Indexed OCR Text

Pages 141-160

١٤١
٨١ - كتاب الرقاق / باب (٤٠)
عَبْدِ الرَّحْمُنِ، عن أبي هُرَيْرَةَ، رضي الله عنه، أنَّ رسولَ اللهِوَإِ قال: ((لا تَقُومُ السَّاعَةُ
حتَّى تَطْلُعَ الشّمْسُ مِنْ مَغْرِبِها، فإذا طَلَعَتْ فَرَآهَا النَّاسُ آمَنُوا أَجْمَعُونَ، فَذَلِكَ حِينَ ﴿لَا يَنفَعُ
نَفْسًا إِيَتُهَا لَمْ تَكُنْ ءَامَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِيَ إِيمَنِهَا خَيْرٌ﴾ [الأنعام: ١٥٨] وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدْ
نَشَرَ الرَّجُلانِ ثَوْبَهُما بَيْتَهُما فَلا يَتَبَايَعانِهِ ولا يَطْوِيانِهِ، ولَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وقَدِ انْصَرَفَ الرَّجلُ
بِلَبَنِ لِقْحَتِهِ فَلا يَطْعَمُهُ، ولَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وهو يَلِيطُ حَوْضَهُ فَلا يَسْقِي فِيهِ، ولَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ
وقَدْ رَفَعَ أحَدُكُمْ أُكْلَتَهُ إلى فِيهِ فلا يَطْعَمُها)). [انظر الحديث ٨٥ وأطرافه].
مطابقته للترجمة على رواية الكشميهني ظاهرة، وعلى رواية غيره هو داخل فيما
قبله .
وأبو اليمان الحكم بن نافع، وشعيب هو ابن أبي حمزة، وأبو الزناد بالزاي والنون
عبد الله بن ذكوان، وعبد الرحمن هو ابن هرمز الأعرج.
والحديث مختصر من حديث سيأتي في أواخر كتاب الفتن بهذا الإسناد بتمامه
وأوله: ((لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان عظيمتان)). وذكر فيه نحو عشرة أشياء من هذا
الجنس، ثم ذكر ما في هذا الباب مقتصراً على ما يتعلق بطلوع الشمس.
قوله: ((من مغربها)) قال الكرماني: أهل الهيئة بينوا أن الفلكيات بسيطة لا تختلف
مقتضياتها ولا يتطرق إليها خلاف ما هي عليه، ثم أجاب بقوله: قواعدهم منقوضة
ومقدماتهم ممنوعة. ولئن سلمنا صحتها فلا امتناع في انطباق منطقة البروج على معدل
النهار بحيث يصير المشرق مغرباً وبالعكس. قوله: ((آمنوا أجمعون)) وفي رواية أبي زرعة
عن أبي هريرة في التفسير. ((فإذا رآها الناس آمن من عليها)) أي: من على الأرض من
الناس. قوله: ((فذلك)) هكذا رواية الكشميهني. وفي رواية غيره: ((فذاك)) ووقع في رواية
التفسير: وذلك، بالواو ويعني: عند طلوع الشمس من مغربها لا ينفع نفساً، إيمانها.
وقال الطبري: معنى الآية: لا ينفع كافراً لم يكن آمن قبل الطلوع إيمان بعد الطلوع، لأن
حكم الإيمان والعمل الصالح حينئذٍ حكم من آمن أو عمل عند الغرغرة، وذلك لا يفيد
شيئاً كما قال الله تعالى: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْاْ بَأَسَنَا﴾ [غافر: ٨٥] وكما ثبت في
الحديث الصحيح: ((تقبل توبة العبد ما لم يبلغ الغرغرة)) وقال ابن عطية: في هذا الحديث
دليل على أن المراد بالبعض في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِ بَعْضُ ءَايَتِ رَبِّكَ﴾ [الأنعام: ١٥٨] طلوع
الشمس من المغرب وإلى ذلك ذهب الجمهور، واعلم أن الشمس تجري بقدرة الله تعالى
ونغرب في عين حمئة ثم تبلغ العرض فتسجد ثم تستأذن فيؤذن لها فتعود إلى المطلع، فإذا
كانت تلك الليلة لم يؤذن لها إلى ما شاء الله. ثم يؤذن لها وقد مضى وقت طلوعها فتسير
سيراً فتعلم أنها لا تبلغ إلى المطلع في باقي ليلتها فتعود إلى مغربها فتطلع منه، فمن كان
قبل كافراً لم ينفعه إيمانه ومن كان مؤمناً مذنباً لم تنفعه توبته. وروى الترمذي من حديث

١٤٢
٨١ - كتاب الرقاق / باب (٤١)
صفوان بن غسان قال: سمعت رسول الله وَ ل*، يقول: ((إن بالمغرب باباً مفتوحاً للتوبة
مسيرة سبعين سنة لا يغلق حتى تطلع الشمس من مغربها)). وقال: حديث حسن صحيح.
قوله: ((وقد نشر الرجلان)) الواو فيه للحال. قوله: ((بلبن لقحته)) بكسر اللام وهي: الناقة
الحلوب. قوله: ((يليط حوضه)) من لاط حوضه وألاطه إذا أصلحه وطينه. قوله: ((أكلته))
أي: لقمته وهي بالضم، وأما بالفتح فهي المرة الواحدة، هذا كله إخبار عن الساعة أنها
تأتي فجأة وأسرع من دفع اللقمة إلى الفم.
٤١ - بابٌ مَنْ أحَبَّ لِقَاءَ الله أحَبَّ الله لِقَاءَهُ
أي: هذا باب في قوله وَله: ((من أحب ... )) الخ هذا جزء من الحديث الأول في
الباب، قال الخطابي: محبة اللقاء إيثار العبد الآخرة على الدنيا، فلا يحب طول القيام
فيها لكن يستعد للارتحال عنها، وكراهته ضد ذلك، ومحبة الله لقاء عبده إرادة الخير له
وهدايته إليه، وكراهته ضد ذلك.
٩٦/ ٦٥٠٧ - حدّثنا حَجَّاجٌ، حدثنا هَمَّامٌ، حدثنا قَتادَةُ، عنْ أَنَسٍ عنْ عُبادَةَ بنِ
الصَّامِتِ عنِ النبيِّ وَ﴿ قال: قوله: ((مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ الله أحَبَّ الله، لِقَاءَهُ ومَنْ كَرِهَ لِقاءَ، الله ◌َرِهَ
الله لِقَاءَهُ)» قالَتْ عائِشَةُ - أَوْ بَعْضُ أزواجِهِ: إِنَّا لَنَكْرَهُ المَوْتَ - قال: ((لَيْسَ ذاكِ، ولَكِنَّ المُؤْمِنَ إذا
حَضَرَهُ المَوْتُ بُشْرَ بِرِ ضْوَانِ الله وَكَرَامَتِهِ، فَلَيْسَ شَيْءٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا أمامَهُ، فأَحَبَّ لِقَاءَ الله وأُحَبَّ
الله لِقَاءَهُ، وإنَّ الكافِرَ إذا حُضِرَ بُشِّرَ بِعَذَابِ الله وَعُقُوبَتِهِ، فَلَيْسَ شَيْءٌ أُكْرَهَ إِلَيْهِ مِمَّا أمامَهُ، كَرِهَ
لِقَاءَ الله وكَرِهَ الله لِقَاءَهُ» .
قد ذكرنا أن الترجمة جزء الحديث فلا مطابقة أوضح من هذا.
وحجاج هو ابن المنهال البصري، وهو من كبار شيوخ البخاري مات سنة سبع
عشرة ومائتين، وهمام هو ابن يحيى، وفيه رواية الصحابي عن الصحابي.
والحديث أخرجه مسلم في الدعوات عن هدبة بن خالد وغيره. وأخرجه الترمذي
في الزهد عن محمود بن غيلان وفي الجنائز عن أبي الأشعث أحمد بن المقدم.
وأخرجه النسائي في الجنائز عن أبي الأشعث.
قوله: ((من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه)) قال الكرماني: ليس الشرط سبباً للجزاء
بل الأمر بالعكس، ثم قال: مثله يؤول بالاخبار أي: من أحب لقاء الله أخبره الله بأن الله
أحب لقاءه، وكذلك الكراهة. انتهى.
وقيل: من، خبرية وليست بشرطية، وليس معناه: أن سبب حب الله لقاء العبد
حب لقائه ولا الكرهة، ولكنه صفة حال الطائفتين في أنفسهم وعند ربهم، والتقدير: من
أحب لقاء الله فهو الذي أحب الله لقاءه، وكذا الكراهة. انتهى.

١٤٣
٨١ - كتاب الرقاق / باب (٤١)
قلت: حديث أبي هريرة الذي يأتي في التوحيد مرفوع، قال الله تعالى: ((إذا أحب
عبدي لقائي أحببت لقاءه)) يدل على أن: من، شرطية فلا وجه لنفيها. وقال النووي:
الكراهة المعتبرة هي التي تكون، عند النزع في حالة لا تقبل التوبة، فحينئذٍ يكشف لكل
إنسان ما هو صائر إليه، فأهل السعادة يحبون الموت ولقاء الله لينتقلوا إلى ما أعد الله
لهم، ويحب الله لقاءهم ليجزل لهم العطاء والكرامة، وأهل الشقاوة يكرهونه لما علموا
من سوء ما ينتقلون إليه ويكره الله لقاءهم أي: يبعدهم عن رحمته ولا يريد لهم الخير
قال الخطابي: اللقاء على وجوه. منها: الرؤية ومنها: البعث كقوله تعالى: ﴿قّدْ خَسِرَ
الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَدِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ٣١ ويونس: ٤٥] أي: بالبعث: ومنها: الموت كقوله: من
كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لآت، وقال ابن الأثير في (النهاية): المراد بلقاء الله هنا
المصير إلى الدار الآخرة وطلب ما عند الله، وليس الغرض به الموت، لأن كلّاً يكرهه،
فمن ترك الدنيا وأبغضها أحب لقاء الله، ومن آثرها وركن إليها كره لقاء الله لأنه إنما
يصل إليه بالموت. قوله: ((أو بعض أزواجه)) كذا في هذه الرواية بالشك، وجزم
سعيد بن هشام في روايته عن عائشة بأنها هي قالت ذلك ولم يتردد فيه.
قلت: روى مسلم هذا الحديث عن هداب بن خالد عن همام مقتصراً على أصل
الحديث ولم يذكر في هذه الرواية هذه الزيادة أعنى قوله: ((قالت عائشة - أو بعض
أزواجه ... )) إلى آخره، ثم أخرجه من رواية سعيد بن أبي عروبة موصولاً فكأن مسلماً
حذف الزيادة عمداً لكونها مرسلة من هذا الوجه، واكتفى بإيرادها موصولة من طريق
سعيد بن أبي عروبة، وقد أشار البخاري إلى ذلك حيث علق رواية شعبة بقوله:
اختصره ... إلى آخره على ما يأتي، وكذا أشار إلى رواية سعيد بن أبي عروبة تعليقاً،
وهذا من العلل الخفية جداً. فإن قلت: هذه الزيادة لا تظهر صريحاً: هل هي من كلام
عبادة على معنى أنه سمع الحديث من النبي ◌َّر، وسمع مراجعة عائشة رضي الله تعالى
عنها، أو من كلام أنس على معنى أنه حضر ذلك، أو من كلام قتادة أرسله في رواية
همام ووصله في رواية سعيد بن أبي عروبة، فيكون في رواية همام إدراج.
قلت: هذه الاحتمالات لا ترد، فلذلك قال البخاري عقيب الحديث المذكور:
اختصره أبو داود ... إلى آخره، وهذا من صنيعه العجيب. قوله: ((مما أمامه)) بفتح
الهمزة أي: مما قدامه من استقبال الموت، وقال الكرماني: مما أمامه متناول للموت
أيضاً ثم قال: فإن قلت: قد نفاه رسول الله وَل﴿ خصوصاً وأثبته عموماً فما وجهه؟.
قلت: نفى الكراهة التي هي حال الصحة وقبل الاطلاع على حاله، وأثبت التي
هي في حال النزع وبعد الاطلاع على حاله، فلا منافاة. قوله: ((حضر)) على صيغة
المجهول وكذلك قوله: ((بشر))، قوله: ((كره لقاء الله)) ويروى: فكره، بالفاء.

١٤٤
٨١ - كتاب الرقاق / باب (٤١)
اخْتَصَرَهُ أَبُو دَاوُدَ وَعَمْرٌو عِنْ شُعْبَةَ .
قال سَعِيدٌ: عِنْ قَتادَةَ عنْ زُرارَةَ عنْ سَعْدٍ عِنْ عَائِشَةَ عن النبيِّ ◌َِّ.
أي: اختصر الحديث المذكور أبو داود سليمان الطيالسي، وعمرو بن مرزوق
الباهلي، فرواية أبي داود أخرجها الترمذي عن محمود بن غيلان عن أبي داود بلفظ أبي
موسى الذي يأتي هنا من غير زيادة ولا نقصان، ورواية عمرو بن مرزوق أخرجها
الطبراني في الكبير عن أبي مسلم الكشي، ويوسف بن يعقوب القاضي قالا : حدثنا
عمرو بن مرزوق حدثنا شعبة ... فذكره مثل لفظ أبي داود سواء. قوله: وقال سعيد،
يعني ابن أبي عروبة عن قتادة عن زرارة بن أبي أوفى العامري: كان يؤم الصلاة فقرأ
﴿ فَإِذَا
فيها:
نُقِرَ فِى النَّافُورُ
[المدثر: ٨] فشهق فمات سنة ثلاث وتسعين، وهو يروي عن
سعد بن هشام الأنصاري ابن عم أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، قتل بأرض
مكران. وهذا التعليق وصله مسلم عن محمد بن عبد الله: حدثنا خالد وحدثنا ابن بشار
وحدثنا محمد بن بکر کلاهما عن سعید به.
٦٥٠٨/٩٧ - حدّثني مُحَمَّدُ بنُ العَلاءِ، حدّثنا أبُو أُسامَةَ، عنْ بُرَيْدٍ، عن أبي
بُرْدَةً، عن أبي مُوسى عن النبيِّ وَّه قال: ((مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ الله أَحَبَّ الله لِقَاءَهُ، ومَنْ كَرَهَ لِقَاءَ
الله كَرِهَ الله لِقَاءَهُ» .
مطابقته للترجمة ظاهرة. وأبو أسامة حماد بن أسامة، وبريد بضم الباء الموحدة
وفتح الراء - مصغر برد - ابن عبد الله بن أبي بردة بضم الباء الموحدة وسكون الراء
واسمه الحارث - أو: عامر - يروي بريد عن جده أبي بردة، وأبو بردة يروي عن أبيه
أبي موسى عبد الله بن قيس الأشعري.
والحديث أخرجه مسلم في الدعوات عن أبي بكر وغيره، وهذا مثل حديث عبادة
غير قوله: ((فقالت عائشة ... )) إلى آخره، فكأنه أورده استظهاراً لصحة الحديث.
٦٥٠٩/٩٨ - حدّثنا يحيى بنُ بُكَيْرٍ، حدّثنا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلَ، عنِ ابنِ شهابٍ،
أخبرني سَعيدُ بنُ المُسَيِّبٍ وعُزوَةُ بنُ الزُّبَيْرِ في رِجالٍ مِنْ أهْلِ العِلْمِ أنَّ عائِشَةَ زَوْجَ
النبيِّ ◌َ﴿ قَالَتْ: كان رسولُ اللهِوَ ﴿ يَقُولُ - وهُوَ صَحِيحٌ - ((إنّهُ: لَمْ يُقَبَضَّ نَبِيِّ، قَطْ حِتَّى
يَرِى مَقْعَدَهُ مِنَ الجَنَّةِ، ثُمَّ يُخَيَّرَ) فَلِمَّا نُزِلَ بِهِ ورأسُهُ عَلَى فَخِذِي غُشِيَ عَلَيْهِ ساعَةً ثُمَّ أَفَاقَ
فأشْخَصَ بَصَرَهُ إلى السَّقْفِ ثُمَّ قال: (اللَّهُمَّ الرَّفِيقَ الأعْلَى)) قُلْتُ: إذاً لا يَخْتَارُنا، وعَرَفْتُ
أنَّهُ الحَدِيثُ الّذِي كان يُحَدِّثُنَا بِهِ. قالتْ: فَكَانَتْ تِلْكَ آخِرَ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَ بها النبيِّ وَّهِ قَوْلُهُ:
(اللَّهُمَّ الرَّفِيقَ الأعْلى)).
[انظر الحديث ٤٤٣٥ وأطرافه].

١٤٥
٨١ - كتاب الرقاق / باب (٤٢)
مطابقته للترجمة من جهة اختيار النبي *، لقاء الله بعد أن خير بين الموت
والحياة فاختار الموت لمحبته لقاء الله تعالى.
والحديث مضى في: باب مرض النبي ◌َ ◌ّر، ووفاته عن محمد بن بشار عن غندر
وعن مسلم عن شعبة وعن أبي اليمان عن شعيب عن الزهري، ومضى أيضاً في كتاب
الدعوات في: باب دعاء النبي وَّر، اللهم الرفيق الأعلى، فإنه أخرجه هناك عن
سعيد بن عفير عن الليث عن عقيل عن ابن شهاب: أخبرني سعيد بن المسيب
وعروة بن الزبير في رجال من أهل العلم أن عائشة ... إلى آخره.
قوله: ((في رجال)) أي: في جملة رجال أخر رووا ذلك. قوله: ((وهو صحيح))
الواو فيه للحال. قوله: ((ثم يخير)) على صيغة المجهول أي: بين حياة الدنيا وموتها.
قوله: ((فلما نزل به)) بضم النون على صيغة المجهول يعني: لما حضره الموت. قوله:
((ورأسه)) الواو للحال. قوله: ((غشي عليه)) على صيغة المجهول جواب: لما قوله:
((فأشخص بصره)) أي: رفع قوله: ((الرفيق)) منصوب بمقدر وهو نحو: أختار أو أريد،
والأعلى صفته وهو إشارة إلى الملائكة أو إلى: ﴿الَّذِينَ أَنْعَمَ اَللَّهُ عَلَيَّهِم مِّنَ النَِّيْنَ
وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَآءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ [النساء: ٦٩] قوله: ((لا يختارنا)) بالنصب أي: حين اختار
مرافقة أهل السماء لا يبغي أن يختار مرافقتنا من أهل الأرض.
قلت: هكذا أعربه الكرماني فلا مانع من أن يكون مرفوعاً لأن معنى قوله: ((إذا)»
يعني: حينئذٍ هو لا يختارنا. قوله: ((وعرفت أنه)) أي: أن الأمر الذي حصل له هو
قوله: ((الحديث الذي كان يحدثنا به)) وهو صحيح وهو: قوله: ((إنه لم يقبض نبي قط
حتى يخير)). قوله: ((فكانت تلك)) أي: تلك الكلمة التي هي قوله: ((اللهم الرفيق
الأعلى)) وهي اسم: كانت. قوله: ((آخر كلمة)) بالنصب: خبرها. قوله: ((تكلم بها النبي))
صفتها. قوله: ((قوله)) منصوب على الاختصاص. أي: أعني قوله: اللهم الرفيق
الأعلى.
٤٢ - بابُ سَكَراتِ المَوْتِ
أي: هذا باب في بيان سكرات الموت، وهي جمع سكرة بفتح السين وسكون
الكاف وهي شدة الموت وغمه وغشيته، والسكر بضم السين حالة تعرض بين المرء
وعقله وهو اسم والمصدر: سكر بفحتين يسكر سكراً، قال الجوهري: وقد سكر يسكر
سكراً مثل: بطر يبطر بطراً، والاسم السكر بالضم. انتهى: وأكثر ما يستعمل في
الشراب ويطلق في الغضب والعشق والنعاس والغشي الناشىء عن الألم، والسكر بالفتح
وسكون الكاف مصدر سكرت النهر أسكره سكراً إذا سددته، والسكر بفتحتين نبيذ
التمر .

١٤٦
٨١ - كتاب الرقاق / باب (٤٢)
٦٥١٠/٩٩ - حدّثني مُحَمَّدُ بنُ عُبَيْدِ بنِ مَيْمُونٍ، حدّثنا عيسى بنُ يُونُسَ، عنْ
عُمَرَ بنِ سَعِيد قال: أخبرني ابنُ أبي مُلَيْكَةَ أنَّ أبا عَمْرٍو ذَكْوانَ مَوْلى عائِشَةَ أخْبِرَهُ أنَّ عَائِشَةً
رضي الله عنها، كانَتْ تَقُولُ: إنَّ رسول الله ﴿ كانَ بَيْنَ يَدَيْهِ رَكْوَةٌ - أوْ عُلْبَةٌ - فِيها ماءٌ،
شَكَّ عُمَرُ، فَجَعَلَ يُدْخِلُ يَدَيْهِ في المَاءِ فَيَمْسَحُ بِهِما وَجْهَهُ وَيَقُولُ: ((لا إلهَ إلاَّ الله إنَّ لِلْمَوْت
سَكَرَاتٍ))، ثُمَّ نَصبَ يَدَهُ فَجَعَلَ يَقُولُ: ((في الرَّفِيقِ الأعْلى)) حتَّى قُبِضَ ومالَتْ يَدُهُ. [انظر
الحديث ٨٩٠ وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((إن للموت سكرات)) وعمر بن سعيد بن أبي حسين
المكي، وابن أبي مليكة عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي مليكة بضم الميم واسمه زهير
التيمي الأحول المكي القاضي على عهد ابن الزبير، وأبو عمرو بالواو ذكوان بفتح الذال
المعجمة .
والحديث مختصر من حديث أخرجه في المغازي بهذا الإسناد المذكور بعينه.
قوله: ((ركوة)) بفتح الراء وهو إناء صغير من جلد يشرب فيه الماء، والجمع ركاء.
قوله: ((أو علبة)) بضم العين المهملة، قال أبو عبيد: العلبة من الخشب والركوة من
الجلد، وقال العسكري في (تلخيصه): العلبة قدح الأعراب يتخذ من جلد ويعلق بجنب
البعير، والجمع علاب. وفي (الموعب): لابن التياني: العلبة على مثال ركوة القدح
الضخم من جلد الإبل، وعن أبي ليلى: العلبة أسفلها جلد وأعلاها خشب مدور لها
إطار كإطار المنخل والغربال وتجمع على علب. وفي (المحكم): هي كهيئة القصعة من
جلد لها طوق من خشب. قوله: ((شك عمر))، يعني: عمر بن سعيد المذكور، وفي
باب وفاة النبي وهو: يشك عمر، بلفظ المضارع، وفي رواية الإسماعيلي: شك ابن أبي
حسين قوله: ((يدخل يديه)) من الإدخال، ويديه بالتثنية رواية الكشميهني، وفي رواية
غيره بالإفراد، وعلى هذا قوله: ((بهما)) بالتثنية أو بالإفراد. قوله: ((في الرفيق)) أي:
أدخلني في جملتهم، أي: اخترت الموت.
وقال أبُو عَبْدِ الله: العُلْبَةُ مِنَ الخَشَبِ، والرَّكْوَةُ مِنَ الأَدَمِ.
أبو عبد الله هو البخاري نفسه، وقد فسر العلبة بما فسره أبو عبيد كما ذكرناه
الآن. وهذا ثبت في رواية المستملي وحده.
٦٥١١/١٠٠ - حدّثني صَدَقَةُ، أخبرنا عَبْدَةُ، عنْ هِشامِ، عنْ أبِيهِ عنْ عائِشَةَ
قالَتْ: كانَ رِجالٌ منَ الأعْرابِ جُفاةً يَأْتُونَ النبيِّي ◌َّهِ فَيَسْألونَهُ: مَتَى السَّاعَةُ؟ فَكَانَ يَنْظُرُ إلى
أصْغَرِهِمْ فَيَقُولُ: ((إنْ يَعِشْ لهذا لا يُذْرِكُهُ الهَرَمُ حتَّى تَقُومَ عَلَيْكُمْ ساعَتُكُمْ)).
قال هِشامٌ: يَعْنِي مَوْتَهُمْ.

١٤٧
٨١ - كتاب الرقاق / باب (٤٢)
يمكن أن يؤخذ وجه المطابقة من قوله: ((موتهم)) لأن كل موت فيه سكرة.
وصدقة هو ابن الفضل المروزي، وعبدة بفتح العين المهملة وسكون الباء
الموحدة هو ابن سليمان، وهشام هو ابن عروة يروي عن أبيه عروة بن الزبير عن عائشة
رضي الله تعالى عنها.
والحديث من أفراده ونظيره حديث أنس مضى في كتاب الأدب في: باب ما جاء
في قول الرجل: ويلك.
قوله: ((الأعراب)) هم ساكنو البادية من العرب الذين لا يقيمون في الأمصار ولا
يدخلونها إلاَّ لحاجة، والعرب اسم لهذا الجيل المعروف من الناس ولا واحد له من
لفظه، وسواء أقام بالبادية أو المدن. والنسبة إليهما أعرابي وعربي. وقال الجوهري:
ليس الأعراب جمعاً لعرب، كما أن الأنباط جمع لنبط، إنما العرب اسم جنس. قوله:
((جفاة)) بضم الجيم جمع جاف من الجفاء وهو الغلظ في الطبع لقلة مخالطة الناس،
ويروى بالحاء المهملة جمع حاف وهو الذي يمشي بلا شيء في رجليه، وكلا المعنيين
غالب على أهل البادية. قوله: ((ينظر إلى أصغرهم)) وفي رواية مسلم: وكان ينظر إلى
أحدث أسنان منهم. قوله: ((لا يدركه)) مجزوم لأنه جواب الشرط.
قوله: ((قال هشام)) يعني ابن عروة راوي الحديث وهو موصول بالسند المذكور
يعني: فسر الساعة بالموت. قال الكرماني: يريد بساعتهم موتهمٍ وانقراض عصرهم، إذ
من مات فقد قامت قيامته، وكيف والقيامة الكبري لا يعلمها إلا الله عز وجل، ثم قال:
فإن قلت: السؤال عن الكبرى والجواب عن الصغرى فلا مطابقة.
قلت: هو من باب أسلوب الحكيم.
قلت: معناه دعوا السؤال عن وقت القيامة الكبرى فإنها لا يعلمها إلاَّ الله عز
وجل واسألوه عن الوقت الذي يقع فيه انقراض عصركم فهو أولى لكم، لأن معرفتكم
إياه تبعثكم على ملازمة العمل الصالح قبل فوته، لأن أحدكم لا يدري من الذي يسبق
الآخر. وقيل: هو تمثيل لتقريب الساعة لا يراد بها حقيقة قيامها أو الهرم لا حد له أو
علم ى أن ذلك المشار إليه لا يعمر ولا يعيش.
١٠١/ ٦٥١٢ - حدّثنا إسماعيلُ، قال: حدّثني مالِكٌ عنْ مُحَمَّدٍ بنِ عَمْرِو بِنِ
حَلْحَلَةَ، عن مَعْبَدِ بنِ كَعْبٍ بن مالِكِ، عن أبي قَتَادَةَ بنِ رِبْعِيّ الأنصاريَّ أنَّهُ كانَ يُحَدِّثُ أنَّ
رسولَ اللهِ وَ﴿ مُرِّ عَلَيْهِ بِجِنازَةٍ فقال: ((مُسْتَرِيحٌ ومُسْتَراحٌ مِنَهُ))، قالُوا: يا رسولَ الله! ما
المُسْتَرِيحُ والمُسْتَراحُ مِنْهُ؟ قال: ((العَبْدُ المُؤْمِنُ يَسْتَرِيحُ مِنْ نَصَبِ الدُّنْيا وأذاها إلى رَحْمَةِ الله
عَزَّ وَجَلَّ، والعَبْدُ الفاجِرُ يَسْتَرِيحُ مِنْهُ العبادُ والبِلادُ والشّجَرُ والدَّوابُ)).

١٤٨
٨١ - كتاب الرقاق / باب (٤٢)
مطابقته للترجمة يمكن أخذها من قوله: ((يستريح من نصب الدنيا) ومن جملة
النصب: سكرة الموت.
وإسماعيل بن أبي أويس واسمه عبد الله المدني ابن أخت مالك بن أنس الذي
روى عنه، ومحمد بن عمرو بن حلحلة بفتح الحاءين المهملتين وإسكان اللام الأولى،
وليس له عن معبد غيره، ومعبد بفتح الميم وسكون العين المهملة وفتح الباء الموحدة
ابن كعب بن مالك الأنصاري، وأبو قتادة اسمه الحارث بن ربعي بكسر الراء وسكون
الباء الموحدة وكسر العين المهملة وتشديد الياء.
والحديث أخرجه مسلم في الجنائز عن قتيبة عن مالك به وعن غيره. وأخرجه
النسائي أيضاً فيه عن قتيبة.
قوله: ((مر عليه بجنازة)) على صيغة ((المجهول)). قوله: ((ومستراح)) الواو فيه
بمعنى: أو، أو هي للتقسيم على ما صرح بمقتضاه في جواب سؤالهم. قوله: ((من
نصب الدنيا)) النصب التعب والمشقة. قوله: ((وأذاها)) من عطف العام على الخاص،
وقال ابن التين: يحتمل أن يراد بالمؤمن المتقي خاصة، ويحتمل كل مؤمن، والفاجر
يحتمل أن يراد به الكافر، ويحتمل أن يدخل فيه العاصي، أما راحة العباد منه فلما كان
لهم من ظلمه، وأما راحة البلاد فلما كان من غصبها ومنعها من حقها وصرف ما يحصل
منها إلى غير أهله في غير وجهه، وأما راحة الشجر فلما كان من قلعة إياها بالغصب، أو
من أخذ ثمره كذلك، لكن الراحة هنا لصاحب الشجر وإسناد الراحة إليه مجاز، وأما
راحة الدواب فلما كان من استعمالها فوق طاقتها والتقصير في أكلها وشربها.
٦٥١٣/١٠٢ - حدّثنا مُسَدِّدٌ، حدثنا يحيى عنْ عَبْدِ رَبِّهِ بنِ سَعِيدٍ، عنِ محَمَّدِ بنِ
عَمْرو بنٍ حَلْحَلَةَ، حدثني ابنُ كَعْبٍ، عن أبي قتادةَ عنِ النبيِّ وَّه قال: ((مُسْتَرِيحٌ ومُسْتَراحٌ
مِنْهُ المُؤْمِنُ يَسْتَرِيحُ)) [انظر الحديث ٦٥١٢].
هذا طريق آخر أخرجه عن مسدد عن يحيى القطان عن عبد ربه بن سعيد بن قيس
الأنصاري، كذا وقع هنا لأبي ذر عن شيوخه الثلاثة، وكذا في رواية، أبي زيد
المروزي، ووقع عند مسلم عن عبد الله بن سعيد بن أبي هند. وقال الغساني: عبد
ربه بن سعيد وهم، والصواب المحفوظ عبد الله، وكذا روه ابن السكن عن الفربري
فقال في روايته: عبد الله بن سعيد هو ابن أبي هند، والحديث محفوظ له لا لعبد ربه.
قوله: ((حدثني ابن كعب)) هو معبد بن كعب بن مالك المذكور في السند الأول.
قوله: ((مستريح ... )) إلى آخره أخرجه مختصراً هكذا بدون السؤال والجواب.
٦٥١٤/١٠٣ - حدّثنا الحُمَيْدِيُّ، حدّثنا سُفْيانُ، حدثنا عَبْدُ الله بنُ أبي بَكْرِ بنِ
عَمْرو بنِ حَزْمٍ سَمِعَ أنَسَ بنَ مالِكِ يَقُولُ: قال رسُولُ اللهِوَّهِ: قوله: ((يَتْبَعُ المَيْتَ ثَلاثَةٌ

١٤٩
٨١ - كتاب الرقاق / باب (٤٢)
فَرْجِعُ اثْنَانٍ، وَبْقَىْ مَعَهُ واحِدٌ، يتبَعُهُ أهلُهُ ومالُهُ فَيَرْجِعُ أهْلُهُ وَمالُهُ ويَبْقِى عَمَلُهُ)).
تؤخذه مطابقته للترجمة من قوله: ((يتبع الميت)). لأن كل ميت يقاسي سكرة
الموت.
والحميدي هو عبد الله بن الزبير بن عيسى منسوب إلى أحد أجداده حميد
- مصغر حمد - وسفيان هو ابن عيينة وليس لشيخه عبد الله بن أبي بكر عن أنس غير
هذا الحديث.
وأخرجه مسلم في الزهد عن يحيى بن يحيى وزهير بن حرب. وأخرجه الترمذي
فيه عن سويد بن نصر. وأخرجه النسائي في الرقائق عن سويد بن نصر وفي الجنائز عن
قتيبة .
قوله: ((يتبع الميت)) هكذا هو في رواية الأكثرين والسرخسي، وفي رواية
المستملي. يتبع المرء، وفي رواية أبي ذر عن الكشميهني: يتبع المؤمن، والأول هو
المحفوظ. قيل: التبعية في بعضها حقيقة وفي بعضها مجاز فكيف جاز استعمال لفظ
واحد فيهما؟ وأجيب: بأنه يجوز عند الشافعية ذلك، وأما عند غيرهم فيحمل على
عموم المجاز. قوله: ((يتبعه أهله ... )) إلى آخره توضيح قوله ثلاثة، وهذا يقع في
الأغلب، ورب ميت لا يتبعه إلاَّ عمله فقط. قوله: ((وماله)) مثل رقيقه ودوابه على ما
جرت به عادة العرب. قوله: ((ويبقى عمله)) ومعنى بقاء عمله أنه إن كان صالحاً يأتيه في
صورة رجل حسن الوجه حسن الثياب حسن الرائحة فيقول: أبشر بالذي يسرك، فيقول:
من أنت؟ فيقول: أنا عملك الصالح. وقال في الحديث في حق الكافر: ويأتيه رجل
قبيح الوجه فيقول: أنا عملك الخبيث. هذا وقع هكذا في حديث البراء بن عازب
أخرجه أحمد وغيره.
١٠٤/ ٦٥١٥ - حدّثنا أبُو الثُّغْمانِ، حدثنا حَمَّدُ بنُ زَيْدٍ، عنْ أَيُّوبَ، عنْ نافِعِ عن
ابنِ عُمَرَ رضي الله عنهما، قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((إذا ماتَ أحَدُكُمْ عُرضَ عَلَيْهِ مَّفْعَدُهُ
غُدوَةَ وعَشِياً، إمَّا النَّارُ وإِمَّا الجَنَّةُ، فَيُقالُ: هذا مَفْعَدُكَ حتى تُبْعَثَ)). [انظر الحديث ١٣٧٩
وطرفه].
تؤخذ مطابقته للترجمة من قوله: ((إذا مات)) لأن الذي يموت لا بد له من سكرة
الموت.
وأبو النعمان محمد بن الفضل السدوسي البصري يقال له عارم، وأيوب هو
السختياني. والحديث من أفراده.
قوله: ((عرض عليه مقعده)) كذا في رواية الأكثرين، وفي رواية السرخسي
والمستملي: عرض على مقعده، والأول هو الأصل والثاني من باب القلب نحو:

١٥٠
٨١ - كتاب الرقاق / باب (٤٢)
عرض الناقة على الحوض. قوله: ((غدوة وعشياً)) أي: أول النهار وآخره بالنسبة إلى أهل
الدنيا، والذي يعرض على المؤمن مقعدان يراهما جميعاً. وفائدة العرض للمؤمن نوع
من الفرح وللكافر نوع من العذاب، والعرض على الروح حقيقة وعلى ما يتصل به من
البدن الاتصال الذي يمكن به إدراك التنعيم أو التعذيب. وقال ابن بطال حاكياً عن غيره:
إن المراد بالعرض هنا الإخبار بأن هذا موضع جزائكم على أعمالكم عند الله، لأن
العرض لا يقع على شيء فانٍ، فالعرض الذي يدوم إلى يوم القيامة هو العرض الذي
على الأرواح خاصة، واعترض عليه بأن حمل العرض على الإخبار عدول عن الظاهر
بغير مقتضى لذلك، فلا يجوز العدول إلاَّ بصارفٍ يصرفه عن الظاهر. انتهى. قلت: فيه
نظر لأن الأبدان تفنى والذي يفنى حكمه حكم المعدم ولا يتصور العرض على
المعدوم. وقوله: ((عدول عن الظاهر بغير مقتضى، غير مسلم لأن الحكم بالظاهر
متعذر، والصارف عن الظاهر موجود وهو امتناع العرض على المعدوم، وقال بعضهم:
يؤيد الحمل على الظاهر أن الخبر ورد على العموم في المؤمن والكافر، فلو اختص
العرض بالروح لم يكن للشهيد في ذلك كثير فائدة لأن روحه منعمة جزماً، كما في
الأحاديث الصحيحة، وكذا روح الكافر معذبة في النار جزماً، فإذا حمل على الروح
التي لها اتصال بالبدن ظهرت فائدة ذلك في حق الشهيد، وفي حق الكافر أيضاً. انتهى.
قلت: كون عموم الخبر يؤيد الحمل على الظاهر غير مسلم لما ذكرنا. ثم تقوية
ذلك بقوله: فلو اختص العرض بالروح ... إلى آخره غير مسلم أيضاً، لأن العرض في
حق الشهيد زيادة فرح وسرور وفي حق الكافر زيادة جزع وتحسر، ويؤيد هذا ما رواه
ابن أبي الدنيا والطبراني وصححه ابن حبان من حديث أبي هريرة في فتنة السؤال في
القبر. وفيه: ثم يفتح له باب من أبواب الجنة، فيقال له: هذا مقعدك وما أعده الله لك
فيها، فيزداد غبطة وسروراً، ثم يفتح له باب من أبواب النار فيقال له: هذا مقعدك وما
أعده الله لك فيها لو عصيته، فيزداد غبطة وسروراً ... الحديث. وفيه في حق الكافر:
ثم يفتح له باب من أبواب النار، وفيه: فيزداد حسرة وثبوراً في الموضعين، وفيه: لو
أطعته. قوله: ((إما النار وإما الجنة))، قيل كلمة: إما، التفصيلية تمنع الجمع بينهما.
وأجيب بأنه قد يكون لمنع الخلو عنهما. فإن قلت: هذا العرض للمؤمن المتقي والكافر
ظاهر، فكيف الأمر في المؤمن المخلص؟.
قلت: يحتمل أن يعرض عليه مقعده من الجنة التي سيصير إليها. فإن قلت: ما
فائدة التكرار في العرض؟.
قلت: فائدته تذكارهم بذلك. قوله: ((حتى تبعث إليه)) وفي رواية الكشميهني:
حتى تبعث عليه، وفي طريق مالك: حتى يبعثك الله إليه يوم القيامة. وقال الكرماني: ما
معنى الغاية التي في ... حتى تبعث؟ ثم أجاب بقوله: معناها أنه يرى بعد البعث من

١٥١
٨١ - كتاب الرقاق / باب (٤٣)
عند الله كرامة ينسى عندها هذا المقعد، وقال الكرماني أيضاً: وفيه إثبات عذاب القبر
- والأصح أنه للجسد ولا بد من إعادة الروح فيه لأن الألم لا يكون إلاّ للحي. قلت:
إثبات عذاب القبر لا نزاع فيه، وأما قوله: والأصح أنه للجسد، فغير مسلم لأن الجسد
يفنى وتعذيب الذي فني غير متصور، وأما قوله: ولا بد من إعادة الروح فيه، ففيه
اختلاف: هل تعود الروح فيه حقيقة أو تقرب من البدن بحسب ما يعذب البدن بواسطة
أو بغير ذلك؟ فحقيقة ذلك ـ عند الله، وقد ضرب بعض العلماء لتعذيب الروح مثلاً
بالنائم فإن روحه تتنعم أو تعذب والجسد لا يحس بشيء من ذلك، واعلم أن نسمة
المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة ويعرض عليه مقعدها غدوة وعشياً، وأرواح الكفار في
أجواف طيور سود تغدو على جهنم وتروح كل يوم مرتين، فذلك عرضها. وقد قيل:
إن أرواحهم في صخرة سوداء تحت الأرض السابعة على شفير جهنم في حواصل طيور
سود.
١٠٥/ ٦٥١٦ - حدّثنا عَلِيُّ بنُ الجَعْدِ، أخبرنا شُعْبَةُ، عن الأعْمَشِ، عَنْ مُجاهِدٍ، عنْ
عائِشَةَ قالَتْ: قال النبيُّ وَّ: قوله: ((لا تَسُبُوا الأمْواتَ فإنَّهُمْ قَدْ أَفْضَوْا إلى ما قَدَّمُوا)) [انظر
الحديث ١٣٩٣].
ذكر هذا الحديث هنا لكونه في أمر الأموال الذين ذاقوا سكرات الموت وقد مضى
في آخر كتاب الجنائز في: باب ما ينهى عن سب الأموات، فإنه أخرجه هناك عن آدم
عن شعبة عن الأعمش وهو سليمان عن مجاهد ... إلى آخره.
علي بن الجعد بفتح الجيم وسكون العين المهملة ابن عبيد أبو الحسن الجوهري
البغدادي روى عنه البخاري في كتابة اثني عشر حديثاً، وقال: مات ببغداد آخر رجب
سنة ثلاثين ومائتين، وقد مضى الكلام فيه هناك.
قوله: ((أفضوا)) أي: وصلوا إلى جزاء أعمالهم من الخير والشر.
٤٣ - بابُ نَفْخِ الصُّورِ
أي: هذا باب في بيان نفخ الصور، وهو بضم الصاد المهملة وسكون الواو،
وروي عن الحسن أنه قرأها بفتح الواو جمع صورة، وتأوله على أن المراد النفخ في
الأجساد لتعاد إليها الأرواح. وقال أبو عبيدة في (المجاز) يقال: الصور، يعني بسكون
الواو جمع صورة كما يقال: سور المدينة، جمع سورة، وحكى الطبري عن قوم، مثله:
وزاد: كالصوف جمع صوفة، ورد على هذا بأن الصور اسم جنس لا جمع. قال: وقال
الأزهري: إنه خلاف ما عليه أهل السنة والجماعة، ويأتي تفسيره الآن.
قال مُجاهِدٌ: الصُّورُ كَھَيْئَةِ البُوقِ.
هذا التعليق وصله الفريابي من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، قال في قوله

١٥٢
٨١ - كتاب الرقاق / باب (٤٣)
تعالى: ﴿وَثُفِخَ فِ الصُّورِ﴾ [الكهف: ٩٩ وغيرها] قال: كهيئة البوق الذي يزمر به وهو
معروف، ويقال: إن الصور اسم القرن بلغة أهل اليمن، قيل: كيف شبه الصور بالقرن
الذي هو مذموم؟ وأجيب: لا مانع من ذلك، ألا يرى كيف شبه صوت الوحي بصلصلة
الجرس مع ورود النهي عن استصحابه. فإن قلت: مماذا خلق الصور؟
قلت: روى أبو الشيخ في كتاب (العظمة) من طريق وهب بن منبه من قوله:
قال: خلق الصور من لؤلؤ بيضاء في صفاء الزجاجة، ثم قال للعرش: خذ الصور فتعلق
به، ثم قال: كن فكان إسرافيل عليه السلام، فأمره أن يأخذ الصور فأخذه وبه ثقب بعدد
كل روح مخلوقة ونفس منفوسة، فذكر الحديث. وفيه: ثم يجمع الأرواح كلها في
الصور ثم يأمر الله عز وجل إسرافيل عليه السلام فينفخ فيه، فتدخل كل روح في
جسدها، وأخرجه أبو داود والترمذي وحسنه والنسائي وابن حبان وصححه والحاكم من
حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، رضي الله تعالى عنهما، قال: جاء أعرابي إلى
النبي ◌َّ﴿ فقال: ما الصور؟ قال: قرن ينفخ فيه.
زَجْرَةٌ: صَيْحَةٌ.
أشار به إلى تفسير قوله عز وجل: ﴿فَإِنَّمَا هِىَ زَجْرَةٌ وَحِدَةٌ ﴾ [الصافات: ١٩
والنازعات: ١٣] وفسر الزجرة بقوله: صيحة، وهو من تفسير مجاهد أيضاً، وصله الفريابي
أيضاً من طريق ابن أبي نجيح عنه.
وقال ابنُ عَبَّاسٍ: الناقورُ الصُّورُ.
أراد به أن ابن عباس فسر الناقور في قوله عز وجل: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِى الَّاقُورِ﴾ [المدثر: ٨]
بأنه الصور، وصله الطبري وابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عنه في الآية
المذكورة، ومعنى نقر: نفخ)).
الرَّاجِفَةُ: النّفْخَةُ الأُولى. والرَّادِفَةُ: النَّفْخَةُ الثَّانِيَةُ.
تَتْبَعُهَا
٦
هذا من تفسير ابن عباس أيضاً في قوله عز وجل: ﴿يَوْمَ تَرْجُهُ الَِّفَةُ
الرَّادِفَةُ﴾ [النازعات: ٧.٦] أي: النفخة الأولى تتبعها النفخة الثانية، وصله الطبري وابن أبي
حاتم أيضاً بالسند المذكور، وبه فسر الفراء في (معاني القرآن): وعن مجاهد الراجفة
الزلزلة، والرادفة الدكدكة. أخرجه الفريابي وغيره عنه، وقال الكرماني: واختلف في
عددها. والأصح أنها نفختان. قال تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِى الُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِ السَّمَوَتِ وَمَن
فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَآءَ اللَّهُ ثُمَّ تُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنَفْظُرُونَ﴾ [الزمر: ٦٨] والقول الثاني:
إنها ثلاث نفخات: نفخة الفزع فيفزع أهل السموات والأرض بحيث تذهل كل مرضعة
عما أرضعت، ثم نفخة الصعق، ثم نفخة البعث، فأجيب: بأن الأوليين عائدتان إلى
واحدة فزعوا إلى أن صعقوا، والمشهور أن صاحب الصور إسرافيل، عليه الصلاة

١٥٣
٨١ - كتاب الرقاق / باب (٤٣)
والسلام، ونقل فيه الحليمي الإجماع. فإن قلت: جاء أن الذي ينفخ في الصور غير
إسرافيل، فروى الطبراني في (الأوسط): عن عبد الله بن الحارث: كنا عند عائشة
فقالت: يا كعب! أخبرني عن إسرافيل. قيل ... فذكر الحديث، وفيه: وملك الصور
جائي على إحدى ركبتيه، وقد نصب الأخرى يلتقم الصور محنياً ظهره شاخصاً ببصره
ينظر إلى إسرافيل، وقد أمر إذا رأى إسرافيل قد ضم جناحيه أن ينفخ في الصور. فقالت
عائشة: سمعته من رسول الله وَلهو.
قلت: فيه زيد بن جدعان وهو ضعيف. فإن قلت: يؤيد الحدیث المذکور ما
أخرجه هناد بن السري في (كتاب الزهد): ما من صباح إلا وملكان موكلان بالصور
ينتظران متى يؤمران فينفخان، يعني: في الصور.
قلت: هذا موقوف على عبد الرحمن بن أبي عمرة. فإن قلت: روى عن الإمام
أحمد من طريق سلمان التيمي عن أبي ... (١) عن النبي ◌َل﴿، أو عن عبد الله بن عمرو
عن النبي وَل﴿، قال: النافخان في السماء الثانية رأس أحدهما بالمشرق ورجلاه
بالمغرب، والآخر بالعكس ينتظران متى يؤمران أن ينفخ في الصور فينفخا، ورجاله
ثقات. وأخرجه الحاكم من حديث عبد الله بن عمرو بغير شك، وروى ابن ماجه
والبزار من حديث أبي سعيد رفعه: أن صاحبي الصور بأيديهما قرنان يلاحظان النظر متى
يؤمران، وقال بعض العلماء: الملك الذي إذا رأى إسرافيل ضم جناحيه في حديث
عائشة ينفخ النفخة الأولى، وإسرافيل ينفخ النفخة الثانية، وهي نفخة البعث.
٦٥١٧/١٠٦ - حدّثني عَبْدُ العَزيزِ بنُ عَبْدِ الله، قال: حدثني إبْراهِيمُ بنُ سعْدٍ،
عن ابن شهاب، عن أبي سَلَمَةَ بنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ، وَعَبْدِ الرَّحْمنِ الأعرَجِ أنَّهُما حدَّثاهُ: أنَّ أبا
هُرَيْرَةً قال: اسْتَبَّ رَجُلانٍ: رَجُلٌ من المُسْلِمِينَ ورَجُلٌ مِنَ اليَهُودِ، فَقال المُسْلِمُ: والذي
اضْطَفى مُحَمَّداً عَلى العالمِينَ، فقال اليَهُودِيُّ: والّذِي اضْطَفَى مُوسى على العَالَمِينَ، قال:
فَغَضِبَ المُسْلِمُ عِنْدَ ذُلِكَ فَلَطَمَ وَجْهَ الَهُودِيِّ، فَذَهَبَ اليَهُودِيُّ، إلى رسولِ اللهِلَّهِ،
فَأَخْبَرَهُ بِما كانَ مِنْ أمْرِهِ وأمْرِ المُسْلِم، فقال رسولُ اللهِوَّهِ: ((لا تُخَيِّرُونِي عَلى مُوسى، فإنَّ
النَّاسَ يَضْعَقُونَ يَوْمَ القِيامَةِ فأكونَ فَي أوَّلِ مَنْ يُفِيقُ، فإذا مُوسى باطِشٌ بِجانِبِ العَرْشِ فلا
أدري أُكانَ مُوسى فِيمَنْ صَعِقَ فأفاقَ قَبِلِي أَوْ كانَ مِمَنْ اسْتَثْنى الله)). [انظر الحديث ٢٤١١
وأطرافه].
وجه المطابقة بين الحديث والترجمة يمكن أن يؤخذ من قوله: ((فإن الناس
يصعقون يوم القيامة ... )) إلى آخره الحديث، ولكن فيه تعسف وقد تكرر ذكر رجاله.
(٢) بياض في الأصل.

١٥٤
٨١ - كتاب الرقاق / باب (٤٣)
والحديث مضى في: باب ما يذكر في الأشخاص، فإنه أخرجه هناك عن
يحيى بن قزعة عن إبراهيم بن سعد عن ابن شهاب عن أبي سلمة، وعبد الرحمن
الأعرج عن أبي هريرة إلى آخره، ومضى الكلام فيه هناك.
قوله: ((لا تخيروني)) أي: لا تفضلوني ولا تجعلوني خيراً منه. قيل: هو وَِّ،
أفضل المخلوقات، فلم نهى عن التفضيل؟ وأجيب بأن معناه: لا تفضلوني بحيث يلزم
نقص أو غضاضة على غيره من الفضل، أو بحيث يؤدي إلى خصومة، أو قاله تواضعاً،
أو كان هذا قبل علمه بأنه كان سيد ولد آدم. وقال ابن بطال: لا تفضلوني عليه في
العمل فإنه أكثر عملاً مني، والثواب بفضل الله لا بالعمل، أو لا تفضلوني في البلوى
والامتحان فإنه أكثر محنة مني وأعظم ((إيذاءً وبلاءً)). قوله: ((يصعقون)) بفتح العين في
المضارع ويكسرها في الماضي من صعق إذا غشي عليه، وقال ابن الأثير: الصعق أن
يغشى على الإنسان من صوت شديد يسمعه وربما مات منه، ثم استعمل في الموت
كثيراً، وقال القاضي: يحتمل أن هذه الصعقة صعقة فزع بعد البعث حتى تنشق السموات
والأرض، يدل عليه قوله وَلاير: ((فأفاق قبلي)) لأنه إنما يقال: أفاق من الغشي، وأما
الموت فيقال: بعث منه، وصعقة الطور لم تكن موتاً. وإما قوله ◌َله: ((فلا أدري أكان
موسى فيمن صعق فأفاق قبلي)) فيحتمل أنه و 98 قال ذلك قبل أن علم أنه أول من تنشق
عنه الأرض، إن كان هذا اللفظ على ظاهره، وأن نبينا ◌َ* أول شخص ممن تنشق عنهم
الأرض فيكون موسى عليه السلام، من تلك الزمرة وهي - والله أعلم - زمرة الأنبياء عليهم
السلام، قوله: ((أو كان ممن استثنى الله)) أي: فيما قال: ﴿فَصَحِقَ مَن فِى السَّمَوَتِ وَمَن فِ
اْأَرْضِ إِلَّا مَن شَآءَ اللَّهُ﴾ [الزمر: ٦٨] وفيه عشرة أقوال. الأول: أنهم الموتى لكونهم لا
إحساس لهم. والثاني: الشهداء. الثالث: الأنبياء عليهم السلام، وإليه مال البيهقي، وجوز
أن يكون موسى عليه السلام، ممن استثنى الله. الرابع: جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك
الموت، ثم يموت الثلاثة ثم يقول الله لملك الموت مت فيموت، قاله يحيى بن سلام في
(تفسيره): الخامس: حملة العرش لأنهم فوق السموات. السادس: موسى عليه السلام،
وحده أخرجه الطبري بسند فيه ضعف عن أنس وعن قتادة، وذكره الثعلبي عن جابر.
السابع: الولدان الذين في الجنة والحور العين. الثامن: خزان الجنة. التاسع: خزان النار،
وما فيها من الحيات والعقارب، حكاه الثعلبي. العاشر: الملائكة كلهم، جزم به ابن حزم
في (الملل والنحل): فقال: الملائكة أرواح لا أرواح فيها فلا يموتون أصلاً.
١٠٧/ ٦٥١٨ - حدّثنا أبو اليَمانِ، أخبرنا شُعَيْبٌ، حدّثنا أبُو الزّنادِ، عن الأعْرَجِ،
عن أبي هُرَيْرَةَ قال النبيُّ نَّهِ: ((يَضْعَقُ النَّاسُ حِينَ يَضْعِقُونَ فَأَكُونُ أوَّلَ مَنْ قَامَ، فإذا مُوسَى
آَخِذٌ بالعَرْشِ، فَما أذرِي أُكانَ مِمَّنْ صِقٍ)).

١٥٥
٨١ - كتاب الرقاق / باب (٤٤)
رَوَاهُ أَبُو سَعِيدٍ عنِ النبيِّ ◌َّهِ. [انظر الحديث ٢٤١١ وأطرافه].
هذا طريق آخر في الحديث المذكور أورده مختصراً وبقيته بعد قوله: ممن صعق
أم لا .
ورجاله بهذا النسق قد مروا غير مرة، وأبو اليمان الحكم بن نافع، وأبو الزناد
بالزاي والنون عبد الله بن ذكوان، والأعرج هو عبد الرحمن بن هرمز. فإن قيل: فهل
صار موسى عليه السلام، بهذا التقدم أفضل من نبينا وصل؟ قيل له: لا يلزم من فضله من
هذه الجهة أفضليته مطلقاً، وقيل: لا يلزم أحد الأمرين المشكوك فيهما الأفضلية على
الإطلاق .
قوله: ((رواه أبو سعيد)) أي: روى الحديث المذكور أبو سعيد الخدري عن
النبي ◌َّر، يعني: أصل الحديث، وقد تقدم موصولاً في كتاب الأشخاص وفي قصة
موسى عليه السلام، من أحاديث الأنبياء عليهم السلام.
٤٤ - بابُ يَقْبِضُ الله الأرْضَ يَوْمَ القِيامَةِ
أي: هذا باب يذكر فيه يقبض الله الأرض، معنى يقبض يجمع، وقد يكون معنى
القبض فناء الشيء وذهابه، قال تعالى: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾
[الزمر: ٦٧] ويحتمل أن يكون المراد به، والأرض جميعاً ذاهبة فانية يوم القيامة.
رَوَاهُ نافِعٌ عنِ ابنِ عُمَرَ عنِ النبيِّ ◌ِ *.
أي: روى قوله: يقبض الله الأرض يوم القيامة، نافع عن عبد الله بن عمر عن
النبي ◌َّهِ، وهذا التعليق سقط من بعض الرواة من شيوخ أبي ذر، ووصله البخاري في
التوحيد على ما يجيء، إن شاء الله تعالى.
٦٥١٩/١٠٨ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ مُقاتِل، أخبرنا عَبْدُ الله، أخبرنا يُونُسُ عن
الزُّهْرِيِّ، حدثني سَعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، عن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عن النبيِّ وَّ قال:
((يَقْبِضُ الله الأرْضَ ويطْوِي السَّماءَ بِيَمِينِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: أنا المَلِكُ! أيْنَ مُلوكُ الأرض؟)). [انظر
الحدیث ٤٨١٢ وطرفيه].
مطابقته للترجمة في أول الحديث. ومحمد بن مقاتل المروزي، وعبد الله هو ابن
المبارك المروزي، ويونس هو ابن يزيد، والزهري محمد بن مسلم.
والحديث أخرجه البخاري في التوحيد أيضاً عن أحمد بن صالح. وأخرجه مسلم
في التوبة عن حرملة. وأخرجه النسائي في النعوت عن سويد بن نصر وغيره وفي
التفسير عن يونس بن عبد الأعلى. وأخرجه ابن ماجه في السنة عن حرملة بن يحيى
وغيره. والحديث من المتشابهات.

١٥٦
٨١ - كتاب الرقاق / باب (٤٤)
قوله: ((ويطوي السماء)» أي: يذهبها ويفنيها ولا يراد بذلك طي بعلاج وانتصاب
إنما المراد بذلك الإذهاب والإفناء، يقال: انطوى عنا ما كنا فيه، أي: ذهب وزال،
والأصل الحقيقة. قوله: ((بيمينه)) أي: بقدرته. وقال القرطبي: يده عبارة عن قدرته
وإحاطته بجميع مخلوقاته، واليد تأتي لمعان كثيرة: بمعنى القوة ومنه قوله تعالى:
﴿وَأَذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِّ﴾ [ص: ١٧] وبمعنى الملك، ومنه قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ
بِيِّدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٧٣]، وبمعنى: النعمة تقول: كم يد لي عند فلان، أي: كم من
نعمة أسديتها إليه، وبمعنى الصلة ومنه قوله تعالى: ﴿أَوْ يَعْقُوَأْ الَّذِى بِيَدِهِ، عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾
[البقرة: ٢٣٧] وبمعنى الجارحة، ومنه قوله تعالى: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْئًا﴾ [ص: ٤٤] وبمعنى
الذل، ومنه قوله تعالى: ﴿حَّى يُعْعُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ﴾ قال الهروي: أي: عن ذل وقوله
تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيِهِمْ﴾ قيل: في الوفاء، وقيل: في الثواب. وفي الحديث: ((هذه
يدي لك))، أي: استسلمت لك وانقدت لك، وقد يقال ذلك للعاتب، واليد الاستسلام.
قال الشاعر :
أطاع يداً بالقول فهو ذلول
أي: انقاد واستسلم. واليد السلطان، واليد الطاعة، واليد الجماعة، واليد الأكل،
واليد الندم: وفي الحديث: ((وأخذ بهم يد البحر))، يريد طريق الساحل، ويقال للقوم إذا
تفرقوا وتمزقوا في آفاق: صاروا أيدي سبأ، واليد السماء، واليد الحفظ والوقاية، ويد
القوس أعلاها، ويد السيف قبضته، ويد الرحى العود الذي يقبض عليه الطاحن، ويد
الطائر جناحه، وقالوا: لا آتيه يد الدهر، أي: الدهر، ولقيته أول ذات يدي أي: أول
شيء. وفي الحديث: ((اجعل الفساق يداً يداً ورجلاً رجلاً) أي: فرق بينهما في
الهجرة، واليد الطاعة، وابتعت الغنم بيدين أي: بثمنين مختلفين، ويد الثوب ما فضل
منه إذا تعطفت به والتحفت، وأعطاه عن ظهر يد أي: ابتداء لا عن بيع ولا مكافأة، ويد
الشيء أمامه، وهذا عيش يد أي: واسع، وبايعته يداً بيد أي بالنقد. قوله: ((ثم يقول:
أنا الملك أين ملوك الأرض؟» وعند هذا القول انقطاع زمن الدنيا وبعده يكون البعث
والحشر والنشر، وقيل: إن المنادي ينادي بعد حشر الخلق على أرض بيضاء مثل الفضة
لم يعص الله عليها: لمن الملك اليوم؟ فيجيبه العباد: (لله الواحد القهار)). رواه أبو وائل
عن ابن مسعود. وأخرجه النحاس. فإن قلت: جاء في حديث الصور الطويل: إن جميع
الأحياء إذا ماتوا بعد النفخة الأولى ولم يبق إلاّ الله، قال سبحانه: ((أنا الجبار لمن الملك
اليوم؟ فلا يجيبه أحد، فيقول الله سبحانه وتعالى: لله الوحد القهار)).
قلت: يمكن الجمع بينهما بأن ذلك يقع مرتين.
٦٥٢٠/١٠٩ - حدّثنا يحيى بنُ بُكَيْرٍ، حدّثنا اللَّيْثُ، عنْ خالِدٍ، عنْ سَعِيدِ بنِ

١٥٧
٨١ - كتاب الرقاق / باب (٤٤)
أبي هِلالٍ، عن زيدٍ بنِ أسْلَمَ، عنْ عَطاءِ بنِ يَسارٍ، عن أبي سَعيدِ الخُذْرِيِّ قال: قال
النبيِّ ◌َ ﴿: ((تَكُون الأرْضُ يَوْمَ القِيامَةِ خُبْزَةً واحِدَةً يَتَكَفَُّها الجَبَّارُ بِبَدِهِ كما تَكْفَأُ أحَدُكُمْ
خُبْزَتَهُ فِي السَّفَرِ نُزُلاً لأهْلِ الجَنَّةِ) فأتَى رَجُلٌ مِنَ اليَهُودِ فقال: بارَكَ الرَّحْمْنُ عَليْكَ يا أبا
القاسم! ألا أُخْبِرُكَ بِنُزُلِ أَهْلِ الجَنَّةِ يَوْمَ القيامَةِ؟ قال: ((بَلَى)). قال: تَكُونُ الأرْضُ خُبُزَةً
واحِدَةً كما قال النبيُّ ◌ََّ، فَنَظَرِ النبيُّ ◌َّهِ إِلَيْنَا ثُمَّ ضَحِكَ حتَّى بَدَتْ نَواجِذَهُ، ثُمَّ قال: ((ألا
أُخبِرُكَ بِإِدامِهِمْ؟)) قال: ((إدامُهُمْ بالامّ ونُونٌ))، قالُوا: وما هذا؟ قال: ((ثَوْرٌ ونُونٌ يَأْكُلُ مِنْ
زائِدَةٍ كَبِدِهما سَبْعُونَ أَلْفاً».
مطابقته للترجمة من حيث إن الله عز وجل يقبض الأرض يوم القيامة ثم يصيرها
خبزة .
وخالد هو ابن يزيد - من الزيادة - الجمحي بضم الجيم وفتح الميم وبالحاء
المهملة. السند إلى سعيد مصريون ومنه إلى آخره مدنيون.
والحديث أخرجه مسلم في التوبة عن عبد الملك بن شعيب بن الليث عن أبيه
عن جده .
قوله: ((تكون الأرض)) يعني أرض الدنيا. قوله: ((خبزة)) بضم الخاء المعجمة
وسكون الباء الموحدة وفتح الزاي قال الخطابي: الخبزة الطلمة بضم الطاء المهملة
وسكون اللام، وهو عجين يجعل ويوضع في الحفيرة بعد إيقاد النار فيها. قال:
والناس يسمونها: الملة، بفتح الميم وتشديد اللام، وإنما الملة الحفرة نفسها، والتي
تمل فيها هي الطلمة والخبزة والمليل. قوله: ((يتكفؤها)) بفتح التاء المثناة من فوق
وبفتح الكاف وتشديد الفاء المفتوحة بعدها همزة أي: يميلها ويقلبها من كفأت الإناء
إذا قلبته، وفي رواية مسلم: يكفؤها. قوله: ((كما يكفؤ أحدكم خبزته في السفر)»
أراد أنه كخبزة المسافر التي يجعلها في الرماد الحار يقلبها من يد إلى يد حتى
تستوي لأنها ليست منبسطة كالرقاقة، ومعناه: أن الله عز وجل يجعل الأرض
كالرغيف العظيم الذي هو عادة للمسافرين فيه ليأكل المؤمن من تحت قدميه حتى
يفرغ من الحساب، وقال الخطابي: يعني خبز الملة الذي يصنعه المسافر فإنها لا
تدحى كما تدحى الرقاقة، وإنما تقلب على الأيدي حتى تستوي، وهذا على أن
السفر بفتح المهملة والفاء، ورواه بعضهم بضم أوله جمع سفرة وهو الطعام الذي
يتخذ للمسافر، ومنه سميت السفرة يعني التي يؤكل عليها. قوله: ((نزلاء لأهل
الجنة)) بضم النون والزاي وبسكونها أيضاً، وهو ما يعد للضيف عند نزوله، ومعناه:
أن الله تعالى جعل هذه الخبزة نزلاً لمن يصير من أهل الجنة يأكلونها في الموقف
قبل دخول الجنة حتى لا يعاقبون بالجوع في طول زمان الموقف، وقال الداودي:

١٥٨
٨١ - كتاب الرقاق / باب (٤٤)
إن المراد أنه يأكل منها من سيصير إلى الجنة من أهل الحشر لا أنهم لا يأكلونها
حتى يدخلوا الجنة. وقال بعضم: وظاهر الخبر يخالفه. قلت: كأن هذا القائل
يقول: إن قوله: ((نزلاً لأهل الجنة)) أعم من كون ذلك يقع قبل دخول الجنة أو
بعده، والداودي بنى كلامه على ظاهر ما روي عن سعيد بن جبير، قال: تكون
الأرض خبزة بيضاء يأكل المؤمن من تحت قدميه، رواه الطبري، ولا ينافي العموم
ما قاله الداودي، وعن البيضاوي أن هذا الحديث مشكل جداً لا من جهة إنكار
صنع الله وقدرته على ما يشاء، بل لعدم التوقف على قلب جرم الأرض من الطبع
الذي عليه إلى طبع المطعوم والمأكول مع ما ثبت في الآثار أن هذه الأرض تصير
يوم القيامة ناراً وتنضم إلى جهنم، فلعل الوجه فيه أن معنى قوله: ((خبزة واحدة»
أي: كخبزة واحدة من نعتها كذا وكذا. قلت: تكلم الطيبي هنا بما آل حاصله
وحاصل كلام البيضاوي: أن أرض الدنيا تصير ناراً، محمول على حقيقته، وأن
كونها تصير خبزة يأكل منها أهل الموقف محمول على المجاز. قلت: الأثر الذي
ذكرناه الآن عن سعيد بن جبير وغيره يرد عليهما، والأولى أن يحمل على الحقيقة
مهما أمكن، وقدرة الله صالحة لذلك، والجواب عن الحديث الذي استدل به
البيضاوي من كون الأرض تصير ناراً: أن المراد به أرض البحر لا كل الأرض، فقد
أخرج الطبري من طريق كعب الأحبار قال: يصير مكان البحر ناراً. وفي (تفسير
الربيع بن أنس): عن أبي العالية عن أبي بن كعب، رضي الله تعالى عنه: تصير
السموات جفاناً ويصير مكان البحر ناراً. فإن قلت: أخرج البيهقي في البعث في
قوله تعالى: ﴿وَحُلَتِ آلْأَرَضُ وَلَلِبَالُ فَدُكَّنَا دَكَّةُ وَحِدَةً﴾ [الحاقة: ١٤] قال: يصيران غبرة في
وجوه الكفار. قلت: قد قال بعضهم: يمكن الجمع بأن بعضها يصير ناراً وبعضها
غباراً، وبعضها يصير خبزة، وفيه تأمل، لأن لفظ حديث الباب: تكون الأرض يومٍ
القيامة خبزة يطلق على الأرض كلها، وفيما قاله ارتكاب المجاز فلا يصار إليه إلا
عند تعذر الحقيقة، ولا تعذر هنا من كون كل الأرض خبزة، لأن القدرة صالحة
لذلك ولأعظم منها، بل الجواب الشافي هنا أن يقال: إن المراد من كون الأرض
ناراً هو أرض البحر كما مر، والمراد من كونها غبرة: الجبال، فإنها بعد أن تدك
تصير غباراً في وجوه الكفار. قوله: (ثم ضحك)) يعني: تعجباً من اليهودي كيف
أخبر عن كتابهم نظير ما أخبر به من جهة الوحي. قوله: ((حتى بدت نواجذه)) أي:
حتى ظهرت نواجذه وهو جمع ناجذة بالنون والمعجمتين وهي أخريات الأسنان إذا
الأضراس أولها الثنايا ثم الرباعيات ثم الضواحك ثم الأرحاء ثم النواجذ، وجاء في
كتاب الصوم حتى بدت أنيابه، ولا منافاة بينهما لأن النواجذ تطلق على الأنياب
والأضراس أيضاً، قيل: مضى في كتاب الأدب في: باب التبسم، أنه ما كان يزيد

١٥٩
٨١ - كتاب الرقاق / باب (٤٤)
على التبسم. وأجيب: بأن ذلك بيان عادته وحكم الغالب فيه، وهذا نادر ولا اعتبار
له. قوله: ((ألا أخبرك)) وفي رواية مسلم: ((ألا أخبركم)). قوله: ((ثم قال)» وفي رواية
الكشميهني: فقال. قوله: ((بالام)) بفتح الباء الموحدة وتخفيف اللام والميم، وقال
الكرماني: وهي موقوفة ومرفوعة منونة وغير منونة، وفيه أقوال والصحيح أنها كلمة
عبرانية معناها بالعربية: الثور، وبهذا فسره ولهذا سألوا اليهودي عن تفسيرها، ولو
كانت عربية لعرفتها الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وقال الخطابي: لعل اليهودي
أراد التعمية عليهم وقطع الهجاء وقدم أحد الحرفين على الآخر، وهي لام ألف وياء
يريد: لأي على وزن لعاً وهو الثور الوحشي فصحف الراوي المثناة فجعلها موحدة،
وقال ابن الأثير، وأما البالام فقد تمحلوا لها شرحاً غير مرضي، ولعل اللفظة
عبرانية، ثم نقل كلام الخطابي الذي ذكره ثم قال: وهذا أقرب ما وقع لي فيه.
قوله: ((ونون)) وهو الحوت المذكور في أول السورة. قوله: ((وقالوا))، أي الصحابة،
وفي رواية مسلم: فقالوا. قوله: (ما هذا؟)) وفي رواية الكشميهني: وما هذا؟ بزيادة
واو. قوله: (من زائدة كبدهما)) الزائدة هي القطعة المنفردة المتعلقة بالكبد، وهي
أطيبها وألذها، ولهذا خص بأكلها سبعون ألفاً، ويحتمل أن هؤلاء هم الذين يدخلون
الجنة بغير حساب، ويحتمل أن يكون عبر بالسبعين عن العدد الكثير ولم يرد الحصر
فيها. وقال الداودي: أول أكل أهل الجنة زائدة الكبد يلعب الثور والحوت بين
أيديهم فيذكي الثور الحوت بذنبه فيأكلون منه، ثم يعيده الله تعالى فيلعبان فيذكي
الحوت الثور بذنبه فيأكلون منه، كذلك ما شاء الله، وقال كعب: فيما ذكره ابن
المبارك: أن الله يقول لأهل الجنة إذا دخلوها: إن لكل ضيف جزوراً وإني أجزركم
اليوم حوتاً وثوراً، فيجزر لأهل الجنة، وروى مسلم من حديث ثوبان: تحفة أهل
الجنة زيادة كبد النون، أي: الحوت، وفيه غذاؤهم على أثرها أنه ينحر لهم ثور
الجنة الذي يأكل من أطرافها، وفيه: وشرابهم عليه من عين تسمى سلسبيلاً.
١١٠/ ٦٥٢١ - حدّثنا سَعِيدُ بنُ أبي مَرْيَمَ، أخبرنا مُحَمَّدُ بنُ جَعْفَرٍ، قال: حدثني
أَبُو حازِم قال: سَمِعْتُ سَهْلَ بنَ سَعْدٍ قال: سَمِعْتُ النبيِّ وَ﴿ يَقُولُ: ((يُخْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ
القِيامَةِ عَلَى أرضٍ بَنِضاءَ عَفْراءَ كَقُرْصَةٍ نَقِيّ).
قال سَهْلٌ أو غَيْرُهُ: (لَيْسَ فِيهَا مَعْلَمْ لِأَحَدٍ)).
مطابقته للترجمة ما قاله الكرماني: مناسبة القرصة للخبزة المذكورة في الحديث
السابق وجعلها كالقرصة نوع من القبض. قلت: فيه نظر لأن جعلها كالقرصة ... إلى
آخره في أرض الدنيا، وهذه الأرض غير تلك الأرض، وروى عبد بن حميد من طريق

١٦٠
٨١ - كتاب الرقاق / باب (٤٥)
الحكم بن أبان عن عكرمة قال: بلغنا أن هذه الأرض - يعني: أرض الدنيا - تطوى
وإلى جنبها أخرى يحشر الناس منها إليها، وروى البيهقي في (الشعب) من طريق
عمرو بن ميمون عن عبد الله بن مسعود في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُّبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيَّرَ
اُلْأَرْضِ ... ﴾ [إبراهيم: ٤٨] الآية، قال: تبدل الأرض أرضاً كأنها فضة لم يسفك عليها دم
حرام ولم يعمل عليها خطيئة.
ورجاله رجال الصحيح): وهو موقوف. وأخرجه البيهقي، من وجه آخر
مرفوعاً، وروى الطبري من طريق سنان بن سعيد عن أنس رضي الله تعالى عنه،
مرفوعاً: يبدلها الله بأرض من فضة لم تعمل عليها الخطايا.
وسعيد بن أبي مريم هو سعيد بن محمد بن الحكم بن أبي مريم المصري،
ومحمد بن جعفر بن أبي كثير، وأبو حازم سلمة بن دينار، وسهل بن سعد بن مالك
الساعدي الأنصاري.
والحديث أخرجه مسلم في التوبة عن أبي بكر بن أبي شيبة.
قوله: ((عفراء)) بالعين المهملة والفاء والراء وبالمد البيضاء إلى حمرة وأرض بيضاء
لم توطأ، وقال الخطابي: العفر بياض ليس بالناصع، وقال عياض: العفر بياض يضرب
إلى حمرة قليلاً ومنه سمي عفر الأرض وهو وجهها، وقال ابن فارس: يعني عفراء
خالصة البياض. قوله: ((كقرصة نقي)) بفتح النون وكسر القاف وهو الدقيق النقي من
الغش والنخال، ويروى: النقي بالألف واللام.
قوله: ((قال سهل - أو غيره)) موصول بالسند المذكور، وسهل هو راوي الخبر
المذكور، وكلمة: أو، للشك. قوله: ((معلم)) بفتح الميم واللام وهو بمعنى العلامة التي
يستدل بها، أي: هذه الأرض مستوية ليس فيها حدب يرد البصر ولا بناء يستر ما وراءه
ولا علامة غيره.
وفيه: إشارة إلى أن أرض الدنيا اضمحلت وأعدمت، وأن أرض الموقف
تجددت .
٤٥ - بابٌّ كَيْفَ الحَشْرُ
أي: هذا باب فيه بيان كيفية الحشر، وفي بعض النسخ: باب الحشر بدون لفظ:
كيف، قال القرطبي: الحشر الجمع والحشر على أربعة أوجه: حشران في الدنيا
وحشران في الآخرة.
أما أحد الحشرين اللذين في الدنيا فهو المذكور في سورة الحشر، في قوله عز