Indexed OCR Text
Pages 121-140
١٢١ ٦٧ - كِتابُ النِّكاحِ / باب (١٦) قوله: ((وجعة)) بفتح الواو وكسر الجيم وهو من الصفات المشبهة أي: إني ذات وجع أي: مرض. قوله: ((محلي)) أي: موضع تحللي من الإحرام. وفيه: أن المحصر يحل حيث يحبس وينحر هديه هناك حلاً كان أو حراماً، وفيه خلاف. ٥٠٩٠/٢٨ _ حدَّثنا مُسَدَّدٌ حدَّثَنا يَحْيَى عَنْ عُبَيْدِ الله قال: حدثني سعِيدُ بنُ أبي سَعِيدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ، رضي الله عنهُ، عَنِ النبيِّ عَّهِ قال: تُنْكَحُ المَرْأةُ لِأَرْبَعِ: لِمَالِها ولِحَسَبِها وجَمَالِها ولِدِينِها، فَأَظْفَرْ بِذَاتِ الدينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ. مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: ((ولدينها)) ولا سيما أمر فيه بطلب ذات الدين ودعا له أو عليه بقوله ((تربت يداك)) إذا ظفر بذات الدين وطلب غيرها، وإنما قلنا: له أو عليه، لاستعمال تربت يداك في النوعين على ما نذكر الآن. ويحيى هو ابن سعيد القطان، وعبيد الله بن عمر العمري، وسعيد بن أبي سعيد المقبري يروي عن أبيه أبي سعيد واسمه كيسان عن أبي هريرة. والحديث أخرجه مسلم في النكاح أيضاً عن محمد وغيره. وأخرجه أبو داود فيه عن مسدد به. وأخرجه النسائي فيه عن عبيد الله بن سعيد به وأخرجه ابن ماجه عن يحيى بن حکیم. قوله: ((تنكح المرأة)) على صيغة المجهول، والمرأة مرفوع به. قوله: ((لأربع)) أي: لأربع خصال. قوله: ((لمالها)) لأنها إذا كانت صاحبة مال لا تلزم زوجها بما لا يطيق ولا تكلفه في الإنفاق وغيره، وقال المهلب: هذا دال على أن للزوج الاستمتاع بمالها فإنه يقصد لذلك فإن طابت به نفساً فهو له حلال، وإن منعته فإنما له من ذلك بقدر ما بذل من الصداق. واختلفوا إذا أصدقها وامتنعت أن تشتري شيئاً من الجهاز؟ فقال مالك: ليس لها أن تقضي به دينها، وأن تنفق منه ما يصلحها في عرسها، إلاَّ أن يكون الصداق شيئاً كثيراً فتنفق منه شيئاً يسيراً في دينها. وقال أبو حنيفة والثوري والشافعي: لا تجبر على شراء ما لا تريد، والمهر لها تفعل فيه ما شاءت. قوله: ((ولحسبها)) هو إخباره عن عادة الناس في ذلك، والحسب ما يعده الناس من مفاخر الآباء، ويقال: الحسب في الأصل الشرف بالآباء وبالأقارب، مأخوذ من الحساب لأنهم كانوا إذا تفاخروا عدوا مناقبهم ومآثر آبائهم وقومهم وحسبوها، فيحكم لمن زاد عدده على غيره، وقيل: المراد بالحسب هنا الفعال الحسنة، وقيل: المال، وهذا ليس بشيء لأن المال ذكر قبله. قوله: ((وجمالها)) لأن الجمال مطلوب في كل شيء ولا سيما في المرأة التي تكون قرينته وضجيعته. قوله: ((ولدينها)) لأنه به يحصل خير الدنيا والآخرة، واللائق بأرباب الديانات وذوي المروآت أن يكون الدين مطمح نظرهم في كل شيء، ولا سيما فيما يدوم أمره، ولذلك اختاره الرسول عَّللم بآكد وجه وأبلغه، فأمر بالظفر الذي هو غاية البغية، فلذلك قال: ((فاظفر بذات الدين)) فإن بها تكتسب منافع الدارين ((تربت يداك)) إن لم ١٢٢ ٦٧ - كِتابُ النِّكاحِ / باب (١٦) تفعل ما أمرت به. وقال الكرماني: ((فاظفر)) جزاء شرط محذوف أي: إذا تحققت تفصيلها فاظفر أيها المسترشد بها. واختلفوا في معنى ((تربت يداك)). فقيل: هو دعاء في الأصل، إلاَّ أن العرب تستعملها للإنكار والتعجب والتعظيم والحث على الشيء، وهذا هو المراد به ههنا، وفيه الترغيب في صحبة أهل الدين في كل شيء، لأن من صاحبهم يستفيد من أخلاقهم ويأمن المفسدة من جهتهم. وقال محي السنة: هي كلمة جارية على ألسنتهم كقولهم: لا أب لك، ولم يريدوا وقوع الأمر، وقيل: قصده بها وقوعه لتعدية ذوات الدين إلى ذوات المال ونحوه، أي: تربت يداك إن لم تفعل ما قلت لك من الظفر بذات الدين، وقيل: معنى تربت يداك أي لصقت بالتراب، وهو كناية عن الفقر. وحكى ابن العربي أن معناه: استغنت يداك، ورد بأن المعروف: أترب إذا استغنى، وترب إذا افتقر، وقيل: معناه ضعف عقلك، وقال القرطبي: معنى الحديث أن هذه الخصال الأربع هي التي ترغب في نكاح المرأة لا أنه وقع الأمر بذلك، بل ظاهره إباحة النكاح لقصد كل من ذلك، لكن قصد الدين أولى. قال: ولا يظن أن هذه الأربع تؤخذ منها الكفاءة؟ أي: تنحصر فيها. فإن ذلك لم يقل به أحد وإن كانوا اختلفوا في الكفاءة ما هي؟ انتهى. وقال المهلب: الأكفاء في الدين هم المتشاكلون وإن كان في النسب تفاضل بين الناس، وقد نسخ الله ما كانت تحكم به العرب في الجاهلية من شرف الأنساب بشرف الصلاح في الدين، فقال: ﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾ [الحجرات: ١٣] وقال ابن الطالب: اختلف العلماء في الأكفاء منهم فقال مالك: في الدين دون غيره والمسلمون أكفاء بعضهم لبعض، فيجوز أن يتزوج العربي والمولى القرشية، روي ذلك عن عمر وابن مسعود وعمر بن عبد العزيز وابن سيرين، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾ [الحجرات: ١٣] وبحديث سالم وبقوله عَّرِ: ((عليك بذات الدين))، وعزم عمر رضي الله تعالى عنه، أن يزوج ابنته من سلمان، رضي الله عنه، وبقوله عَّ له: ((يا بني بياضة أنكحوا أبا هند)) فقالوا يا رسول الله! أنزوج بناتنا من موالينا؟ فنزلت: ﴿يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى﴾ [الحجرات: ١٣] الآية، رواه أبو داود، وقال عَّ فيما رواه الترمذي من حديث أبي هريرة: إذا خطب إليكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، قال: ورواه أبو الليث عن ابن عجلان عن أبي هريرة مرسلاً، وقال أبو حنيفة: قريش كلهم أكفاء بعضهم لبعض ولا يكون أحد من العرب كفؤاً لقرشي، ولا أحد من الموالي كفؤاً للعرب، ولا يكون كفؤاً من لا يجد المهر والنفقة. وفي التلويح: احتج له بما رواه نافع عن مولاه مرفوعاً: قريش بعضها لبعض أكفاً. إلاَّ حائك أو حجام، قال ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه فقال: هو حديث منكر، ورواه هشام الرازي فزاد فيه، أو دباغ. قلت: هذا الحديث رواه الحاكم: حدثنا الأصم الصنعاني حدثنا شجاع بن الوليد حدثنا بعض إخواننا عن ابن جريج عن عبد الله بن أبي مليكة عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله عَ ليه: العرب بعضهم أكفاء لبعض قبيلة بقبيلة ورجل برجل، ١٢٣ ٦٧ - كِتَابُ النِّكاحِ / باب (١٦) والموالي بعضهم أكفاء لبعض قبيلة بقبيلة ورجل برجل، إلاَّ حائك أو حجام. وقال صاحب التنقيح: هذا منقطع إذ لم يسم شجاع بن الوليد بعض إخوانه، ورواه البيهقي ورواه أبو يعلى الموصلي في مسنده من حديث بقية بن الوليد عن زرعة بن عبد الله، والزبيدي عن عمران ابن أبي الفضل الأيلي عن نافع عن ابن عمر نحوه سواء، قال ابن عبد البر. هذا حديث منكر موضوع، وقد روى ابن جريج عن ابن أبي مليكة عن ابن عمر مرفوعاً مثله، ولا يصح عن ابن جريج. ورواه ابن حبان في كتاب الضعفاء وأعله بعمران بن أبي الفضل وقال: إنه يروي الموضوعات عن الأثبات لا يحل كتب حديثه، وقالوا في اعتبار الكفاءة أحاديث لا تقوم بأكثر الحجة وأمثلها حديث علي بن أبي طالب. رضي الله عنه، رواه الترمذي: حدثنا قتيبة حدثنا عبد الله بن وهب عن سعيد بن عبد الله الجهني عن محمد بن عمر بن علي عن أبيه علي بن أبي طالب: أن رسول الله عَّه قال له: يا علي! ثلاث لا تؤخرها: الصلاة إذا أتت، والجنازة إذا حضرت، والأيم إذا وجدت كفؤاً، وقال الترمذي: غريب وما أرى إسناده متصلاً، وأخرجه الحاكم كذلك، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ٥٠٩١/٢٩ _ حدَّثنا إبرَاهِيمُ بنُ حَمْزَةَ حدَّثَنا ابنُ أبي حازِمٍ عَنْ أبيهِ عَنْ سَهْلٍ قال: مَرَّ رَجُلٌ عَلَّى رسول الله عَّه فقال: ما تَقُولُونَ في لهذا؟ قالُوا حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أنْ يُنْكَحَ وإنْ شَفَعَ أنْ يُشَفَّعَ وإِنْ قال أنْ يُسْتَمَعَ، قال: ثُمَّ سَكَتَ، فمَرَّ رجلٌ مِنْ فُقَرَاءِ المُسْلِمِينَ، فقال: ما تَقُولُونَ في لهذا؟ قالُوا: حَرِيُّ إِنْ خَطَبَ أنْ لا يُتْكَحَ، وإِنْ شَفَعَ أنْ لا يُشَفَّعَ، وإِنْ قال أنْ لا يُسْتَمَعَ، فقال رسولُ اللهِ عَ لِ: لهذا خيرٌ مِنْ ملْءِ الأرْضِ مِثْلَ لهذا. مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: ((هذا خير)) إلى آخره، لأن فيه تفضيل الفقير على الغني مطلقاً في الدين فيكون كفؤاً لمن يريدهامن النساء مطلقاً وأخرجه إبراهيم بن حمزة أبي إسحق الزبيري الأسدي المديني عن عبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه أبى حازم سلمة بن دينار عن سهل بن سعد الساعدي الأنصاري، وأخرجه البخاري أيضاً في الرقاق عن إسماعيل ابن عبد الله. وأخرجه ابن ماجه في الزهد عن محمد بن الصباح وفي التلويح: وحديث سهل ابن سعد ذكره الحميدي وأبو مسعود وابن الجوزي في المتفق عليه وأبى ذلك الطرقي وخلف فذكراه في البخاري فقط. قلت: وكذا ذكره المزي في الأطراف واقتصر على البخاري. قوله: ((مر رجل)) لم يدر اسمه. قوله: ((حري)) بفتح الحاء وكسر الراء وتشديد الياء أي: حقيق وجدير، قوله: ((أن ينكح)) على صيغة المجهول، أي: لأن ينكح. قوله: ((أن يشفع)) بضم أوله وتشديد الفاء المفتوحة على صيغة المجهول، أي: لأن تقبل شفاعته. قوله: ((أن يستمع)) أي: يستمع، على صيغة المجهول أيضاً. قوله: ((ومر رجل من فقراء المسلمين)) قيل: إنه جعيل بن سراقة، وقال أبو عمر: جعال بن سراقة، ويقال: جعيل بن سراقة الضمري، ويقال الثعلبي، وكان من فقراء المسلمين وكان رجلاً صالحاً دميماً قبيحاً أسلم قديماً وشهد مع رسول الله عَّمِ أحداً. قوله: ((هذا)) أي: هذا الفقير من فقراء المسلمين ((خير من ملء ١٢٤ ٦٧ - كِتابُ النِّكاحِ / باب (١٧) الأرض)) بكسر الميم وبالهمزة في آخره. قوله: ((مثل هذا)) أي: مثل هذا الغني، ويجوز في مثل، الجر والنصب، وقال الكرماني. فإن قلت: كيف كان ذلك؟ قلت: إن كان الأول كافراً فوجهه ظاهر. وإلاَّ فيكون ذلك معلوماً لرسول الله عَ ليه بالوحي، وقال بعضهم: يعرف المراد من الطريق الأخرى التي ستأتي في الرقاق بلفظ: قال رجل من أشراف الناس: هذا والله حري إلخ، قلت: في كل من كلاميهما نظر، أما كلام الكرماني فقوله: بالوحي، ليس كذلك لأنه قال: مر رجل على رسول الله عَليه، وقد شاهده وعرفه أنه مسلم أو كافر، والظاهر أنه مسلم كان شريفاً بين قومه ولكن المارّ الثاني إن كان كما قيل: إنه جعيل بن سراقة، وهو من أصحابه من خيار عباد الله الصالحين، وأما قول بعضهم: فأنزل، من كلام الكرماني على ما لا يخفى على المتأمل. ١٧ - بابُ الأكْفاءِ في المَالِ وتزْويجِ المُقِلِّ المُثْرِيَةَ أي: هذا باب في بيان حكم الأكفاء في المال فهذا باب مختلف فيه عند من يشترط الكفاءة، والأشهر عند الشافعية أنه لا يعتبر. ونقل صاحب الإفصاح عن الشافعي أنه قال: الكفاءة في الدين والمال والنسب، وجزم باعتباره أبو الطيب والصيمري وجماعة واعتبره الماوردي في أهل الأمصار، وخص الخلاف بأهل البوادي والقرى المتفاخرين بالنسب دون المال. قوله: ((وتزويج)) أي: وفي بيان تزويج ((المقل)) بضم الميم وكسر القاف وتشديد اللام وهو الفقير المفتقر، ولفظ تزويج مصدر مضاف إلى فاعله وقوله: ((المثرية)) بالنصب مفعوله، وهو بضم الميم وسكون الثاء المثلثة وكسر الراء وفتح الياء آخر الحروف، وهي المرأة التي لها ثراء بفتح أوله وبالمد، وهو الغنى، وحاصلة تزويج الفقير الغنية. ٣٠/ ٥٠٩٢ - حدَّثني يَخْيَى بنُ بُكَيْرٍ حدثنا اللَّيْثُ عنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابنِ شِهابٍ قال: أخبرَني عُزْوَةُ أَنّهُ سألَ عائِشَةَ، رضي الله عنها، ﴿وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى﴾ [النساء: ٣] قالَتْ: يا ابْنَ أُخْتي: لهذِهِ اليَتِيمَةُ تكُونُ في حَجْرٍ ولِيِّها فيَرْغبُ في جَمَالِها ومالِها ويُرِيدُ أَنْ يَنْتَقِصَ صَدَاقَها، فتُهُوا عَنْ نِكاحِهِنَّ إلاَّ أنْ يُقْسِطُوا في إكمالِ الصَّدَاقِ، وأَمِرُوا بنكاحِ مَنْ سِوَاهُنَّ. قَالَتْ: واسْتَفْتَى النَّاسُ رسُول الله عَلَّهِ، بَعْدَ ذُلِكَ فَأَنْزَلَ الله: ﴿ويستفتونك في النساء﴾ [النساء: ١٢٧] إلى ﴿وترغبون أن تنكحوهن﴾ [النساء: ١٢٧] فَأَنْزَلَ الله لهُمْ. أنَّ اليَتِيمَةَ إذَا كانَتْ ذاتَ جَمالٍ ومالٍ رَغِبُوا في نِكاحِها ونَسَبِها في إكْمال الصَّدَاقِ، وإذا كانَتْ مَرْغُوبَةً عنْها في قِلَّةِ المَالِ والجَمالِ ترَكُوها وأخذُوا غيْرَها مِنَ النِّساءِ، قالَتْ: فَكَما تَتْرُكُونَها حِينَ يَرْغَبُونَ عنْها فَلَيْسَ لَهِمْ أنْ يَنْكِحُوها إذا رَغِبُوا فِيها إلاَّ أنْ يُقْسِطُوا لَها ويُعْطُوها حقَها الأَوْفَى في الصَّدَاقِ. [انظر الحديث ٢٤٩٤ وأطرافه]. مطابقته للترجمة من حيث إن الرجل إذا كان ولي اليتيمة الغنية وهو فقير يجوز له أن يتزوجها إذا أقسط في صداقها وعدل، فصح أن الكفاءة معتبرة في المال. والحديث قد مر في تفسير سورة النساء، ومضى الكلام فيه هناك. ١٢٥ ٦٧ - كِتَابُ النِّكاحِ / باب (١٨) ((والحجر)) بكسر الحاء وفتحها، ورغب فيها: إذا مال إليها، ورغب عنها: إذا أعرض عنها ولم يردها. ١٨ - بابُ ما يُتَّقَى مِنْ شُؤْمِ المَرْأَةِ وقَوْلِهِ تعالى: ﴿إِن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم [التغابن: ١٤] أي: هذا باب في بيان ما يتقى، أي: ما يحتسب من شؤم المرأة، والواو فيه في الأصل همزة ولكن هجر الأصل حتى لم ينطق بها مهموزة، يقال: تشاءمت بالشيء وشأمت به شؤماً وهو ضد اليمن، وشؤم المرأة أن لا تلد، ويقال: شؤم المرأة عقرها وغلاء مهرها وسوء خلقها. قوله: ((وقوله تعالى)) إلخ ذكره إشارة إلى أن اختصاص الشؤم ببعض النساء دون بعض دل عليه كلمة: من في قوله: ﴿إِن من أزواجكم﴾ [التغابن: ١٤] لأن من هنا، للتبعيض. ٥٠٩٣/٣١ _ حدَّثنا إسماعيلُ قال: حدّثني مالِكٌ عنِ ابنِ شِهابٍ عنْ حَمْزَةَ وسالِم ابْنَيْ عبْدِ الله بنِ عُمَرَ عنْ عَبْدَ الله بنِ عُمَرَ، رضي الله عنهما، أنَّ رسولَ الله عَلَّه قال الشُّؤْمَ في المَرْأَةِ والدَّارِ والفَرَسِ. [انظر الحديث ٢٠٩٩ وأطرافه]. مطابقته للترجمة ظاهرة. وإسماعيل بن أبي أويس عبد الله ابن أخت مالك بن أنس والحديث قد مضى في كتاب الجهاد فإنه أخرجه هناك في: باب ما يذكر من شؤم الفرس عن أبي اليمان عن شعيب عن الزهري عن سالم بن عبد الله: أن عبد الله بن عمر قال: سمعت النبي عَّه يقول: إنما الشؤم في ثلاثة: الفرس والمرأة والدار، ومضى الكلام فيه هناك، وشؤم الدار ضيقها وسوء جارها، وشؤم الفرس أن لا يُغزى عليها وجماحها ونحوه. ٥٠٩٤/٣٢ _ حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ مِنْهالٍ حدثنا يزِيدُ بنُ زُرَيْع حدثنا عُمَرُ بنُ مُحَمَّدٍ العَسْقَلانِيُّ عنْ أَبِيهِ عنِ ابنِ عُمَرَ قال: ذَكَرُوا السُّؤْمَ عِنْدَ النبيِّ عَ لَّه، فقال النبيُّ عَ لّهِ: إِنْ كانَ الشُّؤْمُ في شَيْءٍ فَفِي الدَّارِ والمَرْأَةِ والفَرَسِ. [انظر الحديث ٢٠٩٩ وأطرافه]. هذا طريق آخر في الحديث المذكور عن محمد بن منهال البصري عن يزيد بن زريع، بضم الزاي، عن عمر بن محمد العسقلاني عن أبيه محمد بن زيد عن عبد الله بن عمر بن الخطاب. ٥٠٩٥/٣٣ _ حدَّثنا عبدُ الله بنُ يُوسُفَ أخْبَرنا مالِكُ عنْ أبي حازم عنِ سَهْلِ بنِ سعْدٍ أَنَّ رسولَ الله عَّ قال: إِنْ كانَ في شَيْءٍ فِفِي الفَرَسِ والمَزْأَةِ والمَسْكَنِ. [انظر الحديث ٢٨٥٩]. أبو حازم بالحاء المهملة والزاي سلمة بن دينار الأعرج. والحديث أخرجه البخاري في الطب عن القعنبي. وأخرجه مسلم أيضاً في الطب عن القعنبي. وأخرجه ابن ماجه في النكاح عن عبد السلام عن عاصم. ١٢٦ ٦٧ - كِتابُ النِّاحِ / باب (١٨) قوله: ((إن كان في شيء)) أي: إن كان الشؤم في شيء، وفي رواية مسلم: إن كان ففي المرأة والفرس والمسكن، يعني: الشؤم، وفي رواية له من حديث أبي الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يخبر عن رسول الله عَّمٍ قال: إن كان في شيء ففي الربع والخادم والفرس، وروى أحمد والحاكم وابن حبان من حديث سعد مرفوعاً: من سعادة ابن آدم ثلاثة: المرأة الصالحة والمسكن الصالح والمركب الصالح، ومن شقاوة ابن آدم ثلاثة: المرأة السوء والمسكن السوء والمركب السوء وفي رواية لابن حبان: المركب الهني والمسكن الواسع، وفي رواية للحاكم: وثلاث من الشقاء: المرأة تراها وتسوؤك وتحمل لسانها عليك، والدابة تكون قطوفاً فإن ضربتها أتعبتك وإن تركتها لم تلحق أصحابك، والدار تكون ضيقة قليلة المرافق. وروى الطبراني من حديث أسماء: أن من شقاء المرء في الدنيا: سوء الدار والمرأة والدابة، وفيه: سوء الدار ضيق ساحتها وخبث جيرانها، وسوء الدابة منعها ظهرها وسوء ضلعها، وسوء المرأة عقم رحمها وُسوء خلقها. ٥٠٩٦/٣٤ _ حدَّثنا آدَمُ حدثنا شُعْبَةُ عنْ سُلَيْمانَ التَّيْمِيِّ قال: سَمِعْتُ أبا عُثْمانَ النَّهْدِي عِنْ أَسامَةَ بنِ زَيْدٍ، رضي الله عنهما، عن النبيِّ عَِّ قال: ما ترَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرَّ عَلَى الرِّجالِ مِنَ النِّساءِ. مطابقته للترجمة من حيث إن الشؤم أشد منهن. ولهذا ذكره بعد حديثي ابن عمرو سهل بن سعد، وفتنتهن أشّد الفتن وأعظمها، ويشهد له قوله عز وجل: ﴿زين للناس حب الشهوات من النساء﴾ [آل عمران: ١٤] فقدمهن على جميع الشهوات لأن المحنة بهن أعظم المحن على قدر الفتنة بهن، وقد أخبر الله عز وجل أن منهن لنا أعداء فقال: ﴿إن من أزواجكم وأولادكم عدواً لكم﴾ [التغابن: ١٤] ويروي، أن الله عز وجل لما خلق المرأة فرح الشيطان فرحاً شديداً، وقال: هذه حبالتي التي لا تكاد يخطيني من نصبتها له، وجاء في الحديث النساء حبائل الشيطان، وروي: استعيذوا من شرار النساء وكونوا من خيارهن على حذر، وقال صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: أوثق سلاح إبليس النساء. وسليمان التيمي هو سليمان بن طرخان أبو المعتمر التيمي البصري، وأبو عثمان عبد الرحمن بن مل النهدي، بفتح النون وسكون الهاء. وبالدال المهملة. والحديث أخرجه مسلم في آخر الدعوات عن سعيد بن منصور وغيره. وأخرجه الترمذي في الاستئذان عن محمد بن عبد الأعلى. وأخرجه النسائي في عشرة النساء عن عمرو بن علي. وأخرجه ابن ماجه في الفتن عن بشر بن هلال. قوله: ((أضر)) ذلك أن المرأة ناقصة العقل والدين، وغالباً ترغب زوجها عن طلب الدين، وأي فساد أضر من ذلك؟ وروي عنه، صلى الله تعالى عليه وسلم، قالوا: يا رسول الله! وما فتنتهن؟ قال: إذا لبسن ريط الشام وحلل العراق وعصب اليمن وملن كما تميل أسنمة البخت، فإذا فعلن ذلك كلفن الغير ما ليس عنده. وقد أخرج مسلم من حديث أبي سعيد في ١٢٧ ٦٧ - كِتَابُ النِّكاحِ / باب (١٩) أثناء حديث: واتقوا النساء فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت من النساء. ١٩ - بابُ الحُرَّةِ تَحْتَ العَبْدِ أي: هذا باب في بيان كون المرأة الحرة تحت العبد، يعني: تحت عقده، والمعنى: باب في بيان جواز نكاح العبد الحرة، إذا رضيت به. ٣٥/ ٥٠٩٧ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ يُوسُفَ أُخبرَنا مالِك عنْ رَبِيعَةَ بنِ أبي عبْدِ الرَّحْمنِ عن القاسمِ بنِ مُحَمَّدٍ عنْ عَائِشَةَ، رضي الله عنها، قالَتْ: كانَ في بَرِيرَةَ ثَلاثُ سُنَيٍ عُتِقَتْ فِخَيَِّتْ، وَقالَ رسولُ اللهِ عَ لِّ: الوَلاَءُ لِمَنْ أَعْتَقَ، ودَخَلَ رسولُ اللهِ عَلَّهِ، وبُرْمَةٌ عَلَى النَّارِ فَقُرِّبَ إِلَيْهِ خُبْزٍ وَأُدْمِ البَيْتِ؟ فقال: أَلَمْ أَرَ البُرْمَةَ؟ فَقيلَ: لحم تُصُدِّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرة وأَنْتَ لا تأكُلُ الصَّدَقَةَ، قال: هُوَ عليْها صدَقَةٌ وَلَنَا هَدِيَّةٌ. [انظر الحديث ٢٥٦ وأطرافه]. مطابقته للترجمة من حيث إن زوج بريرة كان عبداً. وفي التلويح: وليس فيه تصريح بكون زوجها عبداً ولا غيره، وقد تجاذبت فيه الروايات، فقائل: كان حراً وقائل: كان عبداً، فلا يتمحض للبخاري استدلاله ولم يأت في حديثه بشيء من ذاك. ولا يقال: ترجح عنده كونه عبداً لأن أبا حنيفة، رضي الله تعالى عنه، في الجانب الآخر يرجع كونه حراً عنده، وليس قول أحدهما بأولى من الآخر إلاّ بترجيح نقلي من خارج انتهى. قلت: هذا الذي ذكره لا يدفع وجه المطابقة لأنه وضع هذه الترجمة وساق لها الحديث المذكور بناء على ترجح عنده، وأما ترجيح أحد القولين على الآخر بالنقل من خارج فلا دخل له ههنا في وجه المطابقة. فافهم. وربيعة بن أبي عبد الرحمن المشهور بربيعة الرأي، واسم عبد الرحمن فروخ مات سنة ست وثلاثين ومائة، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، رضي الله تعالى عنهم. والحديث أخرجه البخاري أيضاً في الطلاق عن إسماعيل بن عبد الله وفي الأطعمة عن قتيبة. وأخرجه مسلم في الزكاة وفي العتق عن أبي الطاهر بن السرح. وأخرجه النسائي في الطلاق عن محمد بن سلمة. قوله: ((في بريرة)) بفتح الباء الموحدة وكسر الراء الأولى. اسم جارية اشترتها عائشة، رضي الله تعالى عنها، فأعتقتها وكانت مولاة لبعض بني هلال فكاتبوها ثم باعوها لعائشة. قوله: ((ثلاث سنين)) أي: ثلاث طرق أحكاماً شرعية، بعضها مر في كتاب الكتابة. قوله: ((عتقت)) على صيغة المجهول، أي: أعتقتها عائشة، رضي الله تعالى عنها. قوله: ((فخيرت))، على صيغة المجهول، أيضاً أي: خيرها رسول الله عَّله، هذا أول السنن الثلاث وهو أن الأمة التي تحت العبد إذا أعتقت لها الخيار في فسخ نكاحها، وروى ابن سعد في الطبقات: أخبرنا عبد الوهاب بن عطاء عن داود بن أبي هند عن عامر الشعبي: أن النبي عَّه قال لبريرة لما أعتقت: قد عتق بضعك معك فاختاري، وهذا مرسل. ١٢٨ ٦٧ - كِتابُ النِّكاحِ / باب (٢٠) واختلفوا في هذه المسألة، فقال الشعبي والنخعي والثوري ومحمد بن سيرين وطاووس ومجاهد وحماد بن أبي سليمان والحسن بن مسلم وأبو قلابة وأيوب السختياني والحسن بن صالح وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وأبو ثور: الأمة إذا أعتقت لها الخيار في نفسها سواء كان زوجها حراً أو عبداً، وهو مذهب أهل الظاهر أيضاً. وقال عطاء بن أبي رباح وسعيد بن المسيب والحسن البصري وابن أبي ليلى والأوزاعي والزهري والليث بن سعد ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق إن كان زوجها عبداً فلها الخيار، وإن كان حراً فلا خيار لها. واختلفوا في زوج بريرة: هل كان حراً أو عبداً فروى أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، من حديث الأسود عن عائشة أنه كان حراً، وكذلك رواه البيهقي، وروى الطحاوي ومسلم وأبو داود أيضاً من حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة: أنه كان عبداً، وروى مسلم أيضاً من حديث عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة: أنه كان عبداً، وكذلك رواه النسائي، وروي البخاري في الطلاق من حديث عكرمة عن ابن عباس: إن زوج بريرة كان عبداً يقال له: مغيث، كأني أنظر إليه يطوف خلفها يبكي ودموعه تسيل على لحيته الحديث، وهذه أحاديث متعارضة قد أكثر الناس في معانيها وتخريج وجوهها، فلمحمد بن جرير الطبري: في ذلك كتاب، ولمحمد بن خزيمة كتاب، ولجماعة في ذلك أبواب أكثرها تكلف واستخراجات محتملة وتأويلات ممكنة لا يقطع بصحتها، والأصل في ذلك أن يحمل على وجه لا يكون فيه تضاد، والحرية تعقب الرق ولا ينعكس، فثبت أنه كان حراً عندما خيرت بريرة، وعبداً قبله، ومن أخبر بعبوديته لم يعلم بحريته قبل ذلك، ولم يخيرها النبي عَِّ لأنه كان عبداً ولا لأنه كان حراً، وإنما خيرها لأنها أعتقت، فوجب تخيير كل معتقة. وروي في بعض الآثار أنه عَِّ قال لها: ملكت نفسك فاختاري، كذا في التمهيد فكل من ملكت نفسها تختار سواء كان زوجها حراً أو عبداً. قوله: ((وقال رسول الله عَّ لل الولاء لمن أعتق)) هذا ثاني السنن الثلاث، وقد مر في كتاب العتق. قوله: ((ودخل رسول الله عَُّلّ)) إلى آخره، ثالث السنن الثلاث وذكر الثلاث لا ينفي الزائد. قوله: ((وبرمة على النار))، وبرمة مبتدأ وهي نكرة، ولكن اعتمادها على واو الحال جوز ذلك، وأشار إليه ابن مالك، والبرمة، بضم الباء الموحدة: القدر المتخذة من الحجر المعروف بالحجاز واليمن، والفرق بين الصدقة والهدية أن الصدقة إعطاء لثواب الآخرة، والهدية إعطاء لإكرام المنقول إليه، والصدقة تكون ملكاً للقابض فلها حكم سائر المملوكات، وبطل عنها حكم الصدقة. ٢٠ _ بابٌ لا يَتَزَوَّجُ أكْثَرَ مِنْ أُزْبعِ أي: هذا باب يذكر فيه أنه لا يتزوج الرجل أكثر من أربع نسوة، وهذا لا خلاف فيه بالإجماع، ولا يلتفت إلى قول الروافض بأنه يتزوج إلى تسع نسوة. لِقَوْلِهِ تعالى: ﴿مثنى وثلاث ورباع﴾ [النساء: ٣]. وقال عليُّ بنُ الحُسَيْنِ، عَلَيْهما ١٢٩ ٦٧ - كِتَابُ النِّكاحِ / باب (٢١) السّلامُ. يغْنِي مثْنِى أَوْ ثُلاَثَ أوْ رُباعَ، وقَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ ﴿أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع﴾ [فاطر: ١] يَعْنِي: مَثْنَى أَوْ ثُلاَث أَوْ رُباعَ أي: لأجل قوله تعالى، ذكره في معرض الاستدلال على أن الأكثر من الأربع لا يجوز بيانه أم المراد به التخيير بين الأعداد الثلاثة لا الجمع، لأنه لو أراد الجمع بين تسع لم يعدل عن لفظ الاختصار، ولقال: فانحكوا تسعاً، والعرب لا تدع أن تقول: تسعة، وتقول: اثنان وثلاثة وأربعة، فلما قال: مثنى وثلاث ورباع، صار التقدير مثنى مثنى وثلاث وثلاث ورباع ورباع، فيفيد التخيير، وقد علم أن مثنى معدول عن اثنين اثنين، وثلاث عن ثلاثة ثلاثة، ورباع عن أربعة أربعة. قوله: ((وقال علي بن الحسين))، وهو علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، رضي الله تعالى عنهم، أشار به إلى أن الواو هنا بمعنى: أو التي هي للتنويع، كما في قوله تعالى في ذكر صفة أجنحة الملائكة: ﴿مثنى وثلاث ورباع﴾ [فاطر: ١] أراد: مثنى أو ثلاث أو رباع، واستدلاله بقول علي بن الحسين زين العابدين، رضي الله تعالى عنه، من أحسن الأدلة في الرد على الروافض لكونه من أئمتهم الذين يرجعون إلى قولهم ويدعون أنهم معصومون، فإن قالوا: النبي عَّ مات عن تسع، ولنا به أسوة، قلنا: إن ذاك من خصائصه، كما خص أن ينكح بغير صداق، وأن أزواجه لا ينكحن بعده، وغير ذلك من خصائصه، وموته عن تسع كان اتفاقاً، وصح أن غيلان بن سلمة أسلم وتحته عشر نسوة، فقال له عد اله ((اختر منهن أربعاً وفارق سائرهن)). ٥٠٩٨/٣٦ _ حدَّثنا مُحَمَّدٌ أخبرنا عَبْدَةُ عنْ هِشام عنْ أبيه عنْ عائِشَة: ﴿وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى﴾ [النساء: ٣] قالَت اليتيمَةُ تَكُوَنُ عِنْدَ الرَّجُل وهْوَ ولُها فَيَتَزَوَّجُها علَى مالها ويُسِيءُ صُحْبَتَها ولا يَعْدِلُ في مالِها، فَلْيَتَزَوَّجْ ما طاب لَهُ مِنَ النِّساءِ سِوَاها مَثْنَى وثلاَثَ ورُباعَ. [انظر الحديث ٢٤٩٤ وأطرافه]. مطابقته للترجمة في آخر الحديث. ومحمد هو ابن سلام البخاري البيكندي، وعبدة، بفتح العين وسكون الباء الموحدة: هو ابن سليمان، وهشام هو ابن عروة يروي عن أبيه عروة ابن الزبير عن عائشة، وقد مضى هذا الحديث في تفسير قوله عز وجل: ﴿وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى﴾ [النساء: ٣] قوله: ((أن لا تقسطوا)). أي: أن لا تعدلوا. قوله: ((قالت))، أي: عائشة في تفسير قوله: ﴿وإن خفتم أن لا تقسطوا﴾ ويروى: قال، بالتذكير، فإن صحت فوجهها أن يقال: قال عروة راوياً عن عائشة. قوله: ((ويسيء))، بضم الياء من الإساءة. قوله: ((فليتزوج))، جواب الشرط. ٢١ - بابٌ ﴿وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم﴾ [النساء: ٢٣] أي: هذا باب يذكر فيه حكم الرضاع لقوله تعالى: ﴿وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم﴾ [النساء: ٢٣] وهو عطف على قوله: ﴿حرمت عليكم أمهاتكم﴾ [النساء: ٢٣] أي: وحرمت عليكم أمهاتكم اللاتي أرضعنكم. عمدة القاري /ج ٢٠ /م٩ ١٣٠ ٦٧ - كِتابُ النِّكاح / باب (٢١) ويَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ ما يَخْرُمُ مِن النَّسَبِ هذا قطعة من حديث عائشة أخرجه الجماعة عنها إلاَّ ابن ماجه، واللفظ لمسلم: أن عمها من الرضاع يسمى أفلح، استأذن عليها فحجبته، فأخبرت رسول الله عَّ له فقال لها: ((لا تحتجبي منه فإنه يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب))، وفي لفظ الباقين: ((ما يحرم من الولادة))، وفي لفظ: ((ما تحرم الولادة))، وإنما ذكره البخاري لبيان بعض ما يحرم بالرضاعة. ٥٠٩٩/٣٧ _ حدَّثنا إسماعيلُ قال: حدّثني مالِكٌ عَنْ عَبْدِ الله بنِ أبِي بِكْرٍ عنْ عُمْرَةَ بِنْتِ عْدِ الرحمنِ أَنَّ عَائِشَةَ زوْجَ النبيِّ عَّلَهِ، أَخْبَرَتْها: أنَّ رسولَ الله عَ لَّهِ، كانَ عِنْدَها وأَنَّها سَمِعَتْ صَوْتَ رَجُلٍ يَسْتَأْذِنُ في بَيْتِ حَفْصَةَ، قالَتْ: فَقُلْتُ: يا رسولَ الله لهذَا رَجُلٌ يَسْتَأْذِنُ في بَيْتِكَ، فقال النبيُّ عََّلِ أَوَاهُ فُلاَناً، لِعَمِّ حَفْصَةَ مِنَ الرَّضَاعَةِ، قالَتْ عائِشةُ: لؤْ كانَ فُلاَنٌ حَيّاً - لِعَمِّها مِنَ الرَّضاعَةِ - دَخَلَ عَلَيَّ؟ فقال: نَعَمْ الرَّضَاعَةُ تُحَرِّمُ ما تُحَرِّمُ الولادَةُ. [انظر الحديث ٢٦٤٦ وأطرافه]. مطابقته للشق الثاني من الترجمة ظاهرة. وإسماعيل هو ابن أبي أويس، وعبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري. والحديث مضى في كتاب الشهادات في: باب الشهادة على الأنساب، فإنه أخرجه هناك عن عبد الله بن يوسف عن مالك إلى آخره، ومضى الكلام فيه هناك. قوله: ((أخبرتها)) أي: أخبرت عائشة عمرة بنت عبد الرحمن. قوله: ((صوت رجل)) لم يدر اسمه. قوله: ((أراه)) بضم الهمزة أي: أظنه. قوله: ((لعم حفصة)) قال بعضهم: اللام بمعنى: عن، أي: قال ذلك عن عم حفصة. قلت: اللام بمعنى عن ذكره ابن الحاجب في قوله تعالى: ﴿وقال الذين كفروا للذين آمنوا﴾ [مريم: ٧٣، والعنكبوت: ١٢، ويس: ٤٧، والأحقاف: ١١] وقال ابن مالك وغيره: هي لام التعليل، وهنا أيضاً كذلك، أي: قال النبي عَّهِ: لأجل عم حفصة، ولم يدر اسمه. قوله: ((لو كان فلان)) لم يدر اسمه، وقيل: هو أفلح أخو أبي القعيس، وقال بعضهم: هو وهم، لأن أبا القعيس والد عائشة من الرضاعة، وأما أفلح فهو أخوه وهو عمها من الرضاعة، وأما قولها: لو كان حياً، يدل على أنه مات. انتهى. قلت: يحتمل أن يكون أخاً آخر لها، ويحتمل أنها ظنت أنه مات لبعد عهدها به ثم قدم بعد ذلك فاستأذن. قوله: ((الرضاعة تحرم ما تحرم الولادة)) وهذا إجماع لا خلاف فيه بين الأئمة، فإذا حرمت الأم فكذا زوجها لأنه والده لأن اللبن منهما جميعاً، وانتشرت الحرمة إلى أولاده: فأخو صاحب اللبن عم، وأخوها خاله من الرضاع فيحرم من الرضاع: العمات والخالات والأعمام والأخوات وبناتهن کالنسب. ٥١٠٠/٢٨ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ حدثنا يَحْتِى عنْ شُعْبَةَ عنْ قَتَادَةَ عنْ جابِرِ بنِ زَيْدِ عنْ ابنِ عبَّاسٍ قال: قِيلَ لِلنبيِّ عَّالِ: ألا تَزَوَّجُ ابْنَةَ حَمْزَةَ؟ قال: إنَّها ابْنَةُ أُخي مِنَ الرِّضَاعَةِ. [انظر الحديث ٢٦٤٥]. ١٣١ ٦٧ - ◌ِتَابُ النِّكاحِ / باب (٢١) مطابقته للشق الثاني للترجمة ظاهرة. ويحيى هو ابن سعيد القطان، وجابر بن زيد هو أبو الشعثاء البصري مشهور بكنيته، وأما جابر بن يزيد بالياء آخر الحروف في أول اسم أبيه فهو الكوفي، وليس له في الصحيح شيء. والحديث مر في كتاب الشهادات في: باب الشهادة على الأنساب، ومضى الكلام فيه هناك. قوله: ((قيل للنبي عَّلام)) القائل له هو علي بن أبي طالب، رضي الله تعالى عنه، كذا قاله بعضهم، ثم قال: كما أخرجه مسلم من حديثه، قال: قلت: يا رسول الله! مالك تتوق في قريش وتدعنا؟ قال: وعندكم شيء؟ قلت: نعم ابنة حمزة الحديث. قلت: أخرج مسلم هذا الحديث من رواية أبي عبد الرحمن عن علي، رضي الله تعالى عنه، وأخرج أيضاً عن ابن عباس نحو رواية البخاري، وأخرج أيضاً من حديث أم سلمة زوج النبي عَّ تقول: قيل لرسول الله عَّ له أين أنت يا رسول الله عن ابنة حمزة؟ الحديث، فمن أين تعين في حديث ابن عباس أن القائل فيه هو علي حتى جزم هذا القائل: إن القائل للنبي عَ لَّه هو علي بن أبي طالب؟ فلم لا يجوز أن تكون أم سلمة أو غيرها؟ قوله: ((ألا تزوج)) بفتح التاء المثناة من فوق وتشديد الواو وضم الجيم، أصله: تتزوج، فحذفت إحدى التاءين وروي أيضاً بلا حذف التاء. قوله: ((إنها)) أي: إن بنت حمزة بنت أخي من الرضاعة، لأن ثويبة أرضعت رسول الله عَ ليه بعدما كانت أرضعت حمزة، وقال ابن إسحاق: كان حمزة أسن من رسول الله عَ لَّه بسنتين، وقيل: بأربع، وثوبية بضم الثاء المثلثة مصغر ثوبه وكانت مولاة لأبي لهب بن عبد المطلب عم النبي عَّه فأعتقها، واختلف في إسلامها، وذكرها ابن مندة في الصحابة، وقال أبو نعيم: ولا أعلم أحداً أثبت إسلامها غير ابن مندة وكان صلى الله تعالى عليه وسلم، يكرمها، وكانت تدخل عليه بعد أن تزوج خديجة، رضي الله تعالى عنها، ويصلها من المدينة حتى ماتت بعد فتح خيبر وكانت خديجة تكرمها. قوله: ((تتوق)) في رواية مسلم ضبط بوجهين: أحدهما: تتوق بتاءين أولاهما مفتوحة والأخرى مضمومة من التوق وهو الميل مع الاشتهاء. والثاني: تنوق، بفتح التاء المثناة من فوق وفتح النون وتشديد الواو، ومعناه: تختار من النيقة، بكسر النون وسكون الياء آخر الحروف وهي الخيار من الشيء، فإن قلت: كيف قال علي، رضي الله تعالى عنه، للنبي عَّله: ألا تزوج ابنة حمزة وهو يعلم حكم الرضاع؟ قلت. قيل: لم يعلم بذلك. وقال القرطبي: هذا بعيد أن يقال في حق علي، لم يعلم بذلك، والأحسن أن يقال: إنه لم يعلم بأن حمزة رضيع النبي عَّله، أو جوز الخصوصية، أو كان ذلك قبل تقرير الحکم. وقال بِشْرُ بنُ عُمَرَ: حدثنا شُعْبَةُ سَمِعْتُ قَتَادَةَ سَمِعْتُ جابِرَ بِنَ زَيْدٍ مِثْلَهُ بشر، بكسر الباء الموحدة وسكون الشين المعجمة: ابن عمر الزهراني، وهذا تعليق رواه مسلم عن محمد بن يحيى القطعي عنه، وفائدته عند البخاري لبيان سماع قتادة من جابر ١٣٢ ٦٧ - كِتَابُ النِّكاحِ / باب (٢١) ابن زيد لأنه مدلس. ٥١٠١/٣٩ _ حدَّثنا الحَكَمُ بنُ نافِعِ أخبرنا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قال: أخبرَني ◌ُرْوَةُ بنُ الزُّبَيْرِ أنَّ زَيْنَبَ ابْنَةَ أبي سلمةَ أخبَرَتْهُ أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ أبي سُفْيان أخبَرَتْها أنها قالَتْ: يا رسولُ الله! انْكِخْ أُخْتِي بِنْتَ أبي سُفْيانَ. فقال: أوَ تُحِبِّينَ ذَلِكَ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ، لَسْتُ لَكَ بِمُخْلِيَّةٍ وأَحَبُّ منْ شاركَنِي فِي خَيْرٍ أُخْتِي فقال النبيُّ عَ لِّ: إِنَّ ذَلِكَ لا يَحِلُّ لي. قُلْتُ: فَإِنَّا نُحَدَّثُ أنكَ تُرِيدُ أنْ تَنْكِحَ بِنْتَ أبي سلَمَةَ؟ قال: بِنْتَ أُمّ سلَمة؟ قُلْتُ: نَعَمْ. فقال: لوْ أنها لَمْ تَكُنْ رَبِيبَتِي فِي حَجْرِي ما حَلَّتْ لِيٍ، إِنَّها لابْنَهُ أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ، أَرْضَعَتْنِي وأبا سلَمَةً ثُوَيْبَةُ، فَلاَ تَعْرِضْنَ عَلَيَّ بِنَاتِكِنَّ ولا أخَوَاتِكُنَّ. قال عُرْوَةُ: وثُوَيْبَةُ مَوْلاةٌ لأبي لَهبٍ، كانَ أَبُو لَهبِ أَعْتَقَها فأرْضَعَتِ النبيُّ عَ لَّهِ، فَلَمَّا ماتَ أَبُو لَهِبٍ أَرَيَّةُ بَعْضُ أهْلِهِ بِشَرِّ حِيبَةٍ، قال لهُ: ماذَا لَقِيتَ؟ قال أبُو لَهبٍ: لَمْ ألْقِ بَعْدكُمْ، غَيْرَ أَنِّي سُقِيتُ في هذِهِ بِعتَاقَتِي تُوَيِيَةً. مطابقته للترجمة في الشق الثاني وزينب بنت أبي سلمة بن عبد الأسد المخزومي ربيبة رسول الله عَ ليه وأمها أم سلمة زوج النبي عَّه، وكان اسم زينب برة فسماها النبي عَّلِ زينب، ولدتها أمها بأرض الحبشة وقدمت بها وحفظت عن النبي عَّةٍ، وكانت زينب عند عبد الله بن زمعة بن الأسود، فولدت له، وأبو سلمة اسمه عبد الله بن عبد الأسد وأمه برة بنت عبد المطلب، وهاجر الهجرتين وشهد بدراً وخرج يوم أحد فمات منه. وذلك لثلاث مضين لجمادى الآخرة سنة ثلاث من الهجرة، وأم حبيبة بنت أبي سفيان زوج النبي محمد له واسمها رملة بلا خلاف. والحديث أخرجه البخاري أيضاً في النفقات عن يحيى بن بكير وفي النكاح أيضاً عن عبدالله بن يوسف عن الليث به، وعن الحميدي عن سفيان وعن قتيبة عن الليث وأخرجه مسلم في النكاح عن أبي كريب وغيره وأخرجه النسائي فيه عن قتيبة وغيره وأخرجه ابن ماجه عن محمد بن رمح وعن أبي بكر بن أبي شيبة. قوله: ((انكح أختي)): أي: تزوج، وفي رواية مسلم والنسائي: ((انكح أختي عزة بنت أبي سفيان))، وفي رواية الطبراني قالت يا رسول الله هل لك في أختي بنت أبي سفيان وعند أبي موسى في الذيل درة بنت أبي سفيان بضم الدال المهملة، وحكى عياض عن بعض رواة مسلم أنه ضبطها بفتح الذال المعجمة، وقال النووي: هو تصحيف. قوله: ((أو تحبين ذلك؟)) هذا استفهام تعجب مع ما طبع عليه النساء من الغيرة. قوله: ((بمخيلة))، بضم الميم وسكون الخاء المعجمة وكسر اللام اسم فاعل من الإخلاء متعدياً ولازماً من أخليت بمعنى خلوت من الضرة، والمعنى: لست بمنفردة عنك ولا خالية من ضرة، وقال ابن الأثير: معناه لم أجد خالياً من الزوجات، وليس هو من قولهم: امرأة مخلية، أي: خالية من الأزواج، وقال الكرماني: وفي بعض الروايات بلفظ المفعول. قوله: ((وأحب)) مبتدأ مضاف إلى: من. قوله: . ١٣٣ ٦٧ - كِتَابُ النِّكاحِ / باب (٢١) ((أختي))، خبره. قوله: ((في خبر)) كذا بالتنوين في رواية الأكثرين أي: أي خبر كان؟ وفي رواية هشام: وأحب من شركني فيك أختي، وعرف أن المراد بالخير ذاته، صلى الله تعالى عليه وسلم. قوله: ((إن ذلك لا يحل لي)). لأنه جمع بين الأختين، وهذا كان قبل علم أم حبيبة بالحرمة، أو ظنت أن جوازه من خصائص النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، لأن أكثر حكم نكاحه يخالف أحكام أنكحة الأمة. قوله: ((فإنا نُحدث))، بضم النون وفتح الحاء والدال المشددة على صيغة المجهول، وفي رواية هشام: وفي رواية أبي داود: ((فوالله لقد أخبرت)). قوله: ((إنك تريد أن تنكح))، وفي رواية هشام: بلغني أنك تخطب. قوله: ((فقال: إنها)) أي: بنت أبي سلمة. قوله: ((في حجري))، خرج مخرج الغالب، وإلاَّ فالربيبة حرام مطلقاً سواء كانت في حجر زوج أمها أم لا. قوله: ((لابنة أخي)) اللام فيه مفتوحة للتأكيد، وأشار بهذا إلى أن حرمتها عليه بسببين وهما: كونها ربيبته عَّ ◌ُلّ، وكونها بنت أخيه من الرضاع. والحكم يثبت بعلل شتى. قوله: ((وأبا سلمة))، أي: وأرضعت أبا سلمة، وقدم المفعول عن الفاعل، والفاعل هو ثويبة، وقد مر الكلام فيها عن قريب. قوله: ((فلا تعرضن))، بفتح التاء وسكون العين وكسر الراء وبالنون الخفيفة: خطاب لجماعة النساء، ويروي ((ولا تعرضن))، بالنون المشددة، خطاب لأم حبيبة. قوله: ((علي))، بتشديد الياء. قوله: ((قال عروة)) هو بالإسناد المذكور. قوله: ((أريه))، بضم الهمزة وكسر الراء على صيغة المجهول، أي: رأى أبا لهب بعض أهله في المنام. قوله: ((بشر حيبة))، بكسر الحاء المهملة وسكون الياء آخر الحروف وفتح الباء الموحدة أي: على أسوأ حالة، يقال: بات الرجل بحيبة سوء أي: بحالة رديئة. وقال ابن الأثير: الحيبة والحوبة الهم والحزن، ووقع في شرح السنة للبغوي. بفتح الحاء، ووقع عند المستملي بفتح الخاء المعجمة، أي: في حالة خائبة من كل خير، وقال ابن الجوزي: هو تصحيف. قلت: هذا أقرب من جهة المعنى ولهذا قال القرطبي: يروي بالمعجمة، وحكى في المشارق بالجيم في رواية المستملي، ولا أظنه إلاَّ تصحيفاً. قوله: ((ماذا لقيت)) أي: قال الرائي لأبي لهب: ماذا لقيت بعد موتك؟ قوله: ((لم ألق بعدكم)) كذا في الأصول بحذف المفعول، وعند عبد الرزاق عن معمر عن الزهري: لم ألق بعدكم راحة، وقال ابن بطال: سقط المفعول من رواية البخاري، ولا يستقيم الكلام إلاّ به. قوله: ((سقيت)) على صيغة المجهول. قوله: ((في هذه)) كلمة: هذه إشارة. ولم يبين المشار إليه وبينه عبد الرزاق في روايته بالإشارة إلى النقرة التي بين الإبهام والمسبحة، وفي رواية الإسماعيلي: وأشار إلى النقرة التي بين الإبهام والتي تليها من الأصابع، وحاصل المعنى إشارة إلى حقارة ما سقي من الماء، وقال القرطبي: سقي نقطة من ماء في جهنم بسبب ذلك، قال: وذلك أنه جاء في الصحيح أنه رئي في النوم فقيل له: ما فعل ربك هناك؟ فقال: سقيت مثل هذه، وأشار إلى ظفر إبهامه. قوله: ((بعتاقتي)) أي: بسبب عتاقتي ثوبية، وعتاقة بفتح العين، وفي رواية عبد الرزاق: بعتقي، وقال بعضهم: وهو أوجه، والوجه أن يقول: بإعتاقي لأن المراد التخلص من الرق. ١٣٤ ٦٧ - كِتَابُ النِّكاحِ / باب (٢١) قلت: هذا القائل أخذ ما قاله من كلام الكرماني، فإنه قال: فإن قلت: معناه التخلص من الرقية، فالصحيح أن يقال: بإعتاقي. قلت: كل من الناقل والمنقول منه لم يحرر كلامه، فإن العتق والعتاقة والعتاق كلها مصادر من عتق العبد، وقول الناقل: وهو أوجه، غير موجه، لأن العتق والعتاقة واحد في المعنى، فكيف يقول العتق أوجه؟ ثم قوله: والأوجه أن يقول: بإعتاقي لأن المراد التخلص من الرق، كلام من ليس له وقوف على كلام القوم، فإن صاحب المغرب قال: العتق الخروج من المملوكية وهو التخلص من الرقية، وقد يقوم العتق مقام الإعتاق الذي هو مصدر أعتقه مولاه. وفي التوضيح: وفيه أي: وفي هذا الحديث من الفقه أن الكافر قد يعطى عوضاً من أعماله التي يكون منها قربة لأهل الإيمان بالله، كما في حق أبي طالب. غير أن التخفيف عن أبي لهب أقل من التخفيف عن أبي طالب، وذلك لنصرة أبي طالب لرسول الله عَّله وحياطته له وعداوة أبي لهب له. وقال ابن بطال: وصح قول من تأول في معنى الحديث الذي جاء عن الله تعالى: إن رحمته سبقت غضبه، إن رحمته لا تنقطع عن أهل النار المخلدين فيها، إذ في قدرته أن يخلق لهم عذاباً يكون عذاب النار لأهلها رحمة وتخفيفاً بالإضافة إلى ذلك العذاب ومذهب المحققين أن الكافر لا يخفف عنه العذاب بسبب حسناته في الدنيا، بل يوسع عليه بها في دنياه. وقال القاضي عياض: انعقد الإجماع على أن الكفار لا تنفعهم أعمالهم ولا يثابون عليها بنعيم ولا تخفيف عذاب، ولكن بعضهم أشد عذاباً بحسب جرائمهم. وقال الكرماني: لا ينفع الكافر العمل الصالح. إذ الرؤيا ليست بدليل، وعلى تقدير التسليم يحتمل أن يكون العمل الصالح والخير الذي يتعلق لرسول الله عَِّ مخصوصاً، كما أن أبا طالب أيضاً ينتفع بتخفيف العذاب. وذكر السهيلي أن العباس، رضي الله تعالى عنه، قال: لما مات أبو لهب رأيته في منامي بعد حول في شر حال، فقال: ما لقيت بعدكم راحة إلاَّ أن العذاب يخفف عني كل يوم اثنين. قال: وذلك أن النبي عَّه ولد يوم الاثنين وكانت ثويبة بشرت أبا لهب بمولده فأعتقها. ويقال: إن قول عروة لما مات أبو لهب: أريه بعض أهله إلى آخره خبر مرسل أرسله عروة ولم يذكر من حدثه به، وعلى تقدير أن يكون موصولاً فالذي في الخبر رؤيا منام فلا حجة فيه، ولعل الذي رآها لم يكن إذ ذاك أسلم بعد، فلا يحتج به. وأجيب ثانياً: على تقدير القبول، يحتمل أن يكون ما يتعلق بالنبي عَّ مخصوصاً من ذلك بدليل قصة أبي طالب حيث خفف عنه. فنقل من الغمرات إلى الضحضاح، وقال القرطبي: هذا التخفيف خاص بهذا وبمن ورد النص فيه، والله أعلم. ومن جملة ما يشتمل هذا على حرمة الجمع بين الأختين بلا خلاف، واختلف في الأختين بملك اليمين، وكافة العلماء على التحريم أيضاً خلافاً لأهل الظاهر، واحتجوا بما روي عن عثمان: حرمتهما آية وأحلتهما آية، والآية المحلة لها قوله تعالى: ﴿وأحل لكم ماوراء ذلكم﴾ [النساء: ٢٤] وحكاه الطحاوي وعن علي وابن عباس، رضي الله تعالى عنهم، وقد روي المنع عن عمر وعلي أيضاً وابن مسعود وابن عباس وعمار وابن عمر وعائشة وابن ١٣٥ ٦٧ - كِتَابُ النِّكاحِ / باب (٢٢) الزبير، رضي الله تعالى عنه، مما يشتمل هذا أيضاً على ثبوت حرمة الرضاع بين الرضيع والمرضعة، فإنها تصير بمنزلة أمه من الولادة، ويحرم عليه نكاحها أبداً ويحل له النظر إليها والخلوة بها والمسافرة معها، ولا يترتب عليه أحكام الأمومة من كل وجه، فلا توارث ولا نفقة ولا عتق بذلك بالملك ولا ترد شهادته لها ولا يعقل عنها ولا يسقط عنهما القصاص بقتلهما، ومن ذلك انتشار الحرمة بين المرضعة وأولاد الرضيع وبين الرضيع وأولاد المرضعة وحرمة الرضاع بين الرضيع وزوج المرضعة ويصير الرضيع ولداً له وأولاد الرجل إخوة الرضيع، وإخوة الرجل أعمام الرضيع وأخواته عماته ويكون أولاد الرضيع أولاد الرجل، ولم يخالف في ذلك إلاَّ أهل الظاهر وابن علية فإنهم قالوا بحرمة الرضاع بين الرجل والرضيع، كذا نقله الخطابي وعياض عنهما، وزاد الخطابي، ابن المسيب. ٢٢ - بابُ مَنْ قال لا رَضاعَ بعْدَ حَوْلَیْنِ أي: هذا باب في بيان قول من قال: لا رضاع بعد سنتين، وممن قال ذلك عامر الشعبي وابن شبرمة والثوري والأوزاعي والشافعي وأحمد أبو يوسف ومحمد وإسحاق وأبو ثور، وهو قول مالك في الموطأ، وقال بعضهم: أشار البخاري بهذا إلى قول الحنفية: إن أقصى مدة الرضاع ثلاثون شهراً قلت: سبحان الله !هذا نتيجة فكر صاحبه نائم، وما وجه الإشارة في هذا إلى قول الحنفية؟ والترجمة ما وضعت إلاّ لبيان من قال: لا رضاع بعد حولين مطلقاً، وهو أعم من أن يكون بعد الحولين قول الحنفية أو غيرهم، وتخصيص الحنفية بالجمع أيضاً غير صحيح، لأن أبا يوسف ومحمداً اللذين هما من أكبر أئمة الحنفية لم يقولا بالرضاع بعد الحولين، والإمام مالك الذي هو أحد أركان المذاهب الأربعة روى الوليد بن مسلم عنه: ما كان بعد الحولين بشهر أو شهرين يحرم، وزفر الذي هو من أعيان أصحاب أبي حنيفة قال: ما كان يجتزىء باللبن ولم يطعم، وإن أتى عليه ثلاث سنين فهو رضاع، والأوزاعي، إمام أهل الشام، قال: إن فطم وله عام واحد واستمر فطامه ثم رضع في الحولين لم يحرم هذا الرضاع الثاني شيئاً وإن تمادى رضاعه. لِقَوْلِهِ تعالى: ﴿حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة﴾ [البقرة: ٢٣٣] ذكر هذا في معرض الاحتجاج لمن قال: الإرضاع بعد حولين، وقوله: ((وحمله وفصاله ثلاثون شهراً)) وأقل مدة الحمل ستة أشهر فبقي للفطام حولان وأبو حنيفة يستدل في قوله: إن مدة الرضاع ثلاثون شهراً بقوله تعالى: ﴿فإن أراد فصالاً عن تراضٍ منهما وتشاور﴾ [البقرة: ٢٣٣] بعد قوله تعالى: ﴿والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين﴾ [البقرة: ٢٣٣] فثبت أن بعد الحولين رضاع، فلا يمكن قطع الولد عن اللبن دفعة واحدة، فلا بد من زيادة مدة يعتاد فيها الصبي مع اللبن الفطام، فيكون غذاؤه اللبن تارة والطعام أخرى إلى أن ينسى اللبن، وأقل مدة تنتقل بالعادة ستة أشهر اعتباراً بمدة الحبل فإن قلت: روى الدارقطني عن منزاله : الهيثم بن جميل عن ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن ابن عباس، قال: قال رسول الله : ١٣٦ ٦٧ - كِتابُ النِّكاحِ / باب (٢٢) لا رضاع إلاَّ ما كان من حولين قلت: لم يسنده عن ابن عيينة غير الهيثم بن جميل، قال ابن عدي: يغلط على الثقات وأرجو أنه لا يتعمد الكذب، وغيره يوقفه على ابن عباس، وقال ابن بطال الراوي عن الهيثم أبو الوليد بن برد الأنطاكي وهو لا يعرف، وقال النسائي: الهيثم بن جميل وثقه الإمام أحمد والعجلي وغير واحد، وكان من الحفاظ إلاّ أنه وهم في رفع هذا الحديث، والصحيح وقفه على ابن عباس، ورواه سعيد بن منصور عن ابن عيينة موقوفاً، ورواه عبد الرزاق. أخبرنا معمر عن عمرو عن ابن عيينة به موقوفاً، وكذا رواه ابن أبي شيبة موقوفاً، ورواه أيضاً ابن أبي شيبة موقوفاً على ابن مسعود وعلي بن أبي طالب، وأخرجه الدارقطني موقوفاً على عمر، رضي الله تعالى عنه، قال: لا رضاع إلاّ في الحولين في الصغير. وما يُحَرِّمُ مِنْ قَليلِ الرِّضاعِ وكَثِيرِهِ ((وما يحرم)) عطف على قوله: من قال أي: في بيان ما يحرم من التحريم، وكأنه أشار بهذا إلى أنه ممن يرى أن قليل الرضاع وكثيره سواء في الحرمة، وهو قول علي وابن مسعود وابن عمر وابن عباس وسعيد بن المسيب والحسن وعطاء ومكحول وطاووس والحكم وأبي حنيفة وأصحابه والليث بن سعد ومالك والأوزاعي والثوري لإطلاق الآية، وهو المشهور عن أحمد. وقالت طائفة: إن الذي يحرم ما زاد على الرضعة. ثم اختلفوا، فعن عائشة: عشر رضعات، وعنها سبع رضعات، وعنها: خمس رضعات. وروى مسلم عنها: كان فيما نزل من القرآن عشر رضعات، ثم نسخن بخمس رضعات محرمات، فتوفي رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، وهن مما يقرأ، وإلى هذا ذهب الشافعي وأحمد في رواية، وذهب أحمد في رواية وإسحاق وأبو عبيد وأبو ثور وابن المنذر وداود وأتباعه إلا ابن حزم إلى أن الذي يحرم ثلاث رضعات، ومذهب الجمهور أقوى لأن الأخبار اختلفت في العدد فوجب الرجوع إلى أقل ما ينطلق عليه الاسم، وقول عائشة الذي رواه مسلم لا ينتهض حجة لأن القرآن لا يثبت إلّ بالتواتر، والراوي روى هذا على أنه قرآن لا خبر، فلم يثبت كونه قرآناً، ولا ذكر الراوي أنه خبر ليقبل قوله فيه. ٤٠ /٥١٠٢ - حدَّثنا أبو الوَلِيدِ حدثنا شُعْبَةُ عنِ الأشْعَثِ عنْ أَبِيهِ عنْ مَسْرُوق عنْ عائِشَةَ رضيَ الله عنها، أنَّ النبيَّ عَ لَِّ دَخَلَ عَلَيْها وعِنْدَها رجلٌ، فَكَأَنَّهُ تَغَيَّرَ وجْهُهُ كأنّهُ كَرِهَ ذَلِكَ، فقالَتْ: إنّهُ أخي، فقال: انْظُرْنَ مَنْ إِخْوَانُكُنَّ، فإِنَّمَا الرّضَاعَةُ مِنَ المَجاعَةِ. [انظر الحديث ٢٦٤٧]. مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: ((فإنما الرضاعة من المجاعة)) لأن الترجمة في ذكر الرضاع، وحديث الباب يبين أن الرضاعة تكون من المجاعة أي الجوع. وأبو الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي، والأشعث هو ابن أبي الشعثاء واسمه سليم ابن الأسود المحاربي الكوفي، ومسروق بن الأجدع. والحديث مر في الشهادات في: باب الشهادة على الأنساب وأخرجه عن محمد بن ١٣٧ ٦٧ - كِتابُ النِّكاح / باب (٢٣) كثير، ومر الكلام فيه هناك. قوله: ((رجل)) لم يدر اسمه، وقيل بالتخمين: هو ابن أبي القعيس، ومن قال: هو عبد الله بن يزيد، فقد غلط لأنه تابعي باتفاق الأئمة، وكانت أمه أرضعت عائشة، عاشت بعد النبي عَ لِّ فولدته فلذلك قيل له: رضيع عائشة قوله: ((فكأنه تغير وجهه كأنه كره ذلك)) وفي رواية مسلمٍ من طريق أبي الأحوص عن أبي الأشعث: وعندي رجل قاعد، فاشتد ذلك عليه ورأيت الغضب في وجهه، وفي رواية أبي داود عن حفص بن عمر عن شعبة. فشق ذلك عليه وتغير وجهه. قوله: ((إنه أخي)) وفي رواية غندر عن شعبة: إنه أخي من الرضاعة. قوله: ((انظرن من إخوانكن)) هذه رواية الكشميهني، وفي رواية غيره: ما إخوانكن، والأول أوجه، معناه: تحققن صحة الرضاعة ووقتها فإنما تثبت الحرمة إذا وقعت على شرطها وفي وقتها. قوله: ((فإنما الرضاعة من المجاعة)) أي: الجوع، يعني: الرضاعة التي تثبت بها الحرمة ما تكون في الصغر حين يكون الرضيع طفلاً يسد اللبن جوعته، لأن معدته ضعيفة يكفيها اللبن وينبت لحمه بذلك فيصير كجزء من المرضعة، فيكون كسائر أولادها، وهذا أعلم من أن يكون قليلاً أو كثيراً وفي رواية: فإنما الرضاعة عن المجاعة، ويروي: أو المطعم من المجاعة ويقال: كأنه قال: لا رضاعة معتبرة إلاَّ المغنية عن الجوع أو المطعمة عنه، ومن شواهده حديث ابن مسعود: لا رضاع إلاَّ ما شد العظم وأنبت اللحم، أخرجه أبو داود مرفوعاً موقوفاً، وحديث أم سلمة: لا يحرم لأنها لا تغني من جوع، فإذن يحتاج إلى تقدير، فأولى ما يؤخذ به ما قدرته الشريعة وهو خمس رضعات، قلنا: هذا كله زيادة على مطلق النص، لأن النص غير مقيد بالعدد والزيادة على النص نسخ فلا يجوز، وكذلك الجواب عن كل حديث فيه عدد مثل حديث عائشة، رضي الله تعالى عنها، عن النبي عَ لّه قال: لا تحرم المصة ولا المصتان، وفي رواية النسائي عنها: لا تحرم الخطفة والخطفتان، وقال ابن بطال: أحاديث عائشة كلها مضطربة فوجب تركها والرجوع إلى كتاب الله تعالى. وروى أبو بكر الرازي عن ابن عباس، رضي الله عنهما، أنه قال: قولها: لا تحرم الرضعة والرضعتان، كان فأما اليوم فالرضعة الواحدة تحرم فجعله منسوخاً، وكذلك الجواب عن قولها: لا تحرم الإملاجة ولا الإملاجتان. ٢٣ _ بابُ لَبَنِ الفَخْلِ أي: هذا باب في بيان لبن الفحل، بفتح الفاء وسكون الحاء المهملة أي: الرجل، ونسبة اللبن إليه مجاز لكونه سبباً فيه. واختلف فيه فقال قوم: لبن الفحل يحرم. وهو قول ابن عباس فيما ذكره الترمذي، وقول عائشة فيما ذكره ابن عبد البر، وبه قال عروة بن الزبير وطاووس وعطاء وابن شهاب ومجاهد وأبو الشعثاء وجابر بن زيد والحسن والشعبي وسالم والقاسم بن محمد وهشام بن عروة على خلاف فيه، وهو قول أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وأصحابهم والثوري والأوزاعي والليث بن سعد وإسحاق وأبي ثور. وقال قوم: ليس ١٣٨ ٦٧ - كِتَابُ النِّاحِ / باب (٢٣) لبن الفحل بمحرم، روي ذلك عن جماعة من الصحابة منهم: ابن عمر وجابر وعائشة على اختلاف عنها ورافع بن خديج وعبد الله بن الزبير، ومن التابعين قول سعيد بن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن وسليمان بن يسار وأخيه عطاء بن يسار ومكحول وإبراهيم النخعي وأبي قلابة وإياس بن معاوية والقاسم بن محمد وسالم والشعبي على خلاف عنه، وكذا الحسن وإبراهيم بن علية وداود الظاهري فيما حكاه عنه أبو عمر في التمهيد، والمعروف عن داود خلافه، وقال القاضي عياض: لم يقل أحد من أئمة الفقهاء وأهل الفتوى بإسقاط حرمة لبن الفحل إلاَّ أهل الظاهر وابن علية، والمعروف عن داود موافقة الأئمة الأربعة. قلت: معنى لبن الفحل يحرم أنه يثبت حرمة الرضاع بينه وبين الرضيع ويصير ولداً له، ويكون أولاد الرضيع أولاد الرجل، خلافاً لمن قال: لبن الرجل لا يحرم. ٤١/ ٥١٠٣ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ يُوسُفَ أَخْبرنا مالِكٌ عنِ ابنِ شِهابٍ عنْ عُرْوَةَ بنِ الزُّبَيْرِ عنْ عَائِشَةَ: أَنَّ أَفْلَحَ أخا أبي القُعَيْسِ جاءَ يَشْتأذِنُ عَلَيْها - وهْوَ عَمّها مِنَ الرَّضاعَةِ - بَعْدَ أَنْ نَزَلَ الحِجَابُ فَأَبَيْتُ أنْ آذَنَ لهُ، فلمّا جاءَ رسولُ اللهِ عَّلِ أَخْبَرْتُهُ بِالّذِي صَنَعْتُ، فَأَمَرَني أنْ آذَنَ لهُ. [انظر الحديث ٢٦٤٤ وأطرافه]. مطابقته للترجمة من حيث ثبوت الحرمة بين عائشة وبين أفلح المذكور الذي هو عمها من الرضاع، فلذلك أذن لها بدخول أفلح عليها، وقال إنه عمك، لما قالت: إنما أرضعتني المرأة ولم يرضعني الرجل، كذا في رواية الترمذي، فدل على أن ماء الرجل يحرم. والحديث مضى في كتاب الشهادات في: باب الشهادة على الأنساب، وقد مضى الكلام فيه هناك، ونذكره ههنا بأكثر منه وأوضح. فقوله: ((إن أفلح أخا أبي القعيس))، كذا هو في صحيح مسلم والنسائي أيضاً وفي رواية لمسلم: أفلح بن أبي القعيس، وفي رواية له وللنسائي قالت: استأذن وكذا في رواية أبي داود وابن ماجه. وفي رواية لمسلم: قال استأذن عليها أبو القعيس، وفي رواية له وللنسائي، قالت: استأذن علي عمي من الرضاعة أبو الجعيد، فرددته، قال هشام: إنما هو أبو القعيس. والصواب أنه أفلح وكنيته أبو الجعيد، وهو أخو أبي القعيس، وقال القرطبي في المفهم: هذا هو الصحيح وما سوى ذلك وهم من بعض الرواة، ولا يعرف لأبي القعيس ولا لأخيه أفلح ذكر إلاَّ في هذا الحديث، ويقال: إنهما من الأشعريين، وفي رواية الترمذي، قالت: جاء عمي من الرضاعة، ذكرته مبهماً، وأفلح، بفتح الهمزة واللام وسكون الفاء وبالحاء المهملة، وأبو القعيس، بضم القاف وفتح العين المهملة وسكون الياء آخر الحروف وبالسين المهملة. قوله: ((وهو عمها من الرضاعة)) فيه التفات، وكان القياس يقتضي أن تقول: وهو عمي، واختلف في كيفية ثبوت العمومة لأفلح هذا فزعم بعضهم ممن رأى أن لبن الفحل لا يحرم أن أفلح هذا رضع مع أبي بكر الصديق، رضي الله تعالى عنه، فكان عماً لعائشة من الرضاعة. وهذا خطأ يرده ما في رواية الترمذي عن عائشة، قالت: إنما أرضعتني المرأة ولم يرضعني ١٣٩ ٦٧ - كِتَابُ النِّكاحِ / باب (٢٤) الرجل، وكذا في رواية البخاري، على ما يأتي إن شاء الله تعالى، والصواب أن عائشة ارتضعت من امرأة أبي القعيس، وأفلح أخوه فصار عمها من الرضاعة، وفي رواية له: وكان أبو القعيس زوج المرأة التي أرضعت عائشة. قوله: ((جاء يستأذن عليها)) فيه دليل على مشروعية الاستئذان. ولو في حق المحرم، لجواز أن تكون المرأة على حال لا يحل للمحرم أن يراها عليه. قوله: ((بعد أن نزل الحجاب)) فيه أنه يجوز للمرأة أن تأذن للرجل الذي ليس بمحرم لها في الدخول عليها، ويجب عليها الاحتجاب منه بالإجماع، وما ورد من بروز النساء فإنما كان قبل نزول الحجاب، وكانت قصة أفلح مع عائشة بعد نزول الحجاب، كما صرح به هنا. قوله: ((فأبيت)) أي: امتنعت، فيه دليل على أن الأمر المتردد فيه التحريم والإباحة ليس لمن لم يترجح عنده أحد الطرفين الإقدام عليه، خصوصاً بعد نزول الحجاب، وتردد عائشة فيه هل هو محرم فتأذن له؟ أو ليس بمحرم فتمنعه؟ فامتنعت تغليباً للتحريم على الإباحة. قوله: ((فأمرني أن آذن له)) وفي رواية شعيب الماضية في الشهادات: ائذني له فإنه عمك تربت يمينك، وفي رواية سفيان: يداك أو يمينك، وفي رواية مالك عن هشام بن عروة: إنه عمك فلیلج عليك، وفي رواية الحكم: صدق أفلح ائذني له. واستدل بهذا الحديث على أن من ادعى الرضاع وصدقه الرضيع يثبت حكم الرضاع بينهما فلا يحتاج إلى بينة لأن أفلح ادعاه وصدقته عائشة وأذن الشارع بمجرد ذلك، ورد هذا باحتمال أن الشارع اطلع على ذلك من غير دعوى أفلح وتسليم عائشة، واستدل به أيضاً على أن قليل الرضاع يحرم كما يحرم كثيره. وقال بعضهم: وألزم بعضهم بهذا الحديث الحنفية القائلين: إن الصحابي إذا روى حديثاً عن النبي عَّله وصح عنه، ثم صح عنه العمل بخلافه، أن العمل بما رأى وبما روي، لأن عائشة صح عنها أن الاعتبار بلبن الفحل، وأخذ الجمهور - منهم الحنفية - بخلاف ذلك وعملوا بروايتها في قصة أخي أبي القعيس وحرموا بلبن الفحل، وكان يلزمهم على قاعدتهم أن يتبعوا عائشة ويعرضوا عن روايتها، وهذا إلزام قوي انتهى. قلت: لو علم هذا القائل مدرك ما قالته الحنفية في ذلك لما صدر منه هذا الكلام، ولكن عدم الفهم وأريحية العصبية يحملان الرجل على أن أخبط من هذا، وقاعدة أصحابنا فيما قالوه ليست على الإطلاق بل هي لا يخلو الصحابي في عمله بما رأى لا بما روى أنه إن كان عمله أو فتواه قبل الرواية أو قبل بلوغه إليه كان الحديث حجة، وإن كان بعد ذلك لم يكن حجة، لأنه ثبت عنده أنه منسوخ، فلذلك عمل بما رآه لا بما رواه، على أن ابن عبد البر قد ذكر أن عائشة أيضاً كانت ممن حرم لبن الفحل. ٢٤ - بابُ شَهادَةِ المُرْضِعَةِ أي: هذا باب في بيان شهادة المرضعة بالرضاع وحدها، وفيه خلاف، فروي عن ابن عباس، رضي الله تعالى عنهما، وطاووس جواز شهادة واحدة فيه إذا كانت مرضعة، ١٤٠ ٦٧ - كِتَابُ النّكاحِ / باب (٢٤) وتستحلف مع شهادتها، وهو قول الزهري، والأوزاعي وأحمد وإسحاق، وعن الأوزاعي: إنه أجاز شهادة امرأة واحدة في ذلك إذا شهدت قبل أن تتزوجه، فأما بعده فلا، وروي عن عمر ابن الخطاب، رضي الله تعالى عنه، أنه: لا يقبل في ذلك إلا شهادة رجلين أو رجل وامرأتين، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، وقال مالك: تقبل شهادة امرأتين دون رجل، وبه قال الحكم، وقالت طائفة: لا يقبل في ذلك أقل من أربع نسوة، روي ذلك عن عطاء والشعبي، وهو قول الشافعي. ٤٢ / ٥١٠٤ _ حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عبدِ الله حدثنا إسْماعِيلُ بنُ إِبْرَاهِيمَ أخبرنا أيُّوبُ عنْ عَبْدِ الله بن أبي مُلَيْكَةَ قال: حدّثني عُبَيْدُ بنُ أبي مَرْيَمَ عنْ عُقْبَةَ بنِ الِحَارِثِ قال: وقَدْ سَمِعْتُهُ مِنْ عُقْبَةَ لكِنِّي لِحَديثِ عُبَيْدٍ أُخْفَظُ، قال: تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً فجاءَتْنَا امْرَةٌ سَوْدَاءٌ، فقالَتْ: أَرْضَعْتُكُمَا فَأَتِيْتُ النبيَّ عَ لَّهِ، فَقُلْتُ: تَزَوَّجْتُ فُلاَنَةَ بِنْتُ فُلاَنٍ فجاءَتْنَا امْرَأَةٌ سَوْداءٌ فقالَتْ لي: إِنِّي قدْ أَرْضَعْتُكُما، وهْيَ كاذِبَةٌ، فَأعْرَضَ عَنِّي فَأَتَيْتُهُ مِنْ قَبْلِ وجْهِهِ، قُلْتُ: إنها كاذِبَة. قال: كَيْفَ بِها وقَدْ زَعَمَتْ أنها قَدْ أَرْضَعْتُكُما؟ دَعْها عَنْكَ. وأَشَارَ إسْماعِيلُ بِإِصْبَعِيْهِ السَّبَابَةِ والوُسْطَى يَحْكِي أَيُّوبَ. [انظر الحديث ٨٨ وأطرافه]. مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: ((كيف بها))؟ إلى آخره، وبه أخذ الليث وقال بجواز شهادة المرضعة. وعلي بن عبد الله هو ابن المديني، وإسماعيل بن إبراهيم هو إسماعيل بن علية، وهي أمه وأيوب هو السختياني وعبيد بن أبي مريم المكي ما له في الصحيح غير هذا الحديث، وذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وعقبة بضم العين وسكون القاف ابن الحارث القرشي المكي الصحابي، وهو من أفراده. والحديث مضى في كتاب العلم في باب الرحلة وفي كتاب الشهادات أيضاً في: باب شهادة الإماء العبيد. قوله: ((قال: وقد سمعته)) أي: قال عبد الله بن أبي مليكة: سمعت هذا الحديث من عقبة بن الحارث، والاعتماد على سماعه منه. قوله: ((تزوجت امرأة)) وهي أم يحيى بنت أبي إهاب، بكسر الهمزة، التميمي. قوله: ((امرأة سوداء)) ولم يدر اسمها. قوله: ((فأعرض عني)) وفي رواية المستملي: فأعرض عنه، بطريق الالتفات. قوله: ((من قبل وجهه)) بكسر القاف وفتح الباء الموحدة. قوله: ((كيف بها)) استبعاد منه أي: وكيف تجتمع بها بعد أن قيل هذا. قوله: ((دعها)) أي: اتركها وهو أمر من يدع أمره بالترك والأخذ بالورع والاحتياط لا على الإيجاب، وروى ابن مهدي بإسناده عن رجل من بني عبس، قال: سألت علياً وابن عباس، رضي الله تعالى عنهم، عن رجل تزوج امرأة فجاءت امرأة فزعمت أنها أرضعتهما، فقالا: ينزه عنها فهو، وإما أن يحرمها عليه أحد فلا، وقد قال زيد بن أسلم: إن عمر بن الخطاب لم يجز شهادة امرأة واحدة في الرضاع. قوله: ((وأشار إسماعيل)) هو إسماعيل بن إبراهيم الراوي،