Indexed OCR Text

Pages 101-120

١٠١
٨١ - كتاب الرقاق / باب (١٩)
صور له حتى كأنه ينظر إليه. قوله: ((فلم أر كاليوم)) أي: يوماً مثل هذا اليوم، وقد وقع
هذا مكرراً تأكيداً.
١٩ - بابُ الرَّجاءِ مَعَ الخَّوْفِ
أي هذا باب في بيان استحباب الرجاء مع الخوف، فلا يقطع النظر في الرجاء عن
الخوف ولا في الخوف عن الرجاء لئلا يفضي في الأول، إلى الكبر. وفي الثاني إلى
القنوط، وكل منهما مذموم، والمقصود من الرجاء أن من وقع منه تقصير فليحسن ظنه
بالله ويرجو أن يمحو عنه ذنبه، وكذا من وقع منه طاعة يرجو قبولها، وأما من انهمك
في المعصية راجياً عدم المؤاخذة بغير ندم ولا إقلاع فهذا غرور في غرور، وقد أخرج
ابن ماجه من طريق عبد الرحمن بن سعيد بن وهب عن أبيه عن عائشة قلت: يا
رسول الله! الذين يؤتون وقلوبهم وجلة، أهو الذي يسرق ويزني؟ قال: لا، ولكن الذي
يصوم ويتصدق ويصلي ويخاف أن لا يقبل منه.
وقال سُفْيانُ: ما في القُرْآنِ آيَةٌ أشَدُ عَلَيَّ مِنْ ﴿لَسْتُمْ عَلَى شَىْءٍ حَتَّى تُقِيمُواْ التَّوْرَنَةَ
وَاَلْإِنِيلَ وَمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ [المائدة: ٦٨].
سفيان هذا هو ابن عيينة وأول الآية: ﴿قُلْ يَأَهْلَ الْكِتَبِ لَسْتُمْ عَلَى شَىْءٍ﴾ وإنما كان
أشد لأنه يستلزم العلم بما في الكتب الإلهية والعمل بها، وقد مر في تفسير سورة
المائدة، وقيل: الأخوف هو قوله تعالى: ﴿وَأَثَّقُواْ النَّارَ اُلَّىيَ أُعِدَّتْ لِلْكَفِرِينَ﴾ [آل
عمران: ١٣١] وقيل: هو ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ﴾ [المائدة: ٦٣] وقيل: أخوف آية ﴿مَن
يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣] فإن قلت: ما وجه مناسبة الآية بالترجمة؟ قلت: من
حيث إن الآية تدل على أن من لم يعمل بما تضمنه الكتاب الذي أنزل عليه لم يحصل له
النجاة، ولا ينفعه رجاؤه من غير عمل ما أمر به.
٦٤٦٩/٥٨ - حدّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ، حدّثنا يَعْقُوبُ بنُ عَبدَ الرَّحْمُنِ، عنْ
عَمْرٍو، بن أبي عَمْرٍو عنْ سَعِيدٍ بنِ أبي سَعِيدٍ المقْبُرِيِّ، عن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه،
قال: سَمِعْتُ رسولَ الله وَ﴿ يَقُولُ: ((إنَّ الله خَلَقَ الرَّحْمَةَ يَوْمَ خَلَقَها مِائَةَ رَحْمَةٍ، فَأَمْسَكَ
عِنْدَهُ تِسْعاً وتِسْعِينَ رَحْمَةً، وأرْسَلَ في خَلْقِهِ كُلِّهِمْ رَحْمَةً واحِدَةً، فَلَوْ يَعْلَمُ الكافِرُ بِكُلِّ الّذِي
عِنْدَ الله مِنَ الرَّحْمَةِ لَمْ يَيْأسْ مِنَ الجَنَّةِ، ولَوْ يَعْلَمُ المُؤْمِنُ بِكُلُ الَّذِي عِنَدَ الله مِنَ العَذَابِ لَمْ
يَأْمَنْ مِنَ النَّارِ)».
[انظر الحديث ٦٠٠٠].
مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: ((فلو يعلم الكافر ... )) إلى آخر الحديث، وذلك
أن المكلف لو تحقق ما عند الله من الرحمة لما قطع رجاءه أصلاً، ولو تحقق ما عنده

١٠٢
٨١ - كتاب الرقاق / باب (١٩)
من العذاب لما ترك الخوف أصلاً، فينبغي أن يكون بين الخوف والرجاء فلا يكون
مفرطاً في الرجاء بحيث يصير من المرجئة القائلين بأنه لا يضر مع الإيمان شيء ولا في
الخوف بحيث يكون من الخوارج والمعتزلة القائلين بتخليد صاحب الكبيرة إذا مات من
غير توبة في النار، بل يكون وسطاً بينهما، كما قال الله تعالى: ﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ
عَذَابَهٌ﴾ [الإسراء: ٥٧] قوله: ((قتيبة بن سعيد)) في رواية أبي ذر لم يذكر ابن سعيد. قوله:
((وعمرو بن أبي عمرو)) وبالواو فيهما مولى المطلب وهو تابعي صغير وشيخه تابعي
وسط وكلاهما مدنيان.
والحديث من أفراده وقد مر في الأدب في: باب جعل الله الرحمة مائة جزء، من
طريق سعيد بن المسيب عن أبي هريرة ولفظه: جعل الله الرحمة مائة جزء.
قوله: ((إن الله خلق الرحمة)) أي: الرحمة التي جعلها في عباده، وهي مخلوقة، وأما
الرحمة التي هي صفة من صفاته فهي قائمة بذاته عز وجل. قوله: ((مائة رحمة)) أي: مائة
نوع من الرحمة، أو مائة جزء كما في الحديث الذي تقدم في الأدب. قوله: ((في خلقه
كلهم)) ويروى: كله، قاله الكرماني. قوله: ((فلو يعلم الكافر)» هكذا ثبت في هذا الطريق
بالفاء إشارة إلى ترتب ما بعدها على ما قبلها، ومن ثم قدم ذكر الكافر لأن كثرة الرحمة
وسعتها تقتضي أن يطمعها كل أحد، ثم ذكر المؤمن استطراداً، والحكمة في التعبير
بالمضارع دون الماضي الإشارة إلى أنه لم يقع له علم ذلك، ولا يقع لأنه إذا امتنع في
المستقبل كان ممتنعاً فيما مضى، وقد صرح ابن الحاجب: أن لو لانتفاء الأول لانتفاء
الثاني كما في قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا ءَالِهَةُ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَنَا﴾ [الأنبياء: ٢٢] فانتفاء التعدد
بانتفاء الفساد وليس ههنا كذلك، إذ فيه انتفاء الثاني وهو انتفاء الرجاء لانتفاء الأول كما في
قوله: لو جئتني لأكرمتك، فإن الإكرام منتف لانتفاء المجيء. قوله: ((بكل الذي)) قيل:
فيه إشكال لأن لفظة: كل، إذا أضيفت إلى الموصول كانت إذ ذاك لعموم الأجزاء لا
لعموم الإفراد، والغرض من سياق الحديث تعميم الإفراد. وأجيب: بأنه وقع في بعض
طرقه: أن الرحمة قسمت مائة جزء فالتعميم حينئذٍ لعموم الإجزاء في الأصل، ونزلت
الأجزاء منزلة الإفراد مبالغة. قوله: ((لم ييأس من الجنة)) من اليأس وهو القنوط يقال:
يئس بالكسر ييأس وفيه لغة أخرى بكسر الهمزة من مستقبله وهو شاذ، وقال المبرد، منهم
من يبدل الهمزة في المستقبل أو الياء الثانية ألفاً فتقول: ييأس ويائس. فإن قلت: ما معنى
((لم ييئس من الجنة)) قلت: قيل: المراد أن الكافر لو علم سعة الرحمة لغطى على ما يعلمه
من عظيم العذاب فيحصل له الرجاء، وقيل: المراد أن متعلق علمه بسعة الرحمة مع عدم
التفاته إلى مقابلها يطمعه في الرحمة .

١٠٣
٨١ - كتاب الرقاق / باب (٢٠)
٢٠ - بابُ الصَّبْرِ عنْ مَحَارِمِ الله
أي: هذا باب في بيان الاجتهاد في الصبر عن محارم الله أي: محرماته، قاله
الكرماني: قلت: المحارم جمع محرمة بفتح الميمين وجاء بضم الراء أيضاً، قال
الجوهري: الحرمة ما لا يحل انتهاكه، وكذلك المحرمة بفتح الراء وضمها، والصبر
حبس النفس وتارة يستعمل بكلمة: عن، كما في المعاصي، يقال: صبر عن الزنى،
وتارة بكلمة: على، كما في الطاعات يقال: صبر على الصلاة، ونحو ذلك.
وَقَوْلِهِ عَزَّ وجلَّ: ﴿إِنَّا يُؤَنَّ الصَِّرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠].
وقوله، بالجر عطف على قوله: الصبر عن محارم الله، هذا في رواية أبي ذر،
هكذا بلفظ قوله، وليس في رواية غيره لفظ: قوله، وفي بعض النسخ: وقوله عز
وجل، وهذا أحسن ولفظ: الصابرون، يحتمل أن يستعمل: بعن وبعلي، كما ذكرنا
آنفاً، أن استعماله بالوجهين، وأراد بقوله: ﴿يِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ المبالغة بالنسبة إلينا.
وقال عُمَرُ: وَجَدْنا خَيْرَ عَيْشِنا بالصَّبْرِ.
أي: قال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، قوله: بالصبر، كذا هو بالباء
الموحدة وفي رواية الكشميهني. بحذف الباء فيكون منصوباً بنزع الخافض، وقال
بعضهم: والأصل في الصبر والباء بمعنى: في.
قلت: لا يحتاج إلى هذا، والباء على حالها للإلصاق، أي؛ وجدناه. ملتصقاً
بالصبر، ويجوز أن تكون للاستعانة.
وهذا الأثر رواه أحمد في (كتاب الزهد) بسند صحيح عن مجاهد، قال عمر
رضي الله تعالى عنه، وجدنا خير عيشنا الصبر.
٦٤٧٠/٥٩ - حدّثنا أبو اليَمانِ، أخبرنا شُعَيْبٌ، عنِ الزُّهْرِيِّ قال: أخْبَرَنِي
عَطاءُ بنُ يَزِيدَ أنَّ أبا سَعِيد أخْبَرَهُ أنَّ أُناساً مِنَ الأنْصَارِ سألُوا رسولَ اللهِ وَهُ، فَلَمْ يَسْألَّهُ أَحَدْ
مِنْهُمْ، إلاّ أعْطَاهُ حتَّى نَفِدَ ما عِنْدَهُ، فقال لَهُمْ حِينَ نَفِدَ كلُّ شَيْءٍ أنْفَقَ بِيَدَيْهِ: ((ما يَكُنْ عِنْدِي
مِنْ خِيْرٍ، لا أدَّخِرْهُ عنْكُمْ وإِنَّهُ مَنْ يَسْتَعِفَّ يُعِفُّهُ الله، ومَنْ يَتصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ الله، ومَنْ يَسْتَغْنِ
يُغْنِهِ الله، ولَنْ تُعْطَوْا عَطاءَ خَيْراً وأوْسَعَ مِنَ الصَّبْر)). [انظر الحديث ١٤٦٩].
مطابقته للترجمة، في آخر الحديث. وأبو اليمان الحكم بن نافع وروايته عن
شعيب بن أبي حمزة عن محمد بن مسلم الزهري في البخاري كثيرة، وأبو سعيد
سعد بن مالك الخدري.
والحديث مضى في الزكاة عن قتيبة. وأخرجه مسلم والنسائي أيضاً عن قتيبة ومضى
الكلام فيه .

١٠٤
٨١ - كتاب الرقاق / باب (٢٠)
قوله: ((أن أناساً) ويروى: أن ناساً، والمعنى واحد. قوله: ((حتى نفد)) بفتح النون
وكسر الفاء أي: فرغ. قوله: ((أنفق بيديه)) جملة حالية، أو اعتراضية أو استئنافية،
ويروى بيده، بالإفراد. قوله: ((ما يكن)) كلمة: ما، إما موصولة وإما شرطية، ويروى:
ما يكون، وصوب الدمياطي الأول. قوله: ((لا أدخره)) بالإدغام وبغيره وفي رواية مالك:
فلم أدخره، وعنه: فلن أدخره، وداله مهملة، وقيل: معجمة. قوله: ((وإنه من يستعف))
كذا في رواية الأكثرين بتشديد الفاء، وفي رواية الكشميهني: من يستعفف، من
الاستعفاف وهو طلب العفة وهي الكف عن الحرام والسؤال من الناس. قوله: ((يعفه
الله)) بضم الياء وبتشديد الفاء المفتوحة أي يرزقه العفاف. قوله: ((ومن يتصبر)) أي: ومن
يتكلف الصبر يصبره الله بضم الياء وتشديد الباء المكسورة أي: يرزقه الله الصبر. قوله:
(ومن يستغن)) أي: ومن يظهر الغناء ولم يسأل يغنه بضم الياء من الإغناء، أي: يرزقه
الغنى عن الناس، ووقع في رواية عبد الرحمن بن أبي سعيد بدل التصبر، ومن استكفى
كفاه الله وزاد: من سأل وله قيمة أوقية فقد ألحف. قوله: ((ولن تعطوا)) على صيغة
المجهول بالخطاب للجمع. قوله: ((عطاءً خيراً) بالنصب، كذا في هذه الرواية، وقع في
رواية مالك: هو خير، بالرفع، وفي رواية مسلم: عطاء خير، والتقدير: هو خير، وقال
النووي: كذا في نسخ مسلم يعني بالرفع والتقدير: هو خير، كما قلنا.
٦٠/ ٦٤٧١ - حدّثنا خَلاَّدُ بنُ يَخْيَى، حدثنا مِسْعَرٌ، حدثنا زِيادُ بنُ عِلاَقَةً قال:
سَمِعْتُ المُغِيرَةَ بنَ شُعْبَةً يَقُولُ: كانَ النبيُّ ﴿ يُصَلِّي حتَّى تَرِمَ أوْ تَنْتَفَخَ قَدَمَاهُ فَيُقَالُ لَهُ،
فَيَقُولُ: ((أَفَلاَ أُكُونُ عبْداً شَكُوراً). [انظر الحديث ١١٣٠ وطرفه].
مطابقته للترجمة في الصبر على الطاعة فإنه *، صبر عليها حتى تورمت
قدماه .
وخلاد بفتح الخاء المعجمة وتشديد اللام ابن يحيى بن صفوان أبو محمد السلمي
الكوفي، سكن مكة ومات بها سنة ثلاث عشرة ومائتين، ومسعر بكسر الميم وسكون
المهملة الأولى وفتح الثانية وبالراء ابن كدام الكوفي، وزياد بكسر الزاي وتخفيف الياء
آخر الحروف ابن علاقة بكسر العين وتخفيف اللام وبالقاف.
والحديث مضى في صلاة الليل عن أبي نعيم. وأخرجه الترمذي والنسائي وابن
ماجه في الصلاة، فالأولان عن قتيبة وابن ماجه عن هشام بن عمار.
قوله: (حتی ترم)) أصله: تورم، لأنه من ورم يرم بالكسر فيهما والقیاس یورم،
وهو أحد ما جاء على هذا البناء، ومجيئه على هذا البناء شاذ، وهو من الورم وهو
الانتفاخ. قوله: ((أو تنتفخ)) بالنصب، قال الكرماني: كلمة: أو، للتنويع، ويحتمل أن
يكون شكاً من الراوي، وجزم غيره أنه للشك. قوله: ((فيقال له)) أي: إنك قد غفر الله

١٠٥
٨١ - كتاب الرقاق / باب (٢١)
لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فيقول *: أفلا أكون عبداً شكوراً على ما أنعم الله
عليّ من هذا الفضل العظيم الذي اختصصت به؟.
٢١ - بابٌ ﴿وَمَن يَوَّكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣]
أي: هذا باب مترجم بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَّكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾﴾ وأصل
التوكل من الوكول، يقال: وكل أمره إلى فلان أي التجأ إليه واعتمد عليه، والتوكل
تفويض الأمر إلى الله وقطع النظر عن الأسباب، وليس التوكل ترك السبب والاعتماد
على ما يجيء من المخلوقين لأن ذلك قد يجر إلى ضد ما يراد من التوكل، وقد سئل
الإمام أحمد رحمه الله، عن رجل جلس في بيته - أو في مسجد - وقال: لا أعمل شيئاً
حتى يأتيني رزقي. فقال: هذا رجل جهل العلم، فقد قال النبي ◌َ﴾: ((إن الله جعل
رزقي تحت ظل رمحي))، وقال: لو توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق
الطير، تغدو خماصاً وتروح بطاناً، فذكر أنها تغدو وتروح في طلب الرزق، قال:
وكانت الصحابة رضي الله تعالى عنهم، يتجرون ويعملون في نخيلهم والقدوة بهم.
وَقَال الرّبِيعُ بِنُ خُثَيْمِ: مِنْ كلِّ ما ضاقَ عَلى النَّاسِ.
الربيع بفتح الراء وكسر الباء الموحدة ابن خثيم بضم الخاء المعجمة وفتح الثاء
المثلثة وسكون الياء آخر الحروف الثوري الكوفي من كبار التابعين صحب ابن مسعود
رضي الله تعالى عنه، وكان يقول له: لو رآك رسول الله وَ ر لأحبك، رواه الإمام أحمد
في (الزهد): بسند جيد. قوله: ((من كل ما ضاق))، أراد من يتوكل على الله فهو حسبه
من كل ما ضاق على الناس، وقال الكرماني: من كل ما ضاق يعني: التوكل على الله
عام من كل أمر مضيق على الناس، يعني: لا خصوصية في التوكل في أمر بل هو جار
في جميع الأمور التي تضيق على الناس.
٦١/ ٦٤٧٢ - حدّثني إسْحاقُ، حدثنا رَوْحُ بنُ عُبَادَةً، حدثنا شُعْبَةُ قال: سَمِعْتُ
حُصِيْنَ بنَ عَبْدِ الرَّحْمُنِ قال: كُنْتُ قاعِداً عِنْدَ سَعِيدٍ بنِ جُبَيْرٍ فقال: عن ابن عبّاسٍ أن
رسول الله ◌َ﴿ قال: ((يَذْخُلُ الجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعُونَ الْفاً بِغَيْرِ حِسَابٍ، هُمُ الْذِينَ لاَ يَسْتَرْقُونَ
ولا يَتَطَيْرُونَ وعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ)). [انظر الحديث ٣٤١٠ وأطرافه].
مطابقته للترجمة في آخر الحديث. وإسحاق شيخ البخاري. قال الغساني: لم
أجده منسوباً عند شيوخنا، لكن حدث البخاري في (الجامع): كثيراً عن إسحاق بن
إبراهيم، وقال بعضهم: إسحاق هو ابن منصور، وغلط من قال: ابن إبراهيم.
قلت: التغليط من أين وقد سمع البخاري من جماعة كل منهم، يسمى إسحاق بن
إبراهيم؟ وحصين بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين.

١٠٦
٨١ - كتاب الرقاق / باب (٢٢)
والحديث أخرجه البخاري في الطب مطولاً، وفي أحاديث الأنبياء مختصراً عن
مسدد وههنا أيضاً روی بعضه.
قوله: ((لا يسترقون)) أي: لا يطلبون الرقية وهي العوذة التي يرقى بها صاحب
الآفة: كالحمى والصرع ونحو ذلك من الآفات، وقد جاء في بعض الأحاديث جوازها،
وفي بعضها النيه عنها، فمن الجواز: ((استرقوا لها فإن بها النظرة))، أي: اطلبوا لها من
يرقي لها، ومن النهي قوله هذا: ((لا يسترقون)). ووجه الجمع أن المنهي عنها ما كان
بغير اللسان العربي وبغير أسماء الله وصفاته وكلامه في كتبه المنزلة، وأن يعتقد أن الرقية
مانعة لا محالة، والمأمور بها ما كان بقوارع القرآن ونحوه. قوله: ((ولا يتطيرون)) أي:
لا يتشاءمون بالطيور ومثلها مما هو عادتهم قبل الإسلام، والطيرة ما يكون في الشر،
والفأل ما يكون في الخير.
٢٢ - بابُ ما يُكْرِهُ مِنْ قِيلَ وقال
أي: هذا باب في بيان ما يكره من قيل وقال، وكلاهما فعلان ماضيان الأول
مجهول: قيل وأصله: قول، نقلت حركة الواو إلى القاف بعد سلب حركتها، ثم قلبت
ياء لسكونها وانكسار ما قبلها، وهو حكاية أقاويل الناس، قال: فلان كذا وفلان كذا
وقيل كذا وكذا، وإذا روي بالتنوين يكونان مصدرين يقال: قال قولاً وقيلاً وقالاً،
والمراد أنه نهى عن الإكثار مما لا فائدة فيه، وقيل: إذا كانا اسمين يكون في عطف
أحدهما على الآخر كثير فائدة، بخلاف ما إذا كانا فعلين، وقيل: إذا كانا اسمين يكون
الثاني تأكيداً.
٦٤٧٣/٦٢ - حدّثنا عَليَّ بنُ مُسْلم، حدثنا هُشَيْمٌ، أخبرنا غَيْرُ واحِدٍ مِنْهُمْ مُغِيرَةٌ
وفُلاَنْ ورَجُلٌ ثالِثُ أيْضاً، عنِ الشّغْبِيِّ عنْ وَرَّادٍ كاتِبِ المُغِيرَةِ بنِ شُعْبَةً، أنْ مُعاوِيَةً كَتَبَ
إلى المُغِيرَةِ أَنِ اكْتُبْ إِلَيَّ بِحَدِيثٍ سَمِعْتَهُ مِنْ رسولِ اللهِ ﴿، قال: فَكَتَبَ إِلَيْهِ المُغِيرَةُ: أَنِّي
سَمِعْتُهُ يَقُولُ عِنْدَ انْصِرَافِهِ مِنَ الصَّلاةِ: ((لا إلهَ إلاّ الله وحدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ
الحَمْدُ، وهوَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)) ثَلاَثَ مرَّاتٍ، قال: وكان يَنْهَى عنْ: قِيلَ، وقالَ، وكَثْرَةِ
السُّؤَالِ وإضاعَةِ المالِ، ومَنْعٍ وهاتٍ وعُقُوقِ الأُمَّهاتِ وَوَأْدِ البَنَاتِ. [انظر الحديث ٨٤٤
وأطرافه].
مطابقته للترجمة ظاهرة.
علي بن مسلم الطوسي ثم البغدادي، وهشيم - مصغر هشم - بن بشير الواسطي،
والمغيرة هو ابن مقسم الضبي.
قوله: ((وفلان)) هو مجالد بن سعيد فقد أخرجه ابن خزيمة في (صحيحه): عن

١٠٧
٨١ - كتاب الرقاق / باب (٢٣)
زياد بن أيوب ويعقوب بن إبراهيم الدورقي قالا: نا هشيم أنا غير واحد منهم مغيرة
ومجالد. قوله: ((ورجل ثالث)) قيل يحتمل أن يكون داود بن أبي هند، فقد أخرجه ابن
حبان في (صحيحه) من طريق داود بن أبي هند وغيره عن الشعبي، ويحتمل أن يكون
زكريا بن أبي زائدة أو إسماعيل بن أبي خالد، فقد أخرجه الطبراني من طريق
الحسن بن علي بن راشد عن هشيم عن مغيرة عن زكريا بن أبي زائدة، ومجالد
وإسماعيل بن أبي خالد كلهم عن الشعبي، والشعبي هو عامر بن شراحيل، ووراد بفتح
الواو وتشديد الراء مولى المغيرة وكاتبه.
والحديث مضى في الصلاة عن محمد بن يوسف وفي الاعتصام عن موسى وفي
القدر عن محمد بن سنان وفي الدعوات عن قتيبة، وقد مضى الكلام فيه.
قوله: ((حدثنا علي بن مسلم)) كذا في رواية الجمهور، وفي رواية الكشميهني
وحده: وقال علي بن مسلم. قوله: ((وكثرة السؤال)) أي: في المسائل التي لا حاجة
فيها، أو من الأموال، أو من أحوال الناس. قوله: ((وإضاعة المال)) أي: وضعه في غير
محله وحقه. قوله: ((ومنع وهات))، أي: حرم عليكم منع ما عليكم إعطاؤه، وطلب ما
ليس لكم أخذه. قوله: ((ووأد البنات)) هي: البنت تدفن وهي حية كانوا يفعلونه في
الجاهلية، إذا ولد للفقير منهم بنت دسها في التراب.
وعنْ هُشَيْمِ: أخبرنا عبْدُ المَلِكِ بنُ عُمَيْرٍ قال: سَمِعْتُ ورَّاداً يُحَدِّثُ هَذَا الحَدِيثَ عنِ
المغِيرَةِ عنِ النبيِّ رَ﴾.
هو موصول بالطريق الذي قبله، وقد رواه الإسماعيلي من رواية يعقوب الدورقي،
وزياد بن أيوب قالا: أنا هشيم عن عبد الملك به ....
٢٣ - بابُ حِفْظِ اللِّسانِ
أي: هذا باب في بيان وجوب حفظ اللسان عن التكلم بما لا يسوغ في الشرع،
وقال ◌َّر: ((وهل يكب الناس في النار على مناخرهم إلاَّ حصائد ألسنتهم)) وأما القول
بالحق فواجب، والصمت فيه غير واسع.
ومَنْ كَانَ يُؤْمنُ بالله واليَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْراً أوْ لِيَضْمُتْ.
يأتي هذا موصولاً في الباب، وذكره هكذا ترجمة، وفي رواية أبي ذر: وقول
النبي ◌َله: ((ومن كان)) ... إلى آخره.
وقَوْلِ الله تعالى: ﴿مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَفِبُ عِيدٌ﴾ [قَ: ١٨].
كذا لأبي ذر، وفي رواية غيره وقوله: ﴿مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ ... ﴾ إلى آخره، ولابن

١٠٨
٨١ - كتاب الرقاق / باب (٢٣)
بطال: وقد أنزل الله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ ... ) الآية. قوله: ﴿إِلَّا لَدَيْهِ رَقِبُ﴾ أي: حافظ،
والعتيد: هو الحاضر المهيأ، وأراد به الملكين اللذين يكتبان جميع الأشياء، كذا قاله
الحسن وقتادة، وخصه عكرمة بالخير والشر. ويقوي الأول تفسير أبي صالح في قوله:
﴿يَمْحُواْ اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتٌ﴾ [الرعد: ٣٩] إن الملائكة تكتب كل ما يتكلم به المرء فيمحو
الله تعالى منه ما ليس له ولا عليه، ويثبت ما له وما عليه.
٦٤٧٤/٦٣ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ أبي بَكْرِ المُقَدَّمِيُّ، حدّثنا عُمَرُ بنُ عَلِيِّ سَمِعَ أبا
حازِمِ عنْ سَهْلِ بنِ سَعْدٍ عنْ رسولِ اللهِ وَّهِ قال: ((مَنْ يَضْمَنْ لِي ما بَيْنَ لَخيَيْهِ، وما بَيْنَ
رِجْلَيْهِ أضْمَنْ لَهُ الجَنَّة».
مطابقته للترجمة في قوله: ((من يضمن لي ما بين لحييه)) لأن المراد بهذا، حفظ
اللسان، كما يجيء.
قوله: ((حدثنا)) بنون الجمع رواية الأكثرين وفي رواية أبي ذر: حدثني، بنون
الإفراد.
والمقدمي، بصيغة اسم المفعول من التقديم هذه نسبة إلى أحد أجداد محمد
المذكور وهو محمد بن أبي بكر بن علي بن عطاء بن مقدم أبو عبد الله المعروف
بالمقدمي البصري، وعمر بن علي هو عم محمد المذكور وهو مدلس ولكنه صرح
بالسماع، وأبو حازم بالحاء المهملة والزاي سلمة بن دينار، وسهل بن سعد بن مالك
الساعدي الأنصاري.
والحديث أخرجه البخاري أيضاً في المحاربين عن خليفة بن خياط. وأخرجه
الترمذي في الزهد عن محمد بن عبد الأعلى، وقال: حسن صحيح غريب.
قوله: ((من يضمن لي)) إطلاق الضمان عليه مجاز إذ المراد لازم الضمان وهو أداء
الحق الذي عليه. قوله: ((ما بين لحييه)) بفتح اللام وسكون الحاء المهملة تثنية لحي
وهما العظمان في جانبي الفم، والمراد بما بينهما اللسان، وبما ((بين رجليه)): الفرج.
قوله: ((أضمن له)) بالجزم لأنه جواب الشرط. ووقع في رواية الحسن. تكفلت له.
وفيه: أن أعظم البلاء على العبد في الدنيا اللسان والفرج، فمن وقي من شرهما
فقد وقي أعظم الشر.
٦٤/ ٦٤٧٥ - حدّثنا عبْدُ العَزِيزِ بنُ عبدِ الله، حدّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ سَعْدٍ، عنِ ابنِ
شِهابٍ، عنْ أبي سَلَمَة عنْ أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قال: قال رسولُ اللهَِّهِ: ((مَنْ كان
يُؤْمِنُ بالله واليَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْراً، أوْ لِيَضْمُتْ، ومَنْ كانَ يُؤْمِنُ بالله واليَوْمِ الآخِرِ فَلا يُؤْذِ
جارَهُ، ومنْ كانَ يؤْمِنُ بالله واليَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ((. [انظر الحديث ٥١٨٥ وأطرافه].

١٠٩
٨١ - كتاب الرقاق / باب (٢٣)
مطابقته للترجمة ظاهرة. ورحاله قد ذكروا غير مرة. والحديث من أفراده.
قوله: ((بالله واليوم الآخر)) إنما خصهما بالذكر إشارة إلى المبدأ أو المعاد،
وخصص الأمور الثلاثة ملاحظة لحال الشخص قولاً وفعلاً، وذلك إما بالنسبة إلى
المقيم أو المسافر، أو الأول تحلية والثاني تخلية.
٦٤٧٦/٦٥ - حدّثنا أبُو الوَلِيدِ، حدّثنا لَيْثُ، حدثنا سَعيدٌ المِقْبُرِيُّ، عنْ أَبِي شُرَيْحِ
الخُزَاعِيّ قال: سَمِعَ أُذُنايَ ووَعاهُ قَلْبِي النبيِّ وَهِ يَقُولُ: (الضّيافَةُ ثَلاثَةُ أيّام، جائِزَتَهُ)) قِيلَ:
وما جائِزَتُهُ؟ قال: (يَوْمٌ ولَيْلَةٌ، ومَنْ كانَ يُؤْمِن بالله واليَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمُ ضَيْفَهُ، ومَن كانَ
يُؤْمِنُ بالله واليَوْمِ الآخِرِ، فَلْيَقُلْ خَيْراً، أوْ لِيَسْكُتْ)). [انظر الحديث ٦٠١٩ وطرفه].
مطابقته للترجمة في آخر الحديث. وأبو الوليد هشام بن عبد الملك، وأبو شريح
اسمه خويلد الخزاعي.
والحديث مضى في كتاب الأدب في: باب من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فلا
يؤذ جاره، فإنه أخرجه هناك عن عبد الله بن يوسف عن الليث ... إلى آخره، ومضى
الكلام فيه هناك.
قوله ((جائزته)) بالنصب أي: أعطوا جائزته، ولو صحت الرواية بالرفع كان تقديره:
المتوجه عليكم جائزته. ((يوم وليلة)) أي: جائزته يوم وليلة. وقيل: الجائزة جنة، واليوم
ظرف، فكيف يقع خبراً عنها؟ وأجيب: بأن فيه مضافاً مقدراً، أي: زمان جائزته يوم
وليلة.
٦٦/ ٦٤٧٧ - حدّثني إبْرَاهِيمُ بنُ حَمْزَةَ، حدثني ابنُ أبي حازمٍ، عَنْ يَزِيدَ عنْ
مُحَمَّدٍ بنِ إِبْراهِيمَ، عنْ عِيسى بنٍ طَلْحَةَ بنِ عُبَيْدِ اللهِ التَيْمِيِّ، عنْ أَبِي هُرَيرَةً، سَمِعَ
رسولَ اللهِ وَهِ يَقُولُ: ((إنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بالكَلِمَةِ، ما يَتَبَيَّنُ فِيها يَزِلْ بِها في النَّارِ أَبْعَدَ مِمَّا بَيْنَ
المَشْرِقِ».
مطابقته للترجمة من حيث إن فيه إشارة إلى حفظ اللسان من حيث المفهوم.
إبراهيم بن حمزة بالحاء المهملة والزاي الأسدي، وابن أبي حازم عبد العزيز،
ويزيد من - الزيادة - ابن عبد الله المعروف بابن الهاد، ومحمد بن إبراهيم التيمي،
وعيسى بن طلحة بن عبيد الله التيمي، وطلحة هو أحد العشرة. ورجال هذا الإسناد
كلهم مدنیون.
والحديث أخرجه مسلم في آخر الكتاب عن قتيبة وغيره. وأخرجه الترمذي في
الزهد عن محمد بن بشار، وقال: حسن غريب. وأخرجه النسائي في الرقائق عن قتيبة
وغيره به.

١١٠
٨١ - كتاب الرقاق / باب (٢٤)
قوله: ((حدثني)) بالإفراد في رواية الأكثرين وفي رواية أبي ذر: حدثنا، بنون
الجمع. قوله: ((ليتكلم)) باللام في رواية الأكثرين وفي رواية أبي ذر: يتكلم، بدون
اللام. قوله: ((ما يتبين فيها)) أي: لا يتدبر فيها ولا يتفكر في قبحها وما يترتب عليها،
وتطلق الكلمة ويراد بها الكلام كقولهم: كلمة الشهادة، ويروى: وليتكلم بالكلمة ما
يتقى فيها. قوله: ((يزل بها)) أي: بتلك الكلمة، وهذا كناية عن دخول النار. قوله:
((أبعد مما بين المشرق)) كناية عن عظمها ووسعها، قيل: لفظ: بين، يقتضي دخوله على
متعدد، وأجيب بأن المشرق متعدد معنى إذ مشرق الصيف غير مشرق الشتاء، وبينهما
بعد عظيم وهو نصف كرة الفلك، أو اكتفى بأحد الضدين عن الآخر كقوله تعالى:
﴿سَرَبِيلَ تَقِيكُمُ الْحَزَّ﴾ [النحل: ٨١] وفي بعض الروايات جاء صريحاً. والمغرب.
وفيه: أن من أراد النطق بكلمة أن يتدبرها بنفسه قبل نطقه فإن ظهرت مصلحة
تكلم بها وإلاَّ أمسك.
٦٧/ ٦٤٧٨ - حدّثني عَبْدُ الله بنُ مُنِير سَمِعَ أبا النضْرِ، حدثنا عَبْدُ الرَّحْمُنِ بنُ عَبْدِ
الله، - يَغْنِي: ابنَ دينارٍ - عنْ أَبِيهِ، عن أبي صالِحٍ، عنْ أبي هُرَيْرَةً عن النبيِّ وَ* قال: ((إنَّ
العَبْدَ لَيَتَكَلْمُ بِالكَلِمَةِ مِنْ رُضْوانِ الله، لا يُلْقِيَ لَها بالاَ يَرْفَعُ الله بِها دَرَجَاتٍ، وإنَّ العَبْدُ
لَيَتَكَلِّمُ بِالكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ الله، لا يُلْقِي لَها بالاً يَهْوِي بِها فِي جَهَنَّمَ)). [انظر الحديث ٦٤٧٧].
هذا طريق آخر في الحديث المذكور أخرجه عن عبد الله بن منير على وزن اسم
الفاعل من الإنارة المروزي أبو النضر بفتح النون وسكون الضاد المعجمة هاشم بن
القاسم التيمي الخراساني، مر في الوضوء، وعبد الرحمن يروي عن أبيه عبد الله بن دينار
مولى ابن عمر، وأبو صالح ذكوان الزيات، وفي الإسناد ثلاثة من التابعين على نسق.
قوله: ((من رضوان الله)) أي: مما يرضي الله به قوله: ((لا يلقي)) بضم الياء من
الإلقاء أي: لا يلتفت إليها خاطره ولا يعتد بها ولا يبالي بها، ومعنى البال هنا القلب.
قوله: ((يرفع الله بها)) كذا في رواية المستملي والسرخسي، وفي رواية الأكثرين
والنسفي: يرفع الله له بها درجات، وفي رواية الكشميهني: يرفعه الله بها درجات.
قوله: ((من سخط الله) يعني: مما لا يرضى به. قوله: ((يهوي)) بفتح الياء وسكون الهاء
وكسر الواو، وقال عياض: ينزل فيها ساقطاً، وقد جاء بلفظ: يزل بها في النار، لأن
دركات النار إلى أسفل فهو نزول سقوط، وقيل: أهوى من قريب، وهوى من بعيد.
٢٤ - بابُ البُكَاءِ مِنْ خَشْيَةِ الله عَزَّ وجَلَّ
أي: هذا باب في بيان فضل البكاء من خوف الله عز وجل.
٦٤٧٩/٦٨ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ، حدثنا يَخْيَى، عنْ عُبَيْدِ الله قال: حدثني

١١١
٨١ - كتاب الرقاق / باب (٢٥)
خُبَيْبُ بنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ، عنْ حَفْصِ بنِ عاصِمٍ، عنْ أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عن
النبيِّ ◌َ ﴿ قال: ((سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ الله: رَجُلٌ ذَكَرَ اللهِ فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ)). [انظر الحديث ٦٦٠ وطرفيه].
مطابقته للترجمة ظاهرة. ويحيى هو القطان، وعبيد الله بن عمر العمري، وخبيب
بضم الخاء المعجمة وفتح الباء الموحدة وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره باء أخرى
ابن عبد الرحمن الخزرجي، وحفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى
عنه .
وهذا قطعة من حديث أتم منه قد مضى في الزكاة عن مسدد، وفي الصلاة عن
محمد بن بشار في أبواب المساجد، ووردت أحاديث في البكاء. منها: حديث أسد بن
موسى عن عمران بن يزيد عن يزيد الرقاشي عن أنس بن مالك مرفوعاً: ((أيها الناس
ابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا، فإن أهل النار يبكون في النار حتى تسيل دموعهم في
وجوههم كأنها جداول ثم تنقطع الدموع وتسيل الدماء فتقرح العيون، فلو أن السفن
أجريت فيها لجرت)).
٢٥ - بابُ الخَوْفِ مِنَ الله تعالى
أي: هذا باب في بيان شدة الاعتناء بالخوف من الله عز وجل، والخوف من لوازم
الإيمان قال الله تعالى: ﴿وَخَافُونِ إِن كُنُم ◌ُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٧٥].
٦٩/ ٦٤٨٠ - حدّثنا عُثْمانُ بنُ أبي شَيْبَةَ، حدّثنا جَرِيرٌ عنْ مَنْصُورٍ، عنْ رِبْعِيِّ عنْ
حُذَيْفَةَ عنِ النبيِّ وَِّ قال: ((كانَ رَجُلٌ ممَّنْ كان قَبْلَكُمْ يُسِيءُ الظَّنَّ بِعَمَلِهِ، فقال لِأَهْلِهِ: إذا
أنا مُتُّ فَخُذُونِي فَذَرُونِي فِي البَخْرِ فِي يَوْم صائِفٍ، فَفَعَلُوا بِهِ، فَجَمَعَهُ اللهِ، ثُمَّ قال: ما
حَمَلَكَ عَلَى الَّذِي صَنَعْتَ؟ قال: ما حَمَلتِي إلاّ مَخافَتُكَ فَغَفَرَ الله)). [انظر الحديث ٣٤٥٢
وطرفه].
مطابقته للترجمة في آخر الحديث. وجرير هو ابن عبد الحميد، ومنصور هو ابن
المعتمر، وربعي بكسر الراء وسكون الباء الموحدة وكسر العين المهملة وتشديد الياء ابن
حراش بكسر الحاء المهملة وبالراء المخففة والشين المعجمة، وحذيفة ابن اليمان.
ورجال السند کلهم کوفیون.
والحديث مضي في ذكر بني إسرائيل عن موسى بن إسماعيل. وأخرجه النسائي
في الجنائز وفي الرقائق عن إسحاق بن إبراهيم عن جرير.
قوله: ((ممن كان قبلكم" يعني: من بني إسرائيل. قوله: ((يسيء الظن بعمله)) يعني
بعمله الذي كان معصية، وكان نباشاً. قوله: ((فذروني في البحر)) بضم الذال من الذر
وهو التفريق، يقال: ذررت الملح أذره، ويروى بفتح الذال من التذرية، يقال: ذرت

١١٢
٨١ - كتاب الرقاق / باب (٢٥)
الريح الشيء وأذرته وذرته أي: أطارته وأذهبته، ويروى: أذروني بهمزة قطع وسكون
الذال من: أذرت العين دمعها، ومنه: تذروه الرياح. قوله: ((في يوم صائف)) أي: حار
بتشديد الراء من الحرارة، وروي للمروزي والأصيلي: في يوم حاز، بالزاي الثقيلة
بمعنى أنه يحز البدن لشدة حره، وروي لأبي ذر عن المستملي والسرخسي: في يوم
حار، بالراء كما ذكرنا أولاً، وكذا روي لكريمة عن الكشميهني وذكر بعضهم رواية
المروزي بنون بدل الزاي، وقال ابن فارس: الحون ريح يحن كحنين الإبل.
٧٠/ ٦٤٨١ - حدّثنا مُوسى، حدثنا: مُعْتَمِرٌ، سَمِعْتُ أبي، حدثنا قَتَادَةُ، عنْ
عُقْبَةَ بنِ عَبْدِ الغافِرِ، عن أبي سَعِيدٍ، رضي الله عنه، عن النبيِّ وَِّ، ((ذَكَرَ رَجُلاً فِيمَنْ كان
سَلَفَ - أو قَبْلُكُمْ - ((آتاهُ الله مالاً وَوَلَداً - يَعْنِي: أعْطَاهُ، مالاً وَوَلداً! قال: فَلَمَّا حُضِرَ قال
لِيَنِيهِ: أيَّ أبٍ كُنْتُ لَكُمْ؟ قالُوا: خَيْرَ أب، قال: فإِنَّهُ لَمْ يَبْتَثِرْ عِنْدَ الله خَيْراً» - فَسَرَّهَا قَتَادَةُ:
لَمْ يَدَّخِزْ ((وإنْ يَقْلَمْ على الله يُعَذِّبْهُ - فَانْظُرُوا فإذا مُتُّ فأخْرِقُونِي حتَّى إذا صِرْتُ فَحْماً
فاسْحَقُونِي - أو قال: فاسْهَكُونِي - ثُمَّ إذا كانَ رِيحْ عاصِفٌ فأذْرُونِي فيها، فأخذَ مَوَاثِيقَهُمْ
عَلى ذُلِكَ وَرَبِّي، فَفَعَلُوا فقال الله: كُنْ، فإذا رَجُلٌ قَائِمٌ، ثُمَّ قال: أَنْ عَبْدِي! ما حَمَلَكَ
عَلى ما فَعَلْتَ؟ قال: مَخَافَتُكَ - أوْ فَرَقْ مِنْكَ، فَمَا تَلافاهُ أَنْ رَحِمَهُ الله)).
فَحَدَّثْتُ أبا عثمانَ فقال: سَمِعْتُ سلْمانَ غَيْرَ أنَّهُ زادَ: فأذْرُونِي في البَخرِ، أو كما
حَدَّثَ. [انظر الحديث ٣٤٧٨ وطرفه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((مخافتك)) وموسى هو ابن إسماعيل التبوذكي، ومعتمر
يروي عن أبيه سليمان التيمي، وعقبة بضم العين وسكون القاف ابن عبد الغافر أبو نهار
الأزدي العوذي البصري، وأبو سعيد، سعد بن مالك الخدري، رضي الله تعالى عنه.
والحديث مر في ذكر بني إسرائيل عن أبي الوليد ويحيى في التوحيد عن
عبد الله بن أبي الأسود. وأخرجه مسلم في التوبة عن عبيد الله بن معاذ وغيره.
وقوله: ((أو قبلكم))، شك من الراوي. قوله: ((يعني: أعطاه مالاً)، هذا تفسير
ل قوله: ((آتاه الله)) وهو بالمد بمعنى: أعطاه وبالقصر بمعنى المجيء. قوله: ((مالاً)) بعد
قوله: ((أعطاه)) رواية الكشميهني، ولا معنى لإعادة لفظ: مالاً، وفي رواية غيره:
أعطاه، بلا ذكر مالاً. ((فلما حضر)) بضم الحاء وكسر الضاد المعجمة أي: فلما حضره
أوان الموت. قوله: ((خير أب)) بالنصب أي: كنت خير أب، وبالرفع أي: أنت خير
أب. قوله: ((لم يبتثر) من الابتثار افتعال من البار بالباء الموحدة والراء ومعناه لم يدخر
ولم يخبأ، هكذا فسره قتادة، وأصله من البثيرة بمعنى الذخيرة والخبيئة، قال أهل اللغة:
بارت الشيء وابتارته إبارة وابتثره إذا خبأته، ووقع في رواية ابن السكن: لم يأبتر،

١١٣
٨١ - كتاب الرقاق / باب (٢٥)
بتقديم الهمزة على الباء الموحدة حكاه عياض ومعناه: لم يقدم خيراً يقال: بارته
وابتارته، كما ذكرناه، ووقع في التوحيد في رواية أبي زيد المروزي: لم يبتئر - أو لم
يبتئز - بالشك في الزاي أو الراء، وفي رواية الجرجاني بنون بدل الباء الموحدة،
والزاي، قيل: كلاهما غير صحيح، ويروى في غير البخاري: يبتهر، بالهاء بدل الهمزة
وبالراء ويمتئر بالميم بدل الباء الموحدة وبالراء. قوله: ((وإن يقدم على الله يعذبه)) كذا
هنا بسكون القاف وفتح الدال من القدوم وهو بالجزم على الشرطية، وكذا يعذبه بالجزم
لأنه جزاء، والمعنى أنه إن بعث يوم القيامة على هيئته يعرفه كل أحد، فإذا صار رماداً
مبثوثاً في الماء أو الريح لعله يخفى. ووقع في حديث حذيفة عند الإسماعيلي من رواية
أبي خيثمة عن جرير بسند حديث الباب: فإنه إن يقدر عليّ ربي لا يغفر لي، وكذا في
حديث أبي هريرة: لئن قدر الله عليّ، قيل: كيف غفر لهذا الذي أوصى بهذه الوصية
وقد جهل قدرة الله على إحيائه؟. وأجيب: بأن الناس اختلفوا في تأويل هذا الحديث،
فقيل: أما عفو الله عما كان منه في أيام صحته من المعاصي فلندمه عليها وتوبته منها
عند موته، ولذلك أمر ولده بإحراقه وتذريته في البر والبحر خشية من عذاب ربه والندم
توبة .
قلت: فیه نظر، لأن کون الندم توبة إنما هو لهذه الأمة، ألا يُری ما حکی الله عن قابيل
بقوله: ﴿فَأَصْبَحَ مِنَ النَّدِمِينَ﴾ [المائدة: ٣١] فلم يكن ندمه توبة، وقيل: إن معنى قوله: إن
قدر الله على القدرة التي هي العجز وإنه كان عنده أنه إذا أحرق وذري أعجز ربه عن إحيائه،
فهو على أنه غفر له لجهله بالقدرة لأنه لم يكن تقدم في ذلك الزمان أنه لا يغفر الشرك به،
وليس في العقل دليل على أن ذلك غير جائز في حكمة الله تعالى، وإنما نقول: لا يجوز أن
يغفر الشرك بعد نزول قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨ و١١٦]. وأما
جواز غفران الله ذلك فلفضله الأعم وغنائه الأتم لأنه لا يضره كفر كافر ولا ينفعه إيمان
مؤمن. وقيل: معنى أن قدر الله على أن ضيق على كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُمُ﴾
[الطلاق: ٧] أي: ضيق ولم يرد ذلك وصف خالقه بالعجز عن إعادته، وقيل: إنما غفر له لأنه
غلب على فهمه من الجزع الذي كان لحقه من خوف الله وعذابه فيعذر، ومثل هذا إنما يكون
كفراً ممن يقصد به الكفر وهو يعقل ما يقول، وقيل: غفر له بأصل توحيده الذي لا تضر معه
معصية، وعزى ذلك إلى المرجئة. قوله: ((فاحرقوني)) وفي رواية حذيفة الذي أخرجه
البخاري في بني إسرائيل فاجمعوا لي حطباً كثيراً ثم أوروا ناراً حتى إذا أكلت لحمي
وخلصت إلى عظمي فخذوها واطحنوها. قوله: ((فاسحقوني)) من السحق وهو دق الشيء
ناعماً، أو قال: ((فاسهكوني))، شك من الراوي من السهك. قالوا: السحق والسهك بمعنى
واحد. وقيل السهك دونه وهو أن يفت الشيء أو يدق قطعاً صغاراً. قوله: ((فاذروني)) يصح
أن يقرأ موصول الألف من ذرأت الشيء فرقته، ويصح أن يكون أصله من الثلاثي المزيد فيه
٢٣ .٨- /c all a

١١٤
٨١ - كتاب الرقاق / باب (٢٥)
فيقطع الهمزة من قولهم: أذرت العين دمعها، وأذريت الرجل عن فرسه أي: رميته. وقال
ابن التين: قرأناه بقطع الهمزة. قوله: ((فأخذه مواثيقهم)) جمع ميثاق وهو العهد. قوله:
((وربي)) هو على القسم عن المخبر بذلك عنهم لتصحيح خبره، ويحتمل أن يكون حكاية
الميثاق الذي أخذه، أي: قال لمن أوصاه: قل: وربي لأفعلن ذلك، وفي (صحيح مسلم):
فأخذ منهم ميثاقاً ففعلوا ذلك، وربي قال القاضي عياض. وفي بعض نسخه. ففعلوا ذلك
وذرى، قال: فإن صحت هذه الرواية فهي وجه الكلام ولعل الذال سقطت لبعض النساخ
وتابعه الباقون، وقال الكرماني: ولفظ البخاري يحتمل أن يكون بصيغة الماضي من التربية.
أي: ربي أخذ المواثيق والمبايعات لكنه موقوف على الرواية، وقال بعضهم: وأبعد
الکرماني ثم نقل ذلك عنه.
قلت: ما جزم بذلك حتى يقال فيه: وأبعد، وإنما قيد بصحة الرواية مع الاحتمال
الذي ذكره. قوله: ((فإذا رجل قائم)) وقع المبتدأ هنا نكرة لأن وقوعه هنا بعد إذا،
المفاجأة من المخصصات كما في قولك: خرجت فإذا سبع. قوله: ((أي عبدي)) يعني:
يا عبدي. قوله: ((أو فرق)» هو شك من الراوي وهو بفتح الفاء والراء وبالقاف الخوف.
قوله: ((فما تلافاه أن رحمه)) كلمة: ما، موصولة، وكلمة: أن، مصدرية أي: الذي
تلافاه أي: تداركه بأن رحمه، أي: بالرحمة، والضمير المنصوب في تلافاه يرجع إلى
عمل الرجل ويجوز أن يكون: ما نافية، وكلمة الاستثناء محذوفة على مذهب من يجوز
حذفها، أي: ما تلافاه إلاَّ أن رحمه.
قوله: ((فحدثت أبا عثمان)) قال الكرماني: القائل: بحدثت، قتادة، وقال بعضهم:
هو سليمان والد المعتمر.
قلت: الذي يظهر أن قول الكرماني هو الصواب فلينظر فيه، وأبو عثمان هو
عبد الرحمن بن مل النهدي بالنون المفتوحة. قوله: ((فقال)) أي: أبو عثمان: قوله:
(سمعت هذا من سلمان)) أي: الفارسي، وحذف المسموع منه الذي استثنى منه ما ذكر،
والتقدير: سمعت سلمان يحدث عن النبي وَلقر، بمثل هذا الحديث، غير أنه زاد قوله:
((أو كما حدث)) شك من الراوي يشير به إلى أن معنى حديث أبي سعيد لا بلفظه كله.
وقال مُعاذْ: حدثنا شُعْبَةُ عِنْ قَتَادَةَ: سَمِعْتُ عُقْبَةَ سَمِعْتُ أبا سَعِيدٍ عنِ النبيّ ◌َّهِ.
أي: قال معاذ بن التميمي، وهذا التعليق وصله مسلم: حدثني عبيد الله بن معاذ
العنبري حدثنا أبي حدثنا شعبة عن قتادة سمع عقبة بن عبد الغافر يقول، سمعت أبا سعيد
الخدري يحدث عن النبي وَ له: أن رجلاً فيمن كان قبلكم راشه الله مالاً وولداً، فقال
لولده: لتفعلن ما آمركم به أو لأولين ميراثي غيركم، إذا أنا مت فأحرقوني، وأكبر علمي
أنه قال: ثم اسحقوني فاذروني في الريح، فإني لم ابتهر عند الله خيراً، وأن الله يقدر على

١١٥
٨١ - كتاب الرقاق / باب (٢٦)
أن يعذبني. قال: فأخذ منهم ميثاقاً ففعلوا ذلك به وربي، فقال الله: ما حملك على ما
فعلت؟ قال: مخافتك، فما تلافاه غيرها. انتهى. أي: ما تداركه غير المخافة.
٢٦ - بابُ الانْتِهاءِ عنِ المَعاصِي
أي: هذا باب في بيان وجوب الانتهاء عن المعاصي أي: تركها أصلاً.
والإعراض عنها بعد الوقوع فيها.
٧١/ ٦٤٨٢ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ العَلاءِ، حدثنا أبُو أُسامَةَ، عنْ بُرَيْدِ بنِ عَبْدِ الله بنِ
أبي بُرْدَةً، عن أبي بُرْدَةَ عنْ أبي مُوسَى قال: قال رسولُ اللهِوَه: ((مَثَلِي وَمَثَلُ ما بَعَثَنِي الله
كَمَثَلِ رَجُلٍ أَتَى قَوْماً فقال: رَأيْتُ الجَيْشَ بِعَيْنِيَّ وإِنِّي أنا النذِيرُ العُزيانُ، فالنَّجاءَ النَّجاءَ،
فأطاعَتْهُ طائِفَةٌ فَأَذْلَجُوا على مَهْلِهِمْ، فَنَجَوا، وَكَذْبَتْهُ طَائِفَةٌ فَصَبَّحَهُمُ الجَيْشُ فاجْتَاحَهُمْ)).
مطابقته للترجمة من حيث إن فيه الإنذار عن الوقوع في المعاصي والانتهاء عنها.
ومحمد بن العلاء بن كريب أبو كريب الكوفي وهو شيخ مسلم أيضاً، وأبو أسامة
حماد بن أسامة الليثي، وبريد بضم الباء الموحدة - مصغر برد - ابن عبد الله بن أبي
بردة بضم الباء الموحدة واسمه عامر، وقيل: الحارث، وبريد هذا يروي عن جده أبي
بردة بن أبي موسى عبد الله بن قيس الأشعري رضي الله تعالى عنه.
والحديث أخرجه البخاري أيضاً في الاعتصام. وأخرجه مسلم في فضائل
النبي ◌َله .
قوله: ((مثلي)) المثل بفتحتين الصفة العجيبة الشأن يوردها البليغ على سبيل الشبه
لإرادة التقريب والتفهيم.
قوله: ((ومثل ما بعثني الله)) العائد محذوف تقديره: ما بعثني الله به إليكم. قوله:
((قوماً)) التنكير فيه للشيوع. قوله: ((الجيش)) اللام فيه للعهد. قوله: ((بعيني)) بالتثنية وهي
رواية الكشميهني، وفي رواية غيره بالإفراد. قوله: ((وأنا النذير العريان)) أي: المنذر
الذي تجرد عن ثوبه وأخذه يرفعه ويديره حول رأسه، إعلاماً لقومه بالغارة. وقال ابن
بطال: النذير العريان رجل من خثعم حمل عليه رجل يوم ذي الخلصة فقطع يده وید
امرأته فانصرف إلى قومه فحذرهم فضرب به المثل في تحقق الخبر. وقال ابن السكيت:
اسم الرجل الذي حمل عليه عوف بن عامر اليشكري، والمرأة كانت من بني كنانة،
وتنزيل هذه القصة على لفظ الحديث بعيد لأنه ليس فيها أنه كان عرياناً. وقال أبو
عبد الملك: هذا مثل قديم، وذلك أن رجلاً لقي جيشاً فجردوه وعروه، فجاء إلى
المدينة فقال: إني رأيت الجيش بعيني وإني أنا النذير لكم وتروني عرياناً جردني الجيش
فالنجاء النجاء، وقال ابن السكيت: ضرب به النبي * المثل لأمته لأنه تجرد

١١٦
٨١ - كتاب الرقاق / باب (٢٦)
الإنذارهم. وقال الخطابي: روي عن محمد بن خالد: العريان، بباء موحدة فإن كان
محفوظاً فمعناه صحيح وهو الفصيح بالإنذار لا يكنى ولا يورى، يقال: رجل عريان
أي: فصيح اللسان، من: أعرب الرجل عن حاجته إذا أفصح عنها. قوله: ((فالنجاء))
بالنصب مفعول مطلق فيه إغراء أي: اطلبوا النجاء بأن تسرعوا الهرب لأنكم لا تطيقون
مقاومة ذلك الجيش، ((والنجاء)) الثاني تأكيد وكلاهما ممدودان، وجاء القصر فيهما
تخفيفاً وجاء مد الأول وقصر الثاني. قوله: ((فأدلجوا)) من الإدلاج من باب الإفعال وهو
السير أول الليل، أو كل الليل على الاختلاف في معناه، وهمزته همزة قطع، وفي
(التوضيح): قوله: ((فأدلجوا))، بتشديد الدال قلت: لا يستقيم هذا هنا لأن الإدلاج
بالتشديد هو السير آخر الليل فلا يناسب هذا المقام، والصواب ما ذكرناه. قوله: ((على
مهلهم)) بفتحتين أي: على السكينة والتأني، وأما المهل بسكون الهاء فمعناه الإمهال فلا
يناسب هنا، وفي رواية مسلم عن مهلتهم، قوله: ((فنجوا)) لأنهم أطاعوا النذير وساروا
من أول الليل فنجوا. قوله: ((فصبحهم الجيش)) أي: أتوهم صباحاً، هذا أصله ثم
استعمل فيمن يطرق بغتة في أي وقت كان. قوله: ((فاجتاحهم)) بجيم ثم بحاء مهملة
أي: استأصلهم، من جحت الشيء أجوحه إذا استأصلته، ومنه الجائحة وهي الهلاك.
٦٤٨٣/٧٢ - حدّثنا أبو اليمانِ، أخبرنا شُعَيْبٌ، حدثنا أبُو الزِّنادِ، عنْ عِبْدٍ
الرَّحْمنِ أنَّهُ حَدَّثَه أنَّهُ سَمِعَ أبا هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، أنَّهُ سَمِعَ رسولَ اللهِ وَلِهِ يَقولُ: ((إنَّما
مَثَلِي ومَثَلُ النَّاسِ كَمَثَلٍ رَجُل اسْتَوْقَدَ نَارَاً، فَلمَّا أضاءَتْ ما حَوْلهُ جَعَلَ الفَرَاشُ وهُذِهِ الدَّوابُ
الَّتِي تَقَعُ في النَّارِ يَقَعْنَ فِيها، فَجَعَلَ يَنْزِعُهُنَّ وَيَغْلِيْنَهُ فَيَقْتَحِمْنَ فِيها، فأنا آخذ بِحُجَزكمْ عنِ
النَّارِ وَهُمْ يَقْتَحِمُونَ فِيها)). [انظر الحديث ٣٤٢٦].
مطابقته للترجمة من حيث إن فيه منع النبي و 9 إياهم عن الإتيان بالمعاصي التي
تؤديهم إلى الدخول في النار.
وأبو اليمان الحكم بن نافع، وشعيب هو ابن أبي حمزة الحمصي، وأبو الزناد
بالزاي والنون عبد الله بن ذكوان، وعبد الرحمن هو الأعرج.
والحديث مضى في: باب قول الله ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَنَّ﴾ [ص: ٣٠] فإنه أخرجه
هناك بعين هذا السند عن أبي اليمان إلى قوله: ((وهذه الدواب تقع في النار)) ثم اختصره
وذكر حديثاً آخر. قوله: ((استوقد)) بمعنى: أوقد، ولكن استوقد أبلغ. قوله: ((أضاءت))
من الإضاءة وهي فرط الإنارة. قوله: ((الفراش)) بفتح الفاء وتخفيف الراء وبالشين
المعجمة جمع الفراشة. وقال الكرماني: هي صغار البق، وقيل: هي ما يتهافت في النار
من الطيارات.
قلت: هذا أصح من الأول، وقال الفراء في تفسيرها: إنها كغوغاء الجراد يركب

١١٧
٨١ - كتاب الرقاق / باب (٢٦)
بعضه بعضاً. وقال ابن سيده: هي دواب مثل البعوض واحدتها فراشة، وقال الطبري:
ليس هي ببعوض ولا ذباب، وقال أبو نصر: هي التي تطير وتتهافت في السراج، وفي
(مجمع الغرائب): هي ما تتهافت في النار من الطيارات، وقال الداودي: هي طائر فوق
البعوض. قوله: ((يقعن) خبر قوله: ((جعل الفراش)) قوله: ((وهذه الدواب التي تقع في
النار)) جملة معترضة وأشار بها إلى تفسير الفراش. قوله: ((فجعل)) بالفاء وفي رواية
الكشميهني بالواو والضمير فيه يرجع إلى الرجل. قوله: ((ينزعهن)) بفتح الياء والزاي
وضم العين المهملة أي: يدفعهن، ويروى: يزعهن، بلا نون من وزعه يزعه وزعاً، فهو
وازع إذا كفه ومنعه. قوله: ((فيقتحمن)) من الاقتحام وهو الهجوم على الشيء، يقال:
قحم في الأمر أي: رمى بنفسه فيه فجأة، وأقحمته فاقتحم، ويقال: اقتحم المنزل إذا
هجم. قوله: ((فيها)) أي: في النار. قوله: («فأنا آخذ» قال النووي: روي باسم الفاعل،
ويروى بصيغة المضارع من المتكلم، وقال الطيبي: الفاء فيه فصيحة كأنه لما قال:
((مثلي ومثل الناس ... )) ... إلى آخره، أتى بما هو أهم، وهو قوله: ((فأنا آخذ
بحجزكم)) ومن هذه الدقيقة التفت من الغيبة في قوله: ((مثل الناس)) إلى الخطاب في
قوله: ((بحجزكم)) قوله: ((يحجزكم)) بضم الحاء المهملة وفتح الجيم وبالزاي جمع
حجزة وهي معقد الإزار، ومن السراويل موضع التكة، ويجوز ضم الجيم في الجمع.
قوله: و ((هم يقتحمون فيها)) هذه رواية الكشميهني، وفي رواية غيره: وأنتم تقتحمون،
وعلى الأول سأل الكرماني فقال: القياس: وأنتم، لا: هم، ليوافق لفظ: حجزكم، ثم
أجاب بأنه التفات.
وفيه: إشارة إلى أن من أخذه رسول الله وَل و بحجزته لا اقتحام له فيها.
٦٤٨٤/٧٣ - حدّثنا أبُو نُعَيْم، حدثنا زَكرِيَّاءُ، عنْ عامِرٍ قال: سَمِعْتُ عَبْدَ الله بنَ
عَمْرٍو يَقُولُ: قال النبيِّ وَّهِ: ((المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ منْ لِسانِهِ وَيَدِهِ، والمُهاجِرُ مَنْ
هَجَرَ ما نَهَى الله عنْهُ)). [انظر الحديث ١٠ وأطرافه].
مطابقته للترجمة من حيث إن ترك أذى المسلم باليد واللسان من جملة الانتهاء
عن المعاصي، وأيضاً قوله: ((من هجر ما نهى الله عنه)) من جملة الانتهاء عن المعاصي.
وأبو نعيم الفضل بن دكين، وزكرياء هو ابن أبي زائدة، وعامر هو الشعبي.
والحديث مضى في أول كتاب الإيمان. قيل: خص المهاجر بالذكر تطييباً لقلب
من لم يهاجر من المسلمين لفوات ذلك بفتح مكة، فأعلمهم بأن من هجر ما نهى الله
عنه كل هو المهاجر الكامل.

١١٨
٨١ - كتاب الرقاق / باب (٢٧ و٢٨)
٢٧ - بابُ قَوْلِ النبيِّ وَّ: ((لَوْ تَعْلَمُونَ ما أعلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلاً وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيراً»
أي: هذا باب قول النبي وَلاتر: (لو تعلمون ما أعلم)) إلى آخره، ذكر الترجمة بلفظ
حديث الباب، وعكس بعضهم حيث قال: ذكر فيه حديث أبي هريرة بلفظ الترجمة.
٦٤٨٥/٧٤ - حدّثنا يَخْيِى بنُ بُكَيْرٍ، حدثنا اللَّيْثُ عنْ عُقَيْلٍ، عنِ ابنِ شهابٍ،
عنْ سَعِيدِ بنِ المُسَيَّبِ أنَّ أبا هُرَيْرَةَ رضي الله عنْهُ، كان يَقولُ: قال رسولُ اللهِ وَلِ: ((لَوْ
تَعْلَمُونَ ما أعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلاً وَلَبَكَيْتُمْ کَثِيراً».
الترجمة والحديث سواء. ويحيى بن بكير بضم الباء الموحدة - مصغر بكر - هو
يحيى بن عبد الله بن بكير المخزومي المصري، وعقيل بضم العين المهملة ابن خالد
الأيلي، وابن شهاب محمد بن مسلم الزهري والحديث من أفراده.
قوله: ((ما أعلم)) أي: من الأهوال والأحوال التي بين أيدينا عند النزع. في البرزخ
ويوم القيامة .
وفيه: من صنعة البديع: مقابلة الضحك بالبكاء، والقلة بالكثرة، ومطابقة كل
منهما بالآخر.
٦٤٨٦/٧٥ - حدّثنا سُلَيْمانُ بنُ حَرْبٍ، حدّثنا شُعْبَةُ، عنْ مُوسَى بنِ أَنَسٍ، عنْ
أَنَسٍ رضي الله عنه قال: قال النبيُّ نَّهِ: ((لَوْ تَعْلَمُونَ ما أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلاً ولُّبَكَيْتُمْ
کثیراً».
[انظر الحديث ٩٣ وأطرافه].
هذا مثل الحديث السابق غير أن راوي ذاك أبو هريرة، وراوي هذا أنس بن
مالك، روى عنه ابنه موسى الأنصاري قاضي البصرة.
وهذا مختصر من حديث أخرجه البخاري في تفسير سورة المائدة عن المنذر بن
الوليد الجارودي وسيجيء في الاعتصام عن محمد بن عبد الرحيم: وأخرجه مسلم في
فضائل النبي وَ﴾. عن محمد بن معمر وغيره. وأخرجه الترمذي في التفسير عن
محمد بن معمر بإسناده نحوه. وأخرجه النسائي في الرقائق عن محمود بن غيلان
مختصراً.
٢٨ - بابٌ حُجِبَتِ النّارُ بِالشَّهَوَاتِ
أي: هذا باب يذكر فيه: حجبت النار أي: غطت النار فكانت الشهوات سبباً
للوقوع في النار، ووقع عند أبي نعيم: باب حفت النار، وفي بعض النسخ بعده:
وحجبت الجنة بالمكاره.

١١٩
٨١ - كتاب الرقاق / باب (٢٩)
٦٤٨٧/٧٦ - حدّثنا إسماعيلُ قال: حدّثني مالِكٌ عن أبي الزّنادِ، عنِ الأَغْرَجِ،
عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أنَّ رسولَ اللهِوَ ﴿ قال: ((حُجبَتِ النَّارُ بالشَّهَوَاتِ، وحُجِبَتِ الجَنَّةُ
بالمکارِہِ».
الترجمة جزء الحديث وإسماعيل هو ابن أبي أويس، وأبو الزناد بالزاي والنون
عبد الله بن ذكوان، والأعرج عبد الرحمن بن هرمز. والحديث من أفراده.
قوله: ((حجبت النار)) كذا الجميع الرواة في الموضعين إلاَّ الفروي فقال: حفت
النار، في الموضعين، وكذا هو عند مسلم من رواية ورقاء بن عمر عن أبي الزناد، وكذا
أخرجه مسلم والترمذي من حديث أنس وهذا من جوامع كلمه وَ ل قر في بديع بلاغته في
ذم الشهوات وإن مالت إليها النفوس، والحض على الطاعات وإن كرهتها النفوس وشق
عليها. قوله: ((حفت))، بالحاء المهملة وتشديد الفاء من الحفاف وهو ما يحيط بالشيء
حتى لا يتوصل إليه إلاَّ بتخطئته، فالجنة لا يتوصل إليها إلاّ بقطع مفاوز المكاره والنار
لا ينجى منها إلاَّ بترك الشهوات.
٢٩ - بابٌ الجَنَّةُ أقرَبُ إلى أحَدِكُمْ مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ، والنَّارُ مِثْلُ ذُلِكَ
أي: هذا باب يذكر فيه الجنة إلى آخره. وهذه الترجمة حذفها ابن بطال، وذكر
الحديثين اللذين فيهما في الباب الذي قبلها. ومناسبة ذلك ظاهرة، ولكن الذي ثبت في
الأصول التفرقة.
٦٤٨٨/٧٧ - حدّثني مُوسَى بنُ مَسْعُودٍ، حدثنا سُفيانُ، عنْ مَنْصُورٍ، والأعْمَشِ
عن أبي وائِلٍ، عنْ عَبْدِ الله رضي الله عنه، قال: قال النبيِّ وَّهِ: ((الجَنَّةُ أقْرَبُ إلى أَحَدِكُمْ
مِن شِرَاك نَعْلِهِ، والنارُ مِثْلُ ذُلِكَ)).
الترجمة والحديث سواء. وموسى بن مسعود أبو حذيفة النهدي بفتح النون
وسكون الهاء، وسفيان هو الثوري، ومنصور هو ابن المعتمر، والأعمش سليمان، وأبو
وائل شقيق بن سلمة، وعبد الله هو ابن مسعود. وهؤلاء كلهم كوفيون والحديث من
أفراده .
قوله: ((والأعمش)) بالجر عطف على منصور. قوله: ((وشراك النعل)) هو الذي
يدخل فيه إصبع الرّجل، ويطلق أيضاً على كل سير وقى به القدم.
وفيه: دليل واضح على أن الطاعات موصلة إلى الجنة والمعاصي مقربة من النار،
فقد يكون في أيسر الأشياء، وينبغي للمؤمن أن لا يزهد في قليل من الخير ولا يستقل
قليلاً من الشر، فيحسبه هيناً وهو عند الله عظيم. فإن المؤمن لا يعلم الحسنة التي
يرحمه الله بها، والسيئة التي يسخط الله عليه بها.

١٢٠
٨١ - كتاب الرقاق / باب (٣٠)
٦٤٨٩/٧٨ - حدّثني مُحَمَّدُ بنُ المُثَنَّى، حدثنا غنْدَرٌ، حدثنا شُعْبَةُ، عنْ
عَبْدِ المَلِكِ بنِ عُمَيْرٍ عنْ أَبِي سَلَمَة، عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عن النبيِّ وَّ قال:
(أُضْدَقُ بَيْتٍ قالَهُ الشَّاعِرُ:
ألاَ كلِّ شَيْءٍ ما خَلاَ الله باطِلُ ... )) [انظر الحديث ٣٨٤١ وطرفه].
لم أر أحداً من الشراح ذكر وجه إيراد هذا الحديث في هذا الباب، فلذلك ذكره
ابن بطال في الباب الذي قبله، فأقول: من الفيض الإلهي الذي وقع في خاطري أن كل
شيء ما خلا الله من أمر الدنيا الذي لا يؤول إلى طاعة الله ولا يقرب منه إذا كان باطلاً
يكون الاشتغال به مبعداً من الجنة مع كونها أقرب إليه من شراك نعله والاشتغال بالأمور
التي هي داخلة في أمر الله تعالى يكون مبعداً من النار مع كونها أقرب إليه من شراك
نعله وغندر بضم الغين المعجمة وسكون النون هو محمد بن جعفر. والحديث قد مضى
في الأدب في: باب ما يجوز من الشعر، ومضى الكلام فيه مستقصى، وبسطنا الكلام
فيه في شرحنا الأكبر للشواهد.
٣٠ - بابٌ لِيَنْظُرْ إلى مَنْ هُوَ أسْفَلَ مِنْهُ ولا يَنْظُرْ إلى مَنْ هُو فَوْقَهُ
أي: هذا باب يذكر فيه لينظر إلى ما هو أسفل منه؟.
٧٩/ ٦٤٩٠ - حدّثنا إِسْمَاعِيلُ قال: حدثني مالِكٌ عن أبي الزّنادِ، عن الأغْرَجِ عنْ
أبي هُرَيْرَةَ عنْ رسولِ اللهِ وَّه قال: ((إذَا نَظَرَ أحَدُكُمْ إِلى مَنْ فُضِّلَ عَلَيْهِ في المالِ والخَّلْقِ،
فَلْيَنْظُرْ إلى مَنْ هُوَ أسْفَلَ مِنْهُ)).
الجزء الأول من الترجمة من لفظ حديث الباب، وقال بعضهم: هذا لفظ حديث
أخرجه مسلم بنحوه من طريق الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة بلفظ: ((انظروا إلى
من هو أسفل منكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم)).
قلت: هذا ليس كلفظ حديث مسلم، بل هو في المعنى مثله.
وإسماعيل هو ابن أبي أويس، وأبو الزناد عبد الله، والأعرج عبد الرحمن، وقد
ذكرا عن قريب. والحديث من أفراده.
قوله: ((من فضل)) على بناء المجهول. قوله: ((والخلق)) قال الكرماني: بفتح
المعجمة الصورة أو الأولاد والأتباع، وكل ما يتعلق بزينة الحياة الدنيا. قوله:
((فلينظر إلى من هو أسفل منه» ليسهل عليه نقصانه ويفرح بما أنعم الله عليه ويشكر
عليه، وأما في الدين وما يتعلق بالآخرة فلينظر إلى من هو فوقه لتزيد رغبته في
اكتساب الفضائل.