Indexed OCR Text

Pages 41-60

٤١
٦٦ - كِتابُ فَضائِلِ القُرْآنِ / باب (٩)
أَصَلِّي، فَدَعَانِي النبيُّ عَ لَّهِ، فَلَمْ أُجِبْهُ، قُلْتُ: يا رسول الله! إنِّي كُنْتُ أُصَلِّي. قال: ألَمْ يَقُلِ
الله: ﴿استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم﴾ [الأنفال: ٢٤]. ثُمَّ قال: ألاَ أَعَلِّمُكَ أَعْظَمَ سورَةٍ
في القُرْآن قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ مِنَ المَسْجِد؟ فأخذَ بِيَدِي، فَلمَّا أَرَدْنا أنْ نَخْرُجُ قُلْتُ: يا رسولَ الله!
إِنَّكَ قُلْتَ: لاَ عَلَّمَنَّك أَعْظَمَ سُورَةٍ مِنَ القُرْآنِ، قال: ﴿الحمد لله رب العالمين﴾ [الفاتحة: ٢]
هِيَ السَّبْعُ المَثانِي والقُرْآنُ العَظيمُ الَّذِي أُوتِيتُهُ. [انظر الحديث ٤٤٧٤ وطرفيه].
مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: ((ألا أعلمك أعظم سورة في القرآن)) إلى آخره.
وعلي بن عبد الله المعروف بابن المديني، ويحيى بن سعيد القطان، وخبيب بضم
الخاء المعجمة وفتح الباء الموحدة ابن عبد الرحمن الخزرجي، وحفص بن عاصم بن عمر
ابن الخطاب، رضي الله تعالى عنه، وأبو سعيد اسمه الحارث على اختلاف فيه ابن المعلى
بلفظ اسم المفعول من التعلية.
والحديث قد مر في أول كتاب التفسير في: باب ما جاء في فاتحة الكتاب، وقد مر
الكلام فيه مستقصى.
٢٨/ ٥٠٠٧ - حدَّثني مُحَمَّدُ بنُ المُثَنَّى حدثنا وهْبٌ حدثنا هِشامٌ عنْ مُحَمَّدٍ عنْ
مَعْبَدٍ عنْ أبي سَعِيدِ الخُدْرِيِّ قال: كُنَّا في مَسيرٍ لَنا، فَنَزَلْنا فَجاءَتْ جاريَةٌ فقالَتْ: إِنَّ سَيِّدَ
الحَيِّ سَلِيمٌ، وإِنَّ نَفَرَنا غيَبٌ فَهَلْ مِنْكُمْ رَاقٍ؟ فقامَ رجلٌ ما كُنا نأْتُهُ بِرُقْيَة، فَرَقَاهُ فَبَرَأْ، فأمَرَ
لهُ بِثَلاَئِينَ شاةً وسقانا لَبَنَا، فَلَما رجَعَ قُلْنا لهُ: أُكُنْتَ تُخْسِنُ رُقْيَةً أَوْ كُنْتَ تَرْقِي؟ قال: لا ما
رَقَيْتُ إِلاَّ بِأُمّ الكِتاب، قُلْنا: لا تُحدِثُوا شيئاً حتى نأتِيَ أَوْ نَسأَلَ النبيَّ عَّهِ، فَلَمَّا قَدِمْنا
المَدِينَةَ ذَكَرْناهُ لِلنبيُّ عَ لَّهِ، فقال: وما كانَ يُدْرِيهِ أنَّها رُقُيَةٌ؟ اقْسِمُوا واضْرِبُوا لِي بِسَهْمٍ.
[انظر الحديث ٢٢٧٦ وطرفيه].
مطابقته للترجمة ظاهرة لأنه يدل على فضل الفاتحة ظاهراً. وقد مضى هذا الحديث
مطولاً في كتاب الإجارة في: باب ما يعطى في الرقية، فإنه أخرجه هناك عن أبي النعمان عن
أبي عوانة عن أبي بشر عن أبي المتوكل عن أبي سعيد، رضي الله تعالى عنه، وهنا أخرجه
عن محمد بن المثنى عن وهب بن جرير عن هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن معبد
بفتح الميم وسكون العين المهملة وفتح الباء الموحدة وبالدال المهملة ابن سيرين أخي
محمد بن سيرين عن أبي سعيد الخدري واسمه سعد بن مالك مشهور باسمه وكنيته وبكنيته
أكثر وبينهما تفاوت في الإسناد وفي المتن أيضاً، بالزيادة والنقصان، وهناك قال أبو سعيد:
انطلق نفر من أصحاب النبي عَّم في سفرة سافروها الحديث، وهنا قال: كنا في مسير لنا،
وهذا يدل على أن أبا سعيد كان مع النفر الذين سافروا في الحديث الذي هناك، ولهذا قالوا:
إن الرجل الراقي هو أبو سعيد نفسه الراوي للحديث.
قوله: ((سليم)) أي: لديغ، وكأنهم تفاءلوا بهذا اللفظ. قوله: ((غيب)) بفتح الغين
المعجمة وفتح الياء آخر الحروف المخففة وفي آخره باء موحدة وهو جمع غائب ويروي:

٤٢
٦٦ - كِتابُ فَضائِلِ القُرْآنِ / باب (١٠)
غيب، بضم الغين وتشديد الياء المفتوحة. قوله: ((راقٍ)) اسم فاعل من رقى يرقي من باب
ضرب يضرب، وأصله راقي فأعل إعلال قاضٍ. قوله: ((ما كنا نأبنه)) أي: ما كنا نعلمه أنه
يرقي فنعينه، ومادته همزة وباء موحدة ونون، من أبنت الرجل أبنه وأبنه إذا رميته بخلة سوء،
وهو مأبون والأبن بفتح الهمزة وسكون الباء التهمة. قوله: ((وكنت ترقي)) بكسر القاف.
قوله: ((ما رقيت)) بفتح القاف. قوله: ((إلاَّ بأم الكتاب)) وهي الفاتحة. قوله: ((لا تحدثوا)) من
الإحداث أي: لا تحدثوا أمراً ولا تعلموا شيئاً حتى نأتي رسول الله عَ لَّه. قوله: ((أو نسأل))
شك من الراوي. فإن قلت: يروي أبو داود من حديث ابن مسعود، قال: كان معَ ◌ّه يكره
الرقيا إلاَّ بالمعوذات. قلت: قال البخاري في صحيحه: لا يصح، وقال ابن المديني: وفي
إسناده من لا يعرف: وابن حرملة لا نعرفه في أصحاب عبد الله. وقال أبو حاتم: ليس بحديث
عبد الرحمن بأس ولم أر أحداً ينكره أو يطعن عليه، وقال الساجي: لا يصح حديثه، وأما ابن
حبان فذكره في ثقاته، وأخرج حديثه في صحيحه وقال الحاكم: صحيح الإسناد، وبقية
الكلام تقدمت هناك.
وقال أبُو مَعْمَرٍ: حدثنا عَبْدُ الوَارِثِ حدثنا هِشَامٌ حدثنا مُحَمَّدُ بنُ سِيرِينَ حدّثني مَعْبَدُ بن
سِيْرِينَ عنْ أبي سَعيدِ الخُدْرِيِّ بِهُذَا
أبو معمر بفتح الميمين عبد الله بن عمرو المقعد مات سنة أربع وعشرين ومائتين وهو
شيخ البخاري، وعبد الوارث بن سعيد، وهشام بن حسان، وأراد بهذا التعليق التصريح
بالتحديث من محمد بن سيرين لهشام ومن معبد لمحمد فإنه في الإسناد الذي ساقه أولاً
بالعنعنة في الموضعين، وقد وصله الإسماعيلي من طريق محمد بن يحيى الذهلي عن أبي
معمر كذلك.
١٠ - بابُ فَضْلِ سورَةِ البَقَرَةِ
أي: هذا باب في بيان فضل سورة البقرة، وفي بعض النسخ: فضل سورة البقرة، بلا
لفظ: باب، ومعنى سورة البقرة السورة التي تذكر فيها البقرة.
٢٩/ ٥٠٠٨ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بن كَثِيرٍ أَخْبَرنا شعبَةُ عنْ سُلَيْمَانَ عنْ إبْرَاهِيمَ عنْ عبْد
الرَّحْمنِ عنْ أبي مَسْعُودٍ، رضي الله عنه، عن النبيِّ عَُّله، قال: منْ قرَّأ بالآَيَتَيْنِ. [انظر
الحديث ٤٠٠٨ وأطرافه].
٣٠/ ٥٠٠٩ - حدَّثنا أَبُو نُعيم حدَّثنا سُفْيانُ عنْ مَنْصُورٍ عنْ إبْرَاهِيمَ عِنْ عِبْدِ الرَّحْمنِ
ابنِ يَزِيدَ عنْ أبي مَسْعُودٍ، رضي الله عنه قال: قال النبيُّ عَُّلّهِ: مَنْ قَرَأْ بِالْآيَتَيْنِ مِنْ آخِرٍ
سورَةِ البقَرَةِ في لَيْلةٍ كَفَتَاهُ. [انظر الحديث ٤٠٠٨ وأطرافه].
مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: ((كفتاه)) لأن أحد معانيه: كفتاه عن قيام الليل.
وسليمان عن الأعمش، وإبراهيم النخعي، وعبد الرحمن بن يزيد النخعي، وأبو مسعود

٤٣
٦٦ - كِتابُ فَضائِل القُرْآنِ / باب (١٠)
عقبة بن عمرو البدري، وهذا رجال الطريق الأول، ورجال الطريق الثاني: أبو نعيم، بضم
النون: الفضل بن دكين، وسفيان بن عيينة، ومنصور بن المعتمر، وفي نسخة أبي محمد: عن
عبد الرحمن عن ابن مسعود، والصواب: أبو مسعود، مكنى لأنه حديثه ومشهور به وعنه
خرجه مسلم والناس.
والحديث مضى في المغازي عن موسى بن إسماعيل.
قوله: ((بالآيتين)) وهما من قوله: ((آمن الرسول)) إلى آخر السورة، ووجه تخصيصهما
بما تضمنتا من الثناء على الله عز وجل وعلى الصحابة لجميل انقيادهم إلى الله تعالى
وابتهالهم ورجوعهم إليه في جميع أمورهم، ولما حصل فيهما من إجابة دعواهم.
أ
قوله: ((كفتاه)) أي: عن قيام الليل، وقيل: ما يكون من الآفات تلك الليلة، وقيل: من
الشيطان وشره، وقيل: كفتاه من حزبه إن كان له حزب من القرآن، وقيل: حسبه بهما أجراً
وفضلاً، وقيل: أقل ما يكفي في قيام الليل آيتان مع أم القرآن وقال المظهري: أي دفعتا عن
قارئهما شر الإنس والجن، وقال الكرماني: قال النووي: كفتاه عن قراءة سورة الكهف وآية
الكرسي، فلعل النسخة التي كانت له سقط منها شيء فصحف عليه.
... /٥٠١٠ - وقال عُثْمانُ بنُ الهَيْثَم: حدثنا عَوْفٌ عنْ مُحَمَّدِ بنِ سِيرِينَ عنْ أبي
هُرَيْرَةَ، رضي الله عنه، قال: وَكَّلَنِيِ رَسُولُ اللَّه عَلَّهِ بِحِفْظِ زَكاةِ رمَضَانَ، فأتاني آت فَجَعَلَ
يَحْثُو مِنَ الطعامِ، فَأخَذْتُهُ فَقُلْتُ: لأرْفَعَنَّكَ إلى رسول الله عَُّلَّهِ، فَقَصَّ الحَدِيثَ، فقال: إذَا
أويْتَ إلى فِرَاشِكَ فَاقْرَأُ آيَةَ الكَرْسِيِّ لَنْ يَزَالَ مَعكَ مِنَ الله حافِظُ ولا يَقْرَبُّكَ شَيْطَانٌ حتَّى
تُصْبِحَ. وقال النبيُّ عَّ اله: صَدَقَكَ وَهْوَ كَذُوبُ ذَاكَ شَيْطَانٌ. [انظر الحديث ٢٣١١ وطرفه].
مطابقته للترجمة ظاهرة وعثمان بن الهيثم، بفتح الهاء وسكون الياء آخر الحروف
وفتح الثاء المثلثة، فالبخاري تارة يروي عنه بالواسطة وأخرى بدونها وكأنه أخذ عنه مذاكرة،
ورواه النسائي عن إبراهيم بن يعقوب: حدثنا عثمان بن الهيثم به، وعوف هو الأعرابي.
والحديث مضى مطولاً في كتاب الوكالة في: باب إذا وكل رجل رجلاً فترك الوكيل
شيئاً، وذكر هنا بهذا الإسناد بعينه، فقال: وقال عثمان بن الهيثم إلى آخره، وذكر هناك جميع
ما يحتاج إليه.
قوله: ((زكاة رمضان)) هو الفطرة. قوله: ((فقص الحديث)) هو قوله: فقال إني محتاج
وعلي عيال ولي حاجة شديدة، قال: فخليت عنه فأصبحت، فقال النبي عَّه: يا أبا هريرة؟
ما فعل أسيرك البارحة؟ قال: قلت: شكى حاجة شديدة يا رسول الله وعيالاً فرحمته فخليت
سبيله، قال: أما أنه قد كذب وسيعود، فعاد إلى ثلاث مرات وقال في الثالثة: ((إذا أويت)) من
الثلاثي بدون المد قوله: ((لن يزال))، ويروى: لم يزل. قوله: ((حافظاً)) بالنصب والرفع. أما
النصب فعلى أنه خبر: لن يزال، وأما الرفع فعلى أنه اسمه. قوله: ((صدقك)) أي: في نفع قراءة
آية الكرسي، لكن شأنه وعادته الكذب والكذوب قد يصدق. قوله: ((ذاك شيطان))، ووقع في

٤٤
٦٦ - كِتابُ فَضائِلِ القُرْآنِ / باب (١١)
كتاب الوكالة: ((ذاك الشيطان))، بالألف واللام إما للجنس وإما للعهد الذهني لأن لكل آدمي
شيطاناً وكل به، ويجوز أن يكون عوضاً عن المضاف إليه أي: ذاك شيطانك.
١١ - بابُ فَضْلِ سورَةِ الكَهْفِ
أي: هذا باب في بيان فضل سورة الكهف، وكذا في رواية أبي الوقت: فضل سورة
الكهف، ولم يثبت لفظ: باب إلاَّ لأبي ذر.
٥٠١١/٣١ _ حدَّثنا عَمْرُو بنُ خالِدٍ حدثنا زُهَيْرٌ حدثنا أبو إسْحاقَ عنِ البَرَاءِ، قال:
كانَ رجلٌ يَقْرَأُ سورَة الكَهْفِ وإلى جانِهِ حِصانٌ مَرْبُوطٌ بِشَطَنَيْن، فَتَغَشَّتْهُ سَحَابَةٌ، فَجَعَلَتْ
تَدْنُو وتَدنُو، وجَعَلَ فَرَسُهُ يَنْفِرُ. فَلَمَّا أَصْبَحَ أتى النبيَّ عَِّ فَذَكَرَ ذَلِكَ لهُ فقال: تلْكَ السَّكِينَةُ
تَنَزَّلَتْ بالقُرْآن. [انظر الحديث ٣٦١٤ وطرفه].
مطابقته للترجمة ظاهرة. وزهير هو ابن معاوية، وأبو إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي.
والحديث قد مضى في تفسير سورة الفتح، فإنه أخرجه هناك عن عبيد الله بن موسى
عن إسرائيل عن أبي إسحاق إلى آخره، ولم يذكر فيه سورة الكهف، وإنما قال: يقرأ وفرس له
مربوط في الدار.
قوله: ((كان رجل)) قيل: هو أسيد بن حضير. قوله: ((حصان)) بكسر الحاء، هو الفحل
الكريم من الخيل. قوله: ((بشطنين)) تثنية شطن بفتح الشين المعجمة والطاء المهملة، وهو
الحبل، وإنما كان الربط بشطنين لأجل جموحه واستصعابه. قوله: ((فتغشته)) أي: أحاطت به
سحابة. قوله: ((تدنو)) أي: تقرب. قوله: ((ينفر)) بالنون والفاء من النفرة، وفي رواية مسلم: ينقز
بالقاف والزاي، وقال عياض: هو خطأ فإن كان ما قاله من حيث الرواية فله وجه، وإن كان
من حيث اللغة فليس بذاك. قوله: ((تلك السكينة)) واختلف أهل التأويل في تفسير السكينة،
فعن علي، رضي الله تعالى عنه: هي ريح هفافة لها وجه كوجه الإنسان، وعنه: إنها ريح
خجوج ولها رأسان، وعن مجاهد: لها رأس كرأس الهر وجناحان وذنب كذنب الهر، وعن
الربيع: هي دابة مثل الهر لعينيها شعاع فإذا التقى الجمعان أخرجت فنظرت إليهم فينهزم ذلك
الجيش من الرعب وعن ابن عباس والسدي: هي طست من ذهب من الجنة يغسل فيها
قلوب الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام، وعن ابن مالك: طست من ذهب ألقى فيها موسى،
عليه السلام، الألواح والتوراة والعصا. وعن وهب: روح من الله يتكلم، إذا اختلفوا في شيء
بيَّن لهم ما يريدون. وعن الضحاك: الرحمة، وعن عطاء ما يعرفون من الآيات فيسكنون إليها،
وهو اختيار الطبري، وقال النووي: المختار أنها من المخلوقات فيه طمأنينة ورحمة ومعه
الملائكة، وقد تكرر في القرآن والحديث لفظ السكينة، فيحل في كل موضع وردت فيه
على ما يليق به من المعاني المذكورة، والذي يليق في المذكور في الباب قول الضحاك،
والله أعلم.
قوله: ((تنزلت)) في رواية الكشميهني: تنزل، بضم اللام على صيغة المضارع، وأصله:

٤٥
٦٦ - كِتابُ فَضائِلِ القُرْآنِ / باب (١٢ و١٣)
تتنزل بتاءين فحذفت إحداهما.
١٢ - بابُ فَضْلٍ سورَةِ الفَتْحِ
أي: هذا باب في بيان فضل سورة الفتح، وليس لفظ: باب إلاَّ لأبي ذر.
٥٠١٢/٣٢ - حدَّثنا إسْماعِيلُ قال: حدثني مالِكٌ عنْ زَيْدِ بنِ أسْلَمَ عنْ أَبِيهِ أَنَّ
رسُولَ الله عَّهِ، كان يسِيرُ في بعضٍ أَسْفارِهِ وَثُمَرُ بنُ الخَطَّابِ يسِيرُ معَهُ لَيْلاً، فَسألَهُ عُمَرُ
عَنْ شَيْءٍ فَلَمْ يُجِبْهُ رسولُ اللهِ عَّلَ، ثُمَّ سَأَلَهُ فَلَمْ يُجِبْهُ، ثُمَ سألَهُ فلَمْ يُحِبْهُ، فقال عُمَرُ:
فَكِلَتْكَ أُمُّك! نَزَرْتَ رسولَ الله عَِّ ثَلاثَ مَّاتٍ كُلُّ ذلِك لا يُجِيبُكَ، قال عُمَرُ: فَحَرَّكْتُ
بَعيرِي حَتَّى كنْتُ أمامَ النَّاس وخَشِيتُ أنْ يَنْزِلَ فِيَّ قُرْآنٌ، فَما نَشِبْتُ أَنْ سَمِعْتُ صارِخاً
يَصْرُ، قال: فَقُلْتُ: لَقَدْ خَشِيتُ أنْ يَكونَ نزَلَ فيَّ قُرْآنٌ، قال: فَجِئْتُ رسولَ الله عََّه
فسَلَّمْتُ علَيْهِ فقال: لقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيَّ اللَّيْلَةَ سورَةٌ لَهِيْ أحَبُّ إلَيَّ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ
الشَّمْسُ، ثُمَّ قَرَأ ﴿إِنَّا فتحنا لكَ فتحاً مبيناً﴾ [الفتح:" ١]. [انظر الحديث ٤١٧٧ وطرفه] ..
مطابقته للترجمة ظاهرة في قوله: ((لقد أنزلت علي)) إلى آخره. وإسماعيل هو ابن
أوس ابن أخت مالك بن أنس، وزيد بن أسلم يروي عن أبيه أسلم مولى عمر بن الخطاب
وصورة هذا صورة الإرسال.
وأخرجه الترمذي من هذا الوجه فقال: عن أبي سمعت عمر، رضي الله تعالى عنه، ثم
قال: حديث حسن غريب، وقد رواه بعضهم عن مالك فأرسله وأشار بذلك إلى الطريق الذي
أخرجه البخاري. وليس كذلك فإن في أثناء السياق ما يدل على أنه من رواية أسلم عن عمر
لقوله فيه: قال عمر: فحركت بعيري إلى آخره. والحديث مضى في تفسير سورة الفتح فإنه
أخرجه هناك عند عبد الله بن مسلمة عن مالك إلى آخره.
قوله: ((ثكلتك أمك)) دعاء من عمر على نفسه. قوله: «نزرت)» بفتح النون والزاي
المخففة أو المشددة أي: ألححت عليه وبالغت أي في شأني من جرأتي على رسول الله
عَّلِّ وإلحاحي عليه قوله: ((فما نشبت)) أي: فما لبثت قوله أحب إلى آخره، وكانت أحب
لما فيها من مغفرته ما تقدم وما تأخر وإتمام النعمة عليه والرضا عن أصحابه تحت الشجرة،
والله أعلم.
١٣ - بابُ فَضْلِ ﴿قل هو الله أحد﴾ [الإخلاص: ١]
أي: هذا باب في بيان فضل ﴿قل هو الله أحد﴾ [الإخلاص: ١] وليس في بعض
النسخ لفظ باب.
٠
فِيهِ: عَمْرَة عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها، عن النبيِّ عَّ
أي: في فضل ﴿قل هو الله أحد﴾ [الإخلاص: ١] روت عمرة بنت عبد الرحمن عن

٤٦
٦٦ - كِتَابُ فَضَائِلِ القُرْآنِ / باب (١٣)
عائشة عن النبي عَِّ قال الكرماني: ولما لم يكن على طريقة شرط البخاري لم ينقله بعينه
فاكتفى بالأخبار عنه إجمالاً قلت: ليس الأمر كذلك بل هذا على شرطه، وقد أخرجه بتمامه
في أول کتاب التوحید، قال: حدثنا محمد حدثنا أحمد بن صالح حدثنا ابن وهب حدثنا
عمرو عن ابن أبي هلال أن أبا الرجال محمد بن عبد الرحمن حدثه عن أمه عمرة بن عبد
الرحمن وكانت في حجرة عائشة زوج النبي عَّه عن عائشة: أن النبي عَّ لِ بعث رجلاً على
سرية وكان يقرأ لأصحابه في صلاته فيختم بـ ﴿قل هو الله أحد﴾ [الإخلاص: ١] الحديث،
وفي آخره: أخبروه أن الله يحبه.
٥٠١٣/٣٣ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ يُوسُفَ أخبرَنا مالِك عنْ عبْدِ الرَّحْمنِ بنِ عِبْدِ الله
ابن عبْدِ الرَّحْمنِ بن أبي صَعْصَعَةَ عنْ أبِيهِ عنْ أبي سعِيدِ الخُدْرِيِّ أنَّ رجلاً سَمِعَ رجلاً يقْرَأُ:
﴿قل هو الله أحد﴾ يُرَدِّدُها، فَلَمَّا أصبَحَ جاءَ إلى رسولِ اللهِعَ لَّهِ فَذَكَرَ ذُلكَ لهُ، وكأنَّ
الرَّجُلَ يَتَقالُها. فقال رسول الله عَّهِ: والذي نَفْسي بيَدِه، إنَّها لتَعْدِلُ ثُلُثَ القُرْآنِ.
مطابقته للترجمة ظاهرة وعبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة،
كذا هو في الموطأ ورواه أبو صفوان الأموي عن مالك، فقال: عن عبد الله بن عبد الرحمن
ابن أبي صعصعة عن أبيه. أخرجه الدارقطني، والصواب هو الذي في الصحيح وكذا قال
النسائي الصواب عبد الرحمن بن عبد الله، بعدما روي هذا الحديث.
قوله: ((أن رجلاً سمع رجلاً) الرجل السامع كان أبو سعيد الخدري راوي الحديث،
والرجل القارىء قتادة بن النعمان. قوله: ((يرددها)) أي: يكررها. قوله: ((يتقالها)) بتشديد اللام،
أي: يعد أنها قليلة، في رواية ابن الطباع. كأنه يقللها، وفي رواية يحيى القطان عن مالك:
فكأنه يستقلها والمراد استقلال قراءته لا التنقيص. قوله: ((إنها)) أي: إن قراءة ﴿قل هو الله
أحد﴾ [الإخلاص: ١] لتعدل ثلث القرآن.
واختلف في معناه. فقال المازري: القرآن ثلاثة أنحاء: قصص وأحكام وصفات الله،
عز وجل، وهذه السورة متمحضة للصفات، وهي ثلث وجزء من الثلاثة، وقيل: ثوابها
يضاعف بقدر ثواب ثلث القرآن بغير تضعيف، وقيل: القرآن لا يتجاوز ثلاثة أقسام: الإرشاد
إلى معرفة ذات الله تعالى، ومعرفة أسمائه وصفاته ومعرفة أفعاله وسننه، ولما اشتملت هذه
السورة على التقديس وازنها رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، بثلث القرآن. وقيل:
إن من عمل بما تضمنته من الإقرار بالتوحيد والإذعان بالخالق كمن قرأ ثلث القرآن، وقيل:
قال ذلك لشخص بعينه قصده رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، وقال أبو عمر:
نقول بما ثبت عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، ولا نعده ونكل ما جهلناه من معناه فنرده
إليه، صلى الله تعالى عليه وسلم، ولا ندري لم تعدل هذه ثلث القرآن. وقال ابن راهويه:
ليس معناه أن لو قرأ القرآن كله كانت قراءة ﴿قل هو الله أحد﴾ [الإخلاص: ١] تعدل ذلك
إذا قرأها ثلاث مرات، لا، ولو قرأها أكثر من مائتي مرة. وقال أبو الحسن القابسي: لعل

٤٧
٦٦ - كِتابُ فَضائِلِ القُرْآنِ / باب (١٣)
الرجل الذي بات يرددها كانت منتهى حفظه فجاء يقال عمله، فقال له سيدنا رسوله الله
عَ له: إنها لتعدل ثلث القرآن ترغيباً في عمل الخير، وإن قل: والله عز وجل أن يجازي عبده
على اليسير بأفضل مما يجازي لكثير. وقال الأصلي: معناه يعدل ثوابها ثلث القرآن ليس فيه
﴿قل هو الله أحد﴾ [الإخلاص: ١] وأما تفضيل كلام ربنا بعضه على بعض فلا، لأنه كله
صفة له، وهذا ماشٍ على أحد المذهبين أنه لا تفضيل فيه، ونقله المهلب عن الأشعري وأبي
بكر بن أبي الطيب وجماعة علماء السنة. فإن قلت: في مسند ابن وهب عن ابن لهيعة عن
الحارث بن يزيد عن أبي الهيثم عن أبي سعيد، رضي الله تعالى عنه، أنه قال: بات قتادة بن
النعمان يقرأ ﴿قل هو الله أحد﴾ [الإخلاص: ١] حتى أصبح، فذكرها لرسول الله عَ لَّه فقال:
والذي نفسي بيده أنها لتعدل ثلث القرآن أو نصفه. قلت: قال أبو عمر: هذا شك من الرواي
لا يجوز أن يكون شكاً من النبي عَّ له على أنها لفظة غير محفوظة في هذا الحديث، ولا في
غيره والصحيح الثابت في هذا الحديث وغيره أنها لتعدل ثلث القرآن من غير شك، وقد روي
ثلث القرآن جماعة من الصحابة، رضي الله تعالى عنهم، أبي بن كعب وعمر، ذكرهما أبو
عمر وأبو أيوب وأبو مسعود الأنصاري وسماك عن النعمان بن بشير وأبان عن أنس.
... / ٥٠١٤ _ وزَادَ أَبُو مَعْمَرٍ: حدثنا إسْماعِيلُ بنُ جَعْفرٍ عنْ مالِكِ بنِ أنَسٍ عنْ عَبْدِ
الرحمنِ بنِ عَبْدِ الله بنِ عْدِ الرَّحْمنِ بنِ أبي صَعْصَعَةَ عنْ أبِيهِ عِنْ أبي سَعيدِ الخُدْرِيِّ
أخبرني أخي قَتَادَةُ بنُ النّعْمَانِ أنَّ رجلاً قامَ في زَمَنِ النبيِّ عَ لَّهِ يَقْرَأْ مِنَ السَّحَرِ: ﴿قل هو
الله أحد﴾ [الإخلاص: ١] لا يَزِيدُ عَلَيْها، فَلَمَّا أَصْبَحْنا أتَى رَجُلٌ النبيَّ عَ لَّه نَحْوَهُ.
أبو معمر هذا هو عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج المنقري، قاله الدمياطي. وقال ابن
عساكر والمزي: هو إسماعيل بن إبراهيم بن معمر بن الحسن أبو معمر الهذلي الهروي، سكن
بغداد وجزم به صاحب التلويح، وقال صاحب التوضيح: كذا وقع لشيخنا، يعني: إسماعيل
ابن إبراهيم واستصوب بعضهم ما قاله ابن عساكر والمزي، وقال: وإن كان كل منهما يكنى
أبا معمر هما من شيوخ البخاري لأن هذا الحديث يعرف بالهذلي بل لا يعرف للمنقري عن
إسماعيل بن جعفر شيئاً. قلت: كلا القولين محتمل وترجيح أحدهما بعدم علمه للمنقري عن
إسماعيل رواية لا يستلزم نفي علم غير بذلك.
وأما هذا التعليق فقد وصله النسائي والإسماعيلي من طرق عن أبي عمر عن إسماعيل
إلى آخره.
قوله: ((نحوه)) أي: نحو سياق الحديث المذكور. قوله: ((يقرأ من السحر)) أي: في
السحر، أو كلمة: من، بيانية.
٥٠١٥/٣٤ - حدَّثنا عُمَرُ بنُ حَفْص حدثنا أبي حدثنا الأعْمَشُ حدثنا إبْرَاهيمُ
والضَّحَّاك المِشْرَقِيُّ عن أبي سَعيدِ الخُدْرِيِّ، رضي الله عنه، قال: قال النبي ◌َِّ لِأَصْحابِهِ:
أُيَعْجِزُ أحَدُكُمْ أن يقرَأْ ثُلُثَ القُرْآنِ في لَيْلَةٍ؟ فَشَقَّ ذُلِكَ عَلَيْهِمْ وقالُوا: أينا يُطِيقُ ذَلِكَ يا

٤٨
٦٦ - كِتابُ فَضائِلِ القُرْآنِ / باب (١٤)
رسولُ الله؟ فقال: الله الوَاحِدُ الصَّمَدُ ثُلُثُ القُرْآنِ.
مطابقته للترجمة في قوله: ((الله الواحد الصمد ثلث القرآن))، وعمر بن حفص يروي
عن أبيه حفص بن غياث عن سليمان الأعمش عن إبراهيم النخعي، وعن الضحاك بن
شراحيل، ويقال: ابن شرحبيل وليس له في البخاري سوى هذا الحديث وآخر يأتي في كتاب
الأدب وحكى البزار أن بعضهم زعم أنه الضحاك بن مزاحم وهو غلط.
قوله: ((المشرقي)) بكسر الميم وسكون الشين المعجمة وفتح الراء: نسبة إلى مشرق
ابن زيد بن جشم بن حاشد، بطن من همدان، وهكذا ضبطه العسكري. وقال: من فتح الميم
فقد صحف، فكأنه يشير إلى ابن أبي حاتم فإنه قال: مشرق موضع باليمن، وضبطه بفتح
الميم وكسر الراء الدارقطني وابن ماكولا وتبعهما السمعاني في موضع، ثم ذهل فذكره بكسر
الميم، كما قال العسكري، لكن جعل قافه فاء ورد عليه ابن الأثير فأصاب فيه. قوله:
((أيعجز؟)) الهمزة فيه للاستفهام على سبيل الاستخبار. ويعجز بكسر الجيم لأنه من باب
ضرب يضرب. وأما عجزت المرأة تعجز من باب نصر ينصر فمعناه: صارت عجوزاً بفتح
العين وعجوز بالضم مصدر عُجزت المرأة وأما عجزت المرأة بكسر الجيم تعجز من باب
علم يعلم عجزاً بفتحتين وعجزا بضم العين وسكون الجيم فمعناه: عظمت عجيزتها. قوله:
((الواحد الصمد)) كناية عن ﴿قل هو الله أحد﴾ [الإخلاص: ١] فيها ذكر الإلهية والوحدة
والصمدية، وفي رواية الإسماعيلي من رواية أبي خالد الأحمر عن الأعمش فقال: يقرأ ﴿قل
هو الله أحد﴾ [الإخلاص: ١] فهي ثلث القرآن.
قال الفِرَبْرِي: سمِعْتُ أبا جَعْفرٍ مُحَمَّدَ بنَ أبي حاتم ورَّاقَ أبي عبدِ الله يقُولُ: قال أبُو عَبْدِ
الله: عنْ إِبْرَاهِيمَ مُرْسَلٌ. وعنِ الصَّخَّاكِ المِشْرَقِيِّ مُسْتَدٌ
هذا ثبت عند أبي ذر عن شيوخه، والفربري هو أبو عبد الله محمد بن يوسف بن مطر
ابن صالح بن بشر، ونسبته إلى فربر قرية بينها وبين بخارى ثلاث مراحل، وقال: سمع كتاب
الصحيح لمحمد بن إسماعيل تسعون ألف رجل فما بقي أحد يرويه غيري، مات سنة عشرين
وثلاثمائة، وأبو جعفر محمد بن أبي حاتم كان يورق للبخاري أي ينسخ له، وكان من
الملازمين له العارفين به المكثرين عنه. قوله: ((وراق أبي عبد الله)). هو البخاري. وكذلك
قوله: ((قال أبو عبد الله)) هو البخاري. قوله: ((عن إبراهيم)) النخعي عن أبي سعيد ((مرسل))
وهذا منقطع في اصطلاح القوم، ولكن البخاري أطلق على المنقطع لفظ المرسل. قوله:
((وعن الضحاك)) أي: الذي يرويه عن ابن سعيد ((مسند) يعني متصل.
١٤ - بابُ فَضْلِ المُعَوِّذَاتِ
أي: هذا باب في بيان فضل المعوذات، وهي بكسر الواو جمع معوذة والمراد بها
السور الثلاث وهي: سورة الإخلاص وسورة الفلق وسورة الناس، والدليل على ذلك ما رواه

٤٩
٦٦ - كِتابُ فَضائِلِ القُرْآنِ / باب (١٤)
أصحاب السنن الثلاثة وأحمد بن خزيمة وابن حبان من حديث عقبة بن عامر، قال لي رسول
الله عَ ◌ّلِ: ﴿قل هو الله أحد﴾ [الإخلاص: ١] و﴿قل أعوذ برب الفلق﴾ [الفلق: ١] و﴿قل
أعوذ برب الناس﴾ [الناس: ١] تعوّذ بهن فإنه لم يتعوذ بمثلهن، وفي لفظ: اقرأ المعوذات دبر
كل صلاة، فذكرهن فإن قلت: التعوذ ظاهر في المعوذتين، وكيف هو في سورة الإخلاص؟
قلت: لأجل ما اشتملت عليه من صفة الرب أطلق عليه المعوذ وإن لم يصرح فيه. ومنهم من
ظن أن التجمع فيه من باب إن أقل الجمع اثنان. وليس كذلك، فافهم.
٥٠١٦/٣٥ _ حدَّثناعبدُ الله بنُ يُوسُفَ أخبرنا مالِكٌ عن ابنِ شِهابٍ عنْ عُرْوَةَ عنْ
عائِشَةَ، رضيَ الله عنهما: أنَّ رسولَ الله عَ لِ كانَ إذا اشْتَكَى يَقْرَأُ عَلَى نَفْسِهِ بالمُعَوِّذَاتِ
ويَنْفُثُ فَلَمَّا اشْتَدَّ وجعَهُ كُنْتُ أَقْرَأُ عَلَيْهِ وأمْسَحُ بِيَدِهِ رَجَاءَ بَرَكَتِها. [انظر الحديث ٤٤٣٩
وطرفيه].
مطابقته للترجمة ظاهرة.
والحديث أخرجه مسلم في الطب عن يحيى بن يحيى. وأخرجه أبو داود فيه عن
القعنبي. وأخرجه النسائي في الطب وفي التفسير وفي اليوم والليلة عن قتيبة. وأخرجه ابن
ماجه في الطب عن سهل بن أبي سهل وعن غيره.
قوله: ((إذا اشتكى) أي: إذا مرض قوله: ((ينفث)) من النفث وهو إخراج الريح من الفم
مع شيء من الريق.
٣٦/ ٥٠١٧ _ حدَّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعيدٍ حدثنا المُفَضَّلُ عنْ عُقَيْلٍ عنِ ابنِ شِهابٍ عنْ
عُرْوَةَ عنْ عَائِشَةَ: أنَّ النبيَّ عَّ لِ كَانَ إذَا أَوَى إلى فِرَاشِهِ كلَّ لَيْلةٍ جَمَعَ كَفَّيْهِ ثُمَّ نَفَثَ فِيهما
فَقَرَأْ فِيهِما: ﴿قل هو الله أحد﴾ [الإخلاص: ١] و﴿قل أعوذ برب الفلق﴾ [الفلق: ١] و
﴿قل أعوذ برب الناس﴾ [الناس: ١] ثُمَّ يَمْسَحُ بِهما ما اسْتَطاعَ مِنْ جَسَدِهِ يَبْدَأُ بِهِما علَى
رَأْسِهِ وَوَجْهِهِ وما أقْبَلَ مِنْ جَسَدِهِ يَفْعَلُ ذُلِكَ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ.
مطابقته للترجمة ظاهرة. أخرجه عن قتيبة بن سعيد عن المفضل على صيغة اسم
المفعول من التفضيل ابن فضالة بفتح الفاء وتخفيف المعجمة، وهذا الحديث غير الحديث
الأول، وجعلهما أبو مسعود الدمشقي حديثاً واحداً وعاب ذلك عليه أبو العباس الطرقي وفرق
بينهما في كتابه، وكذا فعله خلف الواسطي، وأجدر به أن يكون صواباً لتباينهما.
قوله: ((إذا أوى))، يقال: أويت إلى منزلي، بقصر الألف، وأويت غيري وآويته بالقصر
والمد. وأنكر بعضهم المقصور المتعدي، وأبى ذلك الأزهري فقال: هي لغة فصيحة. قوله:
((يبدأ بهما)). إلخ. وعلم المبتدأ من لفظ: يبدأ، وأما المنتهى فلا يعلم إلاّ من مقدر تقديره: ثم
لم يقل به أحد ولا فائدة فيه. ولعله سهو من الراوي، والنفث ينبغي أن يكون بعد التلاوة
ليوصل بركة القرآن إلى بشرة القارىء أو المقروء له، وأجاب الطيبي عنه: بأن الطعن فيما
صحت روايته لا يجوز، وكيف والفاء فيه مثل ما في قوله تعالى: ﴿فإذا قرأت القرآن فاستعذ﴾

٥٠
٦٦ - كِتابُ فَضائِلِ القُرْآنِ / باب (١٥)
[النحل: ٩٨] فالمعنى: جمع كفيه ثم عزم على النفث فيه أو لعل السر في تقديم النفث فيه
مخالفة السحرة، والله أعلم.
١٥ - بابُ نُزُولِ السَّكِينَةِ وَالمَلائِكَة عِنْدَ قِرَاءَةِ القُرْآنِ
أي: هذا باب في بيان كيفية نزول السكينة، وعطف عليها الملائكة. قيل: جمع
بينهما وليس في حديث الباب ذكر السكينة، ولا في حديث البراء السابق في فضل سورة
الكهف ذكر الملائكة، ووجه ذلك ما قاله أبو العباس بن المنير: فهم البخاري تلازمهما،
وفهم من الظلة أنها السكينة، فلهذا ساقها في الترجمة. وقال ابن بطال: دل على أن السكينة
كانت في تلك الظلة وأنها تنزل أبداً مع الملائكة.
٣٧/ ٥٠١٨ _ وقال اللَّيْثُ: حدّثني يَزِيدُ بنُ الهَادِ عنْ مُحَمَّدِ بنِ إِبْرَاهِيمَ عنْ أُسَيْدِ بنِ
حُضَيْرٍ قال: بَيْنَمَا هُوَ يَقْرَأُ مِنَ اللَّيْلِ سُورَةَ البَقَرَةِ وفَرَسُهُ مَرْبُوطٌ عنْدَهُ، إذْ حالَتِ الْفَرَسُ
فَسكَتَ فسَكَنَتْ. فَقَرَأْ، فَجَالَتِ الفَرَسُ فَسكَتَ فَسكَنَتِ الفَرَسُ، ثُمَّ قَرَأْ فَجَالَتِ الفَرَسُ،
فَانْصَرَفَ وكانَ ابْنُهُ يَحْيَى قَرِيباً منْها فَأَشْفَقَ أن تُصِيبَهُ، فَلمَّا اجْتَرَّهُ رفَعَ رأسَهُ إلى السَّماءِ
حتى ما يَراها، فَلما أصْبَحَ حَدَّثَ النبي عَّهِ، فقال لهُ: اقْرَأْ يا ابنَ حُضَيْرٍ، قال: فَأَشْفَقْتُ يا
رسُولَ الله أنْ تَطأ يَحْيَى وكان منْها قَرِيباً، فَرَفَعْتُ رأسِي فَانْصَرَفْتُ إليْهِ، فَرَفَعْتُ رأسِي إلى
السّماءِ فإِذا مثْلُ الظُّلَّةِ فيها أمثالُ المَصابِيحِ، فَخَرَجْتُ حتَّى لا أرَاها، قال: وتَدْرِي ما ذَاكَ؟
قال: لا. قال: تِلْكَ المَلائِكَةُ دَنَتْ لصَوْتِكَ، ولَوْ قَرَأْتَ لأَصْبَحَتْ يَنْظُرُ النَّاسُ إليْها لا تَتَوَارَى
مِنْهُمْ.
مطابقته للترجمة من حيث إن البخاري فهم من الظلة السكينة، وأما الملائكة ففي
قوله: ((تلك الملائكة)) ويزيد من الزيادة هو ابن أسامة بن عبد الله بن شداد بن الهاد بحذف
الياء للتخفيف، وسمي بالهاد لأنه كان يوقد ناره للأضياف ولمن سلك الطريق ليلاً، وقال أبو
عمرو: وقيل اسم شداد أسامة بن عمرو وشداد لقب والهاد هو عمرو وقال أبو عمرو وكان
شداد بن الهاد سلفاً لرسول الله عَّه ولأبي بكر الصديق، رضي الله تعالى عنه، لأنه كان
تحت سلمى بنت عميس أخت أسماء بنت عميس وهي أخت ميمونة بنت الحارث لأمها،
وله رواية عن النبي عَّه، سكن المدينة ثم تحول إلى الكوفة، وسلف الرجل زوج أخت
امرأته، ومحمد بن إبراهيم هو التيمي من صغار التابعين ولم يدرك أسيد بن حضير فروايته عنه
منقطعة، لكن الاعتماد في وصل الحديث المذكور على الإسناد الثاني وهو قوله: ((قال ابن
الهاد)» على ما يجيء عن قريب، وهذا الإسناد منقطع ومعلق وصله أبو عبيد في فضائل القرآن
عن يحيى بن بكير عن الليث بالإسنادين جميعاً.
والحديث أخرجه النسائي أيضاً في فضائل القرآن عن محمد بن عبد الله وغيره، وفي
المناقب عن أحمد بن سعيد الرياحي.
قوله: ((بينما)) كلمة بين زيدت فيها ما يضاف إلى الجملة ويحتاج إلى الجواب، وهنا

٥١
٦٦ - كِتَابُ فَضائِلِ القُرْآنِ / باب (١٥)
جوابها هو قوله: ((إذ جالت الفرس)) يقع على الذكر والأنثى ولهذا قال: ((فجالت الفرس))
بالتأنيث وقال في قوله: ((وفرسه مربوط)) بالتذكير. قوله: ((من الليل)) أي: في الليل، ووقع
في رواية إبراهيم بن سعد في رواية مسلم والنسائي: ((بينما هو يقرأ في مربده)) أي في المكان
الذي فيه التمر، فإن قلت: وقع في رواية أبي عبيد أنه كان يقرأ على ظهر بيته، وبينهما تغاير،
قلت: قوله: ((وفرسه مربوط إلى جانبه)) يرد رواية ظهر البيت، إلاّ أن يراد بظهر البيت خارجه
لا أعلاه فينتفي التغاير. فإن قلت: تقدم في باب فضل الكهف: كان رجل يقرأ سورة الكهف
وإلى جانبه حصان، وقد قيل: إن هذا الرجل هو أسيد بن حضير، وإنه كان يقرأ سورة
الكهف. قلت: قال الكرماني: لعله قرأهما يعني السورتين الكهف وسورة البقرة أو كان ذلك
الرجل غير أسيد، هذا هو الظاهر. قوله: ((جالت)) من الجولان وهو الاضطراب الشديد. قوله:
(«قريباً منها)) أي: من الفرس، يعني: كان في ذلك الوقت قريباً منها. قوله: ((فلما اجتره)) بجيم
وتاء مثناة من فوق وراء مشددة، من الاجترار من الجر أي: فلما جر أسيد ابنه يحيى من
المكان الذي هو فيه حتى لا يطأه الفرس رفع رأسه، وفي رواية القابسي: أخره، بخاء معجمة
مشددة وراء من التأخير أي: أخره من الموضع الذي كان فيه خشية عليه. قوله: ((يا ابن
حضير)) وقع مرتين أمره عَّم بالقراءة في الاستقبال والحض عليها، أي: كان ينبغي أن تستمر
على القراءة وتغتنم ما حصل لك من نزول السكينة والملائكة، والدليل على طلب دوام
القراءة جوابه: بأني خفت إن دمت عليها أن يطأ الفرس ولدي. قوله: ((وكان قريباً منها)) أي:
وكان يحيى قريباً من الفرس. قوله: ((مثل الظلة)) بضم الظاء المعجمة: شيء مثل الصفة، فأول
بسحابة تظل. قوله: ((فخرجت)) بلفظ المتكلم. ويروى بلفظ الغائبة، فقيل: صوابه فعرجت
بالعين. قوله: ((دنت)) أي: قربت لصوتك، وكان حسن الصوت وفي رواية الإسماعيلي: اقرأ
أسيد فقد أوتيت من مزامير آل داود. قوله: ((ولو قرأت)» وفي رواية ابن أبي ليلى: أما إنك لو
مضيت. قوله: ((لا تتوارى منهم)) أي: لا تستتر من الناس، وكذا وقع في رواية إبراهيم بن
سعد وفي رواية ابن أبي ليلى: لرأيت الأعاجيب، وفيه جواز رؤية بني آدم الملائكة فالمؤمنون
يرونهم رحمة والكفار عذاباً، لكن بشرط الصلاح وحسن الصوت، والذي في الحديث إنما
نشأ عن قراءة خاصة من سورة خاصة بصفة خاصة، ولو كان على الإطلاق لحصل ذلك لكل
قاریء.
وفيه: فضيلة أسيد، وفضيلة قراءة سورة البقرة في صلاة الليل.
قال ابنُ الهَادِ. حدّثني هذا الحَدِيثَ عبدُ الله بنُ خَبابٍ عن أبي سَعِيدِ الخُذْرِيِّ عنْ
أُسَيْدِ بنِ حُضَيْرٍ
هذا الإسناد الذي عليه العمدة لأن ابن الهاد رواه هنا عن عبد الله بن خباب - على
وزن فعال بتشديد الباء الموحدة - مولى ابن عدي بن النجار الأنصاري عن أبي سعيد
الخدري عن أسيد بن حضير، وهذا التعليق وصله أبو نعيم الحافظ، قال: حدثنا أبو بكر بن

٥٢
٦٦ - كِتابُ فَضائِلِ القُرْآنِ / باب (١٦)
خلاد حدثنا أحمد بن إبراهيم بن ملحان، حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا الليث بن سعد حدثني
یزید بن الهاد.
١٦ - بابُ: مَنْ قال لَمْ يَتْرُكِ النبيُّ عَلَّهِ إِلَّ مَا بَيْنَ الدَّفَتَيْنِ
أي: هذا باب في بيان من قال إلى آخره، وقد ترجم لهذا الباب للرد على الروافض
الذين ادعوا أن كثيراً من القرآن ذهب لذهاب حملته وأن التنصيص على إمامة علي بن أبي
طالب واستحقاقه الخلافة عند موت النبي عَ لَّه كان ثابتاً في القرآن، وأن الصحابة كتموه،
وهذه دعوى باطلة مردودة وحاشا الصحابة عن ذلك. قوله: ((إلاَّ ما بين الدفتين)) أي: القرآن
المكتوب بين دفتي المصاحف، وهي تثنية دفة بفتح الدال وتشديد الفاء قال في
المغرب: الدفة الجنب وكذلك الدف: ومن دفتا السرج للوحين اللذين يقعان على جنبي
الدابة، ودفتا المصحف اللتان ضمتاه من جانبيه، والمراد به ههنا الجلدان اللذان بين جانبيٍ
المصحف، وقيل: ترك من الحديث أكثر من القرآن. وأجيب: بأنه ما ترك مكتوباً بأمره إلاّ
القرآن. وقيل: قد تقدم في باب كتابة العلم. من حديث الشعبي عن أبي جحيفة، قال: قلت
العلي، رضي الله تعالى عنه: هل عندكم كتاب؟ قال: لا إلاَّ كتاب الله، أو فهم أعطيه رجل
مسلم، أو ما في هذه الصحيفة الحديث وأجيب بأنه لعلها لم تكن مكتوبة بأمر رسول الله
صلى الله تعالى عليه وآله وسلم. وقال الكرماني: وقد يجاب بأن بعض الناس كانوا يزعمون
أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، أوصى إلى علي، فالسؤال هو عن شيء يتعلق
بذكر الإمامة فقال: ما ترك شيئاً متعلقاً بذكر الإمامة إلاَّ ما بين الدفتين من الآيات التي
يتمسك بها في الأمة. وهذا حسن وفي التلويح: ((إلاَّ ما بين الدفتين)) يحتمل أنه ما ترك شيئاً
من الدنيا أو ما ترك علماً مسطوراً سوى القرآن العزيز.
٥٠١٩/٣٨ _ حدَّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ حدثنا سُفْيانُ عنْ عَبْدِ العَزِيزِ بنِ رُفَيْعِ قال:
دَخَلْتُ أنا وشَدَّادُ بنُ مَعْقلٍ عَلَى ابنِ عِبَّاسٍ، رضي الله عنهما، فقال لَهُ شدَّادُ بنُ مَعْقلِ: أَتَرَكَ
النبيُّ عَ لّهِ: مِنْ شَيْء؟ قال: ما تَرَكَ إلاَّ ما بَيْنَ الدَّقَّتَيْنِ. قال: ودَخَلْنا علَى مُحَمَّدٍ بِنِ الْحَنِفِيَّة
فَسألْناهُ، فقال: ما تَرَكَ إلاَّ ما بَيْنِ الدَّفَتَيْنِ.
:
مطابقته للترجمة ظاهرة. وقد ذكر هذا الحديث في الاستدلال على الروافض وبيان
بطلان دعواهم بقول محمد بن الحنفية وهو ابن علي بن أبي طالب المعروف بابن الحنفية،
وهي خولة بنت جعفر من بني حنيفة، وكانت سبي اليمامة الذين سباهم أبو بكر الصديق،
رضي الله تعالى عنه، وبقول عبد الله بن عباس: وفيه نكتة لطفية من البخاري حيث استدل
على الروافض في بطلان مذهبهم بمحمد بن الحنفية الذين يدعون إمامته. فلو كان شيء
يتعلق بإمامة أبيه علي بن أبي طالب، رضي الله تعالى عنه، لما كان يسعه كثمانه لجلالة
قدره وقوة دينه، وكذلك استدل بقول ابن عباس: فإنه ابن عم علي بن أبي طالب وأشد الناس
له لزوماً وإطلاعاً على حاله، فلو كان عنده شيء من ذلك ما وسعه كتمانه لكثرة علمه وقوة

٥٣
٦٦ - كِتابُ فَضائِلِ القُرْآنِ / باب (١٧)
دينه وجلالة قدره. وأخرج هذا الحديث عن قتيبة بن سعيد عن سفيان بن عيينة عن عبد
العزيز بن رفيع بضم الراء وفتح الفاء الأسدي المكي، سكن الكوفة ومات بعد الثلاثين ومائة،
وشداد على وزن فعال بالتشديد ابن معقل، بفتح الميم وسكون العين المهملة وكسر القاف
وباللام: الأسدي الكوفي التابعي الكبير من أصحاب ابن مسعود، علي بن أبي طالب، ولم
يقع له ذكر في البخاري إلا في هذا الموضع.
قوله: ((أَترك النبي مَّالِ) الهمزة فيه للاستفهام على سبيل الاستخبار. قوله: ((من
شيء)) في رواية الإسماعيلي: شيئاً سوى القرآن. قوله: ((قال: ودخلنا)) القائل هو عبد العزيز
ابن رفيع.
١٧ - بابُ فَضْلِ القُرْآنِ عَلَى سائِرِ الكَلام
أي: هذا باب في بيان فضل القرآن على سائر الكلام، وقد وقع مثل لفظ هذه الترجمة
في حديث أخرجه ابن عدي من رواية شهر بن حوشب عن أبي هريرة مرفوعاً: فضل القرآن
على سائر الكلام كفضل الله على خلقه في إسناده عمر بن سعيد الأشج وهو ضعيف.
٥٠٢٠/٣٩ - حدَّثنا مُدْبَةُ بنُ خالِدٍ أَبُو خالِدِ حدَّثنا هَمَّامٌ حدثنا قَتَادَةُ حدثنا أَنَسْ عنْ
أبي مُوسى عن النبيَّ عَّلَه، قال: مثَلُ الَّذِي يَقْرَأُ القُرْآنَ كالأُتْرُجَّةِ، طَعْمُها طيِّبٌ ورِيحُها
طَيِّبٌ وَالَّذِي لا يَقْرَأُ القُرْآن كالثَّمْرَةِ طَعْمُها طيِّبٌ ولا ريحَ لَها، ومَثَلُ الْفَاجِرِ الَّذِيَ يِقْرَأُ
القُرْآن كمَثَلِ الرِئْحانَةِ رِيحُها طيّبٌ وطَعْمُها مُرِّ ومَثَلُ الْفَاجِرِ الَّذِي لا يُقْرَأُ القُرْآنَ كمَثَلٍ
الحَنْظَلَةِ، طَغَمُها مُر ولا رِيحَ لَها.
قيل: الحديث في بيان فضل قارىء القرآن، وليس فيه التعرض إلى ذكر فضل القرآن.
قلت: لما كان لقارىء القرآن فضل كان للقرآن فضل أقوى منه، لأنه الفضل للقارىء إنما
يحصل من قراءة القرآن فتأتي مطابقة الحديث للترجمة من هذه الحيثية.
وهمام هو ابن يحيى بن دينار الشيباني البصري.
والحديث فيه رواية تابعي عن صحابي ورواية صحابي عن صحابي وهي رواية قتادة عن
أنس بن مالك عن أبي موسى عبد الله بن قيس الأشعري.
وأخرجه البخاري أيضاً في التوحيد عن موسى بن إسماعيل. وأخرجه مسلم في الصلاة
عن هدبة، وعن غيره وأخرجه أبو داود في الأدب عن مسدد به وعن عبيد الله بن معاذ،
وأخرجه الترمذي في الأمثال عن قتيبة به وأخرجه النسائي في الوليمة وفي فضائل القرآن عن
عبيد الله بن سعيد وفي الإيمان عن عمرو بن علي. وأخرجه ابن ماجه عن محمد بن المثنى
ومحمد بن بشار.
قوله: ((مثل الذي يقرأ القرآن)) إلى آخره اعلم أن هذا التشبيه والتمثيل في الحقيقة
وصف اشتمل على معنى معقول صرف لا يبرزه عن مكنونه إلاّ تصويره بالمحسوس

٥٤
٦٦ - كِتَابُ فَضائِلِ القُرْآنِ / باب (١٧)
المشاهد، ثم إن كلام الله المجيد له تأثير في باطن العبد وظاهره، وإن العباد متفاوتون في
ذلك، فمنهم من له النصيب الأوفر من ذلك التأثير وهو المؤمن القارىء، ومنهم من لا نصيب
له البتة وهو المنافق الحقيقي، ومنهم من تأثر ظاهره دون باطنه وهو المرائي أو بالعكس، وهو
المؤمن الذي لم يقرأه، وإبراز هذه المعاني وتصويرها في المحسوسات ما هو مذكور في
الحديث ولم يجد ما يوافقها ويلائمها أقرب ولا أحسن ولا أجمع من ذلك لأن المشبهات
والمشبه بها واردة على التقسيم الحاضر، لأن الناس إما مؤمن أو غير مؤمن والثاني إما منافق
صرف أو ملحق به، والأول إما مواظب عليها، فعلى هذا قس الأثمار المشبه بها ووجه
التشبيه في المذكورات مركب منتزع من أمرين محسوسین: طعم وريح، وقد ضرب النبي
عَِّ المثل بما تنبته الأرض ويخرجه الشجر للمشابهة التي بينها وبين الأعمال فإنها من
ثمرات النفوس، فخص ما يخرجه الشجر من الأترجة والتمر بالمؤمن، وبما تنبته الأرض من
الحنظلة والريحانة بالمنافق تنبيهاً على علو شأن المؤمن وارتفاع علمه ودوام ذلك، وتوفيقاً
على ضعة شأن المنافق وإحباط عمله وقلة جدواه.
قوله: ((مثل الذي يقرأ)) فيه إثبات القراءة على صيغة المضارع، وفي قوله: ((لا يقرأ))
بالنفي ليس المراد منها حصولها مرة ونفيها بالكلية بل المراد منها الاستمرار والدوام عليها،
وأن القراءة دأبه وعادته وليس ذلك من هجيراه كقولك: فلان يقري الضيف ويحمي الحريم.
قوله: ((كالأترجة))، بضم الهميزة وسكون التاء المثناة من فوق وضم الراء وتشديد الجيم وقد
تخفف، ويروى اترنجة، بالنون الساكنة بعد الراء. وحكى أبو زيد: ترنجة وترنج وترج، وجه
التشبيه بالأترنجة لأنها أفضل ما يوجد من الثمار في سائر البلدان، وأجدى لأسباب كثيرة
جامعة للصفات المطلوبة منها، والخواص الموجودة فيها فمن ذلك كبر جرمها وحسن
منظرها وطيب مطعمها ولين ملمسها تأخذ الأبصار صبغة ولوناً فاقع لونها تسر الناظرين تتوق
إليها النفس قبل التناول تفيد آكلها بعد الالتذاذ بذوقها طيب نكهة ودباغ معدة وهضم اشتراك
الحواس الأربع البصر والذوق والشم واللمس في الاحتظاء بها ثم إن إجزاءها تنقسم على
طبائع: قشرها حار يابس، ولحمها حار ورطب، وحماضها بارد يابس، وبرزها حار مجفف،
وفيها من المنافع ما هو مذكور في الكتب الطبية. قوله: ((ولا ريح لها)) ويروى فيها. قوله:
((ومثل الفاجر)) أي: المنافق. قوله: كمثل الحنظلة طعمها مر ولا ريح لها، ووقع في الترمذي
كمثل الحنظلة طعمها مر وريحها مر. قيل: الذي عند البخاري أحسن لأن الريح لا طعم له إذ
المرارة عرض والريح عرض والعرض لا يقوم بالعرض ووجه هذا بأن ريحها لما كان كريهاً
استعير للكراهة لفظ المرارة لما بينهما من الكراهة المشتركة.
٤٠ /٥٠٢١ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ عنْ يَحيى عنْ سُفْيانَ حدّثني عبْدُ الله بنُ دِينارٍ قال:
سَمِعْتُ ابنَ عُمَرَ رضي الله عنهما، عن النبيِّ عَُّلّه، قال: إَما أجَلُكُمْ في أجَلِ مَنْ خلاً مِنَ
الأَمَم كما بَيْنَ صَلاَةِ العَصْرِ ومَغْرِبِ الشَّمْسِ ومَثَلُكُمْ ومَثَلُ اليَهُودِ والنَّصارَى كَمَثَلِ رَجُلٍ
اسْتَغْمَلَ عُمَّالاً. فقال: مَن يَعْمَلُ لِي إلى نِصْفِ النَّهارِ علَى قِيرَاطٍ فَعَلِمَتِ اليَهُودُ. فقال: منْ

٥٥
٦٦ - كِتابُ فَضائِلِ القُرْآنِ / باب (١٨ و١٩)
يَعمَلُ لِي مِنْ نِصْفِ النَّهارِ إلى العَصْرِ عَلَى قيرَاطِ، فَعَمِلَتِ النَّصارَى، ثُمَّ أَنْتُمْ تَعمَلُونَ مِنَ
العَصْرِ إِلى المَغْرِبِ بِقِيرَاطِيْنَ قِيرَاطَيْنِ. قَالُوا: نَحْنُ أَكْثَرُ عَمَلاً وأقَلُّ عَطاءً. قال: هَلْ ظَلَمْتُكُمْ
مِنْ حَقِّكُمْ؟ قالوا: لا. قال: فَذَاكَ فَضْلي أُوتِيهِ مَنْ شِئْتُ. [انظر الحديث ٥٥٧ وأطرافه].
مطابقته للترجمة ما قيل مع إصلاح الفقير إياه من أن ثبوت فضل هذه الأمة على
غيرها من الأمم بالقرآن الذي أمروا بالعمل به. فإذا ثبت الفضل بالقرآن فضل لا فضل فوقه،
وتأتي المطابقة من هذه الجهة. وإن كان فيه بعض تعسف.
وأخرج الحديث عن مسدد عن يحيى القطان عن سفيان الثوري إلى آخره، وقد مر
الحديث في كتاب مواقيت الصلاة في: باب من أدرك ركعة من العصر، وقد مضى الكلام
فيه هناك مستوفىّ.
١٨ - بابُ الوَصَايَةِ بِكتابِ الله عَزَّ وجَلَّ
أي: هذا باب في بيان الوصاية بكتاب الله عز وجل بالهمزة بعد الألف وبالياء آخر
الحروف وفتح الواو وكسرها، وفي رواية الكشميهني، باب الوصية، والمراد بالوصية بكتاب
الله حفظه حساً ومعنىّ، وإكرامه وصونه، ولا يسافر به إلى أرض العدو، ويتبع ما فيه فيعمل
بأوامره ويجتنب نواهيه ويداوم تلاوته وتعلمه وتعليمه، ونحو ذلك.
٤١ / ٥٠٢٢ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ حدثنا مالِكُ بنُ مِغوَلٍ حدَّثنا طَلْحَةُ قال:
سألْتُ عِبدَ الله بنِ أبي أوْفَى آوْصَى النبيُّ عَّلَّهِ؟ فقال: لا. فَقُلْتُ: كَيْفَ كُتِبَ على النَّاسِ
الوَصِيَّةُ أُمرُوا بِها وَلَمُ يُوصِ؟ قال: أَوْصَى بِكِتابِ الله. [انظر الحديث ٢٧٤٥ وطرفه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((أوصى بكتاب الله)) ومالك بن مغول، بكسر الميم وسكون
الغين المعجمة وفتح الواو، وفي آخره لام: البجلي، وطلحة بن مصرف على وزن اسم فاعل
من التصريف اليامي بالياء آخر الحروف، واسم أبي أوفى علقمة.
والحديث مضى في كتاب الوصايا عن خلاد بن يحيى وفي المغازي عن أبي نعيم،
ومر الكلام فيه هناك.
قوله: ((بكتاب الله)) قيل إنه مناف لقوله: ((لا)) وأجيب بأنه مخصوص بما يتعلق بالمال
أو بأمر الخلافة.
١٩ - بابُ مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالقُرْآنِ
أي: هذا باب في بيان من لم ير التغني بالقرآن. وهذه الترجمة لفظ حديث أخرجه
البخاري في الأحكام من طريق ابن جريج عن ابن شهاب بسند حديث الباب بلفظ: من لم
يتغن بالقرآن فليس منا، وبهذا يحصل الجواب عن قول الكرماني. فإن قلت: الحديث أثبت
التغني بالقرآن، فلم ترجم الباب بقوله: من لم يتغن؟ بصورة النفي، وفي جوابه: هو وهم
وذهول حيث قال. قلت: أما باعتبار ما روي عنه عَّ أنه قال: من لم يتغن بالقرآن فليس منا،

٥٦
٦٦ - كِتابُ فَضَائِلِ القُرْآنِ / باب (١٩)
فأراد الإشارة إلى ذلك الحديث، ولما لم يكن بشرطه لم يذكره انتهى وجه الوهم أنه قال:
ولما لم يكن بشرطه، فكيف يقول ذلك وقد أخرجه البخاري في الأحكام كما ذكرناه؟
ويأتي عن قريب تفسير التغني.
وقَوْلِهِ تعالى: ﴿أَوَ لَمْ يكَفِهِمْ أنّا أنزلنا عليك الكتاب يُتْلی علیھم﴾ [العنكبوت: ٥١]
وقوله تعالى، مجرور عطفاً على قوله: من لم يتغن لأنه في محل الجر بإضافة لفظ
باب إليه، وإنما أورد هذه الآية إشارة إلى أن معنى التغني الاستغناء لأن مضمون الآية الإنكار
على من لم يستغن بالقرآن عن غيره من الكتب السالفة، وهي نزلت في قوم آتوا رسول الله
عَّ له، بكتاب فيه خبر من أخبار الأمم، فالمراد بالآية الاستغناء بالقرآن عن أخبار الأمم، وليس
المراد بها الاستغناء الذي هو ضد الفقر واتبع البخاري الترجمة بهذه الآية ليدل على أن هذا
مذهب في الحديث، وهو موافق لتأويل سفيان، يتغنى به، لكنه حمله على ضد الفقر،
والبخاري حمله على ما هو أعم من ذلك، وهو الاكتفاء مطلقاً.
٤٢ / ٥٠٢٣ - حدَّثنا يَخْتَى بنُ بُكَيْرِ قال: حدّثني اللَّيْثُ عنْ عُقَيْلٍ عنِ ابنِ شِهاب
قال: أخبرني أَبُو سلَمَةَ بنُ عبدِ الرَّحْمنِ عنْ أبي هُرَيْرَةَ، رضي الله عنه، أنَّهُ كان يَقُولُ: قال
رسولُ اللهِ عَّهِ: لَمْ يَأْذَنِ الله لِشَيْء ما أُذِنَ للنبيِّ عَُّلِ أَنْ يَتَغَنَّى بالقرْآنِ.
وقال صاحبٌ لهُ: یریدُ یَجْهَرُ بِهِ.
مطابقته للترجمة ظاهرة ورجاله قد ذكروا غير مرة والحديث من أفراده وأخرجه في
التوحيد أيضاً.
قوله: ((للنبي)) بالنون والباء الموحدة في رواية رواة البخاري كلهم، وفي رواية
الإسماعيلي: لشيء، بالشين المعجمة، وكذا في رواية مسلم في جميع طرقه. قوله: ((ما أذن
للنبي)) بالألف واللام عند أبي ذر، وعن، غيره لنبي، بدون الألف واللام، وقال بعضهم: فإن
كانت محفوظة بالألف واللام فهي للجنس ووهم من ظنها للعهد، وتوهم أن المراد نبينا
عَ لّه، فقال: ما أذن للنبي عَّلَّه، وشرحه على ذلك. قلت: هذا الذي ذكره عين الوهم،
والأصل في الألف واللام أن يكون للعهد خصوصاً في المفرد، وعلى ما ذكره يفسد المعنى
لأنه يكون على هذه الصورة لم يأذن الله لنبي من الأنبياء ما أذن لجنس النبي وهذا فاسد.
قوله: ((أن يبتغى)) كذا في رواية الكل بلفظة: أن وفي رواية أبي نعيم من وجه آخر: عن يحيى
ابن بكير شيخ البخاري فيه بدون: أن وزعم ابن الجوزي أن الصواب حذف ((أن)) وأن إثباتها
وهم من بعض الرواة لأنهم كانوا يروون بالمعنى، فربما ظن بعضهم المساواة فوقع في الخطأ
لأن الحديث لو كان بلفظ أن لكان من الإذن بكسر الهمزة وسكون الذال بمعنى الإباحة
والإطلاق، وليس ذلك مراداً هنا، وإنما هو من الأذن بفتحتين وهو الاستماع. قوله: ((أذن)) أي:
استمع، والحاصل أن لفظة: أذن، بفتحة ثم كسرة في الماضي، وكذا في المضارع مشترك
بين الإطلاق والاستماع تقول: آذنت آذن بالمد، فإن أردت الإطلاق فالمصدر بكسر ثم

٥٧
٦٦ - كِتابُ فَضائِلِ القُرْآنِ / باب (١٩)
سكون، وإن أردت الاستماع فالمصدر أذن بفتحتين وقال القرطبي: أصل الأذن بفتحتين أن
المستمع يميل بأذنه إلى جهة من يسمعه، وهذا المعنى في حق الله لا يراد به ظاهر، وإنما هو
على سبيل التوسع على ما جرى به عرف التخاطب، والمراد به في حق الله تعالى إكرام
القارىء وإجزال ثوابه، لأن ذلك ثمرة الإصغاء.
واختلفوا في معنى التغني، فعن الشافعي: تحسين الصوت بالقرآن، ويؤيده قول ابن أبي
مليكة في سنن أبي داود إذا لم يكن حسن الصوت يحسنه ما استطاع، وقيل: يستغني به،
وكذا وقع في رواية أحمد عن وكيع وقيل: يستغني به عن أخبار الأمم الماضية والكتب
المتقدمة، وقيل: معناه التشاغل به والتغني، وقيل: ضد الفقر، وقيل: من لم يرتح لقراءته
وسماعه، وقال الإمام: أوضح الوجوه في تأويله: من لم يغنه القرآن ولم ينفعه في إيمانه ولم
يصدق بما فيه من وعد ووعيد فليس منا، ومن تأول بهذا التأويل كره القراءة بالألحان
والترجيع، روي ذلك عن أنس وسعيد بن المسيب والحسن وابن سيرين وسعيد بن جبير
والنخعي وعبد الرحمن بن القاسم وعبد الرحمن بن الأسود فيما ذكره ابن أبي شيبة في
كتاب الثواب وقالوا: كانوا يكرهونها بتطريب، وهو قول مالك، وممن قال: المراد به تحسين
الصوت والترجيع بقراءته والتغني بما شاء من الأصوات واللحون الشافعي وآخرون، وذكر عمر
ابن شبة قال: ذكرت لأبي عاصم النبيل تأويل ابن عيينة الذي ذكره عن قريب، فقال: ما
يصنع ابن عيينة شيئاً، حدثنا ابن جريج عن عطاء عن عبيد بن عمير قال: كان لداود عليه
الصلاة والسلام، معزفة يتغنى عليها ويبكي ويبكي، وعن ابن عباس: أنه كان يقرأ الزبور.
بسبعين لحناً ويقرأ قراءة يطرب منها المحموم، فإذا أراد أن يبكي نفسه لم تبق دابة في بر أو
بحر إلا أنصتن يسمعن ويبكين، ومن الحجة لهذا القول أيضاً حديث ابن مغفل في وصف
قراءة رسول الله عَ ◌ّةٍ، وفيه: ثلاث مرات، وهذا غاية الترجيع، ذكره البخاري في الاعتصام،
وسئل الشافعي عن تأويل ابن عيينة، فقال: نحن أعلم بهذا لو أراد الاستغناء لقال: من لم
يستغن بالقرآن، ولكن لما قال: من لم يتغن بالقرآن، علمنا أنه أراد به التغني، وكذلك فسره
ابن أبي مليكة أنه تحسين الصوت، وهو قول ابن المبارك والنضر بن شميل، وممن أجاز
الألحان في القراءة فيما ذكره الطبري عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه، أنه كان يقول
لأبي موسى، رضي الله تعالى عنه: ذكّرنا ربنا، فيقرأ أبو موسى ويتلاحن، وقال مرة: من
استطاع أن يغني بالقرآن غناء أبي موسى فليفعل، وكان عقبة بن عامر، رضي الله تعالى عنه،
من أحسن الناس صوتاً بالقرآن، فقال له عمر، رضي الله تعالى عنه: أعرض علي سورة كذا،
فقرأ عليه فبكى عمر، وقال: ما كنت أظن أنها نزلت، واختاره ابن عباس وابن مسعود، وروي
عن عطاء بن أبي رباح، واحتج بحديث عبيد بن عمير، وكان عبد الرحمن بن الأسود بن
يزيد يتتبع الصوت الحسن في المساجد في شهر رمضان، وذكر الطحاوي عن أبي حنيفة،
رضي الله تعالى عنه، وأصحابه أنهم كانوا يستمعون القرآن بألحان، وقال محمد بن عبد
الحكم رأيت أبي والشافعي ويوسف بن عمرو يسمعون القرآن بألحان، واحتج الطبري لهذا
:

٥٨
٦٦ - كِتابُ فَضائِلِ القُرْآنِ / باب (٢٠)
القول، وأن معنى الحديث: تحسين الصوت، بما روى سفيان عن الزهري عن أبي سلمة عن
أبي هريرة يرفعه: ((ما أذن الله لشيء وما أذن لنبي حسن الترغم بالقرآن))، وقال الطبري:
ومعقول: إن الترنم لا يكون إلاَّ بالصوت إذا حسنه وطرب به وقال أبو عبيد القاسم بن سلام:
تحمل الأحاديث التي جاءت في حسن الصوت على التحزن والتخويف والتشويق، وروى
سفيان عن ابن جريج عن ابن طاوس عن أبيه أنه عَ ليهِ سئل: أي الناس أحسن صوتاً بالقرآن؟
قال: ((الذي إذا سمعته رأيته خشي الله تعالى)) وعند الآجري من حديث عبد الله بن جعفر
عن إبراهيم عن أبي الزبير عن جابر يرفعه: أحسن الناس صوتاً بالقرآن الذي إذا سمعته يقرأ
حسبته يخشى الله عز وجل.
قوله: ((وقال صاحب له)) أي: لأبي سلمة، والصاحب هو عبد الحميد بن عبد الرحمن
بينه الزبيدي عن ابن شهاب في هذا الحديث أخرجه ابن أبي داود عن محمد بن يحيى
الذهلي في الزهريات من طريقه بلفظ: ((ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي يتغنى بالقرآن))، قال ابن
شهاب: أخبرني عبد الحميد بن عبد الرحمن عن أبي سلمة يتغنى بالقرآن يجهر به، فكأن
هذا التفسير لم يسمعه ابن شهاب من أبي سلمة، وسمعه من عبد الحميد عنه فكان تارة
يسميه وتارة ببهمه، وقال الكرماني: يجهر به معناه بتحسين صوته وتحزينه وترقيقه، ويستحب
ذلك ما لم تخرجه الألحان عن حد القراءة فإن أفرط حتى زاد حرفاً أو أخفى حرفاً فهو
حرام.
٤٣ / ٥٠٢٤ _ حدَّثنا علِيُّ بنُ عبدِ الله حدثنا سُفْيانُ عنِ الزُّهْرِيِّ عنْ أَبي سلَمَةَ بن
عبْدِ الرَّحْمنِ عنْ أبي هُرَيْرَةَ عنِ النبيِّ عَّله، قال: ما أذنَ الله لِشَيْء ما أذِن لِلنبيِّ أَنْ يَتَغَنَّى
بالقُرْآنِ. قال سُفْيانُ: تَفْسِيرُهُ يَسْتَغْنِي بِهِ. [انظر الحديث ٥٠٢٣ وطرفيه].
هذا طريق آخر في حديث أبي هريرة المذكور أخرجه عن علي بن أبي عبد الله بن
المديني عن سفيان بن عيينة عن ابن شهاب الزهري إلى آخره. قوله: ((قال سفيان))، هو ابن
عيينة الراوي تفسيره أي تفسير قوله: ((يتغنى يستغني به)) وقد مر الكلام فيه عن قريب.
٢٠ - بابُ اغْتِباطِ صاحِبِ القُرْآنِ
أي: هذا باب في بيان اغتباط صاحب القرآن، والاغتباط من الغبطة وهو حسد خاص،
يقال: غبطت الرجل أغبطه غبطاً إذا اشتهيت أن يكون لك مثل ماله، وأن يدوم عليه ما هو
فيه، وحسدته أحسده حسداً إذا اشتهيت أن يكون لك مثله، وأن يزول عنه ما هو فيه،
واعترض على هذه الترجمة بأن صاحب القرآن لا يغتبط نفسه بل يغتبطه غيره، وأجاب عنه
بعضهم بأن الحديث لما كان دالاً على أن غير صاحب القرآن يغتبط صاحب القرآن بما أعطيه
من العمل بالقرآن، فاغتباط صاحب القرآن بعمل نفسه أولى. قلت: هذا ليس بذاك، وكيف
يوجه هذا الكلام وقد علم أن الغبطة اشتهاء مثل ما أعطى فلان مثلاً، وكيف يتصور اغتباط
من أعطي مثل ما أعطى غيره، والأحسن فيه أن يقدر في الترجمة محذوف تقديره: باب

٥٩
٦٦ - كِتابُ فَضائِلِ القُرْآنِ / باب (٢٠)
اغتياط الرجل صاحب القرآن، ولا يحتاج إلى تعسفات بعيدة.
٤٤ / ٥٠٢٥ _ حدَّثنا أبو اليَمانِ أخبرنا شُعَيْبٌ عن الزُّهْريِّ قال: حدّثني سالِمُ بنُ عبد
الله أنَّ عبْدَ الله بنَ عُمرَ رضي الله عنهما: قال: سَمِعْتُ رسولَ الله عَّهِ يَقُولُ: لا حَسَدَ إلاَّ
عَلَى الْتَتَيْنِ رَجُلٌ آتاهُ الله الكِتابَ وقامَ بِهِ آناءَ اللَّيْلِ، وَرَجُلٌ أَعْطَاهُ الله مالاً فَهْوَ يَتَصَدَّقُ بِهِ
آناءَ اللَّيْلِ وآناءَ النَّهارِ.
مطابقته للترجمة في قوله: ((لا حسد إلا على اثنين))، فإن المراد بالحسد هنا الحسد
الخاص وهو الغبطة، تدل عليه الترجمة، وأبو اليمان الحكم بن نافع. والحديث من أفراده.
قوله: ((لا حسد)) أي: لا رخصة في الحسد إلاَّ في خصلتين، قيل: الحسد قد يكون
في غيرهما فما معنى الحصر؟ وأجيب بأن المقصود: لا حسد جائز في شيء من الأشياء إلاّ
فيهما وقيل: أريد بالحسد شدة الحرص والترغيب. قوله: ((إلاّ على اثنتين))، وكذا في
حديث أبي هريرة الآتي، وكلمة على تأتي بمعنى: في، كما في قوله تعالى: ﴿ودخل المدينة
على حين غفلة﴾ [القصص: ١٥] ﴿واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سيلمان﴾ [البقرة:
١٠٢] أي: في ملكه. قوله: ((آناء الليل)) الآناء جمع أني مثل معي، قاله الأخفش، وقيل: أنى
وأنو. يقال: مضى أنيان من الليل وأنوان، وآناه الليل ساعاته ولم يذكر فيه النهار وفي
مستخرج أبي نعيم، من طريق أبي بكر بن زنجويه عن أبي اليمان شيخ البخاري فيه: آناء
الليل وآناء النهار، وكذا أخرجه الإسماعيلي من طريق إسحاق بن يسار عن أبي اليمان، وكذا
هو عند مسلم من وجه آخر عن الزهري، والمراد بالقيام بالكتاب العمل به.
٤٥ /٥٠٢٦ _ حدَّثْنا عَلِيُّ بِنُ إبرَاهِيمَ حدثنا رَوْعٌ حدثنا شُعْبَةُ عنْ سُلَيْمانَ سَمِعْتُ
ذَْوَانَ عِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ الله عَ لَِّ، قال: لا حَسَدَ إلاّ في اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ عَلَّمَهُ الله
القُرْآنَ فَهُوَ يَتْلُوهُ آناءَ اللّيْلِ وآناءَ النَّهارِ فَسَمِعَهُ جارٌّ لَهُ فِقال: لَيْتَنِي أُوتِيتُ مِثْلَ ما أُوتِي
فُلاَنٌ فَعَمِلْتُ مِثْلَ ما يَعْمَلُ، وَرَجُلٌ آتاهُ الله مالاً فَهْوَ يُهْلِكُهُ في الحَقِّ، فقال رجُلٌ: لَيْتَنِي
أُوتِيتُ مِثْلَ ما أُوتِيَ فُلاَنْ فَعَمِلْتُ مِثْلَ ما يَعْمَلُ بِهِ.
مطابقته للترجمة ظاهرة، وعلي بن إبراهيم شيخ البخاري اختلف فيه فقيل: هو
الواسطي في قول الأكثرين واسم جده عبد المجيد اليشكري وهو ثقة متقن عاش بعد
البخاري نحو عشرين سنة، وقيل: هو علي بن الحسين بن إبراهيم نسب إلى جده، وبهذا
جزم ابن عدي، وقال الدارقطني وابن منده: هو علي بن عبد الله بن إبراهيم، نسب إلى جده،
وقال الحاكم: قيل: هو علي بن إبراهيم المروزي وهو مجهول، وقيل: الواسطي، وروح هو
ابن عبادة، وسليمان هو الأعمش، وذكوان بفتح الذال المعجمة هو أبو صالح السمان.
والحديث أخرجه النسائي في الفضائل عن محمد بن المثنى.
قوله: ((أوتيت)) في الموضعين، وأوتي كذلك كلها على صيغة المجهول. قوله:
((يهلكه)) بضم الياء من الإهلاك. قوله: ((في الحق))، قيد لأنه إذا كان في غير الحق فلا

٦٠
٦٦ - كِتابُ فَضائِلِ القُرْآنِ / باب (٢١)
غبطة فيه والله أعلم.
٢١ - بابٌ: خَيْرُكُمْ مِنْ تَعَلَّمَ القُرْآنَ وَعَلَّمَهُ
أي: هذا باب يذكر فيه خيركم من تعلم القرآن وعلمه ووضع الترجمة من نفس
الحديث.
٤٦/ ٥٠٢٧ - حدَّثنا حَجَّاجُ بنُ مِنْهالٍ حدثنا شُعْبَةُ قال: أخبرَني عَلْقَمَةُ بنُ مَرْئَدٍ
سَمِعْتُ سَعْدَ بنَ عُبَيْدَةَ عِنْ أبي عبْدِ الرَّحْمنِ السَّلَمِيِّ عنْ عُثْمانَ، رضي الله عنهُ، عن النبيِّ
عَ لَّهِ، قال: خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ القَرْآنَ وعَلَّمَهُ.
الترجمة والحديث واحد. وعلقمة بن مرثد، بفتح الميم وسكون الراء وفتح المثلثة
وبالدال المهملة: الحضرمي الكوفي، وسعد بن عبيدة أبو حمزة الكوفي السلمي ختن أبي
عبد الرحمن واسمه عبد الله بن حبيب بن ربيعة بالتصغير السلمي الكوفي القارىء، لأبيه
صحبة.
والحديث أخرجه البخاري أيضاً عن أبي نعيم عن سفيان، وأخرجه أبو داود في الصلاة
عن حفص بن عمرو وأخرجه الترمذي في فضائل القرآن عن محمود بن غيلان وغيره وأخرجه
النسائي فيه عن أبي قدامة السرخسي وغيره. وأخرجه ابن ماجه في السنة عن محمد بن بشار
به وغيره وهنا أدخل شعبة بين علقمة وأبي عبد الرحمن بن سعد بن عبيدة. وفي الحديث
الآتي خالف الثوري شعبة ولم يدخله بينهما، وقد تابع شعبة جماعة وعدهم الحافظ أبو
العلاء الحسن بن أحمد العطار في كتابه الهادي في القراءات فوق الثلاثين منهم عبد بن
حميد وقيس بن الربيع، قال: وقد تابع سفيان أيضاً جماعة وعدهم فوق العشرين، منهم:
مسعر وعمرو بن قيس الملائي وأخرج البخاري الطريقين، فكأنه ترجح عنده أنهما جميعاً
محفوظان: ورجح الحافظ رواية الثوري، وعدوا رواية شعبة من المزيد في متصل الأسانيد،
ويحمل على أن علقمة سمعه أولاً من سعد ثم لقي أبا عبد الرحمن فحدثه به أو سمعه مع
سعد من أبي عبد الرحمن، فثبت فيه سعد.
وعلل أبو الحسن القشيري هذا الحديث بثلاث علل: الأولى: الاختلاف المذكور.
الثانية: وقف من وقفه، وإرسال من أرسله. الثالثة: ما روي عن شعبة أنه قال: لم يسمع أبو
عبد الرحمن من عثمان، وقيل لأبي حاتم: أسمع من عثمان قال: روي عنه لا يذكر سماعاً.
وأجيب عن الأولى: بأنه لا يوجب القدح في الحديث لأنا نعلم أن سفيان وشعبة إذا اختلفا
في الحديث فالحديث حديث سفيان. قال وكيع: روى شعبة حديثاً فقيل له: إن سفيان
يخالفك فيه، قال: دعوا حديثي، سفيان أحفظ مني وعن الثانية: إن الاعتلال بالوقف
والإرسال ليس بقادح لأن الزيادة عن الحافظ الثقة مقبولة إجماعاً. وعن الثالثة: بأن بعضهم
قالوا: إن الأكابر من الصدر الأول قالوا: إن أبا عبد الرحمن قرأ القرآن على عثمان وعلي رضي
الله تعالى عنهما،، فإن قلت: روى أبو الحسن سعيد بن سلام العطار البصري هذا الحديث