Indexed OCR Text

Pages 201-220

٢٠١
باب ٩٩ / ح ٢٩٣٦
كتاب الجهاد
كان نسي السابعَ. وقولُ المصنّفِ: ((قال يوسفُ بنُ أبي إسحاقَ عن أبي إسحاقَ: أُميَّةُ بنُ
خَلَف، وقال شُعْبةُ: أُميَّةُ أو أُبِيٌّ، والصحيحُ أُمّيَّة) أراد بذلك أنَّ أبا إسحاق حدَّث به مرَّةً
فقال: أُبِيُّ بِنُ خَلَفٍ، وهذه روايةٌ سفيانَ - وهو الثَّوْرِي - هنا، وحدَّث به أُخرى فقال:
أُميَّةُ، وهي روايةُ شُعْبة، وحدَّث به أُخرى فشكّ فيه. ويوسفُ المذكور: هو ابن إسحاق
بن أبي إسحاق، نَسَبَه إلى جدِّه، وقد وَصَلَ المصنّف حديثه بطوله في الطَّهارة (٢٤٠)،
وطريق شُعْبةٍ وَصَلَها المؤلِّف أيضاً في كتاب المَبعَث (٣٨٥٤)، وقد بيَّنْتُ في الطَّهارة أنَّ
إسرائيلَ روى عن أبي إسحاقَ هذا الحديثَ، فسَمّى السابعَ، وذکرتُ ما فيه من البحث.
خامسها: حديث عائشة في قصَّة اليهود، وفيه: ((فلم تَسمعي ما قلتُ: وعليكم؟))
وكأنَّه أشارَ إلى ما وَرَدَ في بعض طرقِه في آخره: ((يُستَجابُ لنا فيهم، ولا يُستَجابُ لهم
فينا))، وقد ذكرها الإسماعيلي هنا من الوجه الذي أخرجه البخاري(١)، ففيه مشروعيةٌ
الدُّعاءِ على المشركينَ ولو خشيَ الدَّاعي أنَّهم يدعون عليه، وسيأتي الكلامُ عليه مُستَوفَّى في
کتاب الاستئذان (٦٢٥٦) إن شاء الله تعالی.
٩٩ - باب هل يرشد المسلم أهل الكتاب أو يعلّمهم الكتاب؟
٢٩٣٦- حدَّثنا إسحاقُ، أخبرنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، حدَّثنا ابنُ أخي ابنِ شِهابٍ، عن
عمِّه، قال: أخبرني عُبيدُ الله بنُ عبدِ الله بنِ عُتْبَةَ بنِ مسعودٍ، أنَّ عبدَ الله بنَ عبَّاسٍ رضي الله
عنهما أخبَرَهُ: أنَّ رسولَ الله ◌ِّهَ كَتَبَ إلى قَصَرَ وقال: ((فإن تَوَلَّيْتَ فإنَّ عليكَ إِثْمَ الأرِيسِيِّينَ)).
[طرفه في: ٢٩٤٠]
قوله: ((باب هل يُرشِدُ المسلمُ أهلَ الكتاب أو يُعلِّمُهم الكتابَ؟» المرادُ بالكتاب الأوَّل
التَّوراةُ والإنجيلُ، وبالكتاب الثَّاني ما هو أعمُّ منهما ومِن القرآن وغير ذلك.
(١) وأخرجه أيضاً إسحاق بن راهويه في ((مسنده)) (١٦٨٥) عن سليمان بن حرب شيخ البخاري فيه
بإسناده. والعجب أن الحافظ هنا لم يُشِرْ إلى أنه سيأتي عند البخاري نفسه برقم (٦٠٣٠) و(٦٤٠١) لكن
من طريق عبد الوهاب الثقفي عن أيوب.

٢٠٢
باب ١٠٠ / ح ٢٩٣٧
فتح الباري بشرح البخاري
وأورد فيها طرفاً من حديث ابن عبّاسٍ في شَأْنِ هِرَقل، وقد ذكره بعدَ بابين من وجهٍ
آخرَ عن ابن شِهاب بطوله (٢٩٤٠ و٢٩٤١)، وإسحاق شيخُه فیه: هو ابن منصور، وهذه
الطَّريق أهمَلَها المِزِّي في «الأطراف))، وإرشادُهم منه ظاهرٌ، وأمَّا تعليمُهم الكتابَ فكأنَّه
اسْتَنْبَطَه مَن كَونِهِ كَتَبَ إليهم بعضَ القرآن بالعربية، وكأنَّه سَلَّطَهم على تعليمِه إذ لا
يقرؤونَه حتَّى يُترجَم لهم، ولا يُترجَم لهم حتَّى يَعرفَ المترجِمُ كيفيةَ استخراجه.
وهذه المسألةُ ممَّا اختَلَفَ فيه السَّلَفُ، فمَنَعَ مالكٌ من تعليم الكافِرِ القرآنَ، ورَخَّصَ
أبو حنيفةً، واختَلَفَ قولُ الشّافعي، والذي يَظْهَرُ أنَّ الرّاجحَ التَّفصيلُ بين مَن يُرجَى منه
الرَّغبةُ في الدِّين والدُّخول فيه مع الأمنِ منه أن يَتَسلَّطَ بذلك إلى الطَّعنِ فيه، وبين مَن
يَتَحقَّقُ أنَّ ذلك لا يَنجَعُ فيه، أو يُظَنُّ أنَّه يَتَوَصَّلُ بذلك إلى الطَّعنِ في الدِّين، والله أعلم.
ويُفرَّقُ أيضاً بين القليل منه والكثير، كما تقدَّم في أوائل كتاب الحيض (٣٠٥).
١٠٠ - باب الدعاء للمشركين بالهدى ليتألّفهم
٢٩٣٧- حدَّثنا أبو اليَمَان، أخبرنا شعيبٌ، حدَّثنا أبو الزِّناد، أنَّ عبد الرّحمن قال: قال أبو
هريرةَ ﴾: قَدِمَ طُفَيلُ بنُ عَمرِو الدَّوْسيُّ وأصحابُه على النبيِّ وََّ، فقالوا: يا رسولَ الله، إنَّ
دَوْساً عَصَت وأبَتْ، فَادْعُ اللهَ عليها، فقيل: هَلَكَتِ دَوْسٌ، قال: ((اللهمَّ اهْدِ دَوْساً وائتٍ بهم)).
[طرفاه في: ٤٣٩٢، ٦٣٩٧]
قوله: ((بابُ الدُّعاءِ للمشركينَ بالهدی لیتألَّفَهم» ذكر فيه حديث أبي هريرة في قُدُوم
١٠٨/٦
الطُّفَيل بن عَمْرو الدَّوسي، وقول النبي ◌َّ: ((اللهمَّ اهدِ دَوساً»، وهو ظاهرٌ فیما ترجم له.
وقوله: ((ليتألَّفَهم)) من تَفَقُّه المصنّفَ إشارةً منه إلى الفَرْق بين المقامَين، وأنَّه ◌َلِّ كان
تارةً يَدعُو عليهم وتارةً يَدعُو لهم، فالحالة الأُولى حيثُ تَشتَدُّ شَوكَتُهم ويَكثُر أذاهم، كما
تقدَّم في الأحاديث التي قبلَ هذا ببابٍ، والحالةُ الثَّانِيةُ حيثُ تُؤْمَنُ غائلتُهم ويُرجَى تألُّفُهم
كما في قصَّة دَوسٍ، وسيأتي شرحُ الحديث المذكور في المغازي (٤٣٩٢) إن شاء الله تعالى.

٢٠٣
باب ١٠١ / ح ٢٩٣٨ -٢٩٣٩
كتاب الجهاد
١٠١ - باب دعوة اليهود والنّصارى، وعلى ما يُقاتَلون عليه؟ وما كتب
النبيُّ ◌َل إلى كسرى وقيصر، والدّعوة قبل القتال
٢٩٣٨ - حدَّثنا عليّ بنُ الجَعْدِ، أخبرنا شُعْبةُ، عن قَتَادةَ، قال: سمعتُ أنساً ﴾ يقول: لمَّا
أرادَ النبيُّ ◌َّهِ أَن يَكتُبَ إلى الرُّومِ قيلَ له: إنَّهم لا يَقرَؤونَ كتاباً إلا أن يكونَ تَخْتُوماً، فاتَّخَذَ
خاتماً من فِضّةٍ، فكأنّي أَنظُرُّ إلى بياضه في يدِهِ، ونَقَشَ فيه: محمَّدٌ رسولُ الله.
٢٩٣٩ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، حدَّثنا اللَّيثُ، قال: حدَّثْنِي عُقَيلٌ، عن ابنِ شِهابٍ، قال:
أخبرني عُبيدُ الله بنُ عبدِ الله بنِ عُتْبةَ، أنَّ عبدَ الله بنَ عبَّاسِ أخبَرَهُ: أنَّ رسولَ اللهِوَلَ بَعَثَ بكتابِهِ
إلى كِسْرَى، فأمَرَه أن يَدْفَعَه إلى عَظِيمِ البحرَينِ، يَدْفَعُه عَظِيمُ البحرين إلى كِسْرَى، فلمَّا قرأه
كِسْرَى خَرَّقَه. فحَسِبتُ أنَّ سعيدَ بنَ المسيّب قال: فَدَعَا عليهم النبيُّنَ ◌ّهِ أَن يُمَزَّقوا كلَّ مُزَّقِ.
قوله: ((باب دعوة اليهود والنَّصارى)) أي: إلى الإسلام.
وقوله: ((وعلى ما يقاتلونَ)) إشارة إلى أنَّ ما ذُكِرَ في الباب الذي بعده (٢٩٤٢) عن عليّ
حيثُ قال: ((نقاتلهم(١) حتى يكونوا مثلَنا))، وفيه أمرُه وَِّ له بالنَّزول بساحَتِھم ثمَّ دعائهم
إلى الإسلام ثمَّ القتال، ووجه أخذِه من حديثَي الباب أنَّه ◌َ كَتَبَ إلى الرُّومِ يَدعُوهم إلى
الإسلام قبلَ أن يَتَوجَّهَ إلى مُقاتَلَتِھم.
قوله: ((وما كَتَبَ النبيُّ وَ لَهَ إِلَى كِسْرى وقَيصَر)) قد ذكر ذلك في الباب مُسنَداً.
وقوله: ((والدَّعْوة قبلَ القتال)) كأنَّه يشيرُ إلى حديث ابن عَوْنٍ في إغارة النبي بَّ على
بني المصطَلِقِ على غِرَّة، وهو مخرَّج عنده في كتاب العتق(٢) (٢٥٤١)، وهو محمولٌ عند مَن
يقول باشتراط الدُّعاءِ قبلَ القتال على أنَّه بَلَغَتهم الدَّعوةُ، وهي مسألةٌ خلافيةٌ: فذهب
طائفة منهم عمرُ بن عبد العزيز إلى اشتراط الدُّعاءِ إلى الإسلام قبلَ القتال، وذهب الأكثر
إلى أنَّ ذلك كان في بَدءِ الأمرِ قبلَ انتشار دعوة الإسلام، فإن وُجِدَ مَن لم تَبلُغْه الدَّعوةُ فلا
(١) في (س): تقاتلوهم، وهو خطأ.
(٢) تحرّف في الأصلين و(س) إلى: الفتن.

٢٠٤
باب ١٠٢ / ح ٢٩٤٠
فتح الباري بشرح البخاري
يُقاتَل حتَّى يُدعَى، نصَّ عليه الشّافعي، وقال مالك: مَن قَرُبَت دارُه قُوتِلَ بغير دعوةٍ
لاشتهار الإسلام، ومَن بَعُدَت دارُه فالدَّعوةُ أقطَعُ للشَّكِّ. وروى سعيدُ بنُ منصورٍ
(٢٤٨٨) بإسنادٍ صحيح عن أبي عثمانَ النَّهْدي، أحدِ كبار التابعين، قال: كنَّا نَدعُو ونَدَع.
قلتُ: وهو مُنَزَّلٌ على الحالَين المتقدِّمَين.
ثم ذکر في الباب حديثين:
١٠٩/٦
أحدهما: حديثُ أنسٍ في التّخاذِ الخاتم، وسيأتي الكلامُ عليه مُستَوفَّى في كتاب اللِّباس
(٥٨٧٠).
ثانيهما: حدیثُ ابن عبّاسٍ: ((أَنَّ النبي ێ بَعَثَ بكتابه إلى کِسرى))، وسيأتي شرحُه في
أواخر المغازي (٤٤٢٤)، وفيه أنَّ المبعوثَ به كان عبدَ الله بنَ حُذافةَ السَّهْمي، ونذكر هناك
ما يَتعلَّقُ بكِسْرى وما المرادُ بعظيم البحرين.
وفي الحديث الدُّعاءُ إلى الإسلام بالكلام والكتابة، وأنَّ الكتابةَ تقومُ مقام النُّطْقِ. وفيه
إرشادُ المسلم إلى الكفّار، وأنَّ العادةَ جَرَت بين الملوكِ بترك قتل الرُّسُل، ولهذا مَزَّقَ كِسرى
الكتابَ ولم يَتَعرَّض للرَّسول.
١٠٢ - باب دعاء النبيّ وَّ النَّاسَ إلى الإسلام والنبوّة
وأن لا يتّخذ بعضُهم بعضاً أرباباً من دون الله
وقوله تعالى: ﴿ مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَّهُ اللَّهُ﴾ إلى آخرِ الآية [آل عمران: ٧٩].
٢٩٤٠ - حدّثنا إبراهيمُ بنُ حمزةَ، حدَّثنا إبراهيمُ بنُ سعدٍ، عن صالحِ بنِ كَيْسانَ، عن ابنِ
شِهابٍ، عن عُبيدِ الله بنِ عبدِ الله بنِ عُتْبةَ، عن عبدِ الله بنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما أنَّه أخبَرَهُ: أنَّ
رسولَ الله وَ ◌َّ كَتَبَ إلى قَيَصَرَ يَدْعُوه إلى الإسلام، وبَعَثَ بكتابه إليه مع دِحْيةَ الكَلْبِيِّ، وأمَرَه
رسولُ الله وَّهِ أَن يَدْفَعَه إلى عَظِيمِ بُصْرَى لِيَدْفَعَه إلى قَيَصَرَ، وكان قَيصَرُ لمَّا كَشَفَ اللهُ عنه
جنودَ فارسَ مَشَى من خْصَ إلى إيلياءَ شُكْراً لمَا أَبلاه اللهُ، فلمَّا جاء قَيَصَرَ كتابُ رسولِ الله
وَ﴿ قال حين قرأَه: التَمِسوا لي هاهنا أحداً من قومِه لأسألَهم عن رسولِ الله ◌ِّ.

٢٠٥
باب ١٠٢ / ح ٢٩٤٠ -٢٩٤١
كتاب الجهاد
٢٩٤١ - قال ابنُ عبَّاسِ: فأخبرني أبو سفيانَ بن حَرْب أَنَّه كان بالشَّامِ في رجالٍ من قُرَیشِ
قَدِموا تِجَاراً في المدّةِ التي كانت بينَ رسولِ الله وَّه وبينَ كفَّارِ قُرَيشٍ. قال أبو سفيانَ: فوَجَدَنا
رسولُ قَيَصَرَ ببعضِ الشَّام، فانطُلِقَ بي وبِأصحابي حتَّى قَدِمْنا إيلياءَ، فأُدخِلْنا عليه، فإذا هو
جالسٌ في مَجْلِسِ مُلْكِهِ وعليه التاجُ، وإذا حَوْلَه عُظَماءُ الرُّومِ، فقال لتَرْجُمانِهِ: سَلْهم أيُّهم أقرَبُ
نَسَباً إلى هذا الرجل الذي يَزْعُمُ أنَّه نبيٌّ؟ قال أبو سفيانَ: فقلتُ: أنا أقرَبُهم إليه نَسَباً، قال: ما
قَرابةُ ما بينَكَ وبينَهَ؟ فقلتُ: هو ابنُ عَمِّ، وليس في الرَّكْبِ يومَئذٍ أحدٌ من بني عبدِ مَنافٍ غيري.
فقال قَصَرُ: أَدْنُوه، وأمَرَ بأصحابي فجُعِلوا خلفَ ظَهْري عندَ كَتِفِي، ثمَّ قال لَرْجُماِه: قُل
لأصحابه: إنّي سائلٌ هذا الرجلَ عن الذي يَزْعُمُ أنَّه نبيٌّ، فإن كَذَبَ فَكَذِّبُوه، قال أبو سفيانَ:
والله لولا الحياءُ يومَئذٍ من أن يأثرَ أصحابٍ عَنِّي الكَذِبَ لكَذَبتُه حين سألَني عنه، ولكنّي
اسْتَحْيَيتُ أن يأثروا الكَذِبَ عِّي فصَدَقْتُه. ثمَّ قال لتَرْمُمانِه: قُل له: كيفَ نَسَبُ هذا الرجلِ
فيكم؟ قلتُ: هو فينا ذُو نَسَبٍ، قال: فهل قال هذا القولَ أحدٌ منكم قبلَه؟ قلتُ: لا، فقال:
كنتُمْ تَنَّهمونَه على الكَذِبِ قبلَ أن يقولَ ما قال؟ قلتُ: لا، قال: فهل كان من آبائِه من مَلِكٍ؟
١١٠/٦ قلتُ: لا، قال: فأشرافُ الناسِ / يَتَّبِعونَه أم ضُعَفاؤُهم؟ قلتُ: بل ضُعَفاؤُهم، قال: فيزيدونَ
أم يَنقُصونَ؟ قلتُ: بل يزيدونَ، قال: فهل يَرْتَدُّ أحدٌ سَخْطةً لِدِينِهِ بعدَ أن يَدخُلَ فيه؟ قلتُ:
لا، قال: فهل يَغْدِرُ؟ قلتُ: لا، ونحنُ الآنَ منه في مُدّةٍ نحنُ نَخافُ أن یَغدِرَ.
قال أبو سفيانَ: ولم يُمْكِنِّي كلمةٌ أُدخِلُ فيها شيئاً أنتَقِصُه به - لا أخافُ أن تُؤْثَرَ عنِّي
غيرُها، قال: فهل قاتَلْتُمُوه أو قاتَلَكم؟ قلتُ: نعم، قال: فكيفَ كانت حربُه وحربُكم؟ قلتُ:
دُوَلاً وسِجَالاً، يُدَالُ علينا المرّةَ ونُدَالُ عليه الأخرَى، قال: فماذا يأمرُكم به؟ قال: يأمرُنا أن
نَعبُّدَ الله وحدَه لا نُشِرِكُ به شيئاً، ويَنْهانا عمّا كان يَعْبُدُ آباؤنا، ويأمرُنا بالصَّلاةِ، والصَّدَقةِ،
والعَفَاف، والوَفاءِ بالعَهْدِ، وأداءِ الأمانةِ، فقال لتَرْجُمانِه حين قلتُ ذلك له: قُل له: إنّي سألتُكَ
عن نَسَبِهِ فيكم، فَزَعَمْتَ أَنَّه ذُو نَسَبٍ، وكذلك الرُّسُلُ تُبعَثُ فِي نَسَبٍ قومِها، وسألتُكَ: هل
قال أحدٌ منكم هذا القولَ قبلَه؟ فَزَعَمْتَ أنْ لا، فقلتُ: لو كان أحدٌ منكم قال هذا القولَ
قبلَه، قلتُ: رجلٌ يَأْتُمُّ بقولٍ قد قيلَ قبلَه، وسألتُكَ: هل كنتُمْ تَتَّهمونَه بالكَذِبِ قبلَ أن يقولَ

٢٠٦
باب ١٠٢ / ح ٢٩٤٠ - ٢٩٤١
فتح الباري بشرح البخاري
ما قال؟ فَزَعَمْتَ أنْ لا، فعَرَفْتُ أنَّه لم يكن ليَدَعَ الكَذِبَ على الناسِ ويَكذِبَ على الله، وسألتُكَ:
هل كان من آبائِه من مَلِكِ؟ فَزَعَمْتَ أنْ لا، فقلتُ: لو كان من آبَائِهِ مَلِكٌ قلتُ: يَطلُبُ مُلْكَ
آبائِهِ، وسألتُكَ: أشرافُ الناسِ يَتَّبِعونَه أم ضُعَفاؤُهم؟ فَزَعَمْتَ أنَّ ضُعَفاءَهم اتَّبَعُوه، وهم
أتباعُ الرُّسُلِ، وسألتُكَ: هل يزيدونَ أو يَنقُصونَ؟ فَزَعَمْتَ أَنَّهم يزيدونَ، وكذلك الإيمانُ حتَّى
يَتِمَّ، وسألتُكَ: هل يَرْتَدُّ أحدٌ سَخْطَةٌ لِدِينِهِ بعدَ أن يَدخُلَ فيه؟ فَزَعَمْتَ أنْ لا، فكذلك الإيمانُ
حين تَخْلِطُ بَشاشَتُه القلوبَ لا يَسْخَطُه أحدٌ، وسألتُكَ: هل يَغْدِرُ؟ فَزَعَمْتَ أنْ لا، وكذلك
الرُّسُلُ لا يَغْدِرونَ، وسألتُكَ: هل قاتَلْتُمُوه وقاتَلَكُم؟ فَزَعَمْتَ أنْ قد فعلَ، وأنَّ حربَكم وحربَه
تكونُ دُوَلاً، ويُدَالُ عليكمُ المَرَّةَ وَتُدَالونَ عليه الأخرَى، وكذلك الرُّسُلُ تُبْتَلَى وتكونُ لها
العاقبةُ، وسألتُكَ بماذا بأمرُكم؟ فزَعَمْتَ أَنَّه يأمرُكم أن تَعْبُدُوا اللهَ ولا تُشرِكوا به شيئاً،
ويَنْهاكم عَّا كان يَعبُّدُ آبَاؤُكم، ويأمرُكم بالصَّلاةِ والصِّدْقِ والعَفَاف والوَفاءِ بالعَهْدِ، وأداءِ
الأمانةِ، قال: وهذه صفةُ نبي قد كنتُ أعلمُ أنَّه خارجٌ، ولكن لم أعلَمْ أَنَّه منكم، وإنْ يَكُ ما
قلتَ حقّاً فيُوشِكُ أن يَمْلِكَ موضعَ قَدَميَّ هاتَينٍ، ولو أَرجُو أن أخلُصَ إليهِ لَتَجَشَّمْتُ لِقَاءَهُ،
ولو كنتُ عندَه لَغَسَلْتُ قَدَمَيه.
قال أبو سفيانَ: ثمَّ دَعَا بكتابٍ رسولِ الله وَّهِ فَقُرِئَ، فإذا فيه: ((بسم الله الرَّحمن الَّحيم،
من محمَّدٍ عبدِ الله ورسوله، إلى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ، سلامٌ على مَنِ اتَّبَعَ الهُدَى، أمّا بعدُ: فإنّ
أدعُوكَ بدِعايةِ الإسلام، أسلِمْ تَسْلَمْ، وأسلِمْ يُؤْتِكَ اللهُ أجرَكَ مَرَّتين، فإن تَوَلَّيتَ فعليكَ إِثْمُ
١١١/٦ الأرِيسِيِّينَ، / و﴿يَأَهْلَ الْكِتَبِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلِمَةٍ سَوََّعْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا
نُشْرِكَ بِهِ، شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَوْ فَقُولُواْ أَشْهَدُواْ بِأَنَّا
مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤])).
قال أبو سفيانَ: فلمَّا أن قَضَى مقالتَه، عَلَت أصواتُ الذين حَوْلَه من عُظَماءِ الرُّومِ وكَثُّرُ
لَغَطُهم، فلا أَدري ماذا قالوا، وأُمِرَ بنا فأُخرِجْنا، فلمَّا أن خرجتُ مع أصحابي وخَلَوْتُ بهم
قلتُ لهم: لقد أَمِرَ أمْرُ ابنِ أبي كَبْشَةَ، هذا مَلِكُ بني الأصفَرِ يَخافُه.

٢٠٧
باب ١٠٢ / ح ٢٩٤٢ - ٢٩٤٦
كتاب الجهاد
قال أبو سفيانَ: والله ما زِلْتُ ذليلاً مُسْتَيقِناً بأنَّ أمرَه سيَظهَرُ، حَتَّى أدخَلَ اللهُ قلبيَ الإسلامَ
وأنا کارٌ.
٢٩٤٢- حدَّثنا عبدُ الله بنُ مَسلَمَةَ القَعْنبيُّ، حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ أبي حازمٍ، عن أبيه، عن
سَهْلٍ بِنِ سعدٍ ﴾، سمعَ النبيَّ وََّ يقول يومَ خَيْرَ: ((لأُعطِيَنَّ الرّايةَ رجلاً يَفتَحُ الله على يديه))،
فقاموا يَرْجونَ لذلك أيُّهم يُعْطَى، فَغَدَوْا وكلُّهم يَرْجُو أن يُعْطَى، فقال: ((أينَ عليٌّ؟)) فقيل:
يَشْتَكي عينَهِ، فأمَرَ فَدُعِيَ له فبَصَقَ في عينَه، فبَرَأَ مكانَه حتَّى كأَنَّه لم يكن به شيءٌ، فقال:
نُقاتلُهم حتَّى يكونوا مِثْلَنا؟ فقال: ((على رِسْلِكَ حتَّى تَنزِلَ بساحَتِهم، ثمَّ ادْعُهم إلى الإسلام،
وأخبِرْهم بما يَجِبُ عليهم، فوالله لأن يُهدَى بكَ رجلٌ واحدٌ، خيرٌ لكَ من خُمْرِ الثَّعَم)).
[أطرافه في: ٣٠٠٩، ٣٧٠١، ٤٢١٠]
٢٩٤٣ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمَّدٍ، حدَّثنا معاويةُ بنُ عَمرو، حدَّثنا أبو إسحاقَ، عن مُميدٍ،
قال: سمعتُ أنساًّ عَلَّه يقول: كان رسولُ اللهِ وَ﴿ إذا غَزَا قوماً لم يُغِرْ حتَّى يُصبِحَ، فإن سمعَ
أَذَاناً أمسَكَ، وإن لم يَسمَعْ أَذَاناً أغارَ بعدَما يُصبِحُ، فنزَلْنا خَيْبَرَ ليلاً.
٢٩٤٤- حدَّثنا قُتَيَبةُ، حدَّثنا إسماعيلُ بنُ جعفٍ، عن مُميدٍ، عن أنسٍ ﴾: أنَّ النبيَّ
كان إذا غَزَا بنا ...
٢٩٤٥- حدَّثنا عبدُ الله بنُ مَسلَمةَ، عن مالكِ، عن مُميدٍ، عن أنسٍ ﴾: أنَّ النبيَّ ◌َالـ
خَرَجَ إلى خَيْبرَ فجاءها ليلاً، وكان إذا جاء قوماً بليلٍ لا يُغِيرُ عليهم حتَّى يُصبحَ، فلمَّا أصبَحَ
خَرَجَت يهودُ بمَساحِيهم ومَكَاتِلِهِم، فلمَّا رَأَوه قالوا: محمَّدٌ والخَمِيسُ، فقال النبيُّ ◌َّ: (اللهُ
أكبرُ، خَرِبَت خَيْرُ، إِنّا إذا نزَلْنا بساحةِ قومٍ فساءَ صباحُ المنذَرِينَ)).
٢٩٤٦- حدَّثنا أبو اليَمَان، أخبرنا شعيبٌ، عن الزّهْرِيِّ، حدَّثني سعيدُ بنُ المسيّب، أنَّ
أبا هريرةَ ﴾ قال: قال رسولُ اللهِ وَّةِ: «أُمِرتُ أن أُقاتلَ الناسَ حتَّى يقولوا: لا إلهَ إلا اللهُ، ١١٢/٦
فمَن قال: لا إلهَ إلا اللهُ، فقد عَصَمَ منِّي نفسَه ومالَه إلا بحقِّه، وحِسابُه على الله)).
رواه عمرُ وابنُ عمرَ عن النبيِّ أَّ.

٢٠٨
باب ١٠٢ / ح ٢٩٤٢ - ٢٩٤٦
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((باب دعاءِ النبي ◌َّر الناس إلى الإسلام والنبوَّةِ وأن لا يَتَّخِذَ بعضُهم بعضاً أرباباً
من دونِ الله، وقوله تعالى: ﴿ مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَبَ﴾ الآية)) أورد فيه أحاديث:
أحدها: حديث ابن عبّاس في كتاب النبي ◌َّهَ إلى قَصَر، وفيه حديثٌ عن أبي سفيانَ بن
حربٍ، وقد تقدَّم بطوله في بَدءِ الوحي (٧) والكلام عليه مُستَوَى، وهو ظاهرٌ فیما تَرجَم به،
ويأتي شيءٌ من الكلام عليه في تفسير سورة آل عمرانَ إن شاء الله تعالى.
وأمَّا قوله تعالى: ﴿ مَا كَانَ لِبَشَرٍ﴾ فالمراد من الآية الإنكارُ على مَن قال: ﴿كُونُواْ عِبَادًا
◌ِ مِن دُونِ اللّهِ﴾ [آل عمران: ٧٩]، ومِثلُها قوله تعالى: ﴿يَعِيسَى أَبْنَ مَرْيَمَ ءَ أَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ﴾
الآية [المائدة: ١١٦]، وقوله تعالى: ﴿أَتَّخَذُوَأْ أَخْبَارَهُمْ وَرُهْبَنَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ﴾
الآية [التوبة: ٣١].
ثانيها: حديث سَهْل بن سعد في إعطاء علي الرّاية يومَ خيبرَ، وسيأتي شرحه في المغازي
(٤٢١٠)، والغَرَضُ منه قوله: ((ثمَّ ادعُهم إلى الإسلام)).
ثالثها: حديث أنس في تَركِ الإغارة على مَن سمع منهم الأذانَ، ذكره من وجهَين،
وسيأتي شرحه في غزوة خيبرَ أيضاً (٤١٩٧)، وهو دالٌّ على جواز قتال مَن بَلَغَته
الدَّعوةُ بغير دعوة، فيُجمَعُ بينه وبين حديث سَهْل الذي قبلَه بأنَّ الدَّعوةَ مُستحَبَّة لا
شرطٌ، وفيه دلالةٌ على الحكم بالدَّليل لكَونِه كَفَّ عن القتال بمُجرَّدٍ سماع الأذان، وفيه
الأخذ بالأحوَطِ في أمر الدُّعاء؛ لأنَّه كَفَّ عنهم في تلك الحالة مع احتمال أن لا يكونَ
ذاكَ على الحقيقة.
ووقع هنا: ((فلمَّا أصبَحَ خَرَجَت يهودُ خيبر بمَساحِيهم))، ووقع في رواية حَمَّاد بن سَلَمة
عن ثابتٍ عن أنس عند مسلم (٨٧/١٤٢٧): ((فأتيناهم حين بَزَغَت الشمس)»، ويُجمَعُ
بأَّهم وَصَلُوا أوَّلَ البلدِ عند الصُّبح فنزلوا فصَلَّوا فتَوَجَّهوا، وأجرى النبي ◌َّۇ فرسه حينئذٍ
في زُقَاق خيبر كما في الرُّواية الأُخرى (٣٧١)، فوَصَلَ في آخرِ الزُّقاق إلى أوَّل الحُصونِ حين
بَزَغَت الشمس.

٢٠٩
باب ١٠٣ / ح ٢٩٤٧ -٢٩٤٨
كتاب الجهاد
رابعها: حديث أبي هريرة: ((أُمِرتُ أن أُقاتلَ الناسَ حتَّى يقولوا: لا إلهَ إلَّ الله)) الحديث،
وهو ظاهرٌ فيما ترجم به أوَّلاً حيثُ قال: ((وعلامَ يُقاتَلون))(١)، وقد مضى شرحُه في كتاب
الإيمانِ في الكلام على حديث ابن عمر (٢٥)، لكن في حديث ابن عمر زيادة إقامة الصلاة
وإيتاءِ الزكاة، وقد وَرَدَت الأحاديثُ بذلك زائداً بعضُها على بعض، ففي حديث أبي هريرة
الاقتصارُ على قولٍ: لا إلهَ إلَّا الله، وفي حديثه من وجهٍ آخرَ عند مسلم (٢٢): ((حتَّى
يَشْهَدوا أن لا إلهَ إلَّ الله وأنَّ محمَّداً رسُولُ الله))، وفي حديث ابن عمر ما ذكرتُ، وفي
حديث أنسٍ الماضي في أبواب القِبلة (٣٩١): ((فإذا صَلَّوْا واستَقْبَلوا وأكلوا ذبيحتَنَا)).
قال الطَّبَري وغيره: أمَّا الأوَّلُ فقاله في حالة قتاله لأهل الأوثانِ الذين لا يُقِرّونَ
بالتَّوحيد، وأمَّ الثَّاني فقاله في حالة قتال أهل الكتاب الذين يَعتَرِفونَ بالتَّوحيد ويَححَدونَ
نُبُوَّتَه عموماً أو خُصوصاً، وأمَّا الثَّالث ففيه الإشارةُ إلى أنَّ مَن دَخَلَ في الإسلام وشَهِدَ
بالتَّوحيد وبالنبوّة ولم يعملْ بالطاعات، أنَّ حكمَهم أن يُقاتَلوا حتَّى يُذعِنوا إلى ذلك، وقد
تقدَّمت الإشارة إلى شيءٍ من ذلك في أبواب القِبلة.
قوله: ((رواه عُمَر وابن عُمَر عن النبي ◌َّ)) أي: مِثلَ حديث أبي هريرة، أمَّا روايةُ عمرَ
فَوَصَلَها المؤلِّفُ في الزكاة (١٣٩٩)، وأمَّا روايةُ ابن عمر فوَصَلَها المؤلِّفُ في الإيمان (٢٥).
١٠٣ - باب من أراد غزوةً فورّى بغيرها، ومن أحبَّ الخروج يوم الخميس
٢٩٤٧- حدَّثنا يحيى بنُ بُكَير، حدَّثني اللَّثُ، عن عُقَيلٍ، عن ابنِ شِهابٍ، قال: أخبرني/ ١١٣/٦
عبدُ الرَّحمن بنُ عبدِ الله بنِ كَعْبٍ ﴾ - وكان قائدَ كعبٍ من بَنِيه - قال: سمعتُ كَعْبَ بنَ
مالكِ حين تَخَلَّفَ عن رسولِ اللهِنَّهِ: ولم يكن رسولُ الله ◌َِّ يرِيدُ غَزْوةً إلا وَرَّى بغيرِها.
٢٩٤٨ - حدَّثنا أحمدُ بنُ محمَّدٍ، أخبرنا عبدُ الله، أخبرنا يونسُ، عن الزُّهْريِّ، قال: أخبرني
عبدُ الرَّحمن بنُ عبدِ الله بنِ كَعْبٍ بنِ مالكٍ، قال: سمعتُ كَعْبَ بنَ مالكٍ ﴾﴾ یقول: كان
رسولُ الله ◌َّهِ قَلَّما يريدُ غَزْوةً يَغْزُوها إلا وَرَّى بغيرِها، حتَّى كانت غَزْوةُ تَبُوكَ فَغَزَاها
(١) وهو الباب السابق.

٢١٠
باب ١٠٣ / ح ٢٩٤٧ - ٢٩٥٠
فتح الباري بشرح البخاري
رسولُ اللهِ وَ له في حرِّ شديدٍ، واستَقْبلَ سفراً بعيداً ومَفَازاً، واستَقْبلَ غَزْوَ عدوٍّ كثيرٍ، فجَلَّى
للمسلمينَ أمرَهُ ليَأمَّبوا أُهْبةَ عدوِّهم، وأخبرهم بوَجْهِه الذي يريدُ.
٢٩٤٩ - وعن يونسَ، عن الزُّهْريِّ، قال: أخبرني عبدُ الرَّحمن بنُ كَعْبٍ بنِ مالكٍ، أَنَّ کعبَ
ابنَ مالكٍ ﴾ كان يقول: لَقَلَّما كان رسولُ اللهِّهِ يَخْرُجُ إذا خَرَجَ في سفرٍ إلا يومَ الخميس.
٢٩٥٠ - حدَّثني عبدُ الله بنُ محمَّدٍ، حَدَّثنا هشامٌ، أخبرنا مَعمَرٌ، عن الزُّهْريِّ، عن عبدِ الرّحمن
ابنِ كَعْبٍ بنِ مالكِ، عن أبيه ◌َّهِ: أنَّ النبيَّ ◌َّهِ خَرَجَ يومَ الخميسِ في غَزْوةٍ تَبُوكَ، وكان يُحِبُّ أن
تخرُجَ يومَ الخميس.
قوله: ((بابُ مَن أرادَ غَزْوةً فَوَرّى بغيرِها، ومَن أَحَبَّ الخروجَ)) أي: السَّفرَ (١) ((يوم الخميسَ))
أمّا الجملة الأُولى فمعنى ((ورّى)): سَتَرَ، وتُستَعمَلُ في إظهار شيءٍ مع إرادة غيره، وأصلُه من
الوَزْي - بفتحِ ثمَّ سكون -: وهو ما يُجُعَلُ وراءَ الإنسانِ؛ لأنَّ مَن وَرَّى بشيءٍ كأنَّه جَعَلَه
وراءَه، وقيل: هو في الحربِ أخذُ العدوّ على غِرَّة، وقَيَّدَه السِّيرافي في ((شرح ◌ِیبَوَیه)) بالهمزة،
قال: وأصحابُ الحديث لم يَضبطوا فيه الهمزةَ، وكأنَهم سَهَّلُوها.
وأمَّا الخروجُ يوم الخميس فلعلَّ سببَه ما رُوي من قوله ◌ِّ: ((بُورِكَ لأمَّتِي فِي بُكُورها يومَ
الخميس))، وهو حديثٌ ضعيفٌ أخرجه الطبراني(٢) من حديث نُبَيطٍ - بنونٍ وموحّدة مُصفَّر -
ابن شَريطٍ، بفتح المعجمة أوَّله. وكَونُه ◌َ لَّ كان يُحِبُّ الخروجَ يوم الخميس، لا يستلزمُ المواظَبَةَ
عليه لقيام مانعٍ منه، وسيأتي بعدَ بابٍ(٣): أنَّه خرج في بعض أسفاره يومَ السَّبت.
ثمَّ أورَدَ المصنِّفُ أطرافاً من حديث كعب بن مالك الطّويل في قصَّة غزوة تَبُوكَ
ظاهرةً فیما ترجم له، وروى سعيد بن منصور (٢٣٨١) عن مَهْدي بن ميمون عن واصل
مولى أبي عُيَينة(٤) قال: بَلَغَنِي أَنَّ النبي ◌ََّ كان إذا سافرَ أحَبَّ أن يَخْرُجَ يوم الخميس.
(١) كذا في الأصلين، ووقع في (س) خطأً: ((إلى السفر)) على أنه جزء من عنوان الباب.
(٢) في ((المعجم الصغير)) (٦٥)، بلفظ: ((اللهم بارك لأمتي في بكورها يوم خميسها)).
(٣) في شرحه على ((باب الخروج آخر الشهر)).
(٤) تصحف في (س) إلى: عتيبة.

٢١١
باب ١٠٤ / ح ٢٩٥١
كتاب الجهاد
وقوله في الطَّريقِ الثّانية: ((وعن يونسَ عن الزُّهْريّ) هو موصولٌ بالإسناد الأوَّل عن
عبد الله - وهو ابن المبارَكِ - عن يونسَ، ووَهِم مَن زَعَمَ أنَّ الطَّريقَ الثَّانيةَ مُعلَّقة، وقد
أخرجه الإسماعيلي من وجهٍ آخرَ عن ابن المبارك عن يونسَ بالحديثَين جميعاً بالوجهَين، نعم
تَوقَّفَ الدَّارَ قُطني في هذه الرّواية التي وقع فيها التَّصريحُ بسماع عبد الرَّحمن بن عبد الله بن
كعب بن مالك من جدِّه، وقد أوضحتُ ذلك في المقدِّمة، والحاصلُ أنَّ رواية الزّهْريّ
للجُملة الأُولى هي عن عبد الرَّحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، وروايته للجُملة الثَّانية
المتعلِّقة بيوم الخميسِ هي عن عمِّه عبد الرَّحمن بن كعب بن مالك،/ وقد سمعَ الزُّهْرِيُّ ١١٤/٦
منهما جميعاً، وحدَّث يونس عنه بالحديثَين مُفصَّلاً، وأراد البخاري بذلك دفع الوَهْم
واللَّبْس عمَّن يُظَنُّ فيه اختلافاً، وسيأتي مزيدُ بسطٍ لذلك في المغازي(١) إن شاء الله تعالى.
١٠٤ - باب الخروج بعد الظُّهر
٢٩٥١ - حدَّثنا سليمانُ بنُ حربٍ، حدَّثنا خَمَّادُ بن زيدٍ، عن أيوبَ، عن أبي قلابةَ، عن أنسٍ
﴿: أنَّ النبيَّ وَ صلَّى بالمدينةِ الظُّهرَ أربعاً، والعصرَ بذي الخُلَيفةِ رَكْعَتَينٍ، وسمعتُهم
يَصرُخونَ بهما جميعاً.
قوله: ((باب الخروج بعد الظّهر)) ذكر فيه حديث أنس، وقد تقدَّم في الحجّ (١٠٨٩)،
وكأنَّه أورَدَه إشارة إلى أنَّ قوله وَّ: ((بُورِكَ لأمَّتي في بُكُورها)» لا يمنع جواز التصرُّف في
غير وقت البُكُور، وإنَّما خُصَّ البُكُور بالبَرَكة لكَونِه وقت النَّشاط، وحديث: (بُورِكَ
لأمّتي في بُكُورها)) أخرجه أصحاب السُّنَن(٢)، وصحَّحه ابن حبان (٤٧٥٤ و ٤٧٥٥) من
حديث صخر الغامدي - بالغين المعجمة -، وقد اعتَنى بعض الحُفّاظ بجمع طرقه، فبَلَغَ
عددٌ مَن جاء عنه من الصحابة نحو العشرين نفساً.
(١) انظر شرح الحديثين (٣٩٥١) و(٤٤١٨).
(٢) أخرجه أبو داود (٢٦٠٦)، وابن ماجه (٢٢٣٦)، والترمذي (١٢١٢)، والنسائي في ((الكبرى))
(٨٧٨٢)، وهو حديث حسن، وانظر تمام تخريجه والكلام عليه في ((مسند أحمد)) برقم (١٥٤٣٨).

٢١٢
باب ١٠٥ / ح ٢٩٥٢
فتح الباري بشرح البخاري
١٠٥ - باب الخروج آخر الشهر
وقال كُرَيبٌ عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما: انطلقَ النبيُّ وََّ مِن المدينةِ لخمسٍ بَقِينَ من
ذي القَعْدةِ، وقَدِمَ مَكَّةَ لأربعِ لَيَالٍ خَلَونَ من ذي الحِجّة.
٢٩٥٢- حدَّثنا عبدُ الله بنُ مَسلَمةَ، عن مالكِ، عن يحيى بنِ سعيدٍ، عن عَمْرةَ بنت
عبدِ الرَّحمن، أنَّها سمعَت عائشةَ رضي الله عنها تقولُ: خَرَجْنا مع رسولِ الله ◌َّ لخمسِ لَيَالٍ
بَقِينَ من ذي القَعْدةِ ولا نَرَى إلا الحجَّ، فلمَّا دَنَوْنا من مكَّةَ أُمَرَ رسولُ الله ◌َِّ مَن لم يكن معه
هَذْيٌ إذا طافَ بالبيتٍ وسَعَى بينَ الصَّفا والمَرْوةِ أن يَحِلَّ، قالت عائشةُ: فدُخِلَ علينا يومَ
النَّحْرِ بلحم بقرٍ، فقلتُ: ما هذا؟ فقال: نَحَرَ رسولُ اللهِوَلِّ عن أزواجِه.
قال يحيى: فَذَكَرتُ هذا الحديثَ للقاسِمِ بنِ محمَّدٍ فقال: أتتْكَ والله بالحديث على وجهِه.
قوله: ((باب الخروج آخر الشَّهْر)) أي: رَدّاً على مَن كَرِهَ ذلك من طريق الطِّيَرة، وقد نَقَلَ
ابن بَطَّال أنَّ أهل الجاهلية كانوا يَتَحرَّونَ أوائل الشُّهُور للأعمال، ويكرهون التصرُّف في
مُحاق القمر.
قوله: «وقال كُرَيبٌ عن ابن عبّاس رضي الله عنهما: انطَلَقَ النبي ◌َّ من المدينة لخمسٍ
بَقِينَ)) هو طرف من حديثٍ وَصَلَه المصنِّف في الحجّ (١٥٤٥)، ثم أورد حديث عَمْرة عن
عائشة في ذلك، وقد مضى الكلام علیھما في كتاب الحجّ.
وفيه استعمال الفَصِيح في التأريخ، وهو ما دامَ في النِّصف الأوَّل من الشَّهر يُؤرِّخ بما
خلا، وإذا دَخَلَ النِّصف الثَّاني يُؤْرِّخ بما بقي.
وقد استُشكِلَ قول ابن عبّاس وعائشة: ((إنَّه خرج لخمسٍ بَقِينَ))، لأنَّ ذا الحجَّة كان
أوَّله الخميس للاتِّفاق على أنَّ الوقفة كانت الجمعة، فيلزم من ذلك أن يكون خرج يومَ
الجمعة، ولا يَصِحّ ذلك لقول أنس في الحديث الذي قبله: إنَّه ◌َ ◌ّهِ صَلّى الظُّهر بالمدينة أربعاً
ثمَّ خَرَجَ. وأُجيب بأنَّ الخروج كان يوم السَّبت، وإنَّما قال الصحابة: ((لخمسٍ بَقِينَ)) بناءً
على العدد، لأنَّ ذا القَعْدة كان أوَّله الأربعاء، فاتَّفَقَ أن جاء ناقصاً، فجاء أوَّل ذي الحجّة

٢١٣
باب ١٠٦ -١٠٧ / ح ٢٩٥٣ - ٢٩٥٤
كتاب الجهاد
الخميس، فظَهَرَ أنَّ الذي كان بقي من الشَّهر أربعٌ لا خمسٌ، / كذا أجاب به جمعٌ من العلماء، ١١٥/٦
ويحتمل أن يكون الذي قال: ((لخمسٍ بَقِينَ)) أراد ضمَّ يوم الخروج إلى ما بقي؛ لأنَّ التأهُّب
وقع في أوَّله، وإن اتَّفَقَ التأخير إلى أن صُلّيت الظُّهر، فكأنَّهم لمَّا تأهَّبوا باتوا ليلة السَّبت
على سفرٍ، اعتَدُّوا به من جُملة أيام السَّفَر، والله أعلم.
١٠٦ - باب الخروج في رمضان
٢٩٥٣- حدَّثنا عليُّ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا سفيانُ، قال: حدَّثني الزُّهْرِيُّ، عن عُبيدِ الله، عن
ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما قال: خَرَجَ النبيُّ ◌َ ◌ّ في رمضانَ فصامَ، حتَّى بَلَغَ الكَدِيدَ أفطَرَ.
قال سفيانُ: قال الزُّهْريُّ: أخبرني عُبيدُ الله عن ابنِ عبَّاسٍ ... وساقَ الحديثَ.
قوله: «باب الخروج في رمضان)» ذکر فیه حديث ابن عبّاس في ذلك، وقد مضى شرحه
في كتاب الصيام (١٩٤٤)، وأراد به رَفْع وَهْم مَن يَتوهَّم كراهة ذلك.
١٠٧ - باب التّوديع
٢٩٥٤ - وقال ابنُ وَهْبٍ: أخبرني عَمَرٌو، عن بُكَير، عن سليمانَ بنِ يَسارٍ، عن أبي هريرةَ
ـّه أَنَّه قال: بَعَثَنَا رسولُ اللهِ وَّهِ فِي بَعْثٍ فقال لنا: ((إن لَقِيتُم فلاناً وفلاناً - لرجلَين من قُرَيشِ
سَّاهما - فحَرِّقُوهما بالنار)). قال: ثمَّ أتيناه نُوَدِّعُه حين أرَدْنا الخروجَ فقال: ((إنّي كنتُ أمَرتُكم
أن تُحرّقوا فلاناً وفلاناً بالنار، وإنَّ النارَ لا يُعذّبُ بها إلا الله، فإن أخَذْتُوهما فاقتلوهما)).
[طرفه في: ٣٠١٦]
قوله: ((باب التَّوديع)) عند السَّفَر، أي: أعمُّ من أن يكون من المسافر للمقيم أو عَكْسه،
وحديث الباب ظاهر للأوَّل، ويُؤخَذ الثَّاني منه بطريق الأَولى، وهو الأكثر في الوقوع.
قوله: ((وقال ابن وَهْب ... )) إلى آخره، وَصَلَه النَّسائي (ك٨٧٥٣) والإسماعيلي من
طريقه، وسيأتي موصولاً للمصنّف من وجه آخر، ويأتي شرحه هناك بعد اثنين وأربعينَ
باباً (٣٠١٦)، وفيه تسمية مَن أُبهم في هذا.

٢١٤
باب ١٠٨-١٠٩ / ح ٢٩٥٥ -٢٩٥٧
فتح الباري بشرح البخاري
١٠٨ - باب السمع والطاعة للإمام
٢٩٥٥- حدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا يحيى، عن عُبيدِ الله، قال: حدَّثني نافعٌ، عن ابنِ عمرَ رضي الله
عنهما، عن النبيِّ ێ.
وحدَّثنا محمَّدُ بنُ صَبّاح، حذَّثنا إسماعيلُ بنُ زكريًّا، عن عُبيدِ الله، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ
رضي الله عنهما، عن النبيِّ وَّرِ قال: ((السَّمْعُ والطاعةُ حقٌّ، ما لم يُؤْمَر بِمَعْصِيةٍ، فإذا أُمِرَ
بمَعْصِيةٍ فلا سَمْعَ ولا طاعةً)).
[طرفه في: ٧١٤٤]
قوله: ((باب السَّمْع والطاعة للإمام)) زادَ في رواية الكُشْمِيهنيّ: ((ما لم يأمر بمعصيةٍ))،
والإطلاق محمول علیہ کما هو في نصِّ الحديث.
١١٦/٦
ثم ساق حديثَ ابن عمر في ذلك من وجهَين، وساقه على لفظ الرّواية الثّانية، وسيأتي
الكلام عليه في كتاب الأحكام (٧١٤٤) إن شاء الله تعالى، وساقه هناك(١) بلفظ الرِّواية
الأُولى، وقَيَّد التَّرجمة هناك بما وقع هنا في رواية الكُشْمِيهنيّ.
وقوله: ((فلا سَمعَ ولا طاعةَ)) بالفتح فيهما، والمراد نفيُ الحقيقة الشَّرعية لا الوجودية.
١٠٩ - باب يُقاتل من وراء الإمام، ویُتّقی به
٢٩٥٦- حدَّثْنا أبو اليَمَان، أخبرنا شعيبٌ، حدَّثنا أبو الزِّناد، أنَّ الأعرَجَ حدَّثه، أنَّه سمعَ
أبا هريرةَ عُ، أَنَّه سمعَ رسولَ اللهَوَ لَه يقول: «نحنُ الآخِرِونَ السابقونَ)).
٢٩٥٧ - وبهذا الإسناد: ((مَن أطاعَني فقد أطاعَ الله، ومَن عَصاني فقد عَصَى الله، ومَن يُطِعِ
الأميرَ فقد أطاعَني، ومَن يَعْصِ الأميرَ فقد عَصاني، وإنَّما الإمامُ جُنَّةٌ يُقاتَلُ من ورائه ويُتَّقَى به،
فإن أمُرَ بَتَقْوَى الله وعَدَلَ فإنَّ له بذلك أجراً، وإن قال بغيرِه فإنَّ عليه منه)).
[طرفه في: ٧١٣٧]
(١) في (س): هنا، وهو خطأ.

٢١٥
باب ١٠٩ / ح ٢٩٥٦ -٢٩٥٧
كتاب الجهاد
قوله: ((باب يُقاتَل مِن وراء الإمام ويُتَّقى به)) يقاتَل بفتح المثنَّة، ولم يَزِد البخاري على
لفظ الحديث. والمراد به المقاتلة للدَّفع عن الإمام، سواء كان ذلك من خَلْفه حقيقةً، أو
قُدّامه، ووَراء يُطلَق على المعنيَين.
قوله: ((نحنُ الآخِرونَ السابقونَ، وبهذا الإسناد: من أطاعني فقد أطاع الله)) الحديث،
الجملة الأولى طرف من حديث سبق بيانُه في كتاب الجمعة (٨٧٦)، وسبق في الطَّهارة
(٢٣٨) أنَّ عادتَه في إيراد هذه النُّسخة - وهي شعيب عن أبي الزّناد عن الأعرج عن
أبي هريرة - أن يُصَدِّر بأوَّل حديث فيها، ويَعطِفَ الباقي عليه، لكَونِهِ سمعَها هكذا، وأنَّ
مسلماً في نسخة مَعمَر عن همَّام عن أبي هريرة، سَلَكَ طريقاً نحو هذه، فإنَّه يقول في أوَّل كلّ
حديث منها: فذَكَر أحاديثَ منها: وقال رسول الله ◌َّ كَيتَ وكَيتَ.
وتَكلَّفَ ابن المنيِّرِ فقال: وجه مطابقة التَّرجمة لقوله: «نحنُ الآخرون السابقونَ))
الإشارة إلى أنَّه الإمام، وأنَّه يَجِب على كلّ أحدٍ أن يقاتلَ عنه ويَنصُرِه، لأنَّه وإن تأخّرَ في
الزَّمان لكنَّه مُتقدِّم في أخذ العَهْد على كلّ مَن تقدَّمه: أنَّه إن أدرَكَ زمانه أن يُؤمِنَ به
ويَنصُرُه، فهم في الصُّورة أمامَه وفي الحقيقة خلَفه، فناسَبَ ذلك قوله: ((يُقاتَل مِن ورائه))
لأنَّه أعمُّ من أن يُرادَ بها الخلف أو الأمام.
وقوله فيه: ((وإن قال بغيرِه، فإنَّ عليه منه)) كذا هنا، قيل: استَعمَلَ القول بمعنى الفعل
حيثُ قال: ((فإن قال بغيره)) كذا قال بعض الشُّرّاح، وليس بظاهر، فإنَّ قَسِيمُ قوله: ((فإن
أمَر )) فيُحمَل على أنَّ المراد: وإن أمَر، والتَّعبير عن الأمر بالقول لا إشكال فيه. وقيل: معنى
((قال)» هنا: حَكَمَ، ثمَّ قيل: إنَّه مُشتَقٌ من القَيْل - بفتح القاف وسكون التَّحتانية - وهو
الملِك الذي يُنفَّذُ حكمه بلغة حمير.
وقوله: ((فإنَّ عليه منه)) أي: وِزراً، وحُذِفَ في هذه الرِّواية على طريق الاكتفاء لدلالة
مُقابِله عليه، وقد ثَبَتَ في غير هذه الرّواية كما سيأتي (٧١٣٧) إن شاء الله تعالى. ويحتمل أن
تكون ((مِن)) في قوله: ((فإنَّ عليه منه)) تَبعيضية، أي: فإنَّ علیه بعض ما يقول، وفي رواية

٢١٦
باب ١١٠ / ح ٢٩٥٨ -٢٩٥٩
فتح الباري بشرح البخاري
أبي زيد المروَزي: ((مُنَّةً)) بضمِّ الميم وتشديد النّون بعدها هاء تأنيث، وهو تصحيف بلا
رَيْب، وبالأوَّل جَزَمَ أبو ذَرّ.
وقوله: ((إنَّما الإمام ◌ُنَّة)) بضمِّ الجيم، أي: سُتْرة، لأنَّه يمنع العدوَّ من أذى المسلمين،
ويَكُفُّ أذى بعضهم عن بعض، والمراد بالإمام كلَّ قائم بأمورِ الناس، والله أعلم. وسيأتي
بقيَّة شرحه في كتاب الأحكام (٧١٣٧).
١١٠ - باب البيعة في الحرب أن لا يفرّوا، وقال بعضهم: على الموت
١١٧/٦
لقول الله عز وجل: ﴿لَّقَدْ رَضِىَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَابِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾
٢٩٥٨ - حدَّثْنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا جُوَيِرِيَةُ، عن نافعٍ، قال: قال ابنُ عمَرَ رضي الله
عنهما: رَجَعْنا مِن العام المقْبِلِ، فما اجتَمَعَ مَّ اثنانِ على الشجرةِ التي بايَعْنا تحتَها، كانت رحمةً مِن
الله. فسألْنا نافعاً: على أيِّ شيءٍ بابعَهم، على الموتِ؟ قال: لا، بل بايعَهم على الصَّبْر.
٢٩٥٩ - حدَّثْنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا وُهَيبٌ، حدَّثنا عَمُرُو بنُ يحيى، عن عبَّاد بنِ
تميمٍ، عن عبدِ الله بنِ زيدٍ ﴾ قال: لمَّا كان زمنُ الحَرّةِ أَتَاه آتٍ فقال له: إنَّ ابنَ حَنْظَلَ یُبابِعُ
الناسَ على الموتِ، فقال: لا أُبايعُ على هذا أحداً بعدَ رسولِ الله وَ لَ.
[طرفه في: ٤١٦٧]
قوله: ((باب البيعة في الحرب على أن لا يَفِرّوا، وقال بعضهم: على الموت)) كأنَّه أشارَ إلى
أن لا تَنافيَ بين الرِّوايتَين لاحتمال أن يكون ذلك في مقامَين، أو أحدهما يستلزم الآخرَ.
١١٨/٦
قوله: ((لقوله تعالى: ﴿لَّقَدْ رَضِىَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِينَ﴾ الآية [الفتح: ١٨])) قال ابن المنيِّر:
أشارَ البخاري بالاستدلال بالآية إلى أنَّهم بايعوا على الصَّبر، ووجه أخذه منها قوله تعالى:
﴿فَعَلِمَ مَا فِ قُلُوبِهِمْ فَأَنَزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ﴾، والسَّكينة: الطُّمأنينة في مَوقِف الحرب، فدَلَّ
ذلك على أنَّهم أضمروا في قلوبهم أن لا يَفِرُّوا، فأعانَهم على ذلك.
وتُعقِّبَ بأنَّ البخاري إنَّما ذكر الآية عَقِبَ القول الصَّائر إلى أنَّ المبايعة وَقَعَت على
الموت، ووجه انتزاع ذلك منها أنَّ المبايعة فيها مُطلَقة، وقد أخبر سَلَمةُ بن الأكوَع ـ- وهو

٢١٧
باب ١١٠ / ح ٢٩٥٨ -٢٩٥٩
كتاب الجهاد
ثمّن بايعَ تحت الشجرة - أنَّه بايعَ على الموت، فدَلَّ ذلك على أنَّه لا تَنافيَ بين قولهم: بايَعُوه
على الموت، وعلى عَدَم الفِرار، لأنَّ المراد بالمبايعة على الموت أن لا يَفِرّوا ولو ماتُوا، وليس
المراد أن يقع الموت ولا بُدَّ، وهو الذي أنكَرَه نافع وعَدَلَ إلى قوله: ((بل بايعَهم على الصَّبر))
أي: على الثَّبات وعَدَم الفِرار، سواءٌ أفضى بهم ذلك إلى الموت أم لا، والله أعلم.
وسيأتي في المغازي (٤١٦٢) موافَقةٌ المسيّب بن حَزْن - والد سعيد - لابن عمر على خَفاء
الشجرة، وبيان الحِكْمة في ذلك: وهو أن لا يَحصُل بها افِتان لما وقع تحتها من الخير، فلو
بقيت لمَا أُمِن تعظيم بعض الجهّال لها، حتَّى رُبَّما أفضى بهم إلى اعتقاد أنَّ لها قُوَّة نفع أو ضَرّ،
كما نراه الآن مُشاهَداً فيما هو دونها، وإلى ذلك أشارَ ابن عمر بقوله: «كانت رحمةً من الله)) أي:
كان خَفاؤُها عليهم بعد ذلك رحمةً من الله تعالى. ويحتمل أن يكون معنى قوله: ((رحمة من
الله)) أي: كانت الشجرة موضعَ رحمة الله، ومحلَّ رضوانه، لنزول الرِّضا عن المؤمنينَ عندها.
ثم ذکر فیه خمسة أحاديث:
أحدها: حديث ابن عمر: ((رَجَعْنا من العام المقبل فما اجتَمَعَ مَّا اثنانٍ على الشجرة التي
بايعنا - أي: النبي ◌َّ - تحتها)) أي: في عمرة الحديبية.
قوله: ((فسألْنا نافعاً)) قائل ذلك هو جُوَيريةُ بن أسماء الراوي عنه، وقد تَعقَّبَه الإسماعيلي
بأنَّ هذا من قول نافع وليس بمُسنَد، وأُجيب بأنَّ الظّاهر أنَّ نافعاً إِنَّا جَزَمَ بما أجاب به لمَا
فَهِمَه عن مولاه ابن عمر، فيكون مُسنَداً بهذه الطَّريقة.
ثانيها: حديث عبد الله بن زيد، أي: ابن عاصم الأنصاري المازني.
قوله: ((لمَّا كان زمن الحَرَّة)) أي: الوَقْعة التي كانت بالمدينة في زمن يزيد بن معاوية سنة
ثلاث وستينَ، کما سيأتي بیان ذلك في موضعه (٤١٦٧) إن شاء الله تعالى.
قوله: ((إنَّ ابن حَنظَلة)) أي: عبد الله بن حَنظَلة بن أبي عامر الذي يُعرَف أبوه بغسيل
الملائكة، والسَّبَب في تلقيبه بذلك أنَّهِ قُتِلَ بأُحدٍ وهو جُنُب فغَسَّلَته الملائكة، وعَلِقَت امرأته
تلك اللَّيلة بابنِه عبد الله بن حَنظَلة، فمات النبيِ وَّ﴿ وله سبع سنينَ، وقد حَفِظَ عنه.

٢١٨
باب ١١٠ / ح ٢٩٦٠
فتح الباري بشرح البخاري
وأتى الكِرْماني بأُعجُوبةٍ فقال: ابن حَنْظلة هو الذي كان يأخذ البيعة ليزيد بن معاوية،
والمراد به نفس يزيد؛ لأنَّ جَدّه أبا سفيان كان يُكنى أيضاً أبا حَنظَلة، فيكون التقدير: إنَّ
ابن أبي حَنظَلة، ثمَّ حُذِفَ لفظ ((أبي)) تخفيفاً، أو يكون نُسِبَ إلى عمّه حنظلة بن أبي سفيان
استخفافاً واستهجاناً واستبشاعاً بهذه الكلمة المرّة. انتهى، ولقد أطالَ رحمه الله في غير
طائل، وأتى بغير الصواب، ولو راجَعَ موضعاً آخر من البخاري لهذا الحديث بعينه، لَرأى
فيه ما نصُّه: لمَّا كان يوم الحرّة والناس يُبابِعونَ لعبد الله بن حنظلة، فقال عبد الله بن زيد:
علامَ يُبايع ابن حَنظَلة الناس؟ الحديث، وهذا الموضع في أثناء غزوة الحديبية من كتاب
المغازي (٤١٦٧)، فهذا يَرُدّ احتماله الثَّاني، وأمَّا احتماله الأوَّل فيَرُدُّه اتّفاق أهل النَّقل على
أنَّ الأمير الذي كان من قِبَل يزيد بن معاوية اسمه مسلم بن عُقْبة، لا عبد الله بن حَنظَلة،
وأنَّ ابن حَنظَلة كان الأمير على الأنصار، وأنَّ عبد الله بن مُطِيع كان الأمير على مَن
سواهم، وأَّهما قُتِلا جميعاً في تلك الوَقْعة (١)، والله المستعان.
قوله: ((لا أُبايع على هذا أحداً بعد رسول الله وَ ي)) فيه إيماء إلى أنَّه بايعَ رسول الله ◌َّآهٍ على
ذلك، وليس بصريح، ولذلك عَقَّبَه المصنّ بحديث سَلَمة بن الأكوع لتصريحه فيه بذلك.
١١٩/٦ قال ابن المنيِر: والحِكْمة في قول الصَّحابي: إنَّه لا يفعل ذلك بعد النبي وََّ، أنَّه كان
مُستَحقّاً للنبيِوَ ◌ِّ على كلّ مسلم أن يَقِيَه بنفسِه، وكان فرضاً عليهم أن لا يَفِرّوا عنه حتّى
يموتوا دونه، وذلك بخلاف غيره.
٢٩٦٠- حدَّثنا المكِّيُّ بنُ إبراهيمَ، حدَّثنا يزيدُ بنُ أبي عُبيدٍ، عن سَلَمَةَ ﴾ قال: بايعتُ
النبيَّ وَِّ ثَمَّ عَدَلْتُ إلى ظِلِّ شجرةٍ، فلمَّا خَفَّ الناسُ قال: ((يا ابنَ الأكْوَعِ، أَلَا تُبَايِعُ؟)) قال:
قلتُ: قد بايعتُ يا رسولَ الله، قال: ((وأيضاً)) فبايعتُهُ الثَّانيةَ. فقلتُ له: يا أبا مسلمٍ، على أيِّ
شيءٍ كنتُم تُبايِعونَ يومَئذٍ؟ قال: على الموتِ.
[أطرافه في: ٤١٦٩، ٧٢٠٦، ٧٢٠٨]
(١) بل بقي عبد الله بن مطيع بعد هذه الوقعة حتى قُتل مع عبد الله بن الزبير بمكة سنة ثلاث وسبعين، أي:
بعد عشر سنين من وقعة الحرَّة.

٢١٩
باب ١١٠ / ح ٢٩٦٠ - ٢٩٦٣
كتاب الجهاد
٢٩٦١ - حدَّثْنا حفصُ بنُ عمرَ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن مُميدٍ، قال: سمعتُ أنساً ظه يقول:
كانت الأنصارُ يومَ الخندَقِ تقولُ:
نحنُ الذين بايعُوا محمَّدا على الجهاد ما حَيِينا أبدا
فأجابهم النبيُّ ◌َّ فقال:
((اللهمَّ لا عيشَ إلَّا عيشُ الآخرَهْ فأكْرِم الأنصارَ والمهاجرَهْ))
٢٩٦٢، ٢٩٦٣ - حدَّثنا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ، سمعَ محمَّدَ بنَ فُضَيلٍ، عن عاصمٍ، عن أبي
عثمانَ، عن مُجاشِعٍ ﴾ قال: أتيتُ النبيَّ وَِّ أنا وأخي، فقلتُ: بابِعْنا على الهِجْرةِ، فقال: ((مَضَتِ
الهِجْرةُ لأهلِها)) فقلتُ: علامَ تُبَابِعُنا؟ قال: ((على الإسلامِ والجهادِ)).
[ح ٢٩٦٢ أطرافه في: ٣٠٧٨، ٤٣٠٥، ٤٣٠٧]
[ح ٢٩٦٣ أطرافه في: ٣٠٧٩، ٤٣٠٦، ٤٣٠٨]
ثالثها: حديث سَلَمة، فقوله: ((فقلت له: يا أبا مسلم)) هي كُنْيَة سَلَمة بن الأكوَع،
والقائل: ((فقلت)) الراوي عنه، وهو يزيد بن أبي عُبيد مولاه، وهذا الحديث أحد ثُلاثيّات
البخاري، وقد أخرجه في الأحكام أيضاً (٧٢٠٨)، ويأتي الكلام عليه هناك إن شاء الله تعالى.
قال ابن المنيِر: الحِكْمة في تَكْراره البيعةَ لسَلَمة أنَّه كان مِقداماً في الحرب، فأكَّد عليه العقْد
احتياطاً. قلت: أو لأنّه كان يقاتل قتال الفارس والرّاجل، فتَعَدَّدَت البيعة بتعدُّدِ الصِّفة.
رابعها: حديث أنس: كانت الأنصار يوم الخندق تقول:
نحنُ الذين بايعوا محمَّدا على الجهاد ما بَقِينا أبدا
وهو ظاهرٌ فيما ترجم به، وقد تقدَّم موصولاً في أوائل الجهاد (٢٨٣٤)، ويأتي الكلام
عليه في المغازي (٤٠٩٩) إن شاء الله تعالى.
خامسها: حدیث مجاشع: وهو ابن مسعود، وأخوه اسمه مجالد، بجیم، وسيأتي الكلام
عليه في المغازي في غزوة الفتح (٤٣٠٥ و٤٣٠٦) إن شاء الله تعالى.

٢٢٠
باب ١١١ / ح ٢٩٦٤
فتح الباري بشرح البخاري
١١١ - باب عَزْم الإمام على الناس فيما يطيقون
٢٩٦٤- حدَّثنا عثمانُ بنُ أبي شَيْبةَ، حدَّثنا جَرِيرٌ، عن منصورٍ، عن أبي وائلٍ، قال: قال
عبدُ الله : لقد أتاني اليومَ رجلٌ فسألني عن أمرٍ ما دَرَيتُ ما أَرُدُّ عليه، فقال: أرأيتَ رجلاً
مُؤْدِياً نشيطاً نَخْرُجُ مع أُمَرائنا في المغازي، فيَعزِمُ علينا في أشياءَ لا نُحْصِيها؟ فقلتُ له: والله لا
أدري ما أقولُ لكَ، إلا أنّا كَّا مع النبيِّ وَّه فعسى أن لا يَعِزِمَ علينا في أمرٍ إلا مَرَّةً حَتَّى نفعلَه، وإِنَّ
أحدَكم لن يزالَ بخيرٍ ما اتَّقَى اللهُ، وإذا شكَّ في نفسِه شيءٌ سألَ رجلاً فشَفَاه منه، وأوشَكَ أن لا
تَجِدُوه، والذي لا إلهَ إلا هو، ما أذكُرُ ما غَبَرَ مِنِ الدُّنْيَا إِلَّا كالثَّغْبِ شُرِبَ صَفْوُه، وبَقِيَ كَدَرُه.
قوله: ((باب عَزْم الإمام على الناس فيما يُطِيقون)) المراد بالعَزْم الأمر الجازم الذي لا تَرَدُّد
فيه، والذي يَتعلَّق به الجارُّ والمجرور محذوف تقديره مثلاً: مَحَلّه، والمعنى: وجوب طاعة
الإمام مَحَلُّه فیما لهم به طاقة.
قوله: ((قال عبد الله)) أي: ابن مسعود، وهذا الإسناد كلُّه كوفيّونَ.
قوله: ((أتاني اليومَ رجل)) لم أقِفْ على اسمِه.
قوله: ((مُؤْدياً)) بهمزةٍ ساكنة وتحتانية خفيفة، أي: كامل الأداء، أي: أداة الحرب، ولا
يجوز حذفُ الهمزة منه لئلا يصير من أَودَى: إذا هَلَكَ، وقال الكِرْماني: معناه: قويّاً؛ وكأنَّه
فسَّرَه باللّازم بالمعنى.
وقوله: ((نشيطاً) بِنون وبمُعجَمة، من النّشاط.
قوله: «نَخرُج مع أُمَرائنا)» كذا في الرّواية بالنُّون من قوله: نَخرُج، وعلى هذا فالمراد بقوله:
((رجلاً)) أحدُنا، أو هو محذوف الصِّفة، أي: رجلاً منَّا، وعلى هذا عَوَّلَ الكِرْماني؛ لأنَّ السِّياق
يقتضي أن يقول: مع أُمرائه، وفيه حينئذٍ الْتِفات. ويحتمل أن يكون بالتَّحتانية بدل النّون، وفيه
أيضاً الْتِفات.
قوله: ((لا نُخْصيها)) أي: لا نُطيقها، لقوله تعالى: ﴿عَلِمَ أَن لَّنْ تُخُصُوهُ﴾ [المزمل: ٢٠]، قيل:
لا ندري أهي طاعة أم معصية، والأوَّل مُطابِقٍ لمَا فَهِمَ البخاري، فتَرجَم به، والثَّاني موافق