Indexed OCR Text
Pages 241-260
٢٤١ ٦٧ - كِتابُ النِّكاحِ / باب (٨٣) وبجري أي: بأمري كله وعن الأصمعي: يستعمل ذلك في المعائب، أي: ذكر عيوبه، وقال يعقوب: أسراره، وعبارة غيره: عيوبه الباطنة وأسراره الكامنة، وعن علي، رضي الله تعالى عنه، في وقعة الجمل: ((إلى الله أشكو عجري وبجري)) أي: همومي وأحزاني، وقيل: العجر ظاهرها والبجر باطنها. قال الشاعر: يكفيك عجر حالتي عن بجري لم يبق عندي ما يباع بدرهم لأبيعه، فعسى تكون المشتري إلا بقايا ماء وجه صنته قوله: ((قالت الثالثة))، أي: المرأة الثالثة وهي: حيي بنت كعب اليماني. قوله: ((العشنق)) بفتح العين المهملة والشين المعجمة وفتح النون المشددة، وبالقاف، وقال أبو عبيدة وجماعة: هو الطويل، وزاد الثعالبي: المذموم الطول، وقال الخليل: هو طويل العنق وقال ابن حبيب: هو المقدام على ما يريد الشرس في أموره، وقيل: السيء الخلق، وقال الأصمعي: أرادت أنه ليس عنده أكثر من طوله بلا نفع، ويجمع على: عشنقة، والمرأة عشنقة، وقلا أبو سعيد الضرير: الصحيح أن العشنق الطويل النجيب الذي يملك أمر نفسه ولا يحكم النساء فيه، بل يحكم فيهن بما شاء، فزوجته تهابه أن تنطق بحضرته فهي تسكت على مضض. قال الزمخشري: وهي الشكاية البليغة. قوله: ((إن أنطق أطلق)) يعني: إن ذكرت عيوبه يطلقني ((وإن أسكت أعلق)) يعني: إن أسكت عنه أعلق يعني يتركني لا عزباً ولا مزوجة، كما في قوله تعالى: ﴿فتذروها كالمعلقة﴾ [النساء: ١٢٩] فكأنها قالت: أنا عنده لا ذات زوج فأنتفع به ولا مطلقة فأتفرغ لغيره. فهي كالمعلقة بين العلو والسفل لا تستقر بأحدهما، وكل واحد من قولها: ((أطلق)) و((أعلق)) على صيغة المجهول مجزومان لأنهما جواب الشرط. قوله: ((قالت الرابعة))، وهي: مهدد، بفتح الميم وإسكان الهاء وفتح الدال المهملة الأولى، ويقال: مهرة بالراء بنت أبي هرومة بالراء المضمومة، ويقال: أرومة. قوله: ((كليل تهامة)) شبهت زوجها بليل تهامة، وتمدحه أي: كليل أهل مكة أصحاب الأمن، أو كليل ركدت الرياح فيه، أو كليل الربيع وقت تغير الهواء من البرودة إلى الحرارة وظهور اعتداله، ليس فيه أذىّ بل فيه راحة ولذاذة عيش، كليل تهامة لذيذ معتدل ليس فيه حر مفرط ولا برد، ولا أخاف له غائلة لكرم أخلاقه، ولا يسامني ولا يستثقل بي فیمل صحبتي، وتهامة، بكسر التاء المثناة من فوق، وهو اسم لكل ما نزل عن نجد من بلاد الحجاز، وهو من التهم، بفتح التاء والهاء: وهو ركود الريح، ويقال: تهتم الدهن، إذا تغير قوله: ((ولا قر)) بالضم وهو البرد. قوله: ((ولا سآمة)) أي: ولا ملالة، وكل واحد من هذه الألفاظ الثلاثة بني بغير تنوين، وجاء الرفع مع التنوين، وهي رواية أبي عبيد كما في قوله تعالى: ﴿لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة﴾ [البقرة: ٢٥٤] ووقع في رواية عمر بن عبد الله عند النسائي: ولا برد، بدل: ولا قر، وزاد في رواية الهيثم بن عدي، ولا وخامة، بالخاء المعجمة أي: لا ثقل عنده تصف زوجها عمدة القاري /ج ٢٠ /م١٦ ٢٤٢ ٦٧ - كِتَابُ النِّكاحِ / باب (٨٣) بذلك، أنه لين الجانب خفيف الوطأة على الصاحب، وفي رواية الزبير بن بكار: والغيث، غيث غمامة، وقال ابن الأنباري: أرادت بقولها: ولا مخافة أن أهل تهامة لا يخافون لتحصنهم بجبالها، أو أرادت أن زوجها حامي الذمار مانع لداره وجاره ولا مخافة عند من يأوي إليه، ثم وصفته بالجود. قوله: ((قالت الخامسة)) أي: المرأة الخامسة وهي كبشة. قوله: ((إن دخل فهد))، أي: إن دخل البيت فهد بكسر الهاء أي: فعل فعل الفهد، شبهته بالفهد في كثرة نومه، يعني إذا دخل البيت يكون في الاستراحة معرضاً عما تلف من أمواله وما بقي منها. وقيل: معنى فهد أنه إذا دخل البيت وثب عليَّ وثوب الفهد، كأنها تريد المبادرة إلى الجماع. قوله: ((وإن خرج أسد)) أي: وإن خرج من البيت أسد بكسر السين يعني: فعل فعل الأسد تصفه بالشجاعة يعني: إذا صار بين الناس كان الأسد، يعني: سهل مع الأحباء صعب على الأعداء كقوله تعالى: ﴿أشداء على الكفار رحماء بينهم﴾ [الفتح: ٢٩] وقال ابن السكيت: تصفه بالنشاط في الغزو، وقال عياض: فيه مطابقة لفظية بين دخل وخرج، وبين أسد وفهد مطابقة معنوية، وتسمى أيضاً المقابلة. قوله: ((ولا يسأل عما عهد)) أي: لا يتفقد ما ذهب من ماله ولا يلتفت إلى معائب البيت وما فيه كأنه ساهٍ عن ذلك. وقال عياض: وهذا يقتضي تفسيرين: لعهد، عهد قبل فهو يرجع إلى تفقد المال، وعهد الآن فهو بمعنى الإغضاء عن المعائب والاختلال. قوله: ((قالت السادسة)): أي المرأة السادسة، واسمها هند. قوله: ((إن أكل لف)) باللام والفاء المشددة فعل ماض من اللف وهو الإكثار من الطعام مع التخليط من صنوفه حتى لا يبقى منه شيئاً. قال عياض: حكي رف، بالراء بدل اللام قال: وهو بمعناه. قوله: ((وإن شرب اشتف)) من الاشتفاف بالفاءين، وهو أن يستوعب جميع ما في الإناء مأخوذ من الشفافة بضم الشين المعجمة وهي اسم ما بقي في الإناء من الماء، فإذا شربه قيل: اشتفه، ويروى: استف، بالسين المهملة وهي بمعناها. وقال عياض: روي بالقاف بدل الشين. قال الخليل: قفاف كل شيء جماعه واستيعابه، ومنه سميت القفة لجمعها ما وضع فيها. قوله: ((وإن اضطجع التلف)) من الالتفاف، يعني: إذا نام التلف في ثيابه في ناحية، وفي رواية للنسائي: إذا نام بدل اضطجع، وزاد: وإذا ذبح اغتث أي: تحرى الغث وهو الهزيل كما مضى. قوله: ((ولا يولج الكف)) أي: لا يدخل كفه معناه لا يمد يده ليعلم ما هي عليه من الحزن، وهو معنى قوله: (ليعلم البث)) بفتح الباء الموحدة وتشديد الثاء المثلثة وهو الحزن وفي رواية الطبراني: ولا يدخل، بدل ولا يولج، وفي رواية الترمذي والطبراني: فيعلم، بالفاء بدل اللام، وقال الخطابي: معناه أنه يتلفف منتبذاً عنها ولا يقرب منها فيولج كفه داخل ثوبها فيكون منه إليها ما يكون من الرجل لامرأته، ومعنى البث ما تضمر من الحزن على عدم الحظوة منه، وقال أبو عبيد: أحسبها كان بجسدها عيب أو داء يحزن به، وكأنه لا يدخل يده في ثوبها لئلا يلمس ذلك فيشق عليها، فوصفته بالمروءة وكرم الخلق، ورد عليه ابن قتيبة بأنها قد ذمته في صدر ٢٤٣ ٦٧ - كِتَابُ النَّاحِ / باب (٨٣) الكلام فكيف تمدحه في آخره؟ فقال ابن الأنباري: الرد مردود، لأن النسوة تعاقدن لا يكتمن شيئاً مدحاً أو ذماً، فمنهن من كانت أوصاف زوجها كلها حسنة فوصفته بها، ومنهن بالعكس، ومنهن من كانت أوصافه مختلطة منهما فذكرتهما كليهما. قوله: ((قالت السابعة)) أي: المرأة السابعة واسمها حي بنت علقمة قوله: ((زوجي عياياء)) بفتح العين المهملة وتخفيف الياء آخر الحروف وبعد الألف ياء أخرى وبالمد وهو الذي عي بالأمر والمنطق وجمل عياياء إذا لم يهتد إلى الضراب. قوله: ((وغياياء)) شك من الراوي وهو عيسى بن يونس فإنه شك هل هو بالمهملة أو بالمعجمة، وقال الكرماني: أو تنويع من الزوجة القائلة، والأكثرون لم يشكوا، وقالوا بالمهملة وأما غياياء، بالغين المعجمة فمعناه لا يهتدي إلى مسلك أو إنه كالظل المتكاثف المظلم الذي لا إشراق فيه. أو أنه غطى عليه أموره، أو أنه منهمك في الشر قال تعالى: ﴿فسوف يلقون غيا﴾ [مريم: ٥٩] وقال عياض: قال أبو عبيد إن الغياياء، بالغين المعجمة ليس بشيء. ولم يفسره وتابعه على ذلك سائر الشراح، فقد ظهر لي فيه معنى صحيح فذكر ما ذكرناه الآن، وذكر أيضاً أنه مأخوذ من الغياية. وهي كل ما أظلك فوق رأسك من سحاب وغيره، ومنه سميت الراية غاية، فكأنه غطى عليه من جهله وسترت مصالحة. قوله: ((طباقاء)) بالطاء المهملة وتخفيف الباء الموحدة وبالقاف ممدودة. وهو المطبقة عليه الأمور حمقاً، وقيل: الذي يعجز عن الكلام، وقال ابن حبان: الطباق من الرجال الذي فيه رعونة وحمق كالمطبق عليه في حمقه ورعونته، وقيل: الطباق من الرجال الثقيل الصدر الذي لا يطبق صدره على صدر المرأة. قوله: ((كل داء له دواء» أي: كل شيء من أدواء الناس فيه، قال الزمخشري: تعني كل داء تفرق في الناس فهو فيه، ومن أدوائه أنه قد اجتمعت فيه المعائب. قوله: ((شجك أو فلّك)) كلمة: أو للتنويع ومعنى شجك: جرحك في رأسك وجراحات الرأس تسمى شجاً بالشين المعجمة وتشديد الجيم، ومعنى: فلك بالفاء وتشديد اللام: جرحك في جميع الجسد وقيل: الفلك الطعن، وقال ابن الأنباري: فلك كسرك، ويقال: ذهب بمالك، ويقال: كسرك بخصومته، وصفته بالحمق والتناهي في جميع النقائص والعيوب وسوء العشرة مع الأهل وعجزه عن حاجتها مع ضرها وأذاه لها وإذا حدثته سبها وإذا مازحته شجها وإذا غضب إما أن يشجها في رأسها أو يكسر عضواً من أعضائها. وزاد ابن السكيت في روايته: بجك، بفتح الباء الموحدة وتشديد الجيم: أي طعنك في جراحتك فشقها، والبج شق القرحة، وقيل: هو الطعنة. قوله: ((أو جمع كلالك)) أي: أو جمع كل هذه الأشياء وهي: الضرب والجرح وكسر الأعضاء والكسر بالخصومة والكلام الموجع وأخذ مالها. قوله: ((قالت الثامنة)) أي: المرأة الثامنة واسمها ياسر بنت أوس بن عبد. قوله: ((المس مس أرنب والريح ريح زرنب)) وصفته بحسن الخلق ولين الجانب كمس الأرنب إذا وضعت يدك على ظهره، لأن وبره ناعم جداً، والزرنب بوزن الأرنب لكن أوله زاي، وهو نبت طيب الريح، وقيل: هي شجرة عظيمة بالشام على جبل لبنان لا تثمر ولها ورق بين الخضرة ٢٤٤ ٦٧ - كِتابُ النّكاحِ / باب (٨٣) والصفرة، وكذا ذكره عياض، ورده أصحاب المفردات. وقيل: هي حشيشة طيبة الرائحة رقيقة، وقيل: هو الزعفران وليس بشيء، وقيل: وهو مسك، والألف واللام في المس نائبة عن الضمير لأن أصله زوجي مسه. وكذا في الريح أي: ريحه وفيهما حذف تقديره: زوجي المس منه كما في السمن. منوان بدرهم، أي منه، وقال عياض: هذا من التشبيه بغير أداة، وفيه حسن المناسبة والموازنة والتسجيع، وفي رواية الزبير والنسائي فيه زيادة وهي قولها. وأنا أغلبه والناس يغلب، في رواية للنسائي والطبراني بلفظ: ونغلبه، بنون الجمع وفيه نوع من البديع يسمى التتميم لأنها لو اقتصرت على قولها: وأنا أغلبه لظن أنه جبان ضعيف، فلما قالت: والناس يغلب، دل على أن غلبتها إياه إنما هو من باب كرم سجاياه فتممت بهذه الكلمة المبالغة في حسن أوصافه. قوله: ((قالت التاسعة)) أي: المرأة التاسعة: ولم أقف على اسمها عند أحد. قوله: ((رفيع العماد)) كناية عن وصفه بالشرف في نسبه وسؤدده في قومه فهو رفيع فيهم. والعماد في الأصل عماد البيت وهو العمود الذي يدعم به البيت، تعني: أن بيته في حسبه رفيع في قومه، ويحتمل أنها أرادت أن بيته عالٍ لحشمته وسعادته لا كبيوت غيره من الفقراء والمساكين، يجعله مرتفعاً ليراه أرباب الحوائج والأضياف فيأتونه. وهذه صفة بيوت الأجواد. قوله: ((طويل النجاد)). بكسر النون كناية عن طول القامة لأن النجاد حمائل السيف، فمن كان طويل القامة كانت حمائل سيفه طويلة، فوصفته بالطول والجود. قوله: ((عظيم الرماد)). كناية عن المضيافية، لأن كثرة الرماد تستلزم كثرة النار وكثرة النار تستلزم كثرة الطبخ وكثرة الطبخ تستلزم كثرة الأضياف، وقيل: إن ناره لا تطفأ في الليل ليهتدي بها الضيفان، والأجواد يعظمون النيران في ظلام الليل ويوقدونها على التلال لاهتداء الضيف بها. قوله: ((قراب البيت من الناد)) كناية عن الكرم والسؤدد، لأن النادي مجلس القوم ولا يقرب منه إلاّ من هذه صفته، لأن الضيفان يقصدون النادي، يعني: ينزل بين ظهراني الناس ليعلموا مكانه وينزلوا عنده، واللئام يتباعدون منه فراراً من نزول الضيف. وقال صاحب (التلويح) في قولها: ((قريب البيت من النادي)) كذا هو في النسخ: النادي، بالياء هو الفصيح في العربي. ولكن المشهور في الرواية خذفها ليتم السجع، وفي رواية الزبير بن بكار بعد قوله: ((قريب البيت من الناد)) لا يشبع ليلة يضاف، ولا ينام ليلة يخاف. قوله: ((وقالت العاشرة)) أي: المرأة العاشرة واسمها: كبشة، مثل الخامسة بنت الأرقم بالراء والقاف. قوله: ((زوجي مالك، وما مالك؟ مالك خير من ذلك)). أرادت بهذه الألفاظ تعظيم زوجها لأن كلمة: ما استفهامية وفيها معنى التعظيم والتهويل، وحقيقة: ما مالك، أي: ما هو، أي: أي شيء هو ما أعظمه وأكبره وأكرمه مثل قوله عز وجل: ﴿الحاقة ما الحاقة﴾ [الحاقة: ١] ﴿القارعة ما القارعة﴾ [القارعة: ١] أي: أي شيء هو ما أعظم أمرها وأهولها. وقولها: ((مالك خير من ذلك)) زيادة في التعظيم وتفسير لبعض الإبهام وأنه خير مما أشير إليه من ثناء وطيب ذكراً وفوق ما أعتقده فيه من سؤدد وفخر. قولها: ((ذلك)) إشارة إلى: مالك، ٢٤٥ ٦٧ - كِتَابُ النِّكاحِ / باب (٨٣) أي: خير من كل مالك، والتعميم يستفاد من المقام أو هو نحو: تمرة خير من جرادةٍ أي كل تمرة خير من كل جرادة، أو هو إشارة إلى ما في ذهن المخاطب، أي: مالك خير مما في ذهنك من مالك الأموال. قوله: ((له إبل)) أي: لزوجي إبل ((كثيرات المبارك)) وهو جمع مبرك وهو موضع البروك أرادت أنه يبركها في معظم أوقاتها بفناء داره لا يوجهها تسرح إلا قليلاً قدر الضرورة حتى إذا نزل به الضيف كانت الإبل حاضرة فيقريه من ألبانها ولحومها، ويروى: عظيمات المبارك، وهو كناية عن سمنها وعظم جسومها فيعظم مباركها لذلك. قوله: ((قليلات المسارح))، وهو جمع مسرح وهو الموضع الذي تسرح إليه الماشية بالغداة المرعى، يقال: سرحت الماشية تسرح فهي سارحة. وسرحتها يأتي لازماً ومتعدياً. وقال ابن الأثير: تصفه بكثرة الإطعام وسقي الألبان أي: أن إبله على كثرتها لا تغيب عن الحي ولا تسرح إلى المراعي البعيدة ولكنها تبرك بفنائه ليقري الضيفان من لبنها ولحمها خوفاً من أن ينزل به ضيف وهي بعيدة عازبة، وقيل: إن معناه أن إبله كثيرة في حال بروكها، فإذا سرحت كانت قليلة لكثرة ما نحر منها في مباركها للأضياف. وفي رواية الهيثم عن هشام في آخر هذا الكلام: وهو إمام القوم في المهالك. قوله: ((وإذا سمعن صوت المزهر أيقن أنهن هوالك))، أي: إذا سمعت الإبل صوت المزهر، بكسر الميم وهو: العود الذي يضرب به أي: إن زوجها عود الإبل إذا نزل به الضيفان أتاهم بالعيدان والمعازف وآلات الطرب ونحر لهم منها، فإذا سمعت الإبل صوت المزهر علمت يقيناً أنه قد جاء الضيفان وأنهن منحورات هوالك، وقال أبو سعيد النيسابوري: لم تكن تعرف العرب العود إلاَّ الذي خالطوا الحضر، والذي يذهب إليه إنما هو المزهر، يعني: بضم الميم وكسر الهاء وهو الذي يزهر النار للأضياف، فإذا سمعن صوت ذلك ومعمعان النار أيقنت بالعقر. وقال عياض: لا نعرف أحداً رواه المزهر، كما قال النيسابوري: والذي رواه الناس كلهم المزهر، يعني بكسر الميم وهو الصواب. والضمير في سمعن وأيقن يرجع إلى الإبل كما ذكرناه، والهوالك جمع هالكة. قوله: ((قالت الحادية عشرة) أي: المرأة الحادية عشرة، قال النووي: وفي بعض النسخ: الحادي عشرة، وفي بعضها: الحادية عشر، والصحيح الأول، وهي: أم زرع بنت أكيمل بن ساعدة اليمنية، وهذا الحديث مشهور: بحديث أم زرع. قوله: («زوجي أبو زرع! فما أبو زرع؟)) هو كقول العاشرة: مالك وما مالك؟ أخبرت أولاً أن زوجها أبو زرع، ثم عظمت شأنه بقولها: فما أبو زرع؟ يعني: إنكن لا تعرفنه لأنكن لم تعهدن مثله. قوله: ((أبو زرع)). في رواية النسائي: نكحت أبا زرع. قوله: ((فما أبو زرع؟)) وفي رواية أبي ذر: وما أبو رزع، بالواو وهو المحفوظ للأكثرين، وزاد الطبراني في رواية: صاحب نعم وزرع. قوله: ((أناس من حلي أذني)) أناس فعل ماض من النوس وهو الحركة من كل شيء معتدل يقال: ينوس نوساً، وأناسه غيره إناسة، والحلي بضم الحاء المهملة وكسر اللام وتشديد الياء جمع: حلي، بفتح الحاء وسكون اللام وتخفيف الياء، وهو اسم لكل ما يتزين به من مصاغ الذهب والفضة، ((وأذني)) بتشديد الياء، تثنية أذن أرادت: حلاني قرطة وشنوفاً يعني ملأ أذني بما ٢٤٦ ٦٧ - كِتَابُ النِّكاحِ / باب (٨٣) جرت به عادة النساء من التحلي به في الأذن من القرط وهو الحلق من ذهب وفضة ولؤلؤ ونحو ذلك، وقال ابن السكيت: معنى أناس: أثقل أذني حتى تدلى واضطرب. قوله: ((وملأ من شحم عضدي)) بتشديد الياء تثنية عضد. وقال أبو عبيد: لم ترد العظم وحده وإنما أرادت الجسد كله. لأن العضد إذا سمنت سمن سائر الجسد، وخصت العضد لأنها أقرب ما يلي بصر الإنسان من جسده. قوله: ((وبجحني)) بفتح الباء الموحدة وفتح الجيم وفتح الحاء المهملة وفي رواية النسائي بتشديد الجيم من التبجيح وهو التفريح، وقال ابن الأنباري: معناه عظمني، وقال ابن أبي أويس: وسع علي وترفني. قوله: ((فبجحت)) بسكون التاء ((ونفسي)) فاعله وإلي بتشديد الياء وفائدة ذكره إلى التأكيد، إذ فيه التجريد وبيان الانتهاء، هذا هو المشهور وفي الروايات. وفي رواية لمسلم: فتبجحت من: باب التفعل، وفي رواية للنسائي: وبجح نفسي فتبجحت إلي، بالتشديد وفي رواية أخرى له: فبجحت، بضم التاء على صيغة نفس المتكلم من الماضي، وإلي، بالتخفيف. قوله: ((غنيمة)) مصغر: غنم. قوله: ((بشق))، بالشين المعجمة والقاف: وأهل الحديث يروونه بكسر الشين، وقال أبو عبيد: وهو بالفتح وهو اسم موضع. وقال الهروي: هو الصواب، وقال ابن الأنباري: هو اسم موضع بالفتح والكسر، وقال ابن أبي أويس وابن حبيب: بشق جبل لقلتهم، زاد ابن أبي أويس: لقلة غنمهم. وقال عياض: كأنها تريد أنهم لقلتهم وقلة غنمهم حملهم على سكنى شق الجبال: ((أي)) ناحية الجبل أو بعضه، لأن الشق يقع على الناحية من الشيء ويقع على بعضه، والشق أيضاً النصف، وعن نفطويه: معنى الشق بالكسر: الشظف من العيش والجهد منه، وقال ابن دريد: يقال: هو بشق وشظف من العيش أي: بجهد منه. قوله: ((في أهل صهيل))، أي: أصحاب صهيل وهو صوت الخيل. وقوله: ((وأطيط)). وهو أصوات الإبل يعني: أنه ذهب بها إلى أهله وهم أهل خير وإبل، وفي رواية النسائي: وجامل وهو جمع جمل والمراد اسم فاعل لمالك الجمال كما يقال لابن وتامر، وقال عياض: وأصل الأطيط أعواد المحامل والرحال. ويشبه أن تريد بها هذا المعنى، فكأنها تريد أنهم أصحاب محامل ورفاهية، لأن المحامل لا يركبها إلاَّ أصحاب السعة، وكانت قديماً من مراكب العرب. قوله: ((ودائس)) اسم فاعل من الدوس، وفي رواية النسائي: ((ودياس)). وقال ابن السكيت: الدائس الذي يدوس الطعام. وقال أبو عبيد: تأوله بعضهم من دياس الطعام وهو دراسه، وأهل العراق يقولون: الدياس، وأهل الشام: الدراس، فكأنها أرادت أنهم أصحاب زرع قوله ((ومنق)) قال الكرماني: هو الذي ينقيه من التبن ونحوه بالغربال، وقال بعضهم بكسر النون وتشديد القاف، قال أبو عبيد: لا أدري معناه، وأظنه بالفتح من تنقية الطعام. وقال صاحب (التلويح): المحدثون يقولونه بالكسر، وقال ابن أبي أويس: المنق، بالكسر: نقيق أصوات المواشي والأنعام، تصف كثرة ماله. وقال أبو سعيد النيسابوري: هو مأخوذ من نقيقة الدجاج، أي: أنهم أهل طير، وقال القرطبي: لا يقال لشيء من أصوات المواشي نق، وإنما يقال نق الضفدع والعقرب والدجاج، ويقال في الهر: بقلة، وقال ابن السراج: ويجوز أن يكون منق بالإسكان إن كان روي، أي: وأنعام ذات نقى أي ٢٤٧ ٦٧ - كِتَابُ النِّكاحِ / باب (٨٣) سمان. قوله: ((فعنده أقول)) أي: عند زوجي أقول كلاماً فلا أقبح على صيغة المجهول أي: فلا نسب إلى التقبيح في القول، بل يقبل مني، وفي رواية النسائي: فعنده أنطق، وفي رواية الزبير: أتكلم. قوله: ((وأرقد فأتصبح)) أي: أنام الصبيحة، وهي في أول النهار، ولا أوقظ لأن عندي من يكفيني الخدمة من الإماء وغيرها. قوله: ((وأشرب فأتقمح)» بالقاف وتشديد الميم أي: أروى حتى لا أحب الشرب، مأخوذ من الناقة المقامح وهي التي ترد الحوض فلا تشرب وترفع رأسها رياً، كذا قاله أبو عبيد، وكل رافع رأسه فهو مقامح، وبعض الناس يرويه. فأتقنح، بفتح النون، وقال أبو عبيد: لا أعرف هذا الحرف ولا أرى المحفوظ إلاَّ بالميم، وقال عياض: لم نروه في (صحيح البحاري) (ومسلم) إلاّ بالنون، وكذا في جميع النسخ. وقال البخاري: قال بعضهم: فأتقمح بالميم، قال: وهو الأصح، والذي بالنون معناه: أقطع الشرب وأتمهل فيه، وقيل: هو الشرب بعد الري، وحكى أبو علي القالي في (البارع) و (الأمالي) يقال: قنحت الإبل، تقنح بفتح النون في الماضي والمستقبل. قنحاً بإسكان النون. قال شمر: إذا تكارهت الشرب. وفي (التلويح) ومن رواه: أتفتح، بالفاء والتاء المثناة من فوق إن لم يكن وهماً فمعناه والتكبر والزهو والتيه، ويكون هذا التكبر والتيه من الشراب النشوة سكره، وهو على كل حال يرجع إلى عزتها عنده وكثرته الخير لديها. وقيل: معنى أتقنح كناية عن سمن جسمها واتساعه. قوله: ((أم أبي زرع فما أم أبي زرع)» الكلام فيه مثل الكلام في زوجي أبو زرع، فما أبو زرع؟ ويروى: أم زرع وما أم زرع؟ بحذف أداة الكنية، الأول هو ظاهر الرواية. قوله: ((عكومها رداح)) العكوم جمع عكم بكسر العين وسكون الكاف كجلود جمع جلد، وهي الأعدال والأحمال التي تجمع فيها الأمتعة، وقيل: هي نمط تجعل المرأة فيها ذخيرتها، حكاه الزمخشري، ورداح بكسر الراء بفتحها وآخره حاء مهملة أي: عظام كثيرة الحشو. قاله أبو عبيد، وقال الهروي: ثقيلة، ويقال للكتيبة: رداح إذا كانت بطيئة السير لكثرة من فيها، ويقال للمرأة إذا كانت عظيمة الكفل ثقيلة الورك رداح. وقال الكرماني: الرداح مفرد والعكوم جمع، يعني: كيف يكون المفرد خبراً عن الجمع؟ ثم أجاب بأنه أراد كل عكم رداح بكسر الراء لا بفتحها، أو يكون الرداح ههنا مصدراً كالذهاب قلت: أجوبة أخرى: الأول: أن يكون رداح بكسر الراء لا بفتحها جمع رارح كقائم وقيام، ويخبر عن الجمع بالجمع. الثاني: أن يكون رداح خبر مبتدأ محذوف أي: عكومها كلها رداح على أن رداح واحد جمعه ردح بضمتين. الثالث: أن الخبر عن الجمع قد جاء بالواحد مثل: أدرع دلاص، أي براق، ومنه ﴿أولياؤهم الطاغوت﴾ [البقرة: ٢٥٧] قوله: ((وبيتها فساح)) بفتح الفاء وتخفيف السين المهملة وبالحاء المهملة أي: واسع يقال: بيت فسيح وفساح وفياح بفتح الفاء وتخفيف الياء آخر الحروف، ومنهم من يشد الياء للمبالغة، والمعنى: أنها وصفت والدة زوجها بأنها كثيرة الآلات والأثاث والقماش، واسعة المال كبيرة البيت أما حقيقة فيدل على عظم الثروة، وأما كناية عن كثرة الخير ورغد العيش والبر بمن ينزل بهم لأنهم يقولون: فلان رحيب المنزل، أي: يكرم من ينزل عليه. قوله: . ٢٤٨ ٦٧ - كِتَابُ النِّكاحِ / باب (٨٣) ((ابن أبي زرع! فما ابن أبي زرع؟)) لما وصفت أم أبي زرع بما ذكر شرعت تصف ابن أبي زرع بقولها: ((مضجعه كمسل شطبة)) المسل، بفتح الميم والسين المهملة وتشديد اللام مصدر ميمي بمعنى: المسلول، أو اسم مكان ومعناه: كمسلول الشطبة، وقال ابن الأعرابي أرادت بمسل الشطبة سيفاً سل من غمده، فمضجعه الذي ينام فيه في الصغر كقدر مسل شطبة واحدة. وقال أبو عبيد: وأصل الشطبة ما يشطب من جريد النخل فيشق منه قضبان رقاق تنسج منها الحصر، ويقال للمرأة التي تفعل ذلك: الشاطبة، أخبرت أنه مهفهف ضرب اللحم، شبهته بتلك الشطبة. وقال أبو سعيد النيسابوري: تريد كأنه سيف مسلول من غمده، وسيوف اليمن كلها ذات شطب، وهي الطرائق التي في متن السيف، وقد شبهت العرب الرجال بالسيوف إما لخشونة الجانب وشدة المهابة، وإما لجمال الرونق وكمال اللألاء، وإما لكمال صورتها في اعتدالها واستوائها. قوله: ((ويشبعه ذراع الجفرة)) ويروى: ويكفيه ذراع الجفرة، وهي بفتح الجيم وسكون الفاء وبالراء: الأنثى من أولاد الضأن، وقيل: من أولاد المعز، والذكر جفر وهي التي مر لها من عمرها أربعة أشهر، وأرادت به أنه قليل الأكل، وزاد بعد هذا في رواية لابن الأنباري: وترويه فيقة اليعرة. ((ويميس في حق النترة)). قوله: ((وتروية)) من الإرواء، والفيقة بكسر الفاء وسكون الياء آخر الحروف بعدها قاف ما يجتمع في الضرع بين الحلبتين والفواق بضم الفاء الزمان الذي بين الحلبتين واليعرة بفتح الياء آخر الحروف وسكون العين المهملة بعدها راء العناق، واليعر الجدي. قوله: ((ويميس)) أي يتبختر، والنترة بفتح النون وسكون التاء المثناة من فوق: الدرع اللطيفة أو القصيرة، وقيل: اللينة الملمس، وقيل: الواسعة. والحاصل أنها وصفته بهيف القد وأنه ليس ببطين ولا جافي قليل الأكل والشرب ملازم لآلة الحرب، يختال في موضع الحرب والقتال، وكل ذلك مما يتمادح به العرب قوله: ((بنت أبي زرع فما بنت أبي زرع)) هذا في مدح بنت أبي زرع بعد مدح ابن أبي زرع، وفي رواية مسلم: وما بنت أبي زرع؟ بالواو. قوله: ((طوع أبيها)) أي: هي طوع أبيها وطوع أمها يعني: بارة بهما لا تخرج عن أمرهما، وفي رواية الزبير. وزين أهلها ونسائها. أي: يتجملون بها، وفي رواية النسائي: زين أمها وزين أبيها، بدل لفظ طوع، في الموضعين، وفي رواية للطبراني: وقرة عين لأبيها وأمها وزين لأهلها، وفي رواية لابن السكيت: قباء هضيمة الحشا جائلة الوشاح عنكاء فعماء نجلاء دعجاء زجاء قنواء مؤنقة مقنعة. قلت: قباء، بفتح القاف وتشديد الباء الموحدة وبالمد خميصة البطن، وهضيمة الحشا من الهضم بالتحريك وهو انضمام الحنين، يقال: رجل أهضم وامرأة هضماء، والحشا بفتح الحاء المهملة مقصوراً، وهو ما انضمت عليه الضلوع، وجائلة الوشاح، بكسر الواو وبالشين المعجمة وفي آخره حاء مهملة، وهو شيء ينسج عريضاً من أدم، وربما رصع بالجوهر والخرز وتشده المرأة بين عاتقيها وكشحيها ويقال فيه: إشاح، والجائلة، بالجيم من الجولان يعني: يدور وشاحها لضمور بطنها، وعكناء، بفتح العين المهملة وسكون الكاف وبالنون والمد أي: ذات عكن وهي الطيات في بطنها، وفعماء بفح الفاء وسكون العين المهملة وبالمد أي: ممتلئة في شدة ٢٤٩ ٦٧ - كِتابُ النِّكاحِ / باب (٨٣) بياضها، وزجاء بالزاي والجيم المشددة من الزجج وهو تقوس في الحاجب مع طول في أطرافه وامتداده، وقيل بالراء وتشديد الجيم أي: كبير الكفل ترتج من عظمه، وقنواء، بفتح القاف وسكون النون من القنو، وهو طول في الأنف ودقة الأرنبة مع جدب في وسطه، ومؤنقة بالنون والقاف من الشيء الأنيق وهو المعجب ومقنعة مغطاة الرأس بالقناع، وقيل: مونقة، بتشديد النون ومعنقة بوزنه أي: مغذية بالعيس الناعم. قوله: ((وملء كسائها)) كناية عن امتلاء جسمها وسمنها. قوله: ((وغيظ جارتها))، المراد بالجارة الضرة أي: يغيظها ما ترى من حسنها وجمالها وأدبها وعفتها، وفي رواية مسلم: وعقر جارتها، بفتح العين المهملة وسكون القاف أي: دهشها أو قتلها، وفي رواية النسائي والطبراني وحير جارتها، بالحاء المهملة وسكون الياء آخر الحروف من الحيرة، وفي أخرى له: وحين جارتها، بالنون عوض الراء وهو الهلاك، وفي رواية الهيثم بن عدي: وعبر جارتها، بضم العين المهملة وسكون الباء الموحدة من العبر بالفتح أي: تبكي حسداً لما تراه منها، أو بالكسر، أي: تعتبر بذلك، وفي رواية سعيد بن سلمة: وخبر نسائها، فاختلف في ضبطه فقيل بالمهملة والموحدة من التحبير، وقيل بالمعجمة والياء آخر الحروف من الخيرية. قوله: ((جارية أبي زرع! فما جارية أبي زرع)) وصفت أولاً زوجها، ثم وصفت حماتها وهي أم أبي زرع، ثم ابن أبي زرع، ثم بنته، ثم وصفت هنا جارية أبي زرع بقولها: «جارية أبي زرع! فما جارية أبي زرع؟)) والكلام فيه كما ذكرنا عند قولها زوجي أبو زرع. قوله: ((لا تبث)) من بث الحديث إذا أظهره وأفشاه. ومادته: باء موحدة وثاء مثلثة. ويروى: لا تنث، بالنون موضع الباء وهو بمعناه، وقيل: بالنون في الشر، وفي رواية الزبير: ولا تخرج حديثاً. قوله: ((تبشيئاً)) مصدر من بثت على وزن فعل بالتشديد، وهذا فيه ما ليس في بث من المبالغة، وقال: نث الحديث في باب النون ينئه نثاً إذا أفشاه. قوله: ((ولا تنقث)) بضم التاء المثناة من فوق وفتح النون وتشديد القاف المكسورة بعدها الثاء المثلثة أي: لا تسرع في الميرة بالخيانة. والميرة بكسر الميم وسكون الياء آخر الحروف وبالراء: الزاد. وأصله ما يحصله البدوي من الحضر ويحمله إلى منزله لينتفع به، وضبطه عياض في مسلم بفتح أوله وسكون النون وضم القاف، والمعنى: لا تأخذ الطعام على غير أصل فعله نحو: ﴿والله أنبتكم من الأرض نباتاً﴾ [نوح: ١٧] والأصل أن يقال: إنباتاً، وقد وقع في رواية لمسلم نحو الضبط الأول، والتنقيث إخراج ما في منزل أهلها إلى غيرهم، قاله أبو سعيد، وقال ابن حبيب: لا تفسده، وفي رواية أبي عبيد: ولا تنقل، وكذا للزبير عن عمه مصعب، ولأبي عوانة: ولا تنتقل، وفي رواية ابن الأنباري: ولا تعت، بالعين المهملة والفوقانية، أي تفسد، وأصله من العتة بالضم وهي السوسة، وفي رواية للنسائي: ولا تفش ميرتنا تفشيشاً، بناء ومعجمتين من الإغشاش وهو طلب الأكل من هنا وهنا، ويقال: فش ما على الخوان إذا أكله أجمع، ووقع عند الخطابي: ولا تفسد ميرتنا تفشيشاً، بالمعجمات، وقال: مأخوذ من فشيش الخبز إذا فسد، وضبطه الزمخشري بالفاء الثقيلة بدل القاف، وقال في شرحه: التفث والتفل بمعنى، وأرادت المبالغة ٢٥٠ ٦٧ - كِتابُ النِّكاحِ / باب (٨٣) في براءتها من الخيانة. قوله: ((ولا تملأ بيتنا تعشيشاً)) بالعين المهملة وبالشين المعجمتين أي: لا تترك الكناسة والقمامة في البيت مفرقة كعش الطائر، بل هي مصلحة للبيت معتنية بتنظيفه، وقيل: معناه لا تخوننا في طعامنا فتخبؤه في زوايا البيت كأعشاش الطير، وروي بإعجام الغين من الغش في الطعام، وقيل: من النميمة أي: لا تتحدث بها. وقال الخطابي: التغشيش من قولهم: عشش الخبز إذا انكدح وفسد أي: أنها تحسن مراعاة الطعام وتعهده بأن تطعم أولاً فأولاً لا تغفل عن أمره فيتكدح. ويفسد في البيت، ووقع في رواية الطبراني: ولا تعش بيتنا تعشيشاً، وفي رواية الهيثم عن هشام: ضعيف أبي زرع! وما ضعيف أبي زرع؟ في شبع وروى ورتع. طهاة أبي زرع! فما طهاة أبي زرع؟ لا تفتر ولا تعدى، تقدح قدر أو تنصب أخرى فتلحق الآخرة بالأولى، مال أبي زرع! فما مال أبي زرع؟ على الحميم معكوس وعلى العفاة محبوس. قوله: وري بكسر الراء وتشديد الياء. قوله: ((ورتع)) بفتح الراء المثناة أي: تنعم قوله: طهاة جمع طاه وهو الطباخ من طهى الرجل إذا طبخ قوله: لا تفتر، بالفاء الساكنة وبالتاء المثناة من فوق المضمومة أي: لا تسكن ولا تضعف. قوله: ((ولا تعدى)) بضم التاء وتشديد الدال أي: لا تترك ذلك ولا تتجاوز عنه. قوله: ((بقدح)) أي: تغرف قدراً وتنصب قدراً أخرى، يقال: قدح القدر إذا غرف ما فيها بالمقدحة، وهي المغرفة. قوله: فتلحق الآخرة، أي: تلحق القدرة الآخرة بالقدرة الأولى التي غرف ما فيها، وحاصله أنها لم تزل في الطبخ والغرف، ولا تعدى عن ذلك قوله: ((على الجم)) بضم الجيم وتخفيف الميم الأولى: جمع جمة، وهم القوم يسألون في الدية قوله: ((معكوس)) أي: مردود والعكس في الأصل ردك آخر الشيء إلى أوله. قوله: ((قالت: خرج أبو زرع))، وفي رواية النسائي: خرج من عندي، وفي رواية الحارث بن أبي أسامة ثم خرج من عندي قوله: ((والأوطاب تمخض)) الواو فيه للحال، والأوطاب جمع وطب وهو سقاء اللبن خاصة. وقال الكرماني: هو جمع على غير قياس، وكذا قال أبو سعيد: إن فعلاً لا يجمع على أفعال، بل يجمع على فعال. قلت: يرد قولهما قول الخليل: جمع وطب على وطاب وأوطاب، كما جمع: فرد على أفراد. قوله: ((تمخض)) من المخض وهو أخذ الزبد من اللبن، وعن عياض: رأيت في رواية حمزة عن النسائي: والأطاب، بغير واو، فإن كان مضبوطاً فهو على إبدال الواو همزة، كما قالوا: أكاف ووكاف ثم إن قول أم زرع هذا يحتمل وجهين: أحدهما: إنكار خروجه من منزلها غدوة وعندهم خبز كثير ولبن غزير يشرب صريحاً ومخيضاً ويفضل عندهم ما يمخضوه في الأوطاب، والآخر: أنها أرادت أن خروجه كان في استقبال الربيع وطيبه، وأن خروجه إما للسفر أو غيره، فلم تدر ما ترتب عليها بسبب خروجه من تزوج غيرها والظاهر أنه لما رأى أم زرع تعبت من مخض اللبن واستلقت لتستريح خرج، فرأى امرأة فتزوجها، وهو معنى قولها: ((فلقي امرأة معها ولدان لها كالفهدين)) وفي رواية لابن الأنباري: كالصقرين، وفي رواية لغيره: كالشبلين، وفي رواية إسماعيل بن أبي أويس: سارين حسنين نفيسين، وسبب وصفها لها التنبيه على سبب تزويج أبي زرع لها، لأن العرب كانت ترغب في كون الأولاد من ٢٥١ ٦٧ - كِتَابُ النِّكاحِ / باب (٨٣) النساء النجيبات في الخلق والخلق. وتظاهرت الروايات على أن الغلامين كانا ابنين للمرأة المذكورة إلاَّ ما رواه أبو معاوية عن هشام: أنهما كانا أخويها، وقال عياض: يتأول بأن المراد أنهما ولداها ولكنهما جعلا أخويها في حسن الصورة. قوله: ((يلعبان من تحت خصريها برمانتين)) أرادت بهذا أن هذه المرأة كانت ذات كفل عظيم فإذا استلقت على ظهرها ارتفع كفلها بها من الأرض حتى تصير تحتها فجوة يجري فيها الرمان. وفي رواية الحارث: من تحت درعها. وفي رواية الهيثم: من تحت صدرها، وعن ابن أبي أويس: أن الرمانتين هما الثديان. وقال أبو عبيد: ليس هذا موضعه، ولا سيما وقد روي: من تحت درعها برمانتين، ويؤيده ما وقع في رواية أبي معاوية: وهي مستلقية على قفاها ومعها رمانة يرميان بها من تحتها فتخرج من الجانب الآخر من عظم إليتيها. قوله: ((فطلقني ونكحها)) وفي رواية الحارث: فأعجبته فطلقني، وفي رواية أبي معاوية: فخطبها أبو زرع فتزوجها فلم تزل به حتى طلق أم زرع، وفي رواية الهيثم: فاستبدلت بعده وكل بدل أعور، وهو مثل معناه: أن البدل من الشيء غالباً لا يقوم مقام المبدل منه، بل هو دونه وأنزل منه، والمراد بالأعور المعيب. وقال ثعلب: الأعور الرديء من كل شيء كما يقال: كلمة عوراء أي: قبيحة. قوله: ((رجلاً سرياً) بفتح السين المهملة وكسر الراء وتشديد الياء آخر الحروف أي سيداً شريفاً من قولهم: فرس سري أي: خيار، ومنه: هذا من سراة المال أي: خياره. قوله: ((ركب شرياً) بالشين المعجمة أي فرساً شرياً وهو الذي يستشري في سيره أي يلج ويمضي بلا فتور وقال عياض عن ابن السكيت شرياً بالشين المعجمة يعني: سيداً سخياً ركب شرياً، بالمعجمة فقط. وقال النووي فرساً شرياً بالمعجمة بالاتفاق. قلت: ما ذكرنا الآن يرده، وفي رواية الحارث: ركب فرساً عربياً، وفي رواية الزبير: أعوجياً، وهو منسوب إلى أعوج فرس مشهور تنسب إليه العرب خيار الخيل، كانت لبني كندة ثم لبني سليم ثم لبني هلال. قوله: ((وأخذه خطياً)) بفتح الخاء المعجمة وتشديد الطاء المهملة أي: أخذ رمحاً خطياً أي: منسوباً إلى الخط، وهو موضع معروف بنواحي البحرين تجلب الرماح منه، وقيل: أصلها من الهند تحمل في البحر إلى الخط، المكان المذكور، ثم تفرق منه في البلاد. قوله: ((وأراح) من الإراحة وهو السوق إلى موضع المبيت بعد الزوال. قوله: ((عليَّ)) بالتشديد. قوله: ((نعماً ثرياً)) بفتح الثاء المثلثة وكسر الراء الخفيفة وتشديد الياء، وهو الكثير من المال ومن الإبل وغيرها، وهو صفة: نعماً، وإنما ذكر لأجل السجع، وقال عياض: النعم الإبل خاصة، وكذا قاله ابن بطال وابن التين، وقال غيرهم: النعم الإبل والبقر والغنم، قال تعالى: ﴿ومن الأنعام حمولة وفرشاً﴾ [الأنعام: ١٤٢] ثم قال: ﴿ثمانية أزواج﴾ [الزمر: ٦] فذكر أنواع الماشية، ويروى نعماً، بكسر النون جمع: نعمة، والأول هو الأشهر. قوله: ((وأعطاني من كل رائحة زوجاً) أي: من كل ما يروح من النعم والعبيد والإماء زوجاً. أي: اثنين ويحتمل أنها أرادت صنفاً وفي رواية مسلم: وأعطاني من كل ذابحة أي مذبوحة. مثل ﴿عيشة راضية﴾ [الحاقة: ٢١] أي: مرضية، وحاصل المعنى: أعطاني من كل شيء يذبح ٢٥٢ ٦٧ - كِتابُ النِّكاحِ / باب (٨٣) زوجاً، وفي رواية الطبراني: وأعطاني من كل سائمة، والسائمة الراعية، والرائحة الآتية وقت الرواح وهو آخر النهار. قوله: ((وميري أهلك)) بكسر الميم أي: صلي أهلك بالميرة وهي الطعام قوله: ((قالت)) أي أم زرع. قوله: ((كل شيء أعطانيه))، أي: الزوج الثاني الذي تزوج بها بعد أبي زرع. قوله: ((ما بلغ)) خبر لقوله: ((كل شيء)) وفي رواية مسلم أعطاني، بلا هاء. وفي رواية النسائي: ما بلغت أناء، وفي رواية الطبراني: فلو جمعت كل شيء أصبته منه فجعلت في أصغر وعاء من أوعية أبي زرع ما ملأه. قوله: ((قالت عائشة رضي الله عنها، قال رسول الله عَلٍَّ: كنت لك كأبي زرع لأم زرع)) قاله رسول الله عَّ له تطبيباً لنفسها، وإيضاحاً لحسن عشرته إياها، ثم استثنى من ذلك الأمر المكروه منه أنه طلقها، وإني لا أطلقك، تتميماً لطيب نفسها وإكمالاً لطمأنينة قلبها ورفعاً للإبهام لعموم التشبيه بجملة أحوال أبي زرع إذ لم يكن فيها ما تذمه سوى طلاقه لها، وقول عائشة رضي الله تعالى عنها: بأبي أنت وأمي، بل أنت خير لي من أبي زرع، جواب مثلها في فضلها، فإن سيدنا رسول الله عٍَّ لما أخبرها أنه لها كأبي زرع لأم زرع، لفرط محبة أم زرع له وإحسانه لها، أخبرته هي أنه عندها أفضل وهي له أحب من أم زرع لأبي زرع. وقال الكرماني: وكان هي زائدة أي: أنا لك. قلت: يؤيد قوله: في زيادة كان، رواية الزبير: أنا لك كأبي زرع لأم زرع، وقال القرطبي: قوله: ((كنت لك)) معناه أنا لك، وهذا نحو قوله عز وجل: ﴿كنتم خير أمة﴾ [آل عمران: ١١٠] أي أنتم خير أمة. قال: ويمكن بقاؤها على ظاهرها، أي: كنت لك في علم الله السابق، ويمكن أن يريد به مما أريد به الدوام كقوله تعالى: ﴿وكان الله سمعياً بصيراً﴾ [النساء: ٢٥٨]. وفي هذا الحديث فوائد منها: ذكر محاسن النساء للرجال إذا كن مجهولات بخلاف المعينات، فهذا منهي عنه لقوله عَّةٍ: ولا تصف المرأة المرأة لزوجها حتى كأنه ينظر إليها. ومنها: جواز إعلام الرجل بمحبته للمرأة إذا أمن عليها من هجر وشبهه. ومنها: ما يدل على التكلم بالألفاظ العربية والأسجاع، وإنما يكره من ذلك التكلف. ومنها: ما قاله المهلب فيه: التأسي بأهل الإحسان من كل أمة. ألا يرى أن أم زرع أخبرت عن أبي زرع بجميل عشرته، فامتثله النبي عَّه؟ قال عياض: وهذا عندي غير مسلم. لأنا لا نقول إن سيدنا رسول الله عَّه اقتدى بأبي زرع، بل أخبر أنه لها كأبي زرع. وأعلم أن حاله معها مثل حاله ذلك لا على التأسي به، وأما قوله بجواز التأسي بأهل الإحسان من كل أمة فصحيح ما لم تصادمه الشريعة. ومنها: شكر المرأة إحسان زوجها، وكذا ترجم عليه النسائي، وخرج معه في الباب حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: لا ينظر الله إلى امرأة لا تشكر زوجها. ومنها: مدح الرجل في وجهه بما فيه إذا علم أن ذاك غير مفسد له ولا مغير نفسه، والنبي، صلى الله تعالى عليه وسلم، مظنة كل مدح ومستحق كل ثناءٍ، وأن من أثنى بما أثنى فهو فوق ذلك كله. ومنها: أن كنايات الطلاق لا يقع بها الطلاق إلاَّ بالنية، لأن النبي عَ لّ قال: كنت لك كأبي زرع، ومن جملة أفعال أبي زرع أنه طلق امرأته أم زرع، ولم يقع على النبي ٢٥٣ ٦٧ - كِتابُ النّكاحِ / باب (٨٣) عَ ◌ِّ طلاق لتشبهه لكونه لم ينو الطلاق وقد جاء في رواية إلا أن أبا زرع طلق أم زرع، وأنا لم أطلقك. قال أبُو عَبْدِ الله: قال سَعيدُ بنُ سَلَمَةَ عنْ هِشَامٍ وَلاَ تُعَشِّشُ بَيْتَنَا تَعْشِيشاً. قال أبو عبد الله: وقال بَعْضُهُمْ أَتَقَمَّحُ، بالميم وهذَا أُصُ. أبو عبد الله هو البخاري نفسه، هذا إلى آخره ليس في بعض النسخ. قال الكرماني: صوابه في هذه المتابعة كما في بعض النسخ هو: قال أبو سلمة عن سعيد بن سلمة إلى آخره، وأبو سلمة هذا هو موسى بن إسماعيل التبوذكي، وسعيد بن سلمة بالفتحات ابن أبي الحسام العدوي المديني، مولى آل عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه، يكنى أبا عمرو ومن رجال مسلم، روى عنه موسى بن إسماعيل، وهو حديث واحد: حديث أم زرع، وما له في البخاري إلاّ هذا الموضع، وهشام هو ابن عروة بن الزبير، روى عنه سعيد بن سلمة بهذا الإسناد، وقد وصله مسلم عن الحسن بن علي عن موسى بن إسماعيل عن سعيد بن سلمة عن هشام بن عروة، ولكنه لم يسق فيه لفظه بتمامه. قوله: ((ولا تعشش بيتنا تعشيشاً)) قد مر الاختلاف في ضبطه عن قريب، فقيل بالعين المهملة وقيل بالمعجمة قوله: ((قال أبو عبد الله)). هو البخاري أيضاً، قال بعضهم: أتقمح، بالميم وقد مر الكلام فيه في قوله: قالت الحادية عشرة، وهي أم أبي زرع. قوله: ((وهذا أصح)) أشار به إلى أنه وقع في أصل رواية أتقنح، بالنون، وبالميم أصح. ٥١٩٠/١٢٠ - حدّثنا عبد الله بن مُحمَّدٍ حدثنا هشامٌ أخبرَنا مَعْمَرُ عنِ الزُّهريِّ عنْ عُرْوَةَ عنْ عائِشةَ قالَتْ: كانَ الحَبَشُ يَلْعَبُونَ بِحِرَابِهِمْ، فَسَتَرَنِي رسولُ اللهِ عَ لَّهِ وَأَنا أَنْظُرُ، فَما زلْتُ أَنْظُرُ حتَّى كُنْتُ أَنا أَنْصَرِفُ، فاقدُرُوا قَدْرَ الجَارِيَةِ الحَديثَةِ السِّنِّ تَسْمَعُ اللَّهْوَ. [انظر الحديث ٤٥٤ وأطرافه] مطابقته للترجمة في اشتماله على ذكر حسن المعاشرة. وعبد الله بن محمد هو المعروف بالمسندي، وهشام هو ابن يوسف الصنعاني، ومعمر بفتح الميمين هو ابن راشد. والحديث قد مر في كتاب صلاة العيد، والحبش هو الجيل المعروف من السودان، والحراب جمع حربة. قوله: ((فاقدروا)) بضم الدال وكسرها، لغتان أي: اقدروا رغبتها في ذلك إلى أن تنتهي. قوله: ((الحديثة السن)) أي: الشابة، وأنها تحِب اللهو والتفرج والنظر إلى اللعب حباً بليغاً وتحرص على إقامته ما أمكنها ولا تمل ذلك إلاَّ بعد زمان طويل، ومر الكلام فيه هناك، وذكرنا أنها كانت يومئذ بنت خمس عشرة سنة أو أزيد، وقال بعضهم، هو منسوخ بالقرآن والسنة، أما القرآن فقوله عز وجل: ﴿في بيوت أذن الله أن ترفع﴾ [النور: ٣٦] والسنة قوله عد له: ((جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم))، وقال بعضهم: يحتمل أن يكون منسوخاً، لأن نظر النساء إلى الرجال وإلى اللهو فيه ما فيه. ٢٥٤ ٦٧ - كِتابُ النِّكاحِ / باب (٨٤) ٨٤ - بابُ مَوْعِظَةِ الرجُلِ ابْتَتَهُ بِحال زَوْجها أي: هذا باب في بيان موعظة الرجل ابنته بحال زوجها. ويروى: لحال زوجها، باللام أي: لأجل حال زوجها، والموعظة اسم للوعظ وهو النصح والتذكير بالعواقب. ٥١٩١/١٢١ _ حدّثنا أبو اليَمانِ أخبرَنا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قال: أخبرَنِي عُبَيْدُ الله بنُ عبْدِ الله بنِ أبي ثَوْرٍ عنْ عَبْدِ الله بنُ عَبَّاس، رضي الله عنهما، قال: لَمْ أَزَلْ حَرِيصاً على أنْ أسألَ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ عنِ المَرْأَيْنِ مِنْ أَزْوَاجِ النبيِّ عَّهِ، اللَّتَيْمنِ قال الله تعالى: ﴿إِن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما﴾ [التحريم: ٤] حَتَّى حَجَّ وحَجَجْتُ معَهُ، وعَدَلَ وعدَلْتُ معَهُ بأدَوَاةٍ، فَتَبرَّرَ ثُمَّ جاءَ فَسَكَبْتُ عَلَى يَدَيْهِ مِنْهَا فَتَوَضَّأ فقُلْتُ لهُ: يا أميرَ المُؤْمِنِينَ مَنِ المَرْأتينِ مِنْ أَزْوَاجِ النبيِّ عَ لّهِ، اللَّتانِ قال الله تعالى: ﴿تنوبا إلى الله فقد صنعت قلوبكما﴾ [التحريم: ٤] قال: وَاعَجَبَا لَكَ يا ابنَ عَبَّاسٍ، هُما عائِشَةُ وحَفْصَةُ ثُمَّ اسْتَقْبَلَ عُمَرُ الحَدِيثَ يَشْوقُهُ. قال: كُنْتُ أنا وجارٌ لِي مِنَ الأَنْصَارِ فِي بَنِي أُمَيَّةَ بن زَيْدٍ وهُمْ مِنْ عَوَالِي المَدِينَةِ وكُنَا نَتَنَاوَبُ النُّزُولِ عَلى النبيِّ عَ لَّهِ فَيَنْزِلُ يَوْماً وأَنْزِلُ يَوْماً، فإِذَا نَزَلتُ جِئْتُهُ بِما حدَثَ مِنْ خَبرِ ذُلِكَ اليَوْمِ مِنَ الوَحْي أَوْ غَيْرِهِ، وإذا نَزَلَ فَعلَ مِثْلَ ذُلِكَ، وكُنَّا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ نَغْلِبُ النِّساءِ فَلَمَّا قَدِمْنا عَلى الأنْصَارَ إذا قَوْمٌ تَغْلِيُهُمْ نِساؤُهُمْ، فَطَفِقَ نِساؤُنا يَأْخُذْنَ مِنْ أَدَبٍ نساءِ الأَنْصَارِ فصَحِبْتُ على امرَأْتِي فِرَاجَعَتْني فأنْكَرْتُ أَنْ تُرَاجعَني قالَتْ وِلِمَ تُنْكِرُ أنْ أُرَاجِعَكَ فوَاللهِ إِنَّ أَزْوَاجَ النبيِّ عَّهِ لَيُرَاجِعْنَهُ، وإِنَّ إِخْدَاهُنَّ لَتَهْجُرُهُ اليَوْمَ حتى اللَّيْلِ، فَأَفْزَعَنِي ذُلِكَ وقُلْتُ لَها: قد خابَ مَنْ فَعَلَ ذُلِكَ مِنْهُنَّ، ثُمَّ جَمَعْتُ عَلَيَّ ثِيابِي فَنَزَلْتُ فدَخَلْتُ عَلى حَفْصَةَ، فَقُلْتُ لَها: أي حَفْصَةُ! أتُغَاضِبُ إحْدَاكُنَّ النبيَّ عَ لَِّ الْيَوْمَ حتَّى اللَّيْل؟ قالت: نَعَمْ فَقُلْتُ: قَدْ خِبْتٍ وَحَسِرْتِ أَفَتَأْمَنِينَ أن يَغْضَبَ الله لِغَضَبِ رسولِهِ عَّهِ فَتَهْلِكِي؟ لا تَسْتَكْثِرِي النبيَّ عَِّ ولا تُرَاجِعيهِ فِي شَيْءٍ ولا تَهْجُرِيهِ، وسَلِيْني ما بَدَا لَكِ، ولا يَغُرَنَّكِ أنْ كانَتْ جَارَتُكِ أوضاً مِنْكِ وأحَبَّ إلى النبيِّ عَ لَّه ◌ِ يُرِيدُ عَائِشَةَ - قال عُمَرُ: وَكُنَّا قَدْ تَحَدَّثْنَا أَنَّ غَسَّانَ تُنْعِلُ الخَيْلَ لِغَزْونا، فَتَزَلَ صاحِبِي الأنصارِيُّ يوْمَ نْوَيَتِهِ فَرَجَعَ إليْنا عِشَاءٍ فَضَرَبَ بابي ضَرْباً شَدِيداً وقال: أَثُمَّ هُوَ؟ فَفَزِعُتُ فَخَرَجْتُ إليْهِ، فقال: قدْ حَدَثَ اليَوْمَ أَمْرٌ عَظِيمٌ. قُلْتُ: ما هُوَ؟ أجاءَ غَسانُ؟ قال: لا بَلْ أَعْظَمْ مِنْ ذُلِكَ وَأَهْوَلُ طلَّقَ النبيُّ عَلَّلِ نِساءَهُ. فَقُلْتُ: خَابَتْ حَفْصَةُ وخسِرَتْ، قَدْ كنْتُ أَظُنُّ لهذَا يُوشِكُ أنْ يَكُون. فَجَمَعْتُ عَلَيَّ ثِيَابِي فَصلَّيْتُ صَلاَةَ الفَجْرِ معَ النبيّ عَ لَّهِ، فَدَخَلَ النبيُّ عَ لِّ مَشْرِبَةً لَهُ فاعْتَزَلَ فِيها، ودَخَلْتُ عَلى حَفْصَةَ فَإِذَا هِيَ تَبْكِي. فَقُلْتُ ما يُبْكِيكِ؟ أَلَمْ أَكُنْ حَذَّرْتُكِ لهذا؟ أَطَلَّقَكُنَّ النبيُّ عَلَّهِ؟ قَالَتْ: لا أدْرِي، هَا هُوَ ذَا مُعْتَزِلٌ في المَشْرُبَةِ، فخرَجْتُ فجِئْتُ إلى المِنْبَرِ فإذا حَوْلَهُ رَهْطٌ يَبْكِي بَعْضُهُمْ، فجَلَسْتُ معَهُمْ قَلِيلاً ثُمَّ غَلَبَنِي ما أجدُ فِجِئْتُ المَشْرِبَةَ الَّتي فيها النبيُّ عَُّلِّ، فَقُلْتُ لِغُلاَمِ لهُ أسوَدَ اسْتَأْذِنْ لِعُمَرَ فَدَخَلَ الغُلاَمُ فَكَلَّمَ النّبِيَّ عَّهِ ثُمَّ رَجَعَ، فقال: كَلَّمْتُ النبيُّ عَ لَّهِ وَذَكَرْتُك لَهُ فصَمَتَ، فَانْصَرَفْتُ حتَّى جَلَسْتُ معَ الرَّهْطِ الّذِينَ عنْدَ المِنْبَرِ، ثُمَّ غَلَبَنِي ما أجدُ فجئْتُ ٢٥٥ ٦٧ - كِتَابُ النِّكاحِ / باب (٨٤) فقُلْتُ لِلْغُلاَمِ اسْتَأْذِنْ لِعُمَر، فدَخَلَ ثُمَّ رَجَعَ فقال: قد ذكَرْتُكَ لَهُ فصَمَتَ، فَرَجَعْتُ فِجَلَسْتُ معَ الرَّحْطِ الَّذِينَ عِنْدَ المِثْبَرِ، ثُمَّ غَلَبَنِي ما أجدُ فجِئتُ الغُلاَمَ، فَقُلْتُ: اسْتَأْذِنْ لِعُمَرَ فَدَخَلَ ثُمّ رجَعَ إِلَيَّ فقال: قدْ ذِكَرْتُكَ لهُ فصَمَتَ فَلمَّا وَلَّيْتُ مُنْصَرِفاً، قال: إِذ الغُلاَمُ يَدْعُونِي، فقال: قدْ أذِنَ لَكَ النبيُّ عَلَهِ، فَدَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ عَّهِ فَإِذَا هُوَ مُضْطَجِعٌ عَلَى رِمالِ حِصيرٍ لَيْسَ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ فِرَاشٌ قَدْ أَثَّرَ الرّمالُ بجَنْبِهِ مُتَّكِئاً على وسادَةٍ مِنْ أَدَمِ حَشْؤُها لِيفٌ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ ثُمَّ قُلْتُ وأنا قائِمٌ: يا رسول الله! أطلَّقْتَ نِساءَكَ؟ فَرَفَعَ إليَّ بَصَرَهُ فقال: لا. فقُلْتُ: الله. أكبر، ثُمَّ قُلْتُ وأنا قائِم: أَسْتَأْنِسُ يا رسولَ الله؟ لو رأيتَنِي وكُنَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ نَغْلِبُ النَّساءَ، فَلَمّا قَدِمْنا المدينَةَ إذا قَوْمٌ تَغْلِبُهُمْ نِساؤُهُمْ، فَتَبِسَّمَ النبيُّ عَّهِ، ثُمَّ قُلْتُ: يا رسولَ الله! لوْ رَأْيِتَنِي ودَخَلْتُ عَلى حَفْصَةَ فَقُلْتُ لَها لا يَغُرِنَّكِ أن كانَتْ جارَتُكِ أوْضأُ مِنْكِ وأحَبَّ إلى النبيِّ سَّهِ، يُرِيدُ عَائِشَةَ، فَتَبَسَّمَ النبيُّ عَ لَِّ تَبَسْمَةً أُخْرَى، فجَلَسْتُ حِينَ رَأيْتُهُ تَبَسَّمَ فَرَفَعْتُ بَصَرِي في بيئْتِهِ، فوالله ما رأيتُ في بيتِهِ شَيئاً يُرُدُّ البَصر غيْرَ أَهَبَةٍ ثَلاثَةٍ، فَقُلْتُ: يا رسولَ الله! ادْعُ الله فَلْيُوَسِّغ عَلَى أَمَّتِكَ، فإنَّ فارِساً والرُّومَ قدْ وُسِّعَ عَلَيْهِمْ وأُعْطُوا الدُّنْيَا وَهُمْ لا يَعْبُدُونَ الله، فجَلَسَ النبيُّ عَّهِ وكان مُتَّكِئاً فقال: أوَ فِي لهذا أنْتَ يا ابنَ الخَطَّابِ؟ إنَّ أُولِئِكَ قَوْمٌ عُجِّلوا طَيِّاتِهِمْ في الحَياةِ الدُّنْيا، فقُلْتُ: يا رسولَ الله! اسْتَغْفِرْ لِي. فَاعْتَزَلَ النبيُّ عَ له نساءَهُ مِنْ أجْلِ ذُلِكَ الحَديثِ حِينَ أَقْشَتْهُ حَفْصَةُ إلى عائِشَةَ تِسْعاً وعِشْرِينَ لَيْلَةً، وكانَ قال: ما أنا بَدَاخِلٍ عَلَيْهِنَّ شَهْراً مِنْ شِدَّةِ مَوْجِدَتِهِ عَلَيْهِنَّ حِينَ عاتِبَهُ اللهِ، فَلَمَّا مَضت تِسْعٌ وعِشْرُونَ ليْلَةٌ دَخَلَ عَلَى عائِشَةَ فَبَدَأَ بِها، فقالَتْ لهُ عائِشَةُ: يا رسولَ الله! إنَّكَ كُنْتَ قَدْ أَقْسَمْتَ أَنْ لا تَدْخُلَ عَلَيْنَا شَهْراً، وإنّما أصْبَحْتَ مِنْ تِسْعِ وعِشْرِينَ ليْلَةً أعُدُّها عَدًّا !! فقال: الشّهْرُ تِسْعُ وعِشْرُونَ، فكانَ ذُلِكَ الشّهْرُ تِسْعاً وعِشْرِينَ لَيْلَةٌ، قَالَتْ عَائِشَةُ: ثُمَّ أَنْزَلَ الله تعالى آيةَ التّخْبِيرِ، فَبَدَأ بي أول امْرَأَةٍ منْ نسائِهِ فاختَرْتُهُ ثمَّ خَيَّرَ نِسَاءَهُ كُلَّهُنَّ، فَقُلْنَ مِثْلَ ما قالَتْ عَائِشَةُ رضيَ الله عنها. [انظر الحديث ٨٩ وأطرافه] مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: ((فدخلت على حفصة فقلت: أي حفصة)) إلى قوله: ((يريد عائشة)). وأبو اليمان هو الحكم بن نافع، وشعيب هو ابن أبي حمزة، وهذا الإسناد بعينه قد مر غير مرة. والحديث قد مضى في تفسير سورة التحريم، ومضى أيضاً مطولاً في كتاب المظالم في: باب الغرفة والعلية المشرفة، ومضى أيضاً مختصراً في كتاب العلم أخرجه عن أبي اليمان عن شعيب ومضى الكلام فيه في المواضع المذكورة، فالناظر فيه يعتبر التفاوت من حيث الزيادة والنقصان في الإسناد والمتن. قوله: ((عدل)) أي: عن الطريق الجادة المسلوكة إلى طريق لا يسلك غالباً ليقضي حاجته، ووقع في رواية عبيد: فخرجت معه، فلما رجعنا وكنا ببعض الطريق عدل، إلى الأراك الحاجة له، وفي رواية مسلم أن المكان المذكور هو مر الظهران. قوله: ((فتبرز)) قال. ٢٥٦ ٦٧ - كِتابُ النِّكاحِ / باب (٨٤) الكرماني: أي ذهب إلى البزار لقضاء الحاجة قلت: تبرز أي قضى حاجته لأن قوله: فعدل هو في نفس الأمر بمعنى خرج إلى البراز، نعم هو من البزار، وهو المكان الخالي البارز عن البيوت، ولكنه أطلق على نفس الفعل. قوله: ((منها))، أي: من الإداوة. قوله: ((اللتان))، كذا في الأصول بالتثنية ووقع عند ابن التين التي، بالإفراد قال: والصواب اللتان بالتثنية قوله: ((إن تتوبا إلى الله))، أي: عن التعاون على رسول الله عَّ ◌ُلّه ﴿فقد صغت قلوبكما﴾ [التحريم: ٤] قوله: ((واعجباً لك))؟ يجوز فيه التنوين وتركه على ما قاله ابن مالك، إن كان منوناً فهو اسم فعل بمعنى: أعجب قلت يجوز أن يكون منصوباً، بفعل محذوف تقديره أعجب عجباً، وإن كان غير منون فالأصل فيه: واعجبي، وكذا وقع في رواية معمر على الأصل فأبدلت الكسرة فتحة فصارت ألفاً كما في قوله: يا أسفاً ويا حسرتا، وكلمة، وا هنا اسم لأعجب كما في قوله: وبابي أنت وفوك الأشنب والأصل في وا، أن يستعمل في المنادى المندوب، وقد يستعمل في غيره كما هنا، وإليه ذهب المبرد ومن النحاة من منعه وهو حجة عليه. قوله: ((هما عائشة وحفصة))، كذا في أكثر الروايات، ووقع في رواية حماد بن سلمة وحده: ((حفصة وأم سلمة))، كذا حكاه عنه مسلم، إنما تعجب عمر من ابن عباس مع شهرته بعلم التفسير كيف خفي عليه هذا القدر؟ وقال الزمخشري: كأنه كره ما سأله عنه، وكذا قال الزهري: كره والله ما سأله عنه ولم يكتمه، ذكر مسلم عنه في هذه القصة. قوله: ((ثم استقل)) من الاستقلال بالأمر وهو الاستبداد به، ويقال: استقل بالأمر إذا تفرد به دون غيره. قوله: ((يسوقه)) حال أراد القصة التي كانت سبب تزول الآية المسؤول عنها. قوله: ((في بني أمية)) بن زيد بن مالك بن عمرو بن عوف من الأوس قوله: ((عوالي المدينة)) يعني: السكان والعوالي جمع عالية وهي القرى التي بأعلى المدينة على أربعة أميال وأكثر وأقل، وهي مما يلي المشرق وكانت منازل الأوس. قوله: ((وكنا نتناوب النزول)) أي: كنا نجعله نوبة، يوماً ينزل فيه عمر ويوماً ينزل فيه جار له. واسمه أوس بن خولى بن عبد الله بن الحارث الأنصاري، وقيل: عتبان بن مالك، لأن النبي عَّ آخى بينه وبين عمر، رضي الله تعالى عنه، والأول هو الأصح، ولا يلزم من المؤاخاة التجاور. قوله: ((معشر قريش) منصوب على الاختصاص. قوله: ((نغلب النساء)) أي: نحكم عليهن ولا يحكمن علينا، بخلاف الأنصار فإن النساء كن يحكمن عليهم. قوله: ((إذا)) كلمة مفاجأة. قوله: ((فطفق نساؤنا)) بكسر الفاء، وقد تفتح وهو من أفعال المقاربة الذي معناه: الأخذ والشروع في الشيء. قوله: ((من أدب نساء الأنصار)) أي: من طريقتهن وسيرتهن. قوله: ((فصخبت)) بفتح الصاد المهملة وكسر الخاء المعجمة من الصخب وهو الصياح، وهو بالصاد رواية الكشميهني، وفي رواية غيره بالسين المهملة وهما بمعنى واحد، ويروى: فصحت قوله: فراجعتني من المراجعة هي المراددة في القول. قوله: ((ولم)) بكسر اللام وفتح الميم يعني: لماذا تنكر علي أن أراجعك أي مراجعتك. قوله: ((ليراجعنه)) بكسر الجيم وسكون العين وفتح النون. قوله: ((لتهجره اليوم إلى الليل)) اللام في لتهجره للتأكيد ٢٥٧ ٦٧ - كِتابُ النِّكاحِ / باب (٨٤) والضمير المنصوب فيه يرجع إلى النبي عَّه، واليوم نصب على الظرف، والليل مجرور بكلمة حتى التي بمعنى إلى، للغاية ويجوز فيه النصب على أن حتى حرف عطف وهو قليل. قوله: ((فأفزعني)) من الفزع وهو الخوف. قوله: ((ثم جمعت عليَّ ثيابي)) أي: هيأت مشمراً ساق العزم. قوله: ((فدخلت على حفصة)) يعني: ابنته بدأ بها لمنزلتها منه. قوله: ((أي حفصة!)) يعني: يا حفصة: قوله: ((أتغاضب؟)) الهمزة فيه للاستفهام على سبيل الإنكار. قوله: ((أن يغضب الله؟)) كلمة: أن مصدرية، أي: غضب الله قوله: ((فتهلكي))، كذا هو في رواية الأكثرين، ووقع في رواية عقيل: ((فتهلكين)) وفي رواية عبيد بن حنين: ((فيهلكن))، بسكون الكاف على صيغة جماعة النساء الغائبة. وقال بعضهم على خطاب جماعة النساء. قلت جماعة النساء الغائبات بالياء آخر الحروف وإن كان للحاضرات فبالتاء المثناة من فوق، وهذا القائل لم يميز بينهما. قوله: ((لا تستكثري)) أي: لا تطلبي منه الكثير من حوائجك، ويؤيد هذا رواية يزيد بن رومان: ((لا تكلمي رسول الله عَّله، ولا تسأليه فإن رسول الله ليس عنده دنانير ولا دراهم، فإن كان لك من حاجة حتى دهنة فسليني)). قوله: ((ولا تراجعيه في شيء)) أي: لا ترادديه في الكلام ولا تردي عليه. قوله: ((ولا تهجریه» أي: لا تهجري النبي عَّهِ، ولو هجرك النبي عَّةٍ. قوله: ((ما بدا لك)) أي: ما ظهر لك مما تريدين. قوله: ((إن كانت))، بفتح الهمزة وكسرها. قوله: ((جارتك)) أي: ضرتك، ويجوز أن يكون على حقيقته لأنها كانت مجاورة لعائشة رضي الله تعالى عنها، وكان ابن سيرين يكره تسميتها ضرة، ويقول: إنها لا تضر ولا تنفع ولا تذهب من رزق الأخرى بشيء، وإنما هي جارة، والعرب تسمي صاحب الرجل وخليطه جاراً، وتسمي الزوجة أيضاً جارة لمخالطتها الرجل، وقال القرطبي: اختار عمر رضي الله تعالى عنه، تسميتها جارة أدباً منه أن يضاف لفظ الضرر إلى إحدى أمهات المؤمنين. قوله: ((أوضأ منك)) من الوضاءة وهو الحسن ووقع في رواية معمر: ((أوسم)) من الوسامة وهي الجمال. قوله: ((وأحب إلى النبي عَّةِ)) المعنى: لا تفتري بكون عائشة تفعل ما نهيتك عنه فلا يؤاخذها بذلك، فإنها تدل بجمالها ومحبة النبي عَّ لها فلا تفتري أنت بذلك لاحتمال أن لا تكوني عنده بتلك المنزلة، وفي رواية عبيد بن حنين التي مضت في سورة التحريم: ولا يغرنك هذه التي أعجبها حسنها حب رسول الله عَ ◌ّم إياها، ووقع في رواية سليمان بن بلال عند مسلم: أعجبها حسنها وحب رسول الله عَ لّه بواو العطف، وقيل في رواية عبد بن حنين المذكورة حذف الواو تقديره: ((وحب رسول الله عَّله)) ومنعه السهيلي وقال: هو مرفوع على البدل، بيانه أن قوله: هذه فاعل قوله: لا يغرنك، وقوله: التي أعجبها صفة وقوله حب رسول الله عَّ للم بدل اشتمال كما في قولك: أعجبني يوم الجمعة صوم فيه، وجوز عياض بدل الاشتمال وحذف واو العطف، وقال ابن التين: حب فاعل وحسنها بالنصب مفعول لأجله، والتقدير: أعجبها حب رسول الله عَّ الله إياها من أجل حسنها. قال: والضمير الذي يلي أعجبها منصوب فلا يصح بدل الحسن منه ولا الحب. قوله: ((أن غسان)) قال الكرماني: غسان، بفتح الغين المعجمة وتشديد المهملة ملك من ملوك الشام عمدة القاري /ج٢٠ / ١٧ ٢٥٨ ٦٧ - كِتابُ النِّكاحِ / باب (٨٤) قلت: ليس كذلك، وإنما معناه قبيلة غسان وملكهم في ذلك الوقت الحارث بن أبي شمر وأن غسان في الأصل ماء بسد مأرب كان شرباً لولد مازن فسموا به، ويقال غسان ماء بالمشلل قريب من الجحفة، والذين شربوا منه سموا به قبائل من ولد مازن جماع غسان، فمن نزل من بنيه ذلك الماء فهو غساني، وأنشىء منهم ملوك فأول من نزل منهم ببلاد الشام جفنة بن عمرو بن ثعلبة وآخرهم جبلة بن الأيهم وهو الذي أسلم في خلافه عمر رضي الله تعالى عنه، ثم عاد إلى الروم وتنصر، وقد اختلفوا في مدة ملك الغسانية، فقيل: أربعمائة سنة، وقيل: ستمائة سنة، وقيل غير ذلك، وقيل: إنهم سبع وثلاثون ملكاً أو لهم جفنة وآخرهم جبلة. قوله: ((تنعل الخيل))، بضم أوله، قال الجوهري: يقال أنعلت الدابة، ولا تقل: نعلت، وحكى عياض في تنعيل الخيل وجهين، وهو كناية عن استعدادهم للقتال مع أهل المدينة. قوله: ((ففزعت)) أي: خفت. قوله: ((خابت حفصة وخسرت)) إنما خصها بالذكر لمكانتها منه لكونها ابنته. قوله: ((يوشك)) بكسر الشين بمعنى: يقرب لأنه من أفعال المقاربة قوله: ((مشربة)) بفتح الميم وسكون الشين المعجمة وضم الراء وفتحها، وهي الفرقة. قوله: (ثم غلبني ما أجد)) أي: من شغل قلبي أي: من اعتزال النبي عَ لِّ نساءه وأن ذلك لا يكون إلاّ من غضب منه قوله: ((لغلام له أسود)) واسمه رباح بفتح الراء وتخفيف الباب الموحدة وآخره حاء مهملة. قوله: ((على رمال)) بكسر الراء، وقد يضم، وفي رواية معمر: على رمل، بكسر الميم وهو المنسوج من الحصير، يقال: رملت الحصير أي: نسجته. قوله: ((من أدم)) بفتحتين جمع أديم. قوله: ((استأنس)) أي: استأذن الجلوس عند رسول الله عَّله والمحادثة معه وأتوقع عوده إلى الرضا وزوال غضبه. قوله: ((غير أهبة)) بفتحات واحده أهب وهي الجلد ما لم يدبغ، والأهب بفتحتين جمع على غير قياس وقيل بالضم وهو القياس. قوله: ((أو في هذا أنت؟)) الهمزة للاستفهام والواو وللعطف على مقدر بعد الهمزة أي: آأنت في مقام استعظام التجملات الدنياوية واستعجالها؟ قوله: ((استعفر لي)) أي عن جراءتي بهذا القول بحضرتك أو عن اعتقادي أن التجملات الدنياوية مرغوب فيها أو عن إرادتي ما فيه المشابهة للكفار في ملابسهم ومعايشهم. قوله: ((من أجل ذلك الحديث)) وهو إشارة إلى ما روي أنه عَ ◌ٍّ خلى بمارية القبطية في يوم عائشة وعلمت به حفصة فأفشته حفصة إلى عائشة. قوله: ((تسعاً وعشرين ليلة)) راجع إلى قوله: ((فاعتزل)) قوله: ((من شدة موجدته)) بفتح الميم وسكون الواو وكسر الجيم، أي: من شدة حزنه، وعاتبه الله تعالى بقوله: ﴿لم تحرم ما أحل الله لك﴾ [التحريم: ١] وذلك لأنه عَّ الله قال لحفصة: لا أعود إليها فاكتمي علي فإني حرمتها على نفسي. قوله: ((من تسع)) وفي رواية عقيل: لتسع باللام وفي رواية السرخسي: بتسع، بالباء الموحدة. قوله: ((آية التخيير)) وهي قوله عز وجل: ﴿يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها﴾ إلى قوله: ﴿أجراً عظيماً﴾ [الأحزاب: ٢٨، ٢٩]. وفي هذا الحديث فوائد فيه: بذل الرجل المال لابنته لتحسين عشرة زوجها، لأن ٢٥٩ ٦٧ - كِتَابُ النِّكاحِ / باب (٨٥) ذلك صيانة لعرضه وعرضها. وبذل المال في صيانة العرض واجب وفيه: تعريض الرجل لابنته بترك الاستكثار من الزوج، إذا كان ذلك يؤذيه ويحرجه. وفيه: سؤال العالم عن بعض أمور. أهله وإن كان عليه فيه غضاضة إذا كان في ذلك سنة تنقل ومسألة تحفظ. وفيه: توقير العالم ومهابته عن استفسار ما يخشى من تغيره عند ذكره. وفيه: ترقب خلوات العالم ليسأل عما لعله لو سئل عنه بحضرة الناس أنكره على السائل. وفيه: أن شدة الوطأة على النساء مذمومة. فإن قلت: روى ابن عباس مرفوعاً: علق سوطك حيث يراه الخادم، وروى أبو ذر: أخف أهلك في الله ولا ترفع عنهم عصاك. قلت: أسانيدها واهية، وضرب المرأة لغير الهجر في المضجع لا يجوز بل حرام قال الله تعالى: ﴿والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات﴾ [الأحزاب: ٥٨] الآية. وفيه: البحث في العلم في الطرق والخلوات وفي حال القعود والمشي. وفيه: الصبر على الزوجات والإغضاء عن خطئهن والصفح عما يقع منهن من زلل في حق المرء دون ما يكون من حق الله. وفيه: جواز اتخاذ الحاكم عند الخلوة بواباً يمنع من دخل إليه بغير إذنه. وفيه: مشروعية الاستئذان على الإنسان وإن كان وحده لاحتمال أن يكون على حالة يكره الاطلاع عليها. وفيه: جواز تكرار الاستئذان لمن لم يؤذن له إذا رجى حصول الإذن ولا يتجاوز به ثلاث مرات. وفيه: أن لكل لذة أو شهوة قضاها المرء في الدنيا فهو استعجال له من نعيم الآخرة وفيه أن الإنسان إذا رأى صاحبه مهموماً استحب له أن يحدثه بما يزيل همه ويطيب نفسه. وفيه: جواز الاستعانة في الوضوء بالصب على يد المتوضىء. وفيه: خدمة الصغير للكبير وإن كان الصغير أشرف نسباً من الكبير. وفيه: تذكير الحالف بيمينه إذا وقع منه ما ظاهره نسيانها. وفيه: التناوب في مجالس العلماء إذا لم يتيسر المواظبة على حضوره لشاغل شرعي من أمر ديني أو دنيوي. وفيه: قبول خبر الواحد ولو كان الآخذ فاضلاً والمأخوذ عنه مفضولاً. ورواية الكبير عن الصغير. وفيه: أن الغضب والحزن يحمل الرجل الوقور على ترك التأني المألوف منه. وفيه: شدة الفزع والجزع للأمور المهمة. وفيه: جواز نظر الإنسان نواحي بيت صاحبه وفيه: كراهة تسخط النعمة واحتقار ما أنعم الله به ولو كان قليلاً. وفيه: المعاتبة على إنشاء ما لا يليق لمن أفشاه. وفيه: حسن تلطف ابن عباس وشدة حرصه على الاطلاع على فنون التفسير. وفيه: إن سكوته عَُّلِّ عن الإذن في تلك الحال الرفق بالأصهار والحياء منهم. وفيه: جواز ضرب الباب ودقه إذا لم يسمع الداخل بغير ذلك. وفيه: دخول الآباء على البنات بغير إذن الزوج والتفحص عن أحوالهن، لا سيما فيما يتعلق بالزوجات. ٨٥ - بابُ صَوْمِ المَزْأَةِ بِإِذْنِ زَوْجِها تَطَوَّعاً أي: هذا باب في بيان حكم صوم المرأة حال كونها ملتبسة بإذن زوجها في صومها. قوله: ((تطوعاً) يجوز أن يكون بمعنى متطوعة فيكون نصباً على الحال ويجوز أن يكون صفة لمصدر محذوف أي: صوماً تطوعاً، وإنما قيد بإذن الزوج لأنها لا تصوم التطوع إلاَّ بإذنه لأن حقه مقدم على صوم التطوع، بخلاف رمضان فإنه لا يحتاج فيه إلى الإذن لأنه أيضاً صائم، ٢٦٠ ٦٧ - كِتابُ النِّكاحِ / باب (٨٦) والخلاف في صوم قضاء رمضان فمنهم من قال: ليس لها ذلك بل تؤخره إلى شعبان، ومنهم من قال: لها ذلك. ٥١٩٢/١٢٢ - حدّثنا محمد بن مُقاتِلٍ أخبرنا عبْدُ الله أخبرنا مَعْمَرٌ عن هَمَّامٍ بن مْنَبِّهِ عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنِ النبيِّ عَ لِّ، قال: لا تصُومُ المَرْأةُ وبَعْلِها شاهِدٌ إلاَّ بإِذْنه. [انظر الحديث ٢٠٦٦ وأطرافه] مطابقته للترجمة من حيث إنه يوضحها لأنه ليس فيها الحكم بالجواز وبعدم الجواز. ومحمد بن مقاتل المروزي وعبد الله هو ابن المبارك المروزي، ومعمر بفتح الميمين ابن راشد، وهما بتشديد الميم الأولى ابن منبه على صيغة اسم الفاعل من التنبيه. قوله: ((لا تصوم)) والنفي لا يجزم وزعم ابن التين، أن الصواب: لا تصم، لأنه نهي وهو مجزوم وقال صاحب (التلويح): واتفق العلماء مثل ما بوب البخاري. والحديث أخرجه مسلم أيضاً، وفي لفظ لا يحل للمرأة أن تصوم مكان لا تصوم، وفي لفظ أبي داود لا تصومن امرأة يوماً سوى شهر رمضان وزوجها شاهد إلاَّ بإذنه، ورواه الترمذي أيضاً ولفظه: لا تصوم المرأة وزوجها شاهد يوماً من غير شهر رمضان إلاَّ بإذنه. وقال: حديث أبي هريرة حديث حسن. وأخرجه ابن حبان وصححه. قوله: ((وبعلها)) أي: زوجها: ((شاهد)) أي: حاضر، يعني مقيم في البلد إذ لو كان مسافراً فلها الصوم لأنه لا يتأتى منه الاستمتاع بها. وقال الكرماني: قال أصحابنا: النهي للتحريم. وقال النووي في (شرح المهذب): وقال بعض أصحابنا: يكره فلو صامت بغير إذنه صح وأثمت. وقال المهلب: النهي على التنزيه لا للإلزام. ٨٦ - بابُ إِذا باتَتِ المَرْأَةُ مُهَاجِرَةً فِرَاشَ زَوْجِها أي: هذا باب في بيان حكم ما إذا باتت المرأة مهاجرة أي: تاركة فراش زوجها ومعرضة عنه، ولم يذكر جواب إذا الذي هو الحكم اعتماداً على ما يفهم من حديث الباب وهو عدم الجواز لأن فيه استحقاقها اللعنة من الملائكة فلا تستحق ذلك إلا بمباشرة أمر محظور. ٥١٩٣/١٢٣ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ بشّار حدثنا ابنُ أبي عدِيٍّ عنْ شُعْبَةَ عنْ سُلَيْمانَ عن أبي حازم عن أبي هُرَيْرَةَ، رضي الله عنهُ، عن النبيِّ عَ لَّهِ قال: إذا دعا الرَّجُلُ امْرَأتهُ إلى فِرَاشِهِ فَأَبَتْ أَنْ تَجِيءَ لَعَنَتْهَا المَلائِكَةُ حَتّى تُصْبِحَ. [انظر الحديث ٣٢٣٧ وأطرافه] مطابقته للترجمة مثل ما ذكرنا في ترجمة الباب الذي قبله قوله: ((محمد بن بشار)) هو بندار، وذكر أبو علي الجياني أنه وقع في بعض النسخ محمد بن سنان بكسر السين المهملة وتخفيف النون الأولى وهو غلط، وابن عدي، بفتح العين المهملة وكسر الدال المهملة، وسليمان هو الأعمش، وأبو حازم، بالحاء المهملة بالزاي: هو سليمان الأشجعي