Indexed OCR Text

Pages 181-200

١٨١
باب ٨٣ / ح ٢٩٠٩
كتاب الجهاد
فاسْتَقْبَلهم النبيُّونَ﴿ وقد استبرأَ الخبرَ وهو على فرسٍ لأبي طَلْحةَ عُرْيٍ، وفي عُنُقِهِ السَّيفُ،
وهو يقول: (لم تُراعُوا، لم تُراعُوا)) ثمّ قال: ((وَجَدْناه بَحْراً) أو قال: ((إنَّه لَبَحْرٌ)).
قوله: ((باب الحمائل وتعليقِ السَّيف بالعُنُقَ)) الحَمائلُ بالمهمَلة: جمعُ حَميلة، وهي ما يُقلَّدُ به
السّيف.
وأورد فيه حديث أنس، وقد تقدَّم في ((باب الفرس العُرْي)) (٢٨٦٦) و((باب الشَّجاعة
في الحرب)) (٢٨٢٠)، وسياقه هنا أتمُّ، وسبق شرحه في الهِبَة (٢٦٢٧). والغَرَضُ منه هنا
قوله: ((وفي عُنُقِهِ السَّيف))، فدَلَّ على جواز ذلك.
وقوله: (لم تُراعُوا)) وقع في رواية الحَمُّوِيّ والكُشْمِيهني مرَّتين.
قال ابن المنيِرِ: مقصودُ المصنّف من هذه التَّراجم أن يُبيِّ زِيَّ السَّلَف في آلة الحرب،
وما سبق استعماله في زمن النبي وَلَّ، ليكونَ أطيبَ للنَّفْسِ وأَنفى للبدعة.
٨٣- باب ما جاء في حِلْية السيوف
٢٩٠٩- حدَّثنا أحمدُ بنُ محمَّدٍ، أخبرنا عبدُ الله، أخبرنا الأوزاعيُّ، قال: سمعتُ سليمانَ
ابنَ حَبِيب، قال: سمعتُ أبا أمامةَ يقول: لقد فَتَحّ الفُتُوحَ قومٌ ما كانت حِلْيةُ سيوفِهم الذَّهبَ
ولا الفِضّةَ، إِنَّا كانت حِلْيْتُهم العَلَابِنَّ والآنُكَ والحديدَ.
قوله: ((باب ما جاء في حِلْية السُّيوف)) أي: من الجواز وعَدَمه.
قوله: «سمعتُ سلیمان بن حبیب) هو المُحَاربي قاضي دمشق في زمن عمر بن عبد
العزيز وغيره، ومات سنة عشرين أو بعدَها، وليس له في البخاري سوى هذا الحديث.
قوله: (لَقد فَتَحَ الفُنُوحَ قوم)) وقع عند ابن ماجَهْ (٢٨٠٧) لتحديث أبي أُمامةَ بذلك
سببٌ وهو: دَخَلْنا على أبي أمامةَ فرأى في سيوفِنا شيئاً من حِلية فِضَّة، فَغَضِبَ وقال ...
فذكره، وزادَ الإسماعيلي في روايتِهِ: أنَّه دَخَلَ عليه بحِمْص وزادَ فيه: لَأنْتُم أبخَلُ من أهل
الجاهلية، إنَّ الله يَرْزُقُ الرجل منكم الدِّرهَمَ يُنفِقُه في سبيل الله بسبع مئةٍ ثُمَّ أَنْتُم تُمسِكونَ،/ ٩٦/٦
وأخرجه هشام بن عَّار في ((فوائدِه)) والطبراني (٧٤٩٣) من طريقِه من وجهٍ آخرَ عن

١٨٢
باب ٨٤ / ح ٢٩١٠
فتح الباري بشرح البخاري
سليمانَ بن حبيب قال: نزلنا حِمِصَ قافلينَ من الرُّوم، فإذا عبد الله بن أبي زكريًّا ومكحول،
فانطَلَقنا إلى أبي أُمامةَ فإذا شيخٌ هَرٌِ، فلمَّا تَكلَّمَ إذا رجل يَبلُغُ حاجتَه، ثمَّ قال: إنَّ
رسولَ اللهِ وَلَ﴿ بَلَّغَ ما أُرسِلَ به، وأنتُم تُبلِّغونَ عنَّا، ثمَّ نظرَ إلى سيوفِنا فإذا فيها شيء من
الفِضَّة، فغَضِبَ حتَّى اشتَدَّ غَضَبُه.
قوله: ((العَلَابي) بفتح المهمَلة وتخفيف اللّام وكسر الموخَّدة: جمع عِلْباء بسكون اللّام،
وقد فسَّرَه الأوزاعي في رواية أبي نُعيم في ((المستَخرَج)) فقال: العَلَابي: الجلود الخامُ التي
ليست بمدبوغةٍ، وقال غيرُه: العَلابي: العَصَب تُؤْخَذُ رَطبةً فيُشَدُّ بها جُفونُ السُّيوف
وتُلوَى عليها فتَجِفُّ، وكذلك تُلَوَى رَطبةً على ما يُصدَعُ من الرِّماح، وقال الخطَّابي: هي
عُصُبُ العُنُقِ، وهي أمتَنُ ما يكون من عَصَبِ البعير.
وزَعَم الدَّاوودي أنَّ العَلَابي ضربٌ من الرَّصاص، فأخطأَ كما نبّه عليه القَزّازُ في ((شرح
غريب الجامع الصحيح))، وكأنَّه لمَّا رآه قُرِنَ بالآنُك ظنَّه ضرباً منه.
وزاد هشام بن عمَّار في روايتِهِ: ((والحديد)) وزادَ فيه أشياءَ لا تتعلَّقُ بالجهاد.
والآنُك: بالمدِّ وضمِّ النّون بعدَها كافٌ، وهو الرَّصاصُ، وهو واحدٌ لا جمعَ له، وقيل: هو
الرَّصاص الخالصُ، وزَعَمَ الداوودي أنَّ الآنُك القِصْدير. وقال ابن الجَوْزيّ: الآنُك:
الرَّصاصُ القَلَعي - وهو بفتح اللّم - منسوب إلى القَلَعة: موضع بالبادية يُنْسَبُ ذلك إليه،
وتُنسَبُ إليه السُّيوفُ أيضاً، فيقال: سيوفٌ قَلَعيَّةٌ، وكأنَّه مَعدِنٌ يُوجَدُ فيه الحديد والرَّصاص.
وفي هذا الحديث أنَّ تحليةَ السُّيوفِ وغيرها من آلات الحربِ بغير الفِضَّة والذَّهبِ
أَولى، وأجاب مَن أباحَها بأنَّ تحليةَ السُّيوفِ بالذَّهبِ والفِضَّة إنَّما شُرِعَ لإرهاب العدوّ،
وكان لأصحاب رسول الله وَ ﴿ عن ذلك غُنيَة لشِدَّتِهِم في أنفُسِهم، وقُوَّتهم في إيمانهم.
٨٤- باب من علَّق سيفه بالشجر في السفر عند القائلة
٢٩١٠ - حدَّثنا أبو اليَمَان، أخبرنا شعيبٌ، عن الزُّهْريِّ، قال: حذَّثني سِنانُ بنُ أبي سِنانٍ
الدُّؤَلِيُّ، وأبو سَلَمَةَ بنُ عبدِ الرَّحمن، أنَّ جابرَ بنَ عبدِ الله رضي الله عنهما أخبَرَه: أنَّه غَزَا مع

١٨٣
باب ٨٥-٨٦ / ح ٢٩١١ - ٢٩١٢
كتاب الجهاد
رسولِ الله وَّهِ قِبَلَ نَجْدٍ، فلمَّا قَفَلَ رسولُ اللهِ وَِّ قَفَلَ معه، فأدرَكَتْهم القائلةُ في وادٍ كثير
العِضَاهِ، فنزلَ رسولُ الله ◌َّةِ، وتَفرَّقَ الناسُ يَسْتَظِلّونَ بِالشَّجَرِ، فنزلَ رسولُ الله ◌َِّ تحتَ
شجرةٍ وعَلَّقَ بها سيفَه، ونِمْنا نومةً، فإذا رسولُ الله ◌َّهِ يَدْعونا، وإذا عندَه أعرابيٌّ، فقال: ((إنَّ
هذا اخترَطَ عليَّ سيفي وأنا نائمٌ، فاستَقَظْتُ وهو في يدِهِ صَلْتاً، فقال: مَن يَمْنَعُكَ مِنِّي؟
فقلتُ: اللهُ) ثلاثاً؛ ولم يُعاقِبْه، وجَلَسَ.
[أطرافه في: ٢٩١٣، ٤١٣٤، ٤١٣٥، ٤١٣٦]
قوله: ((باب مَن عَلَّقَ سيفَه بالشَّجَر في السَّفَر عند القائلة» ذكر فيه حديث جابر في قصَّة
الأعرابي الذي اختَرَطَ سيفَ النبيِ نَّهِ وهو نائمٌ، والغَرَضُ منه قوله: ((فنزل تحت شجرةٍ
فعلَّقَ بها سيفَه))، وسيأتي شرحُه في كتاب المغازي (٤١٣٥).
٨٥- باب لُبْس البيضة
٢٩١١ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ مَسلَمَةَ، حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ أبي حازم، عن أبيه، عن سَهْلٍ
ضُ:/ أنَّه سُئِلَ عن مُرْحِ النبيِّ وَه يومَ أُحدٍ فقال: جُرِحَ وجهُ النبِّلَّهِ وَكُسِرَت رَباعيَتُه، ٩٧/٦
وهُشِمَتِ الْبَيضةُ على رأسِه، فكانت فاطمةُ عليها السلام تَغسِلُ الدَّمَ وعليٍّ يُمسِكُ، فلمَّا رَأتْ
أنَّ الدَّمَ لا يزيدُ إلا كَثْرَةً أَخَذَت حصيراً فأحرَقَتْه حتَّى صارَ رَماداً، ثمَّ ألزَقَتْه، فاستَمْسَكَ الدَّمُ.
قوله: ((باب لُبْس البيضة)) بفتح الموخَّدة، وهي ما يُلبَسُ في الرَّأسِ من آلات السِّلاح،
ذكر فيه حديثَ سَهْل بن سعد الماضي قبلَ أربعة أبوابٍ (٢٩٠٣) لقوله فيه: ((وهُشِمَت
البَيضةُ على رأسِه»، وقد تقدَّمت الإشارة إلى مكانٍ شرحه(١).
٨٦ - باب من لم ير كسر السّلاح عند الموت
٢٩١٢ - حدَّثنا عَمرُو بنُ عبَّاسِ، حدَّثنا عبدُ الرَّحمن، عن سفيانَ، عن أبي إسحاقَ، عن عَمرِو
ابنِ الحارثِ قال: ما تَرَكَ النبيُّ ◌َّهِ إِلَّ سلاحَه، وبَغْلَةً بيضاءَ، وأرضاً بخيبرَ جَعَلَهَا صَدَقَةً.
(١) سيأتي شرحه برقم (٤٠٧٥).

١٨٤
باب ٨٧ / ح ٢٩١٣
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((باب مَن لم يرَ كَسْرَ السِّلاح(١) عند الموت)) كأنَّه يشيرُ إلى رَدِّ ما كان عليه أهلُ
الجاهلية من كسر السِّلاح وعَقْر الدَّواب إذا مات الرّئيسُ فيهم، ورُبَّما كان يَعهَدُ بذلك
إليهم، قال ابن المنيِّر: وفي ذلك إشارة إلى انقطاع عمل الجاهلي الذي كان يعملُه لغير الله،
وبُطْلان آثاره، وحُول ذِكْره، بخلاف سُنَّة المسلمين في جمیع ذلك. انتهى.
ولعلَّ المصنِّفَ لَمَّحَ بذلك إلى مَن يُقِلَ عنه: أنَّه كَسَرَ رُمحَه عند الاصطِدام حتَّى لا يَغْنَمَه
العدوُّ أن لو قُتِلَ، وکَسَرَ جَفْن سیفه وضَرَبَ بسیفه حتّى قُتِل، کما جاء نحو ذلك عن جعفر
ابن أبي طالب في غزوة مُؤْتَةَ، فأشارَ إلى أنَّ هذا شيءٌ فعلَه جعفرٌ وغيرُه عن اجتهاد، والأصلُ
عدم جواز إتلاف المال؛ لأنَّه يفعلُ شيئاً مُحقَّقاً في أمرٍ غير مُحْقَّقِ.
وذكر فيه حديث عَمْرو بن الحارث الخُراعي: ((ما تَرَكَ النبيُّ وَلَه ـ أي: عند موتِه - إلَّا
سلاحَه)) الحديث، وقد تقدَّم في الوَصايا (٢٧٣٩)، وسيأتي شرحه في آخر المغازي
(٤٤٦١). وزَعَمَ الكِرْماني أنَّ مُناسَبتَه للتَّرجمة: أَنَّه ◌ِبَلِ مات وعليه دينٌ ولم يَبِع فيه شيئاً
من سلاحه، ولو كان رَهَنَ دِرعَه، وعلى هذا فالمراد بكسر السِّلاح بيعُه؛ ولا يخفى بُعْدُه.
٨٧ - باب تفرُّق الناس عن الإمام عند القائلة والاستظلال بالشجر
٢٩١٣ - حدَّثنا أبو اليَمَان، أخبرنا شعيبٌ، عن الزُّهْريِّ، حدَّثني سِنانُ بنُ أبي سِنانٍ وأبو
سَلَمَةَ، أَنَّ جابراً أخبره.
حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا إبراهيمُ بنُ سعدٍ، أخبرنا ابنُ شِهابٍ، عن سِنانِ بنِ أبي
سِنانِ الدُّؤَلِيِّ، أنَّ جابرَ بنَ عبدِ الله رضي الله عنهما أخبَرَهُ: أنَّه غَزَا مع النبيِّ وَّهِ فَأدرَكَتْهم
القائلةُ في وادٍ كثيرِ العِضَاهِ، فَتَفَرَّقَ الناسُ في العِضَاء يَستَظِلُّونَ بِالشَّجَرِ، فنزل النبيُّ نَّه تحتَ
شجرةٍ فَعَلَّقَ بها سيفَه ثمَّ نامَ، فاستَيقَظَ وعندَه رجلٌ وهو لا يَشِعُرُ به، فقال النبيُّ وَّ: ((إنَّ هذا
اخترَطَ سيفي فقال: فمن يَمْنَعُكَ؟ قلتُ: اللهُ، فشامَ السَّيفَ، فها هو ذا جالسٌ)) ثمَّ لم يُعاقِبْه.
(١) زاد في (أ) و(س): وعَقْر الدواب، وهذه الزيادة ليست في (ع) ولا في شيء من نسخ اليونينية في ترجمة الباب.

١٨٥
باب ٨٨ / ح ٢٩١٤
كتاب الجهاد
قوله: ((بابُ تَفُرُّقِ الناسِ عن الإمام عند القائلةِ والاستِظْلال بالشَّجَر)) ذكر فيه حديثَ
جابر الماضي قبلَ بابين (٢٩١٠)/ من وجهَين، وهو ظاهرٌ فيما ترجم له، وقد تقدَّمت ٩٨/٦
الإشارة إلی مکان شرحه.
قال القُرْطُبي: هذا يدلُّ على أنَّه ◌ِوَِّ كان في هذا الوَقْت لا يَحَرُسُه أحدٌ من الناس،
بخلاف ما كان عليه في أوَّل الأمر، فإنَّه كان يُحِرَسُ حتَّى نزل قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْضِمُكَ
مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧]. قلت: قد تقدَّم ذلك قبلَ أبوابٍ(١)، لكن قد قيل: إنَّ هذه القصَّةَ
سببُ نزول قوله تعالى: ﴿وَاَللَّهُ يَعْضِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾، وذلك فيما أخرجه ابن أبي شَيْبةَ من
طريق محمَّدٍ بن عَمْرو، عن أبي سَلَمة، عن أبي هريرة قال: كنَّا إذا نزلنا طَلَبنا للنبيِ وَّ أعظَمَ
شجرةٍ وأظَلَّها، فنزل تحت شجرةٍ، فجاء رجلٌ فأخَذَ سيفَه فقال: يا محمَّدُ، مَن يمنعُك مِنّي؟
قال: ((الله))، فأنزَلَ الله: ﴿وَاللَّهُ يَعْضِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾. وهذا إسنادٌ حسنٌ، فيحتملُ إن كان
محفوظاً أن يقال: كان مُخَيَّراً في اتّخاذِ الحرس، فَتَرَكَه مرَّةً لِقُوَّة يقينه، فلمَّا وَقَعَت هذه القصَّةُ
ونزلت هذه الآيةُ، تَرَكَ ذلك.
٨٨- باب ما قيل في الرِّماح
ويُذكَرُ عن ابنِ عمرَ: عن النبيِّ ◌َّهِ: ((جُعِلَ رِزْقِي تحتَ ظِلِّ رُنحي، وجُعِلَ الذِّلَهُ والصَّغَارُ
على مَن خالَفَ أَمْرِي)».
٢٩١٤- حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، أخبرنا مالكٌ، عن أبي النَّضْرِ مولى عمرَ بنِ عُبيدِ الله،
عن نافعٍ مولى أبي قَتَادَ الأنصاريِّ، عن أبي قَتَادَةَ ◌ّهِ: أنَّه كان مع رسولِ الله وَِّ، حتَّى إِذا كان
ببعضٍ طَرِيقِ مكَّةَ تَخَلَّفَ مع أصحابٍ له مُحِمِينَ وهو غيرُ مُحِرِم، فرأى حماراً وَحْشيّاً، فاستَوَى
على فرسِه، فسأل أصحابَه أن يُناوِلُوه سَوْطَه فأبَوْا، فسألهم رُتْحَه فأبَوْا، فأخَذَه ثمَّ شَدَّ على
الحمار فقَتَلَه، فأكَلَ منه بعضُ أصحاب النبيِّ وَّهِ وَأبَى بعضٌ، فلمَّا أدرَكُوا رسولَ اللهِوَهـ
سألُوه عن ذلك قال: ((إنَّما هي طُعْمَةٌ أَطْعَمَكُمُوها اللهُ).
(١) انظر ((باب الحراسة في الغزو في سبيل الله))، وأول حديث فيه (٢٨٨٥) . .

١٨٦
باب ٨٨ / ح ٢٩١٤
فتح الباري بشرح البخاري
وعن زيد بنٍ أسلَمَ، عن عطاءِ بنِ يَسارٍ، عن أبي قَتَادةَ في الحمار الوَحْشِيِّ مِثلُ حديث أبي
النَّضْرِ، قال: ((هل معكم من لحمِه شيءٌ؟)).
قوله: ((باب ما قيل في الرِّماح)) أي: في اتّاذِها واستعمالها، أي: من الفضل.
قوله: ((ويُذكَر عن ابن عُمَر ... )) إلى آخره، هو طرفٌ من حديثٍ أخرجه أحمدُ (٥١١٤)
من طريق أبي مُنِيب - بضمِّ الميم وكسر النّون ثمَّ تحتانية ساكنة ثمَّ موخَّدة - الجُرَشي بضمِّ
الجيم وفتح الرّاءِ بعدَها مُعجَمةٌ، عن ابن عمر بلفظ: (بُعِثتُ بين يَدَي الساعة مع السَّيف،
وجُعِلَ رِزقي تحت ظِلّ رُمِي، وجُعِلَت الذِّلَّة والصَّغَار على مَن خالَفَ أمري، ومَن تَشَبَّهَ
بقومٍ فهو منهم))(١)، وأخرج أبو داود (٤٠٣١) منه قوله: ((مَن تَشَبَّهَ بقوم فهو منهم)) حَسْبُ
من هذا الوجه، وأبو مُنيب لا يُعرَفُ اسمُه، وفي الإسناد عبدُ الرَّحمن بن ثابت بن ثَوْبانَ
مُخْتَلَفٌ في توثيقه، وله شاهدٌ مُرسَلٌ بإسنادٍ حسنٍ أخرجه ابن أبي شَيْبةَ (٣٤٩/١٢ -٣٥٠)
من طريق الأوزاعي عن سعيد بن جَبَلةَ [عن طاووس](٢) عن النبي ◌َّ، بتمامه.
وفي الحديث إشارةٌ إلى فضل الرُّمح، وإلى حِلُّ الغنائم لهذه الأمَّة، وإلى أنَّ رِزقَ النبي
وَّ جُعِلَ فيها لا في غيرها من المكاسب، ولهذا قال بعضُ العلماءِ: إنّها أفضلُ المكاسب،
والمرادُ بالصَّغَار - وهو بفتح المهمَلة وبالمعجمة -: بَذلُ الجِزْية، وفي قوله: ((تحت ظِلّ رُمحي))
إشارةٌ إلى أنَّ ظِلَّه ممدودٌ إلى أبد الآباد، والحكمة في الاقتصار على ذِكْرِ الرُّمح دون غيره من
آلات الحربِ كالسَّيفِ: أنَّ عادتَهم جَرَت بجَعْل الرّايات في أطراف الرِّماح، فلمَّا كان ظِلُّ
الرُّمح أسبَغَ، كان نِسبةُ الرِّزْق إليه أليَقَ. وقد تَعَرَّضَ في الحديث الآخرِ لظِلِّ السَّيفِ كما
٩٩/٦ سيأتي قريباً (٢٩٦٦) من قوله وَي: ((الجنَّةُ تحت ظِلال السُّيوف)) فنُسِبَ الرِّزقُ إلى ظِلّ
الرُّمح لمَا ذكرتُه أنَّ المقصودَ بذِكْرِ الرُّمح الرّايةُ، ونُسِبَت الجنَّة إلى ظِلِّ السَّيفِ؛ لأنَّ
الشَّهادةَ تَقَعُ به غالباً، ولأنَّ ظِلّ السَّيفِ يَكثُر ظهورُه بكثرة حركة السَّيفِ في يدِ المقاتل،
ولأنَّ ظِلّ السَّيف لا يَظهَرُ إلَّا بعدَ الضَّربِ به؛ لأنَّه قبلَ ذلك يكون مغموداً مُعلَّقاً.
(١) إسناده ضعيف كما هو مبيَّن في التعليق على الحديث في ((مسند أحمد)).
(٢) سقط من الأصلين و(س)، واستدركناه من ((المصنف)).

١٨٧
باب ٨٩ / ح ٢٩١٥-٢٩١٧
كتاب الجهاد
وذكر المصنف في الباب حديث أبي قَتَادة في قصَّة الحمار الوحشي بإسنادين لمالك، وقد
تقدَّم شرحُهُ مُستَوفَّى في الحجِّ (١٨٢١)، والغَرَض منه قوله: ((فسألهم رُمحَه فأبوا)).
٨٩ - باب ما قيل في درع النبيّ وَّ والقميص في الحرب
وقال النبيُّ ◌َّ: ((أمَّا خالدٌ فقَدِ احتَبَسَ أدراعَه في سبيلِ الله)).
٢٩١٥ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ المثنَّى، حدَّثنا عبدُ الوهَّاب، حدَّثنا خالدٌ، عن عِكْرمةً، عن ابنِ
عبَّاسٍ رضي الله عنهما قال: قال النبيُّ وَّهِ وهو في قُبَةٍ: «اللهمَّ إنّ أنشُدُكَ عَهْدَكَ ووَعْدَكَ،
اللهمَّ إن شِئتَ لم تُعبَدْ بعدَ اليوم)). فأخَذَ أبو بكرٍ بيدِه فقال: حَسْبُكَ يا رسولَ الله، فقد
ألحَحْتَ على ربِّكَ. وهو في الدِّرْعِ، فَخَرَجَ وهو يقول: ((﴿ سَيُّهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُونَ الدُّبُرَ ◌ّ بَلِ
السّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ ﴾ [القمر: ٤٥-٤٦])).
وقال وُهَيبٌ: حدّثنا خالدٌ: ((یومَ بدٍ)).
[أطرافه في: ٣٩٥٣، ٤٨٧٥، ٤٨٧٧]
٢٩١٦- حدَّثْنا محمَّدُ بنُ كَثيرٍ، أخبرنا سفيانُ، عن الأعمَشِ، عن إبراهيمَ، عن الأسوَدِ،
عن عائشةَ رضي الله عنها قالت: تُوقِّيَ رسولُ اللهِ وَّهِ ودِرْعُه مَرهُونَةٌ عندَ يهوديٍّ بثلاثينَ
صاعاً من شعيرٍ.
وقال یَعْلَى: حدَّثنا الأعمَثُ: دِرْعٌ من حدید.
وقال مُعلَّى: حدَّثنا عبدُ الواحدِ، حدَّثنا الأعمش، وقال: رَهَنَه ◌ِرْعاً من حديدٍ.
٢٩١٧- حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا وُهَيبٌ، حذَّثنا ابنُ طاووسٍ، عن أبيه، عن أبي
هريرةَ عُ، عن النبيِّ وَِّ قال: ((مَثَلُ البخيلِ والمتصدِّقِ مَثَلُ رجلَين عليهما جُبَّتَانِ من حديدِ،
قد اضْطَرَّت أيدِيَهما إلى تَراقِيهما، فكلّما هَمَّ المتصدِّقُ بصَدَقَتِهِ اتَّسَعَتْ عليه حتَّى تُعفِّيَ أَثَرَه،
وكلَّما هَمَّ البخيلُ بالصَّدَقةِ انقَبَضَت كلُّ حَلْقةٍ إلى صاحبَتِها، وتَقَلَّصَت عليه، وانضمَّت يداهُ
إلى تَراقِيه) فسمعَ النبيَّ ◌َِّه يقول: ((فَيَجْتَهِدُ أن يُوسِّعَها فلا تَنَّسِعُ)».
قوله: ((باب ما قيل في دِرْع النبي ◌ِّر)) أي: من أيِّ شيءٍ كانت؟

١٨٨
باب ٨٩ / ح ٢٩١٥ -٢٩١٧
فتح الباري بشرح البخاري
وقوله: ((والقميصِ في الحرب)) أي: حكمُه وحكمُ لُبسِه.
قوله: ((وقال النبي ◌َّ: أمَّا خالدٌ فقد احتَسَ أدراعَه في سبيلِ الله)) هو طرفٌ من حديثٍ
لأبي هريرة تقدَّم شرحُه في كتاب الزكاة (١٤٦٨)، والأدراعُ: جمعُ دِرْعٍ، وهو القميصُ
المَتَّخَذُ من الزَّرَد، وأشارَ المصنِّفُ بذِكْرِ هذا الحديث إلى أنَّ النبيِِّ كما لَبِسَ الدِّرعَ فيما
ذكره في الباب، ذكر الدِّرِعَ ونَسَبَه إلى بعض الشُّجعانِ من الصحابة، فدَلَّ على مشروعيتِه
وأنَّ لُبسَها لا ينافي التوكُّلَ.
ثم ذکر فیه أحاديث:
الأول: حديثُ ابن عبّاسٍ في دعاءِ النبي ◌َ﴿ِ يومَ بدرٍ، والغَرَضُ منه قوله: ((وهو في
الدِّرعِ».
وقوله فيه: ((حدَّثنا عبد الوهّاب)) هو ابن عبد المجيد الثَّقَفي.
١٠٠/٦
وقوله: ((وقال وُهَيب)) يعني: ابن خالدٍ/ ((حدَّثنا خالدٌ: يومَ بدرٍ)) يعني: أنَّ وُهَيب بن
خالد رواه عن خالدٍ: وهو الحَذّاءُ شیخُ عبد الوهّاب فیه، عن عكرمةَ عن ابن عبّاس، فزاد
بعدَ قوله: ((وهو في قُبَّةٍ»: يومَ بدر، وقد رواه محمَّدُ بن عبد الله بن حَوشَبٍ عن عبد الوهّاب
كذلك كما سيأتي في المغازي (٣٩٥٣)، وكذلك قال إسحاقُ بنُ راهويه عن عبد الوهّاب
الثَّقَفي، فلعلَّ محمَّدَ بن المثنَّى شيخ البخاري لم يَحَفَظْها، وروايةُ وُهَيب وَصَلَها المؤلِّفُ في
تفسير سورة القمر (٤٨٧٥)، ويأتي بيانُ ما استُشكِلَ من هذا الحديث في غزوة بدرٍ (٣٩٥٣)،
وهو من مراسِيل الصحابة؛ لأنَّ ابن عبّاس لم يَحَضُر ذلك، وسيأتي ما فيه هناك.
ثانيها: حديثُ عائشةَ: ((تُوفّى النبيِوَّهُ ودِرِعُه مَرُهُونةٌ)) الحديث.
قوله: ((وقال يَعْلى: حدَّثنا الأعمَشُ: دِرْعٌ من حديد)) يعني: أنّ يعلى - وهو ابن عُبيدٍ -
رواه عن الأعمَشِ بالإسناد المذكور، فزادَ: أنَّ الدِّرعَ كانت من حديد، وقد وَصَلَه المؤلِّفُ
في السَّلَم (٢٢٥١) كذلك.

١٨٩
باب ٩٠ / ح ٢٩١٨
كتاب الجهاد
قوله: ((وقال مُعلَّى: عن عبد الواحد)) يعني: أنَّ مُعلَّى بن أسَدٍ رواه عن عبد الواحد بن
زياد فقال فيه أيضاً: ((رَهَنَه دِرعاً من حديد))، وقد وَصَلَه المصنِّفُ في الاستقراض
(٢٣٨٦)، وتقدَّم الكلامُ على شرحِه مُستَوفَّى في كتاب الرَّهن (٢٥٠٩).
ثالثها: حديثُ أبا هريرة في البخيل المتصدِّق، وقد تقدَّم شرحُه مُستَوفَّى في كتاب الزكاة
(١٤٤٣).
والغَرَض منه هنا ذِكْرِ الْجُبَّتين، فإنَّه رُوِيَ بالموخَّدة، وهو المناسبُ لِذِكْرِ القميصِ في
التَّرجمة، ورُويَ بالنُّون وهو المناسبُ للدِّرع، وقد تقدَّم بيانُ اختلاف الرُّواة في ذلك هناك.
والجُبَّةَ - بالموخَّدة -: ما قُطِعَ من الثّاب مُشْمَّراً، قاله في ((المَطَالع))، ومَحَلُّ استشهاده
للتَّرجمة - وإن كان الممثَّلُ به في المثل لا يُشتَرَطُ وجودُه فضلاً عن مشروعيتِه - من جِهَة
أنَّه مُثِّلَ بدِرْع الكريم، فتشبيه الكريم المحمود بالدِّرع يُشعِرُ بأنَّ الدِّرعَ محمودٌ، وموضع
الشّاهدِ منه دِرعُ الكريم لا دِرعُ البخيل، وكأنَّه أقامَ الكريمَ مقامَ الشُّجاع لتَلازِمِهما غالباً،
وكذلك ضِدُّهما.
٩٠ - باب الجُبّة في السفر والحرب
٢٩١٨- حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا عبدُ الواحدِ، حدَّثنا الأعمَشُ، عن أبي
الضُّحَى مسلم - هو ابنُّ صُبَيَح - عن مسروقٍ، قال: حدَّثني المغيرةُ بنُ شُعْبَةَ قال: انطَلَقَ
رسولُ اللهَ وَّ لِحَاجَتِهِ، ثمَّ أقبَلَ، فَتَلَقَّيْتُهُ بماءٍ - وعليه جُبّةٌ شاميَّةٌ - فَمَضْمَضَ واستَنْشَقَ وغَسَلَ
وجهَه، فذهب يُخْرِجُ يديه من كُمَّه - فكانا ضَيِّقَينِ، فأخرجَهما من تحتُ، فَسَلَهما، ومَسَحَ
برأسِه وعلى خُفَّيه.
قوله: ((باب الجبَّة في السَّفَر والحرب)) ذكر فيه حديث المغيرة في قصَّة المسح على الخُفَّين،
وفيه ((وعليه جُبَّةٌ شاميةٌ))، وفيه: ((فذهب يُرِجُ يديه من كُمَّيه وكانا ضَيِّقَين))، وهو ظاهرٌ
فيما ترجم له، وقد تقدَّم الكلامُ على الحديث مُستَوَى في ((باب المسح على الخُفَّين)) من كتاب
الطَّهارة (١٨٢).

١٩٠
باب ٩١ / ح ٢٩١٩ - ٢٩٢٢
فتح الباري بشرح البخاري
٩١ - باب الحرير في الحرب
٢٩١٩- حذَّثنا أحمدُ بنُ المِقْدام، حدَّثنا خالدُ بن الحارثِ، حدَّثنا سعيدٌ، عن قَتَادةَ، أنَّ
أنساً حدَّثهم: أنَّ النبيَّ ◌َّهِ رَخَّصَ لعبدِ الرَّحمن بنِ عَوْفٍ والزُّبَيرِ فِي قَميصٍ من حريرٍ، من
حِگٍّ کانت بهما.
[أطرافه في: ٢٩٢٠، ٢٩٢١، ٢٩٢٢، ٥٨٣٩]
١٠١/٦ ٢٩٢٠ - حدَّثنا أبو الوليدِ، حدَّثنا همَّامٌ، عن قَتَادةَ، عن أنسٍ. حدَّثنا محمَّدُ بنُ سِنانٍ، حدَّثنا
هَّامٌ، عن قَتَادةَ، عن أنسٍ ﴾: أنَّ عبدَ الرَّحمن بنَ عَوْفٍ والزُّبَيرَ شَكَوَا إلى النبيِّ ◌َّهِ - يعني:
القَمْلَ - فأرخَصَ لهما في الحريرِ، فرأيتُهُ عليهما في غَزَاةٍ.
٢٩٢١ - حدَّثْنا مُسدَّدٌ، حدّثنا يحيى، عن شُعْبةَ، أخبرني قَتَادةُ، أنَّ أنساً حدَّثهم قال: رَخَّصَ
النبيُّ ◌َ ﴿ لعبدِ الرَّحمن بنِ عَوْفٍ والزُّبیر بنِ العَوّام في حریرٍ.
٢٩٢٢ - حذَّثني محمَّدُ بنُ بِشَّارٍ، حدَّثنا غُندَرٌ، حدَّثنا شُعْبةُ: سمعتُ قَتَادةَ، عن أنسِ:
رَخَّصَ۔أو رُخِّصَ-هما لِكِّ بهما.
قوله: ((باب الحرير في الحرب)) ذكر فيه حديث أنس في الرُّخصة للزُّبَير وعبد الرَّحمن بن
عوف في قميص الحرير، ذكره من خمسة طرق، وفي رواية سعيد بن أبي عَرُوبة عن قَتَادة:
((من حِكَّةٍ كانت بهما))، وكذا قال شُعْبةُ في أحدِ الطَّريقَين، وفي رواية هَمَّام عن فَتَادة في أحدٍ
الطَّريقَين: ((يعني: القملَ))، ورَجَّحَ ابنُ الِّينِ الرّوايةَ التي فيها الحِكَّةُ وقال: لعلَّ أحدَ الرُّواة
تأوَّلَا فأخطأ، وجَعَ الدَّاوودي باحتمال أن تكون إحدى العِلَّتَين بأحدِ الرجلين، وقال ابن
العربي: قد وَرَدَ أنَّه أرخَصَ لكلٌّ منهما، فالإفراد يقتضي أنّ لكلِّ حُكْمَه.
قلت: ويُمكِنُ الجمعُ بأنَّ الِحِكَّة حَصَلَت من القمل فنُسِبَت العِلَّةُ تارةً إلى السَّبَب، وتارةً
إلى سبب السَّبب، ووقع في رواية محمَّد بن بشَّار عن غُندَر: ((رَخَّصَ أو رُخّص(١)) كذا
(١) كذا في (ع)، وهو الموافق لما في اليونينية ونُسخها، وفي (أ) و(س): ((أو أرخص)) بزيادة الألف في أوله.

١٩١
باب ٩١ / ح ٢٩١٩ - ٢٩٢٢
كتاب الجهاد
بالشكّ، وقد أخرجه أحمدُ (١٣٦٨٢ و ١٣٨٨٥) عن غُندَر بلفظ: رَخَصَّ رسولُ اللهِ وَلَِّ(١)،
وکذا قال و کیمٌ عن شُعبة كما سيأتي في كتاب اللِّباس (٥٨٣٩).
وأمَّا تقييدُه بالحرب، فكأنَّه أخَذَه من قوله في رواية همَّامٍ: فرأيتُه عليهما في غَزاة، ووقع
في رواية أبي داود (٤٠٥٦): في السَّفَرِ من حِكَّةٍ، وقد ترجم له في اللِّباس(٢): ((ما يُرَخّصُ
للرّجال من الحرير للحِكَّة)) ولم يُقِّده بالحرب، فَزَعَمَ بعضُهم أنَّ الحربَ في التَّرجمة بالجيم
وفتح الرّاء، وليس كما زَعَمَ، لأنَّها لا يبقى لها في أبواب الجهاد مناسبةٌ، ويَلزَمُ منه إعادةٌ
التَّرجمة في اللِّباس، إذ الحِكَّةُ والجَرَبُ متقاربانٍ.
وجَعَلَ الطََّرِيُّ جوازَه في الغَزْوِ مُستَنبَطاً من جوازه للحِكَّة فقال: دَلَّت الرُّخصة في
لُبِه بسبب الحِكَّة أنَّ مَن قَصَدَ بلُبِه ما هو أعظمُ من أذى الحِكَّة، كدفع سلاح العدوِّ
ونحوِ ذلك، فإنَّه يجوزُ. وقد تَبِعَ التِّرمِذيُّ (١٧٢٢) البخاريَّ فترجم له: ((باب ما جاء في
لُبس الحرير في الحرب)».
ثمَّ المشهور عن القائلينَ بالجواز أنَّه لا يَخْتَصُّ بالسَّفَرِ، وعن بعض الشّافعية: يَخْتَصُّ،
وقال القُرْطُبي: الحديثُ حُجَّةٌ على مَن مَنَعَ إلَّا أن يَدَّعيَ الْخَصُوصِيَّةَ الزُّبير وعبد الرَّحمن،
ولا تَصُِّ تلك الدعوى.
قلت: قد جَنَحَ إلى ذلك عمرُ ﴾، فروى ابن عساكر من طريق ابن عَوْن(٣) عن ابن
سِيرِين: أنَّ عمرَ رأى على خالد بن الوليد قميصَ حريرٍ فقال: ما هذا؟ فذكر له خالد قصَّة
عبد الرَّحمن بن عوف، فقال: وأنتَ مِثلُ عبد الرَّحمن؟ أو لك مِثل ما لعبد الرَّحمن؟ ثمَّ أَمَرَ
مَن حَضَرَه فمَزَّقُوهُ(٤)، رجاله ثقاتٌ إِلَّ أنَّ فيه انقطاعاً.
(١) بل هي عند أحمد بالشك كرواية محمد بن بشار، والتي عنده بغير شك هي رواية يحيى بن سعيد القطان
برقم (١٣٨٨٧).
(٢) أي: البخاري، ورقم الحديث فيه (٥٨٣٩).
(٣) تحرف في (س) إلى: عوف، بالفاء، وابن عون: هو عبد الله بن عون بن أرطَبان المزني، مشهور بالرواية
عن محمد بن سیرین.
(٤) ((تاريخ دمشق)» ٢٦٩/١٦.

١٩٢
باب ٩٢-٩٣ / ح ٢٩٢٣ - ٢٩٢٤
فتح الباري بشرح البخاري
وقد اختَلَفَ السَّلَف في لباسه، فمَنَعَ مالكٌ وأبو حنيفة مُطلَقاً، وقال الشّافعي وأبو
يوسف بالجواز للضَّرُورة، وحكى ابن حَبيب عن ابن الماجشون: أنَّه يُستَحَبُّ في الحرب،
وقال المهلَّب: لباسُه في الحربِ لإرهاب العدوّ، وهو مِثلُ الرُّخصة في الاختيال في الحربِ.
انتهى، ووقع في كلام النَّوَوي تَبَعاً لغيره: أنَّ الِحِكْمَةَ في لُبسِ الحرير للحِكَّة لما فيه من
البُرُودة، وتُعقّبَ بأنَّ الحريرَ حارٌّ، فالصواب أنَّ الِحِكَّةَ فيه لخاصِّيّة فيه لدفع ما تَنشَأُ عنه
الحِكَّةُ كالقمل، والله أعلم.
٩٢- باب ما یذکر في السِّگّین
١٠٢/٦
٢٩٢٣ - حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ عبدِ الله، قال: حدَّثني إبراهيمُ بنُ سعدٍ، عن ابنِ شِهابٍ،
عن جعفرِ بنِ عَمٍو بنٍ أَميَّة، عن أبيه قال: رأيتُ النبيَّ ◌َّهِ يَأْكُلُ من كَتِفٍ يَحتَزُّ منها، ثمَّ دُعِيَ
إلى الصَّلاةِ فصَلَّى ولم يَتَوَضَّأْ.
حدَّثنا أبو اليَمَان، أخبرنا شعيبٌ، عن الزُّهْريِّ، وزادَ: فألقَى السِّكِّينَ.
قوله: ((باب ما يُذكَر في السّكّين)) ذكر فيه حديث جعفر بن عَمْرو بن أُميَّة عن أبيه:
رأيت النبيَّ ◌َّهِ يَحَتَزُّ من كَتِفٍ شاةٍ ... الحديث، وفي الطَّريق الأُخرى: ((فألقى السِّينَ))،
وقد تقدَّم شرحُه في كتاب الطَّهارة (٢٠٨).
٩٣- باب ما قيل في قتال الرُّوم
٢٩٢٤ - حدَّثني إسحاقُ بنُ يزيدَ الدِّمَشْقيُّ، حدَّثنا يحيى بنُ حمزةَ، قال: حدَّثني ثَوْرُ بنُ
يزيدَ، عن خالدِ بنِ مَعْدَانَ، أنَّ عُمَيرَ بنَ الأسوَدِ العَنْسِيَّ حدَّثُهُ: أَنَّه أتى عُبادةَ بنَ الصَّامتِ وهو
نازلٌ بساحِلِ خْصَ وهو في بناءٍ له ومعه أمُّ حَرَام، قال عُمَيرٌ: فحدَّثْنا أمُّ حَرَامِ أنَّها سمعَتِ
النبيَّ نَّه يقول: ((أوَّلُ جيشٍ من أمَّتي يَغْزونَ البحرَ قد أَوجَبُوا)) قالت أمُّ حَرَامٍ: قلتُ: یا
رسولَ الله، أنا فيهم؟ قال: ((أنتِ فيهم))، ثمَّ قال النبيُّ ◌َّيِ: ((أوَّلُ جيشٍ من أمَّتي يَغْزُونَ مدينةً
فَيَصَرَ مغفورٌ لهم)) فقلتُ: أنا فيهم يا رسولَ الله؟ قال: ((لا)).
قوله: ((باب ما قيل في قتال الرُّوم)) أي: من الفضلِ. واختُلِفَ في الرُّوم، فالأكثرُ أنَّهم من

١٩٣
باب ٩٣ / ح ٢٩٢٤
كتاب الجهاد
ولد عِيصٍ بن إسحاق بن إبراهيم، واسم جدِّهم قيل: روماني، وقيل: هو ابن ليطا بن
يونانَ بن یافِثَ بن نوح.
قوله: ((عن خالد بن مَعْدَانَ» بفتح الميم وسكون المهملة، والإسنادُ كلُّه شامیونَ،
وإسحاق بن يزيد شيخ البخاري فيه: هو إسحاق بن إبراهيم بن يزيد الفَراديسي،
نُسِبَ لجدِّه.
قوله: ((عُمَير بن الأسوَد العَنْسي)) بالنّون والمهمَلة، وهو شامي قديمٌ يقال: اسمه عَمْرو،
وعُمَير بالتَّصغير لقبُه، وكان عابداً مُضرَماً، وكان عمر يُثني عليه، ومات في خلافة
معاوية، وليس له في البخاري سوى هذا الحديث عند مَن يُفرِّقُ بينه وبين أبي عياضٍ عَمْرو
ابن الأسوَد، والرّاجح التَّرِقة.
وأمُّ حَرَام ۔ بمُهمَلتَین - تقدّم ذِكرُها في أوائل الجهاد (٢٧٨٨) في حديث أنس، وقد
حدَّث عنها أنس بهذا الحديثَ بأتمَّ من هذا السِّياق، وأخرج الحسنُ بن سفيان هذا
الحديثَ في ((مُسنَده) عن هشام بن عَّر عن يحيى بن حمزة بسندِ البخاري، وزادَ في آخره:
قال هشام: رأيتُ قبرَها بالساحل.
قوله: ((يَغْزونَ مدينةَ فَيَصَر)) يعني: القُسطَنطِينِيَّة.
قال المهلَّب: في هذا الحديث مَنقَبة لمعاوية؛ لأنَّه أوَّلُ مَن غَزَا البحرَ، ومَنقَبَةٌ لولِدِه
يزيد، لأنَّه أوَّلُ مَن غزا مدينةَ قيصرَ.
وتَعقَّبَه ابن التِّين وابن المنيِّرِ بما حاصلُه: أنَّه لا يَلزَمُ من دخولِه في ذلك العموم أن لا
يَخْرُجَ بدليلٍ خاصٍّ، أذ لا يختلفُ أهلُ العلم أنَّ قوله وَّ: ((مغفورٌ لهم)) مشروط بأن
يكونوا من أهل المغفرة، حتَّى لو ارتَدَّ واحد ممَّن غزاها بعدَ ذلك لم يَدخُل في ذلك العموم
اتِّفاقاً، فدَلَّ على أنَّ المرادَ: مغفورٌ لمن وُجِدَ شرطُ المغفرة فيه منهم. وأمَّا قولُ ابن التِّين:
يحتملُ أن يكون لم يَحَضُر مع الجيش؛/ فمردود، إلَّا أن يريدَ لم يباشر القتال، فيُمكِنُ، فإنَّه ١٠٣/٦
كان أميرَ ذلك الجيش بالاتّفاق.

١٩٤
باب ٩٤ / ح ٢٩٢٥ -٢٩٢٦
فتح الباري بشرح البخاري
وجَوَّزَ بعضُهم أنَّ المرادَ بمدينة قَيصَر المدينة التي كان بها يومَ قال النبي ◌َّ تلك
المقالةَ، وهي حِمِصُ، وكانت دارَ مملكته إذ ذاكَ، وهذا يَندَفِعُ بأنَّ في الحديث أن الذين
يَغْزُونَ البحرَ قبلَ ذلك، وأنَّ أمّ حَرَام فيهم، وِصُ كانت قد فُتِحَت قبلَ الغزوة التي
كانت فيها أمُّ حَرَام، والله أعلم.
قلت: وكانت غزوةُ يزيدَ المذكورة في سنة اثنتَين وخمسينَ من الهجرة، وفي تلك الغَزاةِ
مات أبو أيوب الأنصاري، فأوصى أن يُدفَنَ عند باب القُسطَنطينيَّة، وأن يُعفَّى قبرُه،
فَفُعِلَ به ذلك، فيقال: إنَّ الرُّومَ صاروا بعدَ ذلك يستسقون به.
وفي الحديث أيضاً التَّرغيب في سُكْنى الشّام.
وقوله: ((قد أَوجَبُوا)) أي: فعلوا فعلاً وَجَبَت لهم به الجنَّة.
٩٤- باب قتال اليهود
٢٩٢٥ - حدَّثنا إسحاقُ بنُ محمَّدِ الفرويُّ، حدَّثنا مالكٌ، عن نافعٍ، عن عبدِ الله بنِ عمرَ
رضي الله عنهما، أنَّ رسولَ الله وَّه قال: «تقاتلونَ اليهودَ، حتَّى يَخْتبِئَ أحدُهم وراءَ الحجرِ،
فيقولُ: يا عبدَ الله، هذا يهوديٌّ ورائي فاقتُلْه)).
[طرفه في: ٣٥٩٣]
٢٩٢٦ - حدَّثنا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ، أخبرنا جَرِيرٌ، عن عمارةَ بنِ القَعْقاع، عن أبي زُرْعةَ،
عن أبي هريرةَ ﴾، عن رسولِ اللهِ ◌ّرَ قال: ((لا تقومُ الساعةُ حتَّى تُقاتلوا اليهودَ، حتَّى يقولَ
الحجرُ وراءَه اليهوديُّ: يا مسلمُ، هذا يهوديٌّ ورائي فاقتُلْه)).
قوله: «باب قتال اليهود» ذکر فیه حديثي ابن عمر وأبي هريرة في ذلك، وهو إخبارٌ بما
يقعُ في مُستَقْبَل الزّمان.
قوله: ((الفَرْوي)) بفتح الفاءِ والرّاء (١)، منسوب إلى جدِّه أبي فَرْوة، وإسحاق هذا غير
(١) كذا وقع هنا، وظاهر العطف غير مرادٍ، والصواب ما قاله الحافظ نفسه في ((تبصير المنتبه)) ١١٠٦/٣:
الفَرْوي بالفتح وسكون الراء، إسحاق بن محمد من شيوخ البخاري.

١٩٥
باب ٩٥ / ح ٢٩٢٧ -٢٩٢٨
كتاب الجهاد
إسحاق بن عبد الله بن أبي فَرْوة الضَّعيف، وهو - أعني إسحاق بن عبد الله - عمُّ والد
هذا، وإسحاق هذا رُبَّما روى عنه البخاري بواسطةٍ، وهذا الحديث ممَّا حدَّث به مالك
خارج ((الموطَّأ))، ولم يَنْفَرِد به إسحاق المذكورُ، بل تابَعَه ابن وَهْب ومَعْن بن عيسى وسعيد
ابن داود والوليد بن مسلم، أخرجها الدَّارَقُطني في ((غرائب مالكٍ))، وأخرج الإسماعيلي
طريق ابن وَهْب فقط.
قوله: ((تقاتلونَ)) فيه جواز مخاطَبة الشَّخص والمراد غيره ممَّن يقول بقوله، ويعتقدُ
اعتقادَه؛ لأنَّه من المعلوم أنَّ الوقتَ الذي أشارَ إليه ◌َّهِ لم يأتِ بعدُ، وإنَّما أراد بقوله:
(تقاتلونَ)) مخاطَبةَ المسلمين. ويُستَفادُ منه أنَّ الخِطابَ الشِّفاهي يَعُمُّ المخاطَبين ومَن
بعدَهم، وهو مُتَّفَقٌّ عليه من جِهَة الحكم، وإنَّما وقع الاختلافُ فيه في حكم الغائبين: هل
وقع بتلك المخاطَبة نفسِها، أو بطريق الإلحاق؟ وهذا الحديثُ يُؤيِّدُ مَن ذهب إلى الأوَّل.
وفيه إشارةٌ إلى بقاءِ دين المسلمين(١) إلى أن يَنزِلَ عيسى عليه السلام، فإنَّه الذي يقاتلُ
الدَّجّالَ، ويَستأصِلُ اليهودَ الذين هم تَبَعُ الدَّجّال على ما وَرَدَ من طريقٍ أُخرى، وسيأتي
بيانُها مُستَوَى في علامات النبوَّة (٣٥٩٣) إن شاء الله تعالى.
٩٥ - باب قتال التُّرك
٢٩٢٧- حدَّثْنا أبو النُّعْمان، حدَّثنا جَرِيرُ بنُ حازم، قال: سمعتُ الحسنَ يقول: حدَّثنا
عَمُرُو بنُ تَغْلِبَ / قال: قال النبيُّ وَّةَ: ((من أشراطِ الساعةِ أن تُقاتِلوا قوماً يَتَتَعِلونَ نِعالَ الشَّعرِ، ١٠٤/٦
وإنَّ من أشراطِ الساعةِ أن تُقاتِلوا قوماً عِراضَ الوجوه، كأنَّ وُجوهَهم المَجَانُّ المُطَرَقُ)).
[طرفه في: ٣٥٩٢]
٢٩٢٨- حدَّثني سعيدُ بنُ محمَّدٍ، حدَّثنا يعقوبُ، حدَّثنا أَبي، عن صالح، عن الأعرَجِ،
قال: قال أبو هريرةَ ع﴾: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((لا تقومُ الساعةُ حتَّى تقاتلوا التُّركَ، صِغارَ
(١) هكذا في (أ) و(ع)، وفي (س): دين الإسلام.

١٩٦
باب ٩٥ / ح ٢٩٢٧ -٢٩٢٨
فتح الباري بشرح البخاري
الأعيُنِ حُمْرَ الوجوهِ، ذُلْفَ الأُنوفِ، كأنَّ وُجوهَهم المَجَانُّ المُطرَقَةُ، ولا تقومُ الساعةُ حتَّى
تقاتلوا قوماً نِعاهُم الشَّعرُ)).
[أطرافه في: ٢٩٢٩، ٣٥٨٧، ٣٥٩٠، ٣٥٩١]
قوله: ((باب قتال التُّرك)) اختُلِفَ في أصل التُّرك، فقال الخطّابي: هم بنو قَنَطُوراءَ، أَمة
كانت لإبراهيمَ عليه السلام. وقال كُراٌ: هم الدَّيلم. وتُعقِّبَ بأنَّهم جنسٌ من التَّرك،
وكذلك الغُرُّ، وقال أبو عَمْرو: هم من أولاد يافثَ، وهم أجناسٌ كثيرةٌ. وقال وَهْبُ بن
مُنبِّه: هم بنو عمِّ(١) يأُجُوجَ ومأجُوج، لمَّا بنى ذُو القَرنَين السَّدَّ كان بعضُ يأجوج ومأجوجَ
غائبين، فتُرِكوا لم يَدخُلوا مع قومِهم، فسُمُّوا التُّركَ. وقيل: إنَّهم من نَسْل تُبَّع، وقيل: من
ولد أفریدون بن سام بن نوح، وقيل: ابن یافث لصُلبه، وقيل: ابن کومی بن یافث.
ذکر فیه حدیثین:
أحدهما: حديث عَمْرو بن تَغْلِبَ، بفتح المثنَّاة وسكون المعجمة وكسر اللّام بعدَها
موخَّدةٌ، والحسنُ: هو البصري، والإسناد كلُّه بصرُّون.
قوله: ((من أشراط الساعة)) زاد الكُشْمِيهني في أوَّلِه ((إِنَّ).
قوله: ((يَتَعِلونَ نِعالَ الشَّعر)) هذا والحديث الذي بعدَه ظاهرٌ في أنَّ الذين يَنْتَعِلونَ
الشَّعر غيرُ التُّرك، وقد وقع في رواية للإسماعيلي من طريق محمَّدٍ بن عبَّادٍ قال: بَلَغَني أنَّ
أصحابَ بابَكَ كانت نِعالُهُم الشَّعر. قلت: بابَكُ بموخَّدتَين مفتوحتين وآخرُه كافٌ، يقال
له: الخُرَّمي، بضمِّ المعجمة وتشديد الرّاءِ المفتوحة، وكان من طائفةٍ من الزَّنادقة استباحوا
المحرَّمات، وقامت لهم شَوْكة كبيرة في أيام المأمون، وغَلَبوا على كثيرٍ من بلاد العَجَم
كطَبِرِستان والرَّيّ، إلى أن قُتِلَ بابَكُ المذکورُ في أيام المعتَصِم، وکان خروجُه في سنة إحدى
ومئتَين أو قبلَها، وقتلُه في سنة اثنتين وعشرينَ.
(١) في (أ) و(ع): بنو عمة، والمثبت من (س) و((تحفة الأحوذي)) للمباركفوري حيث نقله عن الحافظ ابن
حجر في ((الفتح)).

١٩٧
باب ٩٦ / ح ٢٩٢٩
كتاب الجهاد
قوله: ((المَجَانٌ)) بالجيم وتشديد النّون، جمع مِجَنٍّ وقد تقدَّم ذِكرُه قبلَ أبوابٍ (٢٩٠٣).
و ((المُطَرَقة)): التي أُلْبِسَت الأطرِقةُ من الجلود، وهي الأغشيةُ، تقولُ: طارَقتُ بين
النَّعلين، أي: جعلتُ إحداهما على الأخرى. وقال الهَرَوي: هي التي أُطِقَت بالعُصُب،
أي : أُلِسَت به.
ثانيهما: حديثُ أبي هريرة في ذلك.
٩٦ - باب قتال الذين ينتعلون الشّعر
٢٩٢٩ - حدَّثْنا علىُّ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا سفيانُ، قال الزُّهْريُّ: عن سعيد بنِ المسيّب، عن
أبي هريرةَ عَُّ، عن النبيِّ ◌ََّ قال: ((لا تقومُ الساعةُ حتَّى تُقاتِلوا قوماً نِعاهُمُ الشَّعرُ، ولا تقومُ
الساعةُ حتَّى تُقاتِلوا قوماً كأنَّ وُجوهَهم المَجَانُّ المُطرَقَةُ)).
قال سفيانُ: وزادَ فيه أبو الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرةَ روايةً: «صِغارَ الأعيُنِ، ذُلْفَ
الأُنْوفِ، كأنَّ وجوهَهم المَجَانُّ المُطرَقَةُ)).
قوله: ((باب قتال الذين يَنْتَعِلونَ الشَّعر)» ذكر فيه حديثَ أبي هريرة المذكورَ من وجهٍ آخرَ.
قوله: ((قال سفيان: / وزاد فيه أبو الزِّناد)) هو موصولٌ بالإسناد المذكور، وأخطأ مَن زَعَمَ ١٠٥/٦
أنَّه مُعلَّقٌ، وقد وَصَلَه الإسماعيلي من طريق محمَّد بن عبَّاد عن سفيانَ بالإسنادين معاً.
قوله: ((روايةً)) هو عِوَضٌ عن قوله: ((عن النبي ◌ِّ))، وقد وقع عند الإسماعيلي من
طريق محمَّد بن عبَّاد عن سفيان بلفظ: ((عن النبي ◌َّ))، ووقع في الباب الذي قبلَه من
وجهٍ آخرَ عن الأعرج بلفظ: ((قال رسول الله و9َّ)، وزادَ فيه: ((حُرَ الوجوه))، ولم يَذكُر
((صِغارَ الأعيُن)).
وقوله: ((ذُلْفَ الأُنوف)) أي: صِغارَها، والعربُ تقولُ: أملَحُ النَّساءِ الذُّلْفُ، وقيل:
الذَّلَفُ: الاستواء في طرف الأنف، وقيل: قِصَرُ الأنفِ وانبطاحُه. وسيأتي بقيَّة شرح هذا
الحديث في علامات النبوّة (٣٥٨٧) إن شاء الله تعالى.

١٩٨
باب ٩٧ -٩٨ / ح ٢٩٣٠ - ٢٩٣٢
فتح الباري بشرح البخاري
٩٧ - باب من صفّ أصحابه عند الهزيمة ونزل عن دابته فاستنصر
٢٩٣٠ - حدَّثنا عمرُو بنُ خالدِ الحرَّانُّ، حدَّثنا زهيرٌ، حدَّثنا أبو إسحاقَ، قال: سمعتُ
البراءَ وسأله رجلٌ: أكنتُم فَرَرتُم يا أبا عُمارةَ يومَ حُنَينٍ؟ قال: لا والله، ما وَلَّى رسولُ الله ◌ِ،
ولكنَّه خَرَجَ شُبّانُ أصحابِهِ وخِفافُهم ◌ُسَّراً ليس بسلاحِ، فأتَوْا قوماً رُمَاةً بَجْعَ هَوَازنَ وبني
نَصٍْ، ما يَكادُ يَسْقُطُ لهم سَهْمٌ، فَرَشَقُوهم رَشْقاً ما يَكادُونَ يُخْطِئُونَ، فَأَقْبَلوا هُنالكَ إلى النبيِّ
وَّ وهو على بغلتِّهِ البيضاءِ، وابنُ عمِّه أبو سفيانَ بنُ الحارثِ بنِ عبدِ المطَّلِبِ يقودُ به، فنزل
واستَنْصَرَ، ثمّ قال:
(أنا النبيُّ لا كَذِبْ أنا ابنُ عبدِ المطَّلِبْ))
ثُمَّ صَفَّ أصحابَه.
قوله: ((بابُ مَن صَفَّ أصحابَه عند الهزيمة)) أي: صَفَّ مَن ثَبَتَ معه بعد هزيمة مَن انهَزَمَ.
ذکر فيه حديث البراء في قصَّة ◌ُنَین، وهو ظاهرٌ فیما ترجم له، ووقع في آخره: ( ثمَّ
صَفَّ أصحابه وذلك بعدَ أن نزل واستَنَصَرَ))، والمراد بقوله: ((واستَنْصَرَ)) أي: استَنصَرَ اللهَ
بعدَ أن رمى الكفَّار بالتُّراب، وسيأتي شرح ذلك مُستَوفَّى في كتاب المغازي (٤٣١٥) إن
شاء الله تعالى.
٩٨ - باب الدعاء على المشركين بالهزيمة والزّلزلة
٢٩٣١ - حدَّثنا إبراهيمُ بنُ موسى، أخبرنا عيسى، حدَّثنا هشامٌ، عن محمَّدٍ، عن عَبِيدةَ،
عن عليٍّ ﴾ قال: لمَّا كان يومُ الأحزابِ قال رسولُ اللهِ وََّ: ((مَلََّ اللهُ بيوتَهم وقُبُورَهم ناراً،
شَغَلُونا عن صلاةِ الوُسْطَى حين غابَتِ الشمسُ)).
[أطرافه في: ٤١١١، ٤٥٣٣، ٦٣٩٦]
٢٩٣٢- حدَّثنا قَبِيصةُ، حدَّثنا سفيانُ، عن ابنِ ذَكْوانَ، عن الأعرَجِ، عن أبي هريرةَ ﴾
قال: كان النبيُّوَّهيَدْعُو في القُنُوت: «اللهمَّ أَنْجِ سَلَمَةَ بنَ هشام، اللهمَّ أَنْجِ الوليدَ بنَ الوليدِ،

١٩٩
كتاب الجهاد
اللهمَّ أَنْجِ عِيَّشَ بنَ أبي رَبِيعةَ، اللهمَّ أنْجِ المسْتَضْعَفِينَ مِن المؤمنينَ، اللهمَّ اشْدُه وَطْأْتِكَ على
مُضَرَ، اللهمَّ سنينَ كِنِي يوسفَ)).
٢٩٣٣- حدَّثنا أحمدُ بنُ محمَّدٍ، أخبرنا عبدُ الله، أخبرنا إسماعيلُ بنُ أبي خالدٍ، أنَّه سمعَ ١٠٦/٦
عبدَ الله بنَ أبي أَوَى رضي الله عنهما يقول: دَعَا رسولُ اللهَ وَّهِ يومَ الأحزاب على المشركينَ،
فقال: ((اللهمَّ مُنزِلَ الكتابِ، سَرِيعَ الحِسابِ، اللهمَّ اهزِمِ الأحزابَ، اللهمَّ اهزِمْهم وزَلْزِلهم)).
[أطرافه في: ٢٩٦٥، ٣٠٢٥، ٤١١٥، ٦٣٩٢، ٧٤٨٩]
٢٩٣٤- حدَّثنا عبدُ الله بنُ أبي شَيْبةَ، حدَّثنا جعفرُ بنُ عَوْنٍ، حدَّثنا سفيانُ، عن أبي
إسحاقَ، عن عَمرو بنِ ميمونٍ، عن عبدِ الله ، قال: كان النبيُّ وَ﴿ يُصلِّي فِي ظِلِّ الكَعْبةِ، فقال
أبو جَهْلٍ وناسٌ من قُرَيشٍ، ونُحِرَت جَزُورٌ بناحيةِ مكَّةَ فأرسَلُوا فجاؤُوا من سَلَاها وطَرَحُوه
عليه، فجاءت فاطمةُ فألقَتْه عنه، فقال: ((اللهمَّ عليكَ بِقُرَيشٍ، اللهمَّ عليكَ بِقُرَيشٍ، اللهمَّ
عليكَ بِقُرَيشٍ)) لأبي جَهْلٍ بنِ هشام وعُتْبَةَ بنِ رَبِيعَةَ وشَيْبةَ بنِ رَبِيعةً والوليد بنِ عُثْبَةَ وأُبيِّ بنِ
خَلَفٍ وعُقْبَةَ بنِ أبي مُعَيطٍ. قال عبدُ الله: فلقد رأيتُهم في قَلِيبٍ بدٍ قتلَى.
قال أبو إسحاقَ: ونَسِيتُ السابعَ.
وقال يوسفُ بنُ إسحاقَ: عن أبي إسحاقَ: أُميَّةُ بنُ خَلَفٍ، وقال شعبةُ: أُميَّةُ أو أُبُّ.
والصَّحِيحُ أُميَّة.
٢٩٣٥ - حدَّثْنا سليمانُ بنُ حربٍ، حذَّثنا حَمَّدٌ، عن أيوبَ، عن ابنِ أبي مُلَيكةَ، عن عائشةً
رضي الله عنها: أنَّ اليهودَ دخلوا على النبيِّ وََّ، فقالوا: السّامُ عليكَ، ولَعَتُهم، فقال: ((ما
لكِ؟)) قالت: أوَلم تسمع ما قالوا؟ قال: ((فلَمْ تَسمَعي ما قلتُ: وعليكم؟».
[أطرافه في: ٦٠٢٤، ٦٠٣٠، ٦٢٥٦، ٦٣٩٥، ٦٤٠١، ٦٩٢٧]
قوله: ((بابُ الدُّعاءِ على المشركينَ بالهزيمةِ والزَّلْزَلة)) ذكر فيه خمسةَ أحاديثَ:
الأول: حديث عليّ: ((لمَّا كان يومُ الأحزاب)) الحديث.

٢٠٠
باب ٩٨ / ح ٢٩٣١ -٢٩٣٥
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((عن هشام)) هو الدَّستُوائي(١)، وزَعَمَ الأَصِيلي أنَّه ابن حسَّانَ، ورامَ بذلك
تضعيفَ الحديث فأخطَأ من وجهَين، وتَّجَاسَرَ الكِرْماني فقال: المناسبُ أنَّه هشامُ بنُ عُرْوةَ.
وسيأتي شرح هذا الحديث مُستَوفَّى في تفسير سورة البقرة (٤٥٣٣) إن شاء الله تعالى.
وفيه الدُّعاءُ عليهم بأن يَملَأ الله بيوتَهم وقبورهم ناراً، وليس فيه الدُّعاء عليهم
بالهزيمة، لكن يُؤخَذُ ذلك من لفظ الَّلزَلة؛ لأنَّ في إحراق بيوتِهِم غايةَ التَّزلزُل لنفوسهم.
ثانيها: حديثُ أبي هريرة في الدُّعاءِ في القُنُوت، وفيه: ((اللهمَّ اشدُد وطأتك على مُضَر))،
ودخولُه في التَّرجمة بطريق العموم؛ لأنَّ شِدَّةَ الوَطْأَة يَدخُلُ تحتها ما ترجم به، فإنَّ المرادَ:
اشدُدْ عليهم البأسَ والعقوبةَ والأخذَ الشَّديد.
وابن ذَكْوانَ المذكور في الإسناد: هو أبو الزّناد، واسمُه عبدُ الله، وقد تقدَّم من وجهٍ
آخرَ في كتاب الوتر(٢)، ويأتي شرحُه مُستَوفَّى في التفسير (٤٥٦٠) إن شاء الله تعالى.
ثالثها: حديثُ ابن أبي أَوفى، وهو ظاهرٌ فيما ترجم له، والمرادُ الدُّعاءُ عليهم إذا انهَزَموا
أن لا يَستَقِرَّ هم قَرارٌ.
وقال الدَّاوودي: أراد أن تَطِيشَ عقولهم، وتُرعَدَ أقدامُهم عند اللِّقَاءِ فلا يَثْبُتُوا. وقد
ذكر الإسماعيلي فيه من وجهٍ آخرَ زيادةً في هذا الدُّعاء، وسيأتي التَّنبيه عليها في ((باب لا
تَتَمنَّوا لقاءَ العدوّ)) (٣٠٢٥) إن شاء الله تعالى.
رابعها: حديثُ عبد الله بن مسعود في قصَّة الجَزُور التي نُحِرَت بمگَّة، وفيه: «اللهمَّ
عليك بقريش))، وفيه ما قرَّرتُه في الحديث الثَّاني.
قوله: ((قال أبو إسحاق)) هو بالإسناد المذكور، وكأنّه لمَّا حدَّث سفيانَ بهذا الحديث
١٠٧/٦
(١) بل هو ابن حسَّان كما قال الأَصيلي، وقد نبَّه على هذا الوهم الذي وقع هنا الحافظُ ابن حجر نفسه فيما
سيأتي في شرحه على الحديث رقم (٤١١١).
(٢) ليس في الوتر، بل في الاستسقاء (١٠٠٦)، من طريق المغيرة بن عبد الرحمن عن أبي الزناد عن الأعرج
عن أبي هريرة.