Indexed OCR Text

Pages 101-120

١٠١
باب ٤٢ / ح ٢٨٤٨
كتاب الجهاد
نَدَبَ الناسَ، فانتَدَبَ الزُّبَيرُ، ثمَّ نَدَبَ الناسَ، فانتَدَبَ الزُّبَيرُ، فقال النبيُّ وَِّ: ((إنَّ لكلِّ نبيِّ
حَوَارِيّاً، وحَوَارِيَّ الزُّبَيرُ بنُ العَوَّامِ)).
قوله: ((باب هل يُبعَثُ الطَّليعةُ وحدَه)) ذَكَر فيه حديث جابر المذكورِ من رواية سفيان
ابن عُيَينة.
وقوله: ((نَدَبَ النبيُّ ◌َّهِ النّاسَ، قال صَدَقةُ: أظنُّهُ يومَ الخندق)) صَدَقةُ: هو ابن الفضل
شيخُ البخاري فيه، وما ظنَّه هو الواقعُ، فقد رواه الحميدي (١٢٣١) عن ابن عُيَينةَ فقال
فيه: ((يومَ الخندق) ولم يَشُكَّ.
وفي الحديث جواز استعمال التَّجَسُّسِ في الجهاد. وفيه مَنْقَبةٌ للزُّبَير وقُوَّة قلبِه وصِحَّةُ يقينه.
وفيه جواز سفرِ الرجل وحده، وأنَّ النَّهيَ في السَّفَرِ وحدَه إِنَّما هو حيثُ لا تَدعُو الحاجةٌ
إلى ذلك، وسيأتي مَزِيد بحثٍ في ذلك في أواخر الجهاد (٢٩٩٧) في ((باب السَّير وحدَه)).
واستدلَّ به بعضُ المالكية على أنَّ طَلِيعة اللُّصوص المحاربين يُقتَل وإن كان لم يباشر
قتلاً ولا سَلْباً، وفي أخذِه من هذا الحديث تكلُّفُ.
٤٢- باب سفر الاثنین
٢٨٤٨ - حدَّثنا أحمدُ بنُ يونسَ، حدَّثنا أبو شِهابٍ، عن خالدِ الحَذّاءِ، عن أبي قلابةَ، عن
مالكِ بنِ الحُوَيرِثِ قال: انصَرَفْتُ من عندِ النبيِّ وَ﴿ فقال لنا - أنا وصاحبٍ لي -: ((أَذِّنَا وَأَقِيما،
ولْيَؤُمَّكما أکبرُ كما)».
قوله: (باب سفر الاثنين)) أي: جوازه، والمراد: سفرُ الشَّخصَين لا سفرُ يوم الاثنين،
بخلافٍ ما فَهِمَه الدَّاوودي ثمَّ اعتَرَضَ على البخاري.
ورَدَّه ابن التِّين بأنَّ البخاري أورَدَ فيه حديثَ مالك بن الحُوَيرِث: ((أَذِّنا وأقيم)) وأشارَ
بذلك إلى ما وقع في بعض طرقِهِ: أنَّ النبي ◌َِّ قال لهما ذلك حين أرادا السَّفرَ إلى قومِهما،
فُؤْخَذُ الجوازُ من إذنِه لهما.

١٠٢
باب ٤٣ / ح ٢٨٤٩
فتح الباري بشرح البخاري
قلت: وكأنَّه لَمَّح بضَعْف الحديث الوارد في الَّجرِ عن سفرِ الواحد والاثنين، وهو ما
أخرجه أصحابُ ((السُّنَن)) من رواية عَمْرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه مرفوعاً: ((الرّاكبُ
شيطان، والرّاكبانِ شيطانان، والثلاثةُ رَكْب))(١)، قلت: وهو حديثٌ حسنُ الإسناد، وقد
صحَّحه ابن خُزَيمةَ (٢٥٧٠) والحاكم (١٠٢/٢)، وأخرجه الحاكم (١٠٢/٢) من حديث
أبي هريرة وصحَّحه، وترجم له ابن خُزيمة: ((النَّهي عن سفر الاثنين وأنَّ ما دونَ الثلاثة
عُصاة))، لأنَّ معنى قوله: ((شيطان)) أي: عاصٍ.
وقال الطَّبَرُّ: هذا الزَّجرُ زَجْرُ أدَب وإرشاد لمَا يُحْشَى على الواحد من الوَحْشَة والوَحْدة
وليس بحرام، فالسائر وحدَه في فَلَاة، وكذا البائتُ في بيتٍ وحدَه، لا يأمَنُ من الاستيحاش
٥٤/٦ لا سيَّما إذا كان ذا فِكرةِ رديئةٍ وقلبٍ ضعيفٍ، والحقُّ أنَّ/ الناسَ يَتَبَاينونَ في ذلك، فيحتملُ أن
يكون الَّجرُ عن ذلك وقع لحَسْم المادَة، فلا يتناولُ ما إذا وَقَعَت الحاجةُ لذلك.
وقيل في تفسير قوله: ((الرّاكبُ شيطانٌ)) أي: سفرُه وحدَه يَحِمِلُه عليه الشيطان، أو
أشبَهَ الشيطانَ في فعلِه.
وقيل: إنَّما كُرِهَ ذلك، لأنَّ الواحد لو مات في سفره ذلك لم يَجِدْ مَن يقومُ عليه، وكذلك
الاثنان إذا ماتا أو أحدُهما لم يَجِدْ مَن يُعِينُهُ بخلاف الثلاثة، ففي الغالبِ تُؤْمَنُ تلك الخَشْية.
قلت: وسيأتي الإلمامُ بشيءٍ من هذا بعدَ أبوابٍ كثيرةٍ (٢٩٩٨) في ((باب السَّير وحدَه))،
ومضى شرحُ حديث مالك بن الحُوَيرِث في كتاب الصلاة (٦٢٨).
٤٣ - بابٌّ الخيلُ معقودٌ في نواصيها الخير إلى يوم القيامة
٢٨٤٩- حدَّثنا عبدُ الله بنُ مَسلَمَةَ، حدَّثنا مالكٌ، عن نافعٍ، عن عبدِ الله بنِ عمرَ رضي الله
عنهما قال: قال رسولُ اللهِ وَّةِ: ((الخيلُ في نَواصِيها الخيرُ إلى يومِ القِيامةِ)).
[طرفه في: ٣٦٤٤]
(١) أخرجه أبو داود برقم (٢٦٠٧)، والترمذي (١٦٧٤)، والنسائي في ((الكبرى)) (٨٧٩٨)، وانظر تمام
تخريجه في («المسند» (٦٧٤٨).

١٠٣
باب ٤٣ / ح ٢٨٤٩ - ٢٨٥٠
كتاب الجهاد
٢٨٥٠ - حدَّثنا حفصُ بنُ عمرَ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن حُصَين وابنٍ أبي السَّفَرِ، عن الشَّعْبِيِّ،
عن عُرْوةَ بنِ الجَعْدِ عن النبيِّ ◌َ ◌ّه قال: ((الخيلُ معقودٌ في نَواصِيها الخيرُ إلى يومِ القِيامةِ)).
قال سليمانُ عن شُعْبةَ: عن عُرْوةَ بنِ أبي الجَعْد.
تابَعَه مُسدَّدٌ، عن هُشَيمٍ، عن حُصَين، عن الشَّعْبِيِّ، عن عُرْوةَ بنِ أبي الجَعْد.
[أطرافه في: ٢٨٥٢، ٣١١٩، ٣٦٤٣]
قوله: ((باب الخيل معقودٌ في نَواصِيها الخير إلى يوم القيامة)) هكذا ترجم بلفظ الحديث
من غیر مَزِيد، وقد استنبَطَ منه ما يأتي في الباب بعده، وذكر فيه ثلاثة أحاديث:
الأول: حدیثُ ابن عمر.
قوله: ((الخيل في نَواصِيها الخير)) كذا في ((الموطَّأ)) (٢/ ٤٦٧) ليس فيه: ((معقودٌ))، ووقع
بإثباتها عند الإسماعيلي من رواية عبد الله بن نافع عن مالك، وسيأتي في علامات النبوّة
(٣٦٤٤) من طريق عُبيد الله بن عمر عن نافعٍ بإثباتها، وذلك في رواية أبي ذرٍّ عن
الگُشْمِیھنیّ وحده.
الحديث الثاني: حديثُ عُرْوةَ بن الجَعْد.
قوله: ((عن حُصَين)) بالتَّصغير: هو ابن عبد الرَّحمن، وابن أبي السَّفَر، بفتح المهمَلة
والفاء: هو عبدُ الله.
قوله: ((عن عُرْوة بن الجَعْد)) في رواية زكريّا عن الشَّعْبي: «حدَّثْنا عُرْوة)» وهو في الباب
الذي بعده.
قوله: ((قال سليمان)) هو ابن حرب ((عن شُعْبة: عن عُرْوة بن أبي الجعد)) يعني أنَّ سليمانَ
ابنَ حرب خالَفَ حفصَ بنَ عمر في اسم والدِ عُرْوة فقال حفص: عُرْوة بن الجَعد، وقال
سليمان: عُرْوة بن أبي الجَعد، وطريق سليمانَ وَصَلَها الطَّبَراني (٣٩٧/١٧) عن أبي مسلم
الكَجّي عنه، وأخرجها أبو نُعيم في ((المستخرَجِ)) من وجهٍ آخرَ عن أبي مسلم، قال
الإسماعيلي: قال أكثر الرُّواة عن شُعْبة: ((عُرْوة بن الجعد)) إلَّا سليمان وابن أبي عَديٍّ.

١٠٤
باب ٤٣ / ح ٢٨٤٩ - ٢٨٥٠
فتح الباري بشرح البخاري
قلت: وروايةُ ابن أبي عَدي عند النَّسائي (٣٥٧٥)، وتابَعَهما مسلمُ بنُ إبراهيم أخرجه
ابن أبي خَيْئمةَ(١) عنه، ولشُعْبة فيه إسنادٌ آخرُ قال فيه: ((عُرْوة بنُ الجعد)) أيضاً، أخرجه
مسلمٌ (٩٩/١٨٧٣) من طريقِ غُندَر عنه عن أبي إسحاق، عن العَيْزار بن حُرَيثٍ، عن
عُرْوةَ.
٥٥/٦ قوله: («تابَعَه مُسدّد، عن هُشَيم، عن حُصَين ... )) إلى آخره، هكذا رُوِّيناه موصولاً في
((مُسنَد مُسدَّد)) رواية معاذ بن المثنَّى عنه، وقال فيه: ((عُرْوة بن أبي الجَعد)) كما قال البخاري،
ولكن رواه أحمد في «مُسنَده)) (١٩٣٥٤) عن هشيم فقال: ((عُرْوة البارقي)، وكذا قال
زكريًّا في الباب الذي بعده، وكذا أخرجه مسلم (٩٩/١٨٧٣) من طريق ابن فُضَيلِ وابن
إدريس عن حُصَين، وأخرجه من طريق جَرِير عن حُصَين فقال: عُرْوة بن الجعد، وصَوَّبَ
ابن المَدِيني أنَّه عُرْوة بن أبي الجَعْد.
وذكر ابن أبي حاتم أنَّ اسم أبي الجعدِ سعدٌ، وأمَّا الرُّشاطي فقال: هو عُرْوةُ بن عياض
ابن أبي الجعد، نُسِبَ في الرِّواية إلى جدِّه، قال: وكان مَمَّن شَهِدَ فُتُوحَ الشّام ونزلها، ثمَّ نَقَلَه
عثمان إلى الكوفة.
قلت: ويأتي في علامات النبوَّة (٣٦٤٣): أنَّه كان يَرتَبطُ الخيلَ الكثيرة حتَّى قال
الرّاوي: رأيت في داره سبعينَ فرساً.
ولمُسدَّد في هذا الحديث شيخ آخرُ سيأتي في ((باب حِلُّ الغنائم)) (٣١١٩) عنه عن
خالدٍ - وهو الطَّحّانُ - عن حُصَين، وقال فيه أيضاً: عُرْوة البارقي.
ووقع في رواية ابن إدريس عن حُصَين في هذا الحديث من الزِّيادة: ((والإبلُ عِزّ
لأهلها، والغنم بَرَكة)»، أخرجه البَرْقاني في «مُستخرَجِه)) ونبّه عليه الحميدي(٢).
(١) في ((تاريخه)) السفر الثاني (١٤٠٤).
(٢) وأخرج رواية ابن إدريس هذه أيضاً ابنُ ماجه في ((سننه)) (٢٣٠٥)، وقد تَفرَّد بهذه الزيادة عبد الله بن
إدريس من بين أصحاب حصين بن عبد الرحمن السلمي على ما هو مبيَّن في تعليقنا على الحديث عند
ابن ماجه.

١٠٥
باب ٤٣ / ح ٢٨٥١
كتاب الجهاد
والبارقيُّ بالموحّدة وكسر الرّاءِ بعدَها قاف: نِسبةٌ إلى بارقٍ: جبل باليمن، وقيل: ماءٌ
بالسَّرَاة نزله بنو عَدِي بن حارثة بن عَمْرو، قبيلةٌ من الأَزْد، ولُقِّب به منهم سعد بن عَدِيّ
فكان يقال له: بارِق، وزَعَم الرُّشَاطي أنَّه منسوبٌ إلى ذي بارق قبيلة من ذي رُعين.
الحديث الثالث:
٢٨٥١- حدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا يحيى، عن شُعْبةَ، عن أبي التَّاحِ، عن أنسِ بنِ مالكٍ
قال: قال رسولُ الله ◌َّ: ((البَرَكَةُ في نَواصِي الخيلِ».
[طرفه في: ٣٦٤٥]
قوله: ((حدَّثنا يحيى)) هو القطَّانُ، وأبو النَّيّاح: بمُثَنَّة وتحتانية ثقيلة وآخره مُهمَلة،
والإسناد كلُّه بصریُّون.
قوله: ((البَرَكَة في نَواصِي الخيل)) كذا وقع، ولا بُدَّ فيه من شيءٍ محذوفٍ يَتعلَّقُ به
المجرور، وأَولى ما يُقدَّرُ ما ثَبَتَ في روايةٍ أُخرى، فقد أخرجه الإسماعيلي من طريق عاصم
ابن عليّ عن (١) شُعْبة بلفظ: ((البَرَكة تَنزِلُ في نَواصِي الخيل))، وأخرجه من طريق ابن
مَهْدي عن شُعْبة بلفظ: ((الخير معقود في نَواصِي الخيل))، وسيأتي في علامات النبوّة
(٣٦٤٥) من طريق خالد بن الحارث عن شُعْبة بلفظ حديث عُرْوة البارقي، إلّا أنَّه ليس فيه
((إلى يوم القيامة)).
قال عِيَاض: إذا كان في نَواصِيها البَرَكَةُ، فيَبعُدُ أن يكون فيها شُؤْمٌ، فيحتملُ أن يكون
الشُّؤم الآتي ذِكرُه في غير الخيل التي ارتُّبِطَت للجهاد، وأنَّ الخيلَ التي أُعدَّت له هي
المخصوصةُ بالخير والبَرَكة، أو يقال: الخيرُ والشرّ يُمكِنُ اجتماعُهما في ذات واحدة، فإنَّه
فسَّر الخير بالأجرِ والمغنَم، ولا يمنعُ ذلك أن يكون ذلك الفرسُ ممَّا يُتْشاءَمُ به.
قلت: وسيأتي مزيد لذلك بعدَ ثلاثة أبوابٍ (٢٨٥٨).
(١) تحرفت في (س) إلى: بن.

١٠٦
باب ٤٣ / ح ٢٨٥١
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((الخيل)) المرادُ بها ما يُتَّخَذُ للغَزْو بأن يُقاتَلَ عليه أو يُرتَبَط لأجل ذلك، لقوله في
الحديث الآتي بعدَ أربعة أبواب: ((الخيلُ لثلاثة)) الحديث، فقد روى أحمد (٢٧٥٧٤) من
حديث أسماء بنتِ يزيد مرفوعاً: ((الخيل في نَواصِيها الخير معقود أبداً(١) إلى يوم القيامة،
فمَن رَبَطَها عُدَّةً في سبيل الله وأنفَقَ عليه احتساباً، كان شِبَعُها وُجُوعُها ورِيُّها وظَمَؤُها
وأرواتُها وأبوالها فلاحاً في مَوَازينِه يوم القيامة)) الحديث، ولقوله في رواية زكريًّا كما في
الباب الذي يليه: ((الأجر والمغنَم))، وقوله: ((الأجر)) بدلٌ من قوله: ((الخير))، أو هو خبرُ
مُبْتَدَأ محذوفٍ، أي: هو الأجرُ والمغنمُ، ووقع عند مسلم (٩٩/١٨٧٣) من رواية جَرِير عن
حُصَين: قالوا: بمَ ذاكَ يا رسول الله؟ قال: ((الأجرُ والمغنَم)).
قال الطِّيبي: يحتملُ أن يكون الخيرُ الذي فُسِّرَ بالأجرِ والمغنم استعارةً لظهوره
ومُلازَمَتِهِ، وخصَّ الناصية لِرِفْعة قَدْرها، وكأنَّه شَبَّهَه لظهوره بشيءٍ محسوسٍ معقودٍ على
مكانٍ مُرتَفِعٍ، فنُسِبَ الخيرُ إلى لازم المشَبَّه به، وذكر الناصيةَ تجريداً للاستعارة.
والمراد بالناصية هنا: الشَّعر المستَرسِل على الجبهة، قاله الخطّابي وغيره.
قالوا: ويحتملُ أن يكون كَنَّى بالناصية عن جميع ذات الفرس، كما يقال: فلانٌ
٥٦/٦ مُبارَكُ الناصية، ويُبعِّدُه لفظ الحديث الثَّالث، وقد روى مسلمٌ (١٨٧٢) من حديث/
جَرِير قال: رأيت رسولَ الله وَ لَ يَلْوي ناصية فرسِه بإصبعِه ويقول ... فذكر الحديث،
فيحتملُ أن تكونَ الناصيةُ خُصَّت بذلك لكونها المقدَّمَ منها، إشارةً إلى أنَّ الفضلَ في
الإقدام بها على العدوِّ دونَ المؤخَّرِ لما فيه من الإشارة إلى الإدبار.
واستُدِلَّ به على أنَّ الذي وَرَدَ فيها من الشُّؤْمِ على غير ظاهره، لكن يحتملُ أن يكون
المرادُ هنا جنس الخيل، أي: أنَّها بصَدَدِ أن يكون فيها الخيرُ، فأمَّا مَن ارتَبَطَها لعملٍ غير
صالحٍ، فحصول الوِزْرِ لطَرَآن ذلك الأمر العارض، وسيأتي مَزِيدٌ لذلك في مكانِه
بعدَ أبواب.
(١) سقط لفظ ((أبداً)) من (س).

١٠٧
باب ٤٤ / ح ٢٨٥٢
كتاب الجهاد
قال عِياض: في هذا الحديث مع وَجِيز لفظه من البلاغة والعُذُوبة ما لا مَزِيدَ عليه في
الحُسن، مع الجِناس السَّهل الذي بين الخيل والخير.
قال الخطَّبي: وفيه إشارةٌ إلى أنَّ المالَ الذي يُكتَسَبُ بالتَّاذِ الخيل من خيرٍ وجوه
الأموال وأطيَبها، والعرب تُسمّي المال خيراً كما تقدَّم في الوصايا (١) في قوله تعالى: ﴿إِن
تَرَكَ خَيْرًّا الْوَصِيَّةُ﴾ [البقرة: ١٨٠].
وقال ابن عبد البَرِّ: فيه إشارةٌ إلى تفضيل الخيل على غيرها من الدَّواب، لأنَّه لم يأتِ
عنه ◌َّ في شيءٍ غيرِها مِثلُ هذا القول، وفي النَّسائي (٣٥٦٤ و٣٩٤١) عن أنس بن مالك:
لم يكن شيءٌ أحَبَّ إلى رسول الله ◌ُّ من الخيل.
٤٤ - بابٌ الجهادُ ماضٍ مع البَرّ والفاجر
لقولِ النبيِّ ◌ََّ: ((الخيلُ معقودٌ في نَواصِيها الخيرُ إلى يومِ القِيامةِ)).
٢٨٥٢ - حدَّثنا أبو نُعيم، حدَّثنا زكريًّا، عن عامٍ، حدَّثنا عُرْوةُ البارِقِيُّ أنَّ النبيَّ ◌َّ قال:
((الخيلُ معقودٌ في نَواصِيها الخيرُ إلى يومِ القِيامةِ: الأجرُ والمغنَمُ)).
قوله: ((بابٌ الجهادُ ماضٍ مع البَرِّ والفاجر)) هذه التَّرجمة لفظُ حديث أخرجه بنحوه أبو
داود (٢٥٣٣) وأبو يعلى مرفوعاً وموقوفاً عن أبي هريرة، ولا بأسَ برُوَاته، إلَّا أنَّ مكحولاً
لم يسمع من أبي هريرة. وفي الباب عن أنس أخرجه سعيد بن منصور (٢٣٦٧) وأبو داود
أيضاً (٢٥٣٢)، وفي إسناده ضَعفٌ.
قوله: ((لقولِ النبي ◌َّ: الخيلُ معقود ... )) إلى آخره، سَبَقَه إلى الاستدلال بهذا الإمامُ
أحمدُ، لأنَّه وَّهِ ذكر بقاءَ الخير في نَواصِي الخيل إلى يوم القيامة وفَسَّرَه بالأجرِ والمغنَم،
والمغنمُ المقتَرِن بالأجرٍ إنَّما يكون من الخيل بالجهاد، ولم يُقيّد ذلك بما إذا كان الإمام عادلاً،
فدَلَّ على أن لا فرقَ في حصول هذا الفضل بين أن يكون الغَزْو مع الإمام العادل أو الجائر.
(١) في أول کتاب الوصايا.

١٠٨
باب ٤٤ / ح ٢٨٥٢
فتح الباري بشرح البخاري
وفي الحديث التَّرغيبُ في الغَزْو على الخيل، وفيه أيضاً بُشرَى بَبَقاءِ الإسلام وأهله إلى
يوم القيامة، لأنَّ من لازم بقاءِ الجهاد بقاءَ المجاهدين وهم المسلمون، وهو مِثْلُ الحديث
الآخرِ: ((لا تَزالُ طائفةٌ من أمَّتي يقاتلونَ على الحقِّ)) الحديث(١).
واستنَبَطَ منه الخطَّبي إثباتَ سهم للفرسِ يَسْتَحِقُّه الفارسُ من أجلِهِ، فإن أراد السَّهمَ
الزّائد للفارسِ على الرّاجل، فلا نِزاعَ فيه، وإن أراد أنَّ للفرسِ سهمَین غیرَ سهم راکبه، فهو
مَحَلُّ النِّراع، ولا دلالةَ من الحديث عليه، وسيأتي القول فيه قريباً (٣١١٦) إن شاء الله تعالى.
تنبيه: حكى ابن التِّين أنَّه وقع في رواية أبي الحسن القابسي في لفظ التَّرجمة: ((الجهاد
ماضٍ على البَرِّ والفاجر)) قال: ومعناه أنَّه يَجِبُ على كلِّ أحد.
قلت: إلّا أنَّه لم يقع في شيءٍ من النُّسَخ التي وَقَفْنا عليها، وقد وجدتُّه في نسخةٍ قديمةٍ
من رواية القابِسِيِّ كالجماعة، والذي يليقُ بلفظ الحديث ما وقع في سائرِ الأُصول بلفظ
(مع)) بدل ((على))، والله أعلم.
تكملة: روى حديث: ((الخيلُ معقودٌ في نَواصِيها الخير)) جمعٌ من الصحابة غيرُ مَن تقدَّم
٥٧/٦ ذِكرُهم: وهم ابن عمر وعُرْوة وأنس وجَرِير، / وممّن لم يَتقدَّم سَلَمَةُ بن نُفَيل (ك٤٣٨٦)
وأبو هريرة (ك٤٣٨٧) عند النَّسائي، وعُتْبة بن عبدٍ عند أبي داود(٢) (٢٥٤٢)، وجابر
(١٤٧٩١) وأسماء بنت يزيد (٢٧٥٧٤ و٢٧٥٩٢) وأبو ذرِّ (٢١٥٧٠) عند أحمدَ، والمغيرة
وابن مسعود (٥٣٩٦) عند أبي يعلى، وأبو كَبْشةَ عند أبي عَوَانة (٧٢٩٤) وابن حِبّان
(٤٦٧٤) في ((صحيحَيهما))، وحُذَيفةُ عند البَزّار (٢٩٤٢)، وسَوَادة بن الرَّبيع (٧/ ٦٤٨٠)
وأبو أُمامةَ (٧٩٩٤/٨) وعَرِيب (٥٠٥/١٧) - وهو بفتح المهمَلة وكسر الرّاءِ بعدَها تحتانية
ساكنة ثمَّ موخَّدة - المُلَيكي والنُّعمان بن بَشِير وسَهْل ابن الحنظليَّة (٥٦٢٣/٦) عند
الطَّبِراني، وعن عليٍّ عند ابن أبي عاصم في «الجهاد».
(١) أخرجه مسلم (١٩٢٤) من حديث عقبة ولفظه: ((لا تزال عصابة من أمتي يقاتلون على أمر الله، قاهرين
لعدوهم ... )) إلخ.
(٢) برقم (٥٤٢)، وانظر تمام تخريجه والكلام عليه في ((المسند)) (١٧٦٣٨).

١٠٩
باب ٤٥ / ح ٢٨٥٣
كتاب الجهاد
وفي حديث جابر من الزِّيادة: ((في نَواصِيها الخيرُ والنَّيْل)) وهو بفتح النُّون وسكون
التَّحتانية بعدَها لامٌ، وزادَ أيضاً: ((وأهلها مُعانُونَ عليها، فخُذُوا بنَواصِيها وادعوا
بِالبَرَكة))، وقوله: ((وأهلُها مُعانونَ عليها)» في رواية سَلَمة بن نُفَيل أيضاً.
٤٥- باب من احتبس فرساً في سبیل الله
لقوله تعالى: ﴿وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ﴾ [الأنفال: ٦٠].
٢٨٥٣- حدَّثنا عليُّ بنُ حفصٍ، حدّثنا ابنُ المبارَكِ، أخبرنا طَلْحةُ بنُ أبي سعيدٍ، قال:
سمعتُ سعيداً المَقبُريَّ يُحدِّثُ أَنَّه سمعَ أبا هريرةَ ﴾ يقول: قال النبيُّ ◌َّهِ: ((مَنِ احْتَبَسَ فرساً
في سبيلِ الله إيماناً بالله وتصديقاً بوَعْدِه، فإنَّ شِبَعَه ورَِّه ورَوْثَه وبَوْلَه في مِیزانِه يومَ القيامة)).
قوله: ((باب مَن احتبَسَ فرساً في سبيلِ الله لقوله عزَّ وجلَّ: ﴿وَمِنْ رِّبَاطِ الْخَيْلِ﴾)) أي:
بيان فضلِه، وروى ابن مَرْدويه في ((التفسير)) من حديث ابن عبّاس في هذه الآية قال: إنّ
الشيطانَ لا يستطيعُ ناصية فرسٍ.
قوله: ((حدَّثنا عليّ بن حفص)) هو المروَزي، قال البخاري في ((التّاريخ)) (٦/ ٢٧٠): لَقِيتُهُ
بعَسقَلانَ سنة سبع عشرة.
قلت: وما أخرج عنه غيرَ هذا الحديث، وآخرَ في مناقب الزُّبير موقوفاً (٣٧٢١)، وآخرَ
في آخر كتاب القَدَر (٦٦١٨) قَرَنَه فيه بيِشْر بن محمَّد. وقد تَعقَّبَ ابنُ أبي حاتم تسميته على
البخاري في الجزءِ الذي ◌َعَ فيه أو هامَه، وقال: الصوابُ أنَّه ابن الحسن(١) بن نَشِيط؛ بفتح
النّون وكسر المعجمة بوزن عَظِيم، قال(٢): وقد لقيَه أَبي - أي: بعَسقَلانَ - سنة سبع عشرة.
قلت: فيحتملُ أن يكون حفص اسم جدِّه، وقد وقع للبخاري نسبةٌ بعض مشايخِه
إلى أجدادهم.
(١) تحرف في (أ) و(س) إلى: الحسين، والتصويب من (ع) وكتاب ((بيان خطأ البخاري)) لابن أبي حاتم (٣٨٠).
(٢) أي: ابن أبي حاتم، وذلك في ((الجرح والتعديل)) ٦/ ١٨٠.

١١٠
باب ٤٦ / ح ٢٨٥٤
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((أخبَرَنا طَلْحة بن أبي سعيد)) هو المِصْري نزيل الإسكَندَريَّة، وكان أصلُه من
المدينة، وليس له في البخاري سوى هذا الموضع، بل قال أبو سعيد بن يونس: ما روى
حديثاً مُسنَداً غيره.
قوله: ((وتصديقاً بوَعْدِه)) أي: الذي وَعَدَ به من الثَّواب على ذلك، وفيه إشارةٌ إِلى المَعَاد،
كما أنَّ في لفظِ الإيمانِ إشارةً إلى المبدأ.
وقوله ((شِبَعَه)) بكسر أوَّلِه، أي: ما يُشَبَعُ به، وكذا قوله: ((رِيَّه)) بكسر الرّاءِ وتشديد
التَّحتانية، ووقع في حديث أسماء بنت يزيد الذي أشرتُ إليه (١) في الباب الماضي: ((ومَن
رَبَطَها رياءً وسُمعةً)) الحديث، وقال فيه: ((فإنَّ شِبَعَها وجُوعَها - إلى آخره - خُسْرانٌ في
موازینه)».
قال المهلَّب وغيرُه: في هذا الحديث جواز وَقْفِ الخيل للمُدافعة عن المسلمين.
ويُستَنَبَطُ منه جوازُ وقف غير الخيل من المنقولات ومن غير المنقولات من باب الأَولى.
وقوله: ((وَرَوْثَه)) يريدُ: ثوابَ ذلك، لا أنَّ الأرواثَ بعينِها تُوزَن.
وفيه أنَّ المرءَ يُؤْجَرُ بنيتِه كما يُؤْجَرُ العاملُ، وأَنَّه لا بأسَ بذِكْر الشيءِ المسْتَقْذَرِ بلفظه
للحاجة لذلك.
وقال ابن أبي جَمْرة: يُستَفادُ من هذا الحديث أنَّ هذه الحسنات تُقبَلُ من صاحبِها
التنصيص الشّارع على أنَّها في ميزانِه، بخلاف غيرها فقد لا تُقبَلُ فلا تَدخُلُ الميزانَ. وروى
ابن ماجَهْ (٢٧٩١) من حديث تميم الدَّارِيِّ مرفوعاً: ((مَن ارتَبَطَ فرساً في سبيل الله ثمَّ
عالَجَ عَلَفَه بیدِه، كان له بكلِّ حَبَّةٍ حسنة)».
٤٦- باب اسم الفرس والحمار
٥٨/٦
٢٨٥٤ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ أبي بكرٍ، حدَّثنا فُضَيلُ بنُ سليمانَ، عن أبي حازمٍ، عن عبدِ الله بنِ
أبي فَتَادةَ، عن أبيه: أنَّه خَرَجَ مع رسولِ الله وَلِهِ، فَتَخْلَّفَ أبو قَتَادةَ مع بعضِ أصحابِهِ وهم
(١) عند أحمد (٢٧٥٧٤) و(٢٧٥٩٢).

١١١
باب ٤٦ / ح ٢٨٥٤ -٢٨٥٥
كتاب الجهاد
مُحرِمونَ وهو غيرُ مُحِرِمٍ، فَرَأَوْا حمارَ وَحْشٍ قبلَ أن يراهُ، فلمَّا رَأَوه تَرَكُوه حتَّى رآه أبو قَتَادةَ،
فَرَكِبَ فرساً له يقالُ له: الجَرَادةُ، فسألهم أن يُناوِلُوه سَوْطَه فَأَبَوْا، فَتَنَاوَلَه فحَمَلَ فعَقَرَه، ثمَّ
أكَلَ فأكَلُوا فنَدِمُوا، فلمَّا أدرَكُوه قال: ((هل معكم منه شيءٌ؟)) قال: مَعَنا رِجْلُه، فأخَذَها
النبيُّ ◌َِّ فَأْكَلَها.
٢٨٥٥ - حدّثنا عليٌّ بنُ عبدِ الله بنِ جعفرٍ، حدَّثنا مَعْنُ بنُ عيسى، حذَّثنا أَبُّ بنُ عَّاسِ بنِ
سَهْلٍ، عن أبيه، عن جدِّه قال: كان للنبيِّ وَلاَ في حائطِنا فرسٌ يقالُ له: اللُّحَيْف.
قال أبو عبد الله: وقال بعضهم: اللُّخَيف.
قوله: ((باب اسم الفرسِ والحمار)) أي: مشروعيَّة تسميتهما، وكذا غيرهما من الدَّوابِّ
بأسماءٍ تخصُّها غيرِ أسماءِ أجناسها. وقد اعتَنَى مَن ألَّفَ في السِّيرة النبويَّة بسَرْد أسماء ما
وَرَدَ في الأخبار من خيلِهِ وَ ◌ِّ وغيرِ ذلك من دَوابِّه، وفي الأحاديث الواردة في هذا الباب ما
يُقوِّي قولَ مَن ذَكَر أنسابَ بعض الخيول العربية الأصيلة، لأنَّ الأسماءَ تُوضَعُ للتَّمييزِ بين
أفراد الجنس.
وذكر البخاريُّ في هذا الباب أربعة أحاديثَ:
الأول: حديث أبي قَتَادة في قصَّة صيد الحمار الوَحْشي، وقد تقدَّمت مباحثُه في كتاب
الحجّ (١٨٢١).
والغَرَضُ منه قوله فيه: ((فَرَكِبَ فرساً يقال له: الجَرَادة)) وهو بفتح الجيم وتخفيف
الرّاء، والجَرَادُ اسم جنس. ووقع في ((السّيرة)) لابن هشام (٣/ ٢٩٦): أنَّ اسمَ فرسِ أبي
قَتَادة الحَزْوة؛/ أي: بفتح المهملة وسكون الزّاي بعدَها واو، فإمَّا أن يكون لها اسمان، وإمَّا ٥٩/٦
أنَّ أحدَهما تَصَخَّف، والذي في ((الصحيح)) هو المعتمَد.
ومحمَّد بن أبي بكر شيخ البخاري فيه: هو المقدَّمي، وحكى أبو عليٍّ الجَيَّاني أنَّه وقع في
نسخة أبي زيد المروَزي: ((محمَّد بن بكر)) وهو غَلَطٌ.
الثاني: حديث سَهْل: وهو ابن سعد الساعدي.

١١٢
باب ٤٦ / ح ٢٨٥٦
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((يقالُ له: اللُّحَيف)) يعني بالمهمَلة والتَّصغير، قال ابن قُرْقُولٍ: وضَبَطُوه عن ابن
سِراج بَوَزْن رَغِيف. قلت: وَرَجَّحَه الدِّمْياطي وبه جَزَمَ الهَرَوي، وقال: سُمّي بذلك
لطول ذَنَبِهِ، فَعِيلٌ بمعنى فاعِلِ، وكأنَّه يُلحِفُ الأرض بذَنَبِهِ.
قوله: ((وقال بعضُهم: اللُّخَيف)) بالخاء المعجمة، وحَكَوْا فيه الوجهَين، وهذه رواية
عبد المهَيمِنِ بن عبَّاس بن سَهْل، وهو أخو أُبيِّ بن عبَّاس، ولفظه عند ابن مَندَهْ: كان
لرسول الله وَ﴿ عند سعد بن مالك والدسَهْل ثلاثة أفراس، فسمعتُ النبيِوَلِ يُسمّيهنَّ:
لِزَاز - بكسر اللّام وبزايين الأولى خفيفة - والظَّرِبُ - بفتح المعجمة وكسر الرّاءِ بعدَها
موحّدة - واللُّخَيف.
وحكى ◌ِبطُ ابن الجَوْزيّ أنَّ البخاري قَيَّدَه بالتَّصغير والمعجمة، قال: وكذا حكاه ابن
سعد عن الواقدي، وقال: أهداه له ربيعةُ بن أبي البَراء عامر بن مالك العامري، وأبوه
الذي يُعرَفُ بمُلاعِب الأسِنَّة، انتھی.
ووقع عند ابن أبي خَيْئمةَ: أهداه له فَرْوة بن عَمْرو.
وحكى ابن الأثير في ((النِّهاية)): أنَّ رُويَ بالجيم بدلَ الخاء المعجمة، وسَبَقَه إلى ذلك
صاحبُ ((المغيث)) ثمَّ قال: فإن صَحَّ فهو سهمٌ عَريضُ النَّصل كأنَّه سُمّي بذلك لسُرعَتِهِ.
وحكى ابن الجَوْزيّ أنَّه رُويَ بالنّون بدل اللّام من النَّحَافة.
٢٨٥٦ - حدَّثني إسحاقُ بنُ إبراهيمَ، سمعَ يحيى بنَ آدَمَ، حدَّثنا أبو الأحوَصِ، عن أبي
إسحاقَ، عن عَمرِو بنِ ميمونٍ، عن معاذٍ ﴾، قال: كنتُ رِدْفَ النبيِّ وَِّ على حمارٍ يقالُ له:
عُفَيْرٌ، فقال: ((يا معاذُ، هل تَذْري حقَّ الله على عبادِهِ، وما حقُّ العبادِ على الله؟)) قلتُ: اللهُ
ورسولُه أعلمُ، قال: ((فإنَّ حقَّ الله على العبادِ أن يَعْبُدُوه ولا يُشرِكوا به شيئاً، وحقَّ العبادِ على
الله أن لا يُعذِّبَ مَن لا يُشِرِكُ به شيئاً)) فقلتُ: يا رسولَ الله، أفلا أُبشِّرُ به الناسَ؟ قال: ((لا
تُبِّرْهم فيَتَّكِلُوا)).
[أطرافه في: ٥٩٦٧، ٦٢٦٧، ٦٥٠٠، ٧٣٧٣]

١١٣
باب ٤٦ / ح ٢٨٥٦
كتاب الجهاد
الثالث: حدیث معاذ بن جبل.
قوله: ((عن عَمْرو بن ميمون)) هو الأَوْدي بفتح الهمزة وسكون الواو، من كبار التّابعينَ،
وسيأتي أنَّه أدرَكَ الجاهليةَ في أخبار الجاهلية (٣٨٣٧). وأبو إسحاق الرَّاوي عنه: هو
السَّبيعي، والإسنادُ كلُّه كوفيونَ إِلَّ الصَّحابي، وأبو الأحوَص شيخ يحيى بن آدم فيه كنتُ
أظنُّ أنَّه سلَّمٌ بالتَّشديد: وهو ابن سُلَيم، وعلى ذلك يدلُّ كلام المِزِّي، لكن أخرج هذا
الحديثَ النَّسائيُّ (ك٥٨٤٦) عن محمَّد بن عبد الله بن المبارَكِ المُخرَّميِّ (١) عن يحيى بن آدم
شيخ شيخ البخاري فيه فقال: عن عَّار بن رُزَيق عن أبي إسحاق، والبخاري أخرجه
ليحيى بن آدم عن أبي الأحوَصِ عن أبي إسحاق، وكُنْية عمَّار بن رُزَيق أبو الأحوَص، فهو
هو، ولم أرَ مَن نَّه على ذلك.
وقد أخرجه مسلم (٤٩/٣٠) عن أبي بكر بن أبي شَيْبة، وأبو داود (٢٥٥٩) عن هَنّاد
ابن السَّرِيِّ، كلاهما عن أبي الأحوَص عن أبي إسحاق؛ وأبو الأحوَصِ هذا: هو سلَّام بن
سُليم، فإنَّ أبا بكر وهَنّاداً أدرَكاه ولم يُدرِكا عمَّاراً، والله أعلم (٢).
قوله: ((كنت رِدْفَ النبيُِّ على حمارٍ يقالُ له: عُفَير)) بالمهمَلة والفاء مُصفَّر، مأخوذ من
العَفَر: وهو لونُ التُّراب، كأنَّه سُمّي بذلك للونِهِ. والعُفْرة: حُمرة يخالطُها بياض، وهو
تصغيرُ أعفرَ، أخرجُوه عن بناءِ أصلِه كما قالوا: سُوَيد، في تصغير أسوَدَ، ووَهِمَ مَن ضَبَطَه
بالغين المعجمة، وهو غيرُ الحمار الآخرِ الذي يقال له: يَعفُور. وزَعَمَ ابن عَبْدوس أنَّهما
واحد، وقوَّاه صاحبُ ((الْهَدْىٍ))، ورَدَّه الدِّمْياطي فقال: عُفَيرٌ أهداه المُقَوقِس، ويَعفُورُ
أهداه فَرْوة بن عَمْرو، وقيل بالعكس.
ويَعْفُور بسكون المهملة وضمِّ الفاءِ: هو اسمُ ولد الظَّبِي، كأنَّه سُمّي بذلك لسُرعَتِهِ.
قال الواقدي: نَفَقَ يَعفُور مُنصَرَفَ النبيِ نَّ مِن حَجَّة الوَدَاعِ. وبه جَزَمَ النَّوَوي عن ابن
(١) تحرف في (س) إلى: المخزومي.
(٢) وقد وقع التصريح باسمه - سلّام بن سليم - عند مسلم.

١١٤
باب ٤٦ / ح ٢٨٥٧
فتح الباري بشرح البخاري
الصلاح، وقيل: طَرَحَ نفسَه في بئرِ يومَ مات رسولُ الله ێ، وقع ذلك في حديثٍ طويلٍ
ذكره ابن حِبَّان في ترجمة محمَّد بن مَزْيَد (١) في ((الضُّعَفاء))، وفيه: أنَّ النبيِِّ غَنِمَه من
خيبرَ، وأَنَّ كَلَّمَ النبيَّ ◌َّهِ، وذكر له أنَّه كان ليهودي، وأَنَّه خرج من جدِّه ستّونَ حماراً
الْرُكُوب الأنبياء، فقال: ولم يَبقَ منهم غيري، وأنتَ خاتَمُ الأنبياء، فسَّه يَعفُوراً، وكان
يَركَبُه في حاجته ويُرسِلُه إلى الرجل فيَقرَعُ بابَه برأسِه فيَعرِفُ أنَّه أُرسِلَ إليه، فلمَّا مات
النبي ◌َِّ جاء إلى بئرِ أبي الهيثم بن التَّيِّهانِ فَتَرَدّى فيها فصارت قبرَه، قال ابن حِبّان: لا
أصلَ له ولیس سنده بشيء.
٦٠/٦ قوله: ((أن تَعْبُدُوه ولا تُشرِكُوا)) في رواية الكُشْمِيهنيّ: ((أن تَعْبُدُوا)) بحذف المفعول.
قوله: ((فيَتَّكِلُوا)) بتشديد المثنَّاة، وفي رواية الكُشْمِيهنيّ بسكون النّون، وقد تقدَّم شرح
ذلك في أواخر كتاب العلم (١٢٨).
وسيأتي هذا الحديثُ في الرِّقاق (٦٥٠٠) من طريق أنس بن مالك عن معاذ، ولم يُسمَّ
فيه الحمارُ، ونستكملُ بقيّةَ الكلام عليه هناك إن شاء الله تعالى.
وتقدَّم في العلم (١٢٨) من حديث أنس بن مالك أيضاً، لكن فيما يتعلَّقُ بشهادة أن لا
إلهَ إلَّ الله، وهذا فيما يتعلَّقُ بحقِّ الله على العباد، فهما حديثان، ووَهِمَ الْحُميدي ومَن تَبِعَه
حيثُ جَعَلُوهما حديثاً واحداً. نعم وقع في كلٌّ منهما مَنعهُ نَّ أَن يُخْبِرَ بذلك الناسَ لئلّا
يتَّكلوا، ولا يَلزَمُ من ذلك أن يكونا حديثاً واحداً، وزادَ في الحديث الذي في العلم (١٢٨).
((فَأَخبر بها معاذ عند موته تأثّماً)) ولم يقع ذلك هنا، والله أعلم.
٢٨٥٧ - حدَّثْنا محمَّدُ بنُ بِشَّارِ، حدَّثنا غُندَرٌ، حدَّثنا شُعْبةُ، سمعتُ فَتَادةَ، عن أنسِ بنِ
مالكٍ ◌َّ قال: كان فَزَعُ بالمدينةِ فاستَعارَ النبيُّ ◌َلِّ فِرساً لنا يقالُ له: مندوبٌ، فقال: ((ما رأَيْنا
مِن فَزَعٍ، وإنْ وَجَدْناه لَبَحْراً)).
(١) في الأصلين و(س): مرثد، بالراء والمثلثة، وهو تصحيف، وجاء على الصواب في ((المجروحين)) لابن
حبان ٢ / ٣٠٨، وذكره أيضاً بالزاي والمثناة الذهبيُّ في كتابه ((المغني في الضعفاء)) و((ميزان الاعتدال)).

١١٥
باب ٤٧ / ح ٢٨٥٨
كتاب الجهاد
الحديث الرابع: حديث أنس في فرس أبي طلحة، وقد تقدَّم في أواخر الهِبَة (٢٦٢٧)
مع شرحه، وهو ظاهرٌ فیما ترجم به هنا.
٤٧- باب ما يُذكر من شؤم الفرس
٢٨٥٨ - حدَّثْنا أبو اليَمَان، أخبرنا شعيبٌ، عن الزُّهْريِّ، قال: أخبرني سالم بنُ عبدِ الله،
أنَّ عبدَ الله بنَ عمرَ رضي الله عنهما، قال: سمعتُ النبيَّ وََّ يقول: ((إِنَّا الشُّؤْمُ في ثلاثةٍ: في
الفرسِ، والمرأةِ، والدَّارِ)).
قوله: «باب ما يُذكر من شُؤْم الفرس» أي: هل هو على عمومِه، أو مخصوص ببعض
الخيل؟ وهل هو على ظاهره أو مُؤوَّل؟ وسيأتي تفصيل ذلك.
وقد أشارَ بإيراد حديث سَهْلٍ بعدَ حديث ابن عمر إلى أنَّ الحَضْر الذي في حديث ابن
عمر ليس على ظاهره، وبترجمة الباب الذي بعدَه وهي ((الخيلُ لثلاثة))، إلى أنَّ الشُّؤْمَ
مخصوص ببعض الخیل دون بعض، وكلُّ ذلك من لطيفٍ نظره، ودقیق فِكْره.
قوله: ((أخبرني سالم)) كذا صَرَّحَ شعيب عن الزُّهْريّ بإخبار سالم له، وشَذَّ ابن أبي ذِئْب
فأدخَلَ بين الزُّهْريّ وسالم محمَّدَ بن زيد (١) بن قُنفُذْ (٢).
واقتَصَرَ شعيب على سالم، وتابَعَه ابن جُرَيج عن ابن شِهَاب عند أبي عَوَانة(٣)، وكذا
عثمان بن عمر عن يونسَ عن الزُّهْريّ كما سيأتي في الطِّبِّ (٥٧٥٣)، وكذا قال أكثر
أصحاب سفيان عنه عن الزُّهْريّ، ونَقَلَ الِّرمِذي (٢٨٢٤) عن ابن المَدِيني والحميدي
أنَّ سفيان كان يقول: لم يَروِ الزُّهْريّ هذا الحديث إلَّا عن سالم. انتهى، وكذا قال أحمد
(٤٥٤٤) عن سفيان: إنَّا نَحفَظُه عن سالم.
لكنَّ هذا الحصرَ مردود، فقد حدَّث به مالك عن الزُّهْريّ عن سالم وحمزة ابني عبد الله
ابن عمر عن أبيهما؛ ومالك من كبار الحُفّاظِ ولا سيّما في حديث الزُّهْريّ.
(١) تحرف في (أ) و(س) إلى: زبيد، بزيادة باء.
(٢) عند النسائي في ((الكبرى)) (٩٢٣٥).
(٣) في الطب من ((مستخرجه على مسلم)) كما في («إتحاف المهرة)) ٣٩٥/٨.

١١٦
باب ٤٧ / ح ٢٨٥٨
فتح الباري بشرح البخاري
وكذا رواه ابن أبي عمر عن سفيان نفسِه، أخرجه مسلم (١١٦/٢٢٢٥) والتِّرمِذي
(٢٨٢٤) عنه، وهو يقتضي رجوعَ سفيان عمَّا سبق من الخَصْر.
وأمَّا التِّرمِذي فجَعَلَ روايةَ ابن أبي عمر هذه مرجوحةً، وقد تابَعَ مالكاً أيضاً يونسُ
من رواية ابن وَهْب عنه كما سيأتي في الطِّبِّ (٥٧٧٢)، وصالحُ بن کَيْسان عند مسلم
(١١٦/٢٢٢٥)، وأبو أُوَيس عند أحمد (٦١٩٦)، ويحيى بن سعيد وابنُ أبي عَتِيق وموسى
ابن عُقْبة، ثلاثتُهم عند النَّسائي (ك٩٢٣٩ و٩٢٤٠)، كلُّهم عن الزُّهْريّ عنهما.
ورواه إسحاق بن راشد عن الزّهْريّ فاقتَصَرَ على حمزة، أخرجه النَّسائي (ك ٩٢٣٠)،
وكذا أخرجه ابن خُزيمة (١) وأبو عَوَانة من طريق عُقَيل، وأبو عَوَانةَ من طريق شَبيب بن
سعید، كلاهما عن الزُّهْريّ.
٦١/٦
ورواه القاسم بن مَبرُور عن يونسَ، فاقتَصَرَ على حمزة، أخرجه النَّسائي أيضاً
(ك٩٢٣١)، وكذا أخرجه أحمد (٤٩٢٧) من طريق رَبَاح بن زيد عن مَعمَر مُقْتَصِراً على
حمزة، وأخرجه النَّسائي (ك٩٢٣٧) من طريق عبد الواحد عن مَعمَر فاقتَصَرَ على سالم،
فالظّاهر أنَّ الزُّهْريّ يجمعُهما تارةً، ويُفرِدُ أحدَهما أُخرى.
وقد رواه إسحاقُ في ((مُسنَده)) عن عبد الرزّاق عن مَعمَر عن الزُّهْريّ فقال: عن سالم أو
حمزةَ أو كلاهما، وله أصلٌ عن حمزة من غير رواية الزّهْريّ، أخرجه مسلم (١١٨/٢٢٢٥)
من طريق عُتْبة بن مسلم عنه، والله أعلم.
قوله: ((إنَّما الشُّؤْمِ)) بضمّ المعجمة وسكون الهمزة، وقد تُسهّلُ فتصيرُ واواً.
قوله: ((في ثلاثٍ)) يَتعلَّقُ بمحذوف تقديره: كائن، قاله ابن العربي، قال: والحصرُ فيها
بالنّسبة إلى العادة لا بالنّسبة إلى الخِلْقة. انتهى، وقال غيره: إنَّما خُصَّت بالذِّكرِ لطُول
مُلازَمَتِها.
(١) في التوكل من ((صحيحه)) كما في ((إتحاف المهرة)) ٣٠٧/٨.

١١٧
باب ٤٧ / ح ٢٨٥٨
كتاب الجهاد
وقد رواه مالك(١) وسفيان(٢) وسائرُ الرُّواة بحذف ((إِنَّم))، لكن في رواية عثمان بن
عمر: ((لا عَدْوى ولا طِيَرَةَ(٣)، وإنَّما الشُّؤْمُ في ثلاثة))، قال مسلم: لم يَذكُر أحد في حديث
ابن عمر: ((لا عَدوى)) إلَّا عثمان بن عمر(٤). قلت: ومِثلُه في حديث سعد بن أبي وَقَّاصٍ
الذي أخرجه أبو داود (٣٩٢١) لكن قال فيه: ((إن تكن الطِّرة في شيء)) الحديث. والطِّيَرة
والشُّؤْم بمعنى واحدٍ كما سأُبِّنه في أواخرَ شرح الطِّبِّ (٥٧٥٣) إن شاء الله تعالى.
وظاهر الحديث أنَّ الشُّؤْمَ والطِّيَرةَ في هذه الثلاثة، وقال ابن قُتَيبة: ووجهُه أنَّ أهلَ
الجاهلية كانوا يَتَطَّرونَ فنهاهم النبيُّ نَّه وأعلمَهم أن لا طيرةَ، فلمَّا أَبَوْا أن يَنْتَهُوا بَقِيَت
الطَِّرة في هذه الأشياءِ الثلاثة. قلت: فمشى ابنُ قُتَيبة على ظاهره، ويَلزَمُ على قوله أنَّ مَن
تَشاءَمَ بشيءٍ منها نزل به ما یکره.
قال القُرْطُبي: ولا نظنُّ به أنَّه يَحمِلُه على ما كانت الجاهليةُ تَعتَقِدُه بناءً على أنَّ ذلك
يَضُرُّ ويَنفَعُ بذاته، فإنَّ ذلك خطأ، وإِنَّمَا عَنَى أَنَّ هذه الأشياءَ هي أكثرُ ما يَتَطَيَّرُ به الناسُ،
فمَن وقع في نفسِه منها شيء ◌ُبِیح له أن يَترُكَه ويَستَبدِلَ به غیرَه.
قلت: وقد وقع في رواية عمر العَسقَلاني - وهو ابن محمَّد بن زيد بن عبد الله بن
عمر - عن أبيه عن ابن عمر كما سيأتي في النِّكاح (٥٠٩٤) بلفظ: ذَكَروا الشُّؤْم فقال:
((إن كان في شيءٍ ففي))، ولمسلم: ((إن يَكُ من الشُّؤْمِ شيءٌ حقٌّ))، وفي رواية عُتْبة بن
مسلم(٥): ((إن كان الشُّؤْم في شيء))، وكذا في حديث جابر عند مسلم (٢٢٢٧)، وهو
موافقٌ لحديث سَهْل بن سعد ثاني حديثَي الباب، وهو يقتضي عَدَمَ الجَزْم بذلك بخلاف
رواية الزُّهْريّ.
(١) ستأتي روايته عند البخاري برقم (٥٠٩٣).
(٢) عند الترمذي برقم (٢٨٢٤).
(٣) ستأتي (٥٧٥٣).
(٤) في «صحيح مسلم»: غیر یونس بن یزید. و کلاهما صحیح، فإن عثمان بن عمر إنما رواه عن يونس بن یزید.
(٥) عند مسلم (٢٢٢٥) (١١٨).

١١٨
باب ٤٧ / ح ٢٨٥٨
فتح الباري بشرح البخاري
قال ابن العربي: معناه: إن كان خَلَقَ الله الشُّؤم في شيءٍ ممَّا جَرَى من بعض العادة، فإنّما
يَخْلُقُه في هذه الأشياءِ.
قال المازَرِيّ: مُجُمَلُ هذه الرّواية: إن يكن الشُّؤْم حقّاً فهذه الثلاث أحقُّ به، بمعنى أنَّ
النُّفُوسَ يقعُ فيها التَّشاؤم بهذه أكثر ممّاً يقعُ بغيرها.
وجاء عن عائشة أنَّها أنكَرَت هذا الحديثَ، فروى أبو داود الطَّيالسي في («مُسنَده))
(١٦٤١) عن محمّد بن راشد عن مكحولٍ قال: قيل لعائشة: إنَّ أبا هريرة قال: قال
رسول الله وَل﴾: ((الشُّؤْم في ثلاثة)) فقالت: لم يَحَفَظْ، إنَّه دَخَلَ وهو يقول: ((قاتَلَ الله اليهودَ،
يقولونَ: الشُّؤْمُ في ثلاثة)) فسمعَ آخرَ الحديث ولم يسمع أوَّله.
قلت: ومكحولٌ لم يسمع من عائشة فهو مُنقَطِع، لكن روى أحمد (٢٦٠٨٨) وابن
خُزيمة والحاكم (٢/ ٤٧٩) من طريق قَتَادة عن أبي حسَّان: أنَّ رجلَين من بني عامرٍ دَخَلا
على عائشة فقالا: إنَّ أبا هريرة قال: إنَّ رسولَ الله وَه قال: ((الطِّيَرةُ في الفرسِ والمرأة
والدَّار)) فغَضِبَت غَضَباً شديداً وقالت: ما قاله، وإنَّما قال: ((إنَّ أهلَ الجاهلية كانوا
يَتَطَّرونَ من ذلك». انتهى.
ولا معنى لإنكار ذلك على أبي هريرة مع مُوافَقة مَن ذَكَرْنا من الصحابة له في ذلك،
وقد تأوَّلَه غيرُها على أنَّ ذلك سِيقَ لبيانِ اعتقاد الناس في ذلك، لا أنَّه إخبارٌ من النبي ◌َّ
بثبوت ذلك، وسياق الأحاديث الصحيحة المتقدِّم ذِكْرُها يُبعِدُ هذا التأويلَ.
قال ابن العربي: هذا جوابٌ ساقط، لأنَّه ◌َ لَه لم يُبعَث ليخبِرَ الناسَ عن مُعتَقَداتهم
الماضية والحاصلة، وإنَّما بُعِثَ ليعلِّمَهم ما يَلزَمُهم أن يعتقدُوه، انتهى.
٦٢/٦
وأمَّا ما أخرجه التُّرمِذي (٢٨٢٤) من حديث حَكِيم بن معاوية قال: سمعتُ
رسولَ الله وَلَّ يقول: ((لا شُؤمَ، وقد يكون اليُمْنُ في المرأة والدَّار والفرس)»، ففي إسناده
ضعفٌ مع مخالَفَته للأحاديث الصحيحة.

١١٩
باب ٤٧ / ح ٢٨٥٨
كتاب الجهاد
وقال عبد الرزّاق في ((مصنَّفه)) (١٩٥٢٧) عن مَعمَر: سمعتُ مَن يُفسِّرُ هذا الحديثَ
يقول: شُؤْمُ المرأة إذا كانت غيرَ وَلُود، وشُؤْم الفرسِ إذا لم يُغزَ عليه، وشُؤْمِ الدَّار جارُ السُّوء.
وروى أبو داود في الطِّبِّ (٣٩٢٢) عن ابن القاسم عن مالكِ أنَّه سُئِلَ عنه فقال: كم
من دارٍ سَكَنَها ناس فهَلَكُوا. قال المازَرِيّ: فَيَحمِلُه مالك على ظاهره، والمعنى: أنَّ قَدَرَ الله
ربَّما اتَّفَقَ ما يُكرَه عند سُكْنى الدَّار فتصيرُ في ذلك كالسَّبَب، فيُتَسامَحُ في إضافة الشيء إليه
اتّساعاً. وقال ابن العربي: لم يُرِدْ مالك إضافةَ الشُّؤْم إلى الدَّار، وإنَّما هو عبارةٌ عن جَرْي
العادة فيها، فأشارَ إلى أنَّه ينبغي للمَرءِ الخروجُ عنها صيانةً لاعتقاده عن التعلُّق بالباطل.
وقيل: معنى الحديث أنَّ هذه الأشياءَ يَطُولُ تعذيبُ القلبِ بها، مع كراهة أمرها
لمُلازَمَتِها بالسُّكنى والصُّحبة ولو لم يعتقد الإنسانُ الشُّؤْمَ فيها، فأشارَ الحديثُ إلى الأمرِ
بفِراقها ليُزُولَ التَّعذيبُ.
قلت: وما أشارَ إليه ابن العربي في تأويل كلام مالكٍ أَولى، وهو نَظِيرُ الأمرِ بالِفِرَار من
المجذوم مع صِحَّة نفي العَدْوى، والمراد بذلك حَسْم المادَّة وسَدُّ الذَّريعة، لئلا يوافقَ شيء
من ذلك القَدَرَ فيعتقدُ مَن وقع له أنَّ ذلك من العَدْوى أو من الطِّيَرة، فيقعُ في اعتقاد ما نُهُيَ
عن اعتقاده، فأُشيرَ إلى اجتناب مِثْل ذلك. والطَّريقُ فيمَن وقع له ذلك في الدَّار مثلاً أن يُبادرَ
إلى التحوُّل منها، لأَنَّه متى استَمَرَّ فيها رُبَّما حَمَلَه ذلك على اعتقاد صِحَّة الطَِّرة والتَّشاؤم.
وأمَّا ما رواه أبو داود (٣٩٢٤) وصحَّحه الحاكم(١) من طريق إسحاق بن أبي طلحة
عن أنس: قال رجل: يا رسول الله، إنّ كنَّا في دارٍ كثيرٌ فيها عددُنا وأموالنا، فَتَحوَّلنا إلى
أُخرى فقَلَّ فيها ذلك، فقال: ((ذَرُوها ذَميمةَ))، وأخرج(٢) من حديث فَرْوة بن مُسَيكِ -
بالمهمَلة مُصغَّراً - ما يدلُّ على أنَّه هو السائلُ، وله شاهدٌ من حديث عبد الله بن شَدّاد بن
الهادِ - أحد كبار التّابعينَ وله رُؤْية - بإسنادٍ صحيح إليه عند عبد الرزّاق (١٩٥٢٦).
(١) تفرَّد الحافظ هنا بعزو هذا الحديث إلى الحاكم، وعند الإطلاق فالمراد به ((المستدرك))، ولم نقف عليه فيه،
حتى إن الحافظ نفسه رحمه الله لم يخرجه في كتابه («إتحاف المهرة)».
(٢) يعني أبا داود (٣٩٢٣).

١٢٠
باب ٤٧ / ح ٢٨٥٨
فتح الباري بشرح البخاري
قال ابن العربيّ: ورواه مالك (٩٧٢/٢) عن يحيى بن سعيد مُنقَطِعاً، قال: والدَّارُ
المذكورةُ في حديثه كانت دار مُكمِل - بضمِّ الميم وسكون الكاف وكسر الميم بعدَها لام -
وهو ابن عَوْف أخو عبد الرّحمن بن عوف، قال: وإنَّما أمَرَهم بالخروج منها لاعتقادهم أنَّ
ذلك منها، وليس كما ظنُّوا لأن الخالقَ جلَّ وعلا جَعَلَ ذلك وَفْقاً لظهور قَضَائه، وأمَرَهم
بالخروجِ منها لئلا يقعَ لهم بعدَ ذلك شيءٌ فَيَستَمِرَّ اعتقادهم.
قال ابن العربي: وأفادَ وصفُها بكَونِها ذَميمةً جوازَ ذلك، وأنَّ ذِكرَها بقبيح ما وقع فيها
سائغٌ من غير أن يعتقدَ أنَّ ذلك كان منها، ولا يمتنعُ ذَمُ محلِّ المكروه وإن كان ليس منه
شرعاً كما يُذَمُّ العاصي على معصيتِهِ، وإن كان ذلك بقَضاءِ الله تعالى.
وقال الخطّابي: هو استثناءٌ من غير الجنس، ومعناه إبطالُ مذهب الجاهلية في التطيُّر،
فكأنَّه قال: إن كانت لأحدِكم دار يكره سُكْناها، أو امرأةٌ يكره صُحبَتَها، أو فرسُ يكره
سَیْرَه فليُقارِقُه.
قال: وقيل: إنَّ شُؤْمَ الدَّار ضِيقُها وسُوءُ جِوَارها، وشُؤْمَ المرأة أن لا تَلِدَ، وشُؤمَ
الفرسِ أن لا يُغَی علیه.
وقيل: المعنى ما جاء بإسنادٍ ضعيفٍ رواه الدِّمياطي في ((الخيل)): إذا كان الفرس
ضَرُوباً فهو مشؤومٌ، وإذا حَنَّت المرأة إلى بَعْلها الأوَّل فهي مشؤومة، وإذا كانت الدَّار
بعيدة من المسجدِ لا يُسمَعُ منها الأذانُ فهي مشؤومة.
وقيل: كان قوله ذلك في أوَّل الأمر، ثمَّ نُسِخَ ذلك بقوله تعالى: ﴿مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ
فِىِ الْأَرْضِ وَلَا فِىّ أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِ كِتٍَ﴾ الآية [الحديد: ٢٢]، حكاه ابن عبد البَرِّ، والنَّسُ
لا يَثْبُتُّ بالاحتمال، لا سيّما مع إمكانِ الجمع، ولا سيَّما وقد وَرَدَ في نفسِ هذا الخبرِ نفيُ
التطَيُّر ثمَّ إثباتُه في الأشياءِ المذكورة.
وقيل: يُحْمَلُ الشُّؤْمِ على معنى(١) قِلَّة الموافقة وسُوءِ الطِّباع، وهو كحديث سعد بن أبي
(١) لفظ ((معنى)) سقط من (س).