Indexed OCR Text
Pages 301-320
٣٠١
باب ١٧٠ / ح ٣٠٤٥
كتاب الجهاد
فقال عاصمُ بنُ ثابتٍ أميرُ السَّرِيَّة: أمَّا أنا، فوالله لا أنزِلُ اليومَ في ذِمّةٍ كافٍ، اللهمَّ أخبِرْ عنَّا
نبيَّكَ، فَرَمَوْهم بالنَّبْلِ، فقتلوا عاصاً في سَبْعةٍ، فَتَزَل إليهم ثلاثةُ رَهْطٍ بالعَهْدِ والميثاق، منهم
خُبَيَبٌ الأنصاريُّ وابنُ دَيْنَةَ ورجلٌ آخَرُ، فلمَّ اسْتَمْكَنوا منهم أطْلَقوا أوتارَ قِسِيِّهم فأوثَقُوهم،
فقال الرجلُ الثَّالثُ: هذا أوَّلُ الغَدْرِ، والله لا أصحَبُكم، إنَّ لي في هؤلاءٍ لَأسوةً. يريدُ القتلى -
وجَرَّروهُ وعالَجُوه على أن يَصْحَبَهم فأبى، فقَتَلُوه، فانطَلَقُوا بِخُبَيْبٍ وابنٍ دَئِنَةَ حتَّى باهُوهما
بمكَّةَ بعدَ وَقِيعةِ بدٍ، فابتاعَ خُبَيِباً بنو الحارثِ بنِ عامِ بنِ نَوْفَلِ بنِ عبدِ مَنافٍ، وكان خُبَيْبٌ
هو قَتَلَ الحارثَ بنَ عامٍ يومَ بدٍ، فَلَبِثَ خُبَيبٌ عندَهم أسيراً، فأخبرني عُبيدُ الله ابنُ عِياضٍ:
أنَّ بنتَ الحارثِ أخبَرَتْه: أنَّهم حين اجتَمَعوا، استَعارَ منها موسى يَسْتَحِدُّ بها فأعارَتْه، فأخَذَ
ابناً لي وأنا غافلةٌ حين أَتَاه، قالت: فَوَجَدْتُه ◌ُجُلِسَه على فَخِذِه والموسَى بيدِه، ففَزِعْتُ فَزْعَةً
عَرَفَها خُبَيَبٌ في وجهي، فقال: تَخْشَبينَ أن أقتلَه؟ ما كنتُ لأفعلَ ذلك، والله ما رأيتُ أسيراً قَطُّ
خيراً من خُبَيْبٍ، والله لقد وجدتُه يوماً يأكُلُ من قِطْفٍ عِنَبٍ في يدِهِ وإِنَّه لَمُوثَقٌ في الحديدِ، وما
بمكَّةَ من ثَمٍَ، وكانت تقولُ: إنَّه ◌َرِزْقٌ مِن الله رَزَقَه خُبَيِباً، فلمَّا خرجوا مِن الحَرَمِ لِيَقْتُلُوه في
الحِلِّ قال لهم خُبَيِبٌ: ذَرُوني أركَعْ رَكْعتَينٍ، فتركُوه فركَعَ ركعتَينٍ، ثمَّ قال: لولا أن تظنُّوا أنَّ
ما بِي جَزَعٌ لَطَوّلتُها، اللهمَّ أَحصِهم عَدَداً:
وما إنْ أُبالي حين أُقْتَلُ مسلماً على أيِّ شِقٌّ كان له مَصْرَعِي
وذلك في ذاتِ الإلهِ، وإِن يَشَأْ يُبارِكْ على أوصالِ شِلْوٍ مُمَزَّعِ
فقَتَلَه ابنُ الحارثِ، فكان خُبَيَبٌ هو سَنَّ الرَّكْعتَين لكلِّ امِرِئٍ مسلم قُتِلَ صَبْراً، فاستَجابَ اللهُ
العاصمٍ بِنِ ثابتٍ يومَ أُصِيبَ، فأخبر النبيُّ ◌َِّ أصحابَه خَبَرَهم وما أُصِيبُوا، وبَعَثَ ناسِ من
كفَّار قُريشٍ إلى عاصمٍ حين حُدِّثُوا أَنَّه قُتِلَ لْيُؤْتَوْا بشيءٍ منه يُعرَفُ، وكان قد قَتَلَ رجلاً من
عُظَمائهم يومَ بدرٍ، فُبُعِثَ على عاصمٍ مِثْلُ الظُّلَّةِ مِن الذَّيْرِ، فحَمَتْه من رسولهم، فلم يَقْدِرُوا
على أن يَقطَعوا من لحمِه شيئاً.
[أطرافه في: ٣٩٨٩، ٤٠٨٦، ٧٤٠٢]
٣٠٢
باب ١٧١ / ح ٣٠٤٦ -٣٠٤٧
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((باب هل يَسْتأسِر الرجل؟ ومَن لم يَسْتأسِر)» أي: هل يُسلِّم نفسه للأسرِ أم لا؟
١٦٧/٦
((ومَن صَلّى ركعتين عند القتل)) ذكر فيه حديث أبي هريرة في بَعْث عاصم بن ثابت ومَن معه
مع بني لحيان، وقصَّة قتل خُبِيبٍ بن عَديٍّ، وسيأتي شرحها مُستَوفَّى في المغازي (٣٩٨٩)،
وفيها ما ترجم له من الأُمور الثلاثة.
وقوله فيه: «فأخبرني عبيد الله بن عیاض) القائل «فأخبرني» هو ابن شهاب كما سيأتي
إيضاحه هناك.
١٧١ - باب فَكاكِ الأسير
فيه عن أبي موسى، عن النبيِّ ◌َّ.
٣٠٤٦- حذَّثنا قُتَيِيةُ بنُ سعيدٍ، حدَّثنا جَرِيرٌ، عن منصورٍ، عن أبي وائلٍ، عن أبي موسى
،قال: قال رسولُ اللهِوَّ: ((فُكُّوا العانيَ - يعني الأسيرَ - وَأَطْعِموا الجائعَ، وعُودُوا المريضَ».
[أطرافه في: ٥١٧٤، ٥٣٧٣، ٥٦٤٩، ٧١٧٣]
٣٠٤٧- حدَّثنا أحمدُ بنُ يونسَ، حدَّثنا زهيرٌ، حدَّثنا مُطرِّفٌ، أنَّ عامراً حدَّثهم عن أبي
جُحَيفةَ﴾ قال: قلتُ لعليٍّ ﴾: هل عندكم شيءٌ مِن الوَحْي إلا ما في كتابِ الله؟ قال: لا
والذي فلَقَ الحَبّةَ وبَرَأْ النَّسَمَةَ، ما أعلمُه إلا فَهْماً يُعْطِيه اللهُ رجلاً في القرآنٍ، وما في هذه
الصَّحِيفةِ، قلتُ: وما في الصَّحيفةِ؟ قال: العَقْلُ، وفَكَاكُ الأسيرِ، وأن لا يُقتَلَ مسلمٌ بكافٍ.
قوله: ((باب فكاك الأسير)) أي: من أيدي العدوّ بمالٍ أو بغيره، والفَكاك - بفتح الفاء
ويجوز كسرها -: التَّخليص.
وأورد فيه حدیثین:
أحدهما: حديث أبي موسى: ((فُكّوا العانيَ)) أي: الأسير، كذا وقع تفسير العاني في
الحديث، وهو بالمهمَلة والنّون وزن القاضي، والتفسير من قِبَل جَرِير أو قُتَيبة، وإلّا فقد أخرج
المصنّف في الطِّبّ (٥٦٤٩) من طريق أبي عَوَانة عن منصور فلم يَذكُرُه، وأخرجه في الأطعمة
(٥٣٧٣) من طريق الثَّوْري عن منصور، وقال في آخره: قال سفيان: العاني: الأسير.
٣٠٣
باب ١٧٢ / ح ٣٠٤٨ - ٣٠٥٠
كتاب الجهاد
قال ابن بَطَّال: فَكَاك الأسير واجبٌ على الكفاية، وبه قال الجمهور، وقال إسحاق بن
راهويه: من بيت المال، ورُويَ عن مالك أيضاً، وقال أحمد: يُفادَى بالرُّؤُوس، وأمَّا بالمال
فلا أعرفه. ولو كان عند المسلمين أُسارى وعند المشركينَ أُسارى واتَّفَقوا على المفاداة
تَعيَّنَت، ولم تَجُزْ مُفاداة أسارى المشركينَ بالمال.
ثانيهما: حديث أبي جُحَيفةَ: ((قلت لعليٍّ: هل عندكم شيء من الوحي؟)) الحديث، وقد
مضى شرحه في كتاب العلم (١١١)، وسيأتي الكلام على بقيَّة ما فيه في الدّيَات (٦٩٠٣)
إن شاء الله تعالى.
١٧٢ - باب فداء المشر کین
٣٠٤٨- حدَّثنا إسماعيلُ بنُ أبي أُوَيسِ، حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إبراهيمَ بنِ عُقْبَةَ، عن موسى
ابنِ عُقْبةَ، عن ابنِ شِهابٍ، قال: حدَّثني أنسُ بنُ مالكٍ ﴾: أنَّ رجالاً مِن الأنصار استأذَنوا
رسولَ الله ﴿ فقالوا: يا رسولَ الله، ائذَنْ، فَلْتَترُك لابنِ أَخِتِنا عبَّاسِ فِداءَه، فقال: ((لا تَدَعونَ
منھا دِرْهماً)).
٣٠٤٩- وقال إبراهيمُ بنُ طَهْمان: عن عبدِ العزيزِ بنِ صُهَيْبٍ، عن أنس قال: إنَّ النبيَّ ◌َه
أتيَ بمالٍ مِن البحرَينِ، فجاءه العبَّاسُ فقال: يا رسولَ الله، أعطِنِي، فإنّي فادَيتُ نفسي، وفادَيتُ
عَقيلاً. فقال: ((خُذْ)) فأعطاهُ في ثوبِه.
٣٠٥٠- حدَّثنا محمودٌ، حدَّثنا عبدُ الرزّاق، أخبرنا مَعمَرٌ، عن الزُّهْرِيِّ، عن محمَّدِ بنِ ١٦٨/٦
جُبَير، عن أبيه - وكان جاء في أسارَى بدرٍ - قال: سمعتُ النبيَّ وَ لَه يقرأُ في المغربِ بالطَّورِ.
قوله: ((باب فِداء المشركينَ)) أي: بمالٍ يُؤْخَذ منهم، تقدَّم في الباب الذي قبله القولُ في
شيء من ذلك.
وأورَدَ فیه ثلاثة أحادیث:
أوَّلها: حديث أنس في استئذان الأنصار أن يَترُكوا للعبّاس فِداءَه، وقد تقدَّم إيراده في
کتاب العتق (٢٥٣٧).
٣٠٤
باب ١٧٣ / ح ٣٠٥١
فتح الباري بشرح البخاري
ثانيها: حديثه قال: ((أُتي بمال من البحرين، فقال العبَّاس: أعطِنِي، فإنّ فادَيتُ نفسي
وعَقِيلاً) وأورَدَه مُعلَّقاً مختصراً، وقد تقدَّم بأتمَّ منه في المساجد (٤٢١) وبيان مَن وَصَلَه.
وقوله: ((فاديتُ نفسي وعَقيلاً) يريد ابنَ أبي طالب، ويقال: إنَّه أُسِرَ معهما أيضاً الحارث
ابن نَوفَل بن الحارث بن عبد المطَّلِب، وإنَّ العبّاس افتَداه أيضاً. وقد ذكر ابنُ إسحاق
کیفیةً ذلك.
واستدلَّ به ابن بَطَّال على جواز إعطاء بعض الأصناف من الزكاة، ولا دلالةَ فيه؛ لأنَّ
المال لم يكن من الزكاة، وعلى تقدير كَونِه منها فالعبَّاس ليس من أهل الزكاة. فإن قيل: إنّما
أعطاه من سهم الغارِمينَ كما أشارَ إليه الكِرْ ماني، فقد تُعُقَّب، ولكنَّ الحقَّ أنَّ المال المذكور كان
من الخَرَاج أو الجِزْية، وهما من مال المَصَالح، وسيأتي بيان ذلك في كتاب الجِزْية (٣١٦٥).
ثالثها: حديث جُبَير بن مُطعِم: ((سمعت النبيَّ ◌َل﴿ يقرأ في المغرب بالطُّور)) ذكره لقوله
فيه: ((وكان جاء في أُسارَى بدر)) أي: في طلب فِداء أُسارى بدر، وقد تقدَّم شرح المتن في
القراءة في الصلاة (٧٦٥)، ويأتي الكلام على ما تَضمَّنَتَه هذه الأحاديث الثلاثة في غزوة
بدر من كتاب المغازي (٤٠١٨ و٤٠٢٣) إن شاء الله تعالی.
١٧٣ - باب الحربيّ إذا دخل دارَ الإسلام بغير أمانٍ
٣٠٥١ - حدَّثنا أبو نُعيم، حدَّثنا أبو العُمَيس، عن إِيَاسِ بنِ سَلَمَةَ بنِ الأكْوَع، عن أبيه
قال: أَتَى النبيَّ ◌َّعينٌّ مِن المشركينَ - وهو في سفرٍ - فجَلَسَ عندَ أصحابِهِ يتحدَّثُ، ثمَّ انفَتَلَ،
فقال النبيُّ وَِّ: ((اطلُبُوه واقتُلُوه)) فقَتَلَه، فَتَفَّلَهِ سَلَبَه.
قوله: ((باب الحربي إذا دَخَلَ دارَ الإسلام بغيرِ أمانٍ)» هل يجوز قتلُه؟ وهي من مسائل
الخلاف.
قال مالك: يَتَخَيَّر فيه الإمامِ، وحكمه حكم أهل الحرب، وقال الأوزاعي والشّافعي:
إن ادَّعى أنَّه رسول قُبِلَ منه، وقال أبو حنيفة وأحمد: لا يُقبل ذلك منه، وهو فَيءٌ للمسلمين.
قوله: ((أبو العُمَيس)) بالمهمَلتَين مُصفَّر.
٣٠٥
باب ١٧٣ / ح ٣٠٥١
كتاب الجهاد
قوله: ((عن إياس)) بكسر الهمزة وتخفيف التَّحتانية، وفي رواية الطَّحَاوي (٢٢٧/٣) من
طريق أُخرى عن أبي نُعيم عن أبي العُمَيس: حدّثنا إياس.
قوله: ((أتى النبيَّ وَّهِ عَيْن من المشركينَ)) لم أقِفْ على اسمه. ووقع في رواية عكرمة بن
عَّار عن إياس عند مسلم (١٧٥٤) أنَّ ذلك كان في غزوة هَوَازنَ.
وسُمّي الجاسوسُ عيناً؛ لأنَّ جُلّ عمله بعينِهِ، أو لشِدَّة اهتمامه بالرُّؤْية واستغراقه فيها،
كأنَّ جميع بَدَنه صار عيناً.
قوله: ((فجَلَسَ عند أصحابه يَتَحدَّث ثمَّ انفَتَلَ)) في رواية النَّسائي (ك ٨٧٩٣) من طريق
جعفر بن عَوْن عن أبي العُمَيس: ((فلمَّا طَعِمَ انسَلَّ))، وفي رواية ◌ِكْرمة عند مسلم
(١٧٥٤): ((فَقَيَّدَ الجملَ ثمَّ تقدَّم يَتَغَدّى مع القوم وجَعَلَ يَنظُر، وفينا ضَعْفة ورِقَّة في
الظَّهر، إذ خرج يَشتَّ)).
قوله: ((اطلُبُوه واقتُلوه)) زادَ أبو نُعيم في ((المستَخرَج)) من طريق يحيى الحِّاني عن أبي ١٦٩/٦
العُمَيس: ((أدِرِكُوه فإنَّه عَيْن))، زادَ أبو داود (٢٦٥٣) عن الحسن بن عليّ عن أبي نُعيم فيه:
فسَبَقتُهم إليه فقتلته.
قوله: ((فقَتَلْته، فتَقَّلَه سَلَبَه)) كذا فيه، وفيه الْتِفات من ضمير المتكلِّم إلى الغَيْبة، وكان
السِّياق يقتضي أن يقول: فتَفَّلَني، وهي رواية أبي داود، وزادَ هو ومسلم من طريق
عِكْرمة ابن عمَّار المذكور: ((فَاتَّبَعَه رجل من أسلَمَ على ناقة وَرْقَاءَ، فخرجتُ أعدُو حتَّى
أخَذتُ بخِطام الجمل فأنختُه، فلمَّا وَضَعَ رُكبتَه بالأرض اختَرَطتُ سيفي فأضرِبُ
رأسه فنَدَرَ، فجئتُ براخلتِه وما عليها أقُودها، فاستَقبَلَني رسول الله وَّه فقال: ((مَن قتل
الرجل؟)) قالوا: ابن الأكوَع، قال: ((له سَلَبُه أجمعُ))، وترجم عليه النَّسائي (ك٨٦٢٤):
((قَتْل عُيون المشركينَ)).
وقد ظَهَرَ من رواية عِكْرمة الباعثُ على قتله، وأنَّه الطَّلَعَ على عورة المسلمين وبادَرَ
لِيُعلِمَ أصحابه فيَغتَنمونَ غِرَّتَهم، وكان في قتله مَصلَحة للمسلمين، قال النَّوَوي: فیه قتل
٣٠٦
باب ١٧٣ / ح ٣٠٥١
فتح الباري بشرح البخاري
الجاسوس الحربي الكافر، وهو باتِّفاق. وأمَّا المعاهَد والذِّمّي فقال مالك والأوزاعي: يَنْتَقِض
عهدُه بذلك، وعند الشّافعية خلاف. أمَّا لو شُرِطَ عليه ذلك في عَهْده فيَنْتَقِضُ اتّفاقاً.
وفيه حُجَّة لمن قال: إنَّ السَّلَب كلَّه للقاتل، وأجاب مَن قال: لا يَسْتَحِقّ ذلك إِلَّ بقول
الإمام، أنَّه ليس في الحديث ما يدلُّ على أحد الأمرين، بل هو مُحُتَمِل لهما، لكن أخرجه
الإسماعيلي من طريق محمَّد بن ربيعة عن أبي العُمَيس بلفظ: قامَ رجل فأخبر النبيَّ ◌َّ أَنَّه
عين للمشركين، فقال: ((مَن قتله فله سَلَبُه))، قال: فأدرَكتُه فقَتَلته، فنَفَّلَنِي سَلَبَه. فهذا يُؤْيِّد
الاحتمال الثَّاني، بل قال القُرْطُبي: لو كان (١) القاتل يَسْتَحِقّ السَّلَب بمُجرَّدِ القتل، لم يكن
لقول النبي ◌َّرَ: ((له سَلَبُّه أجمعُ)) مَزِيد فائدة، وتُعقِّبَ باحتمال أن يكون هذا الحكم إنَّما ثَبَتَ
من حينئذٍ.
وقد استُدِلَّ به على جواز تأخير البيان عن وقت الخِطاب؛ لأنَّ قوله تعالى: ﴿وَأَعْلَمُواْ
أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَىْءٍ﴾ [الأنفال: ٤١] عامّ في كلّ غنيمة، فبيَّن ◌َّهِ بعد ذلك بزمنٍ طويلٍ أنَّ
السَّلَب للقاتل، سواء قيَّدْنا ذلك بقول الإمام أم لا، وأمَّا قول مالك: لم يَبلُغني أنَّ النبي
﴿ قال ذلك إلَّا يوم حُنَين، فإن أراد أنَّ ابتداء هذا الحکم کان یوم حُنين، فهو مردود،
لكن على غير مالك ممَّن مَنَعَه، فإنَّ مالكاً إنَّما نَفى البلاغَ له، وقد ثَبَتَ في ((سُنَن أبي داود)»
(٢٧١٩ و٢٧٢٠) عن عوف بن مالك أنَّه قال لخالدٍ بن الوليد في غزوة مُؤْتة: إنَّ النبي ◌َّل
قَضَى بالسَّلَبِ للقاتل؛ وكانت مُؤْتة قبل حُنَين بالاتّفاق.
وقال القُرْطُبي: فيه أنَّ للإمام أن يُنفِّل جميع ما أخَذَته السَّريةُ من الغنيمة لمن يراه منهم،
وهذا يَتَوقَّف على أنَّه لم يكن غنيمة إلَّا ذلك السَّلَب. قلت: وما أبداه احتمالاً هو الواقع،
فقد وقع في رواية عِكْرمة بن عمَّر أنَّ ذلك كان في غزوة هَوَازن، وقد اشتَهَرَ ما وقع فيها
بعد ذلك من الغنائم.
قال ابن المنيِّرِ: ترجمَ بالحربيِّ إذا دَخَلَ بغير أمان وأورَدَ الحديث المتعلِّق بعين المشركينَ،
(١) تحرف في (س) إلى: لو قال.
٣٠٧
باب ١٧٤-١٧٦ / ح ٣٠٥٢ -٣٠٥٣
كتاب الجهاد
وهو جاسوسهم، وحكمُ الجاسوس مخالفٌ لحكم الحربي المطلَق الدَّاخل بغير أمانٍ،
فالدَّعوى أعمُّ من الدَّليل. وأُجيب بأنَّ الجاسوس المذكور أوهَمَ أنَّه ممَّن له أمان، فلمَّا
قضى حاجته من التجسُّس انطَلَقَ مُسرِعاً، فقُطِنَ له، فظَهَرَ أنَّه حربيٌّ دَخَلَ بغير أمانٍ، وقد
تقدَّم بيانُ الاختلاف فيه.
١٧٤ - باب يقاتَلُ عن أهل الذِّمّة ولا يُستَرَقُّون
٣٠٥٢- حدَّثنا موسى بن إسماعيلَ، حدَّثنا أبو عَوَانَةَ، عن خُصَين، عن عَمرِو بنِ ميمونٍ،
عن عمرَ ﴾ قال: وأُوصِيهِ بِذِمّةِ الله وذِمّةِ رسولِهِ وَّه أن يُوَى لهم بعَهْدِهم، وأن يُقاتَلَ مِن
وَرائِهم، ولا يُكلَّفوا إلا طاقتهم.
قوله: ((باب يقاتَلُ عن أهل الذِّمَّة ولا يُستَقّونَ)) أي: ولو نَقَضُوا العَهْد، أورَدَ فيه طرفاً ١٧٠/٦
من قصَّة قتل عمر بن الخطّاب، وهو قوله: ((وأُوصيه بذِمَّة الله وذِمَّة رسوله)) الحديث،
وسيأتي مبسوطاً في المناقب (٣٧٠٠).
وقد تَعقَّبَه ابن التِّين بأنَّه ليس في الحديث ما يدلُّ على ما ترجمَ به من عَدَم الاسترقاق،
وأجاب ابن المنيِرِ بأنَّه أُخِذَ من قوله: ((وأُوصيه بذِمَّة الله)) فإنَّ مُقتَضى الوَصيّة بالإشفاق أن
لا يُدخَلوا في الاسترقاق، والذي قال: إنَّهم يُستَرَقّونَ إِذا نَقَضوا العَهْد ابنُ القاسم،
وخالَفَه أشهَبُ والجمهور، ومَحِلّ ذلك إذا سَبَى الحربُّ الذِّمّيَّ، ثمَّ أسَرَ المسلمون الذِّمَيَّ.
وأغربَ ابن قُدامةَ فحكى الإجماع، وكأنَّه لم يَطَّلِعْ على خلاف ابن القاسم، وكأنَّ البخاري
اطَلَعَ علیه فلذلك ترجمَ به.
١٧٥ - باب جوائز الوَقْد
١٧٦ - بابٌ هل يُستَشفَعُ إلى أهل الذُّمّة؟ ومعاملتُهم
٣٠٥٣- حدَّثنا قَبِيصةُ، حذَّثنا ابنُ عُبَينَةَ، عن سليمانَ الأحوَلِ، عن سعيد بنِ جُبير، عن ابنِ
عبَّاسٍ رضي الله عنهما أنَّه قال: يومُ الخميسِ، وما يومُ الخميسِ! ثمَّ بَكَى حَتَّى خَضَبَ دَمْعُه
٣٠٨
باب ١٧٦ / ح ٣٠٥٣
فتح الباري بشرح البخاري
الحَصْباءَ، فقال: اشْتَدَّ برسولِ الله ◌ِالے وَ جَعُه يومَ الخميسِ، فقال: «اتتُوني بكتابٍ أكتُبْ لكم
كتاباً لن تَضِلُّوا بعدَه أبداً))، فتَنَازَعُوا، ولا ينبغي عندَ نبِيٍّ تَنَازُعٌ، فقالوا: هَجَرَ رسولُ الله ◌ِ!
قال: ((دَعُوني، فالذي أنا فيه خيرٌ مَا تَذْعوني إليه)) وأوصَى عندَ موتِهِ بثلاثٍ: «أخرِجوا المشركينَ
من جَزِيرةٍ العرب، وأَجِيزوا الوَفْدَ بنحوٍ ما كنتُ أُجِيزُهم))، ونَسِيتُ الثّالثةَ.
وقال يعقوبُ بنُ محمَّدٍ: سألتُ المغيرةَ بنَ عبدِ الرَّحمن عن جزيرةِ العربِ، فقال: مكَّةٌ
والمدينةُ واليمامةُ واليمن. وقال يعقوبُ: والعَرْجُ أوَّلُ تِهامةَ.
قوله: ((باب جوائز الوفد)»، «باب هل يُستَشْفَع إلى أهل الذِّمَّة؟ ومُعامَلَتهم)) كذا في جميع
النُّسَخِ من طريق الفِرَبْري، إلّا أنَّ في رواية أبي عليّ بن شَبّويه عن الفِرَبْري تأخير ترجمة
((جوائز الوَفْد)» عن التَّرجمة ((هل يُستَشِفَع)) وكذا هو عند الإسماعيلي، وبه يَرتَفِع الإشكالُ،
فإنَّ حديث ابن عبّاس مطابق لترجمة جوائز الوَفْد لقوله فيه: ((وأَجيزوا الوفدَ)) بخلاف
الثَّرجمة الأُخرى، وكأنَّه ترجم بها وأَخلى بياضاً ليُورِد فيها حديثاً يناسبُها، فلم يَتَّفِقْ ذلك.
ووقع للنَّسَفي حذفُ ترجمة ((جوائز الوفد)) أصلاً، واقتَصَرَ على ترجمة ((هل يُستَشِفَعُ))،
وأورَدَ فيها حديث ابن عبّاس المذكور، وعكسُه رواية محمَّد بن حمزة عن الفِرَبْري، وفي
مُنَاسَبَته لها غُمُوض، ولعلَّه من جِهَة أنَّ الإخراج يقتضي رفعَ الاستشفاع، والحضّ على
إجازة الوَفد يقتضي حُسنَ المعاملة، أو لعلَّ ((إلى)) في التَّرجمة بمعنى اللّام، أي: هل يُستَشفَع
لهم عند الإمام، وهل يُعامَلونَ؟ ودلالة ((أخرِ جُوهم من جزيرة العرب)) و((أَجيزوا الوفدَ))
لذلك ظاهرة، والله أعلم.
وسيأتي شرح حديث ابن عبّاس المذكور في الوفاة من آخر المغازي (٤٤٣١).
وقوله: ((حدَّثنا قبيصة، حدثنا ابن عُيينة)) كذا لأكثر الرُّواة عن الفِرَبْري، وكذا في رواية
النَّسَفي، ولم يقع في الكتاب لقبيصةَ رواية عن سفيان بن عُيَينةَ إلَّا هذه، وروايته فيه عن
سفيان الثَّوْري كثيرة جدّاً، وحكى الجَيَّاني عن رواية ابن السَّكَن عن الفِرَبْري في هذا
((قُتَيبة)) بدل: قَبيصة، وروايته عن قُتَيبة لهذا الحديث بعينِه ستأتي في أواخر المغازي
٣٠٩
باب ١٧٦ / ح ٣٠٥٣
كتاب الجهاد
(٤٤٣١)، وقُتَيَبة مشهور بالرِّواية عن ابن عُيَينةَ دون قبيصة، والحديث حديث ابن عُيَينةً
لا الثَّوْري.
قوله: ((وقال يعقوب بن محمَّد)) أي: ابن عيسى الزُّهْريّ، وأثره هذا وَصَلَه إسماعيل ١٧١/٦
القاضي في كتاب ((أحكام القرآن)) عن أحمد بن المعَدَّل عن يعقوب، وأخرجه يعقوب بن
شَيْبة عن أحمد بن المعدّل عن يعقوب بن محمَّد عن مالك بن أنس مثله، وقال الزُّبير بن
بَكّارٍ في ((أخبار المدينة)): أُخبِرتُ عن مالك عن ابن شِهاب قال: جزيرة العرب المدينةُ. قال
الزُّبير: قال غيره: جزيرة العرب ما بين العُذَيبِ إلى حَضرَ موت، قال الزُّبير: وهذا أشبهُ،
وحضرموت آخر الیمن.
وقال الخليل بن أحمد: سُمّيَت جزيرةَ العرب؛ لأنَّ بحر فارسَ وبحر الحبشة والفُرات
ودِجْلة أحاطَت بها، وهي أرض العرب ومَعدِنُها. وقال الأصمعي: هي ما لم يَبلُغه مُلْك
فارس من أقصى عَدَن إلى أطراف الشّام. وقال أبو عبيد: من أقصى عَدَن إلى ريف العراق
طُولاً، ومِن جُدَّة وما والاها من الساحل إلى أطراف الشّام عَرْضاً.
قوله: ((قال يعقوب: والعَرْج أوَّل تِهامة)» العَرْج - بفتح المهملة وسكون الرّاء بعدها جيم -:
موضع بين مكَّة والمدينة، وهو غير العَرَج بفتح الرّاء الذي من الطائف.
وقال الأصمعي: جزيرة العرب ما بين أقصى عَدَنِ أبيَنَ إلى ريف العراق طُولاً، ومِن
جُدَّة وما والاها إلى أطراف الشّام عَرضاً، وسُمّيَت جزيرةَ العرب لإحاطة البحار بها،
يعني: بحر الهند وبحر القُلُم وبحر فارس وبحر الحبشة، وأُضيفَت إلى العرب، لأنَّها
كانت بأيديهم قبل الإسلام وبها أوطانهم ومنازلهم، لكن الذي يُمنَع المشركون من سُكْناه
منها الحِجاز خاصَّةً، وهو مكَّة والمدينة واليمامة وما والاها، لا فيما سوى ذلك ممّا يُطلَق
عليه اسم جزيرة العرب، لاتِّفاق الجميع على أنَّ اليمن لا يُمنَعونَ منها مع أنَّها من جُملة
جزيرة العرب، هذا مذهب الجمهور، وعن الحنفية: يجوز مُطلَقاً إلَّا المسجد، وعن مالك:
يجوز دخولهم الحَرَم للتِّجارة، وقال الشّافعي: لا يَدخُلونَ الحَرَم أصلاً إلَّا بإذنِ الإمام
لمصلحة المسلمين خاصَّة.
٣١٠
باب ١٧٧ -١٧٨ / ح ٣٠٥٤ -٣٠٥٥
فتح الباري بشرح البخاري
١٧٧ - باب التَّجمُّل للوفود
٣٠٥٤- حدَّثنا يحيى بنُ بُكَير، حدَّثنا اللَّيثُ، عن عُقَيلٍ، عن ابنِ شِهابٍ، عن سالمٍ بِنِ
عبدِ الله، أنَّ ابنَ عمرَ رضي الله عنهما قال: وَجَدَ عمرُ حُلّةَ إِسْتَبَرَقٍ تُباعُ في السُّوقِ، فَتى بها
رسولَ الله وَلِ﴾ فقال: يا رسولَ الله، ابتَعْ هذه الحُلّةَ فَتَجَمَّلْ بها للعيدِ والوَقْدِ، فقال رسولُ الله
وَله: ( إِنَّمَا هذه لباسُ مَن لا خَلَاقَ له - أو إِنَّا يَلْبَسُ هذه مَن لا خَلاقَ له) فَلَبِثَ ما شاءَ الله، ثمَّ
أرسَلَ إليه النبيُّ بِّهِ بِجُبَّةِ دِيباجٍ، فَأقبَلَ بها عمرُ حتَّى أَتَى بها رسولَ اللهِ وَلَّ، فقال: يا
رسولَ الله، قلتَ: ((إنَّما هذه لباسُ مَن لا خَلاقَ له - أو إِنَّما يَلْبَسُ هذه مَن لا خَلاقَ له.)) ثمَّ
أرسَلْتَ إليَّ بهذه؟! فقال: ((تَبِيعُها، أو تُصِيبُ بها بعضَ حاجَتِكَ)).
قوله: «باب التجمُّل للوفد» ذکر فیه حديث ابن عمر في حُلّ عُطارِدٍ، وسيأتي شرحه في
اللباس (٥٨٤١).
قال ابن المنيِّر: موضع التَّرجمة أنَّه ما أنكَرَ عليه طلبَه للتجمُّل للوُفُودِ ولمَا ذَكَر، وإنَّما
أنكَرَ التجمُّلَ بهذا الصِّنف المنهي عنه.
١٧٨ - بابٌ كيف يُعرَضُ الإسلام على الصبيّ؟
٣٠٥٥- حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمَّدٍ، حدَّثنا هشامٌ، أخبرنا مَعمَرٌ، عن الزُّهْريِّ، أخبرني سالم
١٧٢/٦ ابنُ عبدِ الله، / عن ابنِ عمرَ رضي الله عنهما أنَّه أخبَرَهُ: أنَّ عمرَ انطَلَقَ في رَهْطٍ من أصحاب
النبيِّ وَِّ مع النبيِّ وَلَ قِبَلَ ابنِ صَيّادٍ، حتَّى وَجَدَه يلعبُ مع الغِلْمانِ عندَ أَطُم بني مَغَالةَ، وقد
قارَبَ يومَئذٍ ابنُ صَيّادٍ يَحتلِمُ، فلم يَشِعُرْ بشيءٍ حَتَّى ضَرَبَ النبيُّ نََّ ظَهْرَه بيدِه، ثمَّ قال النبيُّ
وَ: «أتشهَدُ أنّ رسولُ الله؟)) فتَظَرَ إليه ابنُ صَيّادٍ فقال: أشهَدُ أنَّكَ رسولُ الأمَّيِّينَ، فقال ابنُ
صَيّادٍ للنبيِّ وََّ: أَتَشهَدُ أنّ رسولُ الله؟ قال له النبيُّ وَّةِ: ((آمنتُ بالله ورُسُلِه))، قال النبيُّ ◌َليه
((ماذا تَرَى؟)) قال ابنُ صَيّادٍ: يأتيني صادقٌ وكاذبٌ، قال النبيُّ وَالَ: ((خُلِطَ عليكَ الأمرُ))، قال
النبيُّ نَّهِ: (إنّي قد خَبَأْتُ لكَ خَبِيْئاً!)) قال ابنُ صَيّادٍ: هو الدُّخُّ، قال النبيُّ ◌َ: ((اخسَأْ، فلَنْ
تَعْدُوَ قَدْرَكَ))، قال عمرُ: يا رسولَ الله، ائذَنْ لي فيه أضْرِبْ عُنُقَه، قال النبيُّ ◌َّ: ((إنْ يكنْ هو
فلَنْ تُسلَّطَ عليه، وإنْ لم يكنْ هو فلا خيرَ لكَ في قتِلِهِ)).
٣١١
باب ١٧٨ / ح ٣٠٥٥ -٣٠٥٧
كتاب الجهاد
٣٠٥٦- قال ابنُ عمَرَ: انطَلَقَ النبيُّ ◌َّهِ وَأَبِيُّ بِنُ كَعْبٍ يأتيانِ النَّخْلَ الذي فيه ابنُ صَيّادٍ،
حتَّى إذا دَخَلَ النَّخْلَ طَفِقَ النبيُّ ◌َهِ يَتَّقِي بِجُذُوعِ النَّخْلِ وهو يَخْتِلُ ابنَ صَّادٍ أن يَسْمَعَ مِنِ
ابنِ صَّادٍ شيئاً قبلَ أن يراهُ، وابنُ صَيّادٍ مُضطَجِعٌ على فِراشِه في قَطِيفةٍ له فيها رَمْزَةٌ، فرأتْ أمُّ
ابنِ صَيّادِ النبيَّ ◌َّهِ وهو يَتَّقِي بِجُذُوعِ النَّخْلِ، فقالت لابنِ صَيّادٍ: أي صافٍ - وهو اسمُه .!
فثارَ ابنُ صَيّادٍ، فقال النبيُّ وَّ: ((لو تَرَكَتْه بيَّنَ)).
٣٠٥٧- وقال سالم: قال ابنُ عمَرَ: ثُمَّ قامَ النبيُّ ◌ِ لَّ في الناسِ فأثْنَى على الله بما هو أهله،
ثمَّ ذكرَ الدَّجّالَ فقال: ((إنّي أَنذِرُكُمُوه، وما من نبيٌّ إلا قد أنذَرَه قومَه، لقد أُنذَرَه نوحٌ قومَه،
ولكنْ سأقولُ لكم فيه قولاً لم يَقُلْه نبيٌّ لقومِه: تَعْلَمونَ أَنَّه أعوَرُ، وإنَّ الله ليس بأعوَرَ)).
[أطرافه في: ٣٣٣٧، ٣٤٣٩، ٤٤٠٢، ٦١٧٥، ٧١٢٣، ٧١٢٧، ٨٤٠٧]
قوله: («باب كيف يُعرَض الإسلام على الصبي؟)) ذكر فيه حديث ابن عمر في قصَّة ابن
صَيّاد، وقد تقدَّم توجيه هذه التَّرجمة في ((باب (٧٩) هل يُعرَض الإسلام على الصبي؟» في
کتاب الجنائز.
ووجه مشروعية عَرْض الإسلام على الصبي في حديث الباب من قوله {وَ لاير لابن
صَيّاد: ((أتشهَدُ أنّي رسول الله؟)) وكان إذ ذاكَ لم يَحَتَلِمْ، فإنَّ يدلّ على المدَّعَى، ويدلُّ على
صِحَّة إِسلام الصبي، وأنَّه لو أقرَّ لَقُبِلَ، لأنَّه فائدةُ العَرْض.
قوله: ((أنَّ عُمَر انطَلَقَ ... )) إلى آخره، هذا الحديث فيه ثلاث قِصَص أورَدَها المصنّف
تامَّةً في الجنائز (١٣٥٤) من طريق يونس، وهنا من طريق مَعمَر، وفي الأدب (٦١٧٣) من
طريق شعيب، واقتَصَرَ في الشَّهادات (٢٦٣٨) على الثَّانية، وذكرها أيضاً فيما مضى من
الجهاد (٣٠٣٣) من وجه آخر، واقتَصَرَ في الفتن (٧١٢٣ و ٧١٢٧) على الثّالثة، وقد مضى
شرح أكثر مُفرَداته في الجنائز (١٣٥٥).
وقوله: ((قِبَل ابن صَيّاد)) بكسر القاف وفتح الموحَّدة، أي: إلى جِهَته.
وقوله: ((وقد قارَبَ ابن صَيّاد يومئذٍ يَجْتَلِم» في رواية يونس (١٣٥٤) وشعيب (٦١٧٣):
٣١٢
باب ١٧٨ / ح ٣٠٥٥ - ٣٠٥٧
فتح الباري بشرح البخاري
((وقد قارَبَ ابن صَيّاد الحُلُمَ))، ولم يقع ذلك في رواية الإسماعيلي فاعتَرَضَ به فقال: لا
يَلَزَمُ من كونِهِ غُلاماً أن يكون لم يحتلِمْ.
١٧٣/٦
قوله: ((أشهد أنَّك رسول الأمّبينَ)) فيه إشعار بأنَّ اليهود الذين كان ابن صَيّاد منهم
كانوا مُعتَرِفِينَ بِعْثة رسول الله وَّهِ، لكن يَدَّعونَ أنَّها مخصوصة بالعرب، وفساد حُجَّتهم
واضح جدّاً، لأنَّهم إذا أقرُّوا بأنَّه رسول الله استَحالَ أن يَكذِبَ على الله، فإذا ادَّعى أنَّه
رسوله إلى العرب وإلى غيرها، تَعيَّنَ صِدقُه، فوَجَبَ تصديقُه.
قوله: ((فقال ابن صَيّاد: أتشهَدُ أنّ رسول الله؟)) في حديث أبي سعيد عند التِّرمِذي
(٢٢٤٧): فقال: أتشهَدُ أنتَ أنّ رسول الله؟
قوله: ((قال له النبي وَله: آمنتُ بالله ورُسُله)) وَللمُستَملي: ((ورسوله)) بالإفراد، وفي
حديث أبي سعيد: ((آمنتُ بالله وملائكته وكتبه ورُسُله واليوم الآخر)).
قال الزَّين بن المنيِر: إِنَّمَا عَرَضَ النبيِ نَّهِ الإسلامَ على ابن صَيّاد بناءً على أنَّه ليس
الدَّجّال المحَذَّر منه. قلت: ولا يَتَعيَّنُ ذلك، بل الذي يَظهَر أنَّ أمره كان مُحْتَمَلاً، فأراد
اختبارَه بذلك، فإن أجاب غَلَبَ ترجيحُ أنَّه ليس هو، وإن لم يُحِبْ تمادى الاحتمال، أو أراد
باستنطاقه إظهارَ كذبه المنافي لدَعْوى النبوّة، ولمَّا كان ذلك هو المرادَ، أجابه بجوابٍ
مُنصِف فقال: ((آمنت بالله ورُسُله)).
وقال القُرْطُبي: كان ابن صَيّاد على طريقة الكَهَنة يُخْبِرِ بالخبرِ فَيَصِحّ تارةً ويَفسُد
أُخرى، فشاعَ ذلك ولم يَنزِلْ في شَأنه وحيٌّ، فأراد النبيِ نَّ سُلُوك طريقةٍ يختبر حالَه بها،
أي: فهو السَّبَب في انطِلاق النبي ◌َّ إليه.
وقد روى أحمد (١٤٩٥٥) من حديث جابر قال: وَلَدَت امرأةٌ من اليهود غُلاماً
تَمسُوحة عينُهُ، والأُخرى طالعة ناتئة، فأشفَقَ النبي ◌َّهِ أن يكون هو الدَّجّال، وللِّرمِذي
(٢٢٤٨) عن أبي بَكْرة مرفوعاً: ((يَمكُث أبو الدَّجّال وأمّه ثلاثينَ عاماً لا يُولَد لهما، ثمَّ يولد
لهما غُلام أضَرُّ شيء وأقلُّه منفعةً)) قال: ونَعَتَهما، فقال: ((أمَّا أبوه فطويل ضَرْبُ اللَّحم، كأنَّ
٣١٣
باب ١٧٨ / ح ٣٠٥٥ - ٣٠٥٧
كتاب الجهاد
أنفه مِنقار، وأمَّا أمّه فِفِرضاخيَّة(١) - أي: بفاء مفتوحة وراء ساكنة وبمُعجَمتين، والمعنى:
أنَّها ضخمة طويلة الثَّدَيَينِ(٢) - قال: فسمعنا بمولُودٍ بتلك الصِّفة، فذهبت أنا والزُّبير بن
العَوّامِ حَتَّى دَخَلْنا على أبوَيهِ - يعني: ابن صَيّاد - فإذا هما بتلك الصِّفة(٣)، ولأحمد
(٢١٣١٩) والبَزّار (٣٩٨٣)(٤) من حديث أبي ذرِّ قال: بَعَثَني النبي ◌ََّ إلى أمّه فقال:
((سَلْها كم ◌َمَلَت به؟)) فقالت: حَمَلَتُ به اثني عشر شهراً، فلمَّا وقع صاحَ صياحَ الصبيِّ
ابنِ شهر. انتهى، فكأنَّ ذلك هو الأصل في إرادة استكشاف أمره.
قوله: ((ماذا تَرَى؟ قال ابن صَيّاد: يأتيني صادقٌ وكاذبٌ)) في حديث جابر عند التِّمِذي(٥)
ونحوه لمسلم (٢٩٢٦): فقال: أرى حقّاً وباطلاً، وأرى عَرشاً على الماء، وفي حديث أبي
سعيد عنده (٢٩٢٥): أرى صادقين وكاذباً، ولأحمد (١١٦٢٩): أرى عَرشاً على البحر
حولَه الحِيتان (٦).
قوله: ((قال: لُبِسَ)) بضمِّ اللّام وتخفيف الموحّدة المكسورة بعدها مُهمَلة، أي: خُلِطَ،
وفي حديث أبي الطَّفَيل عند أحمد (٢٣٧٩٦) فقال: (تَعوَّذوا بالله من شَرّ هذا».
قوله: ((إنّي قد خَبَأْتُ لك خِبْئاً)) بكسر المعجمة وبفتحها وسكون الموحّدة بعدها همز،
وبفتح المعجمة وكسر الموحّدة بعدها تحتانية ساكنة ثمَّ همز، أي: أخفَيتُ لك شيئاً.
(١) في (س): فرضاخة، وما أثبتناه من الأصلين، وكلاهما صحيح، والياء فيها للمبالغة. انظر ((لسان العرب))
مادة (فرضخ). وأما ضبطُ الحافظ لهذه الكلمة بفتح الفاء فسبقُ قلم، والصواب أنها بكسر الفاء.
(٢) تحرف في (س) إلى: طویلة الیدین.
(٣) وإسناده ضعيف لضعف علي بن زيد بن جدعان، وقد وهَى هذا الحديثَ الحافظُ نفسِه فيما سيأتي في
شرحه على الحديث (٧٣٥٥) من كتاب الاعتصام، لكنه أخطأ هناك وعزاه إلى أبي داود.
(٤) وهو حديث منكر كما هو مبيَّن في التعليق على ((مسند أحمد)).
(٥) لم نقف عليه في ((سنن الترمذي))، وهو بهذه السياقة من حديث جابر عند أحمد في ((المسند)) برقم
(١٤٩٥٥).
(٦) كذا وقع للحافظ، وفي نسخ ((المسند)): ((حوله الحيّات))، والحديث في إسناده علي بن زيد بن جدعان،
وهو ضعيف.
٣١٤
باب ١٧٨ / ح ٣٠٥٥ -٣٠٥٧
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((هو الدُّخْ)) بضمِّ المهمَلة بعدها مُعجَمة، وحكى صاحب ((المحكم)) الفتح، ووقع
عند الحاكم: ((الَّخْ)) بفتح الزّاي بدل الدَّال، وفَسَّرَه بالجِماع، واتَّفَقَ الأئمّة على تغليطه في
ذلك، ويَرُدّه ما وقع في حديث أبي ذرِّ المذكور: ((فأراد أن يقول: الدُّخَان، فلم يستطع فقال:
الدُّخَ))، وللبَزّار (١٣٣٤) والطبراني في «الأوسط)) (٣٨٧٥) من حديث زيد بن حارثة قال:
((كان النبي ◌ِّهِ خَبَأَ له سورة الدُّخّان)) وكأنَّه أطلقَ السُّورة وأراد بعضها، فإنَّ عند أحمد
(٦٣٦٠) عن عبد الرزّاق في حديث الباب: وخَباً(١) له: ﴿يَوْمَ تَأْتِ السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ﴾.
وأمَّا جواب ابن صَيّاد بالدُّخْ، فقيل: إنَّه اندَهَشَ فلم يقع من لفظ الدُّخان إلَّا على
بعضه، وحكى الخطّابي أنَّ الآية حينئذٍ كانت مكتوبة في يد النبي وَِّ فلم يَتَدِ ابن صَيّاد
منها إلَّا لهذا القَدْر الناقص على طريقة الكَهَنة، ولهذا قال له النبي ◌ِّ: ((لن تَعدُوَ قَدْرك))
أي: قَدرَ مِثلك من الكُهّان الذين يَحِفَظونَ من إلقاء شياطينهم ما يَحِفَظونَه مُخْتِلَطاً صِدقُه
١٧٤/٦ بكذبِه. وحكى أبو موسى المَدِيني: أنَّ السِّ في/ امتحان النبي ◌َّ له بهذه الآية الإشارةُ
إلى أنَّ عيسى ابن مريم يَقتُل الدَّجّال بجبل الدُّخان، فأراد التَّعريض لابن صيّاد بذلك.
واستَبعَدَ الخطَّبي ما تقدَّم وصَوَّبَ أنَّه خَبَأَ له الدُّخَّ، وهو نبت يكون بين البساتين،
وسبب استبعاده له أنَّ الدُّخان لا يُحُبَأُ في اليد ولا الكُمّ. ثمّ قال: إلَّا أن يكون خَباً له اسم
الدُّخان في ضميره، وعلى هذا فيقال: كيف اطّلَعَ ابن صَيّاد أو شيطانه على ما في الضَّمير؟
ويُمكِن أن يُجابَ باحتمال أن يكون النبي وَل ◌ِ تَحدَّث مع نفسه أو أصحابه بذلك قبل أن
يختبرَه، فاستَرَقَ الشيطانُ ذلك أو بعضه.
قوله: ((اخسَا)) سيأتي الكلام عليها في كتاب الأدب (٦١٧٣) في بابِ مُفرَدٍ.
قوله: ((فلن تَعْدُو قَدْرَك)) أي: لن تُجاوِز ما قَدَّرَ الله فيك، أو مِقدار أمثالك من الكُهّان.
قال العلماء: استَكشَفَ النبي ◌َِّ أمرَه ليُبيِّن لأصحابه تمويهه، لئلا يَلْتَبِس حالُه على ضعيف
لم يَتمكَّن في الإسلام، ومُحصَّل ما أجاب به النبي ◌َِّ أنَّه قال له على طريق الفَرْض
(١) في (س): وخبأت له، وما أثبتناه من الأصلين وهو الموافق لرواية ((المسند)).
٣١٥
باب ١٧٨ / ح ٣٠٥٥-٣٠٥٧
كتاب الجهاد
والتنزّل: إن كنت صادقاً في دَعواك الرِّسالة، ولم يَخْتَلِط عليك الأمر، آمنت بك، وإن كنت
كاذباً وخُلِطَ عليك الأمرُ فلا، وقد ظَهَرَ كَذِبُك والْتِباس الأمر عليك فلا تَعدُو قدرَك.
قوله: ((إنْ يكن هو)) كذا للأكثر، وللكُشْمِيهنيّ: ((إن يكُنْه)) على وصل الضَّمير، واختارَ
ابن مالك جوازَه، ثمَّ الضَّمير لغير مذكور لفظاً، وقد وقع في حديث ابن مسعود عند أحمد
(٣٦١٠): ((إن يكن هو الذي تَخافُ فلن تستطيعَه))، وفي مُرسَل عُرْوة عند الحارث بن أبي
أسامة: ((إن يكن هو الدَّجّال)).
قوله: ((فلَنْ تُسلَّطَ عليه)) في حديث جابر(١): ((فلستَ بصاحبِهِ، إِنَّما صاحبه عيسى ابن
مریم)).
قوله: ((وإن لم يكن هو، فلا خيرَ لك في قَتْله)) قال الخطَّابي: وإنَّما لم يأذَن النبيُّ وَّ في قتله
مع ادِّعائه النبوَّةَ بحَضرَتِهِ، لأنَّه كان غير بالغ، ولأنَّه كان من جُملة أهل العَهْد. قلت: الثَّاني
هو المتعيِّن، وقد جاء مُصرَّحاً به في حديث جابر عند أحمد (١٤٩٥٥)، وفي مُرسَل عُرْوة:
(فلا يَحِلُّ لك قتله))، ثمَّ إِنَّ في السُّؤال عندي نظراً، لأنَّه لم يُصرِّح بدَعْوى النبوّة، وإنَّما أوهَمَ
أنَّه يَدَّعي الرِّسالة، ولا يَلزَمُ من دعوى الرِّسالة دعوى النبوَّة، قال الله تعالى: ﴿أَنَّا أَرْسَلْنَا
الشَيَطِينَ عَلَى الْكَفِرِينَ﴾ الآية [مريم: ٨٣].
قوله: ((قال ابن عُمَر: انطَلَقَ النبي ◌َّهِ هو وأبيّ بن كَعْب)) هذه هي القصَّة الثّانية من
هذا الحديث، وهو موصول بالإسناد الأوَّل، وقد أفرَدَها أحمد (٦٣٦٣) عن عبد الرزّاق
بإسناد حديث الباب، ووقع في حديث جابر: ثمَّ جاء النبي ◌َِّ ومعه أبو بكر وعمر ونَفَر
من المهاجرينَ والأنصار وأنا معهم، ولأحمد (٢٣٧٩٦) من حديث أبي الطَّفَيل: أنَّه حَضَرَ
ذلك أيضاً(٢)، وقد تقدَّم في الجنائز (١٣٥٤ و ١٣٥٥) شرح ما في هذا الفَصْل من المفردات
وبيان اختلاف الرُّواة.
(١) أخرجه أحمد في «مسنده) (١٤٩٥٥).
(٢) لكن إسناده ضعيف، وعليه فلا يصحُ عدُّ أبي الطفيل من حضر.
٣١٦
باب ١٧٨ / ح ٣٠٥٥ -٣٠٥٧
فتح الباري بشرح البخاري
وقوله: ((طَفِقَ)) أي: جَعَلَ. و((يَتَّقي)) أي: يَستَقِرِ. و(يَخْتِل)) أي: يسمع في خُفْية. ووقع في
حديث جابر: رَجَاءَ أن يسمع من كلامه شيئاً ليعلم أصادقٌ هو أم كاذب.
قوله: ((أيْ صافٍ)) بمُهمَلة وفاء وزن باغٍ، زادَ في رواية يونس(١): ((هذا محمَّد))، وفي
حديث جابر: فقالت: يا عبد الله، هذا أبو القاسم قد جاء)) وكأنَّ الراوي عَبَّرَ باسمِه الذي
تَسمَّى به في الإسلام، وأمَّا اسمه الأوَّل فهو صافٍ.
قوله: ((لو تَرَكتْه بيَّن)) أي: أظهَر لنا من حاله ما نَطَّلِعِ به على حقيقته، والضَّمير لأمِّ ابن
صَيّاد، أي: لو لم تُعلِمْه بمَجيئِنا لَتمادى على ما كان فيه فسمعنا ما يُستَكشَف به أمره. وغَفَلَ
بعض الشّرّاح فجَعَلَ الضَّمير للَّمزَمة، أي: لو لم يتكلّم بها لفَهِمنا كلامه، لكن عَدَم فهمنا
لمَا يقول كَونُه يُهَمهِم. كذا قال، والأوَّل هو المعتمَد.
قوله: ((وقال سالم: قال ابن عُمَر)) هذه هي القصَّة الثّالثة، وهي موصولة بالإسناد
المذكور، وقد أفرَدَها أحمد أيضاً (٦٣٦٥)، وسيأتي الكلام عليها في الفتن (٧١٢٣).
وفي قصَّة ابن صَيّاد اهتمامُ الإمام بالأُمورِ التي يُحْشَى منها الفسادُ والتَّنقيب عليها،
وإظهار كذِب المدّعي الباطل وامتحانه بما يَكشِف حاله، والتَّجَسُّس على أهل الرّيَب، وأنَّ
النبي ٹے کان یجتھدُ فیما لم يُوحَ إليه فيه.
وقد اختلف العلماء في أمر ابن صیّاد اختلافاً کثیراً،/ سأستوفیه إن شاء الله تعالى في
الكلام على حديث جابر: ((أَنَّه كان يَحِلِفُ أنَّ ابن صَيّاد هو الدَّجّال)) حيثُ ذكره المصنِّف
في كتاب الاعتصام (٧٣٥٥) إن شاء الله تعالی.
١٧٥/٦
وفيه الردُّ على مَن يَدَّعي الرَّجْعَةَ إلى الدُّنيا لقوله بَّ لعمر: ((إن يكن هو الذي تخاف
فلن تستطيعه))، لأنَّه لو جازَ أنَّ المَيِّت يَرجِع إلى الدُّنيا، لَمَا كان بين قتل عمر له حينئذٍ وگَونِ
عيسى ابن مريم هو الذي يَقتُله بعد ذلك مُنافاةٌ، والله أعلم.
(١) سلفت عند البخاري برقم (١٣٥٥).
٣١٧
باب ١٧٩ - ١٨٠ / ح ٣٠٥٨
كتاب الجهاد
١٧٩ - باب قول النبيّ وَّ لليهود: ((أسلِموا تَسلَموا))
قاله المَقبُريُّ، عن أبي هريرةَ.
قوله: ((باب قول النبي وَ لّ لليهودِ: أسلِمُوا تَسْلَموا، قاله المقبُري عن أبي هريرة)» هو
طرف من حديث سيأتي موصولاً مع الكلام عليه في الجِزْية (٣١٦٧).
١٨٠ - باب إذا أسلم قومٌ في دار الحرب ولهم مالٌ وأرَضُونَ فهي لهم
٣٠٥٨- حدَّثنا محمودٌ، حدَّثَنَا عبدُ الرزّاق، أخبرنا مَعمَرٌ، عن الزُّهْريِّ، عن عليٍّ بنِ
حسينٍ، عن عَمرِو بنِ عثمانَ بنِ عَفّانَ، عن أسامةَ بنِ زيدٍ قال: قلتُ: يا رسولَ الله، أينَ تَنزِلُ
غداً - في حَجَّتِهِ.؟ قال: ((وهل تَرَكَ لنا عَقِيلٌ مَنزِلاً؟)) ثمَّ قال: «نحنُ نازِلونَ غداً بخَيْفِ بني
كِنانةَ المحَصَّبِ، حيثُ قاسَمَتْ قُرَيشٌ على الكُفْرِ))، وذلك أنَّبني كِنانةَ حالَفَت قُرَيشاً على بني
هاشمٍ أن لا يُابِعُوهم ولا يُؤْؤُوهم.
قال الزُّهْريُّ: والخَيْفُ: الوادي.
قوله: ((باب إذا أسلَمَ قوم في دار الحرب ولهم مال وأَرَضُونَ فهي لهم)) أشارَ بذلك إلى الردّ
على مَن قال من الحنفية: إنَّ الحربيّ إذا أسلَمَ في دار الحرب وأقامَ بها حتَّى غَلَبَ المسلمون
عليها، فهو أحقُّ بجميع ماله إلَّ أرضه وعَقَاره، فإنَّها تكون فَيئاً للمسلمين، وقد خالَفَهم أبو
يوسف في ذلك فوافَقَ الجمهور، ويوافق الترجمةَ حديث أخرجه أحمد (١٨٧٧٨) عن صخر
ابن العَيْلة البَجَلي قال: فَرَّ قوم من بني سُلَيم عن أرضهم فأخَذتُها، فأسلموا وخاصَمُوني إلى
النبي ◌َِّ، فَرَدَّها عليهم وقال: ((إذا أسلَمَ الرجل فهو أحقُّ بأرضِه وماله))(١).
قوله: ((حدَّثنا محمود)) هو ابن غَيْلان.
وقوله: ((حدَّثنا عبد الله)) هو ابن المبارك، وهذه رواية أبي ذرٍّ وحده، وللباقين: ١٧٦/٦
عبد الرزَّاق، بدل: عبد الله، وبه جَزَمَ الإسماعيلي وأبو نُعَيم(٢).
(١) وأخرجه أيضاً أبو داود برقم (٣٠٦٧)، وإسناده ضعيف.
(٢) وهو الصواب، فإن محمود بن غيلان لا تُعرف له رواية عن ابن المبارك، إذ لم يدرك السماع منه فيما =
٣١٨
باب ١٧٩ - ١٨٠ / ح ٣٠٥٨
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: «قلت: يا رسول الله، أینَ تَنزِلُ غداً؟)) الحدیث ذكره مختصراً، وقد تقدَّم في ((باب
توريث دُور مكَّة وشرائها)) من كتاب الحجّ (١٥٨٨) بتمامه، وتقدَّم شرحه هناك، وفيه ما
ترجم له هنا، لكنَّه مَبنيٌّ على أنَّ مَّة فُتِحَت عَنْوة، والمشهور عند الشّافعية أنَّهَا فُتِحَت صُلحاً،
وسيأتي تحرير مباحث ذلك في غزوة الفتح من كتاب المغازي (٤٢٨٨) إن شاء الله تعالى.
ويُمكِن أن يقال: لمَّا أقرَّ النبيِ نَّهِ عَقيلاً على تصرُّفه فيما كان لأَخَوَيه عليّ وجعفر
وللنبي وَل﴿ من الدُّور والرِّباع بالبيع وغيره، ولم يُغيِّ النبي ◌َِّ ذلك ولا انتَزَعَها ثمّن هي
في يده لمَّا ظَفِرَ، كان في ذلك دلالة على تقرير مَن بيدِه دار أو أرض إذا أسلَمَ وهي في يده
بطريق الأولى.
وقال القُرْطُبي: يحتمل أن يكون مُرادُ البخاري أنَّ النبيِوَ مَنَّ على أهل مكَّة بأموالهم
ودُورهم من قبل أن يُسلِموا، فتقرير مَن أسلَمَ يكون بطريق الأَولى.
قوله: ((وذلك أنَّ بني كِنانة حالَفَت قُرَيشاً على بني هاشم أن لا يُيابِعُوهم ولا يُؤْؤُوهم)»
هكذا وقع هذا القَدْر معطوفاً على حديث أُسامة، وذَكَر الخطيب(١) أنَّ هذا مُدرَج في رواية
الزُّهْريّ عن عليّ بن الحسين عن عَمْرو بن عثمان عن أُسامة، وإنَّما هو عند الزُّهْريّ عن أبي
سَلَمة عن أبي هريرة، وذلك أنَّ ابن وَهْب رواه عن يونس عن الزُّهْرِيّ ففَصَلَ بين
الحديثَين، وروى محمّد بن أبي حفصة عن الزُّهْريّ الحديث الأوَّل فقط، وروى شعيب
والنُّعمان بن راشد وإبراهيم بن سعد والأوزاعي عن الزُّهْريّ الحديث الثَّاني فقط، لكن
عن أبي سَلَمة عن أبي هريرة.
قلت: أحاديث الجميع عند البخاري، وطريق ابن وَهْب عنده لحديث أُسامة في الحجّ
(١٥٨٨)، ولحديث أبي هريرة في التَّوحيد (٧٤٧٩)، وأخرجهما مسلم معاً في الحجّ
= يغلب على ظننا، وبين وفاتيهما ٥٨ سنة على أقل تقدير، أما ما وقع للحافظ ابن حجر هنا من عزو ذلك
لرواية أبي ذر، فإنه لم يرد في نسخ اليونينية، ولم يقع إلا له وللعيني في ((عمدة القاري)) - أحدهما ناقلٌ عن
الآخر - ولعل ذلك وقع خطأً في الأصل الذي رجع إليه أحدهما من ((الصحيح))، والله تعالى أعلم.
(١) في كتابه ((الفصل للوصل المدرج في النقل)) ٦٩٠/٢.
٣١٩
باب ١٨٠ / ح ٣٠٥٩
كتاب الجهاد
(١٣١٤ و١٣٥١)، وقد قَدَّمت في الكلام على حدیث أُسامة في الحجّ ما وقع فيه من إدراج
أيضاً، والله المستعان.
٣٠٥٩- حذَّثنا إسماعيلُ، قال: حدَّثني مالكٌ، عن زيدِ بنِ أسلَمَ، عن أبيه: أنَّ عمرَ بنَ
الخطَّب ﴿ه اسْتَعْمَلَ مَوْلَى له يُدعَى هُنَّاً على الحِمى، فقال: يا هُنَيُّ، اضْهُمْ جَناحَكَ عن
المسلمينَ، واتَّقِ دعوةَ المسلمين فإنَّ دعوةَ المظلوم مُسْتَجابةٌ، وأَدخِلْ ربَّ الصُّرَيمةِ وربَّ
الغُنَيمَةِ، وإيّايَ ونَعَمَ ابنِ عَوْفٍ ونَعَمَ ابنِ عَفّانَ، فإنَّهما إن تَهلِكْ ماشيَتُهما يَرجِعا إلى نَخْلِ
وَزَرْعٍ، وإنَّ رَبَّ الصُّرَيمَةِ وربَّ الغُنَيَمِةِ إِن تَهلِكْ ماشيَتُهما يأتِنِي بَيْتِهِ فيقولُ: يا أميرَ المؤمنينَ،
يا أميرَ المؤمنين! أفتارِكُهم أنا لا أبا لكَ؟! فالماءُ والكَلأُ أيسَرُ علىَّ مِن الذَّهبِ والوَرِقِ، وائْمُ
الله، إنَّهِم لَيُّرَوْنَ أنّ قد ظَلَمْتُهم، إنَّهَا لَبِلادُهم، قاتَلُوا عليها في الجاهليّةِ، وأسلَمُوا عليها في
الإسلام، والذي نفسي بيده، لولا المالُ الذي أَحِلُ عليه في سبيلِ الله، ما حَمَيتُ عليهم من
بلادهم شِبْراً.
قوله: ((أنَّ عُمَر بن الخطّاب استَعْمَلَ مَوْلى له يُدْعى هُنَيَا)) بالنّون مُصغَّر بغير همز، وقد
يُهمَز، وهذا المولى لم أرَ مَن ذكره في الصحابة مع إدراكه، وقد وجدتُ له رواية عن أبي بكر
وعمر وعمرو بن العاص، روى عنه ابنه عُمَير وشيخ من الأنصار وغيرهما، وشَهِدَ صِفّينَ
مع معاوية، ثمَّ تَّحوَّلَ إلى عليّ لمَّ قُتِلَ عَّار، ثمَّ وجدتُ في كتاب ((أخبار مكَّة)) لعمر بن
شَبَّة أنَّ آل هُنَيٍّ يَنْتَسِبونَ فِي هَمْدَانَ، وهم موالي آل عمر. انتهى، ولولا أنَّه كان من
الفُضَلاء النُّبَهاء الموثوق بهم لَمَا استَعمَلَه عمر.
قوله: ((على الحِمَى))، بيَّن ابن سعد (١١/٥-١٢) من طريق عُمَير بن هُنَي عن أبيه: أنَّه
كان على حِى الرَّبَذَة. وقد تقدَّم بعض ذلك في كتاب الشّرب (٢٣٧٠).
قوله: ((اضْمُم جَناحَك عن المسلمين)) أي: اكفُف يدَك عن ظلمهم، وفي رواية مَعْن بن
عيسى عن مالك عند الدَّارَقُطْني في ((الغرائب)): ((اضمُم جَناحَك للناس))، وعلى هذا
فمعناه: استُرهم بجَناحك، وهو كِناية عن الرَّحمة والشَّفَقة.
٣٢٠
باب ١٨٠ / ح ٣٠٥٩
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((واتَّقِ دعوة المسلمين)) في رواية الإسماعيلي والدَّارَقُطني (٤٥٧٦) وأبي نُعيم:
(٢٠٢/٣): دعوة المظلوم (١).
قوله: ((وأَدخِلْ)) بهمزة مفتوحة ومُعجَمة مكسورة، والصُّرَيمة بالمهمَلة مُصفَّر، وكذا
الغُنيمة، أي: صاحب القِطعة القليلة من الإبل والغنم، ومُتعلَّق الإدخال محذوف والمراد
المرعى.
قوله: ((وإِيَّيَ)) فيه تحذير المتكلِّم نفسه، وهو شاذِّ عند النُّحاة، كذا قيلَ، والذي يَظهَر أنَّ
الشُّذُوذ في لفظه، وإلَّا فالمراد في التحقيق إنَّما هو تحذير المخاطَب، وكأنَّه بتحذير نفسِه
حَذَّرَه بطريق الأَولى، فيكون أبلَغَ، ونحوه نهيُ المرءِ نفسه ومراده نهيُ مَن يخاطبه كما سيأتي
قريباً في ((باب الغُلُول)) (٣٠٧٣).
وقوله فيه: ((ابن عَوْف)) هو عبد الرَّحمن، وابن عَفّان: هو عثمان، وخَصَّهما بالذِّكرِ على
طريق المثال لكَثرة نَعَمِهما؛ لأنَّهما كانا من مَيَاسِير الصحابة، ولم يُرِدْ بذلك مَنعَهما البَّةَ،
وإنَّما أراد أنَّه إذا لم يَسَع المرعى إلَّا نَعَمَ أحد الفريقَين، فَنَعَمُ المقِلّينَ أَولى، فنهاه عن إيثار هما
على غيرهما، أو تقديمهما قبل غير هما، وقد بيَّن حِكْمةً ذلك في نفس الخبر.
١٧٧/٦
قوله: ((ببيتِه)) كذا للأكثر بمُثنَّة قبلها تحتانية ساكنة بلفظ مُفرَد البيت، وللكُشْمِيهنيّ
بنون قبل التَّحتانية بلفظ جمع البَنينَ، والمعنى متقارب.
قوله: ((يا أمير المؤمنينَ، يا أمير المؤمنينَ)) حَذَف المَقُول لدلالة السِّياق عليه، ولأنَّه لا
يَتَعيَّن في لفظ، والتقدير: يا أمير المؤمنين أنا فقير، يا أمير المؤمنين أنا أحقُّ، ونحو ذلك.
قوله: ((أفَتارِ كهم أنا)) استفهام إنكار، ومعناه: لا أترُكهم محتاجِينَ.
وقوله: ((لا أبا لك)) بفتح الهمزة والموخَّدة، وظاهره الدُّعاء عليه، لكنَّه على مجازِه لا على
حقيقته، وهو بغير تنوين؛ لأنَّه صار شَبيهاً بالمضاف، وإلَّا فالأصل: لا أبَ لك(٢)، والحاصل
(١) وهو لفظ البخاري هنا في غير رواية أبي ذر الهروي.
(٢) في (س): لا أبا لك، وهو تحريف.