Indexed OCR Text

Pages 281-300

٢٨١
٧٤ - كِتَابُ الأشْرِيَةِ / باب (١٣)
١٣ - بابُ اسْتِغْذَاب المَاءِ
أي: هذا باب في بيان استعذاب الماء أي: في طلب الماء العذب، أي: الحلو.
٥٦١١/٣٥ - حدّثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ عنْ مالِكِ عنْ إِسْحَاقَ بنِ عَبْدِ الله أنهُ سمِع
أنَسَ بنَ مالِك يَقُولُ: كانَ أَبُو طَلْحَةَ أكْثَرَ أَنْصَارِيٍّ بالمَدِينَةِ مالاً منْ نَخْلِ، وكانَ أحَبَّ مالِهِ
إِلَيْهِ بَيْرُحاءَ، وكانَتْ مُسْتَقْبِلَ المَسْجِدِ، وكانَ رسولُ اللهِ﴿ يَدْخُلُها ويَشْرَبُ منْ ماءِ فِيها
طَيِّب، قال أَنَسٌ: فَلمَّا نَزَلَتْ: ﴿لَنْ ثَنَالُواْ الْبِرَّ حَّى تُنفِقُوا مِمَا تُبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢]. قامَ أَبُو
طَلْحَة فقال: يا رسولَ الله! إنَّ الله يَقُولُ: ﴿لَن نَنَالُواْ الْرّ حَقَّ تُنفِقُواْ مِنَّا تُبُّونَ﴾ وإِنَّ أَحَبَّ
مالي إلَيَّ بَيْرُحاءَ، وإنَّها صَدَقَةٌ لله أرْجُو بِرَّها وذُخْرَها عِنْدَ اللهِ، فَضَعْها يا رَسُولَ اللهِ حَيْثُ
أراكَ الله. فقال رسولُ اللهِ وَّ: ((بَخ ذُلِكَ مالٌ رابِحٌ - أوْ: رابِحْ - شَكَّ عَبْدُ الله، وقد
سَمِعْتُ مَا قُلْتَ وإنِّي أَرَى أنْ تَجْعَلَهاَ فِي الأَقْرَبِينَ)). فقال أبُو طَلَحَةَ: أفْعَلُ يا رَسُولَ الله،
فَقَسَمَها أَبُو طَلْحَةَ في أقارِبِهِ وفي بَني عَمِّه. وقال إسماعيلُ ويَحْيِى بنُ يَحْيُى: رايحٌ. [انظر
الحديث: ١٤٦١ وأطرافه].
مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: ((وكان رسول الله وَله، يدخلها ويشرب من ماء فيها
طيب)) وذلك لأنه ( 8# كان يستعذب ماءها، وذكر الواقدي من حديث سلمى - امرأة أبي
رافع - كان أبو أيوب، رضي الله تعالى عنه، حين نزل عنده النبي وَّر يستعذب له الماء من
بئر مالك بن النضر والد أنس، ثم كان أنس وهند وحارثة أبناء أسماء يحملون الماء إلى
بيوت نسائه من بيوت السقيا، وكان رباح الأسود عنده يستقي له من بئر عروس مرة ومن
بيوت سقيا مرة، وقال ابن بطال: استعذاب الماء لا ينافي الزهد ولا يدخل في الترفه
المذموم، بخلاف تطيب الماء بالمسك ونحوه، فقد كرهه مالك لما فيه من السرف، وأما
شرب الماء الحلو وطلبه فمباح قد فعله الصالحون، وليس في شرب الماء الملح فضيلة.
والحديث مضى في الزكاة في: باب الزكاة على الأقارب، فإنه أخرجه هناك عن
عبد الله بن يوسف عن مالك إلى آخره، ومضى الكلام فيه أيضاً في الوصايا عن
عبد الله بن يوسف، وفي الوكالة عن يحيى بن يحيى، وفي التفسير عن إسماعيل، وفي
تفسير بيرحاء وجوه تقدمت في الزكاة، وهو اسم بستان.
قوله: ((بخ) بفتح الموحدة وبالخاء المعجمة كلمة تقال عند المدح والرضا بالشيء،
وتكرر للمبالغة، فإن وصلت خففت ونونت وربما شددت. قوله: ((رابح - أو: رايح - شك
عبد الله)) بن مسلمة فيه فالأول بالباء الموحدة من الربح، والثاني بالياء آخر الحروف من
الرواح. قوله: ((وقال إسماعيل)) هو ابن أبي أويس ابن أخت مالك بن أنس، ويحيى بن
يحيى بن بكير أبو زكريا التميمي الحنظلي. قوله: ((رايح)) يعني بالياء من الرواح.

٢٨٢
٧٤ - كِتَابُ الأشْرِبَةِ / باب (١٤)
١٤ - باب شُرْبِ اللّبَنِ بالمَاء
أي: هذا باب في بيان شرب اللبن ممزوجاً بالماء، وقيده بالشرب احترازاً عن الخلط
عند البيع، فإنه غش، ووقع في رواية الكشميهني: باب شوب اللبن بالماء، بالواو بدل
الراء، والشوب الخلط. قيل: مقصود البخاري أن ذلك لا يدخل في النهي عن الخليطين،
وإنما كانوا يمزجون اللبن بالماء عند الشرب، لأن اللبن عند الحلب يكون حاراً، وتلك
البلاد في الغالب حارة فكانوا يكسرون حر اللبن بالماء البارد.
٥٦١٢/٣٦ - حدّثنا عبدانُ، أخبرنا عبْدُ الله، أخبرنا يُونُسُ، عنِ الزُّهْرِيِّ قال:
أخبرني أنَسُ بنُ مالِكِ، رضي الله عنه، أنَّهُ رَأى رسولَ الله وَلِهِ شَرِبَ لَبَناً وأَتَى داره فَحَلبْتُ
شاةً فَشُبْتُ لِرَسُولِ اللهِ وَّهِ مِن البِثْرِ، فَتَناوَل القَدحِ فَشَرَبَ وعنْ يَسارِهِ أَبُو بَكْرٍ وعَنْ يَمِينِهِ
أعرَابِيٍّ فأعْطَى الأغْرَابِيَّ فَضْلَهُ ثُمَّ، قال: ((الأنْمَنَ فالأيمَنَ)). [انظر الحديث: ٢٣٥٢ وطرفيه].
مطابقته للترجمة ظاهرة وعبدان لقب عبد الله بن عثمان المروزي، وقد تكرر ذكره،
وعبد الله هو ابن المبارك المروزي ويونس هو ابن يزيد الأيلي، والزهري هو محمد بن
مسلم.
والحديث مضى في كتاب الهبة، ولكن من رواية أبي طوالة عن أنس.
قوله: ((وأتى داره)) أي: دار أنس، والواو فيه للحال. قوله: ((فشبت)) أي: خلطت
لأجل رسول الله * ماء من البئر وهو من الشوب بلفظ المتكلم، ووقع في رواية
الأصيلي: شيب، بكسر الشين وسكون الياء وفتح الباء على صيغة المجهول. قوله: ((وعن
يساره أبو بكر)) وفي رواية أبي طوالة عن يونس التي تقدمت في الهبة: وعمر، رضي الله
تعالى عنه، تجاهه. قوله: ((فأعطى الأعرابي فضله))، أي: فضل اللبن الذي فضل منه في
الإناء بعد شربه، قيل: الأعرابي هو خالد بن الوليد، ولم يصح لأنه لا يقال لمثل خالد
أعرابي. قوله: ((الأيمن)) تقديره: يقدم الأيمن، أو الأيمن مقدم لفضل الأيمن على الأيسر.
٥٦١٣/٣٧ - حدّثنا عبدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ، حدَّثنا أبُو عامِرٍ، حدثنا فُلْحُ بن سُليمانَ،
عَن سَعيدِ بنِ الحارثِ عنْ جابِرِ بنِ عِبْدِ الله، رضي الله عنهما، أنَّ النبيَّ بََّ، دَخَلَ عَلى
رجُلِ مِنَ الأنْصارِ ومَعَهُ صاحبُ لهُ، فقال لهُ النبيُّ وَّهُ: ((إن كان عِنْدَكَ ماءٌ باتَ هَذِهِ اللَّيْلَةَ
في شَنةٍ وإلاَّ كَرَغْنا»، قال: والرَّجُلُ يُحَوِّلُ الماءَ في حائِطِهِ قال: فقال الرَّجُلُ: يا رسُولَ
الله! عِنْدِي ماءٌ بائِتْ، فانْطَلِقْ إلى العَرِيشِ، قال: فَانْطَلَقَ بِهِما فَسَكَبَ في قَدَح ثمَّ حَلَبَ
عَلَيْهِ منْ دَاجِنٍ لهُ، قال: فَشَرِبَ رسولُ اللهِ بَّهِ ثمَّ شَرِبَ الرَّجُلُ الذي جاءَ مَعَهُ. [انظر
الحديث: ٥٦١٣ - طرفه في ٥٦٢١].
مطابقته للترجمة ظاهرة. وعبد الله بن محمد الجعفي المعروف بالمسندي، وأبو عامر
عبد الملك بن عمرو العقدي بفتحتين.

٢٨٣
٧٤ - كِتَابُ الأشْرِبَةِ / باب (١٥)
والحديث أخرجه أبو داود في الأشربة عن أبي عامر أيضاً، وعن يحيى بن صالح.
وأخرجه ابن ماجه فيه عن أحمد بن منصور الزيادي.
قوله: ((على رجل من الأنصار)). قيل: إنه أبو الهيثم بن التيهان الأنصاري. قوله:
((ومعه)) أي: ومع النبي بَّ صاحب له، وهو أبو بكر، رضي الله تعالى عنه. قوله: ((في
شنة)) بفتح الشين المعجمة وتشديد النون، وهي القربة الخلقة. وقال الداودي: هي التي زال
شعرها من البلاء بكسر الباء. قلت: من كثرة الاستعمال. قوله: ((وإلا كرعنا)» فيه حذف
تقديره: إن كان عندك إناء فاسقنا وإلاَّ كرعنا، من الكرع، وهو تناول الماء بالفم من غير
إناء ولا كف، وقال ابن التين: حكى عبد الملك أنه الشرب باليدين معاً، قال: وأهل اللغة
على خلافه، وكرع بفتح الراء، وقال الجوهري بالكسر أيضاً: يكرع كرعاً، والنهي عن
الشرب بالكرع لئلا يعذب نفسه بكراهته في كثرة الجرعات. قوله: ((والرجل يحول الماء في
حائطه)) أيضاً أي: ينقل الماء من مكان إلى مكان آخر من البستان ليعم أشجاره بالسقي.
قوله: ((إلى العريش)) أراد به ما يستظل به. وقيل: هو خيمة من خشب وثمام بضم الثاء
المثلثة مخففاً، وهو نبات ضعيف له خوص، وقد يجعل من الجريد كالقبة أو من العيدان،
ويظلل عليها وليس منافياً للزهد. قوله: ((فسكب في قدح)) في رواية أحمد: فسكب ماء في
قدح. قوله: ((من داجن)) بكسر الجيم وهو الشاة التي تألف البيوت. قوله: ((ثم شرب
الرجل)) في رواية أحمد: شرب النبي ◌َّل، وسقى صاحبه.
وفيه: أنه لا بأس بطلب الماء البارد في سموم الحر. وفيه: قصد الرجل الفاضل بنفسه
حيث يعرف مواضعه عند إخوانه، وقد روى أبو هريرة عن النبي وَلّر، أن أول ما يحاسب به
العبد يوم القيامة أن يقال له: ألم أصح جسمك وأرويك من الماء البارد؟ وفيه: جواز خلط
اللبن بالماء عند الشرب، ولا يجوز عند البيع: وفيه: أن من قدم إليه طعام لا يلزمه أن يسأل
من أين صار إليه؟ إلاّ إذا علم أن أكثر ماله حرام، فإنه لا يأكله فضلاً عن أن يسأله.
١٥ - بابُ شَرَابِ الحَلْوَاءِ والعَسلِ
أي: هذا باب في بيان شراب الحلواء، وهو بالمد عند المستملي، وعند غيره
بالقصر، وقيل: هما لغتان، وقال الكرماني: القصر أظهر لأنه لا يشرب غالباً، وقال ابن
التين عن الداودي: هو النقيع الحلو، وعليه يدل تبويب البخاري: بشراب الحلواء، وقال
الخطابي: الحلواء ما يعقد من العسل ونحوه، ويقال: العرب لا تعرف هذه الحلواء
المعقودة التي هي الآن معهودة، فتعين أن المقصود ما يمكن شربه وهو الماء المنبوذ فيه
التمر، ونحوه وكذلك العسل. فإن قلت: قوله: ((الحلواء)) يشمل العسل وغيره من كل
حلو، فما فائدة ذكر العسل بالخصوصية؟ قلت: هذا من قبيل التخصيص بعد التعميم كما في
قوله تعالى: ﴿فِهِمَا فَكِهَةٌ وَنَخْلٌّ وَرُقَانٌ﴾ [الرحمن: ٦٨]. ويحتمل أن يكون ذكره للتنبيه على
جواز شرب العسل إذ قد يتخيل أن شربه من السرف.

٢٨٤
٧٤ - كِتَابُ الأَشْرِبَةِ / باب (١٥)
وقالٍ الزُّهْرِيُّ: لا يَحِلَّ شُرب بولِ النَّاسِ لِشِدَّةٍ تَنْزِلُ لأَنَّهُ رِجْسٌ، قال الله تعالى: ﴿أُحِلَّ
لَكُمُ الَِّبَتُ﴾ [المائدة: ٤ - ٥].
قيل: ترجم البخاري على شيء ثم أعقبه بضده، قلت: أراد هذا القائل أن البخاري
قال: باب شراب الحلواء والعسل، ثم قال عن الزهري: لا يحل شرب بول الناس إلى
آخره، وبينهما تضاد. أقول: مقصود البخاري من إيراد قول الزهري، هو قوله: قال الله
تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمُ اُلَّيِّبَتُ﴾ [المائدة: ٤ - ٥] والحلواء والعسل، وكل شيء يطلق عليه أنه
حول من الطيبات، وهذا في معرض التحليل للترجمة غاية ما في الباب أنه ذكر أولاً عن
الزهري مسألة شرب البول تنبيهاً على أنه ليس من الطيبات، وتعليق الزهري هذا أخرجه
عبد الرزاق عن معمر عنه. قوله: ((لشدة)) أي: لضرورة، وهذا خلاف ما عليه الجمهور،
وتعليله بقوله: ((لأنه رجس)) أي: لأن البول نجس غير طاهر، لأن الميتة والدم ولحم
الخنزير رجس أيضاً مع أنه يجوز التناول منها عند الضرورة. وقالت الشافعية: يجوز
التداوي بالبول ونحوه من النجاسات خلا الخمر والمسكرات، وقال مالك: لا يشربها لأنها
لا تزيده إلاَّ عطشاً وجوعاً، وأجاز أبو حنيفة أن يشرب منها مقدار ما يمسك به رمقه.
وقال ابنُ مَسْعُودٍ في السَّكَرِ: إنَّ الله لَمْ يَجْعَلْ شِفاءَكُمْ فِيمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ.
الذي قيل في إيراد أثر الزهري قيل: هنا أيضاً: والجواب من جهة الزهري قد مر،
وأما الجواب عن إيراده أثر ابن مسعود هنا، فهو أنه أشار بذكر هذا إلى قوله تعالى: ﴿فِيهِ
شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ [النحل: ٦٩]. فدل على ضده أن الله لم يجعل الشفاء فيما حرمه، وأما تعيين
السكر هنا من دون سائر المحرمات من هذا الجنس فهو أن ابن مسعود سئل عن ذلك على
التعيين، فلذلك قال: إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم، وأوضح ذلك علي بن
حرب الطائي عن سفيان بن عيينة عن منصور عن أبي وائل، قال: اشتكى رجل منا يقال
له: خيثم بن العدا داء ببطنه يقال له الصفر، فنعت له السكر، فأرسل إلى ابن مسعود يسأله
فذكره، وأخرجه ابن أبي شيبة عن جرير عن منصور وسنده صحيح على شرط الشيخين،
فهذا وجه تعيين السكر في هذا الأثر، والسكر بفتحتين الخمر فيما نقله ابن التين عن
بعضهم، وقيل: هو نبيذ التمر إذا اشتد، وقيل: المراد من السكر والمسكر، وقال صاحب
(الهداية) ونقيع التمر وهو السكر، ونقيع الزبيب إذا اشتد، وغلا عد هذين القسمين من
أنواع الأشربة المحرمة الأربعة، وعد قبلهما اثنين آخرين، وهما الخمر والطلاء. وفي
(المحيط): والمتخذ من التمر ثلاثة: السكر والفضيخ والنبيذ، وقال أبو الحسن: إن كان
البخاري أراد سكر الأشربة فيمكن أن يكون سقط من الكلام شيء، وهو ذكر السؤال عن
ذلك، وإن كان أراد السكر بفتح السين وسكون الكاف، فهو الذي يسد به النهر فيكون
السؤال من ابن مسعود عن السكر عند التداوي بشيء من المحرمات، فقال: إن الله لم
يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم.
٥٦١٤/٣٨ - حدّثنا عليّ بن عبدِ الله، حدثنا أبو أُسامَةَ، قال: أخبرني هِشامٌ عنْ

٢٨٥
٧٤ - كِتَابُ الأشْرِبَةِ / باب (١٦)
أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ، رضي الله عنها، قالَتْ: كانَ النبيُّ وََّ، يُعْجِبُهُ الحَلْوَاءُ والعَسَلُ.
[انظر الحديث: ٤٩١٢ وأطرافه].
هذا يطابق الترجمة من غير تعسف، وعلي بن عبد الله هو ابن المديني، وأبو أسامة
هو حماد بن أسامة يروي عن هشام بن عروة، يروي عن أبيه عروة بن الزبير عن عائشة.
والحديث قد مر في كتاب الأطعمة في باب الحلواء والعسل، ومر الكلام فيه هناك.
١٦ - بابُ الشِّرْبِ قائِماً
أي: هذا باب في بيان حكم الشرب حال كونه قائماً، وقال ابن بطال: أشار بهذه
الترجمة إلى أن الأحاديث الواردة في كراهة الشرب قائماً لم تصح عنده، وقال بعضهم:
ليس بجيد، بل إذا تعارضت عنده الأحاديث لا يتعرض إلى الحكم. قلت: كلام ابن بطال
في واد وكلام هذا القائل في واد آخر، وليس بجيد نسبة كلامه إلى عدم الجودة، وإنما
عادته في الغالب أنه يبهم الحكم في الترجمة ولا يصرح بالجواز ولا بالعدم على عادته في
ذلك اعتماداً على ما يفهم من الحكم في أحاديث الباب.
٣٩/ ٥٦١٥ - حدّثنا أبُو نُعَيْم، حدَّثنا مسْعَرٌ عنْ عَبْدِ المَلِكِ بنِ مَيْسَرَةَ عنِ النّزَّالِ.
قال: أتَى عَلِيٍّ، رضي الله عنه، علَى بَابِ الرَّحَبَةِ فَشَرِبَ قائِماً، فقال: إنَّ ناساً يَكْرَهُ أَحَدُهُمْ
أنْ يَشْرَبَ وهو قائِمٌ، وإِنِّي رَأيْتُ النبيَّ وَ﴿ فَعَلَ كَما رَأيْتُمُوني فَعَلْتُ. [انظر الحديث: ٥٦١٥ ۔
طرفه في: ٥٦١٦].
هذا الحديث يطابق الترجمة في الشرب قائماً، ويوضح الحكم بأنه جائز، أخرجه عن
أبي نعيم الفضل بن دكين عن مسعر بكسر الميم وسكون السين وفتح العين المهملتين
وبالراء ابن كدام الكوفي عن عبد الله بن ميسرة - ضد الميمنة - الزراد بالزاي والراء والدال
المهملتين عن النزال بفتح النون وتشديد الزاي ابن سبرة بفتح السين المهملة وسكون الباء
الموحدة وبالراء، وهؤلاء الثلاثة كلهم هلاليون كوفيون. وأبو نعيم أيضاً كوفي، وعلي أيضاً
نزل الكوفة ومات بها، والنزال تقدمت له رواية عن ابن مسعود في فضائل القرآن وليس له
في البخاري سوى هذين الحديثين.
والحديث أخرجه أبو داود أيضاً في الأشربة عن مسدد عن يحيى. وأخرجه الترمذي
في الشمائل عن أبي كريب. وأخرجه النسائي في الطهارة عن عمرو بن يزيد الجرمي.
قوله: ((على باب الرحبة)) أراد به رحبة مسجد الكوفة، وفي رواية شعبة أنه صلى
الظهر ثم قعد في حوائج الناس في رحبة الكوفة، والرحبة بفتحات: المكان الواسع
والرحب بسكون الحاء أيضاً المكان المتسع. قوله: ((أن يشرب)) أي: بأن يشرب، و: أن،
مصدرية تقديره: يكره الشرب وهو قائم أي: في حالة القيام. قوله: ((فعل)) أي: شرب
قائماً. قوله: ((كما رأيتموني)) أي: کرؤيتكم إياي فعلت، أي: شربت.

٢٨٦
٧٤ - كِتَابُ الأشْرِيَةِ / باب (١٦)
واعلم أن لفظ: فعل، أعم الأفعال، يستعمل في معنى كل فعل، ولهذا عينه أهل
الصرف في الأوزان. واعلم أنه قد وردت أحاديث بجواز الشرب قائماً، ووردت أحاديث
بمنعه .
فمن أحاديث الجواز: حديث علي، وحديث ابن عباس. رواهما البخاري هنا،
وحديث ابن عمر رواه الترمذي من حديث نافع عنه، وقال: كنا نأكل على عهد رسول
الله ◌َّ، ونحن نمشي ونشرب ونحن قيام، ثم قال: هذا حديث حسن صحيح، وأخرجه
ابن ماجة وابن حبان، وحديث سعد بن أبي وقاص، رضي الله تعالى عنه، رواه الترمذي
في الشمائل عنه: أن النبي وَ لّ كان يشرب قائماً، وإسناده حسن، وحديث عائشة أخرجه
النسائي من حديث مسروق عنها، قالت: رأيت النبي وَ ل* يشرب قائماً وقاعداً ...
الحديث، وحديث أنس رواه أحمد في (مسنده): أن النبي وَّر دخل وقربة معلقة فشرب من
فم القربة وهو قائم ... الحديث، وحديث الحسين بن علي رويناه عن شيخنا زين الدين،
رحمه الله، رواه في الجزء العاشر من (فوائد أبي بكر الشافعي) من رواية زياد بن المنذر عن
بشير بن غالب عن حسين بن علي، رضي الله تعالى عنهما، قال: رأيت رسول الله وَل
يشرب قائماً، وحديث خباب بن الأرت. رويناه عن شيخنا، وهو يرويه عن مجاهد من
حديث الطبراني عنه قال: بعثنا رسول الله وَ الر في سرية فأصابنا العطش وليس معنا ماء،
فتنوخت ناقة لبعضنا فإذا بين رجليها مثل السقاء فشربنا من لبنها، فهذا من فعل الصحابة في
زمنه فيكون في حكم المرفوع، وحديث أبي هريرة، رضي الله تعالى عنه، رويناه عن شيخنا
وهو يروى من حديث سعيد بن جبير في (المعجم الصغير) للطبراني أنه قال: حدثني أبو
هريرة أنه رأى النبي وَ ل يشرب من زمزم قائماً، وحديث أم سليم رويناه عن شيخنا وهو
يروى من حديث أنس عن أمه في (مسند أحمد) قالت: دخل رسول الله وَّر وفي البيت
قربة معلقة فشرب منها قائماً، وحديث كبشة أخرجه الترمذي وابن ماجه عنها، قالت: دخل
علي رسول الله وَّر فشرب من في قربة معلقة قائماً، وحديث كلثم رواه أبو موسى المديني
في كتاب (معرفة الصحابة) قالت: دخل علي رسول الله وَلّر فشرب من قربة معلقة وهو
قائم، وحديث عبد الله بن عمرو بن العاص أخرجه عبد الرزاق عن عمرو بن شعيب عن
أبيه عن جده قال: رأيت رسول الله وَّ ر شرب قائماً وقاعداً، وحديث عبد الله بن
السائب بن خباب عن أبيه عن جده، قال: رأيت رسول الله وَ الار قام إلى فخارة فيها ماء
فشرب قائماً، رواه أبو محمد بن أبي حاتم الرازي بسند صحيح.
ومن أحاديث المنع: ما رواه الأثرم عن معمر عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي
هريرة مرفوعاً: لو يعلم الذي يشرب وهو قائم لاستقاء، وروى مسلم في (صحيحه) من
حديث أبي هريرة يقول: قال رسول الله وَلتر: لا يشربن أحدكم قائماً، فمن نسي فليستقىء،
وروى من حديث أنس أن النبي وَلّ زجر عن الشرب قائماً، وروى أيضاً من حديث أبي
سعيد الخدري: أن النبي ◌َّ# زجر عن الشرب قائماً، وروى الترمذي من حديث

٢٨٧
٧٤ - كِتابُ الأشْرِبَةِ / باب (١٦)
الجارود بن المعلى: أن النبي ◌ّ نهى عن الشرب قائماً، وقال: هذا حديث حسن غريب.
واستدل أهل الظاهر بهذه الأحاديث على تحريم الشرب قائماً ثم كيفية الجمع بينهما
على أقوال: أحدها: أن النهي محمول على التنزيه لا على التحريم، وهو الذي صار إليه
الأئمة الجامعون بين الحديث والفقه كالخطابي وأبي محمد البغوي وأبي عبد الله المازري،
والقاضي عياض وأبي العباس القرطبي، وأبي زكريا النووي، رحمهم الله تعالى. الثاني: أن
المراد بالقائم هنا الماشي لأن الماشي يسمى قائماً، قال الله عز وجل: ﴿إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ
قَآَيِمَاً﴾ [آل عمران: ٧٥]. أي: مواظباً بالمشي إليه، والعرب تقول: قم في حاجتنا أي: امش
فيها، قاله ابن التين. الثالث: أنه محمول على أن يأتي الرجل أصحابه بشراب فيبدأ قبل
أصحابه فيشرب قائماً، ذكره أبو الوليد الباجي والمازري. الرابع: تضعيف أحاديث النهي
عن الشرب قائماً، قاله جماعة من المالكية، منهم: أبو عمر بن عبد البر، وفيه نظر.
الخامس: أن أحاديث النهي منسوخة قاله أبو حفص بن شاهين وابن حبان في صحيحه.
السادس: ما قاله ابن حزم أن أحاديث النهي ناسخة لأحاديث الشرب قائماً، وقال النووي
في (شرح مسلم): الصواب أن النهي محمول على كراهة التنزيه، وأما شربه و ليس قائماً فبيانه
للجواز فلا إشكال ولا تعارض، قال: وهذا الذي ذكرناه يتعين المصير إليه، قال: وأما من
زعم نسخاً أو غيره فقد غلط غلطاً فاحشاً، وكيف يصار إلى النسخ مع إمكان الجمع لو ثبت
التاريخ؟ وأنَّى له بذلك، والله أعلم. قلت: جزم النووي هنا بالكراهة، وخالف ذلك في
(الروضة) تبعاً للرافعي، فقال: إن الشرب قائماً ليس بمكروه.
٤٠ / ٥٦١٦ - حدّثنا آدَمُ، حدثنا شُعْبَةُ، حدثنا عَبْدُ المَلِكِ بنُ مَيْسَرَةَ، سَمِعْتُ
النَّزَّالَ بنَ سَبْرَةَ يُحَدِّثُ عنِ عَلِيٍّ، رضي الله عنه، أنَّهُ صلَّى الظُّهْرَ ثمَّ قَعَدَ في حَوائِج الناسِ
فِي رَحْبَةِ الكُوفَةِ حتَّى حَضَرَتْ صَلاةُ العَصْرِ، ثُمَّ أَتِيَ بِماءٍ فَشَرِبَ وغَسَلَ وجْهَهُ ويَدَيْهِ، وَذَكَّرَ
رأسَهُ ورِجْلَيْهِ، ثُمَّ قامَ فَشَرِبَ فَضْلَهُ وهُوَ قائِمٌ، ثُمَّ قال: إنَّ ناساً يَكْرَهُونَ الشُّرْبَ قائِماً، وإنّ
النبيَّ وَُّ صنَعَ مِثْلَ مَا صَنَعْتُ. [انظر الحديث: ٥٦١٥].
هذا طريق آخر في حديث علي، رضي الله تعالى عنه، أخرجه عن آدم بن أبي إياس
إلى آخره.
قوله: ((في حوائج الناس)) الحوائج جمع حاجة على غير القياس، وذكر الأصمعي أنه
مولد، والجمع حاجات وحاج، وقال ابن ولاد: الحوجاء الحاجة وجمعها حواجي بتشديد
الياء، ويجوز التخفيف، قال: فلعل حوائج مقلوبة من حواجي مثل: سوايع من سواعي،
وقال الهروي: قيل: الأصل حائجة فيصح الجمع على حوائج. قوله: ((ثم أتي بماء)) وفي
رواية عمرو بن مرزوق عن شعبة عند الإسماعيلي: فدعا بوضوء، وللترمذي من طريق
الأعمش عن عبد الملك بن ميسرة: ثم أتي علي بكوز من ماء، ومثله في رواية بهز بن
أسد عند النسائي، وكذا لأبي داود الطيالسي في (مسنده) عن شعبة. قوله: ((وذكر رأسه))

٢٨٨
٧٤ - كِتَابُ الأشْرِبَةِ / باب (١٧)
أي: وذكر آدم رأسه ورجليه، وكان آدم توقف في سياقه فعبر بقوله: ((وذكر رأسه ورجليه))
وفي رواية بهز: فأخذ منه كفاً فمسح وجهه وذراعيه ورأسه ورجليه، وعند الطيالسي: فغسل
وجهه ويديه ومسح على رأسه ورجليه، ووقع في رواية الأعمش: فغسل يديه ومضمض
واستنشق ومسح بوجهه وذراعيه ورأسه، وفي رواية الإسماعيلي: فمسح بوجهه ورأسه
ورجليه، وقد ثبت في آخر الحديث قول علي، رضي الله تعالى عنه: هذا وضوء من لم
يحدث، وقعت هذه الزيادة في رواية النسائي والإسماعيلي من طريق شعبة، وقال الكرماني:
فإن قلت: لِمَ فصل الرأس والرجلين عما تقدم ولم يذكرها على وتيرة واحدة؟ قلت: حيث لم
يكن الرأس مغسولاً بل ممسوحاً فصله عنه وعطف الرجل عليه وإن كانت مغسولة، على نحو
قوله تعالى: ﴿وَأَمْسَحُواْ بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] إذا كان لابس الخف فمسحه أيضاً،
وقيل ذلك لأن الراوي الثاني نسي ما ذكره الراوي الأول في شأن الرأس والرجلين. قوله:
(فضله)) أي: فضل الماء الذي توضأ منه. قوله: ((قائماً) كذا هو في رواية الأكثرين، ووقع
في رواية الكشميهني: قياماً، وهذه أولى، وفي رواية الطيالسي: أن يشربوا قياماً. قوله:
(صنع مثل ما صنعت)) ويروى: صنع كما صنعت، أي: من الشرب قائماً، وصرح به
الإسماعيلي في روايته، فقال: شرب فضل وضوئه. قائماً كما شربت.
٤١/ ٥٦١٧ - حدّثنا أبُو نُعَيْم، حدثنا سُفْيانُ عنْ عاصِمِ الأخوَلِ عنِ الشّغْبيّ عنِ ابنِ
عَبَّاسٍ قال: شَرِبَ النبيُّ وَّرَ قائِماً مِنْ زَمْزَمَ. [انظر الحديث: ١٦٣٧].
مطابقته للترجمة ظاهرة. وأبو نعيم الفضل بن دكين روى عن سفيان، قال الكرماني:
قال الكلاباذي: أبو نعيم سمع الثوري وابن عيينة وهما سمعا عاصماً الأحول، فهذا سفيان
يحتمل أن يكون هذا وأن يكون ذاك، وقال بعضهم بعد نقله كلام الكرماني: ليس
الاحتمالان فيهما هنا على السواء، فإن أبا نعيم مشهور بالرواية عن الثوري معروف بملازمته
وروايته عن ابن عيينة قليلة وإذا أطلق اسم شيخه حمل على من هو أشهر بصحبته وروايته
أكثر. انتهى. قلت: بعد أن ثبتت رواية أبي نعيم عن ابن عيينة الاحتمال باقٍ ولا ترجيح
لأحد الاحتمالين على الآخر بما ذكره، لأن ابن عيينة روى هذا الحديث بعينه عند مسلم
وأحمد في (مسنده) وأخرجه الترمذي: حدثنا أحمد بن منيع حدثنا هشيم أخبرنا عاصم
الأحول ومغيرة عن الشعبي عن ابن عباس: أن النبي ◌ِّر، شرب من زمزم وهو قائم،
وقال: هذا حديث حسن صحيح، ورواه النسائي أيضاً، وفي لفظ: سقيت النبي وَّ من
زمزم فشرب وهو قائم.
١٧ - بابُ مَنْ شَرِبَ وهو واقِفٌ عَلى بَعِيرِهِ
أي: هذا باب في بيان حكم من شرب والحال أنه واقف على بعيره، وقال ابن
العربي: لا حجة في هذا على الشرب قائماً، لأن الراكب على البعير قاعد غير قائم،
وأُجيب بأن البخاري أراد بهذا بيان حكم هذه الحالة، وليس في صدد بيان الاستدلال به

۔
٢٨٩
٧٤ - كِتَابُ الأشْرِيَةِ / باب (١٨)
على جواز الشرب قائماً. وبين حكم هذه الهيئة بفعل النبي ومطر لأن الراكب يشبه القائم من
حيث كونه سائراً، ويشبه القاعد من حيث كونه مستقراً على الدابة.
٥٦١٨/٤٢ - حدّثنا مالِكُ بنُ إسْماعيلَ، حدَّثنا عَبْدُ العَزِيزِ بنُ أبي سَلَمَةَ، أخبرنا
أَبُو النَّضْرِ عنْ عُمَيْرِ مَوْلَى ابنِ عَبَّاسٍ عنْ أمّ الفَضْلِ بِنْتِ الحَارِثِ أنها أرْسَلَتْ إلى النبيِّ وَهُ
بِقَدَحِ لَبَنٍ وهو واقِفٌ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ، فَأَخَذَّ بِيَدِهِ فَشَرِبَهُ.
زَادَ مالِكٌ عن أبي النَّضْرِ: عَلى بَعِيرِهِ. [انظر الحديث: ١٦٥٨ وأطرافه].
مطابقته للترجمة ظاهرة. ومالك بن إسماعيل أبو غسان النهدي الكوفي من كبار
شيوخ البخاري، وروى مسلم عن هارون بن عبد الله عنه في الحدود، قال البخاري: مات
سنة تسع عشرة ومائتين، وعبد العزيز بن أبي سلمة بفتحتين الماجشون واسم أبي سلمة
دينار وهو جد عبد العزيز لأنه ابن عبد الله بن أبي سلمة، وأبو النضر بفتح النون وسكون
الضاد المعجمة، واسمه سالم بن أبي أمية مولى عمر بن عبيد الله بن معمر القرشي التيمي
المدني، وعمير - مصغر عمرو - مولى ابن عباس، رضي الله تعالى عنهما، وأم الفضل بنت
الحارث واسمها لبابة بضم اللام وتخفيف الباء الموحدة الأولى والثانية، زوج العباس بن
عبد المطلب.
والحديث قد مر عن قريب في: باب شرب اللبن، أخرجه عن الحميدي عن سفيان
عن سالم أبي النضر إلى آخره، وقد ذكرنا أنه أخرجه أيضاً في الحج عن القعنبي، وفي
الصوم عن عبد الله بن يوسف، وعن مسدد. فإن قلت: ذكر في: باب شرب اللبن، أن
عميراً مولى أم الفضل، وذكر هنا أنه مولى ابن عباس. قلت: أم الفضل أم ابن عباس، ولما
كان عمير مولى للأم وملازماً للابن صحت النسبتان، والإضافة صحيحة بأدنى ملابسة، ومر
الكلام فيه .
قوله: ((زاد مالك عن أبي النضر)) أي: زاد مالك بن أنس في روايته عن أبي النضر
سالم لفظ: ((على بعيره)) يعني: شرب وهو على بعيره، وبهذه الزيادة تتضح المطابقة بين
الحديث والترجمة، فإذا جاز الشرب قائماً على الأرض فالشرب على الدابة أحرى بالجواز
لأن الراكب أشبه بالحالين.
١٨ - بابٌ الأيْمَنُ فالأنْمَنُ في الشُّزب
أي: هذا باب يذكر فيه يقدم الذي على يمين الشارب، فارتفاع الأيمن بالفعل المقدر
الذي ذكرناه، ويجوز أن يكون مرفوعاً على أنه مبتدأ محذوف الخبر، والتقدير: الأيمن
أحق لفضيلة اليمين على الشمال. قوله: ((فالأيمن)) عطف عليه، ويجوز فيهما النصب أيضاً
أي: أعط الأيمن فالأيمن. قوله: ((في الشرب)) أعم من شرب الماء وغيره من المشروبات،
ونقل عن مالك وحده أنه خصه بالماء، قال ابن عبد البر: لا يصح هذا عن مالك.

٢٩٠
٧٤ - كِتَابُ الأشْرِبَةِ / باب (١٩)
٥٦١٩/٤٣ - حدّثنا إسماعيلُ، قال: حدّثني مالِكٌ عنِ ابنِ شِهاب عنْ أنَسٍ بن
مالِكِ، رضي الله عنه، أنَّ رسولَ الله وَّهَ أَتِيَ بِلَبَنِ قَدْ شِيبَ بِماءِ، وعَنْ يَمينِهِ أَعْرَابِيٍّ وعَنْ
شِمالهِ أَبُو بَكرٍ، فَشَرِبَ ثمَّ أعْطَى الأغْرَابِيَّ، وقال: ((الأيمَنَ فالأيمَنَ)). [انظر الحديث: ٢٣٥٢
وطرفيه].
مطابقته للترجمة ظاهرة. وإسماعيل بن أبي أويس. والحديث مر عن قريب في أول
شرب اللبن بالماء.
قوله: ((قد شيب)) على صيغة المجهول من الماضي من الشوب وهو الخلط، وأصل
شيب شوب قلبت الواو ياءً لسكونها وانكسار ما قبلها. قوله: ((وعن يمينه أعرابي)) الواو فيه
للحال أي: والحال أن الذي عن يمينه أعرابي، والذي عن شماله أبو بكر، رضي الله عنه،
فإن قلت: يقال: عن يمينه وعلى يمينه، وعن شماله وعلى شماله، فما الفرق بينهما؟ قلت:
معنى: على يمينه، أنه تمكن من جهة اليمين تمكن المستعلي من المستعلى عليه، ومعنى:
عن يمينه، أنه جلس متجافياً عن صاحب اليمين، ثم كثر استعماله في المتجافي وغيره،
وقال الملهب: التيامن في الأكل والشرب وجميع الأشياء من السنن، وكان رسول الله صلى
الله تعالى عليه وآله وسلم، يحب التيامن استشعاراً منه بما شرف الله عز وجل به أهل
اليمين. وقال القرطبي: إنما أعطى الأعرابي لأنه كان من كبار قومه، ولذلك جلس عن
يمينه. قلت: الأظهر أنه سنة، أو لعله سبق إلى اليمين، فلذلك لم يقمه لأجل الصدِّيق، فإنه
سبقه به بخلاف الصلاة، لقوله: ليلني منكم أولو الأحلام والنهى، وإن لم يكن في اليمين
أحد فالأكبر الأكبر، كما مضى في موضعه.
١٩ - بابٌ هَلْ يَسْتَأذِنُ الرَّجُلُ مَنْ عَنْ يَمِينِهِ في الشُّزبِ لِيُغْطِيَ الأكبَرِ
أي: هذا باب فيه: هل يستأذن الرجل أي: يطلب الإذن من الذي هو جالس على
يمينه، وقوله: من، بفتح الميم موصولة، وإنما لم يجزم الحكم وذكره بصورة الاستفهام
على سبيل الاستخبار لكونها واقعة عين فيتطرق إليها احتمال التخصيص، فلا يطرد الحكم
فيها لكل جليس.
٤٤/ ٥٦٢٠ - حدّثنا إسماعيلُ قال: حدثني مالِكٌ عنْ أبي حازِمِ بنِ دِينارٍ عنْ
سَهْلٍ بِنِ سَعْدٍ، رضي الله عنه، أنَّ رسولَ الله ◌َّهِ أَتِيَ بِشَرَابٍ فَشَرِبَ مِنْهُ، وَعَنْ يَمِينِهِ غُلامٌ
وعنْ يَسارِهِ الأشْياخُ، فقال لِلْغُلامِ: ((أتأذَنُ لِي أنْ أُعْطِيَ هؤلاءِ؟)) فقال الغُلامُ: والله يا رسولَ
الله، لا أُوثِرُ بِنَصِيبي منْكَ أحَداً. قال: فَتَلَّهُ رسولُ اللهِوَهُ فِي يَدِهِ. [انظر الحديث: ٢٣٥١
وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((أتأذن لي)) وإسماعيل هو ابن أبي أويس، وأبو حازم
بالحاء المهملة وبالزاي واسمه سلمة بن دينار، وسهل بن سعد بن مالك الساعدي
الأنصاري.

٢٩١
٧٤ - كِتَابُ الأشْرِبَةِ / باب (٢٠)
والحديث مضى في المظالم في: باب إذا أذن له أو أحله، فإنه أخرجه هناك عن
عبد الله بن يوسف عن مالك إلى آخره نحوه سواء، ومضى أيضاً في الهبة عن يحيى بن
قزعة وقتيبة، وقد مر الكلام فيه في: باب المظالم.
قوله: ((غلام)) الأصح أنه كان عبد الله بن عباس، والأشياخ: خالد بن الوليد وغيره.
قوله: ((أتأذن لي؟)) فإن قلت: لم يقل في حديث أنس: أتأذن لي؟ قلت: أجاب النووي
وغيره بأن السبب فيه أن الغلام كان ابن عمه وله عليه إدلال، وكان من اليسار أقارب الغلام
أيضاً وطيب نفسه مع ذلك بالاستئذان لبيان الحكم وأن السنة تقديم الأيمن، ولو كان
مفضولاً بالنسبة إلى من على اليسار. فإن قلت: قد يعارض حديث سهل هذا وحديث أنس
الذي مضى عن قريب حديث سهل بن أبي خيثمة الآتي في القسامة: كُبر كبر، وتقدم في
الطهارة حديث ابن عمر في الأمر بمناولة السواك الأكبر، وأخص من هذا حديث ابن عباس
الذي أخرجه أبو يعلى بسند قوي، قال: كان رسول الله وَّو إذا سقي قال: ابدؤوا بالأكبر.
قلت: الجواب في هذا أنه محمول على الحالة التي يجلسون فيها متساويين، إما بين يدي
الكبير أو عن يساره كلهم أو خلفه أو حيث لا يكون فيهم، فيخص هذه الصورة من عموم
تقديم الأيمن، أو يخص من عموم هذا الأثر بالبداءة بالكبير ما إذا جلس بعض عن يمين
الرئيس وبعض عن يساره، ففي هذه الصورة يقدم الصغير على الكبير والمفضول على
الفاضل، ويظهر من هذا أن الأيمن ما امتاز بمجرد الجلوس في الجهة اليمنى، بل لحصول
كونها يمين الرئيس، فالفضل إنما فاض عليه من الأفضل. قوله: ((أتأذن لي؟)) ظاهره أنه لو
أذن له لأعطاهم، ويؤخذ من ذلك جواز الإيثار بمثل ذلك. قيل: إنه مشكل على ما اشتهر
من أنه لا إيثار بالقرب، وإنما الإيثار المحمود ما كان من حظوظ النفس دون الطاعات،
وقد اقتصر القاضي في النقل عن العلماء على كراهة الإيثار بالقرب بخلاف ما يتوهمه كثير
من الناس أنه يحرم الإيثار بالقرب. قوله: ((فتله)) بفتح التاء المثناة من فوق وتشديد اللام
أي: وضعه، وقال الخطابي: وضعه بعنف، وأصله من الرمي على التل وهو المكان العالي
المرتفع، ثم استعمل في كل شيء يرمى به وفي كل إلقاء.
٢٠ - بابُ الكَرْعِ في الحَوْضِ
أي: هذا باب في بيان الكرع بفتح الكاف وسكون الراء وهو الشرب من الحوض أو
من النهر بالفم، وهو من كرع يكرع من باب فتح يفتح، وقد جاء بالكسر في الماضي من
باب علم يعلم، وقال ابن سيده: كرع تناول بفيه من غير إناء، وقيل: هو أن يدخل النهر
فيشرب، وقيل: هو أن يصوب رأسه في الماء وإن لم يشرب، وفي (الجامع): كل خائض
في الماء فهو كارع شرب أو لم يشرب، وفي (التهذيب): كرع في الإناء إذا أمال نحوه عينه
فشرب منه .
٤٥/ ٥٦٢١ - حدّثنا يحيى بنُ صالِحٍ، حدَّثنا فُلَيْحُ بنُ سُلَيْمانَ عنْ سَعِيدِ بنِ

٢٩٢
٧٤ - كِتابُ الأشْرِبَةِ / باب (٢١)
الحارِثِ عنْ جابِرِ بنِ عَبْدِ الله، رضي الله عنهما، أنَّ النبيِّ وَ﴿ِ دَخَلَ عَلى رَجُلٍ مِنَ الأنصار
ومَعَه صاحِبٌ لَهُ، فَسَلْمَ النبيِ وَ وصاحِبُهُ، فَرَدَّ الرَّجُلُ فقال: يا رسولَ الله! بأبي أنْتَ
وأُمّي، وهيَ ساعَةٌ حارّةٌ، وهُوَ يُحَوِّلُ في حائِطٍ لَهُ، يَعْنِي: المَاءَ، فقال النبيُّ وَّى: ((إنْ كانَ
عِنْدَكَ ماءٌ باتَ في شَنَّةٍ)). وإلاَّ كَرَغْنا، والرَّجُلُ يُحَوِّلُ الماءَ في حائِطِ. فقال الرَّجُلُ : یا
رسولَ الله! عِنْدِي ماءً باتَ في شَنَّةٍ، فَانْطَلَقَ إلى العَرِيشِ فَسِكَبَ في قَدَحِ ماءٌ ثُمَّ حَلَبَ عَلَيْهِ
مِنْ داجِنٍ لهُ فَشَرِبَ النبيُّ بَّهَ، ثُمَّ أعادَ فَشَرِبَ الرَّجُلُ الَّذِي جاءَ مَعَّهُ. [انظر الحديث:
٥٦٤٣].
مطابقته للترجمة في قوله: ((وإلاَّ كرعنا)) ويحيى بن صالح الوحاظي أبو زكريا،
ويقال: أبو صالح الشامي الدمشقي، ويقال: الحمصي وهو من جملة الأئمة الحنفية
وأصحاب الإمام أبي حنيفة وكان عديل محمد بن الحسن إلى مكة ومات سنة اثنتين
وعشرين ومائتين.
والحديث مضى عن قريب في: باب شرب اللبن بالماء، ومضى الكلام فيه. وأخرجه
أبو داود في الأشربة عن عثمان بن أبي شيبة. وأخرجه ابن ماجه فيه عن أحمد بن منصور
الزيادي .
قوله: ((فرد الرجل)) أي: السلام. قوله ((بأبي أنت وأمي)) أي: أنت مقدّى بأبي وأمي.
قوله: ((والرجل يحول الماء)) إنما كرره لأنهما حالان باعتبار فعلين مختلفين، والتحويل هو
النقل من قعر البئر إلى ظاهره، أو إجراء الماء من جانب إلى جانب في بستانه.
٢١ - بابُ خِدْمَةِ الصِّغارِ الكِبارَ
أي: هذا باب في بيان خدمة الصغار الكبار.
٤٦/ ٥٦٢٢ - حدّثنا مُسَدَّدٌ، حدَّثنا مُعْتَمِرٌ عن أبيهِ وقال: سَمِعْتُ أَنَساً، رضي الله
عنه، قال: كُنْتُ قائماً عَلى الحَيِّ أسْقِيهِمْ - عُمُومَتي وأنا أصْغَرُهُمُ - الفَضِيخَ، فَقيلَ: حُرِّمَتِ
الخَمْرُ، فقال: اكْفِتْها، فَكفَأنا. قُلْتُ. لأَنَسٍ: ما شَرَابِهُمْ؟ قال: رُطَبّ وبُسْرٌ، فقال أبُو
بَكْرٍ بِنُ أَنَسٍ: وكانَتْ خَمْرَهُمْ فَلَمْ يُنْكِرْ أَنَسٌ.
وحدَّثني بَعْضُ أصْحابي أنَّهُ سَمِعَ أنَساً يَقُولُ: كانتْ خَمْرَهُمْ يَوْمَئِذٍ .
[انظر الحديث: ٢٤٦٤ وأطرافه].
مطابقته للترجمة ظاهرة. ومعتمر يروي عن أبيه سليمان. والحديث مضى في أوائل
الأشربة في: باب نزل تحريم الخمر وهي من البسر والتمر، فإنه أخرجه هناك بعين هذا
االإسناد وعين هذا المتن، ومضى الكلام فيه مستوفىّ. قوله: ((عمومتي)) بدل أو منصوب
على الاختصاص، والفضيخ بالمعجمتين.

٢٩٣
٧٤ - كِتَابُ الأشْرِبَةِ / باب (٢٢)
٢٢ - بابُ تَغْطِيَةِ الإناءِ
أي: هذا باب في بيان حكم تغطية الإناء.
٥٦٢٣/٤٧ - حدّثنا إسحاقُ بنُ مَنْصُورٍ، أخبرنا رَوْحُ بنُ عُبادَةَ، أخبرنا ابنُ
جُرَيْج، قال: أخبرني عَطاءُ أنَّهُ سَمِعَ جابرَ بنَ عَبْدِ الله، رضي الله عنهما، يَقُولُ: قال رسولُ
الله وَلَِّ: ((إذا كانَ جُنْحُ اللَّيْلِ أوْ أمْسَيْتُمْ فَكُفُوا صِبْيانَكُمْ، فإنَّ الشَّيَاطِينَ تَنْتَشِرُ حِيتَئِذٍ، فإِذا
ذَهَبَ ساعَةٌ مِنَ اللَّيْلِ فَحُلُّوهُمْ، وأغْلِقُوا الأَبَوابَ واذْكُرُوا اسْمَ الله، فإِنَّ الشَّيْطَانَ لاَ يَفْتَحُ باباً
مُغْلَقاً، وأوْكُوا قِرَبَكُمْ واذْكُرُوا اسْمَ الله، وخَمِّرُوا آَنْيَتَكُمْ واذْكُروا اسْمَ الله، ولوْ أنْ تَعْرُضُوا
عَلَيْها شَيْئاً، وأَطْفِؤُوا مَصابِيحَكُمْ)). [انظر الحديث: ٣٢٨٠ وأطرافه].
مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: ((وخمروا آنيتكم)) لأن معناه: غطوا آنيتكم.
وإسحاق بن منصور بن بهرام الكوسج أبو يعقوب المروزي، انتقل بآخرة إلى
نيسابور، وابن جريج عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، وعطاء بن أبي رباح.
والحديث قد مر في صفة إبليس فإنه أخرجه هناك عن يحيى بن جعفر عن محمد بن
عبد الله الأنصاري عن ابن جريج إلى آخره، ومر الكلام فيه.
قوله: ((جنح الليل)) بكسر الجيم وضمها الظلام معناه طائفة من ظلام الليل. قوله:
((أو أمسيتم)) أي: دخلتم في المساء. قوله: ((فكفوا صبيانكم)) أي: امنعوهم من الخروج في
هذا الوقت أي: يخاف عليهم حينئذٍ لكثرة الشياطين وإيذائهم، وقال ابن بطال: خشي وَّل
على الصبيان عند انتشار الجن أن تلم بهم فتصرعهم، فإن الشيطان قد أعطاه الله تعالى قوة
عليه. وأعلمنا رسول الله ور أن التعرض للفتن. مما لا ينبغي وأن الاحتراس منها أحزم
على أن ذلك الاحتراس لا يرد قدراً، ولكن ليبلغ النفس عذرها، ولئلا يتسبب له الشيطان
إلى لوم نفسه في التقصير. قوله: ((فحلوهم)) بضم الحاء المهملة، وقال: الكرماني:
فخلوهم بإعجام الخاء. قوله: ((وأوكوا)) من أوكى ما في سقائه إذا شده بالوكاء وهو ما يشد
به رأس القربة. قوله: ((وخمروا)) من التخمير وهو التغطية. قوله: ((ولو أن تعرضوا)) بضم
الراء وكسرها أي: إن لم يتيسر التغطية بكمالها فلا أقل من وضع عود على عرض الإناء،
وجواب: لو محذوف نحو: لكان كافياً. وإنما أمر بالتغطية لأن في السنة ليلة ينزل فيها وباء
وبلاء لا يمر بإناء مكشوف إلاَّ نزل فيه من ذلك، والأعاجم يتوقعون ذلك في كانون الأول.
قوله: ((واطفئوا مصابيحكم)) وهو جمع مصباح، وذلك لأجل الفأرة فإنها تضرم على الناس
بيوتهم، وأما القناديل المعلقة في المساجد والبيوت فإن خيف منها أيضاً فتطفأ وإلاَّ فلا.
٥٦٢٤/٤٨ - حدّثنا مُوسَى بنُ إسْماعيلَ، حدثنا هَمَّامٌ، عنْ عَطاءٍ عنْ جابِرِ أنَّ
رسولَ اللهِ وَ ﴿ قال: ((أَطْفِئُوا المَصابِيحَ إِذَا رَقَدْتُمْ، وغَلِّقُوا الأَبْوَابَ وأوْكُوا الأَسْقِيَةَ وخَمِّرُوا
الطَّعامَ والشَّرَابَ، وأخْسِبُهُ، قال: ولَوْ بِعُودٍ تَعْرُضُهُ عليْهِ)). [انظر الحديث: ٣٢٨٠ وأطرافه].

٢٩٤
٧٤ - كِتابُ الأشْرِبَةِ / باب (٢٣)
هذا طريق آخر في حديث جابر المذكور أخرجه عن موسى بن إسماعيل البصري
التبوذكي عن همام بن يحيى عن عطاء بن أبي رباح عن جابر، رضي الله تعالى عنه، قوله:
((الأسقية)) جمع سقاء بكسر السين وهو ظرف الماء. قوله: ((خمروا)) أي: غطوا من التخمير.
٢٣ - باب اخْتِنَاثِ الأسْقِيَةِ
أي: هذا باب في بيان حكم اختناث الأسقية، الاختناث من اختنث السقاء إذا ثنيته
إلى خارج فشربت منه، وأصله التكسر والانطواء، ومنه سمي الرجل المتشبه بالنساء في
أفعاله مخنثاً، والأسقية جمع سقاء وهو ظرف ماء.
٤٩/ ٥٦٢٥ - حدّثنا آدَمُ، حدثنا ابنُ أبي ذِثْبٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عنْ عُبَيْدِ الله بنِ
عَبْدِ الله بنِ عُثْبَةَ عنْ أبي سَعيدٍ الخُذْرِيِّ، رضي الله عنهُ، قال: نَهَى رسولُ اللهِوَ لَهِ عنِ
اخْتِناثِ الأسْقِيَةِ، يَعْنِي: أنْ تُكْسَرَ أفْوَاهُها فَيَشْرَبَ مِنْها: [انظر الحديث: ٥٦٢٥ - طرفه في:
٥٦٢٦].
مطابقته للترجمة ظاهرة. وآدم هو ابن أبي إياس، وابن أبي ذئب هو محمد بن
عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث، فقيه أهل المدينة ممن كان يأمر بالمعروف، واسم
أبي سعيد الخدري سعد بن مالك.
والحديث أخرجه مسلم في الأشربة عن عمرو الناقد عن سفيان بن عيينة إلى آخره
نحوه، وأخرجه أبو داود فيه عن مسدد. وأخرجه الترمذي فيه عن قتيبة. وأخرجه ابن ماجه
من رواية يونس.
قوله: ((يعني: أن تكسر أفواهها)) المراد من كسرها ثنيها لا كسرها حقيقة ولا إبانتها،
والأفواه جمع فم على سبيل الرد إلى الأصل لأن أصل فم فوه حذفت منه الهاء لاستثقالها
عند الضمير لو قيل: فوهه، فلما حذفت عوضت عنها الميم. وقال الخطابي: أحسب أن
قوله: يعني: أن تكسر أفواهها عن الزهري فيكون هذا التفسير مدرجاً، والدليل عليه أن
أحمد رواه عن أبي النضر عن ابن أبي ذئب بحذف لفظ: يعني. وقال المهلب: معنى هذا
النهي - والله أعلم - على وجه الأدب لجواز أن يكون في أفواهها حية أو بعض الهوام لا
يدريها الشارب فيدخل في جوفه. وروى ابن ماجه والحاكم في (مستدركه) من رواية
زمعة بن صالح عن سلمة بن وهرام قال: نهى رسول الله وَلّر عن اختناث الأسقية وأن
رجلاً بعدما نهى رسول الله قام من الليل إلى السقاء فاختنثه فخرجت منه حية.
٥٦٢٦/٥٠ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ مُقاتِلٍ، أخْبَرنا عبْدُ الله، أخْبرنا يُونُسُ عنِ الزَّهْرِيِّ
قال: حدثني عُبَيْدُ الله بنُ عبدِ الله أنَّهُ سمِعَ أبّ سَعيدِ الخُذْرِيَّ يَقُولُ: سَمِهْتُ رسولَ الله وَهُ
يَنْهَى عَنِ اخْتِنَاثِ الأسْقِيَةِ. قال عبْدُ الله: قال مَعْمَرٌ، أَوْ غَيْرُهُ: هُوَ الشُّرْبُ مِنْ أقْوَاهِها.
[انظر الحديث: ٥٦٢٥].

٢٩٥
٧٤ - كِتابُ الأشْرِيَةِ / باب (٢٤)
هذا طريق آخر من حديث أبي سعيد أخرجه عن محمد بن مقاتل المروزي عن
عبد الله بن المبارك المروزي عن يونس بن يزيد الأيلي عن محمد بن مسلم الزهري، وعن
عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أنه سمع أبا سعيد الخدري، وهنا صرح عبيد الله بالسماع عن
أبي سعيد، بخلاف الطريق الأول، فإنه بالعنعنة وكذلك صرح أبو سعيد هنا بالسماع من
النبي وَّر، بخلاف الطريق الأول.
قوله: ((قال عبد الله)) هو ابن المبارك وقال معمر بن راشد أو غيره أي: غير معمر:
(هو الشرب)) يعني اختناث الأسقية هو الشرب من أفواه الأسقية، وشك عبد الله في هذا
التفسير، هل قاله معمر أو غيره؟ وأخرجه مسلم من غير تردد: حدثني حرملة بن يحيى
أخبرنا ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن أبي سعيد
الخدري قال: نهى رسول الله وَ﴿ عن اختناث الأسقية أن يشرب من أفواهها، فإن قلت:
قال ابن حزم: فإن قيل: إنه ◌َي* شرب من فم قربة؟ قلنا: لا حجة في شيء منه، لأن
أحدهما من طريق الحارث بن أبي أسامة وقد ترك، وفيه البراء ابن بنت أنس وهو مجهول،
وآخر من طريق رجل لم يسم. قلت: أحد الحديثين اللذين ذكرهما رواه أحمد في (مسنده)
والترمذي في الشمائل من رواية عبد الكريم الجزري عن البراء ابن بنت أنس بن مالك عن
أنس بن مالك: أن النبي 8َّ* دخل وقربة معلقة فشرب من فم القربة ... الحديث، والبراء
هذا ذكره ابن حبان في الثقات، وباقي رواته محتج بهم، وتابع البراء عليه حميد الطويل،
رواه الطحاوي في كتاب (شرح معاني الآثار) من رواية شريك عن حميد عن أنس: أن
النبي ◌َّ شرب من قربة ماء معلقة وهو قائم ... والحديث الآخر الذي فيه رجل لم يسم.
٢٤ - بابُ الشِّرْبِ مِنْ فَمِ السَّقاءِ
أي: هذا باب في بيان ما ورد من النهي عن الشرب من فم السقاء، ويجوز تشديد
الميم، ويروى: من في السقاء، قيل: لم يكتف البخاري بالترجمة التي قبلها لئلا يظن أن
النهي خاص بصورة الاختناث، وأشار بأن النهي يعم ما يمكن اختنائه وما لا يمكن كالفخار
مثلاً. قلت: روى أحاديث تدل على جواز الشرب من فم السقاء، منها: ما رواه الترمذي من
حديث عبد الرحمن بن أبي عمرة عن جدته كبشة، قالت: دخل علي رسول الله الحار
فشرب من في قربة معلقة، وقال: حديث حسن صحيح. ومنها: حديث أنس بن مالك
رواه الترمذي في الشمائل، وقد ذكرناه قبل هذا الباب. ومنها: حديث عبد الله بن أنيس
عن أبيه قال: رأيت النبي وَّر قام إلى قربة معلقة فخنقها ثم شرب من فمها، رواه الترمذي
وأبو داود، وقد صح عن جماعة من الصحابة والتابعين فعل ذلك، فروى ابن أبي شيبة في
(المصنف) عن ابن عباس، رضي الله عنهما، أنه كان لا يرى بأساً بالشرب من في الإداوة،
وعن سعيد بن جبير قال: رأيت ابن عمر، رضي الله تعالى عنهما، يشرب من في الإدارة،
وعن نافع، أن ابن عمر كان يشرب من في السقاء، وعن عباد بن منصور قال: رأيت

٢٩٦
٧٤ - كِتَابُ الأشْرِبَةِ / باب (٢٤)
سالم بن عبد الله بن عمر يشرب من في الإدارة.
فإن قلت: كيف يجمع بين هذه الأحاديث التي تدل على الجواز وبين حديثي الباب
اللذين يدلان على المنع؟ قلت: قال شيخنا، رحمه الله: لو فرق بين ما يكون لعذر كأن تكون
القربة معلقة ولم يجد المحتاج إلى الشرب إناء متيسراً ولم يتمكن من التناول بكفه فلا كراهة
حينئذٍ، وعلى هذا تحمل هذه الأحاديث المذكورة، وبين ما يكون لغير عذر فيحمل عليه
أحاديث النهي. قيل: لم يرد حديث من الأحاديث التي تدل على الجواز إلاَّ بفعله عَلخد
وأحاديث النهي كلها من قوله فهي أرجح، والله أعلم.
٥٦٢٧/٥١ - حدّثنا علِيُّ بنُ عبدِ الله، حدثنا سُفْيانُ، حدثنا أيُّوبُ قال: قال لَنا
عِكْرِمَةُ: ألاَ أُخْبرُكُمْ بأشياءَ قِصارٍ حدثنا بِها أبُو هُرَيْرَةَ: نَهَى رسولُ اللهِ وَّه ◌َعَنِ الشّرْبِ مِنْ
فَمِ القِرْبَةِ، أوِ السِّقاءِ وأنْ يَمْنَعَ جَارَهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشّبَهُ فِي دَارِهِ. [انظر الحديث: ٢٤٦٣ وطرفه].
مطابقته للترجمة ظاهرة لأنه يوضح الإبهام الذي فيها. وعلي بن عبد الله هو ابن
المديني، وسفيان هو ابن عيينة، وأيوب هو السختياني، وعكرمة هو مولى ابن عباس،
رضي الله تعالى عنهما.
والحديث أخرجه ابن ماجه في الأشربة عن بشر بن هلال الصواف عن*
عبد الوارث بن سعيد عن أيوب به.
قوله: ((حدثنا)) فاعل حدثنا أبو هريرة، والضمير في: بها، يرجع إلى قوله: ((بأشياء)»
والذي أخبر به شيئان، وقد قال: ألا أخبركم بأشياء؟ ولعله أخبر بها ولم يذكرها بعض
الرواة، ويجوز أن يكون ذلك عمداً أو نسياناً، وقيل: أو يكون أقل الجمع عنده اثنان، وبين
قوله: حدثنا، وبين قوله: ألا أخبركم؟ شيء مقدر تقديره: ألا أخبركم بأشياء قصار؟ قلنا:
نعم، أو نحو ذلك، فقال: حدثنا بها. قوله: ((أو السقاء)) شك من الراوي، والفرق بين
القربة والسقاء أن القربة للماء والسقاء للماء واللبن. قوله: ((وأن يمنع)) أي: ونهى أن يمنع
الشخص جاره أن يغرز أي: بأن يغرز، وأن مصدرية أي: غرز خشبة، بإضافة الخشب إلى
الضمير الذي يرجع إلى الجار، ويروى: خشبة بالتنوين. قوله: ((في داره)) ويروى: في
جداره، وهذا أوضح. وفي (التوضيح): هو عندنا وعند مالك محمول على الاستحباب،
والقدیم عندنا وجوبه، وبه قال ابن حبيب وغيره.
٥٦٢٨/٥٢٠ - حدّثنا مُسَدَّدٌ، حدثنا إسماعيلُ، أخبرنا أيُوبُ عنْ عِكْرِمَةً عن أبي
هُرَيْرَةَ، رضي الله عنه، قال: نَهَى النبيُّ وَّهِ أَنْ يُشْرَبَ مِنْ في السِّقاءِ. [انظر الحديث: ٢٤٦٣
وطرفه].
مطابقته للترجمة مثل ما ذكرنا في الحديث السابق. وإسماعيل هو ابن علية، وأيوب هو
السختياني. وقال النووي: اتفقوا على أن النهي هنا للتنزيه لا للتحريم. قيل: في دعواه
الاتفاق نظر، لأن أبا بكر الأثرم صاحب أحمد أطلق أن أحاديث النهي ناسخة للإباحة لأنهم

٢٩٧
٧٤ - كِتَابُ الأشْرِبَةِ / باب (٢٥)
كانوا أولاً يفعلون ذلك حتى وقع دخول الحية في بطن الذي شرب من فم السقاء، فنسخ
الجواز. ووجه الحكمة في النهي ما قاله قوم من أنه لا يؤمن من دخول شيء من الهوام مع
الماء في جوف السقاء فيدخل فم الشارب ولا يدري فعلى هذا لو ملأ السقاء وهو يشاهد الماء
الذي يدخل فيه، ثم ربطه ربطاً محكماً، ثم لما أراد أن يشرب حله فشرب منه لا يتناوله
النهي، وقيل: ما أخرجه الحاكم من حديث عائشة، رضي الله عنها، بسند قوي بلفظ: نهى
أن يشرب من في السقاء، لأن ذلك ينتنه، وهذا عام، وقيل: إن الذي يشرب الماء من فم
السقاء قَد يغلبه الماء فينصب منه أكثر من حاجته فلا يأمن أن يشرق به أو تبتل ثيابه. وقيل :
ينزل بقوة فيقطع العروق الضعيفة التي بإزاء القلب، فربما كان سبباً للهلاك.
٥٦٢٩/٥٣ - حدّثنا مُسَدَّدٌ، حدثنا يَزِيدُ بنُ زُرَنْع، حدَّثنا خالِدٌ عنْ عِكْرِمَةَ عنِ ابنِ
عبَّاسٍ، رضي الله عنهما، قال: نَهَى النبيِّ وَِّ عن الشُّرْبِ مِنْ في السِّقَاءِ.
مطابقته للترجمة ظاهرة. وخالد هو الحذاء. والحديث أخرجه ابن ماجه في الأشربة
عن بکر بن خلف عن یزید بن زريع به.
٢٥ - بابُ النَّهْىِ عنِ التَّنْفُسِ في الإِناء
أي: هذا باب في بيان النهي عن التنفس في الإناء عند الشرب، والتنفس أخذ
النفس .
٥٦٣٠/٥٤ - حدّثنا أبُو نُعَيْم، حدثنا شَيْبانُ عنْ يَحْيَى عِنْ عِبْدِ الله بنِ أبي قَتَادَةَ عنْ
أبيه، قال: قال رَسولُ اللهِ وَالَ: ((إِذَا شَرِبَ أحَدُكُمْ فَلاَ يَتَنَفَّسْ فِي الإناءِ، وإذَا بال أحَدُكُمْ
فَلاَ يَمْسَخْ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ، وإِذَا تَمَسَّحَ أحَدُكُمْ فَلا يَتَمَسَّحْ بِيَميئِهِ)). [انظر الحديث: ١٥٣ وطرفه].
مطابقته للترجمة ظاهرة. وأبو نعيم الفضل بن دكين، وشيبان بن عبد الرحمن
النحوي، ويحيى هو ابن أبي كثير، واسم أبي قتادة الحارث بن ربعي الأنصاري.
والحديث مضى في كتاب الطهارة في: باب النهي عن الاستنجاء باليمين، فإنه
أخرجه هناك عن معاذ بن فضالة عن هشام عن يحيى بن أبي كثير إلى آخره، ولفظه هناك:
وإذا أتى الخلاء فلا يمس ذكره بيمينه ولا يتمسح بيمينه، ومر الكلام فيه هناك. وقال
الكرماني: وروي: لا يتنفس ولا يمسح ولا يتمسح، بالنفي والنهي. وقال المهلب: التنفس
إنما نهى عنه كما نهى عن النفخ في الطعام والشراب والله أعلم من أجل أنه لا بد أن يقع
فيه شيء من ريقه فيعافه الطاعم له ويستقذر أكله فنهى لذلك لئلا يفسد على من يريد
تناوله، وهذا إذا أكل أو شرب مع غيره، وإذا كان وحده أو مع من يعلم أنه لا يستقذر شيئاً
منه فلا بأس بالتنفس في الإناء.

٠
٢٩٨
٧٤ - كِتَابُ الأشْرِبَةِ / باب (٢٦)
٢٦ - بابُ الشِّرْبِ بِنَفَسَيْنِ أوْ ثَلاثَةٍ
أي: هذا باب في بيان الشرب بنفسين أو ثلاثة أنفاس، قيل: بين الترجمتين مع
حديثيهما تعارض، لأن الترجمة الأولى في النهي عن التنفس في الإناء، وهذه في ثبوت
التنفس. وأجيب بأجوبة مختلفة، وأحسنها أن البخاري جعل الإناء في الترجمة الأولى ظرفاً
للتنفس، والنهي عنه لاستقذاره، وقال في هذه الترجمة: الشرب بنفسين، فجعل التنفس
للشرب أن لا يقتصر على نفس واحد بل يفصل بين الشربين بنفسين أو ثلاثة خارج الإناء،
فبهذا ينتفي التعارض.
٥٦٣١/٥٥ - حدّثنا أبُو عاصِم وأبُو نُعَيْم قالا: حدثنا عَزْرَةُ بنُ ثابِتٍ قال: أخبرني
ثُمَامَةُ بنُ عبدِ الله قال: كانَ أنَسٌ يَتَنَفَّسُ في الإناءِ مرَّتَيْنِ أوْ ثَلاَثاً، وزَعَم أنَّ النبيَّ وََّ كانَ
يَتَنَفَّسُ ثَلاَثًاً.
مطابقته للترجمة ظاهرة. وأبو عاصم الضحاك بن مخلد النبيل، وأبو نعيم الفضل بن
دكين، وعزرة بفتح العين المهملة وسكون الزاي بعدها راء ابن ثابت بالثاء المثلثة في أوله
الأنصاري التابعي أصله من المدينة نزل البصرة، وقد سمع من جده لأمه عبد الله بن يزيد
الخطمي، وعبد الله بن أبي أوفى وغيرهما، وثمامة بضم الثاء المثلثة وتخفيف الميم ابن
عبد الله بن أنس، رضي الله تعالى عنه، يروي عن جده.
والحديث أخرجه مسلم في الأشربة عن أبي بكر وقتيبة. وأخرجه الترمذي فيه عن
بندار. وأخرجه النسائي في الوليمة عن ابراهيم بن مسعود وغيره. وأخرجه ابن ماجه في
الأشربة عن أبي بكر بن أبي شيبة.
قوله: ((أو ثلاثاً) يحتمل أن يكون أو للتنويع أي: ثلاث مرات، ويحتمل أن يكون
للشك، وقد أخرج إسحاق بن راهويه الحديث عن عبد الرحمن بن مهدي عن عزرة بلفظ :
كان يتنفس ثلاثاً، ولم يقل: أو، وروى الترمذي قال: حدثنا أبو كريب حدثنا وكيع عن
يزيد بن سنان الجزري عن ابن عطاء بن أبي رباح عن أبيه عن ابن عباس قال: قال رسول
الله وَالر: ((لا تشربوا واحداً كشرب البعير، ولكن اشربوا مثنى وثلاث وسموا إذا أنتم شربتم،
واحمدوا إذا أنتم رفعتم)). وقال: هذا حديث غريب، وقال بعضهم: سنده ضعيف، فإن
كان محفوظاً. فهو يقوي ما تقدم من التنويع. قلت: قال شيخنا: حسّن الترمذي حديث ابن
عباس، وفیہ: من لم يسم، وهو ابن عطاء بن أبي رباح، وكان له ولدان روی كل واحد
منهما عنه وهما: خلاد ويعقوب، ويعقوب روى له النسائي باسمه، وضعفه أحمد وابن
معين وأبو زرعة والنسائي، وذكره ابن حبان في الثقات. وأما خلاد فليس له رواية في
الكتب الستة. قال البخاري فيه: منكر الحديث، وقال الترمذي ويزيد بن سنان: هو أبو
فروة الرهاوي، وقال شيخنا: ضعفه أحمد وابن معين وابن المديني، وتركه النسائي، وقال
البخاري: مقارب الحديث، وإنما قال الترمذي ويزيد بن سنان هو أبو فروة الرهاوي لأن

٢٩٩
٧٤ - كِتَابُ الأشْرِبَةِ / باب (٢٧)
لهم يزيد بن سنان المقرىء البصري ثقة، روى عنه النسائي، متأخر الطبقة عن هذا. قوله:
((وزعم)) أي: قال: ((إن النبي (وَليو كان يتنفس ثلاثاً)) أي: ثلاث مرات. وأخرج الترمذي
أيضاً عن ابن عباس: أن النبي ◌َّر كان إذا شرب تنفس مرتين، ثم قال: وهذا حديث حسن
غريب. فإن قلت: ما التوفيق بينهما؟ قلت: هذا ليس بنص على المرتين بل هو من باب
الاكتفاء، والأصل أن المستحب الشرب في ثلاثة أنفاس. وفي حديث ابن عباس المذكور
عن قريب، وهو قوله اشربوا مثنى وثلاث، وفيه الاقتصار على الشرب مرتين إذا حصل
الاكتفاء بذلك، ولكن ينبغي أن يزيد ثالثة، وإن اكتفى بمرتين.
واختلفوا: هل يجوز الشرب بنفس واحد؟ فروي عن ابن المسيب وعطاء بن أبي
رباح أنهما أجازاه بنفس واحد، وروي عن ابن عباس وطاوس وعكرمة كراهة الشرب بنفس
واحد، وقال ابن عباس: هو شرب الشيطان، وقال الأثرم: هذه الأحاديث في ظاهرها
مختلفة والوجه فيها عندنا أنه يجوز الشرب بنفس وباثنين وبثلاثة وبأكثر منها، لأن اختلاف
الرواية في ذلك يدل على التسهيل فيه، وإن اختار الثلاث فحسن.
٢٧ - بابُ الشُّرْب في آنِيَةِ الذَّهَب
أي: هذا باب في بيان حكم الشرب في آنية الذهب، ولم يصرح بالحكم اكتفاء بما
في الحديث من صريح النهي عن ذلك.
٥٦٣٢/٥٦ - حدّثنا حَفْصُ بنُ عُمَرَ، حدثنا شُعْبَةُ عنِ الحَكَمِ عنِ ابنِ أبِي لَيْلی
قال: كان حُذَيْفَةُ بِالمَدَائِنِ، فَاسْتَسْقُى، فأتاهُ دِهُقْانْ بِقَدح فِضَّةٍ، فَرَماهُ بِهِ، فقال: إِنِّي لَمْ
أزمهِ إلاَّ أنّي نَهَيْتُهُ فَلَمْ يَنْتَهِ، وإِنَّ النبيَّ وَِّ نَهانا عنِ الحَرِيرِ والدِّيباجِ والشّرْبِ في آنِيَةِ الذَّهَب
والفِضَّة، وقال: ((هُنَّ لَهُمْ فِي الدُّنْيا، وَهْيَ لَكُمْ فِي الآخِرَةِ)). [انظر الحديث ٥٤٢٦ وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((والشرب في آنية الذهب)). والحكم بفتحتين هو ابن عتيبة
- مصغر عتبة الدار - وابن أبي ليلى هو عبد الرحمن، وحذيفة بن اليمان واسم اليمان
حسل بن جابر واليمان لقب، وهو من كبار الصحابة، رضي الله تعالى عنهم.
والحديث مضى في كتاب الأطعمة في: باب الأكل في إناء مفضض، فإنه أخرجه
هناك عن أبي نعيم عن سيف بن أبي سليمان عن مجاهد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى،
وانظر التفاوت بينهما في المتن والإسناد.
قوله: ((بالمدائن)) وهي مدينة عظيمة على دجلة بينها وبين بغداد سبعة فراسخ،
وكانت مسكن ملوك الفرس، وبها إيوان كسرى المشهور، وكان فتحها على يد سعد بن
أبي وقاص في خلافة عمر، رضي الله عنه، سنة عشر. وقيل قبل ذلك، وكان حذيفة
عاملاً عليها في خلافة عمر ثم عثمان إلى أن مات بعد قتل عثمان سنة ست وثلاثين في
أول خلافة علي، رضي الله تعالى عنه. قوله: ((فاستسقى)) أي طلب الماء للشرب. قوله:

٣٠٠
٧٤ - كِتابُ الأشْرِبَةِ / باب (٢٨)
(دهقان) بكسر الدال المهملة وضمها بعدها هاء ساكنة ثم قاف وبعد الألف نون، وهو
زعيم القوم وكبير القرية بالفارسية منصرفاً وغير منصرف، وفي رواية الترمذي: فأتاه
إنسان، وقد مر في كتاب الأطعمة: فسقاه مجوسي، وفي رواية أحمد عن وكيع عن
شعبة: استسقى حذيفة من دهقان أو علج. قوله: ((بقدح فضة)) بالإضافة مثل خاتم فضة،
وفي رواية أبي داود عن حفص شيخ البخاري فيه: بإناء من فضة، وفي رواية مسلم عن
طريق عبد الله بن عكيم: كنا عند حذيفة فجاء دهقان بشراب في إناء من فضة، ويأتي في
اللباس عن سليمان بن حرب عن شعبة بلفظ: بماء في إناء. قوله: ((فرماه به)) أي: رمى
الدهقان بالقدح، ويوضحه رواية وكيع: فحذفه به، قوله: ((إني لم أرمه)) أي القدح، وفي
رواية الإسماعيلي: لم أكسره، وهذا اعتذار من حذيفة لأنه تقدم إلى دهقان مرة أو
مرتين، ويقول: لم أفعل به هذا، وهو معنى قوله: ((إلاَّ أني نهيته)) أي: الدهقان فلم
ينته، ويوضح هذا رواية يزيد: لولا أني تقدمت إليه مرة أو مرتين، ورواية عبد الله بن
عكيم: إني أمرته أن لا يسقيني فيه، ثم قال: إن النبي ◌َّ نهانا ... إلى آخره. قوله:
((والديباج)) هو الثياب المتخذة من الإبريسم، وهو فارسي معرب. قوله: ((هن)) كذا هو في
الموضعين، وفي رواية، أبي داود: هي، ووقع في رواية مسلم: هو، أي: جميع ما
ذكر. قوله: ((لهم)) أي: للكفار، والسياق يدل عليه. وقال الإسماعيلي: ليس المراد
بقوله: ((هن لهم في الدنيا)) إباحة استعمالهم إياه، وإنما المعنى بقوله: ((لهم)) أي: هم
يستعملونه مخالفة لزي المسلمين، وكذا قوله: ((ولكم في الآخرة)) أي: تستعملونه مكافأة
لكم على تركه في الدنيا، ويمنعه أولئك جزاء لهم على معصيتهم باستعماله. قلت: الظاهر
أن الذي يستعمله في الدنيا لا يتعاطاه في الآخرة، كما في شرب الخمر. والكلام فيه مثل
الكلام في الخمر على الوجه الذي فيها.
٢٨ - بابُ آنِيةَ الفِضَّةِ
أي: هذا باب في بيان حكم استعمال آنية الفضة. وإنما أفرد هذه الترجمة مع أنها
داخلة في الترجمة السابقة لأن في حديث الترجمة الأولى بيَّن حرمة الذهب والفضة بلفظ
الإخبار بالفعل الماضي من النهي، وهنا بيّن بلفظ: لا تشربوا، وبينهما فرق لا يخفى.
٥٦٣٣/٥٧ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ المُثَنَّى، حدثنا ابنُ أبي عَدِيٍّ عنِ ابنِ عَوْنٍ عنْ
مُجاهدٍ عنِ ابنِ أبِي لَّيْلَى، قال: خَرَجْنَا مَعَ حُذَيْفَةً، وَذَكَر النبيَّ بَّهِ قال: ((لا تَشْرِبُوا في آنِيَةِ
الذّهَبِ والفِضَّةِ، ولا تَلْبِسُوا الحَرِيرَ والدِّيباجَ، فإنَّها لَهُمْ فِي الدُّنْيا ولَكُمْ في الآخِرَةِ». [انظر
الحديث ٥٤٢٦ وأطرافه].
مطابقته للترجمة ظاهرة وابن أبي عدي هو محمد، واسم أبي عدي إبراهيم البصري،
وابن عون عبد الله بن عون، وابن أبي ليلى عبد الرحمن.
قوله: ((خرجنا مع حذيفة وذكر النبي (وَ﴿))، وكذا ذكره مختصراً، وفيه حذف كثير بيّنه