِ، فإنَّه يُسْقِطُ الولدَ ويُذهِبُ البَصَرَ، فاقتُلُوه)). ٣٣١٢- حدَّثنا مالكُ بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا جَرِيرُ بنُ حازمِ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ: أنَّه كان يَقتُلُ الحيّاتِ. ٣٣١٣ - فحدَّثْه أبو لُبَابَةَ: أنَّ النبيَّوَّ نَهَى عن قَتْلِ جِنّانِ البيوتِ، فَأَمسَكَ عنها. ٦٥٥ باب ١٤ / ح ٣٣٠٠- ٣٣١٣ كتاب بدء الخلق الثاني(١): حديثُ أبي سعيد الخدري: ((يُوشِك أن يكون خير مال المسلم)) الحديث، وقد تقدَّم في أوائل الإيمان (١٩)، ويأتي شرحه في كتاب الفتن (٧٠٨٨). تنبيهان: الأوَّل: ذكر المِزِّي في ((الأطراف)) تَبَعاً لأبي مسعود: أنَّ البخاري أورَدَ الحديث من هذه الطَّريق في الجِزْية، وهو وَهمٌّ، وإنَّما هو في بَدْء الخلق. الثَّاني: وقع في أكثر الرِّوايات/ قبل حديث أبي سعيد هذا ((باب خير مال المسلم غَنَم ٣٥٢/٦ يَتْبَع بها شَعَف الجبال))، وسقطت هذه التَرجمة من رواية النَّسَفي، ولم يذكرها الإسماعيلي أيضاً، وهو اللّائق بالحال، لأنَّ الأحاديث التي تَلي حديث أبي سعيد ليس فيها ما يَتعلَّق بالغنم إلَّا حديث أبي هريرة المذكور بعده. الثالث: حديثُ أبي هريرة. قوله: ((رأس الكُفْر نحو المشرِق)) في رواية الكُشْمِيهنيّ: ((قِبَل المشرِق)) وهو بكسر القاف وفتح الموحَّدة، أي: من جِهَته، وفي ذلك إشارة إلى شِدَّة كفر المجُوس، لأنَّ مملكة الفُرس ومَن أطاعَهم من العرب كانت من جِهَة المشرِق بالنِّسبة إلى المدينة، وكانوا في غاية القوةٍ(٢) والتَّكَبُّر والتَّجَبُُّ حتَّى مَّقَ مَلِكُهم كتابَ النّبِّ وََّ، كما سيأتي في موضعه (٤٤٢٤)، واستَمرَّتِ الفتن من قِبَل المشرق، كما سيأتي بيانه واضحاً في الفتن (٧٠٩٢). قوله: ((والفَخْر)) بالخاءِ المعجمة معروف، ومنه الإعجاب بالنَّفْسِ ((والخُيَلاء)) بضمِّ المعجمة وفتح التَّحتانية والمدّ: الكِبر واحتقار الغير. قوله: ((الفَدّادِينَ)) بتشديد الدَّال عند الأكثر، وحكى أبو عُبيد عن أبي عَمْرو الشَّيباني أنَّه خَفَّفَها، وقال: إنَّه جمع فَدّان، والمراد به البَقَر التي يُحرَث عليها، وقال الخطّابي: الفَدّان: آلة (١) كذا جعل الحافظُ حديث أبي سعيد الخدري الحديث الثاني باعتبار دخول أحاديث هذا الباب ضمن الباب السابق حيث جاء في بعض الروايات كذلك، بحذف ترجمة هذا الباب. (٢) في (س): القسوة. ٦٥٦ فتح الباري بشرح البخاري الحَرْث والسِّكَّة، فعلى الأوَّل فالفَدّادونَ جمع فدّان: وهو مَن يَعلُو صوتُه في إبله وخيله وحَرثه ونحو ذلك، والفَدِيد: هو الصَّوت الشَّديد. وحكى الأخفَش ووَهّاه أنَّ المراد بالفَدّادين: مَن يَسكُن الفَدافد جمع فَدَفَد: وهي البَراري والصَّحاري، وهو بعيد. وحكى أبو عُبيدة مَعمَر بن المثنَّى أنَّ الفَدّادينَ هم أصحاب الإبل الكثيرة من المئتَين إلى الألف. وعلى ما حكاه أبو عَمْرو الشَّيباني من التَّخفيف، فالمراد أصحاب الفَدّادينَ على حذف مُضافٍ، ويُؤْيِّد الأوَّل لفظ الحديث الذي بعده: ((وغِلَظ القلوب في الفَدّادينَ عند أُصول أذناب الإبل)). وقال أبو العبَّاس: الفَدّادونَ هم الرُّعاة والجّالونَ. وقال الخطّابي: إِنَّمَا ذَمَّ هؤلاءٍ لاشتغالهم بمعالجة ما هم فيه عن أمور دينهم، وذلك يُفضي إلى قساوة القلب. قوله: ((أهلِ الوَبَر)) بفتح الواو والموخَّدة، أي: ليسوا من أهل المَدَر، لأنَّ العرب تُعبِّر عن أهل الحَضَر بأهل المَدَر، وعن أهل البادية بأهل الوَبَر، واستَشكَلَ بعضهم ذِكْرِ الوَبَر بعد ذِكْر الخيل، وقال: إنَّ الخيل لا وَبَرَ لها، ولا إشكال فيه، لأنَّ المراد ما بيَّنْتُه. وقوله في آخر الحديث(١): ((في ربيعة ومُضَر)) أي: الفَدّادينَ منهم. قوله: ((والسَّكينة)» تُطلَق على الطُّمأنينة والسُّكون والوقار والتَّواضُع. قال ابن خالويه: لا نَظِير لها - أي في وزنها - إلَّا قولهم: على فلان ضَريبة، أي: خَراجٌ معلوم. وإنَّما خَصَّ أهل الغنم بذلك لأنَّهم غالباً دون أهل الإبل في التَّوسُّع والكَثرة، وهما مِن سبب الفَخر والخُيَلاء، وقيل: أراد بأهل الغنم أهلَ اليمن لأنَّ غالب مواشيهم الغنم، بخلاف ربيعة ومُضَر فإنَّهم أصحاب إبل، وروى ابن ماجه (٢٣٠٤) من حديث أمّ هانئ: أنَّ النبي ◌َّ قال لها: ((اتَّخِذِي الغنم، فإنَّ فيها بَرَكة)). الرابع: حدیثُ أبي مسعود. قوله: ((حدَّثنا يحيى)) هو القَطّان، وإسماعيل: هو ابن أبي خالد، وقيس: هو ابن أبي حازم. (١) أي: حديث أبي مسعود التالي لحديث أبي هريرة. ٦٥٧ باب ١٤ / ح ٣٣٠٠-٣٣١٣ كتاب بدء الخلق قوله: ((أشارَ رسول الله وَله بيدِه نحوَ اليمن فقال: الإيمانُ يَانٍ)) فيه تَعقَّب على مَن زَعَمَ أنَّ المرادَ بقوله: ((يَمان)) الأنصار، لكَونِ أصلهم من أهل اليمن، لأنَّ في إشارته إلى جِھَة اليمن ما يدلّ على أنَّ المراد به أهلها حينئذٍ لا الذين كان أصلهم منها، وسبب الثَّناء على أهل اليمن إسراعُهم إلى الإيمان وحُسنُ قَبُولهم، وقد تقدَّم قَبُولهم البُشرى حين لم تَقبَلُها بنو تميم في أوَّل بَدْء الخلق (٣١٩٠)، وسيأتي بقيَّة شرحه في أوَّل المناقب (٣٤٩٨)، وبيان الاختلاف بقوله: ((الإیمان یمان)). وقوله: ((قَرْنا الشيطان)) أي: جانبا رأسه. قال الخطّابي: ضُرِبَ المثل بقَرنَي الشيطان فيها لا يُحمَد من الأُمور. وقوله: ((أَرَقٌ أفئِدة))(١) أي: إنَّ غِشاء قلب أحدهم رقيق، وإذا رَقَّ الغِشاء أسرَعَ نفوذ الشيء إلى ما وراءَه. الحديث الخامس: حديثُ أبي هريرة. قوله: ((عن جعفر بن ربيعة)) هذا الحديث ممَّا اتَّفَقَ الأئمّة / الخمسة أصحاب الأُصول ٣٥٣/٦ على إخراجه عن شيخ واحد، وهو قُتَيبة، بهذا الإسناد(٢). قوله: ((إذا سمعتُم صِياح الدّيَكَة)) بكسر المهمَلة وفتح النَّحتانية: جمع ديك، وهو ذَكَر الدَّجاج، وللدِّيكِ خَصيصة ليست لغيره من معرفة الوقت اللَّيلي، فإنَّه يُقسّط أصواته فيها تَقسيطاً لا يَكاد يَتَفَاوَت، ويُوالي صياحَه قبل الفجر وبعده فلا يكاد يُخْطِئ، سواء أطالَ اللَّيلُ أم قَصُرَ، ومِن ثَمَّ أفتى بعض الشّافعية باعتماد الدّيك المجرَّب في الوقت، ويُؤيِّده الحدیثُ الذي سأذكرُه عن زید بن خالد. قوله: ((فإنَّهَا رَأْت مَلَكاً)) بفتح اللّام. قال عياض: كأَن السَّبَب فيه رَجَاء تأمين الملائكة (١) هذا الحرف لم يَرِدْ في رواية حديث الباب، وإنما جاء في رواية حديث أبي هريرة الآتية في المغازي برقم (٤٣٨٨) بلفظ: ((أتاكم أهل اليمن هم أرقٌ أفئدة وألين قلوباً، الإيمان يمان ... )) الحديث. (٢) أخرجه مسلم (٢٧٢٩)، وأبو داود (٥١٠٢)، والترمذي (٣٤٥٩)، والنسائي في ((الكبرى)) (١٠٧١٤). ٦٥٨ فتح الباري بشرح البخاري على دُعائه واستغفارهم له وشهادتهم له بالإخلاص. ويُؤخَذ منه استحباب الدُّعاء عند حُضُور الصَّالِحِينَ تَبرُّكاً بهم، وصحَّح ابن حِبّان (٥٧٣١) وأخرجه أبو داود (٥١٠١) وأحمد (٢١٦٧٩)(١) من حديث زيد بن خالد رَفَعَه: ((لا تَسُبّوا الدِّيك، فإنَّه يَدعُو إلى الصلاة))، وعند البَزّار (٣٧٦٩) من هذا الوجه سبب قوله ◌َّ ذلك، وأنَّ ديكاً صَرَخَ فِلَعَنَه رجل، فقال ذلك(٢). قال الخَلِيمي: يُؤْخَذ منه أنَّ كلَّ مَن استُفيدَ منه الخيرُ لا ينبغي أن يُسبَّ ولا أن يُستَهانَ به، بل يُكرَمُ ويُحسَنُ إليه. قال: وليس معنى قوله: ((فإنَّه يَدعُو إلى الصلاة)) أن يقول بصوتِه حقيقةً: صَلّوا، أو حانَت الصلاة، بل معناه أنَّ العادة جَرَت بأَنَّه يَصرُخ عند طلوع الفجر وعند الَّوال، فِطِرةً فَطَرَه الله عليها. قوله: ((وإذا سمعتُم تُهاقَ الحمير(٣)) زادَ النَّسائي (ك١٠٧١٢) والحاكم (٢٨٣/٤ -٢٨٤) (٤) من حديث جابر: ((ونُباح الكلاب)). قوله: ((فإنَّهَا رَأَت شيطاناً) روى الطبراني من حديث أبي رافع رَفَعَه: ((لا يَنْهَقُ الحمار حتَّى يرى شيطاناً أو يَتَمثَّل له شيطان، فإذا كان ذلك فاذكروا الله وصَلُّوا عليَّ))(٥). قال عياض: وفائدة الأمر بالتعوُّذِ لمَا يُحْشَى من شرِّ الشيطان وشرِّ وَسْوَسَته، فيُلجَأ إلى (١) وهو أيضاً في ((السنن الكبرى)) للنسائي (١٠٧١٥). (٢) وهو أيضاً في («مسند أحمد)) (١٧٠٣٤). (٣) كذا وقع في الأصلين و(س)، والظاهر أنه تصرُّفٌ من الحافظ رحمه الله تعالى، أراد أن يُوائم بين هذا الحرف من الحديث وبين التأنيث الوارد في قوله: ((فإنها رأت شيطاناً)، لأنه رأى أنه لا يسوغ تأنيث الحمار، وإلا فلا خلاف بين روايات البخاري حسب ما جاء في اليونينية والقسطلاني وحسب ما في النسخ التي بأيدينا، أن لفظ الرواية هنا: ((نهيق الحمار)) على الإفراد! وقد ذكر القاري في ((شرح المشكاة)) أن التأنيث على تأويل الدابة ورعاية المقابلة. (٤) وهو أيضاً عند أبي داود (٥٠١٣). (٥) لم نقف عليه في شيء من كتب الطبراني المطبوعة، وهو في ((عمل اليوم والليلة)) لابن السُّني (٣١٤)، وإسناده ضعيف جداً. ٦٥٩ باب ١٤ / ج ٣٣٠٠-٣٣١٣ كتاب بدء الخلق الله في دَفْع ذلك. قال الدَّاوودي: يُتَعَلَّمُ من الدّيك خمسُ خِصال: حُسن الصَّوت، والقيام في السَّحَر، والغيرة، والسَّخاء، وكثرة الجِماع. السادس: حديثُ جابر، أورَدَه من وجه آخر، وسيأتي شرحه في أثناء هذا الباب، والقائل: قال: وأخبرني عَمْرو، هو ابن جُرَيج، وإسحاق المذكور في أوَّله: هو ابن راهويه كما عند أبي نُعيم، ويحتمل أن يكون ابنَ منصور. وقد أهمَلَ المِزِّي في ((الأطراف)) تَبَعاً لَخَلَفٍ عَزْوَه إلى هذا الموضع السابع: حديثُ أبي هريرة. قوله: ((عن خالد)) هو الخَذّاء، ومحمَّد: هو ابن سِيرِينَ، والإسناد كلّه بصريُّون إلى أبي هريرة. قوله: ((وإنّ لا أُراها إلَّا الفأر)) بِإِسكانِ الهمزة، وعند مسلم (٦٢/٢٩٩٧) من طريق أُخرى عن ابن سِيرِينَ، بلفظ: ((الفأرة مِسْخٌ، وآية ذلك أنَّه يُوضَع بين يديها لَبَن الغنم فتَشْرَبُه، ويُوضَع بين يديها لَبَن الإبل فلا تَشْرَبه)). قوله: ((فحدَّثْت كَعْباً) قائل ذلك هو أبو هريرة، ووقع في رواية مسلم (٦٢/٢٩٩٧): فقال له كعب: أنتَ سمعت هذا؟ قوله: ((فقلت: أفأقرَأُ التَّوْراة؟!)) هو استفهام إنكار، وفي رواية مسلم (٢٩٩٧/ ٦٢): أفأُنزِلَت عليَّ النَّوراة؟! وفيه أنَّ أبا هريرة لم يكن يأخذ عن أهل الكتاب(١)، وأنَّ الصَّحابي الذي يكون كذلك (١) بل ثبت ذلك عن أبي هريرة، وصحبته لكعب الأحبار معروفة عند أهل العلم، ولا أدلَّ على ذلك مما رواه مسلم في ((التمييز))، وعنه ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) ٣٥٩/٦٧ بإسناد صحيح عن بسر بن سعيد، قال: اتقوا الله وتحفّظُوا من الحديث، فوالله لقد رأتينا نجالس أبا هريرة فيحدث عن رسول الله وَالّ، ويحدثنا عن كعب، ثم يقوم، فأسمع بعض من كان معنا يجعل حديث رسول الله و ﴾ عن كعب، وحديث كعب عن رسول الله وَ﴾. وقد يكون الحافظ قَصَدَ أنه لا يأخذ عن أهل الكتاب تديّناً، وهذا ليس خاصّاً بأبي هريرة. ٦٦٠ باب ١٤ / ح ٣٣٠٠ - ٣٣١٣ فتح الباري بشرح البخاري إذا أخبر بما لا مجال للرأي والاجتهاد فیه یکون للحدیث حُكمُ الرفع، وفي سُگُوت کعب عن الردّ على أبي هريرة دلالة على تَورُّعه، وكأنَّهما جميعاً لم يَبلُغهما حديث ابن مسعود، قال: وذُكِرَ عند النبيِ نَّهِ القِرَدة والخنازير، فقال: ((إنَّ الله لَم يجعل للمَسخ نَسلاً ولا عَقِباً، وقد كانت القِرَدة والخنازير قبل ذلك))(١)، وعلى هذا يُحِمَل قوله وَّةِ: ((لا أُراها إلَّ الفأر))، فكأنَّه كان يَظُنّ ذلك ثمَّ أُعلِمَ بأنّها ليست هي هي. قال ابن قُتَية: إن صَحَّ هذا الحديث وإلَّا فالقِرَدة والخنازير هي المُسُوخ بأعيانِها تَوالَدَت. قلت: الحديث صحيح، وسيأتي مزيدٌ لذلك في أواخر أحاديث الأنبياء. الثامن: حديثُ عائشة: ((أنَّ النبي ◌َِّ قال للوَزَعِ: فُوَيسِق، ولم أسمَعه أمَرَ بقَتْله)) هو قول عائشة رضي الله عنها. قال ابن التِّين: هذا لا حُجَّة فيه، لأنَّه لا يَلزَمُ من عَدَمِ سماعها عَدَم الوقوع، وقد حَفِظَ غيرُها كما تَرى. قلت: قد جاء عن عائشة من وجه آخر عند أحمد (٢٤٥٣٤) وابن ماجه ٣٥٤/٦ (٣٢٣١): أنَّه/ كان في بيتها رُمح موضوع، فسُئِلَت، فقالت: نَقْتُل به الوَزَغ، فإنَّ النبي ◌َّهُ أخبرنا أنَّ إبراهيم لمَّا أُلقي في النار لم يكن في الأرض دابَّة إلَّا أطفأت عنه النار، إلَّ الوَزَغ فإنَّهَا كانت تَنْفُح عليه، فأمَرَ النبيِّهِ بقتلها. انتهى، والذي في ((الصحيح)) أصحُّ، ولعلَّ عائشة سمعَت ذلك من بعض الصحابة وأطلقَت لفظ أخبرنا مجازاً، أي: أخبر الصحابةُ، كما قال ثابت البُنَاني: خَطَبَنا عِمران(٢)، وأراد أنَّه خَطَبَ أهل البصرة، فإنَّه لم يَسمَع منه، والله أعلم. قوله: ((وَزَعَمَ سعدُ بن أبي وقّاص)) قائل ذلك يحتمل أن يكون عُرْوة فيكون مُتَّصِلاً فإنَّه سمعَ من سعد، ويحتمل أن تكون عائشة فيكون من رواية القَرِين عن قَرِينه، ويحتمل أن يكون من قول الزُّهْريّ فيكون مُنقَطِعاً، وهذا الاحتمال الأخير أرجَحُ، فإنَّ الدَّارَقُطني (١) أخرجه أحمد (٣٧٠٠)، ومسلم (٢٦٦٣) (٣٢)، وغيرهما. (٢) كذا قال الحافظ هنا، وهو وهمٌّ، والصواب كما في ترجمة الحسن البصري من ((التهذيب)) له، حيث نقل عن علي بن المديني في قول الحسن: خَطَبَنا ابنُ عباس بالبصرة، قال: إنما أراد: خطبَ أهلَ البصرة، كقول ثابت: قَدِمَ علينا عمران بن حصين.