Indexed OCR Text

Pages 421-440

٤٢١
٧٩ - كِتابُ الاسْتِئْذَانِ / باب (٥٠ و٥١)
٥٠ - بابُ إِغْلاقِ الأبْوَابِ باللّيْلِ
أي: هذا باب في بيان الأمر بإغلاق الأبواب في الليل، والإغلاق بكسر الهمزة
كذا في رواية الأصيلي والجرجاني وكريمة عن الكشميهني، وفي بعض النسخ: باب
غلق الأبواب بالليل، وهو وإن ثبت في اللغة فالأول أفصح.
٦٢٩٦/٦٧ - حدَّثنا حَسَّانُ بنُ أبي عبادٍ، حدّثنا هَمَّامٌ، عَنْ عَطاءٍ، عَنْ جابِرٍ قال:
قال رسولُ اللهِ وَالَ: «أَطْفِقُوا المَصابِيحَ بِاللَّيْلِ إِذَا رَقَدْتُمْ، وأغْلِقُوا الأبْوَابَ وأوْكُوا الأسْقيةَ،
وَخَمِّرُوا الطَّعامَ والشَّرَابَ)). قال هَمَّامٌ: وأخْسِبُهُ قال: ((وَلَوْ بِعُودٍ)). [انظر الحديث ٣٢٨٠
وأطرافه].
هذا طريق آخر في حديث جابر المذكور قبله أخرجه عن حسان بفتح الحاء
المهملة وتشديد الشين ابن أبي عباد بفتح العين وتشديد الباء الموحدة، واسم أبي عباد
حسان أيضاً أبو علي البصري سكن مكة ومات سنة ثلاث عشرة ومائتين وهو من أفراد
البخاري، وهمام بفتح الهاء وتشديد الميم الأولى ابن يحيى، وعطاء بن أبي رباح.
قوله: ((وأغلقوا الأبواب)) من الإغلاق وفي رواية المستملي والسرخسي: وغلقوا،
من التغليق. قوله: ((وأوكو)) من الإيكاء، وهو الشد والربط ((والأسقية)) جمع سقاء وهي
القربة وفائدته صيانته من الشيطان فإنه لا يكشف غطاء ولا يحل سقاء، ومن الوباء الذي
ينزل من السماء في ليلة من السنة كما ورد به في الحديث، والأعاجم يقولون: تلك
الليلة في كانون الأول، ومن المقذرات والحشرات، وقد مر الكلام أيضاً في كتاب
الأشربة في: باب تغطية الإناء. قوله: ((قال همام)) وهو الراوي المذكور: ((أحسبه)) أي:
أظن عطاء بأنه ((قال: ولو بعود)) أي: ولو تخمرونه بعود. ويروى: ولو بعود تعرضه أي
تضعه عليه بعرضه ويراد به أن التخمير يحصل بذلك، ومن جملة أمره لغلق الأبواب
خشية انتشار الشياطين وتسليطهم على ترويع المسلمين وأذاهم، وقد جاء في حديث
آخر أنه رَّ قال: إذا جنح الليل فاحبسوا أولادكم فإن الله يبث من خلقه بالليل ما لا يبثه
بالنهار وأن للشياطين انتشار أو خطفة .
٥١ - بابُ الخِتانِ بَعْدَ الكِبَرِ وَنَتْفِ الإبْطِ
أي: هذا باب في بيان الختان بعد كبر الرجل، ويروى: بعدما كبر، وفي بيان
نتف الإبط، وقال الكرماني: وجه ذكر هذا الباب في كتاب الاستئذان هو أن الختان لا
يحصل إلاَّ في الدور والمنازل الخاصة ولا يدخل فيها إلاَّ بالاستئذان.
٦٢٩٧/٦٨ - حدَّثنا يَخْيَى بِنُ قَزَعَةَ، حدثنا إبْرَاهِيمُ بنُ سَعْدٍ، عن ابنِ شِهابٍ،
عَنْ سَعِيدٍ بنِ المُسَيَّبِ، عَنْ أبي هُرَيْرَةً، رضي الله عنه، عَنِ النبيِّ وَ ◌ّ قال: ((الفِطْرَةُ

٤٢٢
٧٩ - كِتابُ الاسْتِثْذَانِ / باب (٥١)
خَمْسٌ: الخِتانُ والاسْتِخْدَادُ، وَنَتْفُ الإِبْطِ، وَقَصُ الشَّارِبِ، وَتَقْلِيمُ الأظفارِ)). [انظر الحديث
٥٨٨٩].
مطابقته للترجمة ظاهرة، ويحيى بن قزعة بالقاف والزاي والعين المهملة
المفتوحات الحجازي، وإبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف.
والحديث مضى في اللباس في: باب قص الشارب، ومضى الكلام فيه.
قوله: ((الفطرة)) أي: سنة الأنبياء، عليهم السلام، الذين أمرنا أن نقتدي بهم.
وأول من أمر بها إبراهيم، عليه السلام، قال تعالى: ﴿وَإِذِ أَبْتَلَّى إِبْرَهِمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾
[البقرة: ١٢٤] والتخصيص بالخمس لا ينافي الرواية القائلة بأنها عشر: والسواك
والمضمضة والاستنشاق والاستنجاء وغسل البراجم، وهذه الخمسة وفيه روايات أخر.
قوله: ((الختان)) واجب على ظاهر الأقوال على الرجال والنساء. وفي قول: سنة فيها،
وبه قال مالك والكوفيون، وفي قول: واجب على الرجال دون النساء، وقد روي
مرفوعاً: الختان سنة للرجال ومكرمة للنساء ولكن هذا ضعيف: واختلفوا في وقته،
فقالت الشافعية: بعد البلوغ ويستحب في السابع بعد الولادة اقتداء بأمر رسول الله وَ لغيره
في الحسن والحسين، رضي الله تعالى عنهما، فإنه ختنهما يوم السابع من ولادتهما،
رواه الحاكم في (مستدركه) من حديث عائشة، رضي الله تعالى عنها، وقال: صحيح
الإسناد، وقال الليث: "الختان للغلام ما بين سبع سنين إلى العشر، وقال مالك: عامة ما
رأيت الختان ببلدنا إذا أشغر، وقال مكحول: إن إبراهيم، صلوات الله عليه وسلامه،
ختن ابنه إسحاق لسبعة أيام وختن ابنه إسماعيل لثلاث عشرة سنة. قوله: ((والاستحداد))
أي: استعمال الحديد لحلق العانة، وعن الشعبي: استحد الرجل إذا نور ما تحت إزاره
وهو خلاف المعهود. قوله: ((وتقليم الأظفار)) أي: قصها.
٦٢٩٨/٦٩ - حدَّثنا أبُو اليَمانِ، أخبرنا شُعَيْب بنُ أبي حَمْزَة، حدّثنا أبو الزِّنادِ،
عن الأعْرَجِ، عَنْ أبي هُرَيْرَةَ أنَّ رسولَ اللهِ وَّهِ قال: ((اخْتَتَنَ إبْرَاهِيمُ، عَلَيْهِ السَّلامُ، بَعْدَ
ثَمانِينَ سَنَةً، واخْتَتَنَ بالقَدُوم)»، مُخَفَّفَةً. [انظر الحديث ٣٣٥٦].
مطابقته للجزء الأول للترجمة ظاهرة جداً لأن إبراهيم، عليه السلام، اختتن بعد
الكبر.
وأبو اليمان الحكم بن نافع، وأبو الزناد بكسر الزاي وبالنون المخففة عبد الله بن
ذكوان، والأعرج عبد الرحمن بن هرمز. والحديث من أفراده.
قوله: ((بعد ثمانين سنة)) وقع في (الموطأ) من رواية أبي الزناد عن الأعرج عن أبي
هريرة موقوفاً على أبي هريرة: أن إبراهيم، عليه السلام، أول من اختتن وهو ابن
عشرين ومائة، واختتن بالقدوم، وعاش بعد ذلك ثمانين سنة. وفي (فوائد ابن السماك)

٤٢٣
٧٩ - كِتَابُ الاسْتِثْذَانِ / باب (٥١)
من طريق أبي أويس عن أبي الزناد بهذا السند مرفوعاً، وأكثر الروايات على ما وقع في
حديث الباب أنه اختتن وهو ابن ثمانين سنة. وقد جمع بعضهم بين الروايتين بأن
إبراهيم، عليه السلام، عاش مائتي سنة منها ثمانون غير مختون ومنها مائة وعشرون وهو
مختون، فمعنى الأول: اختتن لثمانين مضت من عمره، ومعنى الثاني لمائة وعشرين
بقيت من عمره: قلت: إنما يجمع بينهما إذا كانا متساويين في الصحة، وحديث الباب لا
يقاومه الآخر لما في صحته من النظر، على أن البعض ذهب إلى عدم صحته. قوله:
((واختتن بالقدوم)) بفتح القاف وضم الدال بتخفيفها وفي آخره ميم، قيل: هي آلة النجار،
وقيل: اسم موضع، وقال المهلب: القدوم بالتخفيف الآلة وبالتشديد الموضع، وقد
يتفق لإبراهيم، عليه السلام، الأمران يعني: أنه اختتن بالآلة وفي الموضع، وعن
يحيى بن سعيد: القدوم الفأس، وعن عبد الرزاق بسند صحيح، قال: القدوم القرية،
وعن الحازمي: قرية كانت عند حلب، وقيل: كان مجلس إبراهيم، عليه السلام، قوله:
((مخففة)) تقديره: أعني مخففة الدال.
قال أبُو عَبْدِ الله: حدثنا قُتَيْبَةُ حدثنا المُغِيرَةُ عن أبي الزِّنادِ، وقال: بالقَدُّومِ، مُشَدَّدَةً
وهُوَ مَوْضِعٌ.
أشار البخاري بهذا إلى الروايتين في القدوم، ففي رواية شعيب بن أبي حمزة عن
أبي الزناد بالتخفيف، وفي رواية المغيرة بن عبد الرحمن الحزامي عن أبي الزناد
بالتشديد أشار إليه بقوله: مشددة، أعني: بتشديد الدال.
٦٢٩٩/٧٠ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الرَّحِيم، أخبرنا عَبَّادُ بنُ مُوسَى، حدثنا
إِسْماعِيلُ بنُ جَعْفَرٍ، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أبي إسحاقَ، عَنْ سَعيدِ بنِ جُبَيْرٍ قال: سُئِلَ ابنُ
عَبّاسِ مِثْلُ مَنْ أنْتَ حِينَ قُبِضَ النبيُّ وََّ؟ قال: أنا يَوْمَئِذٍ مَخْتُونٌ، قال: وكانُوا لا يَخْتِنُونَ
الرَّجُلَ حَتَّى يُدْرِكَ.
[انظر الحديث ٦٢٩٩ - طرفه في: ٦٣٠٠].
مطابقته للترجمة في كونه مشتملاً على الختان، وهذا المقدار كافٍ. ومحمد بن
عبد الرحيم الذي يقال له صاعقة البغدادي، وعباد بتشديد الباء الموحدة ابن موسى
الختلي بضم الخاء المعجمة وفتح التاء المثناة من فوق المشددة من الطبقة السفلى من
شيوخ البخاري. وإسرائيل هو ابن يونس يروي عن جده أبي إسحاق عمرو بن عبد الله
السبيعي .
والحديث من أفراده.
قوله: ((مختون)) أي: وقع عليه الختان وهو اسم مفعول من ختن، ومراده أنه كان
أدرك حين ختن وذلك لقوله. ((وكانوا لا يختنون)) أي: كانت عادتهم أنهم لا يختنون

٤٢٤
٧٩ - كِتَابُ الاسْتِثْذَانِ / باب (٥٢)
صبيانهم إلا إذا أدركوا، وقيل: قوله: ((وكانوا ... )) ... إلى آخره مدرج، ورد بأن
الأصل أنه من كلام من نقل عنه الكلام السابق. فإن قلت: قد روى سعيد بن جبير عن
ابن عباس: قبض النبي وَلّ، وأنا ابن عشر، وروى عنه عبيد الله بن عبد الله: أتيت
النبي ◌َّ بمنّى وأنا قد ناهزت الاحتلام. قلت: الصحيح المحفوظ أن عمره عند وفاة
النبي * كان ثلاث عشرة سنة، لأهل السير قد صححوا أنه ولد بالشعب، وذلك قبل
الهجرة بثلاث سنين. وأما قوله: وأنا ابن عشر، فمحمول على إلغاء الكسر على أنه
روى أحمد من طريق آخر عنه أنه كان حينئذٍ ابن خمس عشرة سنة، قوله: ((لا يختنون))
بفتح التاء المثناة من فوق وبكسرها. قوله: ((حتى يدرك)) أي: حتى يبلغ.
٦٣٠٠ - وقال ابنُ إذْرِيسَ عَنْ أبِيهِ، عَنْ أبي إسْحاقَ، عَنْ سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابنِ
عَبَّاسِ: قُبِضَ النبيُّ نَّهِ وأنا خَتِينٌ. [انظر الحديث ٦٢٩٩].
هذا طريق وصله الإسماعيلي من طريق ابن إدريس هذا، وهو عبد الله بن
إدريس بن يزيد بن عبد الرحمن بن الأسود الأودي بفتح الهمزة وسكون الواو وبالدال
المهملة الكوفي، وقال الکرماني: أحد الأعلام کان نسيج وحده، وفريد زمانه یروي عن
أبيه إدريس، وإدريس يروي عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي عن سعيد بن
جبير.
٥٢ - بابٌ كلُّ لَهْوِ باطِلٌ إذا شَغَلَهُ عَنْ طَاعَةِ الله
أي: هذا باب ترجمته: كل لهو باطل، وهي لفظ حديث أخرجه أحمد والأئمة
الأربعة من حديث عقبة بن عامر رفعه: ((كل ما يلهو به المرء المسلم باطل إلاَّ رمية
بقوسه، وتأديب فرسه، وملاعبة أهله)). ولما لم يكن هذا الحديث على شرطه جعل منه
ترجمة ولم يخرجه في (الجامع). قوله: ((كل لهو))، كلام إضافي مرفوع على الابتداء.
قوله: ((باطل)) خبره. قوله: ((إذا شغله)) الضمير المرفوع فيه يرجع إلى اللهو، والمنصوب
إلى اللاهي يدل عليه لفظ: اللهو، وقيد بقوله: إذا شغله ... الخ، لأنه إذا لم يشغله عن
طاعة الله يكون مباحاً، وعليه أهل الحجاز. لا يُرى أن الشارع أباح للجاريتين يوم العيد
الغناء في بيت عائشة من أجل العيد، كما مضى في كتاب العيدين، وأباح لها النظر إلى
لعب الحبشة بالحراب في المسجد؟ ووجه ذكر هذا الباب في كتاب الاستئذان من حيث
إن اللهو لا يكون إلاّ في المنازل، ومنه القمار فلا يكون إلاّ في منزل خاص ودخول
المنزل يحتاج إلى الاستئذان.
وَمَنْ قال لِصاحِهِ: تَعالَ أُقامزكَ.
هذا عطف على ما قبله ومعناه: من قال هذا ما يكون حكمه. قوله: ((تعال)) أمر

٤٢٥
٧٩ - كِتابُ الاسْتِثْذَانِ / باب (٥٢)
من: تعالى يتعالى تعالياً، تقول: تعال تعاليا تعالوا تعالي للمرأة تعاليا تعالين، ولا
يتصرف منه غير ذلك، وقال الجوهري: ولا يجوز أن يقال منه: تعاليت، ولا ينهى
منه، وقال غيره: يجوز تعاليت.
وقَوْلُهُ تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِى لَهْوَ اُلْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [لقمان: ٦].
هذا هكذا في رواية الأصيلي وكريمة وفي رواية أبي ذر والأكثرين: وقوله ومن
الناس ﴿مَنْ يَشْتَرِى لَهْوَ ... الْحَدِيثِ﴾ الآية. وتمام الآية: ﴿لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ
عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًّا أُوْلَكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [لقمان: ٦] ووجه ذكر هذه الآية عقيب الترجمة
المذكورة أنه جعل اللهو فيها قائداً إلى الضلال صاداً عن سبيل الله فهو باطل، وقيل :
ذكر هذه الآية لاستنباط تقييد اللهو بالترجمة من مفهوم قوله تعالى: ﴿ليُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ
بِغَيْرِ عِلَّمٍ﴾ فإن مفهومه أنه إذا اشتراه لا ليضل لا يكون مذموماً، وكذا مفهوم الترجمة أنه
إذا لم يشغله اللهو عن طاعة الله لا يكون مذموماً، كما ذكرناه الآن.
واختلف المفسرون في اللهو في الآية، فقال ابن مسعود: الغناء وحلف عليه
ثلاثاً، وقال: الغناء ينبت النفاق في القلب، وقاله مجاهد أيضاً، وقيل: الاستماع إلى
الغناء وإلى مثله من الباطل، وقيل: ما يلهاه من الغناء وغيره، وعن ابن جريج:
الطبل، وقيل: الشرك، وعن ابن عباس: نزلت هذه الآية في رجل اشترى جارية تغنيه
ليلاً ونهاراً، وقيل: نزلت في النضر بن الحارث وكان يتجر إلى فارس فيشتري كتب
الأعاجم فيحدث بها قريشاً، ويقول: إن كان محمد يحدثكم بحديث عاد وثمود فأنا
أحدثكم بحديث رستم وبهرام والأكاسرة وملوك الحيرة، فيستملحون حديثه ويتركون
استماع القرآن. قوله: ﴿يُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أخذ البخاري منه قوله في الترجمة: إذا
شغله عن طاعة الله، والمراد من: ﴿سَبِيلِ اللَّهِ﴾ القرآن، وقيل: دين الإسلام، وقرىء:
ليضل، بضم الياء وفتحها.
٦٣٠١/٧١ - حدَّثْنا يَحْيَّى بنُ بُكَيْرٍ، حدثنا اللَّيْثُ، عنْ عُقَيْلٍ، عن ابنِ شهابٍ
قال: أخبرني حُمَيْدُ بنُ عَبْدِ الرَّحْمُنِ أنَّ أبا هُرَيْرَةَ قال: قال رسولُ اللهِ وََّ: «مَنْ حَلَفَّ
مِنْكُمْ فقال في حَلِفِهِ: بالّلاتِ والعُزَّى، فَلْيَقُلْ: لاَ إِلَهَ إلاّ الله، ومَنْ قال لِصاحِبِهِ: تعال
أُقَامِرْكَ، فَلْيَتَصَدَّقْ)).
[انظر الحديث ٤٨٦٠ وطرفيه].
مطابقته للترجمة من حيث إن الحلف باللات لهو شاغل عن الحلف بالحق فيكون
باطلاً .
ورجال الحديث قد ذكروا غير مرة.
والحديث مضى في التفسير في سورة: والنجم، عن عبد الله بن محمد عن

٤٢٦
٧٩ - كِتابُ الاسْتِئْذَانِ / باب (٥٣)
هشام بن يوسف عن معمر عن الزهري عن حميد، ومضى أيضاً في الأدب. وأخرجه
بقية الجماعة، ومضى الكلام فيه هناك.
قوله: ((فليقل))، إنما قال ذلك لأنه تعاطى صورة تعظيم الأصنام حين حلف بها،
فأمر أن يتداركه بكلمة التوحيد أي: كفارته كلمة الشهادة، وكفارة الدعوى إلى القمار
التصدق بما يطلق عليه اسم الصدقة. قوله: ((ومن قال لصاحبه ... )) إلى آخره مطابق
لقوله في الترجمة كذلك، ولم يختلف العلماء في تحريم القمار لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَثُرُ
وَاُلْمَيْسِرُ﴾ [المائدة: ٩٠] الآية. واتفق أهل التفسير على أن الميسر هنا القمار، وكان أهل
الجاهلية يجعلون جعلاً في المقامرة ويستحقونه بينهم، فنسخ الله تعالى أفعال الجاهلية
وحرم القمار وأمرهم بالصدقة عوضاً مما أرادوا استباحته من الميسر المحرم، وكانت
الكفارة من جنس الذنب لأن المقامر لا يخلو إما أن يكون غالباً أو مغلوباً فإن غالباً
فالصدقة كفارة لما كان يدخل في يده من الميسر، وإن كان مغلوباً فإخراجه الصدقة
لوجه الله تعالى أولى من إخراجه عن يده شيئاً لا يحل له إخراجه.
٥٣ - بابُ ما جاءَ في البِناء
أي: هذا باب ما جاء في البناء وذمه من الأخبار، والبناء أعم من أن يكون من
طين أو حجر أو خشب أو قصب ونحو ذلك، وقد ذم الله عز وجل من بنى ما يفضل
عما يكنه من الحر والبرد ويستره عن الناس فقال: ﴿أَثَبَّنُونَ بِكُلِّ رِيع ◌َايَةٌ تَعْبَثُونَ
وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾ [الفرقان: ١٢٨ - ١٢٩] يعني: قصوراً، وقد جاء عن رسول
الله وَلّ، أنه قال: ((ما أنفق ابن آدم في التراب فلن يخلف له ولا يؤجر عليه)). وأما من
بنى ما يحتاج إليه ليكنه من الحر والبرد والمطر فمباح له ذلك، وكذلك كان السلف
يفعلون. ألا ترى إلى قول ابن عمر، رضي الله تعالى عنهما، بنيت بيتي بيدي يكنني من
المطر ... إلى آخره، وروى ابن وهب وابن نافع عن مالك قال: كان سليمان يعمل
الخوص بيده وهو أمير، ولم يكن له بيت إنما كان يستظل بالجدر والشجر، وروى ابن
أبي الدنيا من رواية عمارة بن عامر: إذا رفع الرجل فوق سبعة أذرع نودي: يا فاسق إلى
أين؟.
قال أبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النبيِّ وَّهِ: مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ إِذَا تَطَاوَلَ رِعاءُ البَهْمِ في البُثْيانِ.
هذا التعليق مضى موصولاً مطولاً في كتاب الإيمان في: باب سؤال جبريل، عليه
السلام، النبي وَ﴿ عن الإيمان، فإنه أخرجه هناك عن مسدد ... إلى آخره. ومضى
الكلام فيه هناك. قوله: ((من أشراط الساعة)) أي: من علامات يوم القيامة، وهو جمع
شرط بفتحتين وإنما جمع جمع القلة مع أن العلامات أكثر من العشرة لأن بين الجمعين
:

٤٢٧
٧٩ - كِتابُ الاسْتِذَانِ / باب (٥٣)
معارضة، أو أن الفرق بينهما في الجموع النكرة لا في المعارف. قوله: ((رعاة البهم))،
بضم الراء وبتاء التأنيث في آخره، هكذا في رواية الأكثرين وفي رواية الكشميهني:
رعاء، بكسر الراء وبالهمزة مع المد، وقال ابن الأثير: الرعاء بالكسر والمد جمع راعي
الغنم، وقد يجمع على رعاة بالضم، والبهم بضم الباء جمع الأبهم وهو الذي يخلط
لونه شيء سوى لونه، وبفتحها جمع البهمة وهي أولاد الضأن، وقيل: البهم أيضاً
المجتمعة منها، ومن أولاد المعز وحاصله: أن الفقراء من أهل البادية تبسط لهم الدنيا
يتباهون في إطالة البنيان وهؤلاء الذين يقولون: بلاد مصر والشام كانوا في بلادهم لا
يملكون شيئاً وهم في أضيق المعيشة وغالبهم كانوا رعاة وأنهم يبنون كل قصر من خزف
يصرف عليه أكثر من قنطار من ذهب ويسرفون في المآكل والمشارب والملابس بما لا
يرضى الله به ولا رسوله والأمر لله الواحد القهار.
٦٣٠٢/٧٢ - حدَّثنا أبُو نُعَيْم، حدثنا إسحاقُ ـ هُوَ ابنُ سَعِيدٍ، - عَنْ سَعيد عنِ ابنِ
عُمَرَ، رضي الله عنهما، قال: رأيْتُنِي مَعَ النبيِّ وَّهِ، بَنَيْتُ بِيَدِي بَيْتاً يُكِنُنِي مِنَ المَطَرِ،
ويُظِلُّنِي مِنَ الشَّمْسِ ما أعانَنِي عَلَيْهِ أحَدٌ مِنْ خَلْقِ الله .
مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: ((بنيت بيدي)) واعترض الإسماعيلي على البخاري
فقال: أدخل هذا الحديث في البناء بالطين والمدر والخزف إنما هو في بيت الشعر، لأنه
أخرج هذا الحديث، وفي روايته بيتاً من شعر، ورد عليه بأن هذه الزيادة ضعيفة عندهم،
وعلى تقدير ثبوتها فليس في الترجمة تقييد بالطين وغيره.
وأبو نعيم الفضل بن دكين وإسحاق هو ابن سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص
الأموي القرشي، وإسحاق هذا سكن مكة، وقد روى هذا الحديث عن والده وهو المراد
بقوله: عن سعيد عن عبد الله بن عمر،- رضي الله تعالى عنهما.
والحديث أخرجه ابن ماجه في الزهد عن محمد بن يحيى عن أبي نعيم به .
قوله: ((رأيتني)) ضمير الفاعل والمفعول عبارة عن شخص واحد ومعناه: رأيت
نفسي. قوله: (مع النبي ◌َّر)) أي: في زمن النبي ◌َّر. قوله: ((يكنني)) بضم الياء من
أكن إذا وقى، قال ابن الأثير: كذا قرأناه، وعن الكسائي: كنت الشيء سترته وصنته من
الشمس، وأكننته في نفسي أسرته، وقال أبو زيد: كننته وأكننته بمعنى واحد في الكن
بالكسر، وفي النفس جميعاً تقول: كنت العلم وأكننته وكنت الجارية وأكننتها. قوله:
((ما أعانني عليه)) أي: على بناء هذا البيت أحد من الناس، وهذا تأكيد ل قوله: (بنيت
بیدي بيتاً»، وإشارة إلى خفة مؤنته.
٦٣٠٣/٧٣ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله، حدّثنا سُفْيانُ، قال عَمْرو: قال ابنُ عُمَرَ :
والله ما وَضَعْتُ لَبِنَةٌ، على لَبِنَّةٍ ولا غَرَسْتُ نَخْلَةً مُنْذُ قُبِضَ النبيُّ وََّ. قال سُفْيانُ: فَذَكَرْتُهُ

٤٢٨
٧٩ - كِتَابُ الاسْتِذَانِ / باب (٥٣)
لِيَغْضِ أهْلِهِ قال: والله لَقَدْ بَنى، قال سُفْيَانُ: قُلْتُ: فَلَعَلَّهُ قال: قَبْلَ أنْ يَبْنِيَ؟.
مطابقته للترجمة أيضاً ما ذكر في الذي قبله. وعلي بن عبد الله هو ابن المديني،
وسفيان هو ابن عيينة وعمرو هو ابن دينار.
قوله: ((منذ قبض)) أي: منذ توفي النبي وَلّر. قوله: ((والله لقد بنى)) أي: بيتاً،
وفي رواية الكشميهني: لقد بنى بيتاً. قوله: ((قال سفيان: فلعله)) أي: فلعل ابن عمر
((قال: قبل أن يبني)) يعني: قبل البناء، وهذا اعتذار حسن من سفيان. وقال الكرماني:
ويروى: قبل أن يبتني، أي: قبل أن يتزوج، ويحتمل أنه أراد الحقيقة أي البناء بيده،
والمباشرة بنفسه، ولعله أراد التسبب بالأمر به ونحوه، والله أعلم. ويحتمل أنه يكون
الذي نفاه ابن عمر ما زاد على حاجته، والذي أثبته بعض أهله بناء بيت لا بد له منه أو
إصلاح ما وهى من بيته، والله المتعال أعلم بحقيقة الحال.
:

بِسْمِ اللَّهِ الرََّمَنِ الرَّحِيمَةِ
٨٠ - كِتابُ الدَّعَواتِ
أي: هذا كتاب في بيان الدعوات، وهو جمع دعوة بفتح الدال وهو مصدر يراد به
الدعاء، يقال: دعوت الله أي: سألته، والدعاء واحد الأدعية وأصله دعا ولأنه من
دعوت إلاَّ أن الواو لما جاءت بعد الألف همزت، والدعاء إلى الشيء الحث على فعله،
ودعوت فلاناً سألته، ودعوته استعنته، ويطلق أيضاً على رفعة القدر كقوله تعالى: ﴿لَيْسَ
لَهُ دَعْوَةٌ فِ الدُّنْيَا وَلَا فِ الْآَخِرَةِ﴾ [غافر: ٤٣] ويطلق أيضاً على العبادة، والدعوى بالقصر
الدعاء كما في قوله تعالى: ﴿وَءَاخِرُ دَعْوَنَهُمْ﴾ [يونس: ١٠] والادعاء كقوله تعالى: ﴿فَمَا
كَانَ دَعْوَنُهُمْ إِذْ جَآءَهُم بَأْسُنَآ﴾ [الأعراف: ٥] ويطلق الدعاء أيضاً على التسمية كقوله عز
وجل: ﴿لَّا تَجْعَلُواْ دُعَآءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور: ٦٣] وقال الراغب:
الدعاء والنداء واحد، لكن قد يتجرد النداء عن الاسم، والدعاء لا يكاد يتجرد.
وَقَوْلِهِ تعالى: ﴿أَدْعُونِيِّ أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْرُونَ عَنْ عِبَادَتِ سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ
دَلِخِرِين﴾ [غافر: ٦٠].
١ - باب لكل نبي دعوةٌ مستجابةٌ
وقوله بالجر عطف على الدعوات وفي بعض النسخ قول الله تعالى: ﴿أَدْعُونِيّ
أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ برفع قول الله، وفي بعضها: وقول الله عز وجل: ﴿أَدْعُونِيّ﴾ وفي رواية
أبي ذر: وقول الله تعالى: ﴿أَدْعُونِيّ أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ الآية، وفي رواية غيره ساق الآية إلى
﴿دَاخِرِينَ﴾ وأول الآية قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ أُدْعُونِ﴾ الآية. قوله: ﴿أُدْعُونِيّ﴾
أي: وحدوني واعبدوني دون غيري أجبكم وأغفر لكم وأثبكم، قاله أكثر المفسرين:
دليله سياق الآية، ويقال: هو الدعاء والذكر والسؤال. قوله: ((عن عبادتي)) أي:
توحيدي وطاعتي، وقال السدي: أي عن دعائي. قوله: ﴿دَاخِرِينَ﴾ أي: صاغرين
أذلاء. وظاهر هذه الآية يرجح الدعاء على تفويض الأمر إلى الله تعالى، وقالت طائفة:
الأفضل ترك الدعاء والاستسلام للقضاء، وأجابوا عن الآية: بأن آخرها دل على أن
المراد بالدعاء العبادة ل قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْمُونَ عَنْ عِبَادَتِ﴾ واستدلوا بحديث
٤٢٩

٤٣٠
٨٠ - كِتابُ الدَّعَواتِ / باب (١)
نعمان بن بشير عن النبي ◌َّر، قال: الدعاء هو العبادة، ثم قرأ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمْ أَدْعُونِيّ
أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْثِرُونَ عَنْ عِبَادَتِى ... ﴾ .. الآية. أخرجه الأربعة وصححه
الترمذي والحاكم، وشذت طائفة فقالوا: المراد بالدعاء في الآية ترك الذنوب، وأجاب
الجمهور بأن الدعاء من أعظم العبادة فهو كالحديث الآخر: الحج عرفة، أي: معظم
الحج وركنه الأكبر، ويؤيده ما رواه الترمذي من حديث أنس رفعه: الدعاء مخ العبادة،
وقد تواترت الآثار عن النبي ◌َّ ق9، بالترغيب في الدعاء والحق عليه لحديث أبي هريرة
رفعه: ليس شيء أكرم على الله من الدعاء، أخرجه الترمذي وابن ماجه وصححه ابن
حبان والحاكم، وحديثه رفعه: من لم يسأل الله يغضب عليه، أخرجه أحمد والترمذي
وابن ماجه، وقال الطيبي شيخ شيخ أبي الروح السرماري: إن من لم يسأل الله یبغضه،
والمبغوض مغضوب عليه، والله يحب أن يسأل. وأخرج الترمذي من حديث ابن مسعود
رفعه: سلوا الله من فضله فإن الله يحب أن يسأل، وروى الطبراني من حديث عائشة،
رضي الله تعالى عنها، إن الله يحب الملحين في الدعاء.
قوله: ((ولكل نبي دعوة مستجابة)) وفي رواية أبي ذر: باب، بالتنوين، ولكل نبي
دعوة مستجابة، وليس في غير رواية أبي ذر لفظ: باب، فعلى رواية أبي ذر هذه اللفظة
ترجمة مستقلة، وعلى رواية غيره من جملة الترجمة الماضية.
٦٣٠٤/١ - حدَّثنا إسْماعِيلُ، قال: حدثني مالِكٌ عَنْ أبي الزِّنادِ، عَنِ الأعْرَجِ عَنْ
أبي هُرَيْرَةَ، رضي الله عنه، أنَّ رسولَ اللهِ وَهَ قال: ((لِكُلِّ نَبِيِّ دَعْوَةٌ يَدْعُو بِها، وأُرِيدُ أنْ
أُخْتَبِىءَ دَعْوَتِي شَفاعَةً لأُمَّتِي في الآخِرَةِ). [انظر الحديث ٦٣٠٤ - طرفه في: ٧٤٧٤].
مطابقته للترجمة ظاهرة. وإسماعيل هو ابن أبي أويس، وأبو الزناد بكسر الزاي
وتخفيف النون عبد الله بن ذكوان، والأعرج هو عبد الله بن هرمز. والحديث من
أفراده.
قوله: ((يدعو بها)) أي: بهذه الدعوة، وفي رواية: فتعجل كل نبي دعوته وإني
اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة، وفي رواية أبي هريرة الآتية في التوحيد: فأريد
إن شاء الله أن أختبىء، وزيادة إن شاء الله، في هذه للتبرك، ولمسلم في رواية أبي
صالح عن أبي هريرة: إني اختبأت، وفي رواية أنس: فجعلت دعوتي، وزاد يوم
القيامة، فإن قلت: وقع للكثير من الأنبياء، عليهم السلام، من الدعوات المجابة ولا
سيما نبينا وصل﴾، وظاهره أن لكل نبي دعوة مجابة فقط. قلت: أجيب بأن المراد بالإجابة
في الدعوة المذكورة القطع بها وما عدا ذلك من دعواتهم فهو على رجاء الإجابة،
وقيل: معنى قوله: ((لكل نبي دعوة)) أي: أفضل دعواته، وقيل: لكل منهم دعوة عامة
مستجابة في أمته إما بإهلاكهم وإما بنجاتهم. وأما الدعوات الخاصة فمنها ما يستجاب

٤٣١
٨٠ - كِتابُ الدَّعَواتِ / باب (٢)
ومنها ما لا يستجاب. قلت: لا يحسن أن يقال في حق نبي من الأنبياء أن يقال: من
دعواته ما لا يستجاب، والمعنى الذي يليق بحالهم أن يقال: من دعواتهم ما يستجاب
في الحال، ومنها ما يؤخر إلى وقت أراده الله عز وجل، أن أختبىء أي: أدخر وأجعلها
خبيئة .
٦٣٠٥ - وقال لِي خَلِيفَةُ: قال مُعْتَمِرٌ: سَمِعْتُ أبي، عَنْ أَنَس عَنِ النبيِّ ◌َِِّ، قال:
(كُلِّ نَبِيّ سألَ سُؤْلاً - أوْ قال: لِكُلِّ نَبِيّ دَعْوَةٌ قَدْ دَها بِها - فاسْتُجِيبَ فَجَعَلْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً
لأَمَّتِي يَوْمَ القِيامَةِ».
خليفة هو ابن خياط أبو عمرو العصفري البصري، هكذا وقع: قال لي خليفة، في
رواية الأصيلي وكريمة، ووقع في رواية الأكثرين: وقال معتمر، هو ابن سليمان التميمي
فعلى الرواية الأولى الحديث متصل، وقد وصله أيضاً مسلم فقال: حدثنا محمد بن عبد
الأعلى أخبرنا المعتمر عن أبيه عن أنس بن مالك أن نبي الله وَل فير قال ... فذكر نحو
حديث قتادة عن أنس، وحديث قتادة عن أنس: أن نبي الله وَ ﴿ قال: لكل نبي دعوة
دعاها لأمته، وأما اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة. قوله: ((سؤلاً)) بضم السين
وسكون الهمزة المطلوب. قوله: ((أو قال)» شك من الراوي.
٢ - بابُ أفْضَلِ الاسْتِغْفارِ
أي: هذا باب في بيان أفضل الاستغفار، وسقط لفظ: باب، في رواية أبي ذر،
ووقع لابن بطال: فضل الاستغفار، وقال الكرماني قوله: أفضل الاستغفار، فإن قلت:
معنى الأفضل الأكثر ثواباً عند الله، فما وجهه هنا إذ الثواب للمستغفر لا له؟ قلت: هو
نحو مكة أفضل من المدينة أي: ثواب العابد فيها أفضل من ثواب العابد في المدينة،
فالمراد: المستغفر بهذا النوع من الاستغفار أكثر ثواباً من المستغفر بغيره.
وَيُمْدِذَكُرْ
وقَوْلِهِ تعالى: ﴿أَسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَُّ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَّمَآَ عَيْكُم مِّدْرَارًا (1
بِأَقَّوَلٍ وَبِنَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّتٍ وَنَجْعَل ◌َّكُمْ أَنْهَرًا﴾ [نوح: ١٠] ﴿وَلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ
أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَأَسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّ اَللَهُ وَلَمْ يُصِرُوا عَلَى مَا فَعَلُواْ
وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٥].
وقوله بالجر عطف على قوله: ((أفضل الاستغفار))، وفي بعض النسخ واستغفروا،
بالواو وكذا وقع في رواية أبي ذر والصواب ترك الواو، فإن القرآن: ﴿فَقُلْتُ أَسْتَغْفِرُواْ
رَبَّكُمْ﴾ وفي رواية أبي ذر أيضاً هكذا ﴿أَسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ الآية. وفي رواية
غيره ساقها إلى قوله: ﴿أَنَّهَرًا﴾ كما في كتابنا هذا، وأشار بالآيتين إلى إثبات مشروعية
الحث على الاستغفار فلذلك ترجم بالأفضلية، وأشار بالآية الثانية إلى أن بالاستغفار

٤٣٢
٨٠ - كِتابُ الدَّعَواتِ / باب (٢)
يحصل كل شيء، ويؤيد هذا ما ذكره الثعلبي أن رجلاً أتى الحسن البصري، رضي الله
عنه، فشكا إليه الجدوبة فقال له الحسن: استغفر الله، وأتاه آخر فشكا إليه الفقر، فقال
له: استغفر الله، وأتاه آخر فقال: ادع الله لي أن يرزقني ابناً، فقال: استغفر الله، وأتاه
آخر فشكا إليه جفاف بساتينه، فقال له: استغفر الله، فقيل له: أتاك رجال يشكون أبواباً
ويسألون أنواعاً فأمرتهم كلهم بالاستغفار، فقال: ما قلت من ذات نفسي في ذلك شيئاً
إنما اعتبرت فيه قول الله عز وجل حكاية عن نبيه نوح، عليه السلام، أنه قال لقومه.
﴿أَسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ﴾ الآية، والآية الثانية هكذا في رواية أبي ذر ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَحِشَةً
أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ وساق غيره إلى قوله: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ كما في كتابنا. قوله: ((يرسل
السماء)) أي: المطر. قوله: ((مدراراً)) حال من السماء. قوله: ((فاحشة)) أي: الزنى.
٦٣٠٦/٢ - حدَّثنا أبُو مَعْمَرٍ، حدثنا عَبْدُ الوارِثِ، حدثنا الحُسَیْنُ، حدثنا
عَبْدُ الله بنُ بُرَيْدَةَ، عَنْ بُشَيْرِ ابنِ كَعْبِ العَدَوِيٌّ، قال: حدثني شَدَّادُ بنُ أوْسٍ، رضي الله
عنه، عَنِ النّبِيِّ نََّ، قال: ((سَيِّدُ الاسْتِغْفَارِ أنْ تَقُولَ: اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي لا إلهَ إلاَّ أنْتَ،
خَلَقْتَنِي وأنا عَبْدُكَ وأنا عَلى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ ما اسْتَطَعْتُ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ ما صَنَعْتُ، أَبُوءُ
لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ، وأَبُوءُ بِذَنْبِي فَاغْفِرْ لِي فإِنَّهُ لا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلاَّ أَنْتَ، قال: ومِنْ قالَها مِنَ
الَّهارِ مُوقناً بِها فَماتَ مِنْ يَوْمِهِ، قَبْلَ أنْ يُمْسِيَ فَهُوَ مِنْ أهْلِ الجَنَّةِ، ومَنْ قالَها مِنَ اللَّيْلِ وَهْوَ
مُوقِنَّ بِها فَماتَ قَبْلَ أنْ يُصْبِحَ فَهُوَ مِنْ أهْلِ الجَنَّةِ)). [انظر الحديث ٦٣٠٦ - طرفه في: ٦٣٢٣].
مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: ((سيد الاستغفار)) لأن السيد في الأصل الرئيس
الذي يقصد في الحوائج، ويرجع إليه في الأمور، ولما كان هذا الدعاء جامعاً لمعاني
التوبة كلها استعير له هذا الاسم، ولا شك أن سيد القوم أفضلهم، وهذا الدعاء أيضاً
سيد الأدعية وهو الاستغفار.
وأبو معمر بفتح الميمين عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج المنقري المقعد،
وعبد الوارث بن سعيد العنبري البصري، والحسين هو ابن ذكوان المعلم، وعبد الله بن
بريدة بضم الباء الموحدة وفتح الراء ابن الحصيب الأسلمي، وبشير بضم الباء الموحدة
وفتح الشين المعجمة ابن كعب العدوي، وشداد بفتح الشين المعجمة وتشديد الدال
المهملة الأولى ابن أوس بن ثابت بن المنذر بن حرام بمهملتين الأنصاري ابن أخي
حسان بن ثابت الشاعر، وشداد صحابي جليل نزل الشام وكنيته أبو يعلى، واختلف في
صحبة أبيه، وليس لشداد في البخاري إلاَّ هذا الحديث.
وأخرجه النسائي أيضاً في الاستعاذة عن عمرو بن علي، وفي اليوم والليلة عنه
أيضاً.
قوله: ((سيد الاستغفار)) قيل: ما الحكمة في كونه سيد الاستغفار؟ وأجيب: بأنه

٤٣٣
٨٠ - كِتابُ الدَّعَواتِ / باب (٣)
وأمثاله من التعبديات، والله تعالى أعلم بذلك، لكن لا شك أن فيه ذكر الله تعالى بأكمل
الأوصاف وذكر نفسه بأنقص الحالات، وهو أقصى غاية التضرع ونهاية الاستكانة لمن لا
يستحقها إلاَّ هو. قوله: ((أن تقول)) بصيغة المخاطب، وقال بعضهم: أن يقول، أي:
العبد، واعتمد لما قاله على ما رواه أحمد والنسائي أن سيد الاستغفار أن يقول العبد،
وذكر أيضاً ما رواه الترمذي عن شداد: ألاَّ أدلك على سيد الاستغفار؟ قلت: رواية
أحمد لا تستلزم أن يقدر هنا أي: العبد، على أن التقدير خلاف الأصل ورواية الترمذي
تؤيد ما ذكرنا وتدفع ما قاله على ما لا يخفى. ((لا إله إلاَّ أنت خلقتني)) ويروى: لا إله
إلاَّ أنت أنت خلقتني. قوله: ((وأنا عبدك)) قال الطيبي: يجوز أن تكون حالاً مؤكدة،
ويجوز أن تكون مقررة أي: أنا عابد لك، ويؤيده عطف. قوله: ((وأنا على عهدك))
وسقطت الواو منه في رواية النسائي، وقال الخطابي: يريد أنا على ما عاهدتك عليه
وواعدتك من الإيمان بك وإصلاح الطاعة لك. قوله: ((ما استطعت)) أي: قدر
استطاعتي، وشرط الاستطاعة في ذلك الاعتراف بالعجز والقصور عن كنه الواجب من
حقه تعالى، وقال ابن بطال: قوله: ((وأنا على عهدك ووعدك)) يريد به العهد الذي أخذه
الله على عباده حيث أخرجهم أمثال الذر وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم؟ فأقروا له
بالربوبية وأذعنوا له بالوحدانية، وبالوعد ما قال على لسان نبيه: أن من مات لا يشرك
بالله شيئاً وأدى ما افترض عليه أن يدخله الجنة، وقيل: وأدى ما افترض عليه، زيادة
ليست بشرط في هذا المقام. قلت: إن لم تكن شرطاً في هذا فهي شرط في غيره. وقال
الطيبي: يحتمل أن يراد بالعهد والوعد ما في الآية المذكورة. قوله: ((أبوء)) من قولهم:
باء بحقه أي: أقرّ به، وقال الخطابي: يريد به الاعتراف، ويقال: قد باء فلان بذنبه إذا
احتمله كرهاً لا يستطيع دفعه عن نفسه. قوله: ((لك)) ليست في رواية النسائي، وقال
الطيبي: اعترف أولاً بأنه أنعم عليه ولم يقيده ليشمل جميع أنواع النعم مبالغة، ثم
اعترف بالتقصير، وأنه لم يقم بأداء شكرها ثم بالغ فعده ذنباً مبالغة في التقصير وهضم
النفس. قوله: ((من قالها موقناً)) أي: مخلصاً من قلبه مصدقاً بثوابها. قوله: ((ومن قالها من
النهار)) وفي رواية النسائي: فمن قالها قوله: ((فمن أهل الجنة)) وفي رواية النسائي دخل
الجنة، وفي رواية عثمان بن ربيعة: إلاَّ وجبت له الجنة، قيل: المؤمن وإن لم يقلها فهو من
أهل الجنة. وأجيب بأنه يدخلها ابتداء من غير دخول النار لأن الغالب أن الموقن بحقيقتها
المؤمن بمضمونها لا يعصي الله تعالى، أو لأن الله يعفو عنه ببركة هذا الاستغفار.
٣ - بابُ اسْتِغْفَارِ النبيِّ ◌َ﴿ في اليَوْمِ واللَّيْلَةِ
أي: هذا باب في بيان كمية استغفار النبي ◌َّ في اليوم والليلة.
٦٣٠٧/٣ - حدَّثنا أبو اليَمانِ، أخبرنا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قال: أخبرني أبُو
YA YY A

٤٣٤
٨٠ - كِتابُ الدَّعَواتِ / باب (٤)
سَلَمَةَ بِنُ عَبْدِ الرَّحْمُنِ قال: قال أبُو هُرَيْرَةَ: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ وَّهِ، يَقُولُ: ((والله إنِّي
لِأَسْتَغْفِرُ الله وأتُوبُ في اليَوْمِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً)) .
مطابقته للترجمة من حيث إنه أوضح الإجمال الذي في الترجمة من كمية استغفار
النبي صل في اليوم، وأنه أكثر من سبعين مرة، وإنما كان يستغفر هذا المقدار مع أنه
معصوم ومغفور له لأن الاستغفار عبادة، أو هو تعليم لأمته، أو استغفار من ترك الأولى
أو قاله تواضعاً، أو ما كان عن سهو أو قبل النبوة، وقيل: اشتغاله بالنظر في مصالح
الأمة ومحاربة الأعداء وتأليف المؤلفة ونحو ذلك شاغل عن عظيم مقامه من حضوره مع
الله، عز وجل، وفراغه مما سواه، فيراه ذنباً بالنسبة إليه، وإن كانت هذه الأمور من
أعظم الطاعات وأفضل الأعمال فهو نزول عن عالي درجته فيستغفر لذلك. وقيل: كان
دائماً في الترقي في الأحوال فإذا رأى ما قبلها دونه استغفر منه، كما قيل: حسنات
الأبرار سيئات المقربين، وقيل: يتجدد للطبع غفلات تفتقر إلى الاستغفار. وقال ابن
الجوزي: هفوات الطباع البشرية لا يسلم منها أحد، والأنبياء، عليهم الصلاة والسلام، وإن
عصموا من الكبائر فلم يعصموا من الصغائر. قلت: لا نسلم ذلك، بل عصموا من الصغائر
والكبائر جميعاً قبل النبوة وبعدها، وشيخ البخاري فيه أبو اليمان هو الحكم بن نافع.
قوله: ((أكثر من سبعين مرة))، وفي حديث أنس: إني لأستغفر الله في اليوم سبعين
مرة، يحتمل فيه المبالغة ويحتمل أن يريد العدد بعينه. قوله: ((أكثر)) مبهم فيحتمل أن
يفسر بما روي عن أبي هريرة أيضاً بلفظ: إني أستغفر الله في اليوم مائة مرة، وروى
النسائي من رواية محمد بن عمرو عن أبي سلمة بلفظ: إني لأستغفر الله وأتوب إليه كل
يوم مائة مرة .
٤ - بابُ التَّوْبَةِ
أي: هذا باب في بيان التوبة، قال الجوهري: التوبة الرجوع من الذنب وكذلك
التوب، وقال الأخفش: التوب جمع توبة، وتاب إلى الله توبة ومتاباً، وقد تاب الله عليه
وفقه لها، واستتابه سأله أن يتوب، وقال القرطبي: اختلف عبارات المشايخ فيها، فقائلاً
يقول: إنها الندم، وقائل يقول: إنها العزم على أن لا يعود، وآخر يقول: الإقلاع عن
الذنب، ومنهم من يجمع بين الأمور الثلاثة، وهو أكملها، وقال ابن المبارك: حقيقة
التوبة لها ست علامات: الندم على ما مضى، والعزم على أن لا يعود، ويؤدي كل
فرض ضيعه، ويؤدي إلى كل ذي حق حقه من المظالم، ويذيب البدن الذي زينه
بالسحت والحرام بالهموم والأحزان حتى يلصق الجلد بالعظم، ثم ينشأ بينهما لحماً طيباً
إن هو نشأ، ويذيق البدن ألم الطاعة كما أذاقه لذة المعصية.

٤٣٥
٨٠ - كِتَابُ الدَّعَواتِ / باب (٤)
وقال قتادَةُ: تُوبُوا إلى الله تَوْبَةً نَصُوحاً: الصَّادِقَةُ النَّاصِحَةُ.
هذا التعليق وصله عبد بن حميد من طريق شيبان عن قتادة، وفسر قتادة التوبة
النصوح بالصادقة الناصحة، وقال صاحب (العين): التوبة النصوح الصادقة، وقيل:
سميت بذلك لأن العبد ينصح فيها نفسه ويقيها النار، وأصل نصوحاً: منصوحاً فيها إلاَّ
أنه أخبر عنها باسم الفاعل للنصح على ما ذكره سيبويه عن الخليل في قوله: ﴿عِيشَةٍ
رَّاضِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢١] أي: ذات رضَى، وكذلك توبة نصوحاً أي: ينصح فيها. وقال أبو
إسحاق: بالغة في النصح وهي الخياطة كان العصيان يخرق والتوبة ترفع، والنصاح
بالكسر الخيط الذي يخاط به، والناصح الخياط والنصيحة الاسم والنصح بالضم
المصدر، وهو بمعنى الإخلاص والخلوص والصدق، وقال الأصمعي: الناصح
الخالص من العسل وغيره مثل الناصع وكل شيء خلص فقد نصح، قال الجوهري:
نصحتك نصحاً ونصاحة، يقال: نصحه ونصح له وهو باللام أفصح، قال الله تعالى:
[الأعراف: ٦٢] ورجل ناصح الجيب أي: نقي القلب، وانتصح فلان أي:
﴿وَأَنْصَحُ لَكُـ
قبل النصيحة .
٦٣٠٨/٤ - حدَّثنا أحمَدُ بنُ يُونُسَ، حدثنا أبُو شِهابٍ، عَنْ الأعْمَشِ، عَنْ
عُمارَةَ بنِ عمَيْر، عن الحارِثِ بنِ سُوَيْدٍ، حدثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْعُودٍ حَدِثَيْنِ: أحدهما: عنٍ
النبيِّ ◌َّهِ، والآخر: عَنْ نَفْسِهِ، قال: ((إنَّ المُؤْمنَ يَرَى ذُنُوبَهُ كأنَّهُ قاعِدٌ تَحْتَ جَبَلٍ، يَخافُ
أنْ يَقَعَ عَلَيْهِ، وإنَّ الفاجِرَ يَرْی ذُنُوبَهُ كَذُبابٍ مَرَّ عَلی آنْفِهِ»، فقال بِهِ هكذا - قال أبُو شِهاب
بَيَدِهِ فَوْقَ أنْفِهِ - ثُمَّ قال: (الله أفْرَحُ بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِنْ رَجُلٍ نَزَلَ مَنْزِلاً وَبِهِ مَهْلَكَةٌ، ومَعَهُ راحِلَتُهُ
عَلَيْها طَعامُهُ وشَرابُهُ فَوَضَعَ رَأْسِهُ فَنامَ نَوْمَةً فَاسْتَنْقَظَ وَقَدْ ذَهَبَتْ راحِلَتُهُ حتى إِذَا اشْتَدَّ عَلَيْهِ
الحَرَّ والعَطَشُ - أوْ ما شاءَ الله - قال: أرْجِعُ إِلى مَكانِي، فَرَجَعَ فَنَامَ نَوْمَةً، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فإذا
راحِلَتَهُ عِنْدَهُ».
مطابقته للترجمة في قوله: ((بتوبة عبده)) وأحمد بن يونس هو أحمد بن
عبد الله بن يونس التميمي اليربوعي الكوفي، وهو قد نسب إلى جده واشتهر به، وأبو
شهاب اسمه عبد ربه بن نافع الحناط بالحاء المهملة والنون وهو أبو شهاب الحناط
الصغير، وأما أبو شهاب الحناط الكبير وهو في طبقة شيوخ هذا واسمه موسى بن نافع
وليسا أخوين، وهما كوفيان، وكذا بقية رجال السند، والأعمش سليمان، وعمارة بضم
العين المهملة وتخفيف الميم ابن عمير بضم العين وفتح الميم التيمي تيم الله من بني تيم
اللات بن ثعلبة، والحارث بن سويد التيمي تيم الرباب، وعبد الله هو ابن مسعود،
رضي الله تعالى عنه.
وفيه: ثلاثة من التابعين على نسق واحد. أولهم: الأعمش وهو من صغار

٤٣٦
٨٠ - كِتابُ الدَّعَواتِ / باب (٤)
التابعين، والثاني: عمارة بن عمير وهو من أوساطهم. والثالث: الحارث بن سويد وهو
من كبارهم.
والحديث أخرجه مسلم في التوبة عن عثمان بن أبي شيبة وغيره، ولم يذكر أن
المؤمن يرى إلى آخر القصة. وأخرجه الترمذي في الزهد عن هناد وغيره. وأخرجه
النسائي في النعوت عن محمد بن عبيد وغيره وذكر قصة التوبة فقط.
قوله: ((حديثين أحدهما عن النبي ◌َّ والآخر عن نفسه)). أي: نفس ابن مسعود،
ولم يصرح بالمرفوع إلى النبي ول﴿، وقال النووي وابن بطال أيضاً: إن المرفوع هو
قوله: (لله أفرح)) إلى آخره، والأول قول ابن مسعود، ووقع البيان في رواية مسلم مع أنه
لم يسق موقوف ابن مسعود ورواه عن جرير عن الأعمش عن عمارة عن الحارث، قال:
دخلت على ابن مسعود أعوده وهو مريض، فحدثنا بحديثين: حديثاً عن نفسه وحديثاً
عن رسول الله ( 18، قال: سمعت رسول الله وَ الل يقول: ((لله أشد فرحاً ... )) ...
الحديث. قوله: ((إن المؤمن يرى ذنوبه))، إلى قوله: ((أن يقع عليه)) السبب فيه أن قلب
المؤمن منور فإذا رأى من نفسه ما يخالف ذلك عظم الأمر عليه، والحكمة في التمثيل
بالجبل أن غيره من المهلكات قد يحصل منه النجاة بخلاف الجبل إذا سقط عليه لا
ينجو عادة. قوله: ((وأن الفاجر)) أي: العاصي الفاسق. قوله: ((كذباب مر على أنفه))
وفي رواية الإسماعيلي: يرى ذنوبه كأنها ذباب مر على أنفه، أراد أن ذنبه سهل عليه لأن
قلبه مظلم، فالذنب عنده خفيف. قوله: ((فقال به هكذا))، أي: نحاه بیده أو دفعه وذبه،
وهو من إطلاق القول على الفعل. قوله: ((قال أبو شهاب)) هو موصول بالسند المذكور.
قوله: ((بيده فوق أنفه)) تفسير منه. ل قوله: ((فقال به)). قوله: ((ثم قال)) أي: عبد الله بن
مسعود، رضي الله تعالى عنه، قوله: (لله)) اللام فيه مفتوحة للتأكيد. قوله ((أفرح))
وإطلاق الفرح على الله مجاز يراد به رضاه، وعبر عنه به تأكيد المعنى الرضا عن نفس
السامع ومبالغة في تقريره. قوله: ((بتوبة عبده)) وفي رواية أبي الربيع عند الإسماعيلي:
عبده المؤمن، وكذا عند مسلم من رواية جرير، وكذا عنده من رواية أبي هريرة. قوله:
((وبه)) أي: بالمنزل أي: فيه مهلكة بفتح الميم وكسر اللام وفتحها مكان الهلاك،
ويروى: مهلكة، على وزن اسم الفاعل، وقال بعضهم: وفي بعض النسخ بضم الميم
وكسر اللام من الرباعي. قلت: لا يقال لمثل هذا: من الرباعي، وليس هذا باصطلاح
القوم، وإنما يقال لمثل هذا: من الثلاثي المزيد فيه، وقال الكرماني: ويروى: وبيئة،
على وزن فعيلة من الوباء، وقال بعضهم: لم أقف على ذلك في كلام غيره ويلزم عليه
أن يكون وصف المذكر وهو المنزل بصفة المؤنث في قوله: وبيئة مهلكة انتهى. قلت:
عدم وقوفه على هذا لا يستلزم عدم وقوف غيره، ومن أين له الوقوف على كلام القوم
كلهم حتى يقول: لم أقف؟ ودعواه اللزوم المذكور غير صحيحة، لأن المنزل يطلق

٤٣٧
٨٠ - كِتابُ الدَّعَواتِ / باب (٤)
عليه البقعة. قوله: ((عليها طعامه وشرابه))، وزاد الترمذي في روايته: ((وما يصلحه)).
قوله: ((وقد ذهبت راحلته)). وفي رواية أبي معاوية: ((فأضلها فخرج في طلبها))، وفي
رواية مسلم: ((فطلبها)). قوله: ((أو ما شاء الله))، شك من ابن شهاب، واقتصر جرير
على ذكر العطش، ووقع في رواية أبي معاوية: ((حتى إذا أدركه الموت)). قوله:
((أرجع))، بفتح الهمزة بصيغة المتكلم. قوله: ((إلى مكاني فرجع فنام)) وفي رواية جرير:
أرجع إلى مكاني الذي كنت فيه فأنام حتى أموت، فوضع رأسه على ساعده ليموت،
وفي رواية أبي معاوية: أرجع إلى مكاني الذي أضللتها فيه فأموت فيه، فرجع إلى مكانه
فغلبته عينة، قوله: ((فإذا راحلته عنده)) كلمة: إذا للمفاجأة، وفي رواية جرير: فاستيقظ
وعنده راحلته طعامه وشرابه، وزاد أبو معاوية في روايته: وما يصلحه.
تابَعَهُ أَبُو عَوائَةَ وجَرِيرٌ عن الأعمَشِ.
أي: تابع أبا شهاب في روايته عن سليمان الأعمش أبو عوانة وهو الوضاح بن
عبد الله اليشكري، وجرير بن عبد الحميد. أما متابعة أبي عوانة فرواها الإسماعيلي عن
الحسن: أخبرنا محمد بن المثنى أخبرنا يحيى عن حماد عن أبي عوانة ... وأما متابعة
جرير فرواها البزار: حدثنا يوسف بن موسى أخبرنا جرير عن الأعمش عن عمارة عن
الحارث عن عبد الله، رضي الله تعالى عنه، ... فذكره.
وقال أبُو أسامَةَ: حدثنا الأعْمَشُ حدثنا عُمارَةُ سَمِعْتُ الحارثَ بنَ سُوَيْدٍ.
أبو أسامة حماد بن أسامة، وهذا التعليق وصله مسلم: حدثني إسحاق بن منصور
أخبرنا أبو أسامة حدثنا الأعمش عن عمارة بن عمير، قال: سمعت الحارث بن سويد
قال: حدثني عبد الله حديثين ... الحديث.
وقال شُعْبَةُ وأَبُو مُسْلم: عنِ الأعْمَشِ عن إِبْراهِيمَ النَّيْمِيِّ عنِ الحارِثِ بنِ سُوَيْدٍ.
أبو مسلم زاد المستملي في روايته عن الفربري اسمه عبيد الله كوفي قائد
الأعمش، يروي عن الأعمش عن إبراهيم بن يزيد بن شريك التيمي تيم الرباب عن
الحارث بن سويد، والمقصود من هذا أن شعبة وأبا مسلم خالفا أبا شهاب المذكور ومن
تبعه في تسمية شيخ الأعمش، فقال الأولون: عمارة، وقال هذان: إبراهيم التيمي،
وروى النسائي عن محمد بن عبيد بن محمد عن علي بن مسهر عن الأعمش عن
إبراهيم التيمي عن الحارث عن عبد الله، لله أفرح بتوبة عبده ... الحديث. وأما
عبيد الله الذي زاده المستملي فهو عبيد الله - بالتصغير - ابن سعيد بن مسلم الكوفي،
ضعفه جماعة لكن لما وافقه شعبة ترخص البخاري في ذكره.
وقال أبُو مُعاوِيَةَ: حدثنا الأعْمَشُ عن عُمارَةَ عنِ الأسْوَدِ عنْ عَبدِ الله وعنْ إِنْراهِيمَ

٤٣٨
٨٠ - كِتابُ الدَّعَواتِ / باب (٥)
التَّيْمِيّ عنِ الحَارِثِ بنِ سُوَئِدٍ عنْ عَبْدِ الله.
أبو معاوية محمد بن خازم بالمعجمتين، والأسود هو ابن يزيد النخعي، وعبد الله
هو ابن مسعود وأراد بهذا أن أبا معاوية خالف الجميع فجعل الحديث عند الأعمش عن
عمارة بن عمير، وإبراهيم التيمي جميعاً لكنه عند عمارة عن الأسود بن يزيد وعند
إبراهيم التيمي عن الحارث بن سويد، وأبو شهاب ومن تبعه جعلوه عند عمارة عن
الحارث بن سويد، ولما كان هذا الاختلاف اقتصر مسلم فيه على ما قال أبو شهاب
ومن تبعه، وصدر به البخاري كلامه فأخرجه موصولاً وذكر الاختلاف متعلقاً على
عادته، لأن هذا الاختلاف ليس بقادح.
٦٣٠٩/٥ - حدَّثنا إسْحاقُ، أخبرنا حَبَّانُ، حدثنا هَمَّامٌ، حدّثنا قَتَادَةُ، حدَّثْنَا أَنَسُ بنُ
مالِكِ عن النبيِّ وَّرَ. (ح) وحدّثنا هُذْبَةُ، حدّثنا هَمَّامٌ، حدثنا قَتَادَةُ عنْ أنَسٍ، رضي الله عنه،
قال: قال رسولُ اللهِ وَرَ: ((الله أفْرَحُ بَتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِنْ أَحَدِكُمْ سَقَطَ عَلى بَعِيرِهِ وَقَدْ أضَلَّهُ في
أرضٍ فلاٍ» .
مطابقته للترجمة ظاهرة. وأخرجه من طريقين.
الأول: عن إسحاق - قال الغساني: لعله ابن منصور - عن حبان بفتح الحاء
المهملة وتشديد الباء الموحدة ابن هلال الباهلي البصري عن همام بن يحيى عن قتادة
عن أنس.
:
والثاني: عن هدية بن خالد عن همام إلى آخره.
والحديث أخرجه مسلم في التوبة عن هدية، وعن أحمد بن سعيد الدارمي عن
حبان .
قوله: (الله)) بدون لام التأكيد في أوله. قوله: ((سقط على بعيره)) أي: وقع عليه
وصادفه من غير قصد. قوله: ((وقد أضله)) أي: أضاعه، والواو فيه للحال. قوله: ((فلاة))
أي: مفازة أي: إن الله أرضى بتوبة عبده من واجد ضالته بالفلاة.
٥ - بابُ الضَّجْعِ عَلى الشِّقِّ الأنْمَنِ
أي: هذا باب في بيان استحباب النوم على الشق الأيمن، والضجع بفتح الضاد
المعجمة وسكون الجيم مصدر من ضجع الرجل يضجع ضجعاً وضجوعاً أي: وضع
جنبه على الأرض فهو ضاجع، ويروى: باب الضجعة بكسر الضاد لأن الفعلة بالكسر
للنوع وبالفتح للمرة ويجوز هنا الوجهان، وقد مضى في كتاب الصلاة: باب الضجع
على الشق الأيمن بعد ركعتي الفجر، ووجه تعلق هذا الباب بكتاب الدعوات أنه يعلم
من سائر الأحاديث أنه وَل 9، كان يدعو عند الاضطجاع.

٤٣٩
٨٠ - كِتابُ الدَّعَواتِ / باب (٦)
٦/ ٦٣١٠ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ، حدّثنا هِشامُ بنُ يُوسُفَ، أخبرنا مَعْمَرٌ،
عنِ الزُهْرِيِّ، عنْ عُزْوَةً، عنْ عَائِشَةَ، رضي الله عنها، قَالَتْ: كانَ النِبِيُّ وَهُ يُصَلْي مِنَ
اللَّيْلِ إِخْذَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، فإِذا طَلَعَ الفَجْرُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ، ثُمَّ اضْطَجَعَ عَلى شِقْهِ
الأيْمَنِ حَتَّى يَجِيءَ المُؤْذِّنُ فَيُؤْذِنَهُ. [انظر الحديث ٦٢٦ وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((ثم اضطجع على شقه الأيمن)) وعبد الله بن محمد
الجعفي المعروف بالمسندي.
والحديث مضى في أول أبواب الوتر فإنه أخرجه هناك عن أبي اليمان عن شعيب
عن الزهري ... إلى آخره.
قوله: ((فيؤذنه)) بضم الياء من الإيذان أي: يعلمه بالصلاة.
٦ - بابُ إذا باتَ طاهِراً
أي: هذا باب في بيان فضل الشخص إذا بات طاهراً، وزاد أبو ذر في روايته
وفضله، ووردت في هذا الباب جملة أحاديث ليست على شرطه، منها: ما رواه أبو
داود والنسائي وابن ماجه من حديث معاذ مرفوعاً: ما من مسلم يبيت على ذكر وطهارة
فيستعار من الليل فيسأل الله خيراً من الدنيا والآخرة إلاَّ أعطاه إياه، ووجه تعليقه بكتاب
الدعوات هو أن فيه دعاءً عظيماً.
٧/ ٦٣١١ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ، حدّثنا مُعْتَمِرٌ، قال: سَمِعْتُ مَنْصُوراً، عنْ سَعْدِ بنِ
عُبَيْدَةَ قال: حدّثني البَراءُ بنُ عازِبٍ، رضي الله عنهما، قال: قال رسولُ اللهِ وَلّهِ: ((إذا أَتَيْتَ
مَضْجَعَكَ فَتَوَضَّأْ وُضُوءَكَ الصَّلاةِ ثُمَّ اضْطَجِعْ عَلى شِفْكَ الأَيْمَنِ، وقُلِ: اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ نَفْسِي
إِلَيْكَ، وفَوَّضْتُ أمْرِي إِلَيْكَ، والْجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ، رَهْبَةً ورَغْبَةً إِلَيْكَ، لا مَلْجَأ ولا مَنْجَا
مِنْكَ إلاَّ إِلَيْكَ، آمَنْتُ بِكِتابكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ، وبِنَبِيِّكَ الَّذِي أرْسَلْتَ، فإِنْ مُتَّ على الفِطْرَةِ،
فاجْعَلْهُنَّ آخِرَ ما تَقُولُ)). فَقُلْتُ: أسْتَذْكِرُهُنَّ وبِرَسُولِكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ. قال: ((لا، ونَبِيِّكَ
الَّذِي أَرْسَلْتَ)).
[انظر الحديث ٢٤٧ وأطرافه].
مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: ((فتوضأ وضوءك للصلاة ثم اضطجع)) ومعتمر هو
ابن سليمان، ومنصور هو ابن المعتمر، وسعد بن عبيدة بضم العين وفتح الباء الموحدة
وفي آخره تاء التأنيث أبو حمزة الكوفي، ختن أبي عبد الرحمن مات في ولاية عمر بن
هبيرة على الكوفة .
والحديث مضى في آخر كتاب الوضوء قبل كتاب الغسل عن محمد بن مقاتل عن

٤٤٠
٨٠ - كِتابُ الدَّعَواتِ / باب (٦)
عبد الله عن سفيان عن منصور عن سعيد بن عبيد عن البراء، ومضى الكلام فيه هناك.
قوله: ((مضجعك)) أي: موضع نومك. قوله: ((وضوءك)) بالنصب بنزع الخافض
أي: كوضوئك للصلاة، والأمر فيه للندب، وقال الترمذي: ليس في الأحاديث ذكر
الوضوء عند النوم إلاَّ في هذا الحديث. قوله: ((ثم اضطجع)) أصله: اضتجع لأنه من
باب الافتعال فقلبت التاء طاء. قوله: ((أسلمت نفسي إليك)) وفي رواية أبي ذر وأبي
زيد: أسلمت وجهي إليك، قيل: النفس والوجه هنا بمعنى الذات والشخص أي:
أسلمت ذاتي وشخصي لك، وقيل فيه: نظر، لأنه جمع بينهما في رواية أبي إسحاق
على ما يأتي بعد باب، ولفظه: أسلمت نفسي إليك، وفوضت أمري إليك، ووجهت
وجهي إليك، فإذا كان كذلك فالمراد بالنفس الذات، وبالوجه القصد، ويقال: معنى
أسلمت استسلمت وانقدت، والمعنى: جعلت نفسي منقادة لك تابعة لحكمك إذ لا
قدرة لي على تدبيرها ولا على جلب ما ينفعها إليها ولا رفع ما يضرها عنها. قوله:
((وفوضت)) من التفويض وهو تسليم الأمر إلى الله تعالى. قوله: ((وألجأت ظهري إليك))
أي: اعتمدت عليك في أموري كما يعتمد الإنسان بظهره إلى ما يستند إليه. قوله:
(رهبة ورغبة)) أي: خوفاً من عقابك وطمعاً في ثوابك. وقال ابن الجوزي: أسقط: من
مع ذكر الرهبة وأعمل إلى مع ذكر الرغبة وهو على طريق الاكتفاء. وأخرج النسائي بلفظ
من حيث قال: رهبة منك ورغبة إليك، وانتصابهما على المفعول له على طريق اللف
والنشر. قوله: ((لا ملجأ)) بالهمز وجاء تخفيفه، و: لا منجى، بلا همز ولكن لما جمعا
جاز أن يهمزا للازدواج، وأن يترك الهمز فيهما، وأن يهمز المهموز ويترك الآخر، فهذه
ثلاثة أوجه، ويجوز التنوين مع القصر فتصير خمسة، ونقل بعضهم عن الكرماني أنه
قال: هذان اللفظان إن كانا مصدرين يتنازعان في: منك، وإن كانا طرفينٍ فلا إذ اسم
المكان لا يعمل، وتقديره: لا ملجأ منك إلى أحد إلاَّ إليك، ولا منجى إلاَّ إليك. قلت:
لم يذكر الكرماني هذا في هذا الموضع. قوله: ((بكتابك الذي أنزلت)) يحتمل أن يراد به
القرآن، وأن يراد به كل كتاب أنزل، ووقع في رواية أبي زيد المروزي: أنزلته وأرسلته
بالضمير المنصوب فيهما. قوله: ((وبنبيك الذي أرسلت)) والرسول نبي له كتاب فهو
أخص من النبي، وقد بسطنا الكلام فيه (شرحنا للهداية) في ديباجته، وقال النووي:
يلزم من الرسالة النبوة لا العكس. قوله: ((على الفطرة)) أي: دين الإسلام. قوله: ((آخر
ما تقول)) أي: آخر أقوالك في تلك الليلة. ووقع في رواية أحمد بدل قوله: ((فإن مت
مت)) على الفطرة بنى له بيت في الجنة، ووقع في آخر الحديث في التوحيد: وإن
أصبحت أصبحت خيراً، أي: صلاحاً في الحال وزيادة في الأعمال. قوله: ((فقلت،
أستذكرهن)) القائل هو البراء كذا في رواية أبي ذر وأبي زيد المروزي، وفي رواية
غيرهما: فجعلت أستذكرهن، أي: أتحفظهن، ووقع في رواية كتاب الطهارة: فرددتها،