Indexed OCR Text
Pages 401-420
٤٠١ ٦٨ - كتابُ الطلاقِ / بب (٢٣) - وهو أشهر أقواله: إن كل من ظاهر بامرأة حل له نكاحها يوماً من الدهر فليس ظهاراً، ومن ظاهر بامرأة لم يحل له نكاحها قط فهو ظهار. وقال مالك: من ظاهر بذات محرم أو بأجنبية فهو كله ظهار، وعن الشعبي: لا ظهار إلّ بأم أوجدة، وهو قول للشافعي رواه عنه أبو ثور، وبه قالت الظاهرية. واختلفوا فيمن ظاهر من أجنبية ثم تزوجها، فروى القاسم بن محمد عن عمر بن الخطاب، وضي الله تعالى عنه: إن تزوجها فلا يقربها حتى يكفر، وهو قول عطاء وسعيد بن المسيب والحسن وعروة، قال ابن حزم: صح ذلك عنهم. قلت: إن أراد بالصحة عن المذكورين فالأثر عن عمر منقطع لأن القاسم لم يولد إلاّ بعد قتل عمر رضي الله تعالى عنه، وإن أراد الباقين فيمكن. وقال في (التلويح): قال ابن عمر: قال ابن أبي ليلى والحسن بن حي: إن قال: كل امرأة أتزوجها فهي عليَّ كظهر أمي، أو سمى قرية أو قبيلة لزمه الظهار، وقال الثوري فيمن قال: إن تزوجتك فأنت طالق، وأنت علي كظهر أمي، ووالله لا أقربك أربعة أشهر فما زاد، ثم تزوجها وقع الطلاق وسقط الظهار والإيلاء لأنه بدأ بالطلاق. النوع الرابع: فيمن يصح منه الظهار ومن لا يصح، كل زوج صح طلاقه صح ظهاره سواء كان حراً أو رقيقاً مسلماً أو ذمياً دخل بالمرأة أو لم يدخل بها، أو كان قادراً على جماعها أو عاجزاً عنه، وكذلك يصح من كل زوجة صغيرة كانت أو كبيرة عاقلة أو مجنونة أو رتقاء أو سليمة محرمة أو غير محرمة ذمية أو مسلمة أو في عدة تملك رجعتها. وقال أبو حنيفة: لا يصح ظهار الذمي، وقال مالك: لا يصح ظهار العد، وقال بعض العلماء: لا يصح ظهار غير المدخول بها، وقال المزني: إذا طلق الرجل امرأته طلقة رجعية ثم ظاهر منها فإنه لا یصح. واختلف في الظهار من الأمة وأم الولد، فقال الكوفيون والشافعي: لا يصح الظهار منهما، وقال مالك والثوري والأوزاعي والليث: لا يكون من أمته مظاهراً. احتج الكوفيون بقوله تعالى: ﴿والذين يظاهرون من نسائهم﴾ [المجادلة: ٢] ... والأمة ليست من نسائنا. النوع الخامس: في بيان الكفارة، وهو تحرير رقبة قبل الوطء سواء كانت ذكراً أو أنثى صغيرة أو كبيرة مسلمة أو كافرة لإطلاق النص. وقال الشافعي: لا تجوز الكفارة بالكافرة وبه قال مالك وأحمد، وقال ابن حزم: يجوز المؤمن والكافر والسالم والمعيب والذكر والأنثى، وقال أبو حنيفة والشافعي ومالك: لا تجوز الرقبة المعيبة وقال ابن حزم: وروينا عن النخعي والشعبي أن عتق الأعمى يجزي في ذلك، وعن ابن جريج: إن الأشل يجزي في ذلك، وقال أبو حنيفة: المجنون لا يصح. واعلم أن الكفارة على أنواع: الأول: عتق الرقبة. فإن عجز صام شهرين متتابعين ليس فيهما شهر رمضان والأيام المنهية، وهي يوما العيدين وأيام التشريق، فإن وطىء فيهما ليلاً أو نهاراً ناسياً أو عامداً عمدة القاري /ج٢٠ /م٢٦ ٤٠٢ ٦٨ - كتابُ الطلاَقِ / باب (٢٣) استأنف الصوم، وذكر ابن حزم عن مالك أنه إذا وطىء التي ظاهر منها ليلاً قبل تمام الشهرين يبتدىء بهما من ذي قبل. وقال أبو حنيفة والشافعي: يتمهما بانياً على ما صام منهما. وقال أصحابنا: فإن وطئها في الشهرين ليلاً عامداً أو يوماً ناسياً، أو أفطر فيهما مطلقاً يعني: سواء كان بعذر أو بغير عذر استأنف الصوم عندهما وقال أبو يوسف: ولا يستأنف إِلاَّ بالإفطار. وبه قال الشافعي. وقال مالك وأحمد: إن كان بعذر لا يستأنف ولم يجز للعبد إلاّ الصوم، فإن لم يستطع الصوم أطعم ستين مسكيناً كالفطرة في قدر الواجب يعني: نصف صاع من بر أو صاع من تمر أو شعير، وقال الشافعي: لكل مسكين مد من غالب قوت بلده، وعند مالك مد بمد هشام وهو مدان بمد النبي معَّ ◌ُلِّ، وعند أحمد من البر مد ومن تمر وشعير مدان، وإن أطعم ثلاثين مسكيناً، ثم وطيء، فقال الشافعي وأبو حنيفة: يتم الإطعام كما لو وطىء قبل أن يطعم لم يكن عليه إلاَّ إطعام واحد. وقال الليث والأوزاعي ومالك يستأنف إطعام ستين مسكيناً. النوع السادس: فيمن ظاهر ثم كرر ثانية أو ثالثة فليس عليه إلاَّ كفارة واحدة، فإن كرر رابعة فعليه كفارة أخرى. قاله ابن حزم، وعن علي رضي الله تعالى عنه. إذا ظاهر في مجلس واحد مراراً فكفارة واحدة، وإن ظاهر في مقاعد شتى فعليه كفارات شتى، والأيمان كذلك وهو قول قتادة وعمرو بن دينار، وقال ابن حزم: صح ذلك عنهما، وقال آخرون: ليس في ذلك إلاّ كفارة واحدة، قال ابن حزم: روينا عن طاووس وعطاء والشعبي أنهم قالوا: إذا ظاهر من امرأة خمسين مرة فإنما عليه كفارة واحدة، وصح مثله عن الحسن، وهو قول الأوزاعي، وقال الحسن أيضاً: إذا ظاهر مراراً فإن كان في مجالس شتى فكفارة واحدة ما لم يكفر والأيمان كذلك، قال معمر: وهو قول الزهري، وقول مالك، وقال أبو حنيفة: إن كان كرر الظهار في مجلس واحد ونوى التكرار فكفارة واحدة، وإن لم يكن له نية فلكل ظهار كفارة، وسواء كان ذلك في مجلس واحد أو مجالس. النوع السابع: فيما يجوز للمظاهر أن يفعل مع امرأته التي ظاهر منها، روي عن الثوري أنه: لا بأس أن يقبل التي ظاهر منها قبل التكفير، ويباشرها فيما دون الفرج لأن المسيس هنا الجماع، وهو قول الحسن وعطاء وعمرو بن دينار وقتادة وقول أصحاب الشافعي، وروي عنه أنه قال: أحب إلي أن يمتنع من القبلة والتلذذ احتياطاً، وقال أحمد وإسحاق: لا بأس أن يقبل ويباشر وأبي مالك من ذلك ليلاً أو نهاراً. وكذا في صيام الشهرين، قال: ولا ينظر إلى شعرها ولا إلى صدرها حتى يكفِّر، وقال الأوزاعي: يأتي منها ما دون الإزار كالحائض، وقال أصحابنا، كما يحرم عليه الوطء قبل التكفير حرمت عليه دواعيه كاللمس والقبلة بشهوة. النوع الثامن: فيمن وجبت عليه كفارة الظهار، ولم تسقط بموته ولا بموتها ولا طلاقه لها هي من رأس ماله إن مات أوصى بها أو لم يوصٍ، وهذا مذهب الشافعية وعند أصحابنا الديون نوعان حقوق الله وحقوق العباد، فحق الله إن لم يوص به يسقط سواء كان صلاة أو زكاة، ويبقى عليه الإثم والمطالبة في حكم الآخرة، وإن أوصى به يعتبر من الثلث، فعلى ٤٠٣ ٦٨ - كتابُ الطلاَقِ / باب (٢٣) الوارث أن يطعم عنه لكل صلاة وقت نصف صاع كما في الفطرة، وللوتر أيضاً عند أبي حنيفة، وإن كان صوماً يصوم لكل يوم كصلاة كل وقت، وإن كان حجاً فعلى الوارث الإحجاج عنه من الثلث وكذا الحكم في النذور والكفارات، وأما دين العباد فهو مقدم بكل حال. النوع التاسع: في ظهار العبد. ففي (موطأ مالك) أنه سأل ابن شهاب عن ظهار العبد، فقال نحو ظهار الحر، وقال مالك: صيام العبد في الظهار شهران. وقال أبو عمر: لا خلاف بين العلماء أن الظهار للعبد لازم. وأن كفارته المجمع عليها الصوم، قال: واختلفوا في العتق والإطعام، فأجاز أبو ثور وداود للعبد العتق إن أعطاه سيده وأبى ذلك سائر العلماء، وقال ابن القاسم عن مالك إن أطعم بإذن مولاه جاز، وإن أعتق بلا إذنه لم يجز وأحب إلينا أن يصوم، وقال مالك: وإطعام العبد كإطعام الحر ستين مسكيناً لا أعلم فيه خلافاً. النوع العاشر: في بيان العود. المذكور في الآية. واختلفوا في معناه. فقال الشافعي: العود الموجب للكفارة أن يمسك عن طلاقها بعد الظهار بمضي مدة يمكنه أن يطلقها فلم يطلقها، وقال قتادة في قوله تعالى: ﴿ثم يعودون لما قالوا﴾ [المجادلة: ٣] يريد أن يغشاها ويطأها بعدما حرمها وإليه ذهب أبو حنيفة قال: إن عزم على وطئها ونوى أن يغشاها يكون عوداً ويلزمه الكفارة، وإن لم يعزم على الوطء لا يكون عوداً، وقال مالك: إن وطئها كان عوداً وإن لم يطأها لم يكن عوداً. وقال أصحاب الظاهر: إن كرر اللفظ كان عوداً وإلاَّ لم يكن عوداً. وهو قول أبي العالية وذكر ابن بطال أن العود عند مالك هو العزم على الوطء، وحكى عنه أن الوطء بعينه، ولكن تقدم الكفارة عليه وهو قول ابن القاسم وأشار في (الموطأ) إلى أنه العزم على الإمساك والإصابة، وعليه أكثر أصحابه، وقال ابن المنذر: وهو قول أبي حنيفة وأحمد وإسحاق وذهب الحسن وطاووس والزهري إلى أن الوطء نفسه هو العود. وقال الطحاوي: معنى العود عند أبي حنيفة أنه لا يستبيح وطأها إلاَّ بكفارة يقدمها. وفي (التلويح) قال أبو حنيفة، رضي الله تعالى عنه: معنى العود أن الظهار يوجب تحريماً لا يرفعه إلاّ الكفارة إلاَّ أنه إن لم يطأها مدة طويلة حتى ماتت فلا كفارة عليه، سواء أراد في خلال ذلك وطأها أو لم يرد، فإن طلقها ثلاثاً فلا كفارة عليه، فإن تزوجها بعد زوج آخر عاد عليه حكم الظهار ولا يطؤها حتى يكفر، وقال أبو حنيفة: الظهار قول كانوا يقولونه في الجاهلية فنهوا عنه. فكل من قاله فقد عاد لما قال. وقال ابن حزم: هذا لا يحفظ عن غيره، قال ابن عبد البر: قاله قبله غيره، وروى بشر بن الوليد عن أبي يوسف أنه لو وطئها ثم مات أحدهما لم يكن عليه كفارة، ولا كفارة بعد الجماع. وقال لِي إِسْمَاعِيلُ: حدّثني مالِكٌ أنّهُ سألَ ابنَ شِهِابٍ عنْ ظِهارِ العَبْدِ، فقال: نَحْوَ ظِهارِ الحُرِّ. قال مالِك: وصِيامِ العَبْدِ شَهْرَانِ. أي: قال البخاري قال لي إسماعيل: وهو ابن أبي أويس، كذا وقع في رواية الأكثرين ٤٠٤ ٦٨ - كتابُ الطلاَقِ / باب (٢٣) بكلمة لي بعد قوله؛ قال: ووقع في رواية النسفي: قال إسماعيل، بدون لفظة لي، وهذا حكمه حكم الموصول، ويستعمل هذا فيما تحمله عن شيوخه بطريق المذاكرة. قوله: سأل ابن شهاب، وهو محمد بن مسلم الزهري، وقد مر الكلام فيه عن قريب. وقال الحَسَنُ بنُ الحُرّ: ظهِارُ الحُرِّ والعَبْدِ مِنَ الحُرَّةِ والأَمَةِ سَوَاءٌ. الحسن بن الحر، بضم الحاء المهملة وتشديد الراء النخعي الكوفي ثم الدمشقي، مات سنة ثلاث وثلاثين ومائة، وليس له في البخاري ذكر إلاّ في هذا الموضع، وقال الكرماني: ويروى الحسن بن حي - ضد الميت - الهمداني الفقيه، مات سنة تسع وستين ومائة ونسبته لجد أبيه وهو الحسن بن صالح بن حي، واسم حي حيان فقيه ثقة عابد من طبقة الثوري: قلت: رواية الأكثرين: الحسن بن الحر، وفي رواية: أبي ذر عن المستملي: الحسن بن حي، ويروى: الحسن مجرداً، ويحتمل أن يكون أحد الحسنين المذكورين، وقد أخرج الطحاوي في كتاب (اختلاف العلماء) عن الحسن بن حي هذا الأثر، ويروى عن إبراهيم النخعي مثله. وقال عِكْرَمَةُ: إِنْ ظاهَرَ مِنْ أَمَتِهِ فَلَيْسَ بِشَيءٍ، إنّما الظُّهَارُ مِنَ النِّساءِ عكرمة مولى ابن عباس قوله: ((من النساء)) قال الكرماني: أي المزوجات الحرائر. قلت: لفظ النساء يتناول الحرائر والإماء فلذلك هو فسرها بالمزوجات الحرائر، ولو قيل: من الحرائر، لكان أولى. وقال ابن حزم: وروى الشعبي مثله ولم يصح عنهما، وصح عن مجاهد وابن أبي مليكة وهو قول أبي حنيفة ومحمد بن إدريس الشافعي وأحمد وإسحاق، إلاَّ أن أحمد قال: في الظهار من ملك اليمين كفارة، وروي عن عكرمة خلافه، قال عبد الرزاق: أخبرنا ابن جريج أخبرني الحكم بن أبان عن عكرمة مولى ابن عباس يكفّر عن ظهار الأمة مثل كفارة الحرة، قيل: يحتمل أن يكون المنقول عن عكرمة الأمة المزوجة، فلا يكون بين قوليه اختلاف، والله أعلم. وفي العَرَبِيَّةِ: لما قالُوا: فِيما قالُوا، وفي نَقْضِ ما قالُوا، وهُذَا أوْلى لأنَّ الله تعالى لَمْ يَدُلَّ علَّى المُنْكَرِ وعَلَى قَوْلِ الزُّورِ. أي: يستعمل في كلام العرب لفظ عاد له، بمعنى: عاد فيه، أي: نقضه وأبطله، وقال الزمخشري: ثم يعودون لما قالوا، أي: يتداركون ما قالوا، لأن المتدارك للأمر عائد إليه أي: تداركه بالإصلاح بأن يكفر عنه. قوله: ((وفي نقض ما قالوا)) بالنون والقاف في رواية الأكثرين، وفي رواية الأصيلي والكشميهني، وفي بعض بالباء الموحدة والعين المهملة. قوله: ((وهذا أولى)) أي: معنى يعودون لما قالوا، أي: ينقضون ما قالوا أولى مما قالوا: إن معنى العود هو تكرار لفظ الظهار، وغرض البخاري من هذا الرد على داود الظاهري حيث قال: إن العود هو تكرير كلمة الظهار. قوله: ((لأن الله لم يدل)) تعليق لقوله: وهذا أولى، وجه الأولوية أنه إذا كان معناه كما زعمه داود لكان الله دالاً على المنكر وقول الزور تعالى الله عن ذلك ٤٠٥ ٦٨ - كتابُ الطلاَقِ / باب (٢٤) علواً كبيراً، وقال الفراء والأخفش: المعنى على التقديم والتأخير، أي: والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة، وقال ابن بطال: وهو قول حسن، وقال غيره: يجوز أن يكون: ما، بتقدير المصدر، والتقدير: ثم يعودون للقول، سمى القول باسم المصدر، كما قالوا: نسج اليمن ودرهم ضرب الأمير، وإنما هو منسوج اليمن ومضروب الأمير، وقال آخرون: يجوز أن يكون: ما بمعنى: من كأنه قال: ثم يعودون لمن قالوا فيهن، أو لهن، أنتن علينا كظهور أمهاتنا. وقال ابن المرابط: قالت فرقة: ثم يعودون لما قالوا من الظهار فيقولون بالظهار مرة أخرى، وهو الذي أنكره البخاري. فإن قلت: اقتصر البخاري في: باب الظهار على ذكر قوله تعالى: ﴿قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها﴾ [المجادلة: ١ - ٤] إلى قوله: ﴿فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً﴾ [المجادلة: ١ - ٤] وعلى ذكر بعض الآثار، وقد ورد فيه أحاديث عن ابن عباس وسلمة بن صخر الأنصاري البياضي وخولة بنت ثعلبة وأوس بن الصامت وعائشة، رضي الله عنهم، ولم يذكر منها حديثاً. قلت: ليس فيها حديث على شرطه فلذلك لم يذكر منها حديثاً، غير أنه ذكر في أوائل كتاب التوحيد من حديث عائشة معلقاً، على ما سيأتي إن شاء الله تعالى، أما حديث ابن عباس فأخرجه الأربعة، وأما حديث سلمة بن صخر، ويقال: سليمان بن صخر، فأخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه، وأما حديث خولة فأخرجه أبو داود، وأما حديث أوس بن الصامت زوج خولة فأخرجه أبو داود أيضاً، وذكرنا هذا المقدار طلباً للاختصار. ٢٤ - بابُ الإِشارَةِ في الطّلاَقِ والأُمُورِ أي: هذا باب في بيان حكم الإشارة في الطلاق، وقال ابن التين: أراد الإشارة التي يفهم منها الطلاق من الصحيح والأخرس، وقال المهلب: الإشارة إذا فهمت يحكم بها وأوكد ما أتى بها من الإشارة ما حكم به النبي عَّ له، في أمر السوداء حين قال لها: أين الله؟ فأشارت إلى السماء. فقال: أعتقها فإنها مؤمنة، فأجاز الإسلام بالإشارة الذي هو أصل الديانة، وحكم بإيمانها كما يحكم بنطق من يقول ذلك، فيجب أن تكون الإشارة عامة في سائر الديانات، وهو قول عامة الفقهاء. وقال مالك: الأخرس إذا أشار بالطلاق يلزمه. وقال الشافعي في الرجل يمرض فيختل لسانه: فهو كالأخرس في الطلاق والرجعة. وقال أبو حنيفة وأصحابه: إن كانت إشارته تعرف في طلاقه ونكاحه وبيعه فهو جائز عليه، وإن كان يشك فيه فهو باطل، وقال: وليس ذلك بقياس، وإنما هو استحسان، والقياس في هذا كله باطل لأنه لا يتكلم ولا تعقل إشارته، وقال ابن المنذر: وفي ذلك إقرار من أبي حنيفة أنه حكم بالباطل لأن القياس عنده حق، فإذا حكم بضده وهو الاستحسان فقد حكم بضد الحق، وفي إظهار القول بالاستحسان وهو ضد القیاس دفع منه للقياس الذي هو عنده حق انتھی. قلت: هذا كلام من لا يفهم دقائق الأحكام مع المكابرة والجرأة على مثل الإمام الأعظم الذي انتشى في خير القرون، وقول أبي حنيفة: القياس في هذا باطل، هل يستلزم ٤٠٦ ٦٨ - كتابُ الطلاَقِ / باب (٢٤) بطلان الأقيسة كلها، وليس الاستحسان ضد القياس، بل هو نوع منه لأن القياس على نوعين: جلي وخفي والاستحسان قياس خفي، ومن لا يدري هذا كيف يتحدث بكلام فيه افتراء وجرأة بغير حق؟ وكذلك ابن بطال الذي أطلق لسانه في أبي حنيفة بوجه باطل حيث قال حاول البخاري بهذا الباب الرد على أبي حنيفة لأنه عَّه حكم بالإشارة في هذه الأحاديث، وأشار به إلى أحاديث الباب، ثم نقل كلام ابن المنذر، ثم قال: وإنما حمل أبا حنيفة على قوله هذا لأنه لم يعلم السنن التي جاءت بجواز الإشارات في أحكام مختلفة. انتهى. قلت: هذا الذي قاله أدب فمن قال: إن أبا حنيفة لم يعلم هذه السنن، ومن نقل عنه أنه لم يجوز العمل بالإشارة، وهذه كتب أصحابنا ناطقة بجواز ذلك - كما نبهنا على بعض شيء من ذلك - وقال أصحابنا بإشارة الأخرس وكتابته كالبيان باللسان فيلزمه الأحكام بالإشارة والكتابة حتى يجوز نكاحه وطلاقه وعتاقه وبيعه وشراؤه وغير ذلك من الأحكام، بخلاف معتقل اللسان - يعني: الذي حبس لسانه - فإن إشارته غير معتبرة لأن الإشارة لا تنبىء عن المراد إلاَّ إذا طالت وصارت معهودة كالأخرس، وقدر التمرتاشي الامتداد بالسنة وعن أبي حنيفة: أن العقلة إن دامت إلى وقت الموت يجعل إقراره بالإشارة، ويجوز الإشهاد عليه. قالوا: عليه الفتوى، وفي (المحيط): ولو أشار بيده إلى امرأة وقال: زينب أنت طالق فإذا هي عمرة، طلقت عمرة لأنه أشار وسمى، فالعبرة للإشارة لا للتسمية. قوله: ((والأمور)) أي: الأمور الحكمية وغيرها. وقال ابنُ عُمَرَ: قال النبيُّ عَِّ: لا يُعَذِّبُ الله بِدَمْعِ العَيْنِ وَلُكِنْ يُعَذِّبُ بِهِذَا فأشارَ إلی لِسانِهِ. مطابقته للترجمة من حيث إن الإشارة التي يفهم منها الأمر من الأمور كالنطق باللسان، وهذا التعليق أخرجه في كتاب الجنائز مسنداً بأتم منه في: باب البكاء عند المريض. وقال كَعْبُ بنُ مالِكِ: أشار النبيُّ عَِّ إِلَيَّ أي خُذِ النّصفَ. تقدم هذا التعليق في كتاب الملازمة مسنداً عن كعب بن مالك: أنه كان له على عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي دين، فلقيه فلزمه فتكلما حتى ارتفعت أصواتهما، فمر بهما النبي عَّله فقال: يا كعب، وأشار بيده، كأنه يقول: النصف: فأخذ نصف ما عليه وترك نصفاً. وقالَتْ أسْماءُ صَلّى النبيُّ ◌َّ ◌َلِّ في الكُسُوفِ، فَقُلْتُ لِعَائِشَةَ: ما شأْنُ النّاسِ وَهْيَ تُصَلِّي؟ فأومأتْ بِرَأْسِها إلى الشَّمْسِ، فَقُلْتُ: آيَةٌ. فأومأتْ بِرَأْسِها: أنْ نَعَمْ. تقدم هذا التعليق أيضاً مسنداً في الكسوف في: باب صلاة النساء مع الرجال في الكسوف عن أسماء بنت أبي بكر، رضي الله تعالى عنهما، أنها قالت: أتيت عائشة زوج النبي عَّ حين خسفت الشمس فإذا الناس قيام يصلون فإذا هي قائمة تصلي، فقلت: للناس؟ فأشارت بيدها إلى السماء، وقالت: سبحان الله. فقلت: آية؟ فأشارت، أي: نعم، ومضى الكلام فيه هناك. ٤٠٧ ٦٨ - كتابُ الطلاَقِ / باب (٢٤) وقال أنَسّ: أَوْمأ النبيُّ عَّهِ بِيَدِهِ إلى أبي بَكْرٍ أنْ يَتَقَدَّمَ. تقدم هذا التعليق أيضاً في كتاب الصلاة مسنداً في: باب أهل العلم والفضل أحق بالإمامة، عن أنس، رضي الله تعالى عنه، لم يخرج النبي عَّ ◌ُلّم ثلاثاً فأقيمت الصلاة ... الحديث، وفيه: فأومأ النبي عَِّ بيده إلى أبي بكر أن يتقدم إلى آخره. وقال ابنُ عبَّاسٍ: أومأ النيُّ عَّه بِيَدِهِ: لا حَرَجَ. تقدم هذا التعليق أيضاً مسنداً في كتاب الحج قاله صاحب (التلويح). قلت: بهذا اللفظ مضى في كتاب العلم في: باب الفتيا بإشارة اليد والرأس عن ابن عباس: أن النبي عَّه سئل في حجته، فقال: ذبحت. قبل أن أرمي قال: فأومأ بيده، قال: ولا حرج. وقال أبو قُتَادَةَ قال النبيُّ عَِّ فِي الصَّيْدِ لِلْمُخرِمِ: آحَدٌ مِنْكُمْ أمَرَهُ أَنْ يَحمِلَ عَلَيْها أوْ أشارَ إلَيْها؟ قالُوا: لا. قال: فَكُلُوا. تقدم هذا التعليق أيضاً في الحج في: باب لا يشير المحرم إلى الصيد عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه: أن النبي عَّلِ خرج حاجاً الحديث، وفيه: فرأينا حمر وحش فحمل عليها أبو قتادة، إلى أن قال: فحملنا ما بقي من لحمها. قال: أمنكم أحد أمره أن يحمل عليها أو أشار إليها؟ قالوا: لا. قال: فكلوا ما بقي من لحمها. ٥٢٩٣/٣٧ - حدّثنا عبدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ حدثنا أَبُو عامِرٍ عَبْدُ المَلِكِ بن عُمْرٍو حدثنا إبْرَاهِيمُ عنْ خالِدٍ عِنْ عِكْرِمَةَ عنِ ابنِ عِبَّاسٍ قال: طافَ رسولُ اللهِ عَّهِ، على بَعِيرِهِ وكانَ كُلّمَا أَتَّى عَلَى الُّكْنِ أَشَارَ إِلَيْهِ وَكَثَّرَ، وقالَّتْ زَيْنَبُ: قال النبيُّ عَلّهِ: فَتِحَ مِنْ رَدْمِ يأُجُوجَ ومأْجُوجَ مِثْلُ هُذِهِ وهَذِهِ، وعَقَدَ تِسْعِينَ. [انظر الحديث ١٦٠٧ وأطرافه]. تقدم حديث ابن عباس في الحج أيضاً في: باب من أشار إلى الركن إذا أتى عليه. عن ابن عباس نحوه، وفي آخره: أشار إليه بشيء كان عنده وكبر. وأبو عامر عبد الملك العقدي وإبراهيم قال الكرماني: هو ابن طهمان وجزم به الحافظ المزي وقيل: هو أبو إسحاق الفزاري. وأما تعليق زينب بنت جحش أم المؤمنين فقد مضى موصولاً في أحاديث الأنبياء، عليهم السلام، في: باب علامات النبوة، عن زينب بنت جحش أن النبي عَ ◌ّلم دخل عليها فزعاً يقول: لا إله إلاّ الله ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذا، وحلق بإصبعه وبالتي تليها ... الحديث. قيل: ليس فيه الإشارة. وأجيب: بأن عقد الأصابع نوع من الإشارة. ٥٢٩٤/٣٨ _ حدّثنا مُسَدَّدٌ حدثنا بِشْرُ بنُ المُفَضْلِ حدثنا سَلمَةُ بنُ عَلْقَمَةَ عنْ مُحَمَّد ابنٍ سِيرِينَ عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قال: قال أبو القاسِمِ عَ لَّهِ، فِي الجُمُعَةِ ساعَة لا يُوَافِقُها مُسْلمٌ قَائِمٌ يُصَلِّي فَسأل الله خَيْراً إلاّ أُعطاهُ، وقال بِيَدِهِ، ووَضَعَ أْلَنَهُ عَلَى بَطْنِ الوُسْطَى ٤٠٨ ٦٨ - كتابُ الطلاقِ / باب (٢٤) والخنْصِرِ، قُلْنا: يَزُهُّدُها. [انظر الحديث: ٩٣٥ وطرفه]. مطابقته للجزء الأخير من الترجمة في قوله: ((وقال بيده)) لأن معناه أشار بيده، وتؤخذ المطابقة أيضاً من قوله: ((ووضع أنملته)) إلى آخره، لأن وضع الأنملة على الوسطى إيماء إلى أن تلك الساعة في وسط النهار، وعلى الخنصر إلى أنها في آخر النهار. وبشر، بكسر الباء الموحدة وسكون الشين المعجمة: ابن المفضل على صيغة اسم المفعول من التفضيل بالضاد المعجمة البصري، وسلمة بفتحتين ابن علقمة التميمي. والحديث تقدم في كتاب الجمعة في: باب الساعة التي في يوم الجمعة، ولكن من حديث الأعرج عن أبي هريرة. وفي آخره: وأشار بيده يقللها، وهنا: يزهدها. من التزهيد وهو التقليل. ٥٢٩٥/٣٩ _ وقال الأوَنْسيِّ ح وحدّثنا إبْرَاهِيمٌ بنُ سَعْدٍ عنْ شُعْبَةَ بنِ الحَجّاجِ عنْ هِشامٍ بِنِ زَيْدٍ عنْ أنَسِ بنِ مالِكَ قالٍ: عَدَا يَهُودِيٌّ فِي عَهْدِ رسولِ اللهِ عَّلَمْ عَلَى جَارِيَةٍ فأخَذَ أوْضاحاً كانَتْ عَلَيْها ورَضَخَ رأْسَها، فأتَى بها أهْلُها رسولَ اللهِ عَّه وهْيَ في آخِرِ رَمَّقِ، وقَدْ أُصْمِتَتْ فقال لها رسولُ الله عَ لِ: مَنْ قَتَلَكِ؟ فُلاَنٌ لِغَيْرِ الَّذِي قَتَلَها فأشارَتْ بِرَأْسِهَا أنْ لا قال. فقال لِرَجُلِ آخَرَ غَيْرِ الذِي قَتَلَها. فأشارَتْ أَنْ لا، فقال: فَفَلاَنٌ لِقاتِلِها، فأشارتْ أنْ نَعَمْ، فَأَمَرَ بِهِ رسولُ اللهِ عَ لَ﴾ فَرْضِخْ رَأْسُهُ بَيْنَ حَجَرَيْنِ. [انظر الحديث: ٢٤١٣ وأطرافه]. مطابقته للجزء الأخير من الترجمة ظاهرة. والأويسي، بضم الهمزة وفتح الواو وسكون الياء آخر الحروف وبالسين المهملة وتشديد الياء آخر الحروف: هو عبد العزيز بن عبد الله بن يحيى بن عمرو بن أويس العامري المديني، أحد شيوخ البخاري، وقد مر في العلم ونسبته إلى أحد أجداده أويس، وهشام بن زيد بن أنس بن مالك يروي عن جده أنس. والحديث أخرجه البخاري أيضاً في الديات عن محمد وهو ابن سلام وعن بندار عن غندر. وأخرجه مسلم في الحدود عن أبي موسى وغيره. وأخرجه أبو داود في الديات عن عثمان بن أبي شيبة وأخرجه النسائي فيه عن إسماعيل بن مسعود. وأخرجه ابن ماجه فيه عن بندار وغيره. قوله: ((عدا يهودي))، يعني: تعدى قوله: ((في عهد رسول الله عَّل))، أي: في زمنه وأيامه قوله: ((فأخذ أوضاحاً))، بفتح الهمزة جمع وضح بالضاد المعجمة والحاء المهملة، وهو نوع من الحلي يعمل من الفضة سميت بها لبياضها وصفائها، وقال الكرماني: الأوضاح الحلي من الدراهم الصحاح، سميت بذلك لوضوحها وبياضها وصفائها، وقيل: ومنه أنه أمر بصيام الأواضح، وهي أيام البيض، وفي حديث آخر: ((صوموا من وضح إلى وضح))، أي: من الضوء إلى الضوء، وقيل: من الهلال إلى الهلال، وهو الوجه لأن سياق الحديث يدل عليه، وتمامه: فإن خفي عليكم فأتموا العدة ثلاثين يوماً. قلت: الأواضح جمع واضحة لأن أصله ٤٠٩ ٦٨ - كتابُ الطلاَقِ / باب (٢٤) وواضح قلبت الواو الأولى همزة. قوله: ((كانت عليها))، جملة وقعت صفة لأوضاح. قوله: ((ورضخ)) بالمعجمتين من الرضخ وهو الدق والكسر ههنا، ويجيء بمعنى الشدخ والقطعة. قوله: ((في آخر رمق))، الرمق بقية الروح. قوله: ((وقد أصمتت)) على صيغة المعلوم وبمعنى المجهول أيضاً. يقال: صمت العليل وأصمت فهو صامت ومصمت إذا اعتقل لسانه وسكت، والصموت والإصمات بمعنى. قوله: ((فلان؟)) أي: أفلان؟ الهمزة فيه مقدرة، ويروى كذلك. قوله: ((أن لا)) أي: ليس فلان قتلني، وكلمة: أن تفسيرية في المواضع الثلاثة. قوله: ((فرضخ)) على صيغة المجهول وقد مر معناه. وقد اختلفت ألفاظ هذا الحديث هنا، فروي: رض رأسه بين حجرين، كذا في رواية لمسلم، وفي رواية لأبي داود عن أنس: أن يهودياً قتل جارية من الأنصار على حلي لها ثم ألقاها في قليب ورضخ رأسها بالحجارة، فأخذ فأتي به النبي عَّه، فأمر به أن يرجم حتى يموت، فرجم حتى مات، واستدل بهذا الحديث جماعة على أن القاتل يقتل بما قتل به، وهم: عمر بن عبد العزيز وقتادة والحسن وابن سيرين ومالك والشافعي وأحمد وأبو إسحاق وأبو ثور وابن المنذر وجماعة الظاهرية. وخالفهم آخرون وقالوا: كل من وجب عليه القود لم يقتل إلاّ بالسيف، وهم: الشعبي والنخعي والحسن البصري وسفيان الثوري وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد، وقال ابن حزم: وهو قول أبي سليمان. واحتجوا في ذلك بقوله عَّل: ((لا قود إلاَّ بالسيف))، روى هذا عن خمسة من الصحابة وهم: أبو بكرة والنعمان بن بشير وابن مسعود وأبو هريرة وعلي بن أبي طالب، رضي الله تعالى عنهم. أما حديث أبي بكرة فرواه ابن ماجه من حديث الحسن عن أبي بكرة عن النبي عَّله، قال: ((لا قود إلاَّ بالسيف))، وأما حديث النعمان فأخرجه ابن ماجة أيضاً عن جابر الجعفي عن أبي عازب عن النعمان بن بشير، قال: قال رسول الله عَ لَّهِ: ((لا قود إلاَّ بالسيف))، وأما حديث ابن مسعود فأخرجه الطبراني في (معجمه) من حديث علقمة عنه مرفوعاً نحوه. وأما حديث أبي هريرة فأخرجه الدارقطني في (سننه) من حديث سعيد بن المسيب عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله عَّله. نحوه وأما حديث علي، رضي الله تعالى عنه، فأخرجه الدارقطني أيضاً من حديث عاصم بن ضمرة عن علي، قال: قال رسول الله عَّلِ: لا قود في النفس وغيرها إلاَّ بحديدة. فإن قلت: قال البزار في حديث أبي بكرة بعد أن أخرجه: الناس يروونه عن الحسن مرسلاً. قلت: تابعه الوليد بن صالح بن محمد الأيلي عن مبارك بن فضالة عن الحسن عن أبي بكرة مرفوعاً. فإن قلت: رواه ابن عدي في (الكامل) وأعله بالوليد، وقال: أحاديثه غير محفوظة، وقال البيهقي: والمبارك بن فضالة لا يحتج به. قلت: أخرج له ابن حبان في (صحيحه) والحاكم في (مستدركه) ووثقه، والمرسل: الذي أشار إليه البزار رواه أحمد في (مسنده) مرفوعاً: حدثنا هشيم حدثنا أشعث عن عبد الملك عن الحسن مرفوعاً: لا قود إلاّ بحديدة. وكذلك أخرجه ابن أبي شيبة في (مصنفه): حدثنا عيسى بن يونس عن أشعث وعمر ٤١٠ ٦٨ - كتابُ الطلاقِ / باب (٢٤) وعن الحسن مرفوعاً نحوه. فإن قلت: فى حديث النعمان عن جابر الجعفي وهو ضعيف، وقال ابن الجوزي: اتفقوا على ضعفه، قاله في (التنقيح). قلت: عجباً منه فإنه قال في غيره: وجابر الجعفي قد وثقه الثوري وشعبة، وناهيك بهما فكيف يقول هذا ثم يحكي الاتفاق على ضعفه؟ هذا تناقض بيّ. وأبو عازب اسمه مسلم بن عمرو، فإن قلت: في سند حديث ابن مسعود عبد الكريم بن أبي المخارق وهو ضعيف. قلت: حديثه قد تقوى بغيره. فإن قلت: في سند حديث أبي هريرة سليمان بن أرقم وهو متروك. قلت: في غيره كفاية. فإن قلت: في سند حديث علي معلى بن هلال وهو متروك. قلت: المتروك قد يستعمل عند وجود المقبول. وقد يسكت عنه لحصول المقصود بغيره. ولا شك أن بعض هذه الأحاديث تشهد لبعض وأقل أحواله أن يكون حسناً فيصح الاحتجاج به، والعجب من الكرماني حيث يقول: وفيه أي: وفي حديث الباب - ثبوت القصاص بالمثل خلافاً للحنفية، فلم لا يقول في هذه الأحاديث: لا قود إلاَّ بالسيف خلافاً للشافعية؟ وأعجب منه صاحب (التوضيح) حيث يقول: وهو حجة على أبي حنيفة في قوله: لا يقاد إلاَّ بالسيف، فما معنى تخصيص أبي حنيفة من بين الجماعة الذين قالوا بقوله وهم: الشعبي والحسن البصري وإبراهيم النخعي وسفيان الثوري وهؤلاء أساطين في أمور الدين؟ ولكن هذا من نبض عرق العصبية الباردة. وأجاب أصحاب أبي حنيفة عن حديث الباب بأجوبة. الأول: بأنه كان في ابتداء الإسلام يقتل القاتل بقول المقتول وبما قتل به. الثاني: ما قتله النبي عَ لِّ إلاّ باعترافه، فإن لفظ الاعتراف أخرجه البخاري وأبو داود والترمذي، وفي (صحيح مسلم): فأخذ اليهودي فاعترف. وفي لفظ للبخاري: فلم يزل به حتى أقر. الثالث: صلى الله تعالى عليه وسلم، علمه بالوحي، فلذلك لم يحتج إلى البينة ولا إلى الإقرار. والرابع: ما قاله الطحاوي: إنه يحتمل أن يكون النبي عَّ له رأى أن ذلك القاتل يجب قتله لله، إذ كان إنما قتل على مال قد، بين ذلك في بعض الحديث، ثم روى الحديث المذكور، فإن كان رسول الله عَ ل جعل دم ذلك اليهود قد وجب لله عز وجل كما يجب دم قاطع الطريق لله تعالى، فكان له أن يقتله كيف شاء بسيف وبغير ذلك. الخامس: إنما كان هذا في زمن كانت المُثلة مباحة، كما في العرنيين، ثم نسخ ذلك بانتساخ المُثلة. ٥٢٩٦/٤٠ _ حدّثني قَبِيصَةُ حدثنا سُفْيَانُ عنْ عبْدِ الله بن دينارٍ عنِ ابن عُمَرَ رضي الله عنهما، قال: سَمِعْتُ النبيَّ عَظ ◌ِلّهِ، يَقُولُ: الفِتْنَةُ مِنْ هُنا، وأشارَ إلى المَشْرِقِ. [انظر الحديث ٣١٠٤ وأطرافه]. مطابقته للجزء الأخير من الترجمة ظاهرة، وقبيصة هو ابن عقبة الكوفي، وسفيان هو الثوري. والحديث من أفراده. ٤١ / ٥٢٩٧ _ حدّثنا عَلِيُ بنُ عبدِ الله حدثنا جَرِيرُ بنُ عَبْدِ الحَمِيدِ عنْ أَبِي إِسْحاقَ الشَّيْبَانِيِّ عنْ عَبْدِ الله بنِ أبي أوْفَى قال: كُنَّا في سفَرٍ مَعَ رسولِ اللهِ عَّهِ، فَلَمَّا غَرَبَتِ ٤١١ ٦٨ - كتابُ الطلاقِ / باب (٢٤) الشّمْسُ قال لرَجُلِ: انْزِلْ فاجْدَخ لِي. قال: يا رسولَ الله! لو أمْسَيْتَ. ثُمَّ قال: انْزِلْ فاجْدَخ. قال: قال يا رسولَ الله لَوْ أَمْسَيْتَ! إِنَّ عَلَيْكَ نَهاراً، ثُمَّ قال: انْزِلِ فاجْدَخْ، فَنَزَلَ فَجَدَحَ لهُ فِي الثالِثَةِ، فَشَرِبَ رسولُ اللهِعَّلْهِ ثُمَّ أَوْماً بِيَدِهِ إلى المَشْرِقِ فقالَ: إِذَا رَأيْتُمُ اللّيْلَ قَدْ أقْبَلَ مِنْ هُهُنا فَقَدْ أَفْطَرَ الصائِمُ. [انظر الحديث: ١٩٤١ وأطرافه]. مطابقته للجزء الأخير من الترجمة في قوله: ((ثم أومأ بيده إلى المشرق)). وعلي بن عبد الله هو ابن المديني . وأبو إسحاق الشيباني سليمان بن أبي سليمان واسمه فيروز الكوفي، وعبد الله بن أبي أوفى، وقيل: ابن أوفى، فليس بصحيح واسم أبي أوفى علقمة الأسلمي، قال الواقدي: مات سنة ست وثمانين وهو آخر من مات بالكوفة من الصحابة. رواه أبو حنيفة، رضي الله تعالى عنه. والحديث قد مر في كتاب الصوم في: باب متى يحل فطر الصائم، فإنه أخرجه هناك عن إسحاق الواسطي عن خالد عن الشيباني إلى آخره، وقد مر الكلام فيه هناك. قوله: ((فاجدح)) أمر من الجدح بالجيم وبالمهملتين وهو بل السويق بالماء. قوله: ((فقد أفطر الصائم)) أي: قد دخل وقت الإفطار نحو: أحصد الزرع. ٤٢/ ٥٢٩٨ - حدّثنا عبْدُ الله بنُ مَسْلَمَة حدثنا يَزِيدُ بنُ زُرَيْع عنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ عنْ أبي عُثْمَانَ عنْ عبْدِ الله بنِ مَشْعُودٍ رضي اللهِ عنْهُ، قال: قال النبيُّ عَُّله: لا يَمْنَعَنَّ أَحَداً مِنْكُمْ نِدَاءُ بِلاَلٍ، أَوْ قال: أذَانُهُ - مِنْ سَحُورِهِ فَإِّما يُنادِيَ أَوْ قال: يُؤَذِّنُ - لِيَرْجِعَ قَائِمُكُمْ وَلَيْسَ أَنْ يَقُولَ كأَنّهُ يَعْنِي الصُّبْحَ أوِ الفَجْرِ، وَأَظْهَرَ يَزِيدُ يَدَيْهِ ثُمَّ مَدَّ إحدَاهُمَا مِنَ الأُخْرَى. [انظر الحديث: ٦٢١ وأطرافه]. مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: ((وأظهر يزيد)) إلى آخره، وفي الرواية المتقدمة في الأذان، وقال بأصابعه ورفعهما إلى فوق وطأطأ إلى أسفل حتى يقول: هكذا، وبه يظهر المراد من الإشارة. وعبد الله بن مسلمة بفتح الميم في أوله، ويزيد من الزيادة ابن زريع - مصغر زرع، وسليمان التيمي هو سلميان بن طرخان وأبو عثمان عبد الرحمن بن مل النهدي، بفتح النون. والحديث قد مر في كتاب الصلاة في: باب الأذان قبل الفجر فإنه أخرجه هناك عن أحمد بن يونس عن زهير عن سليمان التيمي إلى آخره، ومر الكلام فيه هناك. قوله: ((أو قال))، شك من الراوي. قوله: ((من سحوره))، بضم السين وهو التسحر. قوله: ((ليرجع))، يجوز أن يكون من الرجوع أو من الرجع، وقائمكم بالنصب على المفعولية، والقائم هو المتهجد أي: يعود إلى الاستراحة بأن ينام ساعة قبل الصبح قوله: ((كأنه))، غرضه أن اسم ليس هو الصبح يعني: ليس المعتبر هو أن يكون الضوء مستطيلاً من العلو إلى أسفل، وهو الكاذب، بل الصبح هو الضوء المعترض من اليمين إلى الشمال وهو الصبح الصادق. قوله: ((أو الفجر))، شك من الراوي. قوله: ((وأظهر))، فعل ماضٍ ((ويزيد)) فاعله وهو يزيد بن ٠٠ ٤١٢ ٠ ٦٨ - كتابُ الطلاقِ / باب (٢٥) زريع الراوي، أي: جعل إحدى يديه على ظهر الأخرى ومدها عنها، والحاصل أن قوله: ((وأظهر يزيد .. ،)) إلى آخره إشارة إلى صورة الصبح الكاذب. قوله: ((ثم مد إحداهما من الأخرى))، إشارة إلى الصبح الصادق. ٥٢٩٩/٠٠٠ - قال اللّيْثُ: حدّثني جَعْفَرُ بنُ ربِيعَةَ عنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بن هُرْمُزَ سَمَعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ قال: قال رسولُ اللهِ عَّهِ: مَثَلُ البَخِيلِ والمُنفِقِ كَمَثَلٍ رَجُلَيْنِ عَلَيْهِمَا مجُبَتَانٍ مِنْ حَدِيدٍ مِنْ لَدُنْ ثَدْيَيْهِما إلى تَرَاقِيهما، فأمَّا المُنفِقُ فَلاَ يُنْفِقُ شَيْئاً إلاّ ماذَّتْ عَلى جِلْدِهِ حتَّى تَجِنَّ بَنَانَهُ وَتَعْفُوَ أَثَرَهُ، وأمَّا البَخِيلُ فَلا يُرِيدُ يُنفِقُ إلاّ لَزِمتْ كلُّ حَلْقَةٍ مَوْضِعها فَهُوَ يُوسِّعُها فَلاَ تَتَسِعُ، ويُشِيرُ بأصْبُعِهِ إلى حلْقِهِ. [انظر الحديث: ١٤٤٣ وأطرافه]. مطابقته للترجمة في قوله: ((ويشير بإصبعه إلى حلقه)). والليث هو ابن سعد. والحديث قد مر موصولاً في الزكاة في: باب التصدق والبخيل، فإنه أخرجه هناك عن أبي اليمان عن شعيب عن أبي الزناد عن عبد الرحمن أنه سمع أبا هريرة، وقال هناك أيضاً: قال الليث: حدثني جعفر عن ابن هرمز: سمعت أبا هريرة عن النبي عَّ ◌ُله: جبتان، وسكت وهنا ساقه بتمامه. قوله: ((جبتان))، بضم الجيم وتشديد الباء الموحدة، وهناك جنتان بالنون موضع الموحدة، وقد مضى الكلام فيه هناك. قوله: ((من لدن ثدييهما)) بالتثنية، كذا في رواية أبي ذر، وفي رواية غيره: ثديهما، بضم الثاء وكسر الدال وتشديد الياء جمع ثدي قوله: ((إلى تراقيهما)»، جمع ترقوة وهي العظم الكبير الذي بين ثغرة النحر والعاتق، ووزنها فعلوه. قوله: ((إلاَّ مادت))، بتشديد الدال أصله: ماددت، فأدغمت الدال في الدال، وذكر ابن بطال أنه مارت براء خفيفة بدل الدال، ونقل عن الخليل: مار الشيء يمور موراً إذا تردد. قوله: ((حتى تجن))، بفتح أوله وكسر الجيم كذا ضبطه ابن التين، قال: ويجوز بضم أوله وكسر الجيم من: أجن، وهو الذي ثبت في أكثر الروايات، ومعناه: تستر بنائه وهو أطراف الأصابع. قوله: ((وتعفو))، أي: تمحو، من عفى الشيء إذا محاه. ٢٥ - بابُ اللِّعانِ أي: هذا باب في بيان أحكام اللعان، وهو مصدر: لاعن يلاعن ملاعنة ولعاناً وهو مشتق من اللعن. وهو الطرد والإبعاد لبعدهما من الرحمة أو لبعد كل منهما عن الآخر، ولا يجتمعان أبداً. واللعان والالتعان، والملاعنة بمعنى، ويقال: تلاعنا والتعنا لاعن الحاكم بينهما. والرجل ملاعن والمرأة ملاعنة وسمي به لما فيه من لعن نفسه في الخامسة، وهي من تسمية الكل باسم البعض كالصلاة تسمى ركوعاً وسجوداً، ومعناه الشرعي: شهادات مؤكدات بالأيمان مقرونة باللعن. وقال الشافعي: هي أيمان مؤكدات بلفظ الشهادة فيشترط أهلية اليمين عنده فيجري بين المسلم وامرأته الكافرة، وبين الكافر والكافرة، وبين العبد وامرأته، وبه قال مالك وأحمد، وعندنا يشترط أهلية الشهادة فلا يجري إلاَّ بين المسلمين الحرين العاقلين ٤١٣ ٦٨ - كتابُ الطلاقِ / باب (٢٥) البالغين غير محدودين في قذف، واختير لفظ اللعن على لفظ الغضب وإن كانا مذكورين في الآية لتقدمه فيهما، ولأن جانب الرجل فيه أقوى من جانب المرأة، لأنه قادر على الابتداء باللعان دونها. ولأنه قد ينكف لعانه عن لعانها ولا ينعكس، واختصت المرأة بالغضب لعظم الذنب بالنسبة إليها لأن الرجل إن كان كاذباً لم يصل ذنبه إلى أكثر من القذف، وإن كانت هي كاذبة فذنبها أعظم لما فيه من تلويث الفراش والتعرض لإلحاق من ليس من الزوج به فتنتشر المحرمية وتثبت الولاية والميراث لمن لا يستحقهما، وجوز اللعان لحفظ الأنساب ودفع المعرة عن الأزواج، واجمع العلماء على صحته. وقَوْلِ الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُوْنَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلاَّ أَنْفُسُهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور: ٦]. وقول الله بالجر عطفاً على لفظ اللعان المضاف إليه لفظ باب، وهذا المقدار ذكر من الآية عند الأكثرين، وفي رواية كريمة ساق الآيات كلها، ونزلت هذه الآيات في شعبان سنة تسع في عويمر العجلاني مُنصَرفه من تبوك، أو في هلال بن أمية، وعليه الجمهور، وقال المهلب: الصحيح أن القاذف عويمر وهلال بن أمية بن سعد بن أمية خطا، وقد روى أبو القاسم عن ابن عباس أن العجلاني عويمر قذف امرأته، كما روى ابن عمر وسهل بن سعد، وأظنه غلطاً من هشام بن حسان، ومما يدل على أنها قصة واحدة توقفه عَّ له فيها حتى نزلت الآية الكريمة، ولو أنهما قضيتان لم يتوقف على الحكم في الثانية بما نزل عليه في الأولى، والظاهر أنه تبع في هذا الكلام محمد بن جرير فإنه قال في (التهذيب) يستنكر قوله في الحديث: هلال ابن أمية، وإنما القاذف عويمر بن الحارث بن زيد بن الجد بن عجلان. وقال صاحب (التلويح): وفيما قالاه نظر، لأن قصة هلال وقذفه زوجته بشريك ثابتة في (صحيح البخاري) في موضعين: في الشهادات والتفسير، وفي (صحيح مسلم) من حديث هشام عن محمد قال: ((سألت أنس بن مالك، وأنا أرى أن عنده منه علماً، فقال: إن هلال بن أمية قذف امرأته بشريك بن سمحاء، وكان أخاً للبراء بن مالك لأمه، وكان أول رجل لاعن في الإسلام قال: فتلاعنا)) .. الحديث. فِإِذَا قَذَفَ الأُخْرَسُ امْرَأْتَهُ بِكِتابَةٍ أَوْ إشارَةٍ أَوْ بِإِماءٍ مَعْرُوفٍ فَهْوَ كالمُتَكَلِّمِ لأنَّ النبيَّ ◌َّهِ، قَدْ أجازَ الإشارَةَ في الفَرَائِضِ، وهُوَ قَوْلُ بَعْضِ أهلِ الحِجازِ وأهْلِ العلْمَ، وقالَ الله تعالى: فأشارت إليهِ ﴿قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّم مَنْ كَانَ فِي المَهْدِ صَبِيّاً﴾﴾ [مريم: ٢٩] وقال الضَّّاكُ: إِلاَّ رَمْزاً: إلاَّ إشارَةً. وقال بَعْضُ النّاسِ: لا حَدَّ ولا لِعَانَ، ثُمَّ زَعَمَ أنَّ الطلاَقَ بِكِتابٍ أوْ إشارَةٍ أَوْ إيماءٍ جائِزٌ، ولَيْسَ بَيْنَ الطَّلاَّقِ والقَذْفِ فَرْقٌ، فإِنْ قال: القَذْفُ لا يَكُونُ إِلاَّ بِكَلاَم، قِيلَ لهُ: كَذَلِكَ الطَّلاَقُ لا يَجُوزُ إلاَّ بِكَلاَمٍ، وإلاّ بَطَلَ الطَّلاَقُ والقَذْفُ، وكَذَلِكَ الأصَمُّ يُلاَّعِنُ. وقال الشَّغْبِيُّ وقَتَادَةُ: إذَا قَال: أنْتِ طالِقٌ، فأشارَ بأصابِعِهِ تَبِينُ مِنْهُ بإشارَتِه. : ٤١٤ ٦٨ - كتابُ الطلاقِ / باب (٢٥) وقال إبْرَاهِيمُ: الأُخرَسُ إذَا كَتَبَ الطَّلاَقَ بِيَدِهِ لَزِمَهُ. وقال حمَّادٌ: الأخِرَسُ والأُصَمُّ إن قال بِرَأْسِهِ جازَ. أراد البخاري بهذا الكلام كله بيان الاختلاف بين أهل الحجاز وبين الكوفيين في حكم الأخرس في اللعان والحد، فلذلك قال: فإذا قذف الأخرس إلى آخره، بالفاء عقيب ذكر قوله تعالى: ﴿والذين يرمون أزواجهم﴾ [النور: ٦] ... الآية. وأخذ بعموم قوله: يرمون، لأن الرمي أعم من أن يكون باللفظ أو بالإشارة المفهمة، وبنى على هذا كلامه، فقال: إذا قذف الأخرس امرأته بكتابة، وعند الكشميهني: بكتاب، بدون التاء إذا فهم الكتابة. قوله: ((أو إشارة)) أي: أو قذفه بإشارة مفهمة أو إيماء مفهم أشار إليه بقوله: ((معروف)) وقيد به لأنه إذا لم يكن معروفاً منه ذلك لا يبنى عليه حكم. والفرق بين الإشارة والإيماء بأن المتبادر إلى الذهن في الاستعمال إن الإشارة باليد والإيماء بالرأس أو الجفن ونحوه. قوله: ((فهو كالمتكلم)) جواب: ((فإذا قذف)) أي: فحكمه حكم المتكلم، يعني: حكم الناطق به، وإنما أدخل الفاء لتضمن إذا معنى الشرط، وهو قوله: معروف، وهو وإن كان صفة لقوله أو إيماء، بحسب الظاهر ولكنه في نفس الأمر يرجع إلى الكل لأنه إذا لم يفهم الكتابة أو الإشارة أو الإيماء لا يبنى عليه حكم، ثم إنه إذا كان كالمتكلم يكون قذفه بهذه الأشياء معتبر فيترتب عليه اللعان وحكمه. قوله: ((لأن النبي عَّله))، أشار به إلى الاستدلال بما ذكره بيانه أن النبي عَّ الله: ((قد أجاز الإشارة في الفرائض)) أي: في الأمور المفروضة كما في الصلاة فإن العاجز عن غير الإشارة يصلي بالإشارة. قوله: ((وهو قول بعض أهل الحجاز)) أي: ما ذكر من قذف الأخرس ... إلى آخره قول بعض أهل الحجاز، وأراد به الإمام مالكاً ومن تبعه فيما ذهب إليه. قوله: ((وأهل العلم) أي: وبعض أهل العلم من غير أهل الحجاز، وممن قال من أهل العلم وأبو ثور فإنه ذهب إلى ما قاله مالك. قوله: ((قال الله تعالى: ﴿فاشارت إليه﴾)) [مريم: ٢٩] إلى قوله: ((إلاَّ إشارة)) استدلال من البخاري لقول بعض أهل الحجاز بقوله تعالى: ﴿فأشارت إليه﴾ أي: أشارت مريم إلى عيسى عليه الصلاة والسلام، وقالت لقومها بالإشارة لما قالوا لها: ﴿لقد جئت شيئاً فريا﴾ [مريم: ٢٧] كلموا عيسى وهو في المهد ﴿قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا﴾ [مريم: ٢٩] فعرفوا من إشارتها ما كانوا عرفوه من نطقها. قوله: ((وقال الضحاك إلا رمزاً إلاَّ إشارة)) هذا استدلال آخر بقوله تعالى: ﴿آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلاَّ رمزاً﴾ [آل عمران: ٤١] وحكى عن الضحاك بن مزاحم قال بعضهم: كذا ابن مزاحم، وقال الكرماني: الضحاك بن شراحيل الهمداني التابعي المفسر، قلت: الضحاك بن مزاحم أبو القاسم الهلالي الخراساني كان يكون بسمرقند وبلخ ونيسابور، روى عن جماعة من الصحابة: ابن عباس وابن عمرو وزيد بن أرقم وأبي سعيد الخدري - ولم يثبت سماعه منهم، ووثقه يحيى بن معين، وقال أبو زرعة: ثقة كوفي مات سنة خمس ومائة، وروى له الترمذي وابن ماجه، وفسر قوله: ((إلاَّ رمزاً))، بقوله: ((إلاَّ إشارة)) ولولا أنه يفهم منها ما يفهم من الكلام لم يقل الله عز وجل لا تكلمهم إلاَّ رمزاً، وهذا في قضية زكريا عليه الصلاة والسلام، ولما ٤١٥ ٦٨ - كتابُ الطلاَقِ / باب (٢٥) قال الله تعالى: ﴿يا زكريا إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى﴾ [مريم: ٧]. فقال: يا رب ﴿أنى يكون لي غلام﴾ إلى قوله: ﴿قال رب اجعل لي آية قال آيتك أن لا تكلم الناس ثلاث ليال سوياً﴾. [مريم: ٨ - ١٠] وذكر في سورة آل عمران قال: ﴿آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا﴾ [آل عمران: ٤١] وفسره الضحاك بقوله: ((إلاَّ إشارة)) قوله: ((وقال بعض الناس)) أراد به الكوفيين لأنه لما فرغ من الاحتجاج لكلام أهل الحجاز شرع في بيان قول الكوفيين في قذف الأخرس. وقال الكرماني: قوله: بعض الناس، يريد به الحنفية، حيث قالوا لا حدّ على الأخرس لأنه لا اعتبار لقذفه ولا لعان عليه، وقال صاحب (الهداية): قذف الأخرس لا يتعلق به اللعان لأنه يتعلق بالصريح كحد القذف، ثم قال: ولا يعتد بالإشارة في القذف لانعدام القذف صريحاً. ثم قال: وطلاق الأخرس واقع بالإشارة لأنها صارت معهودة، فأقيمت مقام العبارة دفعاً للحاجة. قوله: ((ثم زعم .. )) الخ أي: ثم زعم بعض الناس وأراد بهم الحنفية، وقيل: ثم زعم، أي: أبو حنيفة، لأن مراده من قوله: وقال بعض الناس، هو أبو حنيفة، وأشار بهذا الكلام إلى أن ما قاله الحنفية من ذلك تحكم لأنهم قالوا: لا اعتبار لقذف الأخرس - واعتبروا طلاقه، فهو فرق بدون الافتراق وتخصيص بلا اختصاص، وأجابت الحنفية: بأن صحة القذف تتعلق بصريح الزنا دون معناه، وهذا لا يحصل من الأخرس ضرورة فلم يكن قاذفاً، والشبهة تدرأ الحدود. قوله: ((وليس بين الطلاق والقذف فرق)). من كلام البخاري، ودعوى عدم الفرق بينهما ممنوعة لأن لفظ الطلاق صريح في أداء معناه، بخلاف القذف فإنه إن لم يكن فيه التصريح بالزنا لا يترتب عليه شيء، والفرق بينهما ظاهر لفظاً ومعنّى. قوله: ((فإن قال: القذف لا يكون إلاَّ بكلام؟)) أي: فإن قال ذلك البعض المذكور في قوله: وقال بعض الناس، هذا سؤال يورده البخاري من جهة البعض من الناس على قوله: فإذا قذف الأخرس .. الخ، بيان السؤال، إذا قالوا: القذف لا يكون إلاَّ بكلام وقذف الأخرس ليس بكلامٍ فلا يترتب عليه حدّ ولا لعان، ثم أجاب عن هذا السؤال بقوله: ((كذلك الطلاق لا يجوز إلا بكلام)) وهذا الجواب واهٍ جداً لأن بين الكلامين فرقاً عظيماً دقيقاً لا يفهمه كما ينبغي إلاّ من له دقة نظر، وذلك أن المراد بالكلام في الطلاق إظهار معناه، فإن لم يتلفظ بلفظ الطلاق لا يقع شيء، بخلاف الأخرس، فإنه ليس له كلام ضرورة، وإنما له الإشارة، والإشارة تتضمن وجهين فلم يجز إيجاب الحد بها كالكتابة والتعريض. ألا ترى أن من قال لآخر: وطئت وطأ حراماً. لم يكن قدَّفاً لاحتمال أن يكون وطىء وطأ شبهة فاعتقد القائل بأنه حرام؟ والإشارة لا يتضح بها التفصيل بين المعنيين، ولذلك لا يجب الحد بالتعريض. وقال بعضهم: وأجاب ابن القصار بالنقض عليهم بنفوذ القذف بغير اللسان العربي وهو ضعيف، ونقض غيره بالقتل فإنه ينقسم إلى عمد وشبه عمد وخطأ، ويتميز بالإشارة. وهو قوي، واحتجوا أيضاً بأن اللعان شهادة، وشهادة الأخرس مردودة بالإجماع. وتعقب بأن مالكاً ذكر قبولها فلا إجماع، وبأن اللعان عند الأكثرين يمين. انتهى. 1 قلت: الإيرادات المذكورة كلها غير واردة. أما الأول: فلأن الشرط التصريح بلفظ الزنا 1 ٤١٦ ٦٨ - كتابُ الطلاَقِ / باب (٢٥) ولا يتأتى هذا كما ينبغي في غير لسان العرب. وأما الثاني الذي قال هذا القائل، وهو قوي. فأضعف من الأول لأن القتل ينقسم إلى عمد وشبه عمد وخطأ والجاري مجرى الخطأ والقتل بالسبب، فالتمييز عن الأخرس فيها متعذر. وأما الثالث فإن شهادة الأخرس مردودة، فاللعان عندنا شهادة مؤكدة باليمين فلا يحتاج أن يقول بالإجماع لأن شهادته مردودة عندنا سواء كان فيه قول بالقبول أو لا. وأما الرابع، فقد قلنا: إن اللعان شهادة فلا مشاحة في الاصطلاح. قوله: ((وإلاَّ بطل الطلاق والقذف))، يعني: وإن لم يقل بالفرق فلا بد من بطلانهما لا بطلان القذف فقط. قوله: ((وكذلك العتق)) أي: كذلك حكمه حكم القذف فيجب أيضاً أن تبطل إشارته بالعتق، ولكنهم قالوا بصحته. قوله: ((وكذلك الأصم يلاعن)) أي: إذا أشير إليه حتى فهم، وقال المهلب: في أمره إشكال لكن قد يرتفع بترداد الإشارة إلى أن ينفهم معرفة ذلك. قوله: ((وقال الشعبي)) وهو عامر بن شراحيل، وقتادة بن دعامة: إذا قال - الأخرس - لامرأته: أنت طالق فأشار بأصابعه تبني منه بإشارته واحدة أو ثنتان أو ثلاث، يعني: إذا عبر عما نواه من العدد بالإشارة يظهر منها ما نواه من واحدة أو أكثر. قوله: ((وقال إبراهيم)) أي النخعي: إذا كتب الأخرس الطلاق بيده لزمه، وبه قال مالك والشافعي، وقال الكوفيون: إذا كان رجل أصمت أياماً فكتب لم يجز من ذلك شيء، وقال الطحاوي: الخرس مخالف للصمت، كما أن العجز عن الجماع العارض بالمرض يوماً أو نحوه مخالف للعجز المأنوس منه الجماع، نحو الجنون في باب خيار المرأة في الفرقة. قوله: ((وقال حماد)) أي: ابن أبي سليمان شيخ أبي حينفة رضي الله تعالى عنهما: ((الأخرس والأصم إن قال برأسه جاز)) أي: إن أشار برأسه فيما يسأل عنه، وقال بعضهم: كأن البخاري أراد إلزام الكوفيين بقول شيخهم. قلت: لم يدر هذا القائل ما مراد الشيخ من هذا، ولو عرف لما قال هذا ومراد الشيخ من هذا أن إشارة الأخرس معهودة فأقيمت مقام العبارة، والكوفيون قائلون به، فمن أين يأتي إلزامهم؟. ٤٣/ ٥٣٠٠ - حدّثنا قُتَيْبَةُ حدثنا اللَّيْثُ عنْ يختِى بنِ سَعِيدِ الأَنْصارِي أَنْهُ سَمِعَ أنَسَ بن مَالِكِ يَقُولُ: قال رسولُ الله عَّهِ: ألاَ اخبرِكُمْ بِخَيْرِ دُورِ الأنْصارِ؟ قالُوا: بَلى يا رسولَ الله! قال: بَنُو التّجَّارِ، ثُمَّ الّذِينَ يَلُونَهُمْ: بَنو عَبْدِ الأَشْهَلِ، ثُمَّ الّذِينَ يَلُونَهُمْ: بَنُو الحارِثِ بنِ الخزْرَجِ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ: بنُو ساعِدَة، ثُمَّ قال بِيَدِهِ فَقَبَضَ أصابِعَهُ ثُمَّ بَسَطَهُنَّ كَالرَّامِي بِيدِهِ، ثُمّ قال: وفِي كلِّ دُورِ الأنصارِ خَيْرٌ. قيل: هذا الحديث وما بعده لا تعلق له باللعان الذي عقد عليه الترجمة. وأجيب: لعلها كانت متقدمة فأخرها الناسخ عنه. قلت: هذا ليس بشيء، بل ذكر هذا الحديث والأحاديث الأربعة التي بعدها كلها في الإشارة تحقيقاً لها بفعل رسول الله عَّه في اللعان، ٤١٧ ٦٨ - كتابُ الطلاَقِ / باب (٢٥) والإشارة في هذا الحديث. في قوله: ((ثم قال بيده)) لأن معناه: ثم أشار بيده. والحديث قد مضى في مناقب الأنصار في: باب فضل دور الأنصار، من طريق آخر. وفيه: عن أنس عن أبي أسيد عن النبي عّ لّه قوله: ((كالرامي بيده)) أي: كالذي بيده الشيء، فضم أصابعه عليه ثم رماه فانتشر. ٥٣٠١/٤٤ - حدّثنا عَلِيٍّ بنُ عَبْدِ الله حدثنا سُفْيانُ، قال أَبُو حازِمِ: سَمِعْتُهُ مِنْ سَهْلٍ ابنِ سَعْدِ الشّاعِدِيِّ صاحِبٍ رسولِ اللهِ عَ لَهِ يَقُولُ: قال رسولُ الله عَ لَّهِ: بُعِثْتُ أَنا وَالسَّاعَةُ كهَذِهِ مِنْ لهُذِهِ، أَوْ قالَ: كَهاتَيْنِ، وفَرَقَ بَيْنَ السَّبَّابَةِ والوُسطى. [انظر الحديث ٤٩٣٦ وطرفه]. مطابقته للحديث السابق في قوله كهذه من هذه لأنه إشارة وعلي بن عبد الله هو ابن المديني وسفيان هو ابن عيينة وأبو حازم سلمة بن دينار الأعرج. والحديث من أفراده وأخرجه الإسماعيلي ولفظه: حدثنا سفيان عن أبي حازم، وصرح الحميدي عن سفيان بالتحديث، وفي رواية أبي نعيم عن أبي حازم أنه سمع سهلاً. قوله: ((صاحب رسول الله عَّالله)) ذكره بأنه صاحب رسول الله عَّ ◌ُلِّ مع علمه بذلك وكونه معلوماً لبيان تعظيمه للعالم والإعلام للجاهل قوله: ((كهذه من هذه)) أي: كقرب هذه، وأشار به إلى السبابة وأشار بقوله: ((من هذه)) إلى الوسطى. قوله: ((وكهاتين)) شك من الراوي. وقال الكرماني: قد انقضى من يوم بعثته إلى يومنا سبعمائة وثمانون سنة، فكيف تكون مقارنة الساعة مع بعثته؟ ثم أجاب بما قاله الخطابي: يريد أن ما بيني وبين الساعة من مستقبل الزمان بالقياس إلى ما مضى منه مقدار فضل الوسطى على السبابة، ولو كان النبي أراد غير هذا المعنى لكان قيام الساعة مع بعثته في زمان واحد. انتهى. قلت: لا حاجة إلى هذا التكلف، بل هذه كناية عن شدة القرب جداً، وقول الكرماني: إلى يومنا سبعمائة وثمانون سنة إشارة إلى أن وجوده كان في هذا التاريخ ومات رحمه الله بطريق الحجاز بمنزلة تعرف بروض مهنى في رجوعه من مكة المشرفة، ونقل إلى بغداد وذلك يوم الخميس الخامس عشر من محرم سنة ست وثمانين وسبعمائة وهو الشيخ الإمام شمس الدين محمد بن يوسف بن علي السعيدي الكرماني. قوله: ((وفرق)) بالفاء من التفريق، ويروى: وقرن بالقاف. ٤٥ / ٥٣٠٢ - حدّثنا آدَمُ حدثنا شُعْبَة حدثنا جَبَلَةُ بنُ سُحَيْم سَمِعْتُ ابنَ عُمَرَ يَقُولُ: قال النبيُّ عَّلِ: الشَّهْرِ لهُكَذَا ولهُكَذَا يَغْنِي: ثَلاَثِينَ، ثُمَّ قال: ولهكَذًا ولهكَذَا وَهُكَذَا، يَعْنِي: تِشْعاً ويِشْرِينَ، يَقُولُ مَرَّة ثَلاَئِينَ ومَرَّةً تِسعاً وعِشْرينَ. [انظر الحديث: ١٩٠٨ وأطرافه]. مطابقته للحديث الذي قبله في قوله: ((هكذا وهكذا وهكذا)). وآدم هو ابن أبي إياس، وجبلة بالجيم والباء الموحدة المفتوحتين ابن سحيم - مصغر سحم ـ بالمهملتين الكوفي. والحديث مر في كتاب الصيام في: باب قول النبي عَّه: إنا لا نكتب ولا نحسب. عمدة القاري /ج٢٠ /م٢٧ ٤١٨ ٦٨ - كتابُ الطلاَقِ / باب (٢٥) ٤٦/ ٥٣٠٣ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ المُثَنَّى حدثنا يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ عنْ إِسْمَاعِيلَ عنْ قَيْسٍ عنْ أبي مَسْعُودٍ قال: وأشارَ النبيُّ عَّ ◌ُلّهِ، بِيَدِهِ نَحْو اليَمَنِ: الإِيمانُ هُهُنَا مَرَّتَيْنِ أَلاَ وإنَّ القَسْوَةَ وغِلَظَ القُلُوبِ في الفَدَّادِينَ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنا الشَّيْطانِ: رَبِيعَةً ومُضَرَ. [انظر الحديث ٣٣٠٢ وطرفيه]. مطابقته للذي قبله في قوله: ((وأشار)) ويحيى بن سعيد هو القطان، وإسماعيل هو ابن أبي خالد، وقيس هو ابن أبي حازم، وأبو مسعود هو عقبة بن عمرو البدري. ووقع في رواية القابسي والكشميهني: ابن مسعود، قال عياض: هو وهم، وهو كما قال، لأن الحديث مضى في بدء الخلق في: باب الجن وهو مصرح باسمه، ولفظه: حدثني قيس عن عقبة بن عمرو أبي مسعود. قوله: ((الإيمان ههنا)) مقول قوله: قال النبي عَّ. قوله: ((وأشار النبي عَّ بيده نحو اليمن))، جملة معترضة بينهما، ومعنى قوله: الإيمان يمان، لأن الإيمان بدأ من مكة وهي من تهامة وتهامة من أرض اليمن ولهذا يقال للكعبة اليمانية، وقيل: إنما قال هذا القول وهو بتبوك ومكة والمدينة يومئذٍ بينه وبين اليمن فأشار إلى ناحية اليمن وهو يريد مكة والمدينة، وقيل: أراد بهذا القول الأنصار لأنهم يمانيون وهم نصروا الإيمان والمؤمنين وآووهم فنسب الإيمان إليهم. قوله: ((وغلظ القلوب)) بكسر الغين المعجمة وفتح اللام. قوله: ((في الفدادين)) بالتشديد جمع فداد وهو الشديد الصوت، وبالتخفيف جمع الفدان وهو آلة الحرث، وإنما ذم أهله لأنه يشغل عن أمر الدين ويكون معها قساوة القلب ونحوها. قوله: ((قرنا الشيطان)) أي جانبا رأسه وذلك لأنه ينتصب في محاذاة مطلع الشمس حتى إذا طلعت كانت بين قرنيه فتقع سجدة عبدة الشمس له. قوله: ((ربيعة ومضر)) بدل من: الفدادين. وهم قبيلتان مشهورتان. ٤٧ / ٥٣٠٤ - حدّثنا عَمْرو بنُ زْرَارَةَ أخبرنا عبْدُ العَزِيزِ بنُ أَبِي حازِمِ عنْ أَبِيهِ عنْ سَهْلِ قال رسول الله عَّهِ: أنا وكافِلُ اليَتِيمِ فِي الجَنَّةِ هُكَذَا، وأشارَ بالسَّبَّايَةِ والوُسْطَى وفَرَّجَ بَيْنَهُما شَيْئاً [الحديث ٥٣٠٤ - طرفه في: ٦٠٠٥]. مطابقته للحديث الذي قبله في قوله: ((وأشار)). وعمرو بن زرارة بضم الزاي وخفة الراء الأولى النيسابوري، وسهل هو ابن سعد المذكور في الحديث الثاني من أحاديث الباب. والحديث أخرجه البخاري أيضاً في الأدب عن عبد الله بن عبد الوهاب. وأخرجه الترمذي في البر عن عبد الله بن عمران. قوله: ((كافل اليتيم)) أي: القيم بأمره ومصالحه. قوله: ((بالسبابة)) ويروى: بالسماحة وإنما فرج بينهما إشارة إلى التفاوت بين درجة الأنبياء وآحاد الأمة والسبابة هي المسبحة، ويقال: لما قال رسول الله عَ ليه، ذلك استوت سبابته ووسطاه استواء بينا في تلك الساعة ثم عادتا إلى حالهما الطبيعية الأصلية، وذلك لتوكيد أمر كفالة اليتيم. ٤١٩ ٦٨ - كتابُ الطلاقِ / باب (٢٦) ٢٦ - بابٌ إِذَا عَرَّضَ بَنَفْي الوَلَدِ أي: هذا باب في بيان حكم من عرّض بالتشديد بنفي الولد، وعرض كناية تكون مسوقة لأجل موصوف غير مذكور، وقال الزمخشري، التعريض أن تذكر شيئاً تدل به على شيء لم تذكره، والكناية أن تذكر الشيء بغير لفظه الموضوع له. ٥٣٠٥/٤٨ - حدّثنا يَخيَى بنُ قَزَعَةَ حدثنا مالِكٌ عنِ ابنِ شِهابٍ عنْ سَعِيدِ بنِ المُسَيَّبِ عِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَجُلاً أَتَى النبيَّ عَّلَّهِ فقال: يا رسولَ الله! وُلِدَ لِي غُلامٌ أَسْوَدُ فقال: هَلْ لَكَ مِنْ إِبِلِ؟ قال: نَعَمْ قال: ما ألْوَانُها؟ قال: حُمْرٌّ، قال: هَلْ فِيها مِنْ أَوْرَقَ؟ قال: نَعَمْ. قال: فَأَنَّى ذُلِك؟ قال: لَعَلَّهُ نَزَعَهُ عِرْقٌ قال: فَلَعَلَّ ابْنَكَ لهذَا نَزَعَهُ [الحديث ٥٣٠٥ - طرفاه في: ٦٨٤٧، ٧٣١٤]. مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: ((ولد لي غلام أسود)) فإن فيه تعريضاً لنفيه عنه يعني: أنا أبيض وهذا أسود فلا يكون مني؟ والحديث أخرجه البخاري أيضاً في المحاربين عن إسماعيل بن عبد الله عن مالك. قوله: ((أن رجلاً أتى النبي عَّةٍ)) وفي رواية أبي مصعب: جاء أعرابي، وكذا سيأتي في الحدود عن إسماعيل بن أبي أويس عن مالك، وفي رواية النسائي: وجاء رجل من أهل البادية، وكذا في رواية أشهب عن مالك عند الدارقطني، وفي رواية أبي داود: أن أعرابياً من بني فزارة، وكذا عند مسلم، واسم هذا الأعرابي ضمضم بن قتادة. قوله: ((أتى النبي عَ لَّه)) في رواية ابن أبي ذئب صرح بالنبي عَّله. قوله: ((حمر)) بضم الحاء وسكون الميم، وفي رواية محمد بن مصعب عن مالك عند الدارقطني: رمك، جمع أرمك وهو الأبيض إلى حمرة. قوله: ((أورق)) وهو الذي في لونه بياض إلى سواد، ويقال: الأورق الأغبر الذي فيه سواد وبياض وليس بناصع البياض كلون الرماد، ومنه سميت الحمامة: ورقاء، لذلك. قوله: ((فَأَتَّى ذلك؟)) أي: فمن أين ذلك؟ قوله: (لعله نزعه عرق)) أي: جذبه إليه وأظهر لونه عليه، يعني: أشبهه، هذه رواية كريمة، وفي رواية الباقين: لعل نزعه عرق، بدون الضمير، والعرق الأصل من النسب، قيل: الصواب لعل عرقاً نزعه عرق. قلت: لعله عرق نزعه أيضاً صواب لأن الهاء ضمير الشأن، وهو: اسم لعل، والجملة التي بعد خبره فافهم. قوله: ((فلعل ابنك هذا نزعه)) أي: نزع العرق، وقال الداودي: ((لعل)) هنا للتحقيق. واستدل بهذا الحديث الكوفيون والشافعي، فقالوا: لا حدّ في التعريض ولا لعان به لأنه عَ لّه لم يوجب على هذا الرجل الذي عرض بامرأته حداً، وأوجب مالك الحد بالتعريض واللعان به أيضاً إذا فهم منه ما يفهم من التصريح وقال ابن العربي: وفي الحديث دليل قاطع على صحة القياس والاعتبار بنظيره من طريق واحدة قوية، وهو اعتبار الشبه الخلقي. وقال النووي: وفيه يلحق الولد الزوج، وإن اختلفت ألوانها ولا يحل له نفيهُ بمجرد المخالفة في اللون، وفيه زجر عن تحقيق ظن السوء. ٤٢٠ ٦٨ - كتابُ الطلاقِ / باب (٢٧ و٢٨) ٢٧ - بابُ إِخلافِ المُلاَعِنِ أي: هذا باب في بيان إحلاف الملاعن، والمراد به هنا النطق بكلمات اللعان المعروفة. ٥٣٠٦/٤٩ - حدّثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ حدثنا مجوَئِرِيَةُ عنْ نافِعِ عنْ عبْدِ الله، رضيَ الله عنهُ، أنَّ رَجُلاً مِنَ الأنْصَارِ قذَف امْرَأْتَهُ، فَأُخْلَفَهُما النبيُّ عَلِّ ثُمَّ فَرَّق بَيْنَهُما. [انظر الحديث ٤٧٤٨ وأطرافه]. مطابقته للترجمة ظاهرة وجويرية، تصغير جارية بالجيم ابن أسماء، وهو من الأسماء المشتركة بين الذكور والإناث. والحديث من أفراده مختصراً هنا وسيأتي بعد ستة أبواب من طريق عبيد الله بن عمر عن نافع، ومضى في تفسير سورة النور من وجه آخر بلفظ: لاعن بين رجل وامرأة. قوله: ((فأحلفهما النبي عَّلَّهِ)) وقال ابن بطال: يريد بهذا مطابقته أيمان اللعان المعروفة، لأن الرجل لما قذف امرأته كان عليه الحد إن لم يأت بشهود أربعة. يصدقونه، فلما رمى هذا العجلاني زوجته أنزل الله عز وجل: ﴿والذين يرمون أزواجهم﴾ [النور: ٦] فأخرج الزوج عن عموم الآية وأقام أيمانه الأربع مع الخامسة مقام الشهود الأربعة ليدرأ عن نفسه الحد، كما يدرأ سائر الناس عن أنفسهم بالشهود الأربعة حد القذف، فإذا حلف بها لزم المرأة الحد إن لم تلتعن، فإن التعنت وحلفت دفعت عن نفسها الحد كما فعل الزوج. ٢٨ - بابٌ يَبْدَأُ الرَّجُلُ بِالثَّلاَعُنِ أي: هذا باب فيه يبدأ الرجل بالملاعنة قبل المرأة. ٥٠/ ٥٣٠٧ - حدّثني مُحَمَّد بنُ بَشَّارٍ حدثنا ابنُ أبيٍ عَدِيٍّ عنْ هِشامٍ بنِ حَسَّانَ حدثنا عِكْرِمَةُ عنِ ابنِ عبَّاسٍ، رضِي الله عنهما، أنَّ هِلاَلَ بنَ أَمَّةً فَذَفَ امْرَأَتَهُ فَجَاءَ فَشَهِدَ والنبيُّ عَّه يَقُولُ: إِنَّ اللّه يَغْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا كاذِبٌ. فَهَلْ مِنْكُمَا تائِبٌ؟ ثُمَّ قَامَتْ فَشَهِدَتْ. [انظر الحديث ٢٦٧١ وطرفه]. مطابقته للترجمة من حيث إنه يتضمن اللعان والبادي فيه الرجل. وابن أبي عدي هو محمد، واسم أبي عدي إبراهيم أبو عمرو البصري، وهلال بن أمية أحد الثلاثة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك وتاب الله عليهم. وهذا الحديث مختصر من حديث طويل أخرجه في سورة النور بهذا الإسناد بعينه، ومر الكلام فيه هناك مستوفّى. وقال ابن بطال: أجمع العلماء على أن الرجل يبدأ باللعان قبل المرأة لأن الله بدأ به، فإن بدأت المرأة قبل زوجها لم يجز وأعادت اللعان بعده على ما رتبه الله، عز وجل، ونبيه معَّله، وقال ابن التين: فإن التعنت قبله صح مع مخالفة السنة، قاله ابن القاسم وأبو حنيفة، وقال أشهب والشافعي: لا يصح وتعيده. ١٠