Indexed OCR Text
Pages 241-260
٢٤١ باب ١٢٦ -١٢٧ / ح ٢٩٨٦ - ٢٩٨٨ كتاب الجهاد خَلف أخيها عبد الرَّحمن، وحديثَ عبد الرَّحمن بن أبي بكر في ذلك، وقد تقدَّم الكلام عليهما مُستَوقَى في كتاب الحجّ (١٥١٦)، ويُشبِه أن يكون وجهُ دخوله هنا حديث عائشة المتقدِّم (٢٨٧٥): ((جهادكُنَّ الحجّ)). ١٢٦ - باب الارتداف في الغَزْو والحجّ ٢٩٨٦- حدَّثْنَا قُتَيبةُ بنُ سعيدٍ، حدَّثنا عبدُ الوهّاب، حدَّثنا أيوبُ، عن أبي قلابةَ، عن أنسٍ ﴾ قال: كنتُ رَدِيفَ أبي طَلْحَةَ، وإنَّهم لَيَصرُ خونَ بهما جميعاً: الحجّ والعُمْرة. قوله: ((باب الارتِداف في الغَزْو والحجّ)) ذكر فيه حديث أنس: («كنت رَدِیفَ أبي طلحة وإنَّهم لَيَصرُخونَ بهما))، وقد تقدَّم شرحه في الحجّ (١٥٤٨). ١٢٧ - باب الرِّدْف على الحمار ٢٩٨٧ - حدَّثنا قُتَيَبةُ، حدَّثنا أبو صَفْوانَ، عن يونسَ بنِ يزيدَ، عن ابنِ شِهابٍ، عن عُرْوةً عن أُسامةَ بنِ زيدٍ رضي الله عنهما: أنَّ رسولَ اللهِ ◌ّهِ رَكِبَ على حمارٍ على إِكَافٍ عليه قَطِيفٌ، وأردَفَ أُسامةَ وراءَه. [أطرافه في: ٤٥٦٦، ٥٦٦٣، ٥٩٦٤، ٦٢٠٧] ٢٩٨٨ - حدَّثنا يحيى بنُ بُكَير، حدَّثنا اللَّيثُ، قال يونسُ: أخبرني نافعٌ، عن عبدِ الله ◌َ أَنَّ رسولَ اللهِ وَّرَ أَقْبَلَ يومَ الفَتْحِ من أعلَى مَّةَ على راحلتِهِ مُرْدِفاً أُسامةَ بنَ زیدٍ ومعه بلالٌ ومعه عثمانُ بنُ طَلْحةَ مِن الحَجَبَةِ حتَّى أناخَ في المسجدِ، / فأمَرَه أن يأتيَ بمِفْتَاحِ البيتِ، فَفَتَحَ ١٣٢/٦ ودخل رسولُ اللهِّ﴿ ومعه أُسامةُ وبلالٌ وعثمانُ، فمَكَثَ فيها نهاراً طويلاً، ثمَّ خَرَجَ فاستَبَقَ الناسُ، فكان عبدُ الله بنُ عمرَ أوَّلَ مَن دَخَلَ، فَوَجَدَ بلالاً وراءَ البابِ قائماً، فسأله: أينَ صَلَّى رسولُ اللهِ وَِّ؟ فأشارَ له إلى المكانِ الذي صَلَّى فيه، قال عبدُ الله: فنَسِيتُ أن أسألَه: كم صَلَّی من سجدةٍ؟ قوله: (باب الرِّدْف على الحمار)) ذكر فيه حديث أُسامة بن زيد مختصراً في ارتدافه النبيَّ ◌َّ، ٢٤٢ باب ١٢٨ / ح ٢٩٨٩ فتح الباري بشرح البخاري وقد سَبَقَت الإشارة إليه في الصُّلح(١)، ويأتي شرحه مُستَوقَّى في آخر تفسير آل عمران (٤٥٦٦)، ويَظهَرُ وجهُ دخوله في أبواب الجهاد. وحديثَ عبد الله - وهو ابن عمر - في صلاة النبي وَلّ في الكعبة، وقد تقدَّم في الصلاة (٣٩٧) وفي الحجّ (١٥٩٨). والغرضُ منه قوله في أوَّله: ((أقبَلَ يومَ الفتح مُردِفاً أُسامةَ بن زید»، لكنَّه کان یومئذٍ راکباً علی راحلة. ١٢٨ - باب من أخذ بالرِّکاب ونحوه ٢٩٨٩ - حذَّثنا إسحاقُ، أخبرنا عبدُ الرزّاق، أخبرنا مَعمَرٌ، عن هنَّام، عن أبي هريرةَ. قال: قال رسولُ اللهِ وَّ: ((كلُّ سُلَامَى مِن الناسِ عليه صَدَقةٌ كلَّ يومٍ تَطْلُعُ فيه الشمسُ: يَعْدِلُ بينَ الاثنين صَدَقَةٌ، ويُعِينُ الرجلَ على دابَّتِهِ فَيَحْمِلُ عليها - أو يَرْفَعُ عليها مَتَاعَه - صَدَقةٌ، والكلمةُ الطيِّةُ صَدَقةٌ، وكلُّ خُطْوةٍ يَخْطُوها إلى الصَّلاةِ صَدَقَةٌ، ويُمِيطُ الأذَى عن الطَّرِيقِ صَدَقةٌ). قوله: ((باب مَن أخَذَ بالرِّکاب ونحوه)» أي: من الإعانة على الرُّكوب وغيره. قوله: ((حدّثنا إسحاق، أخبرنا عبد الرزّاق» کذا هو غیرُ منسوب، وقد تقدّم في «باب فضل مَن حَمَلَ متاع صاحبه في السَّفَرِ)) (٢٨٩١) عن إسحاق بن نَصْر عن عبد الرزّاق، لكنَّ سياقه مُغاير لسياقه هنا، وتقدَّم في الصُّلح (٢٧٠٧) عن إسحاق بن منصور عن عبد الرزّاق مُقتَصِراً على بعضه، وهو أشبه بسياقه هنا، فليُفسَّر به هذا المهمَل هنا. قوله: ((كلُّ سُلَامَى)) بضمِّ المهمَلة وتخفيف اللّام، أي: أَنْمُلة، وقيل: كلّ عَظْم ◌ُجُوَّف صغير، وقيل: هو في الأصل عَظْم يكون في فِرِن البعير، واحده وجمعه سواءٌ، وقيل: جمعه: سُلَامَيَات. وقوله: ((كلَّ يوم عليه صَدَقة)) بنَصْب ((كلّ)) على الظَّرفية، وقوله: ((علیه)) مُشكِل، قال (١) تحت شرح حديث رقم (٢٦٩١). ٢٤٣ باب ١٢٨ / ح ٢٩٨٩ كتاب الجهاد ابن مالك: المعهود في ((كلّ)) إذا أُضيفت إلى نَكِرة من خبر وتمييز وغيرهما أن تجيءَ على وَفْق المضاف، كقوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَّابِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥]، وهنا جاء على وَفْق ((كلّ)) في قوله: ((كلُّ سُلَامى عليه صَدَقة))، وكان القياس أن يقول: عليها صَدَقة، لأنَّ السُّلامَى مؤنَّئة، لكن دلَّ مَجَيتُها في هذا الحديث على الجواز، ويحتمل أن يكون ضمَّنَ السُّلامَى معنى العَظْم أو المَفصِل، فأعادَ الضَّميرَ عليه كذلك، والمعنى: على كلّ مسلم مُكلَّف بعددِ كلِّ مَفصِلٍ من عظامه صدقةٌ لله تعالى على سبيل الشُّكر له، بأنْ جَعَلَ عظامه مَفاصلَ يتمكَّن بها من القَبْض والبَسْط، وخُصَّت بالذِّكرِ لمَا في التصرُّف بها من دقائق الصَّنائع التي اختصَّ بها الآدمي. قوله: ((يَعْدِل)) فاعله الشَّخصُ المسلم المكلَّف، وهو مُبتَدَأ على تقدير العَدْل، نحو: ((تَسمَع بالمُعَيديِّ خير من أن تراه))، وقد قال سبحانه وتعالى: ﴿وَمِنْ ءَايَتِهِ، يُرِيكُمُ الْبَرَّقَ﴾ [الروم: ٢٤]. قوله: ((ويُعِينُ الرجلَ على دابته فيَحْمِل عليها)» هو موضع التَّرجمة، فإنَّ قوله: «فيَحمِل عليها)) أعمُّ من أن يريد: يَحِمِل عليها المتاعَ أو الرّاكب. وقوله: ((أو يَرْفَع عليها مَتَاعَه)) إمَّا شكٌّ من الراوي أو تنويع، وحملُ الرّاكب أعمُّ من أن ١٣٣/٦ يَحَمِلَه كما هو أو يُعينَه في الرُّكوب، فتَصِحُّ التَّرجمة. قال ابن المنيِر: لا تُؤْخَذ التَّرجمة من مُجرَّد صيغة الفعل، فإنَّه مُطلَق، بل من جِهَة عموم المعنى، وقد روى مسلم (١٧٧٥) من حديث العبّاس في غزوة حُنَين قال: وأنا آخِذٌ بِرِكَاب رسول الله صل ... الحديث. قوله: ((ويُمِيط الأذى عن الطَّريق)) تقدَّم في ((باب إماطة الأذى عن الطَّريق)) من هذا الوجه مُعلَّقاً(١)، وحكى ابن بَطَّال عن بعض مَن تقدَّمه أنَّ هذا من قول أبي هريرة موقوف، وتَعقَّبَه بأنَّ الفضائل لا تُدرَك بالقياس، وإنَّما تُؤخَذ توقيفاً من النبي ◌َّ. (١) سلف هذا الباب في كتاب المظالم، ورقمه فيه (٢٤). ٢٤٤ باب ١٢٩ / ح ٢٩٩٠ فتح الباري بشرح البخاري ١٢٩ - باب كراهية السفر بالمصاحف إلى أرض العدوِّ وكذلك يُروَى عن محمَّدِ بنِ بِشْرٍ، عن عُبيدِ الله، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، عن النبيِّ وَّ. وتابَعَه ابنُ إسحاقَ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، عن النبيِّ ◌ِله. وقد سافرَ النبيُّ ◌َ له وأصحابُه في أرضِ العدوِّ وهم يعلمونَ القرآنَ. ٢٩٩٠ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ مَسلَمَةَ، عن مالكِ، عن نافعٍ، عن عبدِ الله بنِ عمرَ رضي الله عنهما: أنَّ رسولَ الله وَ نَهَى أن يُسافَرَ بالقرآنِ إلى أرضِ العدوِّ. قوله: («باب كراهية السَّفَر بالمصاحف إلى أرض العدوّ) سقط لفظ: ((كراهية)) إلَّا للمُستَمْلِي فأثبتها، ويثُبُوتِها يَندَفِعِ الإشكالُ الآتي. قوله: ((وكذلك يُرْوى عن محمَّد بن بِشْر عن عُبيد الله)) هو ابنُ عمر ((عن نافع عن ابن عُمَر، وتابَعَه ابنُ إسحاق عن نافع)) أمَّا رواية محمَّد بن بشر، فوَصَلَها إسحاق بن راهويه في (مُسنَدَه)) عنه ولفظه: كَرِهَ رسول الله وَ ليل أن يُسافَر بالقرآن إلى أرض العدوّ مخافَة أن يَنالَه العدوُّ. وقال الدَّارَ قُطني والبَرْقاني: لم يَروِه بلفظ الكراهة إلَّ محمّد بن بشر. وأمَّا مُتابعة ابن إسحاق فهي بالمعنى؛ لأنَّ أحمد أخرجه (٥٤٦٥) من طريقه بلفظ: (نَهى أن يُسافَرَ بالمصحَفِ إلى أرض العدوّ))، والنَّهي يقتضى الكراهة؛ لأنَّه لا يَنفَكُّ عن كراهة التّنزیه أو التَّحریم. قوله: ((وقد سافرَ النبيُّ وَ ﴿ وأصحابه في أرض العدوّ وهم يعلمونَ القرآنَ)) أشارَ البخاريُّ بذلك إلى أنَّ المراد بالنَّهي عن السَّفَر بالقرآن السَّفرُ بالمصحَف، خَشْيَةَ أن يَنَالَه العدوُّ، لا السَّفَر بالقرآن نفسه، وقد تَعقَّبَه الإسماعيلي بأنَّه لم يقل أحد: إنَّ مَن يُحسِن القرآن لا يَغْزُو العدوَّ في دارهم، وهو اعتراضُ مَن لم يفهم مُرادَ البخاري. وادَّعى المهلَّب أنَّ مُرادَ البخاري بذلك تقويةُ القول بالتَّفْرِقة بين العسكر الكثير والطائفة القليلة، فيجوز في تلك دون هذه، والله أعلم. ٢٤٥ باب ١٢٩ / ح ٢٩٩٠ كتاب الجهاد ثم ذكر المصنف حديثَ مالك في ذلك وهو بلفظ: ((نَهى أن يُسافَر بالقرآن إلى أرض العدوّ))، وأورَدَه ابن ماجَهْ (٢٨٧٩) من طريق عبد الرَّحمن بن مَهْدي عن مالك وزادَ: ((فَافةَ أن يَنالَه العدوُ))، ورواه ابن وَهْب عن مالك فقال: ((خَشْبةَ أن يناله العدوّ))(١)، وأخرجه أبو داود (٢٦١٠) عن القَعْنبيِّ عن مالك فقال: قال مالك: أُراه مَخَافة ... فذكره،/ ١٣٤/٦ قال أبو عمر: كذا قال يحيى بن يحيى الأندَلُسي ويحيى بن بُكَير وأكثرُ الرُّواة عن مالك، جعلوا التَّعليل من كلامه ولم يرفعُوه؛ وأشارَ إلى أنَّ ابن وَهْب تَفرَّدَ برفعِها، وليس كذلك لمَا قَدَّمتُه من رواية ابن ماجَهْ (٢٨٧٩)، وهذه الزِّيادة رَفَعَها ابن إسحاق أيضاً كما تقدَّم(٢)، وكذلك أخرجها مسلم (٩٣/١٨٦٩) والنَّسائي (ك٨٠٠٦) وابن ماجة (٢٨٨٠) من طريق اللَّيث عن نافع، ومسلم (٩٤/١٨٦٩) من طريق أيوب بلفظ: ((فإنّي لا آمَنُ أن يَنالَه العدوّ))، فصَحَّ أنَّه مرفوع وليس بمُدرَجٍ، ولعلَّ مالكاً كان يَجِزِم به، ثمَّ صار يَشُكّ في رفعه فجَعَلَه من تفسیر نفسه. قال ابن عبد البَرِّ: أجمعَ الفقهاءُ أن لا يُسافَرَ بالمصحَفِ في السَّرايا والعسكر الصَّغير المَخُوف عليه، واختَلَفوا في الكبير المأمون عليه، فمَنَعَ مالك أيضاً مُطلَقاً، وفَصَّلَ أبو حنيفة، وأدارَ الشّافعيةُ الكراهةَ مع الخوف وجوداً وعَدَماً، وقال بعضهم کالمالكية. واستُدِلَّ به على منع بيع المصحف من الكافر لوجودِ المعنى المذكور فيه، وهو التَّمَكُّن من الاستهانة به، ولا خلافَ في تحريم ذلك، وإنَّما وقع الاختلاف: هل يَصِحّ لو وقع ويُؤمَر بإزالة مِلکِه عنه أم لا؟ واستُدِلَّ به على منع تعلَّم الكافر القرآنَ: فمَنَعَ مالك مُطلَقاً، وأجازَ الحنفية مُطلَقاً، وعن الشّافعي قولان، وفَصَّلَ بعض المالكية بين القليل لأجل مَصلَحة قيام الحُجَّة عليهم (١) رواية ابن وهب عن مالك أخرجها ابن الجارود في ((المنتقى)) (١٠٦٤)، وأبو عوانة في ((صحيحه)) (٧٢٣٩). (٢) هذا سبقُ قلم من الحافظ رحمة الله، فالذي رفعها كما تقدم هو محمد بن بشر عند إسحاق بن راهويه، أما ابن إسحاق فلم یذکرها أصلاً في حديثه. ٢٤٦ باب ١٣٠ / ح ٢٩٩١ فتح الباري بشرح البخاري فأجازَه، وبين الكثير فمَنَعَه، ويُؤيِّده قصَّة هِرَقل(١) حيثُ كَتَبَ إليه النبي ◌َّه بعض الآيات، وقد سبق في ((باب هل يُرِشِد الكافرَ)) (٢٩٣٦) بشيءٍ من هذا، وقد نَقَلَ النَّوَوي الاتّفاق على جواز الكتابة إليهم بمِثْل ذلك. تنبيه: اذَّعى ابن بَطَّال أنَّ ترتيب هذا الباب وقع فيه غَلَطٌ من الناسخ، وأنَّ الصواب أن يُقدِّم حديث مالك قبل قوله: ((وكذلك يُروى عن محمّد بن بشر ... )) إلى آخره، قال: وإنَّما احتاجَ إلى المتابعة، لأنَّ بعض الناس زادَ في الحديث: ((مخافة أن يَنالَه العدوّ))، ولم تَصِحَّ هذه الزِّیادة عند مالك ولا عند البخاري. انتھی. وما ادَّعاه من الغَلَط مردود، فإنَّه استَنَدَ إلى أنَّه لم يَتقدَّم شيء يُشَار إليه بقوله: كذلك، وليس كما قال، لأنَّه أشارَ بقوله: ((كذلك)) إلى لفظ التَّرجمة كما بيَّنْتُه من رواية المُستَمْلي، وأمَّا ما ادَّعاه من سبب المتابعة، فليس كما قال، فإنَّ لفظ الكراهية تَفرَّدَ بَه محمَّد بن بشر، ومُتَابَعة ابن إسحاق له إنَّما هي في أصل الحديث، لكنَّه أفادَ أنَّ المراد بالقرآن المصحَف لا حامل القرآن. ١٣٠ - باب التکبیر عند الحرب ٢٩٩١ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمَّدٍ، حدَّثنا سفيانُ، عن أيوبَ، عن محمَّدٍ، عن أنسٍ ﴾ قال: صَبَّحَ النبيُّ وَ ﴿َ خَيْبِرَ وقد خَرَجوا بالمساحي على أعناقهم، فلمَّا رَأوه قالوا: هذا محمَّدٌ والخَمِيسُ، محمَّدٌ والخَمِيسُ، فَلَجَؤوا إلى الحِصْنِ، فَرَفَعَ النبيُّ ◌َ لَّ يديه وقال: ((الله أكبرُ، خَرِبَت خَيْرُ، إنّا إذا نزلْنا بساحةٍ قومٍ فساءَ صباحُ المنذَرِينَ. وأصَبْنا حُمُراً فطَبَخْناها، فنادَى مُنادي النبيِّ وَّهِ: إِنَّ اللهَ ورسولَه يَنْهَيانِكم عن لحومِ الحُمُرِ، فَأُكِفِئَتِ القُدُورُ بما فيها. تابَعَه عليٌّ، عن سفيانَ: رَفَعَ النبيُّ ێ یدیهِ. قوله: «باب التکبیر عند الحرب» أي: جوازه أو مشروعيّته، وذکر فیه حديث أنس في قصَّة خيبر، وفيه قوله ◌َّ: ((الله أكبر، خَرِبَت خيبر))، وسيأتي شرحه مُستَوفَّى في كتاب (١) التي سلفت عند البخاري في أول كتابه برقم (٧). ٢٤٧ باب ١٣١ -١٣٢ / ح ٢٩٩٢ -٢٩٩٣ كتاب الجهاد المغازي (٤١٩٨)، والذي نادى بالنَّهي عن لحوم الحُمُر الأهلية هو أبو طلحة كما وقع عند مسلم (١٩٤٠/ ٣٥). وقوله: ((تابَعَه عليٌّ عن سفيان)) يعني: عليَّ ابن المَدِيني شيخَه، وسيأتي في علامات النبوّة (٣٦٤٧). ١٣٥/٦ ١٣١ - باب ما یُگره من رفع الصوت في التکبیر ٢٩٩٢- حدَّثنا محمَّدُ بنُ يوسفَ، حدَّثنا سفيانُ، عن عاصم، عن أبي عثمانَ، عن أبي موسى الأشعَرِيِّ ﴾ قال: كنّا معَ رسولِ اللهِ وَّهِ، فكنَّا إذا أشَرَفْنا على وادٍ هَلَّلْنا وكَبَّرْنا ارتَفَعَت أصواتُنا، فقال النبيُّ وَلِ: ((يا أيُّها الناسُ، اربَعُوا على أنفُسِكم، فإِنَّكم لا تَدْعونَ أَصَمَّ ولا غائباً، إنَّه معكم، إنَّ سميعٌ قريبٌ، تباركَ اسمُه وتعالى جَدُّه)). [أطرافه في: ٤٢٠٥، ٦٣٨٤، ٦٤٠٩، ٦٦١٠، ٧٣٨٦] قوله: ((باب ما يُكرَه من رَفْع الصوت في التكبير)) أورَدَ فيه حديث أبي موسى: «كنَّا إذا أشرَفْنا على وادٍ هَلَّلنا وكَبَّرنا ارتَفَعَت أصواتنا)) الحديث، وسيأتي شرحُه في كتاب الدَّعَوات (٦٣٨٤) إن شاء الله تعالى. قوله: ((اربَعُوا)) بفتح الموخَّدة، أي: ارفُقُوا، قال الطَّبَري: فيه كراهيةُ رفع الصَّوت بالدُّعاءِ والذِّكر، وبه قال عامَّة السَّلَف من الصحابة والتابعين. انتهى، وتصرُّف البخاري يقتضي أنَّ ذلك خاصّ بالتَّكبير عند القتال، وأمَّا رفعُ الصَّوت في غيره فقد تقدَّم في كتاب الصلاة (٨٤١) حديثُ ابن عبّاس: أنَّ رفع الصَّوت بالذِّكرِ كان على العَهْد النَّبوي إذا انصَرَفوا من المكتوبة. وتقدَّم البحث فيه هناك. ١٣٢ - باب التسبيح إذا هبط وادياً ٢٩٩٣ - حدَّثْنا محمَّدُ بنُ يوسفَ، حدَّثنا سفيانُ، عن حُصَين بنِ عبدِ الرَّحمن، عن سالمٍ بنِ أبي الجَعْدِ، عن جابرِ بنِ عبدِ الله رضي الله عنهما قال: كَّا إذا صَعِدْنا كَبَّرْنا، وإذا نزلْنَا سَبَّحْنا. [طرفه في: ٢٩٩٤] ٢٤٨ باب ١٣٣ / ح ٢٩٩٤ -٢٩٩٥ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((باب التَّسْبيح إذا هَبَطَ وادياً) أَورَدَ فيه حديث جابر: ((كنَّا إذا صَعِدْنا كَبَّرنا، وإذا نزلنا سَبحنا)). ١٣٣ - باب التكبير إذا علا شَرَفاً ٢٩٩٤- حدَّثنا محمَّدُ بنُ بشَّارِ، حدَّثنا ابنُ أبي عَدِيٍّ، عن شُعْبةَ، عن حُصَين، عن سالم، عن جابرٍ ﴾ قال: كنَّا إذا صَعِدْنا كَبَّرْنا، وإذا تَصَوَّبنا سَبَّحْنا. ٢٩٩٥- حدَّثنا عبدُ الله، قال: حدَّثني عبدُ العزيزِ بنُ أبي سَلَمَةَ، عن صالحِ بنِ كَيْسانَ، عن سالم بنِ عبدِ الله، عن عبدِ الله بنِ عمرَ رضي الله عنهما قال: كان النبيُّ ◌َّهِ إِذا قَفَلَ مِن الحجِّ أو العُمْرةِ - ولا أعلمُه إلا قال: الغَزْوِ - يقول كُلَّا أَوَى على ثَنِيَّةٍ أو فَدْفَدٍ كَبَّ ثلاثاً ثمّ قال: ((لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شَرِيكَ له، له الملك وله الحمدُ، وهو على كلِّ شيءٍ قديرٌ، آيِبونَ، تائبونَ، عابدونَ، ساجدونَ، لربِّنا حامدونَ، صَدَقَ الله وَعْدَه، ونَصَرَ عَبْدَه، وهَزَمَ الأحزابَ وحده)). قال صالحٌ: فقلتُ له: ألم يقل عبدُ الله: إن شاء الله؟ قال: لا. ١٣٦/٦ ثمَّ قال: ((باب التكبير إذا عَلَاشَرَفاً) وأورَدَ فيه حديث جابر المذكور وفيه: ((وإذا تَصَوَّبنا سَبَّحنا)) أي: انحَدَرْنا، والتَّصويب: النُّزول والفَدْفَد - بِفاءَين مفتوحتين بينهما مُهمَلة -: هي الأرض الغَلِيظة ذات الحصى، وقيل: المستوية، وقيل: المكان المرتَفِع الصُّلْب. وقوله: ((حدَّثنا عبد الله، حدَّثني عبد العزيز بن أبي سَلَمَةَ)) زَعَمَ أبو مسعود أنَّ عبد الله هو ابنُ صالح، وتَعقَّبَه الجيّاني بأنَّه وقع في رواية ابن السَّكَن: عبد الله بن يوسف، وهو المعتمَد، وسالم المذكور في إسناده: هو ابن أبي الجَعْد، وأمَّا سالم المذكور في الذي بعده، فهو ابنُ عبد الله بن عمر، وقد تقدَّم الحديث من طريق أُخرى عن ابن عمر في أواخر الحجّ (١٧٩٧)، والغَرَضُ من حديث ابن عمر قوله فيه: ((كلَّما أولَى على ثَنَّةٍ أو فَدَفَد كَبَّر ثلاثاً». قال المهلَّب: تكبيره وَِّ عند الارتفاع استشعارٌ لكبرياء الله عزَّ وجلَّ عند ما تقعُ عليه العين من عظيم خلقه، أنَّه أكبر من كلّ شيء، وتسبيحه في بطون الأودية مُستَنبَط من قصّة يونس، فإنَّ بتسبيحِه في بطن الحوت نَجّاه الله من الظُّلُمات، فسَبَّحَ النبيُّ وَله في بطون الأودية ٢٤٩ باب ١٣٤ / ح ٢٩٩٦ كتاب الجهاد لينجَِّه الله منها، وقيل: مُناسَبة التَّسبيح في الأماكن المنخَفِضة من جِهَة أنَّ الَّسبيح هو التَّنزيه، فناسَبَ تنزيه الله عن صِفات الانخفاض كما ناسَبَ تكبيره عند الأماكن المرتَفِعة. ولا يَلْزَم من كَوْن جِهَتَي العُلوّ والسُّفْلِ مُحال على الله أن لا يُوصَف بالعُلوِّ؛ لأنَّ وصفه بالعُلوِّ من جِهَة المعنى، والمستَحيل كَونُ ذلك من جِهَة الحِسّ(١)، ولذلك وَرَدَ في صِفَته: العالي والعليّ والمتعالي، ولم يَرِدْ ضِدُّ ذلك وإن كان قد أحاطَ بكلِّ شيء علماً جلَّ وعزَّ. ١٣٤ - باب يُكتَب للمسافر مثلُ ما كان يعمل في الإقامة ٢٩٩٦- حدَّثْنا مَطَرُ بنُ الفَضْلِ، حَدَّثنا يزيدُ بنُ هارونَ، حدَّنا العَوّامُ، حدَّثنا إبراهيمُ أبو إسماعيلَ السَّكْسَكيُّ، قال: سمعتُ أبا بُرْدَةَ، واصطَحَبَ هو ويزيدُ بنُ أبي كَبْشةَ في سفرٍ، فكان يزيدُ يصومُ في السَّفَرِ، فقال له أبو بُرْدَةَ: سمعتُ أبا موسى مِراراً يقول: قال رسولُ الله ◌ََّ: ((إذا مَرِضَ العبدُ أو سافرَ، كُتِبَ له مِثلُ ما كان يعملُ مُقِيماً صحيحاً). قوله: ((باب يُكتَب للمسافرِ ما كان يعمل في الإقامة)) أي: إذا كان سفرُه في غير معصية. قوله: ((حدَّثْنَا العَوّام)) هو ابن حَوشَبٍ، بمُهمَلہ ثمَّ مُعجَمة، وزن جعفر. قوله: («سمعت أبا بُرْدة)» هو ابن أبي موسى الأشعري. قوله: ((واصطَحَبَ هو ویزید بن أبي كبشة في سفر)) أي: مع يزيد، ويزيد بن أبي كَبْشة هذا شاميّ، واسم أبيه حَيوِيلٌ، بفتح المهمَلة وسكون التَّحتانية وكسر الواو بعدها تحتانية أُخرى ساكنة ثمَّ لام، وهو ثقة وَليَ خَراج السِّندِ لسليمان بن عبد الملك ومات في خلافته، وليس له في البخاري ذِكْر إلَّا في هذا الموضع. قوله: ((فكان يزيد يصوم في السَّفَر»، في رواية هُشَیم عن العَوّام بن حَوشَبٍ: و کان یزید ابن أبي كبشة يصوم الدَّهر، أخرجه الإسماعيلي. (١) مذهب السلف هو إثبات جهة العلوِّ لله تعالى على الحقيقة، وأنه تعالى فوق سماواته على عرشه بذاته من غير تمثيل ولا تكييف، وعلى ذلك تضافرت الأدلةُ من الكتاب والسنة، والله تعالى أعلم. انظر ((شرح العقيدة الطحاوية)) ٢/ ٣٧٥-٣٩١. ٢٥٠ باب ١٣٤ / ح ٢٩٩٦ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((قال رسول الله (وَ ل﴿)) في رواية هُشَيم عن العَوّام عند أبي داود (٣٠٩١): سمعت النبيَّ ◌َّ يقول غير مرَّة ولا مرَّتين. قوله: ((إذا مرض العبدُ أو سافرَ)) في رواية هُشَيم: ((إذا كان العبد يعمل عملاً صالحاً فَشَغَلَه عن ذلك مرضٌ أو غيره(١)). قوله: ((كُتِبَ له مِثلُ ما كان يعمل مقيماً صحيحاً) هو من اللَّفّ والنَّشر المقلوب، فالإقامة في مقابل السَّفَر، والصِّحَّة في مقابل المرض، وهو في حقِّ مَن كان يعمل طاعةً فُمُنعَ منها، وكانت نيَّتَه لولا المانعُ أن يَدُوم عليها، كما وَرَدَ ذلك صريحاً عند أبي داود ١٣٧/٦ (٣٠٩١) من طريق / العَوّام بن حَوشَبٍ بهذا الإسناد في رواية هُشَيم، وعنده في آخره: ((كأصلَح ما كان يعمل وهو صحيحٌ مقيم)). ووقع أيضاً في حديث عبد الله بن عَمْرو بن العاص مرفوعاً: ((إنَّ العبد إذا كان على طريقةٍ حسنة من العبادة ثمَّ مَرِض، قيل للمَلَكِ الموگَّل به: اکتُبْ له مِثلَ عمله إذا كان طَليقاً حتَّى أُطلِقه أو أكفِته إليَّ)) أخرجه عبد الرزَّاق (٢٠٣٠٨) وأحمد (٦٨٩٥) وصحَّحه الحاكم (٣٤٨/١)، ولأحمد (١٢٥٠٣) من حديث أنس رَفَعَه: ((إذا ابتَلَى اللهُ العبد المسلم بيَلاءٍ في جسده، قال الله: اكتُبْ له صالح عمله الذي كان يعمله، فإن شَفَاه غَسَّلَه وطَهَّرَه، وإِن قَبَضَه غَفرَ له ورَحِمِه)). ولرواية إبراهيم السَّكسَكي عن أبي بُرْدة مُتابع أخرجه الطبراني(٢) من طريق سعيد بن أبي بُرْدة، عن أبيه، عن جَدّه بلفظ: ((إنَّ الله يَكتُب للمريض أفضلَ ما كان يعمل في صِحَّته ما دامَ في وَثَاقه)) الحديث، وفي حديث عائشة عند النَّسائي (١٧٨٤)(٣): ((ما من امرئٍ تكون له صلاة من اللَّيل يَغْلِبه عليها نوم أو وَجَعٌ، إلَّا كُتِبَ له أجرُ صلاته وكان نومه عليه صَدَقً». (١) قوله: ((أو غيره)) سقط من (س)، وفي ((سنن أبي داود)) مكانه: ((أو سفر)). (٢) في ((المعجم الأوسط)) له برقم (٨٦٠٩). (٣) وأخرجه أيضاً أحمد (٢٥٤٦٤)، وأبو داود (١٣١٤). ٢٥١ باب ١٣٤ / ح ٢٩٩٦ كتاب الجهاد قال ابن بَطَّل: وهذا كلُّه في النَّوافل، وأمَّا صلاة الفرائض فلا تَسقُط بالسَّفَرِ والمرض، والله أعلم. وتَعقَّبَه ابن المنيِّر بأنَّه تَحجَّرَ واسعاً، ولا مانعَ من دخول الفرائض في ذلك، بمعنى أنَّه إذا عَجَزَ عن الإتيان بها على الهيئة الكاملة أن يَكتُب له أجرَ ما عَجَزَ عنه، كصلاة المريض جالساً يُكتَب له أجر القائم. انتهى، وليس اعتراضه بجيِّدٍ، لأنَّهما لم يَتَوارَدا على محَلِّ واحد. واستُدِلَّ به على أنَّ المريض والمسافر إذا تَكلَّفَ العملَ، كان أفضلَ من عمله وهو صحیح مُقِیم. وفي هذه الأحاديث تَعقّب على مَن زَعَمَ أنَّ الأعذار المرخّصة لترْك الجماعة تُسقِط الكراهة والإثم خاصَّةً من غير أن تكون مُحُصِّلةً للفضيلة، وبذلك جَزَمَ النَّوَوي في ((شرح المَهَذَّب))، وبالأوَّل جَزَمَ الرُّوياني في ((التَّلخيص))، ويَشْهَدُ لمَا قال حديثُ أبي هريرة رَفَعَه: ((مَن تَوضَّأ فأحسنَ وضوءَه ثمَّ خرج إلى المسجد فوَجَدَ الناس قد صَلَّوا، أعطاه الله مِثْلَ أجر مَن صَلّى وحَضَرَ، لا يَنقُص ذلك من أجره شيئاً» أخرجه أبو داود (٥٦٤) والنَّسائي (٨٥٥) والحاكم (٢٠٨/١-٢٠٩)، وإسناده قوي(١). وقال السُّبكي الكبير في ((الحلبيَّات)): مَن كانت عادتُه أن يُصلِّيَّ جماعة فتعذَّرَ فانفرَدَ، كُتِبَ له ثواب الجماعة، ومَن لم تكن له عادةً لكن أراد الجماعةَ فتعذَّرَ فانفرَدَ، يُكتَب له ثواب قَصْدِه لا ثوابُ الجماعة، لأنَّه وإن كان قصدُه الجماعة لكنَّه قصدٌ مُجرَّد، ولو كان يُنْزَّل منزلةَ مَن صَلّى جماعة كان دون مَن جَمَّعَ، والأُولى سبقها فعلٌ، ويدلّ للأوَّل حديث الباب، والثَّاني أنَّ أجر الفعل يُضاعَف وأجر القَصْد لا يُضاعَف، بدليلِ: ((مَن هَمَّ بحسنة كُتِبَت له حسنةً واحدة)) كما سيأتي في كتاب الرِّقاق (٦٤٩١)، قال: ويُمكِن أن يقال: إنَّ الذي صَلّى مُنْفَرِداً، ولو كُتِبَ له أجرُ صلاة الجماعة لكَونِه اعتادَها، فيُكتَب له ثوابُ صلاة مُنفَرِد بالأصالة، وثوابُ مُجُمِّع بالفضل. انتهى مُلخَّصاً. (١) وانظر تمام تخريجه والكلام عليه في ((المسند)) (٨٩٤٧). ٢٥٢ باب ١٣٥ / ح ٢٩٩٧ -٢٩٩٨ فتح الباري بشرح البخاري ١٣٥ - باب السّیر وحده ٢٩٩٧ - حدَّثنا الحُمَيديُّ، حدَّثنا سفيانُ، حدَّثنا محمَّدُ بنُ المُنكَدِر، قال: سمعتُ جابرَ ابنَ عبدِ الله رضي الله عنهما يقول: نَدَبَ النبيُّ وَ لَهَ الناسَ يومَ الختدَقِ، فانتَدَبَ الزُّبَيُ، ثمَّ نَدَبَهم فانتَدَبَ الزُّبَيرُ، ثمَّ نَدَبَهم فانتَدَبَ الزُّبَيرُ، قال النبيُّ وَّةِ: ((إنَّ لكلِّ نبِيٍّ حَوَارِيّاً، وحَوَارِيَّ الزُّبَيرِ)). قال سفيانُ: الحَوَاريُّ: الناصر. ٢٩٩٨ - حدَّثنا أبو الوليدِ، حدَّثنا عاصمُ بنُ محمَّدٍ، قال: حدَّثني أبي، عن ابنِ عمرَ رضي الله عنهما، عن النبيِّ ◌َّ. حدّثنا أبو نُعيم، حدَّثنا عاصمُ بنُ محمَّدِ بنِ زيد بنِ عبدِ الله بنِ عمرَ، عن أبيه، عن ابنِ عمرَ، عن النبيِّ وَِّ قال: ((لو يعلمُ الناسُ ما في الوَحْدةِ ما أعلمُ، ما سارَ راكبٌ بليلٍ وحدَه)). قوله: «باب السّیر وحده» ذکر فیه حدیثین: ١٣٨/٦ أحدهما: عن جابر في انتداب الزُّبير وحده، وقد تقدَّم في ((باب هل يُبعَث الطَّليعة وحده)» (٢٨٤٧)، وتَعقَّبَه الإسماعيلي فقال: لا أعلمُ هذا الحديث كيف يَدخُل في هذا الباب! وقَّرَه ابن المنيِّر بأنَّه لا يَلزَمُ من كون الزُّبير انتَدَبَ أن لا يكون سارَ معه غيره مُتابعاً له. قلت: لكن قد وَرَدَ من وجه آخرَ ما يدلُّ على أنَّ الزُّبير تَوَجَّهَ وحده، وسيأتي في مناقب الزُّبير (٣٧٢٠) من طريق عبد الله بن الزّبير ما يدلّ على ذلك، وفيه: قلت: يا أبتِ، رأيتُك تَخْتَلِفِ، فقال: قال رسول الله وَّهِ: ((مَن يأتيني بخيرِ بني قُرَيظة؟)) فانطَلَقتُ ... الحديث. قوله: «قال سفيان(١): الحواريّ: الناصر» هو موصول عن الحميدي عنه. ثانيهما: حديث ابن عمر. قوله: ((لو يعلمُ الناس ما في الوَحْدة ما أعلمُ، ما سارَ راكب بليلٍ وحده)) ساقه على لفظ (١) هو ابن عُيَينة، فإن الحميدي - وهو عبد الله بن الزبير بن عيسى القرشي المكي - لا يروي إلا عن سفيان ابن عيينة، وهو أثبت أصحابه فيه، وليست له رواية عن سفيان الثوري. ٢٥٣ باب ١٣٥ / ح ٢٩٩٧ -٢٩٩٨ كتاب الجهاد أبي نُعيم، وقوله: ((ما أعلم)) أي: الذي أعلمه من الآفات التي تَحصُل من ذلك. والوَحْدة: بفتح الواو ويجوز کسرها، ومَنَعَه بعضهم. تنبيهان: أحدهما: قال المِزِّي في ((الأطراف)): قال البخاري: حدَّثنا أبو الوليد عن عاصم بن محمَّد به، وقال بعده: وأبو نُعيم عن عاصم، ولم يقل: حدَّثنا أبو نعيم، ولا في كتاب حمّاد ابن شاكر: حدَّثنا أبو نُعيم. انتهى، والذي وقع لنا في جميع الرِّوايات عن الفِرَبْري عن البخاري: ((حدَّثنا أبو نُعيم)) وكذلك وقع في رواية النَّسَفي عن البخاري فقال: ((حدَّثنا أبو الوليد)) فساقَ الإسناد ثمَّ قال: ((وحدَّثنا أبو الوليد وأبو نُعيم قالا: حدَّثنا عاصم)) فذكره، وبذلك جَزَمَ أبو نعيم الأصبهاني في ((المستَخرَج))، فقال بعد أن أخرجه من طريق عَمْرو بن مرزوق عن عاصم بن محمَّد: ((أخرجه البخاري عن أبي نُعيم وأبي الوليد))، فلعلَّ لفظ ((حدَّثنا)) في رواية أبي نُعيم سقط من رواية حَمَّاد بن شاكر وحده. ثانيهما: ذكر التِّرمِذي (١٦٧٣) أنَّ عاصم بن محمَّد تَفرَّدَ برواية هذا الحديث، وفيه نظرٌ، لأَنَّ عمر بن محمَّد أخاه قد رواه معه عن أبيه، أخرجه النَّسائي (ك٨٧٩٩). قال ابن المنيِر: السَّير لمصلحة الحرب أخصُّ من السَّفَر، والخبر وَرَدَ في السَّفَر، فيُؤخَذ من حديث جابر جواز السَّفَر مُنفَرِداً للضَّرُورة والمصلحة التي لا تَنْتَظِمُ إلَّا بالانفراد، كإرسال الجاسوس والطَّليعة، والكراهة لمَا عَدَا ذلك. ويحتمل أن تكون حالة الجواز مُقِيَّدةً بالحاجة عند الأمْن، وحالة المنع مُقيَّدة بالخوفِ حيثُ لا ضَرُورةً، وقد وقع في كتب المغازي بَعثُ كلٍّ من حُذَيفة ونُعيم بن مسعود وعبد الله بن أُنَيسٍ وخَوّات بن جُبَيْر وعمرو بن أُمَيَّة وسالم بن عُمَير وبُسَيْسة في عدَّة مواطنَ، وبعضها في الصحيح(١)، وتقدَّم في الشُّروط شيء من ذلك(٢)، ويأتي في باب الجاسوس بعد قليل (٣٠٠٧). (١) حديث حذيفة عند مسلم برقم (١٧٨٨)، وعنده أيضاً من حديث أنس (١٩٠١) قال: بعث رسول الله ◌َله بسيسة عيناً ... (٢) تحت شرح حديث رقم (٢٧٣١) و(٢٧٣٢). ٢٥٤ باب ١٣٦ / ح ٢٩٩٩ -٣٠٠١ فتح الباري بشرح البخاري ١٣٦ - باب السرعة في السّير وقال أبو مُميدٍ: قال النبيُّ وََّ: ((إنّ مُتَعجّلٌ إلى المدينةِ، فمَن أرادَ أن يَتَعجَّلَ معي فَلْيتَعجَّل)). ٢٩٩٩- حدَّثنا محمَّدُ بنُ المثنَّى، حدَّثنا يحيى، عن هشام، قال: أخبرني أَبي، قال: سُئِلَ أسامةُ بنُ زيدٍ رضي الله عنهما - كان يحيى يقول: وأنا أسمَعُ، فسقط عنِّي - عن مَسِيرِ النبيِّ ◌َِله فِي حَجّةِ الوَدَاع فقال: فكان يَسِيرُ العَنَّقَ، فإذا وَجَدَ فَجْوةً نصَّ. والنصُ فوقَ العَنَق. ١٣٩/٦ ٣٠٠٠ - حدَّثنا سعيدُ بنُ أبي مريمَ، أخبرنا محمَّدُ بنُ جعفرٍ، قال: أخبرني زيدٌ - هو ابنُ أسلَمَ - عن أبيه قال: كنتُ مع عبدِ الله بنِ عمرَ رضي الله عنهما بطَرِيقٍ مكَّةَ، فَبَلَغَه عن صَفِيَّةً بنت أبي عُبيدٍ شِدّةُ وَجَعٍ، فأسرَعَ السَّيرَ، حتَّى إذا كان بعدَ غُرُوبِ الشَّفَقِ ثمَّ نزلَ فصَلَّى المغربَ والعَتَمَةَ جَمَعَ بينَهما، وقال: إنّ رأيتُ النبيَّ ◌َ﴿ إِذا جَدَّ به السَّيرُ أَخّرَ المغربَ وجَمَعَ بينَهما. ٣٠٠١ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، أخبرنا مالكٌ، عن سُمَيِّ مولى أبي بكرٍ، عن أبي صالحٍ، عن أبي هريرةَ عُه، أنَّ رسولَ الله ◌َّهِ قال: ((السَّفَرُ قِطْعٌ مِن العذابِ، يَمْنَعُ أحدَكم نومَه وطعامَه وشرابَه، فإذا قَضَى أحدُكم نَهْمَتَه فلْيُعَجِّلْ إلى أهلِه)). قوله: ((باب السُّرْعة في السّير)) أي: في الرُّجُوع إلى الوطن. قوله: ((وقال أبو مُميدٍ: قال النبي ◌َّهُ: إنّي مُتَعجّل ... )) إلى آخره، هو طرف من حديثٍ سبق في الزكاة بطوله (١٤٨١)، وتقدَّم الكلام عليه هناك. ثمَّ ذکر فیه ثلاثة أحادیث: أحدها: حديث أُسامة بن زيد في سَيْرِ العَنَق، وقد تقدَّم شرحه مُستَوقّى في الحجّ (١٦٦٦). وقوله: ((قال: سُئِلَ أسامة بن زيد - كان يحيى يقول: وأنا أسمَع، فسقط عنِّي)) القائل ذلك هو محمَّد بن المثنَّى شيخ البخاري، وقد أخرجه الإسماعيلي من طريق بُندار والدَّورَقي وغيرهما عن يحيى بن سعيد، وقال فيه: سُئِلَ أُسامة وأنا شاهدُه. ٢٥٥ باب ١٣٧ / ح ٣٠٠٢ - ٣٠٠٣ كتاب الجهاد ثانيها: حديث ابن عمر في جمعه بين الصلاتين لمَّا بَلَغَه وَجَعُ صَفيّة بنت أبي عُبيد، وهي زوجته، وقد تقدَّم في أواخر أبواب العمرة (١٨٠٥) بهذا الإسناد مع الكلام عليه. ثالثها: حديث أبي هريرة: ((السَّفَرِ قِطعةٌ من العذاب))، وقد تقدَّم شرحه في أواخر أبواب العمرة (١٨٠٤). وقوله: (نَهْمته)) بفتح النّون على المشهور، أي: رَغْبته. قال المهلَّب: تَعجُّله وَلَهَ إلى المدينة ليريحَ نفسه ويُفرِح أهله، وتَعجُّله إلى المزدَلِفة ليَتعجَّلَ الوقوف بالمَشعَرِ الحرام، وتعجُّل ابن عمر إلى زوجته ليُدرِكَ من حياتها ما يُمكِنِه أن تَعهَدَ إلیه بما لا تَعهَدُ إلی غیره. ١٣٧ - باب إذا حمل على فرسٍ فرآها تباع ٣٠٠٢- حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، أخبرنا مالكٌ، عن نافعٍ، عن عبدِ الله بنِ عمرَ رضي الله عنهما: أنَّ عمرَ بنَ الخطَّاب حَمَلَ على فرسٍ في سبيلِ اللهِ، فَوَجَدَه يُباعُ فأرادَ أن يَبْتَاعَه، فسألَ رسولَ اللهِ وَِّ، قال: ((لا تَبْتَعْه، ولا تَعُدْ في صَدَقَتِكَ)). ٣٠٠٣- حدّثنا إسماعيلُ، حدَّثني مالكٌ، عن زيدِ بنِ أسلَمَ، عن أبيه، قال: سمعتُ عمر ابنَ الخطَّبِ ﴾ يقول: كَمَلتُ على فرسٍ في سبيلِ الله، فابتاعَه - أو فأضاعَه - الذي كان عندَه، فأرَدْتُ أن أشتَرِيَه وظَنتُ أنَّه بائعُهُ بُرُخْصٍ، فسألتُ النبيَّ ◌َّهِفقال: ((لا تَشْتَرِهِ وإنْ بِدِرْهمِ، فإنَّ العائدَ فِي هِيَتِهِ كالكَلْبِ يعودُ في قَنْتِه)». قوله: «باب إذا حملَ علی فرس فرآها تُباع)» ذکر فیه حديث ابن عمر في ذلك، وحديث ١٤٠/٦ عمر نفسه، وقد تقدَّما قريباً (٢٩٧٠ و٢٩٧١) وبيان مكان شرحِهما (٢٦٢٣ و٢٧٩٧). وقوله: ((ابتاعَه أو أضاعَه)) شكٍّ من الراوي، ولا معنى لقوله: ((ابتاعَه)) لأنَّه لم يَشتَره، وإنَّما عَرَضَه للبيع، فيحتمل أن يكون في الأصل: أباعَه(١)، فهو بمعنى. عَرَضَه للبيع، والله أعلم. (١) تحرفت في (س) إلى: باعه، وما أثبتناه من الأصلين، وهو الصواب، وفي ((مختار الصحاح)) وغيره: أباعَ الشيءَ: عرضه للبيع. ٢٥٦ باب ١٣٨ / ح ٣٠٠٤ فتح الباري بشرح البخاري ١٣٨ - باب الجهاد بإذْنِ الأبوين ٣٠٠٤- حدَّثْنا آدمُ، حدَّثْنَا شُعْبَةُ، حدَّثنا حبيبُ بنُ أبي ثابتٍ، قال: سمعتُ أبا العَبَّاسِ الشّاعرَ - وكان لا يُتَّهَمُ في حديثِه - قال: سمعتُ عبدَ الله بنَ عَمٍو رضي الله عنهما يقول: جاء رجلٌ إلى النبيِّ وَ﴿ فاستأذنَه في الجهاد، فقال: ((أحَيٍّ والداكَ؟)) قال: نعم، قال: ((ففيهما فجاهِدْ)). [طرفه في: ٥٩٧٢] قوله: ((باب الجهاد بإذْنِ الأبوين)) كذا أطلقَ، وهو قول الثَّوْري، وقَّده بالإسلام الجمهورُ، ولم يقع في حديث الباب أنَّهما مَنَعاه، لكن لعلَّه أشارَ إلى حديث أبي سعيد الآتي. قوله: ((سمعت أبا العبّاس الشّاعر، و کان لا يُتَّهم في حديثه)» تقدّم القول في ذلك في ((باب صوم داود)) من كتاب الصيام (١٩٧٩)، وقد خالَفَ الأعمَشُ شُعْبةَ، فرواه ابن ماجَهْ من طريق أبي معاوية، عن الأعمَش، عن حَبِيب بن أبي ثابت، عن عبد الله بن باباه، عن عبد الله ابن عَمْرو(١)، فلعلَّ لحبيبٍ فيه إسنادين، ويُؤيِّده أنَّ بكر بن بَكّارٍ رواه عن شُعْبة عن حَبيب عن عبد الله بن باباه كذلك(٢). قوله: «جاء رجل)) يحتمل أن یکون هو جاهِمةً بن العباس بن مِرْداس، فقد روی النَّسائي (٣١٠٤) وأحمد (١٥٥٣٨) من طريق معاوية بن جاهمة: أنَّ جاهِمةَ جاء إلى النبي وَّه فقال: يا رسول الله، أرَدتُ الغَزْو وجئتُ لأستَشيرَك، فقال: «هل لك من أمّ؟)) قال: نعم، قال: ((الزَمْها)) الحديث، ورواه البيهقي (٢٦/٩) من طريق ابن جُرَيج، عن محمَّد بن طلحة بن رُكَانة، عن معاوية بن جاهِمةَ السُّلَمي، عن أبيه قال: «أتيتُ النبي ◌َّ أستأذِنُه في (١) هذا ذهول من الحافظ رحمه الله، فإن هذا الإسناد لحديث آخر عند ابن ماجه (١٢٢٩) ولفظه: ((صلاة الجالس على النصف من صلاة القائم))، وهو من رواية قُطبة عن الأعمش، وحديث الباب لم يخرِّجه ابن ماجه أصلاً، وقد أخرجه الطحاوي في ((شرح المشكل)) (٢١١٨)، وأبو نعيم في ((الحلية)) ٦٨/٥، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (٧٨٢٦) من طريق محمد بن كناسة، عن الأعمش، بهذا الإسناد. (٢) أخرجه من هذا الطريق أبو نعيم في ((الحلية)) ٦٨/٥. ٢٥٧ باب ١٣٨ / ح ٣٠٠٤ كتاب الجهاد الجهاد ... فذكره. وقد اختُلِفَ في إسناده على محمَّد بن طلحة اختلافاً كثيراً بيَّنْتُه في ترجمة جاهمة من كتابي في الصحابة(١). قوله: «فیھما فجاهِد» أي: خصِّصهما بجهاد النَّفْس في رِضاهما. ويُستَفاد منه جواز التَّعبير عن الشيء بضِدِّه إذا فُهِمَ المعنى، لأنَّ صيغة الأمر في قوله: ((فجاهِدْ)) ظاهرها إيصال الضَّرَر الذي كان يَحِصُل لغيرهما لهما، وليس ذلك مُراداً قَطعاً، وإنَّما المراد إيصال القَدر المشتَرَك من كُلْفة الجهاد، وهو تعبُ البَدَن والمال، ويُؤْخَذ منه أنَّ كلّ شيء يُتَعِب النَّفْس يُسمَّى جهاداً. وفيه أنَّ برَّ الوالد قد يكون أفضل من الجهاد، وأنَّ المستشار يشير بالنَّصيحة المحضة، وأنَّ المكلَّف يَستَفصِل عن الأفضل في أعمال الطاعة ليعملَ به، لأنَّه سمعَ فضل الجهاد فبادَرَ إليه، ثمَّ لم يَقنَعَ حتَّى استأذَنَ فيه، فدُلَّ على ما هو أفضلُ منه في حقّه، ولولا السُّؤال ما حَصَلَ له العلم بذلك. ولمسلم (٦/٢٥٤٩) وسعيد بن منصور (٢٣٣٥) من طريق ناعم مولى أمّ سَلَمة عن عبد الله بن عمرو في نحو هذه القصّة قال: ((ارجع إلى والدیك فأحسِنْ صُحبتَهما))، ولأبي داود (٢٥٢٨) وابن حِبّان (٤١٩ و٤٢٣) من وجه آخر عن عبد الله بن عَمْرو: ((ارجع فاضحِکْھما کما أبگیتَهما)»، وأصرح من ذلك حديث أبي سعيد عند أبي داود (٢٥٣٠) بلفظ: ((ارجع فاستأذِنهما، فإنْ أذِنا لك فجاهِدْ، وإلَّا فِبِرَّهما))، وصحَّحه ابن حِبّان (٤٢٢). قال مُهُور العلماء: يَحَرُم الجهاد إذا مَنَعَ الأبوانِ أو أحدُهما بشرطِ أن يكونا مسلمين،/ ١٤١/٦ لأَنَّ بَّهما فرضُ عينٍ عليه، والجهاد فرضُ كفاية، فإذا تَعيَّنَ الجهاد فلا إذنْ، ويَشهَد له ما أخرجه ابن حِبّان (١٧٢٢) من طريق أُخرى عن عبد الله بن عَمْرو: جاء رجل إلى رسول الله وَ﴿ فسأله عن أفضل الأعمال، قال: ((الصلاة.)) قال: ثمَّ مَوْ؟ قال: ((الجهاد)» قال: فإنَّ لي والدَين، فقال: ((آمُرُك بوالدَيك خيراً) فقال: والذي بَعَثَك بالحقِّ نبياً (١) ((الإصابة في تمييز الإصابة)) (١٠٥٣). ٢٥٨ باب ١٣٩ / ح ٣٠٠٥ فتح الباري بشرح البخاري لَأُجاهدَنَّ ولأترُكَنَّهما، قال: «فأنتَ أعلمُ(١)»، وهو محمول على جهاد فرض العين تَوفيقاً بين الحدیثین. وهل يُلحَقُ الجَدُّ والجدَّة بالأبوَين في ذلك؟ الأصحُّ عند الشّافعية: نعم، والأصحّ أيضاً: أن لا يُفرَّق بين الحُرّ والرَّقيق في ذلك لشُمُول طلب البِرّ، فلو كان الولد رقيقاً فأذِنَ له سيِّده لم يُعتبَرَ إذنُ أبَوَيه، ولهما الرُّجُوع في الإذن إلَّا إن حَضَرَ الصَّفَّ، وكذا لو شَرَطا أن لا يقاتل فحَضَرَ الصَّفّ فلا أثرَ للشَّرط. واستُدِلَّ به على تحريم السَّفَر بغير إذن، لأنَّ الجهاد إذا مُنِعَ مع فضيلته فالسَّفَر المباح أَولى، نعم إن كان سفرُه لتعلُّم فرضٍ عين حيثُ يَتَعَيَّنِ السَّفَر طريقاً إليه، فلا منعَ، وإن كان فرضَ کفایة ففيه خلاف. وفي الحديث فضل برّ الوالدين وتعظيم حقّهما وكَثْرة الثَّواب على بِرّهما، وسيأتي بسط ذلك في كتاب الأدب (٥٩٧٢) إن شاء الله تعالى. ١٣٩ - باب ما قيل في الجرس ونحوه في أعناق الإبل ٣٠٠٥- حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، أخبرنا مالكٌ، عن عبدِ الله بنِ أبي بكرٍ، عن عبَّاد بنِ تميم، أنَّ أبا بَشِيرٍ الأنصاريَّ ﴾ أخبَرَهُ: أنَّه كان مع رسولِ الله وَّه في بعضِ أسفارِه - قال عبدُ الله: حَسِبتُ أنَّه قال: والناسُ في مَبِيِّتِهِم - فأرسَلَ رسولُ اللهِ وَ﴿ رسولاً: ((أن لا تَبقَنَّ في رقبةٍ بعيرٍ قِلادةٌ من وَتَرِ أو قِلادةٌ إلا قُطِعَتْ)). قوله: ((باب ما قيل في الجَرَس ونحوه في أعناق الإبل)» أي: من الكراهة، وقَيَّدَه بالإبل لُرُودِ الخبر فيها بخُصوصِها. قوله: ((عن عبد الله بن أبي بَكْر)) أي: ابن محمَّد بن عَمْرو بن حَزْم، وعبَّاد بن تميم: هو المازني، وهو وشيخه والراوي عنه أنصاريُّونَ مدنيُّون، وعبد الله وعبَّاد تابعيّان. (١) في سنده حُيي بن عبد الله المعافري، وفيه مقالٌّ، لا سيما فيما يتفرد به، وهذا منه، وأخرجه أيضاً من طريقه أحمد في ((المسند)) (٦٦٠٢). ٢٥٩ باب ١٣٩ / ح ٣٠٠٥ كتاب الجهاد قوله: ((أنَّ أبا بشير الأنصاري أخبَرَه)) ليس لأبي بَشير - وهو بفتح الموحّدة ثمَّ مُعجَمة - في البخاري غير هذا الحديث الواحد، وقد ذَكَره الحاكم أبو أحمد فیمَن لا يُعرَف اسمه، وقيل: اسمه قيس بن عبد الحُرَير - بمُهمَلات مُصغَّر - بن عَمْرو، ذكر ذلك ابن سعد وساقَ نَسَبَه إلى مازن الأنصاري، وفيه نظرٌ؛ لأنَّه وقع في رواية عثمان بن عمر عن مالك عند الدَّارَقُطْنِي نِسبةُ أبي بَشِير ساعديّاً، فإن كان قيس يُكنى أبا بشير أيضاً، فهو غير صاحب هذا الحديث، وأبو بَشِير المازني هذا عاشَ إلى بعد السِّتّينَ، وشَهِدَ الحرّة وُرِحَ بها ومات من ذلك. قوله: ((في بعض أسفاره)) لم أقِفْ على تعيينها. قوله: ((قال عبد الله: حَسِبْت أنَّه قال)) عبد الله: هو ابن أبي بكرِ الراوي، وكأنَّه شكَّ في هذه الجملة، ولم أرَها من طريقه إلَّا هكذا .. قوله: ((فأرسَلَ)) قال ابن عبد البَرِّ: في رواية رَوْح بن عُبادةَ عن مالك: ((أرسَلَ مولاه زيداً)، قال ابن عبد البَرِّ: وهو زيد بن حارثة فيما يَظهَرُ لي. قوله: ((في رقبة بعيرٍ قِلادةٌ من وَتَر أو قِلادة)) كذا هنا بلفظ ((أو))، وهي للشَّكِّ أو للتَّنويع، ووقع في رواية أبي داود (٢٥٥٢) عن القَعنَبي بلفظ: ((ولا قِلادة)) وهو من عَطْف العامِّ على الخاصّ، وبهذا جَزَمَ المهلَّب، ويُؤْيِّد الأوَّل ما رُوي عن مالك أنَّه سُئِلَ عن القِلادة فقال: ما سمعتُ بكَراهَتِها إلَّا في الوَتَر. وقوله: ((وَتَر)) بالمثنَّة في جميع الرِّوايات، قال ابن الجَوْزيّ: رُبَّما صَخَّفَ مَن لا علمَ له بالحديث فقال: وَبَر، بالموحّدة. قلت: حكى ابن التِّين أنَّ الدَّاوودي جَزَمَ بذلك،/ وقال: ١٤٢/٦ هو ما يُنزَع عن الجِمال يُشبِهِ الصُّوف، قال ابن التِّين: فصَحَّفَ. قال ابن الجوزيّ: وفي المراد بالأوتار ثلاثة أقوال: أحدها: أنَّهم كانوا يُقلِّدونَ الإبل أوتار القسِّ لئلا تُصيبَها العين بزَعمِهم، فأُمِروا بقطعِها إعلاماً بأنَّ الأوتار لا تَرُدّ من أمر الله شيئاً، وهذا قول مالك. قلت: وقع ذلك ٢٦٠ باب ١٣٩ / ح ٣٠٠٥ فتح الباري بشرح البخاري مُتَّصِلاً بالحديث من كلامه في ((الموطَّأ)) (٩٣٧/٢) وعند مسلم (٢١١٥) وأبي داود (٢٥٥٢) وغيرهما، قال مالك: أُرى أنَّ ذلك من أجل العين، ويُؤيِّده حديث عُقْبة بن عامر رَفَعَه: ((مَن عَلّقَ تميمةً فلا أتمَّ الله له)) أخرجه أبو داود أيضاً(١)، والتَّميمة: ما عُلِّقَ من القَلائد خَشْية العين ونحو ذلك، قال ابن عبد البَرِّ: إذا اعتَقَدَ الذي قَلَّدَها أنَّهَا تَرُدّ العين، فقد ظنَّ أنَّها تَرُدّ القَدَر، وذلك لا يجوز اعتقاده. ثانيها: النَّهي عن ذلك لئلّا تَخْتَِقِ الدَّابَّة بها عند شِدَّة الرَّكض، ويُحكى ذلك عن محمَّد ابن الحسن صاحب أبي حنيفة، وكلام أبي عُبيد يُرجِّحه، فإنَّه قال: نَهى عن ذلك؛ لأنَّ الدَّوابْ تَتَأذّى بذلك ويَضِيق عليها نَفَسها ورَعْيها، ورُبَّمَا تَعَلَّقَت بشجرةٍ فاختَنَقَت أو تَعَوَّقَت عن السّيرِ. ثالثها: أنَّهم كانوا يُعلِّقونَ فيها الأجراس، حكاه الخطَّابي وعليه يدلُّ تبويب البخاري، وقد روى أبو داود (٢٥٥٤) والنَّسائي (ك٨٧٦٠) من حديث أمّ حَبيبة أمّ المؤمنينَ مرفوعاً: ((لا تصحَبُ الملائكة رُفقةً فيها جَرَس))، وأخرجه النَّسائي (٥٢٢٢) من حديث أمّ سَلَمة أيضاً، والذي يَظهَر أنَّ البخاري أشارَ إلى ما وَرَدَ في بعض طرقه، فقد أخرجه الدَّارَ قُطني من طريق عثمان بن عمر المذكور بلفظ: ((لا تَبقينَّ قِلادة من وَتَر ولا جَرَس في عُنُق بعير إلَّا قُطِعَ)). قلت: ولا فرق بين الإبل وغيرها في ذلك، إلَّا على القول الثَّالث، فلم تَجِرِ العادة بتعليق الأجراس في رقاب الخيل، وقد روى أبو داود (٢٥٥٣) والنَّسائي (٣٥٦٥) من حديث أبي وَهبِ الْجُشَمي(٢) رَفَعَه: ((ارِبِطُوا الخيل وقَلِّدُوها، ولا تُقلِّدُوها الأوتار))، فدَلَّ على أن لا اختصاص للإبل، فلعلَّ التَّقييد بها في التَّرجمة للغالب. (١) وهم الحافظ في نسبته إلى أبي داود، فهو ليس عنده، وهو عند أحمد في ((مسنده)) برقم (١٧٤٠٤) و(١٧٤٢٢)، وانظر تمام تخريجه فيه، والحديث حسنٌ. (٢) تحرّف في (ع) و(س) إلى: الحساني، وفي (أ) إلى: الجيشاني. وأبو وهب الجيشاني تابعي لا صحبة له، أما الصحابي فهو جُشَمي.