Indexed OCR Text

Pages 341-360

٣٤١
٩٤ - كتاب الأحكام / باب (٩)
المهملة وبالفاء نسبة إلى جعف، ابن سعد العشيرة من مذحج، وقال الجوهري: أبو
قبيلة من اليمن، والنسبة إليه كذلك.
قوله: ((قال زائدة)) أي: ابن قدامة، وفيه: قال، الثانية محذوف تقديره قال:
الحسين الجعفي: «قال زائدة ذكره)) أي الحديث الذي سيأتي هشام بن حسان عن
الحسن البصري، ووقع في رواية مسلم عن القاسم بن زكريا عن حسين الجعفي بالعنعنة
في جميع السند. قوله: ((ما من والٍ)) وفي رواية أبي المليح: ما من أمير، بدل: وال،
وقال فيه: ثم لا يجد له بجيم ودال مشددة من الجد بالكسر ضد الهزل، وقال فيه: إلاَّ
لم يدخل معهم الجنة. وقال ابن بطال: هذا وعيد شديد على أئمة الجور ممن ضيع من
استرعاه الله أو خانهم أو ظلمهم، فقد توجه إليه الطلب بمظالم العباد يوم القيامة، فكيف
يقدر على التحلل من ظلم أمة عظيمة؟، ومعنى((حرم الله عليه الجنة)) أي: أنفذ الله عليه
الوعيد ولم يرض عنه المظلومين، ونقل ابن التين عن الداودي نحوه، قال: ويحتمل أن
يكون هذا في حق الكافر لأن المؤمن لا بد له من نصيحة. قلت: هذا احتمال بعيد جداً،
والتعليل بالكافر مردود لأن الكافر لا يدخل الجنة، ولو كان ناصحاً. وقال الكرماني:
معنى حرم الله أي: في أول الحال، أو هو للتغليظ أو عند الاستحلال.
٩ - بابٌ مَنْ شاقَّ شَقَّ الله عَلَيْهِ
أي: هذا باب في بيان من شاق على الناس شق الله عليه لأن الجزاء من جنس
العمل، ومعنى: شق الله عليه، ثقل الله عليه، يقال: شققت عليه أي: أدخلت عليه
المشقة، وأصل شاق شاقق لأنه من باب المفاعلة فأدغمت القاف في القاف هكذا، رواية
الأكثرين، وفي رواية النسفي: من شق.
١٦/ ٧١٥٢ - حدّثنا إسْحَاقُ الواسِطِيُّ، حدّثنا خالِدٌ، عنِ الجُرَيْرِيِّ، عنْ طَرِيفٍ
أبي تَمِيمَةَ قال: شَهِدْتُ صَفْوانَ وجُنْدَباً وأصحابَهُ وهُوَ يُوصِيهِمْ، فَقالُوا: هَلْ سَمِعْتُ مِنْ
رسولِ اللهِ وَ﴿ه شَيْئاً؟ قال: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: ((مَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ الله بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ))، قال: ((ومَنْ
يُشاقِقْ يَشْققِ الله عَلَيْهِ يَوْمَ القِيامَةِ)»، فَقالُوا: أوْصِنا، فقال: إنَّ أوَّلَ ما يُنْتِّنُ مِنَ الإنْسان
بَطْنَهُ، فَمَنِ اسْتطاعَ أنْ لا يَأْكلُ إلاّ طَيِباً فَلْيَفْعَلْ، ومَنِ اسْتطاعَ أنْ لا يُحالَ بَيْنَهُ وبَيْنَ الجَنةِ
بِمِلْءٍ كَفْهِ مِنْ دَمِ أهْرَاقَهُ فَلْيَفْعَلْ.
قُلْتُ لأبي عَبْدِ الله: مَنْ يَقُولُ: سَمِعْتُ رسولَ اللهَِّ، جُنْدُبُ؟ قال: نَعَمْ جُنْدَبْ.
[انظر الحديث ٦٤٩٩].
مطابقته للترجمة ظاهرة. وإسحاق شيخ البخاري هو إسحاق بن شاهين أبو بشر
الواسطي روى عنه في مواضع ولم يزد على قوله: حدثنا إسحاق الواسطي، يروي هنا

٣٤٢
٩٤ - كتاب الأحكام / باب (٩)
عن خالد بن عبد الله الطحان، والجريري بضم الجيم وفتح الراء وسكون الياء آخر
الحروف نسبة إلى جرير بن عباد أخي الحارث بن عباد بن ضبيعة بن قيس بن بكر بن
وائل، ومن المنسوبين إليه هو سعيد بن إياس الجريري، وطريف بالطاء المهملة على
وزن كريم ابن مجالد بضم الميم وتخفيف الجيم الجهيمي بالجيم - مصغراً - نسبة إلى
بني جهيم بطن من تميم، وكان مولاهم وهو بصري وماله في البخاري عن أحد من
الصحابة إلاَّ هذا الحديث وحديث آخر مضى في الأدب من روايته عن أبي عثمان
النهدي. قوله: ((أبي تميمة)) كنية طريف.
و: ((صفوان)) هو ابن محرز بن زياد التابعي الثقة المشهور من أهل البصرة. قوله:
((وجندباً)) هو ابن عبد الله البجلي الصحابي المشهور. قوله: ((وأصحابه)) أي أصحاب
صفوان. قوله: ((وهو يوصيهم)) أي: صفوان بن محرز يوصيهم، كذا قاله بعضهم فجعل
الضمير راجعاً، إلى صفوان. وقال الكرماني: وهو ابن جندب كان يوصي أصحابه.
فجعل الضمير راجعاً إلى جندب، والصواب مع الكرماني يدل عليه أيضاً ما ذكره المزي
في (الأطراف) بلفظ: شهدت صفوان وأصحابه وجندباً يوصيهم. قوله: ((فقالوا)) أي:
فقال صفوان وأصحابه لجندب: ((هل سمعت من رسول الله وَل﴿ شيئا)) قال: أي جندب:
سمعته، أي سمعت النبي ◌ِّر ((يقول: من سمع)) بالتشديد أي: من عمل للسمعة يظهر
الله للناس سريرته ويملأ أسماعهم بما ينطوي عليه من خبث السرائر جزاء لفعله، وقيل:
أي يسمعه الله ويريه ثوابه من غير أن يعطيه، وقيل: من أراد بعلمه الناس أسمعه الله
الناس وذلك ثوابه فقط. وفيه أن الجزاء من جنس الذنب، وقال الخطابي: من رأى
بعمله وسمع الناس يعظموه بذلك: شهره الله يوم القيامة وفضحه حتى يرى الناس
ويسمعون ما يحل به من الفضيحة عقوبة على ما كان منه في الدنيا من الشهرة، وقال
الداودي: يعني من سمع بمؤمن شيئاً بشهرته أقامه الله يوم القيامة مقاماً يسمع به. وقال
صاحب (العين): سمعت بالرجل إذا أذعت عنه عيباً، والسمعة ما يسمع به من طعام أو
غيره ليرى ويسمع. وقال أبو عبيد في حديث الباب: من سمع الله بعمله سمع الله به
خلقه وحقره وصغره. قوله: ((ومن يشاقق يشقق الله عليه))، كذا في رواية السرخسي
والمستملي بصيغة المضارع وفك القاف في الموضعين، وفي رواية الكشميهني: ((ومن
شاق شق الله عليه)). بصيغة الماضي والإدغام في الموضعين، وفي رواية الطبراني عن
أحمد بن زهير عن إسحاق بن شاهين شيخ البخاري: ((ومن شاقق يشق الله عليه))،
بصيغة الماضي في الأول والمضارع في الثاني، والمعنى: أن يضل الناس ويحملهم على
ما يشق من الأمر، وقيل: المعنى أن يكون ذلك من شقاق الخلاف وهو بأن يكون في
شق منهم، وفي ناحية من جماعتهم، وقيل: المعنى النهي عن القول القبيح في المؤمنين
وكشف مساويهم وعيوبهم. قوله: ((فقال)) أي: جندب: ((إن أول ما ينتن من الإنسان

٣٤٣
٩٤ - كتاب الأحكام / باب (١٠)
بطنه)) وهذا موقوف وكذا أخرجه الطبراني من طريق قتادة عن الحسن البصري عن
جندب موقوفاً قوله: ((ينتن)) بضم الياء وسكون النون من الإنتان وماضيه أنتن، والنتن
الرائحة الكريهة، وقال الجوهري: نتن الشيء وأنتن بمعنى فهو منتن ومنتن بكسر الميم
اتباعاً لكسرة التاء. قوله: ((إلا طيباً) أي: حلالاً. قوله: ((أن لا يحال)) وفي رواية
الكشميهني: أن لايحول. قوله: ((بملء كفه))، وفي رواية الكشميهني: ملء كفه، بغير
باء موحدة. قوله: ((كفه)) كذا في رواية الأصيلي وكريمة بالضمير، وفي رواية غيرهما.
بملء كف، بدون الضمير. قوله: ((من دم)) كلمة: من، بيانية. قوله: ((أهراقه)) أي:
صبه، وقال ابن التين: وقع في روايتنا: إهراقه، والأصل: أراقه، والهاء فيه زائدة.
قوله: ((وأن لا يحال ... )) إلى آخره، موقوف أيضاً، وكذا أخرجه الطبراني من طريق
قتادة عن الحسن عن جندب موقوفاً، وزاد الحسن بعد قوله: قوله: ((أهراقه)): كأنما
يذبح دجاجة، كلما يقدم لباب من أبواب الجنة حال بينه وبينه، ووقع مرفوعاً عند
الطبراني أيضاً من طريق إسماعيل بن مسلم عن الحسن عن جندب، ولفظه: ((تعلمون
أني سمعت رسول الله وَله، يقول: يحول بين أحدكم وبين الجنة، وهو يراها بملء كفَّ
دم من مسلم أهراقه بغير حله))، وهذا لو لم يرد مصرحاً برفعه فكأنه في حكم المرفوع
لأنه لا يقال بالرأي، وهو وعيد شديد لقتل المسلم.
قوله: ((قلت لأبي عبد الله))، أبو عبد الله هو البخاري، والقائل له هو الفربري،
وليس هذا في رواية النسفي.
١٠ - بابُ القَضاءِ والفُتْيا في الطَّرِيقِ
أي: هذا باب في بيان القضاء أي الحكم والفتيا بضم الفاء يقال: استفتيت الفتيا
فأفتاني، والاسم الفتيا والفتوى. قوله: في الطريق، أي: حال كون القضاء والفتيا في
الطريق. وقال المهلب: الفتوى في الطريق على الدابة وما يشاكلها من التواضع لله، فإن
كانت لضعيف أو جاهل فمحمودة عند الله والناس، وإن تكلف ذلك لرجل من أهل
الدنيا ولمن يخشى لسانه فمكروه أن ينزل مكانه. واختلف أصحاب مالك في القضاء
سائراً أو ماشياً، فقال أشهب: لا بأس بذلك إذا لم يشغله السير أو المشي عن الفهم،
وقال سحنون: لا ينبغي أن يقضي وهو يسير أو يمشي، وقال ابن حبيب: ما كان من
ذلك يسيراً كالذي يأمر بسجن من وجب عليه، أو يأمر بشيء، أو يكف عن شيء فلا
بأس بذلك، وأما الابتداء بالنظر ونحوه فلا، وقال ابن بطال: وهو حسن، وقول أشهب
أشبه بالدليل، وقال ابن التين: لا يجوز الحكم في الطريق فيما يكون غامضاً.
وَقَضَى يحيى بنُ يَعْمَرَ في الطَّرِيقِ.

٣٤٤
٩٤ - كتاب الأحكام / باب (١٠)
يعمر بفتح الياء آخر الحروف وسكون العين المهملة وفتح الميم وبالراء التابعي
الجليل المشهور، وكان من أهل البصرة فانتقل إلى مرو بأمر الحجاج فولي قضاء مرو
لقتيبة بن مسلم، وكان من أهل الفصاحة والورع، وقال الحكم: وقضى في أكثر مدن
خراسان، وكان إذا تحول إلى بلدة استخلف في التي انتقل منها. وفي (التوضيح):
يحيى بن يعمر قضى في الطريق لعله فيما كان فيه نص أو مسألة لا تحتاج إلى فكر دون
ما غامض. قوله: ((في الطريق))، أي: حال كونه في الطريق، ووصل هذا محمد بن
سعد في (الطبقات) عن شبابة عن موسى بن يسار، قال: رأيت يحيى بن يعمر على
القضاء بمرو، فربما رأيته يقضي في السوق وفي الطريق، وربما جاءه الخصمان وهو
على حمار فيقضي بينهما.
وقَضَى الشَّغِيُّ عَلی بابٍ دَارِهِ.
الشعبي هو عامر بن شراحيل بن عبد الله أبو عمر، ونسبته إلى شعب من همدان،
مات في أول سنة ست ومائة وهو ابن سبع وسبعين سنة، وقال منصور بن عبد الرحمن
الفدائي عن الشعبي: أدركت خمسمائة من أصحاب رسول الله وَ ل 9 يقولون علي وطلحة
والزبير في الجنة، وروى عنه جماعة كثيرون منهم الإمام أبو حنيفة، رضي الله تعالى
عنه، قوله: ((على باب داره)) أي: حال كونه على باب داره، وقال ابن سعد في
(الطبقات): أخبرنا أبو نعيم أخبرنا ابن أبي شيبة حدثنا أبو إسرائيل، رأيت الشعبي يقضي
عند باب الفيل بالكوفة .
٧١٥٣/١٧ - حدّثنا عُثْمانُ بنُ أبي شَيْبَةَ، حدَّثنا جَرِيرٌ عنْ مَنْصُورٍ عنْ سالِمٍ بنِ
أبي الجَعْد، حدّثنا أنَسُ بنُ مالِكِ، رضي الله عنه، بَيْنما أنا والنبيُّ نَّهِ خارِجانٍ مِنَ
المَسْجِدِ، فَلَقِينا رَجُلٌ عِنْدَ سُدَّةِ المَسْجدِ، فقال: يا رسولَ الله مَتَّى السَّاعَةَ؟ قال النبيُّ ◌َّ:
((ما أعْدَدْتَ لَها)) فكأنَّ الرَّجُلَ اسْتَكانَ ثُمَّ قال: يا رسولَ الله ما أعْدَذْتُ لَها كَثِيرَ صِيامٍ ولا
صَلاةٍ ولا صَدَقَةٍ، ولُكِنِّي أُحِبُّ الله ورسولَهُ. قال: ((أَنْتَ مَعَ مَنْ أُخْبَبْتَ)). [انظر الحديث
٣٦٨٨ وطرفيه].
مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: ((عند سدة المسجد))، لأن السدة في قوله هي
الساحة أمام البيت. وقيل: هي باب الدار، وقيل: هي المظلة على الباب لوقاية المطر
والشمس، وقيل: عتبة الدار، وقيل لإسماعيل بن عبد الرحمن: السدي، لأنه كان يبيع
المقانع عند سدة مسجد الكوفة، وهي بضم السين وتشديد الدال المهملتين.
وعثمان شيخ البخاري أخو أبي بكر بن أبي شيبة، وجرير هو ابن عبد الحميد،
ومنصور هو ابن المعتمر، وسالم بن أبي الجعد بفتح الجيم وسكون العين المهملة،
واسم أبي الجعد رافع الأشجعي مولاهم الكوفي، مات في سنة تسع أو ثمان وتسعين
في ولاية سليمان بن عبد الملك.

٣٤٥
٩٤ - كتاب الأحكام / باب (١١)
والحديث مضى في الأدب عن عبدان عن أبيه، ومضى الكلام فيه.
قوله: ((ما أعددت لها؟)) كذا في رواية أبي ذر، وفي رواية غيره: ما عددت،
بالتشديد مثل ﴿جَمَعَ مَالَا وَعَدَّدَهُ﴾ [الهمزة: ٢] أي: ما هيأت للساعة واستعددت لها؟ قوله:
(استكان)) أي: خضع وهو من باب استفعل من السكون الدال على الخضوع، وقال
الداودي: أي: سكن. وقال الكرماني: استكان افتعل من السكون، فالمد شاذ، وقيل:
استفعل من السكون فالمد قياس. قوله: ((كثير صيام)»، بالثاء المثلثة عند البعض وعند
الأكثرين بالباء الموحدة.
١١ - بابُ ما ذُكِرَ أنَّ النبيَّ ◌َّ لَمْ يَكُنْ لَهُ بَوَّابٌ
أي: هذا باب في بيان ما ذكر أن النبي ◌َّ، لم يكن له بواب ليمنع الناس. وقال
المهلب: لم يكن للنبي، وَ ل9، بواب راتب. فإن قلت: قد تقدم أن أبا موسى كان بواباً
للنبي ◌ّي﴿ لما جلس على القف !. قلت: الجمع بينهما أنه إذا لم يكن في شغل من أهله
ولا انفرد لشيء من أمره أنه كان يرفع حجابه بينه وبين الناس ويبرز لطالب الحاجة إليه،
وقد تقدم في النكاح أنه كان في وقت خلوته يتخذ بواباً .
١٨/ ٧١٥٤ - حدّثنا إسْحَاقُ، أخبرنا عَبْدُ الصَّمَدِ، حدّثنا شُعْبَة، حدّثنا ثابِتٌ
البُنانِيُّ، عنْ أنَسِ بنِ مالِكِ يَقُولُ لامْرَأَةٍ مِنْ أهْلِهِ: تَعْرِفِينَ فُلانَة؟ قالَتْ: نَعَمْ. قال: فإنَّ
النبيَّ ◌َّهِ مَرَّ بِها وهيَ تَبْكِي عِنْدَ قَبْرٍ، فقال: ((اتَّقِي الله واضبِرِي)) فقالَتْ: إلَيْكَ عَنِّي فَإِنَّكَ
خِلْوٌ مِنْ مُصِيبَتِي، قال: فَجاوَزَها ومَضَى، فَمَر بِها رَجُلٌ فقال: ما قال لَكِ رسولُ اللهِ وَلِ؟
قالَتْ: ما عَرَفْتُهُ. قال: إنّهُ لَرَسولُ اللهِ وَّهِ. قال: فَجَاءَتْ إلى بابِهِ فَلَمْ تَجِدْ عَلَيْهِ بَوَّاباً،
فقالَتْ: يا رسولَ الله! والله ما عَرَفْتُكَ! فقال النبيُّ بِّهِ: ((الصَّبْرُ عِنْدَ أوَّلِ صَدْمَةٍ)). [انظر
الحدیث ١٢٥٢ وطرفيه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((فجاءت إلى بابه فلم تجد عليه بواباً».
وإسحاق شيخ البخاري هو ابن منصور، وعبد الصمد هو ابن عبد الوارث.
والحديث مضى في الجنائز عن آدم بن أبي إياس وعن بندار عن غندر، ومضى
الكلام فيه .
قوله: ((عند قبر)»، وكان قبر ابنها. قوله: ((وهي تبكي» الواو فيه للحال. قوله:
((فلانة))، غير منصرف كناية عن أعلام إناث الأناسي. قوله: ((إليك عني)) أي: تنح عني
وكف نفسك عني. قوله: ((خلو))، بكسر الخاء المعجمة وهو الخالي. قوله: ((فمر بها
رجل))، هو الفضل بن عباس. قوله: ((الصبر))، ويروى: إن الصبر. قوله: ((عند أول
صدمة)) وفي رواية الكشميهني: عند الصدمة الأولى. أي: عند فورة المصيبة وشدتها،
والصدم ضرب الشيء الصلب بمثله، والصدمة المرة منه.
:

٣٤٦
٩٤ - كتاب الأحكام / باب (١٢)
واختلف في مشروعية الحاجب للحاكم، فقال الشافعي وجماعة. ينبغي للحاكم
أن لا يتخذ حاجباً، وذهب آخرون إلى جوازه، وقال آخرون: بل يستحب ذلك لترتيب
الخصوم ومنع المستطيل ودفع الشرير، ونقل ابن التين عن الداودي قال: الذي أحدثه
بعض القضاة من شدة الحجاب وإدخال بطائق الخصوم لم يكن من فعل السلف، ولن
يأتي آخر هذه الأمة بأفضل ما أتى به أولها، وهذا من التكبر، وكان عمر، رضي الله
تعالى عنه، يرقد في الأفنية نهاراً.
١٢ - بابُ الحاكِمِ يَحْكُمُ بِالقَتْلِ عَلى مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ دُونَ الإِمامِ الّذِي فَوْقَهُ
أي: هذا باب مترجم بقوله: الحاكم ... إلى آخره، فقوله: الحاكم مرفوع على
الابتداء، وقوله: ((يحكم بالقتل))، خبره وليس لفظ الباب مضافاً إلى الحاكم، واختلف
العلماء في هذا الباب، فقال ابن القاسم في (المجموعة): لا يقيم الحدود في القتل ولاة
المياه ليجلب إلى الأمصار، ولا يقام القتل بمصر كلها إلاَّ بالفسطاط، أو يكتب إلى والي
الفسطاط بذلك. وقال أشهب: من ولاء الأمير وجعله والياً على بعض المياه وجعل
ذلك إليه فليقم الحد في القتل والقطع وغير ذلك، وإن لم يجعله إليه فلا يقيمه. وذكر
الطحاوي عن أصحابنا الكوفيين قال: لا يقيم الحدود إلاَّ أمراء الأمصار وحكامها، ولا
يقيمها عامل السواد ونحوه. وقال الشافعي: إذا كان الوالي عدلاً يضع الصدقة مواضعها
فله عقوبة من غل الصدقة، وإن لم يكن عدلاً فله أن يعزره.
١٩/ ٧١٥٥ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ خالِدِ الذُّهْلِيُّ، حدثنا الأنصارِيُّ مُحَمَّدٌ، حدثنا أبي
عنْ ثُمامَةً، عنْ أَنَسٍ أنَّ قَيْسَ بنَ سَعْدٍ كان يَكُونُ بَيْنَ يَدَي النبيِّ وَّهِ بِمَنْزِلَةٍ صاحِبِ الشّرَطِ مِنَ
الأمِيرِ .
مطابقته للترجمة تؤخذ من معنى الحديث لأن قيس بن سعد لما قدم رسول
الله ◌َو كان في تعديته وينفذ في أموره ويدخل في الترجمة وإن كان لا يخلي عن النظر.
ومحمد بن خالد هو محمد بن يحيى بن عبد الله بن خالد بن فارس الذهلي وقد
ذكرنا غير مرة عن الكلاباذي وغيره أخرج عن محمد هذا فلم يصرح به فتارة يقول:
حدثنا محمد، وتارة: محمد بن عبد الله، فينسبه إلى جده، وتارة: محمد بن خالد،
فينسبه إلى جد أبيه، وقد ذكر السبب فيه، والأنصاري هو محمد بن عبد الله الأنصاري،
ووقع هكذا في رواية الأكثرين، ووقع في رواية أبي زيد المروزي: حدثنا الأنصاري
محمد، فقدم النسبة على الاسم ولم يسم أباه، وأبوه عبد الله بن المثنى عن عبد الله بن
أنس، وثمامة بضم الثاء المثلثة وتخفيف الميم هو عم أبيه وهو ابن عبد الله بن أنس بن
مالك، وقد أخرج البخاري عن الأنصاري بلا واسطة عدة أحاديث في الزكاة والقصاص

٣٤٧
٩٤ - كتاب الأحكام / باب (١٢)
وغيرهما، وروى عنه بواسطة في عدة مواضع في الاستسقاء وفي بدء الخلق وفي شهود
الملائكة بدراً وغيرها .
قوله: ((أن قيس بن سعد)) زاد في رواية المروزي: ابن عبادة وهو الأنصاري
الخزرجي الذي كان والده رئيس الخزرج. قوله: ((كان يكون بين يدي النبي (وَّ))، وقال
الكرماني: فائدة تكرار الكون بيان الاستمرار والدوام، وقال بعضهم بعد أن نقل هذا
الكلام عن الكرماني: قد وقع في رواية الترمذي وابن حبان والإسماعيلي وأبي نعيم
وغيرهم من طرق عن الأنصاري بلفظ: كان قيس بن سعد بين يدي النبي ◌َِّ، قال:
فظهر أن ذلك من تصرف الرواة. انتهى. قلت: غرضه الغمز على الكرماني لأن ما قاله
الكرماني أولى وأحسن من نسبة هذا إلى تصرف الرواة، وليس للرواة إلاَّ نقل ما حفظوه
من الأحاديث، وليس لهم أن يتصرفوا فيها من عند أنفسهم، وفي رواية الترمذي ومن
ذكر معه بلفظ: كان قيس بن سعد، لا يستلزم نفي رواية: كان يكون، وكل منهم لا
يروي إلا ما حفظه. قوله: ((صاحب الشرط)) بضم الشين المعجمة وفتح الراء جمع
شرطة وهم أول الجيش سموا بذلك لأنهم أعلموا أنفسهم بعلامات والأشراط الأعلام،
وصاحب الشرط معناه العلامات يعرف بها، الواحد شرطة والنسبة إليها شرطي بضمتين،
وقد تفتح الراء. وقيل: المراد بصاحب الشرطة كبيرهم، وقال الأزهري: شرطة كل
شيء خياره، ومنه الشرطة لأنهم نخبة الجند. وقيل: سموا بذلك لأنهم أعدوا أنفسهم
لذلك، يقال: أشرط فلان نفسه لأمر كذا إذا أعدها، قاله أبو عبيدة، وقيل: مأخوذ من
الشريط وهو الحبل المبرم لما فيهم من الشدة.
وفي الحديث: تشبيه ما مضى بما حدث بعده، لأن صاحب الشرطة لم يكن
موجوداً في العهد النبوي عند أحد من العمال، وإنما حدث في دولة بني أمية، فأراد
أنس بن مالك تقريب حال قيس بن سعد عند السامعين فشبهه بما يعهدونه.
٧١٥٦/٢٠ - حدّثنا مُسَدَّدٌ، حدثنا يَحْيِى عنْ قُرَّةَ، حدّثني حُمَيْدُ بنُ هِلال، حدثنا
أَبُو بُرْدَةَ عنْ أَبي مُوسَى أنَّ النبيَّ بَهِ بَعَثَهُ وأتْبَعَهُ بِمُعاذٍ. [انظر الحديث ٢٢٦١ وأطرافه].
مطابقته للترجمة من حيث إن هذا الحديث قطعة من الحديث الذي أخرجه مطولاً
في كتاب استتبابة المرتدين بهذا الإسناد بعينه عن مسدد عن يحيى القطان عن قرة بن
خالد السدوسي عن حميد بن هلال عن أبي بردة، بضم الباء الموحدة عامر أو الحارث
عن أبي موسى الأشعري عبد الله بن قيس، وفيه: قتل معاذ المرتد دون أن يرفع أمره
إلى رسول الله *. وبه احتج من رأى أن للحاكم والوالي إقامة الحدود دون الإمام
الذي فوقه.
قوله: ((بعثه)) أي: أرسله إلى اليمن قاضيه ثم أتبعه بمعاذ بن جبل، رضي الله
تعالى عنه .
٠٠

٣٤٨
٩٤ - كتاب الأحكام / باب (١٣)
٢١/ ٧١٥٧ - حدّثني عَبْدُ الله بنُ الصَّبَّاحِ، حدثنا مَخْبُوبُ بنُ الحَسَنِ، حدّثنا
خالِد، عنْ حُمَيْدِ بنِ هِلالٍ، عَنْ أبي بُرْدَةَ عنْ أبيَ مُوسَى أنَّ رَجُلاً أسْلَمَ ثُمَّ تَهَوَّدَ، فأتَى
مُعاذُ بن جَبَلٍ وهو عِنْدَ أبي مُوسَى، فقال: ما لِهِذَا؟ قال: أسْلَمَ ثُمَّ تَهَوَّدَ، قال: لا أجْلِسُ
حتَّى أقْتُلَهُ، قَضاءَ الله ورسولِهِ نَّهِ. [انظر الحديث ٢٢٦١ وأطرافه].
مطابقته للترجمة مثل ما ذكرناه في الحديث السابق على أنه أيضاً أخرجه من طريق
آخر عن عبد الله بن الصباح بتشديد الباء الموحدة العطاردي البصري عن محبوب - ضد
المبغوض - ابن الحسن القرشي البصري، ويقال: اسمه محمد ومحبوب لقب له وهو به
أشهر، وهو مختلف في الاحتجاج به وليس له في البخاري سوى هذا الموضع، وهو
في حكم المتابعة لأنه قد تقدم في استتابة المرتدين من وجه آخر: عن حميد بن هلال،
وخالد الذي روى عنه محبوب هو الحذاء.
١٣ - بابٌ هَلْ يَقْضِي الحاِمُ أوْ يُفْتِي وَهْوَ غَضْبانُ؟
أي: هذا باب في بيان هل يقضي الحاكم، هكذا رواية الكشميهني، وفي رواية
غيره: هل يقضي القاضي؟ وجواب الاستفهام محذوف يوضحه حديث الباب.
٧١٥٨/٢٢ - حدّثنا آدَمُ، حدّثنا شُعْبَةُ، حدثنا عَبْدُ المَلِكِ بنُ عُمَيْرِ، سَمِعْتُ
عَبْدَ الرَّحْمُنِ بنَ أبي بَكْرَةً قال: كَتَبَ أَبُو بَكْرَةَ إلى ابْنِهِ وكان بِسِجِسْتَانَ - بأن لا تَقْضِي بَيْنَ
اثْنَيْنِ وأنْتَ غَضْبانُ - فإنِّي سَمِعْتُ النبيَّ ﴿ يَقُولُ: ((لا يَقْضِينَّ حَكَمٌ بَيْنَ اثْنَيْنٍ وَهُوَ
غَضبانٌ)) .
مطابقته للترجمة ظاهرة، ورجاله قد ذكروا غير مرة. وأبو بكرة اسمه نفيع بن
الحارث الثقفي .
والحديث أخرجه مسلم في الأحكام أيضاً عن قتيبة وغيره. وأخرجه ابن ماجه في
الأحكام عن هشام بن عمار وغيره.
قوله: ((كتب أبو بكرة إلى ابنه)) وفي رواية الترمذي: عن عبد الرحمن بن أبي
بكرة، قال: كتب أبي إلى عبيد الله بن أبي بكرة، وهذا يفسر رواية البخاري المبهمة،
وكذا وقع في (أطراف) المزي: إلى ابنه عبد الله، ووقع في رواية مسلم عن
عبد الرحمن قال: كتب أبي، وكتبت إلى عبيد الله بن أبي بكرة، قيل: معناه كتب أبو
بكرة بنفسه مرة، وأمر ولده عبد الرحمن أن يكتب لأخيه فكتب له مرة أخرى. انتهى.
وقال بعضهم: ولا يتعين ذلك بل الذي يظهر أن قوله: ((كتب أبي)) أي: أمر بالكتابة.
وقوله: ((وكتبت له)) أي: باشرت الكتابة التي أمر بها، والأصل عدم التعدد. انتهى.
قلت: الأصل عدم التعدد والأصل عدم ارتكاب المجاز والعدول عن ظاهر الكلام لا
لعلة، وما المانع من التعدد؟. قوله: ((وكان بسجستان)) وفي رواية مسلم: وهو قاضي

٣٤٩
٩٤ - كتاب الأحكام / باب (١٣)
بسجستان، وهي جملة حالية وهي في الأصل اسم إقليم من الأقاليم العراقية وهو إقليم
عظيم واسم قصبته زرنج، بفتح الزاي والراء وسكون النون وبالجيم، وهي مدينة كبيرة
من سجستان. وقال ابن حوقل: وقد يطلق على زرنج نفسها سجستان. قلت: اسم
سجستان أنسي هذا اليوم وأطلق اسم الإقليم على المدينة وهي بين خراسان ومكران
والسند، وبين كرمان بينهما وبين كرمان مائة فرسخ منها أربعون فرسخاً مفازة ليس فيها
ماء، والنسبة إليها سجستاني وسجزي بزاي بدل السين الثانية والتاء وهو على غير
قياس. قوله: ((غضبان)) الغضب غليان دم القلب لطلب الانتقام، وروى الترمذي من
حديث أبي سعيد مرفوعاً ألا وإن الغضب جمرة في قلب ابن آدم، أما ترون إلى حمرة
عينيه وانتفاخ أوداجه؟ قوله: ((حكم)) بفتحتين هو الحاكم. وقال المهلب: سبب هذا
النهي أن الحكم حالة الغضب قد يتجاوز إلى غير الحق فمنع. وبذلك قال فقهاء
الأمصار، وقال الغزالي: فهم من هذا الحديث أنه لا يقضي حاقناً أو جائعاً أو متألماً
بمرض. وقال الرافعي: وكذلك لا يقضي بكل حال يسوء خلقه فيها ويتغير عقله فيها .
بجوع وشبع مفرط ومرض مؤلم وخوف مزعج وحزن وفرح شديدين وكغلبة نعاس
وملال، وكذا لو حضره طعام ونفسه تتوق إليه. قال: والمقصود أن يتمكن من استيفاء
الفكر والنظر. فإن قلت: هل هذا النهي نهي تحريم أو كراهة؟. قلت: نهي تحريم عند
أهل الظاهر، وحمله العلماء على الكراهة حتى لو حكم في حال غضبه بالحق نفذ
حكمه، وهو مذهب الجمهور. فإن قلت: قد صح عنه، وَّر، أنه قد حكم في حالة
غضبه كحكمه للزبير في شراج الحرة حين قال له الأنصاري: إن كان ابن عمتك؟ فتلون
وجه رسول الله، صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، وقال: اسق يا زبير ... الحديث،
وفي (الصحيح) أيضاً في قصة عبد الله بن عمر حين طلق امرأته وهي حائض، فذكره
عمر، رضي الله تعالى عنه، لرسول الله، وَ﴿، فتغيظ رسول الله، وَالله، قلت: أجابوا
عنه بأجوبة أحسنها أنه لو كان معصوماً فلا يتطرق إليه احتمال ما يخشى من غيره في
الحكم وغيره.
٧١٥٩/٢٣ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ مُقاتِلٍ، أخبرنا عَبْدُ الله، أخبرنا إسماعِيلُ بنُ أبي
خالِدٍ، عنْ قَيْسٍ بنِ أبي حازم، عن أبي مَسْعُودٍ الأنصارِيِّ قال: جاءَ رَجُلٌ إلى رسول اللهِ وَهـ
فقال: يا رسولَ الله! إنِّي والله لَأَتَأخَّرُ عنْ صَلاةِ الغَداةِ مِنْ أجْلِ فُلانٍ مِمَّا يُطِيلُ بنا فِيها قال: فَما
رَأيْتُ النبيَّ وَِّ قَطْ أَشَدَّ غَضَباً في مَوْعِظَةٍ مِنْهُ يَوْمَئِذٍ، ثُمَّ قال: ((يا أيُّها النَّاسُ! إنَّ مِنْكُمْ
مُنَفْرِينَ، فأيْكُمْ ما صَلَّى بِالنَّاسِ فَلْيُوجِزْ، فإنَّ فِيهِمْ الكَبِيرَ والضَّعِيفَ وذا الحاجَةِ)).
[انظر الحديث ٩٠ وأطرافه].
مطابقته للترجمة ظاهرة. وعبد الله الذي روى عنه شيخ البخاري عبد الله بن
المبارك، وأبو مسعود عقبة بن عمرو.

٣٥٠
٩٤ - كتاب الأحكام / باب (١٤)
والحديث مضى في كتاب العلم في: باب الغضب في الموعظة، عن محمد بن
كثير، ومضى أيضاً في كتاب الصلاة في: باب تخفيف الإمام في القيام عن أحمد بن
يونس، ومضى الكلام فيه.
قوله: ((فليوجز)) أي: فليختصر، ويروى: فليتجوز.
٢٤/ ٧١٦٠ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ أبي يَعْقُوبَ الكِزْمانيُّ، حدّثنا حَسَّان بنُ إِبْراهِيمَ،
حدّثنا يُونُسُ قال مُحَمَّدٌ: أخبرني سالِمُ أنَّ عَبْدَ الله بنَ عُمَرَ أخبرهُ أنّهُ طَلَّقَ امْرأتَهُ وهيَ
حائِضٌ، فَذَكَرَ عُمَرُ لِلنبِّ وََّ، فَتَغَيَظَ فِيهِ رسولُ اللهِّهِ ثُمَّ قال: ((لِيُراجِعْها ثُمَّ لِيُمْسكُها،
حتى تَطْهُرَ ثُمَّ تَحِيضَ فَتَطْهُرَ، فإنْ بَدا لَهُ أنْ يُطَلِّقَها فَلْيُطَلَّقْها)). [انظر الحديث ٤٩٠٨ وأطرافه].
مطابقته للترجمة ظاهرة. واسم أبي يعقوب إسحاق الكرماني نسبته إلى كرمان،
قال الكرماني: المشهور عند المحدثين فتح الكاف لكن أهلها يقولون بالكسر وأهل مكة
أعرف بشعابها وهو بلد أهل السنة والجماعة، ولا يكاد يوجد فيها شيء من العقائد
الفاسدة وهي مولدي وأول أرض مس جلدي ترابها، ويونس هو ابن يزيد الأيلي،
ومحمد هو الزهري.
قوله: ((فتغيظ فيه)) وفي رواية الكشميهني: فتغيظ عليه، والضمير في: فيه، يرجع
إلى الفعل المذكور وهو الطلاق الموصوف، وفي: عليه، للفاعل وهو ابن عمر.
١٤ - بابُ مَنْ رَأى لِلْقَاضِي أنْ يَحْكُمْ بِعِلْمِهِ في أمْرِ النَّاسِ
إذا لَمْ يَخَفِ الظُّنُونَ والتُّهَمَةَ، كما قال النبيُّ ◌َِّ لِهِنْدٍ:
:
والحديث مضى في الطلاق في مواضع في أوائله.
((خُذِي ما يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالمَعْرُوفِ» وذُلِكَ إذا كان أمْرٌ مَشْهُورٌ
أي: هذا باب في بيان من رأى من الفقهاء أن للقاضي، ويروي: للحاكم - أن
يحكم بعلمه في أمر الناس، وأشار بهذا إلى قول الإمام أبي حنيفة، رضي الله تعالى
عنه، فإن مذهبه أن للقاضي أن يحكم بعلمه في حقوق الناس، وقيد به لأنه ليس له أن
يقضي بعلمه في حقوق الله کالحدود.
قوله: ((إذا لم يخف))، أي: القاضي ((الظنون والتهمة))، بفتح الهاء، وشرط
شرطين في جواز ذلك: أحدهما: عدم التهمة. والآخر: وجود شهرة القضية، أشار إليه
بقوله: ((إذا كان أمر مشهور)) قوله: ((كما قال النبي ◌َّهر ... )) إلى آخره، ذكره في
معرض الاحتجاج لمن رأى أن للقاضي أن يحكم بعلمه، فإن النبي وَّر، قضى لهند
بنفقتها ونفقة ولدها على أبي سفيان لعلمه بوجوب ذلك، وهند هي بنت عتبة بن

٣٥١
٩٤ - كتاب الأحكام / باب (١٤)
ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف أم معاوية زوجة أبي سفيان بن حرب أسلمت عام
الفتح بعد إسلام زوجها. وهذا وصله البخاري فى النفقات .
ثم هذه المسألة فيها أقوال للعلماء، فقال الشافعي: يجوز للقاضي ذلك في حقوق
الناس سواء علم ذلك قبل القضاء أو بعده، وبه قال أبو ثور، وقال أبو حنيفة: ما علمه
قبل القضاء من حقوق الناس لا يحكم فيه بعلمه ويحكم فيما إذا علمه بعد القضاء.
وقال أبو يوسف ومحمد يحكم فيما علمه قبل القضاء، وقال شريح والشعبي ومالك في
المشهور عنه، وأحمد وإسحاق وأبو عبيد: لا يقضي بعلمه أصلاً. وقال الأوزاعي: ما
أقر به الخصمان عنده أخذهما به وأنفذه عليهما إلاّ الحد. وقال عبد الملك: يحكم
بعلمه فيما كان في مجلس حكمه، وقال الكرابيسي: الذي عندي أن شرط جواز الحكم
بالعلم أن يكون الحاكم مشهوراً بالصلاح والعفاف والصدق، ولم يعرف بكثير زلة ولم
يوجد عليه جريمة بحيث تكون أسباب التقى فيه موجودة، وأسباب التهم فيه مفقودة،
فهذا الذي يجوز له أن يحكم بعلمه مطلقاً.
٢٥/ ٧١٦١ - حدّثنا أبُو اليَمانِ، أخبرنا شُعَيْبٌ، عنِ الزُّهْرِيِّ، حدثني عُزْوَةُ أنَّ
عَائِشَةَ، رضي الله عنها، قالَتْ: جاءَتْ هِنْدٌ بِنْتُ عُتْبَةَ بنِ رَبِيعَةَ فقالَتْ: يا رسولَ الله! والله
ما كان عَلى ظَهْرِ الأرضِ أهْلُ خِياءِ أحَبَّ إِلَيَّ أَنْ يَذِلُوا مِنْ أهْلِ خِبائِكَ، وما أصْبَحَ اليَوْمَ
عَلَى ظَهْرِ الأرضِ أهْلُ خِباءِ أحَبَّ إلَيَّ أنْ يَعِزُّوا مِنْ أهْلِ خِبائِكَ، ثُمَّ قالَتْ: إنَّ أبا سُفْيانَ
رَجُلٌ مِسْيكٌ فَهَلْ عَلَيَّ مِنْ حَرَجِ أنْ أُطْعِمَ الّذِي لهُ عِيالَنا؟ قال لَها: ((لا حَرَجَ عَليْكِ أنْ
تُطْعِمِيهِمْ مِنْ مَعْرُوف)).
[انظر الحديث ٢٢١١ وأطرافه].
مطابقته للترجمة تؤخذ من آخر الحديث فإن فيه قضاء النبي ◌َ * بعلمه، كما
ذكرناه عن قريب.
وأبو اليمان الحكم بن نافع، وقد مضت في كتاب النفقات قضية هند حيث قال
البخاري: باب إذا لم ينفق الرجل فللمرأة أن تأخذ ... إلى آخره.
وأخرجه عن محمد بن المثنى عن يحيى عن هشام عن أبيه ... إلى آخره، وهنا
من طريق الزهري عن عروة عن عائشة، وفيه زيادة على ذلك قوله: ((خبائك)) بالمد هي
الخيمة، قيل: أرادت بقولها أهل خبائك نفسه وَّر، وكنت عنه بأهل الخباء إجلالاً له،
ويحتمل أنها أرادت به أهل بيته أو صحابته، وقيل: الدار يسمى خباء والقبيل يسمى
خباء، وهذا من الاستعارة والمجاز. قوله: ((أن يذلوا)) كلمة: أن، مصدرية أي: ذلتهم،
وكذلك الكلام في: ((أن يعزو)) قوله: ((مسيك)) بكسر الميم وتشديد السين المهملة صيغة
مبالغة في مسك اليد يعني بخيل جداً، ويجوز فتح الميم وكسر السين المخففة. قوله:

٣٥٢
٩٤ - كتاب الأحكام / باب (١٥)
((من حرج)) أي: من إثم. قوله: ((إن أطعم) أي: بأن أطعم و((عيالنا)) منصوب لأنه
مفعول: أطعم. قوله: ((لا حرج عليك)) أي: لا إثم عليك ولا منع من ((أن تطعميهم من
معروف)) يعني: لايكون فيه إسراف ونحوه. فإن قلت: كيف يصح الاستدلال بهذا
الحديث على جواز حكم القاضي بعلمه لأنه خرج مخرج الفتيا؟. قلت: الأغلب من
أحوال النبي ◌َّر الحكم والإلزام.
١٥ - بابُ الشَّهَادَةِ عَلى الخَطِّ المَخْتُومِ وما يَجُوزُ مِنْ ذُلِكَ وما يَضِيقُ عَلَيْهِمْ
وكِتابِ الحاكمِ إلى عامِلِهِ، والقاضِي إلى القاضِي
أي: هذا باب في بيان حكم الشهادة على الخط المختوم بالخاء المعجمة والتاء
المثناة من فوق، هكذا في رواية الأكثرين، وفي رواية الكشميهني: المحكوم، بالحاء
المهملة والكاف، وليست هذه اللفظة بموجودة عند ابن بطال، ومعناه: هل تصح
الشهادة على خط بأنه خط فلان؟ وقيد: بالمختوم، لأنه أقرب إلى عدم التزوير على
الخط. قوله: ((وما يجوز من ذلك)) أي: من الشهادة على الخط. قوله: ((وما يضيق))
أي: وما لا يجوز من ذلك، وحاصل المعنى أن القول بجواز الشهادة على الخط ليس
على العموم نفياً وإثباتاً لأنه لو منع مطلقاً تضيع الحقوق ولا يعمل به مطلقاً، لأنه لا
يؤمن فيه التزوير، فحينئذٍ يجوز ذلك بشروط، قوله: ((وكتاب الحاكم إلى عماله)) عطف
على قوله: باب الشهادة، أي: وفي بيان جواز كتاب الحاكم إلى عماله، بضم العين
وتشديد الميم جمع عامل. قوله: ((وكتاب القاضي إلى القاضي)) أي: وفي بيان جواز
كتاب القاضي إلى القاضي، وهذه الترجمة مشتملة على ثلاثة أحكام كما رأيتها ويجيء
الآن بيان حكم كل منها مع بيان الخلاف فيها.
وقال بَعْضُ النَّاسِ: كِتابُ الحاكِمِ جائِزٌ إلا في الحُدُودِ، ثمَّ قال: إنْ كانَ القثْلُ خَطَأَ
فَهْوَ جائِزٌ لأنَّ هُذَا مالٌ بِزَعْمِهِ، وإنَّما صارَ مالاً بَعْدَ أنْ ثَبَتَ القَتْلُ، فَالخَطَأُ والعَمْدُ واحِدٌ.
أراد ببعض الناس الحنفية، وليس غرضه من ذكر هذا ونحوه مما مضى إلاَّ التشنيع
على الحنفية لأمر جرى بينه وبينهم، وحاصل غرض البخاري من هذا الكلام إثبات
المناقضة فيما قاله الحنفية، فإنهم قالوا: كتاب القاضي إلى القاضي جائز إلاَّ في
الحدود، ثم قالوا: إن كان القتل خطأ يجوز فيه كتاب القاضي إلى القاضي، لأن قتل
الخطأ في نفس الأمر مال لعدم القصاص، فيلحق بسائر الأموال في هذا الحكم، وقوله :
وإنما صار مالاً إلى آخره بيان وجه المناقضة في كلام الحنفية حاصله إنما يصير قتل
الخطأ مالاً بعد ثبوته عند الحاكم، والخطأ والعمد واحد يعني في أول الأمر حكمهما
واحد لا تفاوت في كونهما حداً، والجواب عن هذا أن يقال: لا نسلم أن الخطأ والعمد

٣٥٣
٩٤ - كتاب الأحكام / باب (١٥)
واحد، وكيف يكونا واحداً ومقتضى العمد القصاص، ومقتضى الخطأ عدم القصاص
ووجوب المال لئلا يكون دم المقتول خطأ هدراً، وسواء كان هذا قبل الثبوت أو بعده.
وقَدْ كَتَبَ عُمَرُ إلى عامِلِهِ في الحُدُودِ.
أي: كتب عمر بن الخطاب إلى عامله في الحدود، وغرضه من إيراد هذا، الردّ
على الحنفية أيضاً في عدم رؤيتهم جواز كتاب القاضي إلى القاضي في الحدود، ولا يرد
على ما نذكره، وذكر هذا الأثر عن عمر للرد عليهم فيما قالوه. قوله: في الحدود،
رواية الأكثرين، وفي رواية أبي ذر عن المستملي والكشميهني: في الجارود، بالجيم
وبالراء المضمومة وفي آخره دال مهملة وهو الجارود بن المعلى يكنى أبا غياث كان
سيداً في عبد القيس رئيساً، قال ابن إسحاق: قدم على رسول الله وَّ في سنة عشر في
وفد عبد القيس وكان نصرانياً فأسلم وحسن إسلامه، ويقال: إن اسمه بشر بن عمرو،
وإنما قيل له: الجارود، لأنه أغار في الجاهلية على بكر بن وائل ومن معه فأصابهم
وجردهم وسكن البصرة إلى أن مات وقيل: بأرض فارس، وقيل: قتل بأرض نهاوند مع
النعمان بن مقرن في سنة إحدى وعشرين، وله قصة مع قدامة بن مظعون عامل عمر،
رضي الله تعالى عنه، على البحرين أخرجهما عبد الرزاق من طريق عبد الله بن عامر بن
ربيعة قال: استعمل عمر قدامة بن مظعون، فقدم الجارود سيد عبد القيس على عمر
فقال: إن قدامة شرب فسكر، فكتب عمر إلى قدامة في ذلك، فذكر القصة بطولها في
قدوم قدامة وشهادة الجارود وأبي هريرة عليه، وجلده الحد ... والجواب عنه أن كتاب
عمر، رضي الله تعالى عنه، إلى عامله لم يكن في إقامة الحد، وإنما كان لأجل كشف
الحال. ألا يرى أن عمر هو الذي أقام الحد فيه بشهادة الجارود وأبي هريرة؟.
وكَتَبَ عُمَرُ بنُ عَبْدِ العَزِيزِ فِي سِنَّ كُسِرَتْ.
أي: كتب إلى عامله زريق بن حكيم في شأن سن كسرت، وكان كتب إليه كتاباً
أجاز فيه شهادة رجل على سن كسرت، وهذا وصله أبو بكر الخلال في كتاب القصاص
والديات من طريق عبد الله بن المبارك عن حكيم بن زريق عن أبيه، فذكر ما ذكرناه.
وقال إنراهِيمُ كِتابُ القاضِي إلى القاضِي جائِز إذا عَرَفَ الكِتابَ والخاتِمَ.
إبراهيم هو النخعي، ووصله ابن أبي شيبة عن عيسى بن يونس عن عبيدة عنه.
وكان الشَّعْبِيُّ يُجيزُ الكِتابَ المَخْتُومَ بِما فِيهِ مِنَ القاضِي.
الشعبي هو عامر بن شراحيل التابعي الكبير، ووصله ابن أبي شيبة من طريق
عيسى بن أبي عزة، قال: كان عمر - يعني: الشعبي - يجيز الكتاب المختوم يجيئه من
القاضي.
عمدة القاري / ج٢٤ - ٢٣٢
:

٣٥٤
٩٤ - كتاب الأحكام / باب (١٥)
ويُروى عنِ ابن عُمَرَ نَحْوُهُ.
أي: يروى عن عبد الله بن عمر نحو ما روي عن الشعبي، ولم يصح هذا،
فلذلك ذكره بصيغة التمريض.
وقال مُعاوِيَةُ بنُ عَبْدِ الكَرِيمِ الثَّقَفِيُّ: شَهِدْتُ عَبْدَ المَلِكِ بنَ يَعْلَى قَاضِي البَصْرَةِ
وإياسَ بِنَ مُعاوِيَةً والحَسَنِ وَثُمامَةَ بنَ عَبْدِ اللهِ بنِ أَنَسٍ وبلالَ بنَ أبي بُرْدَةً وعَبْدَ الله بن
بُرَيْدَةَ الأسْلَمِيَّ وعامِرَ بِنَ عُبِيدَةَ وعَبَّادَ بنَ مَنْصُورٍ يُجِيزُونَ كُتُبَ القُضاةِ بِغَيْرٍ مَخْضَرٍ مِنَ
الشُّهُودِ، فإنْ قال الّذِي جِيءَ عَلَيْهِ بِالكِتابِ: إنّه زُورٌ، قيلَ لهُ: اذْهَبْ فالْتَمِسِ المَخْرَجَ مِنْ
ذُلِكَ.
معاوية بن عبد الكريم الثقفي المعروف بالضال بالضاد المعجمة واللام المشددة،
سمي بذلك لأنه ضل في طريق مكة، وثقه أحمد وأبو داود والنسائي، ومات سنة ثمانين
ومائة، ووصل أثره وكيع في (مصنفه) عنه. قوله: ((شهدت)) أي: حضرت
((عبد الملك بن يعلى)) بوزن. يرضى، التابعي الثقة، ولاه يزيد بن هبيرة قضاء البصرة
لما ولي إمارتها من قبل يزيد بن عبد الملك بن مروان، ومات على القضاء بعد المائة
بسنتين أو ثلاث، ويقال: بل عاش إلى خلافة هشام بن عبد الملك، فعزله. قوله:
((وإياس))، بكسر الهمزة وتخفيف الياء آخر الحروف وبالسين المهملة ابن معاوية المزني
المعروف بالذكاء، وكان قد ولي قضاء البصرة في خلافة عمر بن عبد العزيز، رضي الله
تعالى عنه، ولاه عدي بن أرطأة عامل عمر عليها بعد امتناع منه، مات سنة ثنتين ومائة
وهو ثقة عند الجميع. قوله: ((والحسن)) هو البصري الإمام المشهور، وكان ولي قضاء
البصرة مدة لطيفة، ولاه عدي بن أرطاة عاملها وأبوه يسار رأى مائة وعشرين من
أصحاب رسول الله، وَ﴿ مات في شهر رجب سنة عشر ومائة وهو ابن تسع وثمانين
سنة. قوله: وثمامة، بضم الثاء المثلثة وتخفيف الميمين ابن عبد الله بن أنس بن مالك،
وكان تابعياً ثقة، ولي قضاء البصرة في أوائل خلافة ابن هشام بن عبد الملك، ولاه
خالد القسري سنة ست ومائة، وعزله سنة عشر، وولى بلال بن أبي بردة، ومات ثمامة
بعد ذلك، روى عن جده أنس بن مالك والبراء بن عازب. قوله: ((وبلال بن أبي بردة)»
بضم الباء الموحدة اسمه عامر أو الحارث بن أبي موسى الأشعري، وكان صديق
خالد بن عبد الله القسري فولاه قضاء البصرة لما ولي إمرتها من قبل هشام بن
عبد الملك، وضم إليه الشرطة وكان أميراً وقاضياً، إلى أن قتله يوسف بن عمر الثقفي
لما ولي الإمرة بعد خالد، ولم يكن محموداً في أحكامه. قوله: ((وعبد الله بن بريدة))
بضم الباء الموحدة وفتح الراء الأسلمي التابعي المشهور، وكان ولي قضاء مرو بعد أخيه
سليمان سنة خمس ومائة إلى أن مات وهو على قضائها سنة خمس عشرة ومائة، وذلك

٣٥٥
٩٤ - كتاب الأحكام / باب (١٥)
في ولاية أسد بن عبد الله القسري على خراسان، وهو أخو خالد القسري. وحديث
عبد الله بن بريدة الحصيب هذا في الكتب الستة. قوله: ((وعامر بن عبيدة)) بضم العين
وفتح الباء الموحدة وسكون الياء آخر الحروف، وقيل: عبدة، بفتحتين، وقيل: عبدة،
بفتح العين وسكون الباء وهو تابعي قديم ثقة، وحديثه عند النسائي وعامر كان ولي
القضاء بالكوفة مرة. قوله: ((وعباد)) بفتح العين المهملة وتشديد الباء الموحدة ابن
منصور الناجي بالنون والجيم أبو سلمة البصري، قال أبو داود: ولي قضاء البصرة
خمس مرات، وكان يرمى بالقدر فلذلك ضعفوه، وحديثه في (السنن) الأربعة وعلق له
البخاري شيئاً، مات سنة اثنتين وخمسين ومائة. قوله: ((يجيزون)) جملة حالية. قوله:
((فالتمس المخرج)) بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة أي: اطلب الخروج من عهدة
ذلك إما بالقدح في البينة بما يقبل فتبطل الشهادة، وإما بما يدل على البراءة من المشهود
به .
وأوَّلُ مَنْ سَأَلَ عَلى كِتَابِ القَاضِي البَيْئَةَ ابنُ أَبِي لَيْلَى وسَؤَّارُ بنُ عَبْدِ الله.
ابن أبي ليلى هو محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، واسم أبي ليلى يسار
قاضي الكوفة، وأول ما وليها في زمن يوسف بن عمر الثقفي في خلافة الوليد بن یزید،
ومات سنة أربعين ومائة وهو صدوق اتفقوا على ضعف حديثه من قبل سوء حفظه
وحديثه في (السنن) الأربعة. وسوار بفتح السين المهملة وتشديد الواو ابن عبد الله
العنبري نسبة إلى بني العنبر من بني تميم قال ابن حبان في الثقات: كان فقيهاً ولاه
المنصور قضاء البصرة سنة ثمان وثلاثين ومائة فبقي على قضائها إلى أن مات في ذي
القعدة سنة ست وخمسين ومائة .
وقال لَنا أَبُو نُعَيْمٍ: حدّثنا عُبَيْدُ الله بنُ مُخرِزِ جِئْتُ بِكِتَابٍ مِنْ مُوسى بن أَنَسٍ قاضِي
البَصْرَةِ وأقَمْتُ عِنْدَهُ الَّبَيْنَةَ أنَّ لي عِنْدَ فُلانٍ كَذَا وكَذَا وهُوَ بِالكُوفَةِ وجِئْتُ بِهِ القَاسِمَ بنَ
عَبْدِ الرَّحْمنِ فأجازَهُ.
أبو نعيم الفضل بن دكين أحد مشايخ البخاري نقله عنه مذاكرة، وعبيد الله بن
محرز بضم الميم وسكون الحاء المهملة وكسر الراء وفي آخره زاي هو كوفي، وماله في
البخاري سوى هذا الأثر، وموسى بن أنس بن مالك قاضي البصرة التابعي المشهور
ثقة، وحديثه في الكتب الستة، وكان ولي القضاء بالبصرة في ولاية الحكم بن أيوب
الثقفي، والقاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود وكان على قضاء البصرة من
عمر بن عبد العزيز، رضي الله تعالى عنه، وكان لا يأخذ على القضاء أجراً، وكان ثقة
صالحاً من التابعين، لقي جابر بن سمرة، قيل: إنه مات سنة ست عشرة ومائة. قوله:

٣٥٦
٩٤ - كتاب الأحكام / باب (١٥)
((فأجازه)) بالجيم أي: أمضاه وعمل به، وفي (مغني الحنابلة): يشترط في قول أئمة
الفتوى أن يشهد بكتاب القاضي إلى القاضي شاهدان عدلان ولا يكفي معرفته خط
القاضي وختمه، وحكى عن الحسن وسوار والحسن العنبري أنهم قالوا: إذا كان يعرف
خطه وختمه قبله، وهو قول أبي ثور أيضاً. وفي (التوضيح): واختلفوا إذا أشهد القاضي
شاهدين على كتابه ولم يقرأه عليهما ولا عرفهما بما فيه، فقال مالك: يجوز ذلك ويلزم
القاضي المكتوب إليه قبوله. بقول الشاهدين: هذا كتابه دفعه إلينا مختوماً، وقال أبو
حنيفة والشافعي وأبو ثور: إذا لم يقرأه عليهما القاضي ولم يحرره لم يعمل القاضي
المكتوب إليه بما فيه، وروي عن مالك مثله، واختلفوا إذا انكسر ختم الكتاب، فقال
أبو حنيفة وزفر: لا يقبله الحاكم، وقال أبو يوسف: يقبله ويحكم به إذا شهدت به
البيئة، وبه قال الشافعي.
وكَرِهَ الحَسَنُ وأَبُو قِلاَبَةَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى وَصِيَّةٍ حتى يَعْلَمَ ما فِيها لأَنَّه لا يَذْرِي لَعَلَّ فِيها
جَوراً.
الحسن هو البصري، وأبو قلابة بكسر القاف وتخفيف اللام هو عبد الله بن زيد
الجرمي بفتح الجيم وسكون الراء. قوله: ((أن يشهد)) بفتح الياء وفاعله محذوف تقدير: أن
يشهد أحد على وصية ... إلى آخره. قوله: ((جوراً)) بفتح الجيم وهو في الأصل: الظلم،
والمراد به هنا غير الحق، وقال الداودي: هذا هو الصواب الذي لا شك فيه أنه لا يشهد على
وصية حتى يعلم ما فيها، وتعقبه ابن التين فقال: لا أدري لم صوبه وهي إن كان فيها جور
يوجب الحكم أن لا يمضي لا يمض وإن كان يوجب الحكم إمضاءه يمض، ومذهب مالك:
جواز الشهادة على الوصية وإن لم يعلم الشاهد ما فيها .
وقَدْ كَتَبَ النبيُّ وَّهِ إِلى أَهْلِ خَيْبَرَ: إِمَّا أَنْ يَدُوا صَاحِبَكُمْ وإِمَّا أَنْ تُؤْذِنُوا بِحَرْبٍ.
هذا قطعة من حديث سهل بن أبي حئمة في قصة حويصة ومحيصة - وقتل
عبد الله بن سهل بخيبر، وسيأتي هذا بعد عدة أبواب في: باب كتاب الحاكم إلى
عماله. قوله: ((إما أن يدوا)) أي: إما أن يعطوا الدية، وهو من ودى يدي إذا أعطى
الدية، وأصل: يدوا، يوديوا، فحذفت الواو التي هي فاء الفعل في المفرد لوقوعها بين
الياء والكسرة، ثم حذفت في التثنية والجمع تبعاً للمفرد، ثم نقلت ضمة الياء إلى الدال
فالتقى ساكنان وهما الياء والواو فحذفت الياء ولم يحذف الواو لأنه علامة الجمع،
فصار: يدوا، على وزن: يعلوا.
وقال الزُّهْرِيُّ في شَهادَةٍ عَلى المَزْأةِ مِنْ وراءِ السِّتْرِ: إِنْ عَرَفْتَها فاشْهَدْ، وإلا فَلاَ
تَشْهَد.

٣٥٧
٩٤ - كتاب الأحكام / باب (١٦)
أي: قال محمد بن مسلم بن شهاب الزهري في حكم الشهادة على المرأة: إن
عرفها الشاهد يشهد لها وعليها، وإن لم يعرفها فلا يشهد. قوله: ((في شهادة)» ویروی:
في الشهادة، بالألف واللام. قوله: ((من وراء الستر))، إما بالتنقب وإما بغير ذلك،
وحاصله أنه إذا عرفها بأي طريق كان يجوز الشهادة عليها، ولا يشترط أن يراها حال
الإشهاد .
وأثر الزهري هذا وصله ابن أبي شيبة من طريق جعفر بن يرقان عنه، ومذهب
مالك: جواز شهادة الأعمى في الإقرار وفي كل ما طريقه الصوت سواء عنده تحملها
أعمى أو بصيراً ثم عمي، وقال أبو حنيفة والشافعي: لا تقبل إذا تحملها أعمى، ودليل
مالك أن الصحابة والتابعين رووا عن أمهات المؤمنين من وراء حجاب وميزوا
أشخاصهن بالصوت، وكذا آذان ابن أم مكتوم، ولم يفرقوا بين ندائه ونداء بلال إلاَّ
بالصوت، ولأن الإقدام على الفروج أعلى من الشهادة بالحقوق، والأعمى له وطء
زوجته وهو لا يعرفها إلا بالصوت، وهذا لم يمنع منه أحد.
٢٦/ ٧١٦٢ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ، حدّثنا غُنْدَرٌ، حدّثنا شُعْبَةُ قال: سَمِعْتُ قَتَادَة
عنْ أنَسِ بنِ مالِكِ قال: لَمَّا أرادَ النبيُّ وَِّ أنْ يَكْتُبَ إلى الرُّومِ قالُوا: إنَّهُمْ لا يَقْرَأُونَ كِتَاباً
إلّ مَخْتُوماً، فَاتَّخَذَ النبيِّ وَِّهِ خَاتَماً مِنْ فِضَّةٍ، كأنّي أَنْظُرُ إلى وَبِيصِهِ، ونَقْشُهُ: مُحَمَّدٌ رسولُ
الله. [انظر الحديث ٦٥ وأطرافه].
مطابقته للترجمة من حيث إنها مشتملة على أحكام. منها الشهادة على الخط
المختوم، وهذا الحديث فيه الخط والختم. وقال الطحاوي: حديث أنس، رضي الله
تعالى عنه، يستفاد منه أن الكتاب إذا لم يكن مختوماً فالحجة بما فيه قائمة لكونه والمدل
أراد أن يكتب إليهم. ((قالوا: إنهم لا يقرؤون كتاباً إلا مختوماً)) فلذلك اتخذ خاتماً من
فضة .
والحديث تقدم بيانه شرح حديث أبي سفيان مطولاً في بدء الوحي. وأخرجه هنا
عن محمد بن بشار الذي يقال له بندار عن غندر بضم الغين المعجمة وسكون النون
وهو لقب محمد بن جعفر.
قوله: ((وبيصه)) بفتح الواو وكسر الباء الموحدة وسكون الياء آخر الحروف
وبالصاد المهملة أي: بريقه ولمعانه.
١٦ - بابٌ مَتَى يَسْتَوْجِبُ الرَّجُلُ القَضاءَ
أي: هذا باب يذكر فيه: متى يستوجب الرجل. أي: متى يستحق أن يكون
قاضياً؟ وقال الكرماني: أي متى يصير أهلاً للقضاء، أو: متى يجب عليه القضاء؟.

٣٥٨
٩٤ - كتاب الأحكام / باب (١٦)
وقال الحَسَنُ: أَخَذَ الله على الحُكَّامِ أنْ لا يَشَّبِعُوا الهَوى ولا يَخْشَوُا النَّاسَ ولا يَشْتَرُوا
بِآيَاتِهِ ثَمَّناً قَلِيلاَ، ثُمَّ قَرَأ: ﴿يَدَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَكَ خَلِفَةٌ فِ اَلْأَرْضِ فَأَحْكُ بَيْنَ النَّاسِ بِلْحَقِّ وَلَا تَنَّبِعِ
اَلْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدًا بِمَا نَسُواْ يَوْمَ أَلْحِسَابِ﴾
[الصافات: ٢٦] وقرأَ ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَةَ فِيهَا هُدَى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَِّيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ
هَادُواْ وَالرَّبَنِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا أُسْتُحْفِظُواْ﴾ - اسْتَودِعُوا - ﴿مِن كِتَبِ اللَّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَآَةً
فَلَا تَخْشَواْ النَّاسَ وَأَخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُواْ بِثَايَتِى ثَمَنَّا قَلِيلاً وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اَللَّهُ فَأُوْلَئِكَ
هُمُ الْكَفِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] وقَرَأ ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَنَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِ الْحَّثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ
فَفَهَمْنَهَا سُلَيْمَنَّ وَكُلًا ءَانَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمَا﴾ [الأنبياء: ٧٨ -
الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَهِدِينَ
٧٩] فَحَمِدَ سُلَيْمانَ وَلَمْ يَلُمْ دَاوِدَ، وَلَوْلا ما ذَكَرَ الله مِنْ أمْرٍ هُذَيْنِ لَرَأيْتُ أنَّ القُضاةَ هَلَكُوا،
فإنّهُ أَثْنِى عَلى هَذَا بِعِلْمِهِ وعَذَرَ هذَا باجْتِهَادِهِ .
أي: قال الحسن البصري، رحمه الله: أخذ الله أي ألزم الله على الحكام بضم
الحاء جمع حاكم أن لا يتبعوا الهوى أي: هوى النفس وهو ما تحبه وتشتهيه، من هوی
يهوى من باب علم يعلم، هوّى والنهي عن اتباع الهوى أمر بالحكم بالحق. قوله: (ولا
يخشوا الناس)) نهي عن خشيتهم، وفي النهي عن خشيتهم أمر بخشية الله ومن لازم
خشية الله الحكم بالحق. قوله: ((ولا يشتروا بآياته)) أي: بآيات الله ثمناً قليلاً وهكذا في
بعض النسخ، وفي بعضها: ولا تشتروا بآياتي، وفي النهي عن بيع آياته الأمر باتباع ما
دلت عليه، وإنما وصف الثمن بالقلة إشارة إلى أنه وصف لازم له بالنسبة للعوض، فإنه
أعلى من جميع ما حوته الدنيا. قوله: ((ثم قرأ)) أي: قرأ الحسن البصري قوله تعالى:
﴿يَدَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَكَ خَلِيفَةً﴾ أيَ صيرناك خلفاً عمن كان قبلك ﴿فِ اَلْأَرْضِ﴾ أي: على
الملك من الأرض كمن يستخلفه بعض السلاطين على بعض البلاد ويملكه عليها. قوله:
﴿فَلَحْكُ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقّ﴾ أي: بالعدل الذي هو حكم الله. قوله: ﴿وَلَا تَشِّعِ اَلْهَوَى﴾ أي:
لا تمل مع ما تشتهي إذا خالف أمر الله تعالى. قوله: ﴿فَيُضِلَّكَ﴾ منصوب على الجواب،
وقيل: مجزوم عطفاً على النهي، وفتح اللام لالتقاء الساكنين. قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن
سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: عن دلائله التي نصبها في العقول أو عن شرائعه التي شرعها وأوحى
بها. قوله: ﴿بِمَا نَسُوا﴾ أي: بنسيانهم يوم الحساب، ويوم الحساب متعلق بنسوا أو
بقوله: لهم أي: لهم عذاب شديد يوم القيامة بسبب نسيانهم، وهو ضلالهم عن سبيل
الله. قوله: ((وقرأ)) أي: الحسن البصري قوله: ﴿فِيهَا هُدَى﴾ أي: بيان ونور الفتيا
الكاشف للشبهات، وذلك أن اليهود استفتوا النبي وَ﴾، في أمر الزانيين، فأنزل الله
تعالى هذه الآية. قوله: ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسَلَمُواْ﴾ وصفهم بالإسلام لا على أن
غيرهم من النبيين لم يكونوا مسلمين، وهو كقوله ﴿النَّبِىِّ الْأَنِىّ﴾ [الأعراف: ١٥٧ و١٥٨]

٣٥٩
٩٤ - كتاب الأحكام / باب (١٦)
الآية لا أن غيره لم يؤمن بالله، وقيل: أراد الذين انقادوا لحكم الله لا الإسلام الذي هو
ضد الكفر، وقيل: أسلموا أنفسهم لله، وقيل: بما في التوراة. قول ﴿لِلَّذِينَ هَادُوا﴾
[المائدة: ٤٤] أي: تابوا من الكفر، قاله ابن عباس، وقال الحسن: هم اليهود، ويجوز أن
يكون فيها تقديم وتأخير. أي: للذين هادوا يحكم بها النبيون. قوله: ﴿ وَالرََّّنِيُّونَ﴾
العلماء الحكماء وهو جمع رباني، وأصله: رب العلم، والألف والنون فيه للمبالغة،
وقال مجاهد: هم فرق الأحبار، والأحبار العلماء لأنهم يحبرون الشيء وهو في
صدورهم محبر. قوله: ﴿بِمَا أُسْتُحْفِظُواْ﴾ - استودعوا - ﴿مِن كِتَبِ اللَّهِ﴾ هذا تفسير أبي
عبيدة، وقد ثبت هذا للمستملي يقال: استحفظته كذا استودعته إياه. قوله: ﴿وَكَانُواْ
عَلَيْهِ﴾ أي: على الكتاب أو على ما في التوراة. قوله: ﴿فَلَا تَخْشَوأ النَّاسَ﴾ أي:
في إظهار صفة النبي وََّ، ﴿وَأَخْشَوْنِ﴾ في كتمان صفته، والخطاب لعلماء اليهود،
وقيل: ليهود المدينة بأن لا يخشوا يهود خيبر، وقيل: نهي للحكام عن خشيتهم غير الله
تعالى في حكوماتهم. قوله: ﴿ وَلَا تَشْتَرُواْ بِئَايَتِى ثَمَنَا قَلِيلًا﴾ أي: ولا تستبدلوا بأحكامي
وفرائض، وقيل: بصفة النبي وَل﴾. قوله: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُمْ﴾ ... إلى آخره، هذه
والآيتان بعدها نزلت في الكفار ومن غير حكم الله من اليهود وليس في أهل الإسلام
منها شيء لأن المسلم وإن ارتكب كبيرة لا يقال له: كافر. قوله: ((وقرأ»، أي الحسن
البصري ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَنَ إِذْ يَحْكُمَانٍ﴾ يعني: يحكمان ﴿فِ الْحَّثِ﴾ وأخرج عبد الرزاق
بسند صحيح عن مسروق قال: كان حرثهم عنباً نفشت فيه الغنم أي: رعت ليلاً يقال:
نفشت الدابة تنفش نفوشاً إذا رعت ليلاً بلا راع، وأهملت إذا رعت نهاراً بليل، فتحاكم
أصحاب الحرث مع أصحاب الغنم عند داود، عليه السلام، فقضى بالغنم لأصحاب
الحرث، فمروا بسليمان فأخبروه الخبر فقال سليمان: لا، ولكن أقضي بينهم أن يأخذوا
الغنم فيكون لهم لبنها وصوفها وسمنها ومنفعتها، ويقوم هؤلاء على حرثهم حتى إذا عاد
كما كان ردوا عليهم غنمهم، فدخل أصحاب الغنم على داود فأخبروه، فأرسل إلى
سليمان فعزم عليه بحق النبوة والملك والولد: كيف رأيت فيما قضيت؟ فقال: عدل
الملك وأحسن، وغيره كان أرفق بهما جميعاً، قال: ما هو؟ فأخبره بما حكم به. فقال
داود، عليه السلام: نعم ما قضيت. قوله: ﴿فَفَهَّمْنَهَا﴾ يعني: القضية. قوله: ﴿وَكُلُّ﴾
أي: كل واحد من داود وسليمان، عليهما السلام. ﴿ءَاتَيْنَا﴾ أي: أعطينا ﴿حُكْمًا وَعِلْمًا﴾
وقال الداودي: أثنى الله عليهما بذلك، فحمد سليمان ولم يلم داود من اللوم، وفي بعض
النسخ؛ ولم يذم، من الذم. قيل: قول الحسن البصري: ولم يذم داود بأن فيه نقصاً لحق
داود، عليه السلام، وذلك أن الله تعالى قال: ﴿وَكُلًا ءَانَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمَاً﴾ فجمعهما في
الحكم والعلم وميز سليمان بالفهم وهو علم خاص زاد على العام بفصل الخصومة. قال :
والأصح في الواقعة أن داود أصاب الحكم وسليمان أرشد إلى الصلح، وقيل: الاختلاف

٣٦٠
:
٩٤ - كتاب الأحكام / باب (١٦)
بين الحكمين في الأولوية لا في العمد والخطأ. ومعنى قول الحسن: فحمد سليمان،
يعني لموافقته الطريق الأرجح، ولم يذم داود لاقتصاره على الطريق الراجح، واستبدل
بهذه القصة على أن للنبي ول# أن يجتهد في الأحكام ولا ينتظر نزول الوحي، لأن داود،
عليه السلام، اجتهد في المسألة المذكورة قطعاً لأنه لو كان قضى فيها بالوحي ما خص الله
سليمان بفهمها دونه، وقد اختلف من أجاز للنبي أن يجتهد: هل يجوز عليه الخطأ في
اجتهاده؟ فاستدل من أجاز ذلك بهذه القصة، ورد عليه بأن الله تعالى أثنى على داود فيها
بالحكم والعلم، والخطأ ليس حكماً ولا علماً. وإنما هو ظن غير مصيب. قوله: ((ولولا
ما ذكر الله من أمر هذين))، يعني: داود وسليمان، عليهم السلام. قوله: ((لرأيت)) جواب
لو واللام فيه للتأكيد وهي مفتوحة وفي رواية الكشميهني لرئيت على صيغة المجهول
قوله: ((إن القضاة)) أي قضاة هذا الزمان هلكوا لما تضمنه قوله عز وجل: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم
بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] ودخل في عمومه العامد والمخطىء.
فاستدل بقوله: ﴿فَفَهَّمْنَهَا سُلَيْمَنَّ﴾ الآية على أن الوعيد خاص بالعامد، وأشار إلى ذلك
بقوله فإنه أي: فإن الله أثنى على هذا أي: على سليمان بعلمه. قوله: ((وعذر))، بالذال
المعجمة. قوله: هذا، يعني داود باجتهاده، فلذلك لم یلمه.
وقال مُزَاحِمُ بنُ زُفَرَ: قال لَنا عُمَرُ بنُ عَبْدِ العَزِيزِ: خَمْسٌ إذا أخطأ القاضِي مِنْهُنَّ خُطّةً
كانَتْ فِيهِ وصمةٌ: أنْ يَكُونَ فَهِماً حَليماً عَفيفاً صَليباً عالِماً سَؤُلاً عنِ العِلْمِ.
مزاحم بضم الميم وبالزاي وكسر الحاء المهملة ابن زفر بضم الزاي وفتح الفاء
وبالراء الكوفي، وهو ممن أخرج له مسلم، وعمر بن عبد العزيز الخليفة المشهور
العادل. قوله: ((خمس)) أي: خمس خصال. قوله: ((إذا أخطأ) أي: إذا تجاوز وفات
منهن أي: من الخمس المذكورة، وقال الكرماني: ويروى: منهم، أي: من القضاة.
قوله: خطة، بضم الخاء المعجمة وتشديد الطاء، كذا في رواية أبي ذر عن غير
الكشميهني، وفي روايته عنه: خصلة، بفتح الخاء المعجمة وسكون الصاد المهملة وهما
بمعنى. قوله: ((وصمة))، بفتح الواو وسكون الصاد المهملة أي: عيب وعار. قوله: ((أن
يكون)» تفسير لحال القاضي المذكور وهو جملة في محل الرفع على الخبرية تقديره:
وهي أن يكون. قوله: ((فهماً)) بفتح الفاء وكسر الهاء، قال بعضهم: هو من صيغ
المبالغة. قلت: هو من الصفات المشبهة، ووقع في رواية المستملي: فقيهاً، قوله:
((حليم) يعني على من يؤذيه ولا يبادر بالانتقام، وقيل: الحلم هو الطمأنينة يعني: يكون
متحملاً لسماع كلام المتحاكمين واسع الخلق غير ضجور ولا غضوب. قوله: ((عفيفاً»
أي: يكف عن الحرام فإنه إذا كان عالماً ولم يكن عفيفاً كان ضرره أشد من ضرر
الجاهل، ويقال: العفة النزاهة عن القبائح أي: لا يأخذ الرشوة بصورة الهدية ولا يميل
إلى ذي جاه ونحوه، قوله: ((صليباً)) على وزن فعيل من الصلاة أي: قوياً شديداً يقف