Indexed OCR Text

Pages 161-180

١٦١
٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ / سورَةُ البَقَرَةِ
من التزويج بزوج آخر ثم نسخ هذا أن الحكمان إما وجوب العدة في السنة فبقوله: ﴿يتربصن
بأنفسهن أربعة أشهر وعشراً﴾ وقيل: نسخ ما زاد فيه، وأما وجوب النفقة والسكنى فمنسوخ
بتقدير نصيبها من الميراث، وقيل: ليس فيها نسخ، وإنما هو نقصان من الحول وقال
الزمخشري: كيف نسخت الآية المتقدمة المتأخرة. قلت: قد تكون الآية متقدمة في التلاوة
وهي متأخرة في التنزيل، كقوله عز وجل: ﴿سيقول السفهاء﴾ مع قوله: ﴿قد نرى تقلب
وجهك في السماء﴾.
٤٥٣١/٥٤ - حدَثنا إِسْحَاقُ حدَّثنا رَوْعٌ حدَّثنا شِبْلٌ عنِ ابنِ نَجيحِ عنْ مُجاهِد
﴿وَالَّذِينَ يُتَوَّفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً﴾ قَالَ كَانَتْ هذِهِ العِدَّةُ تَعْتَدُ عِنْدَ أَهْلِ زَوْجِها واجِبٌ
فَأَنْزَلَ الله: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَّفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً وَصِيَّة لِأَزْوَاجِهِمْ متاعاً إلَى الحَوْلِ غَيْرَ
إِخْراجٍ فَإِنْ خَرَجْنٌ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعْلنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ﴾. قَالَ جَعَلَ الله لَهَا
تَمَامَ الْسَّنَةِ سَبْعَةَ أَشْهُرٍ وَعِشْرِينَ لَيْلَةً وَصِيَّةً إِنْ شَاءَتْ سَكَنَتْ فِي وَصِيَّتِها وَإنْ شاءَت خَرَجَتْ
وَهُوَ قَوْلُ الله تَعَالَى: ﴿غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جناحَ عَلَيْكُمْ﴾ فَالْعِدَّةُ كَمَا هِيَ وَاجِبٌ
عَلَيْها زَعَمَ ذَلِكَ عَنْ مُجَاهِدٍ [الحديث ٤٥٣١ - طرفه في ٥٣٤٤].
قوله: حدثني، ويروى: حدثنا إسحاق. قيل: هو ابن راهويه، وقال صاحب (التوضيح)
وإسحاق هو ابن إبراهيم، كما حدث به في الأحزاب أو إسحاق بن منصور كما حدث به في
الصلاة وغيرها، وروح بفتح الراء ابن عبادة، بضم العين وتخفيف الباء الموحدة، وشبل،
بكسر الشين المعجمة وسكون الباء الموحدة وباللام: ابن عباد، بفتح العين المهملة وتشديد
الباء الموحدة، وابن أبي نجيح هو عبد الله بن أبي نجيح المكي.
قوله: ((كانت هذه العدة))، أشار به إلى ما في قوله تعالى: ﴿والذين يتوفون منكم
ويذرون أزواجاً يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشراً﴾ قوله: ((فأنزل الله: ﴿وَالذين يتوفون﴾))،
في الآية ذكرها ثم قال: ((جعل الله لها)) أي: للمعتدة المذكورة في الآية الأولى ((تمام السنة))
وبحسب الوصية فإن شاءت قبلت الوصية وتعتد في بيت أهل الزوج إلى التمام، وإن شاءت
اكتفت بالواجب، وهذا يدل على أن مجاهداً لا يرى نسخ هذه الآية أعني قوله: ((ويذرون
أزواجاً وصية لأزواجهم)) إلى آخرها وعند الأكثرين هذه الآية منسوخة بالآية التي هي قوله:
﴿يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشراً﴾. قوله: ((وصية))، منصوب بتقدير: والذين يتوفون
يوصون وصية، أو ألزم الذين يتوفون وصية، ويدل عليه قراءة عبد الله كتب عليكم الوصية
لأزواجكم، وقرىء وصية بالرفع بتقدير: وحكم الذين يتوفون وصية، يعني: قبل أن يحتضروا.
قوله: ((لأزواجهم))، أي: لزوجاتهم. قوله: ((متاعاً)، نصب بتقدير: يوصون متاعاً أو بتقدير:
متعوهن متاعاً وقراءة أبي: متاع لأزواجهم متاعاً، فعلى هذا نصب متاعاً بقوله: متاع لأنه في
معنى: التمتيع. قوله: ((غير إخراج))، حال من الأزواج أي: غير مخرجات، أو بدل من: متاعاً.
وحاصل المعنى: وحق الذين يتوفون عن أزواجهم أن يوصوا قبل أن يحتضروا بأن تتمتع
أزواجهم بعدهم حولاً كاملاً. أي: ينفق عليهن من تركته ولا يخرجن من مساكنهن، وكان
عمدة القاري/ ج١٨ م١١

١٦٢
٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ / سورَةُ البَقَرَةِ
ذلك في أول الإسلام ثم نسخت المدة. بقوله: ﴿أربعة أشهر وعشراً﴾ [البقرة: ٢٣٤]
ونسحت النفقة بالإرث الذي هو الربع أو الثمن، وهذا عند الجمهور غير مجاهد كما ذكره
الآن. قوله: ((فالعدة))، كما هي واجب عليها وهي الأربعة الأشهر والعشر. قوله: ((زعم ذلك
عن مجاهد))، قائل هذا هو شبل بن عباد الراوي، والضمير في: زعم، يرجع إلى ابن أبي
نجيح الراوي عن مجاهد.
وَقَالَ عَطَاءٌ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ نَسَخَتْ هُذِهِ الآيَةُ عِدَّتَهَا عِنْدَ أَهْلِها فَتَعْتَدُّ حَيْثُ شَاءَتْ
وَهُوَ قَوْلُ الله تَعَالَى: ﴿غَيْرَ إِخْرَاجِ﴾ [البقرة: ٢٤].
أي: قال عطاء بن أبي رباح: قيل: هذا عطف على قوله: عن مجاهد، وهو من رواية
ابن أبي نجيح عن عطاء، ووهم من زعم أنه معلق. قلت: ظاهره التعليق، إذ لو كان عطفاً
لقال: وعن عطاء، وقد روى أبو داود قال حدثنا أحمد بن محمد المروزي، قال: حدثنا
موسى بن مسعود. قال: حدثنا شبل عن ابن أبي نجيح. قال: قال عطاء: قال ابن عباس إلى
آخر ما ذكر هنا.
قَالَ عَطَاءٌ إِنْ شَاءَتِ اعْتَدَتْ عِنْدَ أَهْلِهِ وَسَكَنَتْ فِي وَصِيَّتها وَإِنْ شَاءَتْ خَرَجَتْ
لِقَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ﴾. قَالَ عَطَاءٌ ثُمَّ جَاءَ المِيرَاثُ فَتَسَغَ
السُّكْنَى فَتَعْتَّدُ حَيْثُ شَاءَتْ وَلا سَكْنَى لَهَا.
هذا من عطاء كالتفسير لما رواه عن ابن عباس، وكذا ذكر أبو داود حيث قال: قال
عطاء: إن شاءت إلى آخره، بعد أن ذكر ما رواه عن ابن عباس.
وَعَنْ مُحَمَّد بنِ يُوسُفَ حدَّثْنا وَرْقَاءُ عَنْ ابنِ أَبِي نَجِيحِ عَنْ مُجاهِدٍ بِهَذَا
هذا يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون هذا مدرجاً في رواية إسحاق الذي تقدم عن
روح بن شبل، واختاره بعضهم حيث قال: وعن محمد بن يوسف معطوفاً على قوله أخبرنا
روح. قال صاحب (التلويح) وفيه بعد. والثاني: أن يكون البخاري علقه عن شيخه محمد بن
يوسف الفريابي عن ورقاء مؤنث الأورق بن عمرو الخوارزمي عن عبد الله بن أبي نجيح عن
مجاهد، فإن كان كذا فقد وصله أبو نعيم سليمان بن أحمد عن عبد الله بن محمد بن سعيد
ابن أبي مريم عن الفريابي. عن ورقاء، فذكره.
وَعَنِ ابْنٍ أَبِي نَجِيحٍ عنْ عَطَاءٍ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ نَسَخَتْ هُذِهِ الآيَةُ عِدَّتَها فِي
أهْلِها فَتَعْتَدُّ حَيْثُ شَاءَتْ لِقَوَّلِ الله ﴿غَيْرَ إِخْرَاجِ﴾ نَخوَهُ.
هذا أيضاً يحتمل الوجهين المذكورين، والأظهر هو الوجه الثاني أنه روي عن عبد الله
ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس، والحاصل أن ابن أبي نجيح روى عن مجاهد
وحده وقوفاً عليه، وروى أيضاً عن عطاء عن ابن عباس. قوله: ((نحوه))، أي: نحو ما روي
فيما مضى عن مجاهد.

١٦٣
٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ / سورَةُ البَقَرَةِ
٥٥/ ٤٥٣٢ - حدَثنا حِبَّانُ حدَّثنا عَبْدُ الله أخبرنا عَبْدُ الله بنُ عَوْنٍ عَنْ مُحَمَّدٍ بنِ
سِيرِينَ قَالَ جَلَسْتُ إلَى مَجْلِسٍ فِيهِ عُظْمٌ مِنَ الأَنْصَارِ وَفِيهِمْ عَبْدُ الرَّحمنِ بنُ أبِي لَيْلَى
فَذَكَرْتُ حَدِيثَ عَبْدِ اللهِ بنِ عُثْبَةَ فِي شَأْنِ سُبَيْعَةً بِنْتِ الحَارِثِ فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمِنِ وَلَكِنَّ
عَمَّهُ كَانَ لا يَقُولُ ذُلِكَ فَقُلْتُ إِنِّي لَجَرِيءٌ إِنْ كَذَبْتُ عَلَى رَجُلٍ فِي جَانِبِ الكُوفَةِ وَرَفَعَ
صَوْتَهُ قَالَ ثُمَّ خَرَجْتُ فَلَقِيتُ مَالِكَ بنَ عَامِرٍ أَوْ مَالِكَ بنَ عَوْفٍ قُلْتُ كَيْفَ كَانَ قَوْلُ ابنٍ
مَسْعُودٍ فِي المُتَوَفَّى عَنْها زَوْجَها وَهِيَ حَامِلٌ فَقَالَ قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ أَتَجْعَلُونَ عَلَيْهَا التَّغْلِيظَ
وَلا تَجْعَلُونَ لَهَا الرُّخْصَةَ فَزَلَتْ سُورَةُ النِّسَاءِ القُصْرَى بَعْدَ الطُّولَى.
مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: ((أتجعلون عليها التغليظ)) إلى آخره. وحبان، بكسر
الحاء المهملة وتشديد الباء الموحدة: ابن موسى المروزي، وعبد الله هو ابن المبارك
المروزي، وعبد الله بن عون بن أرطبان البصري.
قوله: ((فيه عظم) بضم العين وسكون الظاء، وهو جمع عظيم، وأراد به عظماء
الأنصار، وعبد الرحمن بن أبي ليلى واسمه يسار أبو عيسى الكوفي، وقال عطاء بن السائب
عن عبد الرحمن بن أبي ليلى: أدركت عشرين ومائة من أصحاب النبي عَّةِ، كلهم من
الأنصار. قوله: ((فذكرت حديث عبد الله بن عتبة)) بضم العين المهملة وسكون التاء المثناة
من فوق ابن مسعود الهذلي ابن أخي عبد الله بن مسعود، ذكره العقيلي في (الصحابة) قال
أبو عمر: فغلط، وإنما هو تابعي أو من كبار التابعين بالكوفة، وهو والد عبيد الله بن عبد الله بن
عتبة الفقيه المدني الشاعر شيخ ابن شهاب، استعمله عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه،
وذكره البخاري في التابعين، ولد في حياة النبي عَّهِ، فأتى به فمسحه بيده ودعا له، وكان
إذ ذاك غلاماً خماسياً أو سداسياً. قوله: ((سبيعة بنت الحارث)) بضم السين المهملة وفتح
الباء الموحدة مصغر سبعة الأسلمية. كانت امرأة سعد بن خولة فتوفي عنها بمكة، فقال لها أبو
السنابل بن بعكك إن أجلك أربعة أشهر وعشراً وكانت قد وضعت بعد وفاة زوجها بليال،
قيل: خمس وعشرين ليلة؟ وقيل: أقل من ذلك، فلما قال لها أبو السنابل ذلك أتت النبي
عَّالِ، فأخبرته، فقال لها: قد حللت فانكحي من شئت، وبعضهم يروي: إذا أتاك من ترضين
فتزوجي. قوله: ((ولكن عمه)) أي عم عبد الله بن عتبة، وهو عبد الله بن مسعود. قوله: ((لا
يقول ذلك)) أي: لا يقول ما قيل في شأن سبيعة الأسلمية، وقد ذكرنا الآن ما قال لها أبو
السنابل. قوله: ((فقلت إني لجريء)) أي: صاحب جراءة غير متسحي. قوله: ((على رجل
في جانب الكوفة)) أراد به عبد الله بن عتبة وكان سكن الكوفة ومات بها في زمن عبد
الملك بن مروان. قوله: ((قال ثم خرجت))، أي: قال محمد بن سيرين. قوله: ((فلقيت مالك
ابن عامر)) الهمداني، يكنى بأبي عطية قال الكرماني الصحابيّ باختلاف، وقال الذهبي: مالك
ابن عامر الوداعي تابعي كوفي، يقال أدرك الجاهلية. قوله: ((أو مالك بن عوف))، شك من
الراوي، وهو مالك بن عوف بن نضلة بن جريج بن حباب الجشمي صاحب ابن مسعود.
قوله: ((وهي حامل))، الواو فيه للحال. قوله: ((أتجعلون عليها التغليظ))؟ أي: طول العدة

١٦٤
٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرآنِ / سورَةُ البَقَرَةِ
بالحمل إذا زادت مدته على مدة الأشهر. وقد يمتد ذلك حتى تجاوز تسعة أشهر إلى أربع
سنين أي: إذا جعلتم التغليظ عليها فاجعلوا لها الرخصة إذا وضعت أقل من أربعة أشهر. قوله:
(نزلت))، اللام فيه للتأكيد. قوله: ((سورة النساء القصرى))، وهي سورة الطلاق، وفيها
﴿وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن﴾ [الطلاق: ٤]. قوله: ((بعد الطولى))، ليس
المراد منها سورة النساء، وإنما المراد السورة التي هي أطول جميع سور القرآن يعني سورة
البقرة، وفيها: ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشراً﴾
[البقرة: ٢٣٤] وقال الخطابي: حمل ابن مسعود على النسخ أي جعل ما في الطلاق ناسخاً
لما في البقرة، وكان ابن عباس يجمع عليها العدتين فتعتد أقصاهما وذلك لأن إحداهما ترفع
الأخرى، فلما أمكن الجمع بينهما جمع، وأما عامة الفقهاء فالأمر عندهم محمول على
التخصيص لخبر سبيعة الأسلمية.
وَقَالِ أَيُِّبُ عِنْ مُحَمَّدٍ لَقِيتُ أَبَا عَطِيَّةَ مَالِك بنَ عَامِرٍ
أي قال أيوب السختياني عن محمد بن سيرين إنه قال: لقيت أبا عطية مالك بن عامر،
يعني: لم يشك فيه.
٤٢ - بابُ: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨]
أي: هذا باب فيه قوله تعالى: ﴿حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى﴾ أي:
الوسطى بين الصلوات، والوسطى تأنيث الأوسط، والأوسط الأعدل من كل شيء، وليس
المراد منه التوسط بين الشيئين لأن الوسطى على وزن: فعلى، للتفضيل. وقال الزمخشري أي:
الفضلى، من قولهم للأفضل الأوسط، وإنما أفردت وعطفت على الصلوات لانفرادها بالفضل
وهي صلاة العصر عند الأكثرين وقد بسطنا الكلام فيه في (شرح كتاب الطحاوي).
٥٦/ ٤٥٣٣ - حدَثنا عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ حدَّثنا يَزِيدُ أُخْبَرَنا هِشامٌ عنْ مُحَمَّدٍ عَنْ
عَبِيدَةَ عنْ عَلِيٍّ رضي الله عنهُ قال النبيُّ عَلِ.
وحدثني عبْدُ الرَّحْمنِ يَحْيَى بنُ سَعيدٍ قال هِشامٌ حدَّثنا مُحَمَّدٌ عَنْ عَبِيدَةَ عنْ عَلِيّ
رضي الله عنه أنّ النبيَّ عَلَِّ قالَ يَوْمَ الخَنْدَقِ حَبَسُونا عَنْ صَلاة الوُسْطَى حتَّى غَابَتِ
الشَّمْسُ مَلَ الله قُبُورَهُمْ وَبُيُوتَهُمْ أَوْ أَجْوَافَهُمْ شَكَّ يَخْتِى نَاراً.
مطابقته للترجمة في قوله: ((عن صلاة الوسطى)) وأخرجه من طريقين (الأول): عن
عبد الله بن محمد الجعفي البخاري المعروف بالسندي عن يزيد من الزيادة ابن هارون
الواسطي عن هشام بن حسان الفردوسي عن محمد بن سيرين عن عبيدة، بفتح العين المهملة
وكسر الباء الموحدة السلماني عن علي بن أبي طالب. (والثاني): عن عبد الرحمن بن بشر
ابن الحكم عن يحيى بن سعيد القطان، ومضى الحديث في غزوة الخندق.
قوله: ((حبسونا))، أي: منعونا عن صلاة الوسطى. أي: إيقاعها في وقتها وإضافة الصلاة

١٦٥
٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ / سورَةُ البَقَرَةِ
إلى الوسطى من إضافة الموصوف إلى الصفة. كما في قوله تعالى: ﴿بجانب الغربي﴾
[القصص: ٤٤] فيها خلاف بين البصريين والكوفيين، فأجازها الكوفيون ومنعها البصريون،
وفي رواية مسلم شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر، وقد اختلفوا فيه، والجمهور على
أنها صلاة العصر، وبه قال ابن مسعود وأبو هريرة، وهو الصحيح من مذهب أبي حنيفة، وقول
أحمد والذي سار إليه معظم الشافعية، وقال النووي: وهو قول أكثر علماء الصحابة، وقال
الماوردي: هو قول جمهور التابعين، وقال ابن عبد البر: وهو قول أكثر أهل الأثر، وبه، قال من
المالكية ابن حبيب وابن العربي وابن عطية.
وقد جمع الحافظ الدمياطي في ذلك كتاباً سماه (كشف المغطى عن الصلاة
الوسطى). وذكر فيها تسعة عشر قولاً الأول: إنها الصبح، وهو قول أبي أمامة وأنس وجابر
وأبي العالية وعبيد بن عمير وعطاء وعكرمة ومجاهد، نقله ابن أبي حاتم عنهم، وهو قول
مالك والشافعي، نص عليه في (الأم) والثاني: إنها الظهر، وهو قول زيد بن ثابت ورواه أبو
داود، وروى ابن المنذر عن أبي سعيد وعائشة أنها الظهر، وبه قال أبو حنيفة في رواية.
والثالث: أنها العصر، ومر الكلام فيه الآن. والرابع: أنها المغرب. نقله ابن أبي حاتم بإسناد
حسن عن ابن عباس، قال: الصلاة الوسطى هي المغرب، وبه قال قبيصة بن ذؤيب، لأنها لا
تقصر في السفر، ولأن قبلها صلاتا السر، وبعدها صلاتا الجهر. والخامس: أنها جميع
الصلوات أخرجه ابن أبي حاتم بإسناد حسن عن نافع قال: سئل ابن عمر، فقال: هي كلهن،
وبه قال معاذ بن جبل، رضي الله تعالى عنه. السادس: أنها الجمعة ذكره ابن حبيب من
المالكية. السابع: الظهر في الأيام والجمعة يوم الجمعة. الثامن: العشاء نقله ابن التين
والقرطبي لأنها بين صلاتين لا تقصران واختاره الواقدي. التاسع: الصبح والعشاء للحديث
الصحيح في أنهما أثقل الصلاة على المنافقين، وبه قال الأبهري من المالكية. العاشر: الصبح
والعصر لقوة الأدلة في أن كلاً منهما قيل فيه: إنه الوسطى. الحادي عشر: صلاة الجماعة.
الثاني عشر: الوتر، وصنف فيه علم الدين السخاوي جزءاً. الثالث عشر: صلاة الخوف.
الرابع عشر: صلاة عيد الأضحى. الخامس عشر: صلاة عيد الفطر. السادس عشر: صلاة
الضحى. السابع عشر: واحدة من الخمس غير معينة، قاله سعيد بن جبير، وشريح القاضي
وهو اختيار إمام الحرمين من الشافعية ذكره في (النهاية). الثامن عشر: أنها الصبح أو العصر
على الترديد. التاسع عشر: التوقف، وزاد بعضهم العشرين: وهي صلاة الليل، ولم يبين ما
ادعاه. قوله: ((شك يحيى))، هو القطان الراوي.
٤٣ _ بابُ: ﴿وَقُومُوا لله قَانِتِين﴾ أيْ مُطِيعين [البقرة: ٢٣٨]
أي: هذا باب فيه قوله تعالى: ﴿وقوموا لله قانتين﴾ [البقرة: ٢٣٨] فسر قوله: قانتين،
بقوله: مطيعين، وبه فسر ابن مسعود وابن عباس وجماعة من التابعين، ذكره ابن أبي حاتم.
وعن ابن عباس: قانتين، أي: مطيعين، وقيل: عابدين، وقيل: ذاكرين، وقيل: داعين في حال

١٦٦
٦٥ - كِتَابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ / سورَةُ البَقَرَةِ
القيام، وقيل: صامتين، وقيل: مقرين بالعبودية، وقيل: طائعين. وعن مجاهد: من القنوت
الركوع والخشوع وطول القيام وغض البصر وخفض الجناح والرهبة الله تعالى.
٤٥٣٤/٥٧ - حدَثْنا مُسَدَّدٌ حدَّثنا يَحْتَى عنْ إِسْمَاعِيلَ بن أبِي خالِدٍ عِنِ الحَارِثِ بنِ
شُبَبْلٍ عنْ أَبِي عَمْروِ الشَّئْبَانِيِّ عن زَيْدِ بنِ أَرْقَمَ قال كُنَّا نَتَكَلَّمُ فِي الصَّلاةِ يُكَلِّمُ أحَدُنا أخاهُ
فِي حاجَتِهِ حَتَّى نَزَلَتْ لهذِهِ الآيَةُ ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الوُسْطَى وَقُومُوا لله
قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] فَأُمِرْنا بالسُّكُوتِ.
مطابقته للترجمة ظاهرة: ويحيى هو القطان، والحارث بن شبيل، بضم الشين المعجمة
وفتح الباء الموحدة وسكون الباء آخر الحروف مصغر شبل ولد الأسد. وأبو عمرو سعد بن
إياس: بكسر الهمزة وتخفيف الياء آخر الحروف: الشيباني، بفتح الشين المعجمة وسكون
الياء آخر الحروف وبالباء الموحدة: المخضرمي، عاش مائة وعشرين سنة. والحديث مر في
أواخر كتاب الصلاة في: باب ما ينهى عن الكلام في الصلاة، فإنه أخرجه هناك عن إبراهيم
ابن موسى عن عيسى بن يونس عن إسماعيل عن الحارث إلى آخره نحوه. قوله: فأمرنا على
صيغة المجهول. ومر الكلام فيه هناك.
٤٤ - بابُ قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا الله
كما عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٩]
أي: هذا باب فيه قوله عزَّ وجلَّ: ﴿فإن خفتم﴾ [البقرة: ٢٣٩] الآية. أي: فإن كان
بكم خوف من عدو أو غيره. قوله: ((فرجالاً)) أي: فصلوا راجلين وهو جمع راجل كقائم
وقيام. وقرىء: فرجالاً بضم الراء، ورجالاً بالتشديد، ورجلاً. قوله: ((أو ركباناً). أي: أو فصلوا
ركياناً جمع راكب. قوله: ((فإذا أمنتم)) يعني: فإذا زال خوفكم ((فاذكروا الله كما علمكم))
من صلاة الأمن. قوله: ((ما لم تكونوا تعلمون)) أي: الذي لستم به عالمين فعلمكم وهداكم
للإيمان فقاتلوا بذكر الله وشكره.
رجالاً: قياماً. رَاجِلٌ قَائِمٌ
فسر قوله: ((رجالاً))، بقوله قياماً: ولم يتعرض لمفرده، وقد ذكرنا أن الرجال جمع
راجل. کالقيام جمع قائم.
٥٨/ ٤٥٣٥ - حدَثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ حدَّنا مالِكٌ عنْ نافع أنَّ عَبْدَ الله بنُ عُمَرَ
رَضِي الله عنهما كانَ إِذَا سُئِلَ عنْ صَلاةِ الخَوْفِ قال يَتَقَدَّمُ الإِمامُ وَطَائِفَةٌ مِنَ النَّاسِ فَيُصَلّي
بِهِمُ الإِمامُ رِكْعَةً وَتَكُونُ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ العَدُوِّ لَمْ يُصَلُّوا فَإِذَا صَلُّوا الَّذِينَ مَعَهُ رَكْعَةٌ
اسْتَأْخَرُوا مَكَانَ الَّذِينَ لَمْ يُصَلُّوا وَلا يُسَلِّمُونَ وَيَتَقَدَّمُ الَّذِينَ لمْ يُصِلُّوا فَيُصلُّونَ مَعَهُ رَكْعَةٌ ثُمّ
يَنْصَرِفُ الإِمامُ وَقَدْ صَلَى رَكْعَتَيْنِ فَيَقُومُ كلُّ وَاحِدٍ مِنَ الطَّائِفَتَيْنِ فَيُصَلُّونَ لأَنْفُسِهِمْ رَكْعَةً بَعْدَ
أَنْ يَنْصَرِفَ الإِمامُ فَيَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الطَائِفَتَيْنِ قَدْ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ فَإِنْ كَانَ خَوْفٌ هُوَ أَشَدُّ

١٦٧
٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ الْقُرْآنِ / سورَةُ البَقَرَةِ
مِن ذَلِكَ صَلَوْا رِجالاً قِياماً عَلَى أَقْدَامِهِمْ أوْ رُكْبَاناً مُسْتَقْبِلِي القِئْلَةِ أَوْ غَيْرَ مُسْتَقْبِلِيها قَال
مَالِكٌ قَال نَافِعٌ لا أَرَى عَبْدَ الله بنَ عُمَرَ ذَكَرَ ذَلِكَ إلاَّ عِنْ رَسُولِ اللهِ عَله.
مطابقته للترجمة ظاهرة. وفي بعض النسخ ذكر هذا الحديث بعد قوله: ((وقال ابن
جبير)) إلى قوله: مثل عمل المؤمن، وليس لذكره هنا وجه أصلاً، ولم أر أحداً من الشراح
تعرض لذكر هذا والحديث قد مر في صلاة الخوف بوجوه مختلفة عن ابن عمر وغيره.
وقال ابنُ مُبَيْرٍ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ عِلْمُهُ يُقالُ بَسْطَةً زِيَادَةً وَفَضْلاً: أفْرِعْ أَنْزِلْ: وَلا يَؤُودُهُ لا
يُثْقِلُهُ آدِنِيٍ أثقَلَنِي وَالآدُ وَالأَيْدُ قُوَّةٌ: السَّنَةُ النُّعَاسّ: لَمْ يَتَسَنَّهْ لَمْ يَتَغَيَّرْ: فَبُهتَ ذَهَبَتْ حِجَّتُهُ:
حَاوِيَّةٌ لا أَنِيِسَ فِيها: عُرُوشُها أَبْنِيَتُها: السّنَةُ نُعاسٌ: نُنْشِرُها نُخْرِجُها. إنْصَارٌ رِيحٌ عَاصِفٌ
تَهُبُ مِنَ الأَرْضِ إِلَى السَّمَاءِ كَعَمُودٍ فِيهِ نَارٌ. وَقَالَ ابْنُ عَباسٍ صَلْداً لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ. وَقَالَ
عِكْرَمَةُ وَابِلٌ مَطَرْ شَدِيدُ الطلّ الندَى وهذا مَثَلُ عمَل المُؤْمِنِ.
وقال ابن جبير: أي سعيد بن جبير في تفسير قوله: ﴿وسع كرسيه السموات والأرض﴾
[البقرة: ٢٥٥] إن المراد من قوله ((كرسيه)) علمه. وهذا التعليق وصله ابن أبي حاتم. حدَّثنا أبو
سعيد الأشج حدَّثنا ابن إدريس عن مطرف بن طريف عن جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن
جبير في قوله: ((وسع كرسيه)). قال: علمه، وكذا روي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس،
وقال ابن جرير: قال قوم: الكرسي موضع القدمين. ثم رواه عن أبي موسى والسدي والضحاك
ومسلم البطين، وقال شجاع بن مخلد في تفسيره. حدثنا أبو عاصم عن سفيان عن عمار
الذهبي عن مسلم البطين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: سئل النبي عَّ له، عن قول
الله: ﴿وسع كرسيه السموات والأرض﴾ قال: كرسيه موضع قدميه، والعرش لا يقدر قدره إلاّ
الله تعالى، كذا أورد هذا الحديث الحافظ أبو بكر من طريق شجاع ابن مخلد الفرس، فذكره
قال ابن كثير: وهو غلط وقد رواه وكيف في (تفسيره): حدثنا سفيان عن عمار الذهبي عن
مسلم البطين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس. قال: الكرسي موضع القدمين، والعرش لا
يقدر أحد قدره. انتهى. قلت: أراد بقوله: غلط. أن رفعه غلط، وليت شعري ما الفرق بين
كونه موقوفاً وبين كونه مرفوعاً في هذا الموضع؟ لأن هذا لا يعلم من جهة الوقف. وقال
الزمخشري: الكرسي ما يجلس عليه ولا يفضل عن مقعد القاعد، ثم ذكر أربعة أوجه يطلبها
الطالب من موضعها. وكان تفسيره أولاً من حيث اللغة. قوله: ((يقال: بسطة))، أي: يقال في
تفسير قوله تعالى: ﴿إِن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم﴾ [البقرة: ٢٤٧]
وذلك أن الله تعالى أمر إشمويل أو يوشع أو شمعون حين طلب قومه ملكاً يقاتلون به في
سبيل الله ﴿إن الله قد بعث لكم طالوت ملكاً قالوا أنّى يكون له الملك علينا ونحن أحق
بذلك منه ولم يؤت سعة من المال﴾ [البقرة: ٢٤٧]. لأنه كان فقيراً سقاءًا أو دباغاً. فقال الله
تعالى: ﴿إِن الله اصطفاه عليكم﴾ الآية. و(بسطة) أي: زيادة في العلم والجسم. وهكذا
فسره أبو عبيدة وعن ابن عباس نحوه، وقيل: نبي طالوت. قوله: ((أفرغ أنزل)) أشار به إلى
تفسيره في قوله: ﴿ولما برزوا لجالوت وجنوده قالوا ربنا أفرغ علينا صبراً وثبت أقدامنا

١٦٨
٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرآنِ / سورَةُ البَقَرَةِ
وانصرنا على القوم الكافرين﴾ [البقرة: ٢٥٠] وفسر: (أفرغ) بقوله: أنزل. أي: أنزل علينا صبراً
هكذا فسره أبو عبيدة وليس هذا في رواية أبي ذر، وكذا بسطه.
قوله: ((ولا يؤوده لا يثقله)) أشار به إلى تفسيره في قوله: ﴿ولا يؤوده حفظهما﴾
وفسره بقوله: لا يثقله وهو تفسير ابن عباس، رواه ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة
عنه، وقيل معناه لا يشقه. قوله: ((آدني أثقلني))، هو ماضي: يؤد أوداً قوله: ((والآد والأيد:
قوة)) هكذا فسره أبو عبيدة، ويقال: رجل أيد أي: شديد قوي. قال الله تعالى: ﴿واذكر عبدنا
داود ذا الأيد﴾ [ص: ١٧] أي: ذا القوة، وقال أبو زيد: آد الرجل يعيد أيداً، والأيد والآدّ بالمد
القوة. وأصل آد أيد، قلبت الياء ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها. قوله: ((السنة النعاس))، أشار به
إلى ما في قوله عز وجل: ﴿لا تأخذه سنة ولا نوم﴾ [البقرة: ٢٥٥] وهكذا فسره ابن عباس.
ويقال له الوسن أيضاً والسنة ما يتقدم النوم من الفتور الذي يسمى النعاس. قوله: ((لم يتسنه))،
لم يتغير، أشار به إلى قوله عز وجل: ﴿فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه﴾ [البقرة: ٢٥٩]،
وفسره بقوله: لم يتغير كذا روي عن ابن عباس والسدي، والهاء فيه أصلية أو هاء سكت: من
السنة مشتق لأن لامها هائٌ أو واو. وقيل: أصله يتسنن من الحمأ المسنون فقلبت نونه حرف
علة. كما في: تقضى البازي، ويجوز أن يكون المعنى، لم يمر عليه السنون التي مرت، يعني:
هو بحاله كما كان كأنه يلبث مائة سنة. وفي قراءة عبد الله: لم يتسن، وقرأ أبي: لم يسنه
بإدغام التاء في السين. قوله: ((فبهت ذهبت حجته))، أشار به إلى قوله تعالى: ﴿فبهت الذي
كفر والله لا يهدي القوم الظالمين﴾ [البقرة: ٢٥٨] وفسر: بهت بقوله: ذهبت حجته. أي:
حجة نمرود عليه اللعنة، وبهت على صيغة المجهول، وقرىء: فبهت الذي كفر، على صيغة
المعلوم أي: غلب إبراهيمٌ، عليه الصلاة والسلام، الكافر وقرأ أبو حيوة فبهت، بفتح الباء وضم
الهاء. قوله: ((خاوية لا أنيس فيها))، أشار به إلى قوله تعالى: ﴿أو كالذي مر على قرية وهي
خاوية على عروشها﴾ قيل: هذا المار هو عزيز، عليه السلام. رواه ابن أبي حاتم علي، وقيل:
هو إرميا بن حليقا، وقيل: الخضر، وقيل: حزقيل بن بورا، والقرية هي القدس وهو المشهور.
قوله: ((عروشها: أبنيتها))، وفي التفسير: على عروشها، أي: ساقطة سقوفها وجدرانها على
عرصاتها وذلك حين خربه بخت نصر، وهذا والذي قبله ليسا في رواية أبي ذر. قوله:
((ننشرها نخرجها))، أشار به إلى قوله تعالى: ﴿وانظر إلى العظام كيف ننشرها﴾ هكذا فسره
السدي، وننشرها، بضم النون الأولى، وقرأ الحسن بفتحها من نشر الله الموتى بمعنى
· أنشرهم، وقرىء بالزاي يعني: نحركها ونرفع بعضها إلى بعض للتركيب. قوله: «إعصار: ريح
عاصف))، أشار به إلى قوله تعالى: ﴿وله ذرية ضعفاء فأصابها إعصار﴾ [البقرة: ٢٦٦] وفسره
بقوله ريقح عاصف إلى آخره وهي التي يقال لها الزوبعة. كما قاله الزجاج، ويقال: الإعصار
الريح التي تستدير في الأرض ثم تسطع نحو السماء كالعمود، ويقال: الإعصار ريح شديد
فيه نار، وهذا أثبت عن أبي ذر عن الحموي وحده.
قوله: ((وقال ابن عباس: صلداً ليس عليه شيء))، أشار به إلى قوله تعالى: ﴿كمثل

١٦٩
٦٥ - كِتَابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ / سورَةُ البَقَرَةِ
صفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلداً﴾ وصله ابن جرير من طريق علي بن أبي طلحة
عن ابن عباس، وأخرجه ابن أبي حاتم عن أبي زرعة أخبرنا منجاب بن الحارث أنبأنا بشر عن
أبي روق عن الضحاك عن ابن عباس بلفظ فتركها يابساً جاسياً لا ينبت شيئاً، وسقط من هنا
إلى آخر الباب من رواية أبي ذر، وفي التفسير: قال الضحاك: والذي يتبع صدقته منّا أو أَذِّى
مثله كمثل صفوان وهو الصخر الأملس عليه التراب فأصابه وابل وهو المطر الشديد فتركه
صلداً أي: أملس يابساً لا شيء عليه من ذلك التراب. بل قد ذهب كله، وكذلك أعمال
المرائين تذهب وتضمحل عند الله، وإن ظهر لهم أعمال فيما يرى الناس كالتراب. قوله:
((وابل: مطر شديد، الطل الندى)) إشار به إلى قوله تعالى: ﴿فإن لم يصبها وابل فطل﴾
[البقرة: ٦٥] وفسر الوابل بالمطر الشديد، والطل بالندى، ووصله عبد بن حميد عن روح بن
عبادة عن عثمان بن غياث: سمعت عكرمة بهذا، وفي التفسير: فإن لم يصبها وابل فمطر
ضعيف القطر. قوله: ((وهذا مثل عمر المؤمن))، أي: هذا الذي ذكره عكرمة مثل عمل
المؤمن يزداد عند الله إذا كان بالإخلاص، ويذهب إذا كان بالرياء وإن ظهر له فيما يرى
الناس.
٤٥ - بابٌ: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَّفَوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجَا﴾ [البقرة: ٢٤٠]
أي: هذا باب فيه قوله تعالى: ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون﴾ أي: يتركون (أزواجاً)،
وليس في رواية غير أبي ذر الترجمة، وحديث هذا الباب قد مر قبل ثلاثة أبواب، وكان
المناسب أن يذكر بلا ترجمة عند الباب المترجم بهذه الآية.
٤٥٣٦/٥٩ - حدَثني عَبْدُ الله بنُ أَبي الأُسْوَدِ حدَّثنا حُمَيْدُ بنُ الأسْوَدِ وَيَزِيدُ بنُ
زُرَيْع قَالا حدَّثنا حَبِيبُ بِنُ الشَّهِيدِ عنِ ابنِ أبِي مُلَيْكَةَ قَالَ قَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ قُلْتُ لِعُثْمَانَ هَذِهِ
الآيَةُ الَّتِي فِي الْبَقَرَةِ ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً﴾ [البقرة: ٢٤٠] إلَى قوْلِهِ: ﴿غَيْرَ
إِنْرَاجِ﴾ قَدْ نَسَخْها الأخْرَى فَلِمَ تَكْتُبُها قَالَ أَدَعُها يا ابْنَ أَخِي لا أُغَيِّرُ شَيْئاً مِنْهُ مِنْ مَكَانِهِ قَالَ
حُمَيْد أَوْ نَحْوَ هَذا.
هذا الحديث قد مر بترجمته، وهنا رواه بطريق آخر عن عبد الله بن أبي الأسود عن
عبد الله بن محمد بن أبي الأسود، وأبو الأسود اسمه حميد بن الأسود بن أخت عبد الرحمن
ابن مهدي البصري الحافظ، وعبد الله هذا يروي عن جده حميد بن الأسود ويروي عن يزيد
ابن زريع، وكلاهما يرويان عن حبيب بن الشهيد المكنى بأبي الشهيد، ويقال: بأبي مرزوق
الأزدي الأموي البصري يروي عن عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة، وقد تكرر ذكره.
قوله: ((قال ابن الزبير)) هو: عبد الله بن الزبير بن العوام. قوله: ((لعثمان))، هو: ابن عفان.
قوله: ((الأخرى)) أي: الآية الأخرى وهي قوله تعالى: ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً
يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشراً﴾ قوله: ((فلم). بكسر اللام وفتح الميم، وأصله، فلما
استفهام على سبيل الإنكار. قوله: ((قال)) أي: عثمان. ((أدعها)) أي: أتركها مثبتة في

١٧٠
٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ / سورَةُ البَقَرَةِ
المصحف ((لا أغير شيئاً منه)) أي: مما في المصحف، فالقرينة تدل عليه. قوله: ((قال حميد))
أي: حميد بن الأسود الراوي عنه ابن ابنه عبد الله شيخ البخاري. قوله: ((أو نحو هذا))، أي:
أو نحو هذا المذكور من المتن، أراد أنه تردد فيه. وأما يزيد بن زريع فجزم بالمذكور.
٤٦ - باب: ﴿وَإِذْ قال إبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرَنِي كَيْفَ تُخيي المَوْتَى﴾ [البقرة: ٢٦٠]
أي: هذا باب فيه قوله تعالى: ﴿وإذ قال إبراهيم﴾، أي: أذكر يا محمد حين قال
إبراهيم: (رب) يعني: يا رب (أرني) يعني: أبصرني، أراد بهذا السؤال أن يضم علم
الضروري إلى علم الاستدلالي لأن تظاهر الأدلة أسكن للقلوب وأزيد للبصيرة واليقين، ولأنه
لما قال النمرود: ﴿ربي الذي يحيي ويميت﴾ [البقرة: ٢٥٨] أحب أن يترقى من علم اليقين
إلى عين اليقين. وأن يرى ذلك مشاهدة. فقال: (رب أرني كيف تحيي الموتى).
فِصِرْهُنَّ قَطَّعْهُنَّ
هذا في رواية أبي ذر وحده. وأشار به إلى تفسير قوله تعالى: ﴿فخذ أربعة من الطير
فصرهن﴾ وفسره بقوله: ((قطعهن)) قاله ابن عباس وعكرمة وسعيد بن جبير وأبو مالك وأبو
الأسود الدؤلي ووهب بن منبه والحسن والسدي. وقال العوفي عن ابن عباس: فصرهن إليك
أوثقهن. فلما أوثقهن ذبحهن، وقيل: معناه أملهن واضممهن إليك، وقرأ ابن عباس فصرهن
إليك، بضم الصاد وكسرها وتشديد الراء من صره يصره إذا جمعه، وعنه: فصرهن من
التصرية، والقراءة المشهورة من صاره يصوره صوراً، أو صاره يصيره صيراً بمعنى: أماله.
٦٠ / ٤٥٣٧ - حدَثنا أحْمَدُ بنُ صَالِحِ حدَّثنا ابنُ وَهَب أخبرَنِي يُونُسُ عن ابنِ شِهِاب
عِنْ أَبِي سَلَمَةَ وَسَعِيدٍ عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله عنهُ قال قال رَسُولُ اللهِ عَلِ نَحْنُ أَحَقُّ
بِالشَكِّ مِنْ إبْرَاهِيم إذْ قال: ﴿رَبِّ أرني ◌َيْفَ تُخيِي المَوْقَى قال أوَ لَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَی
وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾.
مطابقته للترجمة ظاهرة، وأحمد بن صالح أبو جعفر المصري يروي عن عبد الله بن
وهب المصري يروي عن يونس بن يزيد الأيلي عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري عن
أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف وسعيد بن المسيب عن أبي هريرة. والحديث مضى في
كتاب الأنبياء في: باب قوله عز وجل: ﴿ونبئهم عن ضيف إبراهيم﴾ [الحجر: ٥١] فإنه
أخرجه هناك بالإسناد المذكور هنا عن أحمد بن صالح إلى آخره. وفي آخره: ويرحم الله عز
وجل لوطاً إلى آخره، ومضى الكلام فيه هناك، وقال الكرماني هنا: كيف جاز الشك على
إبراهيم، عليه السلام؟ فأجاب بأن معناه: لا شك عندنا فبالطريق الأولى أن لا يكون الشك
عنده، أو كان الشك في كيفية الإحياء لا في نفس الإحياء انتهى. قلت: التحقيق هنا أن
الرسول عَ لّ ما شهد له بالشك، وإنما مدحه لأن معناه. نحن أحق بالشك منه. والحال أنا ما
شككنا فكيف يشك هو؟ وإنما شك في أنه هل يجيبه إلى سؤاله أم لا؟ وبهذا يمكن أن يجاب
عما سأله الكرماني، لم كان رسول الله عَّلل أحق وهو أفضل؟ بل هو أحق بعدم الشك؟

١٧١
٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ / سورَةُ البَقَرَةِ
وجوابه: أنه قال ذلك: تواضعاً وهضماً لنفسه بأنه لا يخلو عن نظير.
٤٧ - بابُ قَوْلِهِ: ﴿أَيَوَدُّ أحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ تَخِيلٍ وَأَغْتَابٍ﴾ إلَى قَوْلِهِ
[البقرة: ٢٦٦]
كر و
أي: هذا باب في ذكر قوله: ((أيود أحدكم)). الآية، هذا المقدار من الآية وقع عند
جميع الرواة. قوله: ((أيود)) الهمزة فيه للإنكار. قاله الزمخشري: وقيل: هو متصل بقوله: ((ولا
تبطلوا))، وهذه الآية مثل لعمل من أحسن العمل أولاً ثم بعد ذلك انعكس سيره فبدل
الحسنات بالسيئات فأبطل بعمله الثاني ما أسلفه فيما تقدم من الصالح، واحتاج إلى شيء من
الأول في أضيق الأحوال فلم يحصل منه شيء وخانه أحوج ما كان إليه، ولهذا قال: ((وأصابه
الكبر)) الآية. قوله: ((جنة))، أي: بستان. قوله: ((من نخيل))، وهو إما جمع نادراً أو اسم جنس،
وإنما خص هذين بالذكر لأنهما من أكرم الشجر وأكثر المنافع. قوله: ((له فيها من كل
الثمرات))، أي: لأحدكم في الجنة من كل الثمرات، وإنما قال هذا بعد ذكر النخيل والأعناب
تغليباً لهما على غيرهما، ثم أدرفهما بذكر الثمرات. قيل: يجوز أن يريد بالثمرات المنافع التي
كانت تحصل له فيها. قوله: ((وأصابه الكبر))، أي: والحال أنه أصابه الكبر. وقيل: عطف
ماضٍ على مستقبل قال الفراء: هو جائز لأنه يقع منها لو تقول: وددت لو ذهبت عنا. وودت
أن يذهب عنا. قوله: ((وله ذرية ضعفاء»، وقرىء: ضعاف. قوله: ((فأصابها))، الجنة
المذكورة. قوله: ((إعصار))، وهي الريح الشديدة، وقد مر تفسيره عن قريب، ويجمع على
أعاصير. قوله: ((فيه نار)) أي: في الإعصار نار من السموم الحارة القتالة. قوله: ((وكذلك))
أي: كما بين الأقاصيص والأمثال ((يبين الله لكم الآيات)) أي: العلامات ((لعلكم تتفكرون))
أي: تعتبرون وتفهمون الأمثال والمعاني وتنزلونها على المراد منها.
٦١ /٤٥٣٨ - حدَثنا إبْرَاهِيمُ أخبرنا هِشَامُ عنِ ابنِ جُرَيْجِ سَمِعْتُ عَبْدَ الله بنَ أبِي
مُلَيْكَةَ يُحَدِّثُ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ وَسَمِعْتُ أخاهُ أبا بَكْرٍ بِنَ أَبِي مُلَيْكَةَ يُحَدِّثُ عنْ عُبَيْدِ بنِ
عُمَيْرٍ قَالَ قَالَ عُمَرُ رَضِي الله عَنْهُ يَوْمَاً لأصْحَابِ النَّبِيِّ عَ لَّهِ فِيمَ تُرَوْنَ لهَذِهِ الآيَةَ نَزَّلَتْ
﴿أَيُوَدَّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لهُ جَنٌَّ﴾ [البقرة: ٢٦٦] قَالُوا الله أعْلَمُ فَغَضِبَ عُمَرُ فقال قُولُوا نَعْلَمُ
أوْ لا نَعْلَمُ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي نَفْسِي مِنْهَا شَيْءٌ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ قَال عُمَرُ يَا ابْنَ أَخِي قُلْ وَلا
تَحْقِرْ نَفْسَكَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ضُرِبَتْ مَثلاً لِعَمَلٍ قَالَ عُمَرُ أَيُّ عَمَلٍ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لِعَمَلٍ قَالَ
عُمَرُ لِرَجُلٍ غَنِيٌّ يَعْمَلُ بِطَاعَةِ الله عَزَّ وَجَلَّ ثُمَّ بَعَثَ الله لهُ الشَّيْطَانَ فَعَمِلَ بِالمَعَاصِي حَتَّى
أَغْرَقَ أعْمَالهُ.
مطابقته للترجمة ظاهرة وإبراهيم هو ابن موسى الفراء، وهشام هو ابن يوسف
الصنعاني، وابن جريج هو عبد العزيز بن عبد الملك ابن جريج. وأبو بكر بن أبي مليكة لا
يعرف اسمه. قاله بعضهم: وقال الكرماني: وأخوه عبد الله أيضاً يكنى بأبي بكر تارة وتارة بأبي
محمد، وعبيد بن عمير كلاهما مصغران أبو عاصم الليثي المكي ولد في زمن النبي عَِّ،
صلابته

١٧٢
٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ / سورَةُ البَقَرَةِ
وسماعه من عمر صحيح. قوله: ((وسمعت أخاه)) هو مقول ابن جريج والحديث من أفراده.
قوله: ((فيم)، بكسر الفاء وسكون الياء آخر الحروف أي في أي شيء قوله: ((ترون))
بضم أوله. قوله: ((شيء)) أي: من العلم به. قوله: (مثلاً)) بفتحتين قال أهل البلاغة: التشبيه
التمثيلي متى فشى استعماله على سبيل الاستعارة يسمى مثلاً قوله: ((غني)) اسم في مقابل
الفقير ويروى عني. من العناية على لفظ المجهول. قوله: ((أغرق)) بالغين المعجمة. أي:
أضاع أعماله الصالحة بما ارتكب من المعاصي. قيل: فيه دليل للمعتزلة في مسألة إحباط
الطاعة بالمعصية، ورد بأن الكفر محبط للأعمال والإغراق. لا يستلزم الإحباط.
٤٨ - بابّ: ﴿لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحافا﴾﴾ [البقرة: ٢٧٣] ..
أي: هذا باب في قوله تعالى: ﴿لا يسألون الناس إلحافاً﴾ وأوله: ﴿للفقراء الذين
أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضرباً في الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف
تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافاً وما تنفقوا من خير فإن الله به عليم﴾ [البقرة: ٢٧٣]
هذه الآية نزلت في أصحاب الصفة وهي سقيفة كانت في مسجد رسول الله عَّةٍ. وكانوا
أربعمائة رجل من مهاجري قريش لم يكن لهم مساكن في المدينة ولا عشائر، يتعلمون القرآن
بالليل يرضخون النوى بالنهار، وكانوا يخرجون في كل سرية بعثها رسول الله عَّهِ، فمن كان
به فضل أتى به إليهم إذا أمسى. قوله: (للفقراء) أي: اجعلوا ما تنفقون (للفقراء الذين
أحصروا في سبيل الله) أي: الجهاد (لا يستطيعون) لاشتغالهم به (ضرباً في الأرض) يعني
سفراً للتسبب في المعاش. قوله: (يحسبهم الجاهل) أي: الجاهل بحالهم (أغنياء من
التعفف) أي: من أجل تعففهم عن المسألة. قوله: (تعرفهم) الخطاب للنبي عَّهِ، وقيل: لكل
راغب في معرفة حالهم قوله: (بسيماهم) أي: بما يظهر لذوي الألباب من صفاتهم. صفرة
الوجه ورثاثة الحال. قوله: (لا يسألون الناس) أي: من صفاتهم أنهم لا يسألون الناس
(إلحافاً) أي: إلحاحاً وهو اللزوم، وأن لا يفارق إلاَّ بشيء بعطاء، وانتصابه على أنه صفة
مصدر محذوف أي: سؤالاً لحاحاً بمعنى: ملحاً وقال بعضهم: وانتصاب: إلحافاً، على أنه
مصدر في موضع الحال أي: لا يسألون في حال الإلحاف، أو: مفعول لأجله أي: لا يسألون
لأجل الإلحاف انتهى. قلت: ليس فيما قاله صواب إلّ قوله: على أنه مصدر، فقط يفهمه من
له ذوق من التصرف في الكلام. (فإن قلت) هذه الصفة تقتضي السؤال بالتلطف دون
الإلحاح. وقوله: (يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف) يقتضي نفي السؤال مطلقاً. قلت:
الجواب المرضي أن يقال: لو فرض السؤال منهم لكان على وجه التلطف فلا يقتضي وجوده
لأن المحال يفرض كثيراً ولا يلزم من فرضه وجوده.
يُقَالُ أَلْحَفَ عَلَيَّ وَأَلَعَّ عَلَيَّ وَأَخْفَانِي ◌ِلْمَسْأَلَةِ فَيُخْفِكُمْ يُجْهِدْكُمْ
أشار به إلى أن قوله ألحف عليّ وألح علي وأحفاني بالمسألة بمعنى واحد، وكذا فسره
أبو عبيدة، والإلحاف من قولهم: ألحفني من فضل لحافه. أي: غطاني من فضل ما عنده،

١٧٣
٦٥ - كِتَابُ تَفْسيِرِ القُرْآنِ / سورَةُ البَقَرَةِ
وقيل: اشتقاقه من اللحاف لاشتماله على وجود الطلب في المسألة كاشتمال اللحاف في
الغطية. قوله: ((وأحفاني)، من قولهم: أحفى فلان بصاحبه وحفى به وحفي له إذا بالغ في
السؤال. قوله: ((فيحفكم)) أشار به إلى قوله تعالى: ﴿ولا يسألكم أموالكم إن يسألوكموها
فيحفكم تبخلوا﴾ [محمد: ٣٧] وفسر قوله فيحفكم بقوله: يجهدكم يعني: يجهدكم في
السؤال بالإلحاح.
٦٢ /٤٥٣٩ - حدَثنا ابنُ أَبِي مَرْيَمَ حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ جَعْفَرٍ قَالَ حدَثني شَرِيك بنُ
أَبِي نِمَرٍ أَنَّ عَطَاءَ بنَ يسارٍ وَعَبْدَ الرَّحْمنِ بن أبِي عَمْرَةَ الأَنْصَارِيَّ قَالا سَمِعْنَا أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ
الله عَنْهُ يَقُولُ قال النبيُّ عَ لَّمِ لَيْسَ المِسْكِينُ الَّذِي تَرُدُّهُ الثَمْرَةُ وَالثَّمْرَتَانِ وَلا اللُّقْمَةُ ولا
اللُّقْمَتَانِ إِنَّا المِسْكِينُ الَّذِي يَتَعَفَفُ وَاقْرَؤُوا إِنْ شِئْتُمْ يَعْنِي قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿لا يَسْأَلُونَ النَّاسِ
إِلُحَافَا﴾ [البقرة: ٢٧٣].
مطابقته للترجمة ظاهرة وابن أبي مريم هو سعيد بن محمد بن الحكم بن أبي مريم أبو
محمد المصري، ومحمد بن جعفر بن أبي كثير أخو إسماعيل، وشريك بن أبي نمر بلفظ
الحيوان المشهور مر في العلم، وعطاء بن يسار ضد اليمين.
والحديث مر في كتاب الزكاة في: باب قول الله تعالى: ﴿لا يسألون الناس إلحافاً﴾
[البقرة: ٢٧٣] عن أبي هريرة من وجهين (الأول): عن حجاج بن منهال عن شعبة عن محمد
بن زياد عن أبي هريرة (والثاني): عن إسماعيل بن عبد الله عن مالك عن أبي الزناد عن
الأعرج عن أبي هريرة، ومر الكلام فيه هناك.
قوله: ((يتعفف))، أي: يحترز عن السؤال ويحسبه الجاهل غنياً. قوله: ((واقرؤوا إن
شئتم))، يعني: قوله: (لا يسألون الناس إلحافاً) قائل قوله: يعني، هو سعيد بن أبي مريم شيخ
البخاري، بَيَّن ذلك الإسماعيلي في روايته فإنه أخرجه عن الحسن بن سفيان عن حميد بن
زنجويه عن سعيد بن أبي مريم بسنده، وقال في آخره: قلت: لسعيد بن أبي مريم ما يقرأ؟
يعني في قوله: ((واقرؤوا إن شئتم))؟ قال: ﴿للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله﴾
[البقرة: ٢٧٣] الآية.
٤٩ - بابٌ: ﴿وَأَحَلَّ الله البَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا﴾ [البقرة: ٢٧٥]
أي: هذا باب في قوله تعالى: ﴿وأحل الله البيع وحرم الربا﴾ وأوله: ﴿والذين يأكلون
الربا لا يقومون﴾ [البقرة: ٢٧٥] إلى آخر الآية، ولما ذكر الله تعالى قبل هذه الآية الأبرار
المؤدين النفقات المخرجين الزكوات، شرع في ذكر أكلة الربا وأموال الناس بالباطل وأنواع
الشبهات ووصفهم بما وصفهم في الآية الكريمة. ولما قالوا: (إنما البيع مثل الربا) أنكر الله
عليهم تسويتهم بين البيع والربا فقال: ﴿وأحل الله البيع وحرم الربا﴾. قال الزمخشري: فيه
دلالة على أن القياس يهدمه النص لأنه جعل الدليل على بطلان قياسهما إحلال الله وتحريمه.

١٧٤
٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ / سورَةُ البَقَرَةِ
المَسُّ الجُنونُ
فسر المس المذكور في الآية وهو قوله: ﴿ويتخطبه الشيطان من المس﴾
[البقرة: ٢٧٥] بالجنون. وهكذا فسره الفراء ومجاهد والضحاك وابن أبي نجيح وابن زيد.
٦٣ / ٤٥٤٠ - حدثنا عُمَرُ بنُ حَفْصٍ بنِ غَياثٍ حدَّثنا أبِي حدَّثنا الأعْمَشُ حدَّثنا
مُسْلِمٌ عنْ مَشْرُوقٍ عنْ عَائِشَةَ رضِي الله عنها قَالَتْ لَمَا نَزَلَتِ الآياتُ مِنْ آخِرِ سُورَةِ البَقَرَةِ
فِي الرِّبا قَرَأَها رسُولُ اللهِ عَ لَّهِ عَلَى النَّاسِ ثُمَّ حَرَّمِ التِّجَارَةَ فِي الْخَمْرِ.
مطابقته للترجمة ظاهرة والأعمش سليمان، ومسلم هو ابن صبيح أبو الضحى الكوفي.
والحديث قد مر في كتاب البيع في: باب أكل الربا، فإنه أخرجه عن غندر عن شعبة عن
منصور عن أبي الضحى عن مسروقُ عن عائشة. قوله: ((قرأها)) أي الآيات.
٥٠ - بابٌ: ﴿يَمْحَقُ الله الرِّبا﴾ يُذْهِبُهُ [البقرة: ٢٧٦]
أي: هذا باب فيه قوله: ﴿يمحق الله الربا﴾ وفسر يمحق بقوله يذهبه. وقال الزمخشري:
يذهب ببركته ويهلك المال الذي يدخل فيه، وعن ابن مسعود: الربا وإن كثر إلاّ وقل. قلت:
هذا رواه ابن ماجه وأحمد وصححه الحاكم مرفوعاً.
٤٥٤١/٦٤ - حدَثنا بِشْرُ بنُ خَالِدٍ أُخْبَرنا مُحَمَّدُ بنُ جَعْفَرِ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ سُلَيْمَانَ
سَمِعْتُ أبا الضُّحَى يُحَدِّثُ عَنْ مَشْرُوقٍ عنْ عَائِشَةَ أَنَّها قَالَتْ لَمَّا أَنْزِلَتِ الآيَاتُ الأُوَاخِرُ مِنْ
سِورَةِ البَقَرَةِ خَرَجَ رَسُولُ الله فَتَلاهُنَّ فِي المَسْجِدِ فَحَرَّمَ التِّجَارَةَ فِي الْخَمْرِ.
هذا الحديث هو المذكور في الباب السابق من وجه آخر، وفيه بعض زيادة كما نرى
أخرجه عن بشر، بكسر الباء الموحدة وسكون الشين المعجمة، ابن خالد أبي محمد
العسكري الفرائضي عن محمد بن جعفر غندر عن شعبة عن سليمان الأعمش عن أبي
الضحى مسلم بن صبيح إلى آخره، ومضى هذا الحديث في كتاب الصلاة في: باب تحريم
تجارة الخمر في المسجد، أخرجه عن عبدان عن أبي حمزة عن الأعمش عن مسلم عن
مسروق عن عائشة إلى آخره.
٥١ - بابٌّ: ﴿فَأَذِنُوا بِحَرْبٍ﴾ فَاعْلَمُوا [البقرة: ٢٧٩]
أي: هذا باب فيه قوله تعالى: ﴿فاذنوا﴾ وأوله: ﴿فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله
ورسوله﴾ [البقرة: ٢٧٩] قوله: ((فاذنوا)) أي: فاعلموا بها. من آذن بالشيء إذا أعلم به. وقرىء
فآذنوا بالمد أي: فاعملوا بها غيركم. وهو من الإذن، بفتحتين وهو الاستماع لأنه من طريق
العلم، وقرأ الحسن. رحمه الله: فأيقنوا. قال ابن عباس: فاستيقنوا بحرب من الله ورسوله.
وعن سعيد بن جبير: يقال يوم القيامة لآكل الربا: خذ سلاحك للحرب، وهذا تهديد شديد
ووعيد أكيد، وروى ابن أبي حاتم بإسناده عن الحسن وابن سيرين أنهما قالا إن هؤلاء

١٧٥
٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ / سورَةُ البَقَرَةِ
الصيارفة قد أكلوا الربا وأنهم أذنوا بحرب من الله ورسوله، ولو كان على الناس إمام عادل
لاستتابهم، فإن تابوا وإلا وضع فيهم السلاح.
٥٢ _ بابٌ: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَتَظْرَةٌ إلَى مَيْسَرةٍ﴾ الآيَةِ [البقرة: ٢٨٠]
هذا المقدار وقع في رواية أبي ذر وغيره، ساق الآية كلها أي: وإن كان الذي عليه
دين الربا معسراً فنظرة أي: فالحكم أو الأمر نظرة. أي: انتظار إلى ميسرة. أي: يسار، وذكر
الواحدي أن بني عمرو قالوا لبني المغيرة: هاتوا رؤوس أموالنا فقالت بنو المغيرة: نحن اليوم
أهل عسرة. فأخرونا إلى أن تدرك الثمرة فأبوا أن يؤخروا، فنزلت. وزعم ابن عباس وشريح أن
الإنظار في دين الربا خاصة واجب، ويقال: هذه الآية ناسخة لما كان في الجاهلية من بيع
من أعسر فيما عليه من الديون، وإن كان حراً، وقد قيل: إنه كان يباع فيه في أول الإسلام
ثم نسخ، وذهب الليث بن سعد إلى أنه يؤجر ويقضى دينه من أجرته وهو قول الزهري وعمر
ابن عبد العزيز ورواية عن أحمد، وقال الإسماعيلي: لا وجه لدخول هذه الآية في هذا الباب،
وأجيب: بأن هذه الآية متعلقة بآيات الربا فلذلك ذكرها معها.
﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٨٠]
أي: وأن تتصدقوا برؤوس أموالكم على من أعسر من غرمائكم خير لكم لا كما كان
أهل الجاهلية. يقول أحدهم لمدينه إذا دخل عليه الدين: إما أن تقضي وإما أن تربي.
٦٥/ ٤٥٤٣ - وَقَالَ لَنَا مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ عنْ سُفْيَانَ عنْ مَنْصُورٍ وَالأَعْمَشِ عَنْ أَبِي
الضُّحَى عِنْ مَشْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ لَمَا أَنْزِلَتِ الآيَاتُ مِنْ آخِرِ سُورَةِ البَقَرَةِ قَامَ رَسُولُ الله
عَِّ فَقَرَأَهُنَّ عَلَيْنَا ثُمَّ حَرَّمَ التِّجَارَةَ فِي الخَمْرِ.
هذا طريق آخر في الحديث المذكور، وهو معلق قوله: قال محمد بن يوسف هكذا
رواية أبي ذر وفي رواية غيره قال لنا محمد بن يوسف هو الفريابي هو الثوري، والبقية ذكروا
عن قريب.
٥٣ _ بابٌ: ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى الله﴾ [البقرة: ٢٨١]
أي: هذا باب فيه قوله تعالى: ((واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله)) قرىء: ترجعون،
على البناء للفاعل والمفعول وقرىء: يرجعون بالياء على طريقة الالتفات، وقرأ عبد الله تردون
وقرأ أبي تصيرون، والجمهور على أن المراد من اليوم المحذر منه هو يوم القيامة، وقال
بعضهم يوم الموت.
٦٦ / ٤٥٤٤ - حدَثنا قَبِيصَةُ بنُ عُقْبَةَ حدَّثنا سُفْيَانُ عنْ عاصم عنِ الشَّغْبِيِّ عنِ ابنِ
عَبَّاسٍ رَضِيَ الله عنهما قَال آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ عَلَى النَّبِيِّ عَلْ آيَةُ الرِّبا.
قيل: لا مطابقة بين الترجمة والحديث على ما لا يخفى، وأجيب بأنه روي عن ابن

١٧٦
٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ / سورَةُ البَقَرَةِ
عباس أيضاً من وجه آخر: أن آخر آية نزلت على النبي عَ لّهِ: ﴿واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى
الله﴾ [البقرة: ٢٨١] أخرجه الطبري من طرق عنه، ولعله أراد أن يجمع بين قولي ابن عباس.
قلت: يعني بالإشارة فافهم.
وسفيان هو الثوري، وعاصم هو ابن سليمان الأحول والشعبي هو عامر بن شراحيل.
قوله عن ابن عباس، كذا قال عاصم عن الشعبي، وخالفه داود بن أبي هند عن
الشعبي. قال: عن عمر أخرجه الطبري بلفظ كان من آخر ما نزل من القرآن آيات الربا، وهو
منقطع لأن الشعبي لم يلق عمر، رضي الله تعالى عنه. قوله: (آخر آية نزلت على النبيِّ
عَّلل آية الربا) وفي (تفسير عبد بن حميد) عن الضحاك آخر آية نزلت ﴿واتقوا يوماً ترجعون
فيه إلى الله﴾ في رواية أبي صالح عنه: نزلت بمكة وتوفي النبي عَّله، بعدها بأحد وثمانين
يوماً وقيل: نزلت يوم النحر بمنىّ في حجة الوداع، وفي (تفسير ابن أبي حاتم) من حديث ابن
لهيعة حدثني عطاء بن دينار عن سعيد بن جبير. قال: عاش رسول الله عَّه بعد نزول هذه
الآية الكريمة تسع ليال، وعند مقاتل: سبع ليال، وهي آخر آية نزلت، وعند القرطبي: ثلاث
ليال، وقيل: ثلاث ساعات، وقال عَّ له: اجعلوها بين آية الربا وآية الدين، وقيل: أنه عَِّ،
عاش بعدها أحد وعشرين يوماً. فإن قلت: ما التوفيق بين قولي ابن عباس رضي الله تعالى
عنهما، المذكورين؟ قلت: طريق الجمع بينهما أن هذه الآية هي ختام الآيات المنزلة في الربا
لأنها معطوفة عليها فتدخلٍ في حكمها. فإن قلت: روي عن البراء أن آخر آية نزلت:
﴿يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة﴾ [النساء: ١٧٦] على ما سيأتي في آخر سورة النساء،
فما الجمع بينهما؟ قلت: قيل بأن الآيتين نزلتا جميعاً فيصدق أن كلاً منهما آخر بالنسبة لما
عداهما. وفيه تأمل. قلت: إن الآخرية أمر نسبي كالأولية فلا يخفى صدق الآخرية على شيء
بالنسبة إلى ما قبله. وكذا يجاب عما قال أبي بن كعب، رضي الله تعالى عنه، آخر آية نزلت
﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم﴾ [التوبة: ١٢٨].
٥٤ - بابٌ: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللهِ فَيَغْفِرُ لِمَنْ
يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَالله عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٨٤].
أي: هذا باب فيه قوله تعالى: ﴿وإن تبدوا ما في إنفسكم﴾ إلى آخره هكذا في رواية
الأكثرين أن الآية المذكورة سيقت إلى آخرها وفي رواية أبي ذر إلى قوله: (أو تخفوه) في
(تفسير ابن المنذر) عن ابن عباس ومولاه نزلت هذه الآية في كتمان الشهادة. وقال ابن أبي
حاتم وروى عن الشعبي ومقسم مثله وفي (صحيح مسلم) عن أبي هريرة: لما نزلت هذه
الآية الكريمة قالت الصحابة يا رسول الله، كلفنا من الأعمال ما نطيق الصلاة والصيام والجهاد
والصدقة. وقد أنزلت هذه الآية ولا نطيقها. فقال النبي عَّ له: أتريدون أن تقولوا كما قال أهل
الكتاب من قبلكم سمعنا وعصينا؟ بل قولوا: ﴿سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير﴾
[البقرة: ٢٨٥] فلما أقرأها القوم زلت ألسنتهم فأنزل الله عز وجل: ﴿آمن الرسول﴾ إلى

١٧٧
٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ / سورَةُ البَقَرَةِ
﴿وإليك المصير﴾ فلما فعلوا ذلك نسخها الله تعالى فأنزل ﴿لا يكلف الله نفساً إلا وسعها﴾
[البقرة: ٢٨٦] إلى قوله: ﴿أخطأنا﴾ وعند الواحدي الصحابة الذين قالوا ذلك أبو بكر وعمر
وعبد الرحمن بن عوف ومعاذ بن جبل وناس من الأنصار، رضي الله تعالى عنهم، فقالوا: ما
نزلت آية أشد علينا من هذه الآية، فقال رسول الله عَّ الله: هكذا أنزلت. فقولوا: سمعنا وأطعنا.
فمكثوا بذلك حولاً فأنزل الله عز وجل الفرج والراحة بقوله: ﴿لا يكلف نفساً إلا وسعها﴾
فنسخت هذه الآية ما قبلها. وقال عَّلـ: إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم
يعملوا أو يتكلموا به، وعند النحاس، قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: هذه الآية لم
تنسخ، ووجه ما قاله بأن هذه الآية خبر، والأخبار لا يلحقها ناسخ ولا منسوخ. قيل: ومن
زعم أن من الأخبار ناسخاً ومنسوخاً فقد ألحد وأجهل.
وأجيب بأنه وإن كان خبراً لكنه يتضمن حكماً ومهما كان من الأخبار ما يتضمن
حكماً أمكن دخول النسخ فيه كسائر الأحكام وإنما الذي لا يدخله النسخ من الأخبار وما
كان خبراً محضاً لا يتضمن حكماً كالأخبار عما مضى من أحاديث الأمم ونحو ذلك:
وقيل: يحتمل أن يكون المراد بالنسخ في الحديث التخصيص، فإن المتقدمين يطلقون لفظ
النسخ عليه كثيراً وفي (تفسير ابن أبي حاتم) من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس:
هذه الآية لم تنسخ، ولكن إذا جمع الله الخلائق يقول إني أخبركم ما أخفيتم في أنفسكم
مما لم يطلع عليه ملائكتي، فأما المؤمنون فيخبرهم ثم يغفر لهم، وأما أهل الريب فيخبرهم
بما أخفوا من التكذيب فذلك قوله: ﴿يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء﴾.
٦٧ / ٤٥٤٥ - حدَثنا مُحَمَّدٌ حدَّثنا النُّفَيْلِيُّ حدَّثنا مِسْكِينٌ عنْ شُعْبَةَ عنْ خَالِدٍ
الحَذَّاءِ عَنْ مَرْوَانَ الأَصْفَرِ عنْ رَجُلٍ مِنْ أصْحَابِ النبيِّ عَّهِ وَهُوَ ابنُ عُمَرَ أنها قَدْ نُسِخَتْ
﴿إِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾ الآيَةَ [الحديث ٤٥٤٥ - طرفه في ٤٥٤٦].
ذكر محمد، وإنما فيه حدَّثنا النفيلي وهو عبد الله بن محمد بن علي بن نفيل
البخاري، والصواب ثبوته، وزعم ابن السكن أن محمداً هو البخاري فحذفه، وليس كذلك،
ومسكين أخو الفقير بن بكير مصغر بكر أبو عبد الرحمن الحراني، بفتح الحاء المهملة
وتشديد الراء وبالنون نسبة إلى حران مدينة بالشرق واليوم خرابة، مات سنة ثمان وتسعين
ومائة وليس له في البخاري إلاَّ هذا ومروان الأصفر، ويقال له الأحمر أيضاً وقد تقدم في
الحج وليس له إلاّ هذا الحديث وآخر في الحج.
قوله: ((عن رجل من أصحاب النبي عَّه))، وهو ابن عمر، أبهم أولاً ثم أوضح ثانياً
بأنه عبد الله بن عمر، قال الكرماني: هذا التوضيح من الراوي عن مروان، أو تذكر بعد نسيانه،
وقال بعضهم: لم يتضح لي من هو الجازم بأنه ابن عمر. فإن الرواية الآتية بعد هذه بلفظ:
أحسبه ابن عمر. قلت: لا يحتاج إلى إيضاح الجازم إياه لأنه أحد رواة الحديث على كل
حال. وهم ثقات، وقد جزم في هذه الرواية بأنه ابن عمر. وقوله في الرواية الأخرى: أحسبه
عمدة القاري/ ج١٨ م١٢
:

١٧٨
٦٥ - كِتابُ تَفْسِيرِ القُرْآنِ / سورَةُ البَقَرَةِ
يحتمل أن يكون قبل جزمه بأنه ابن عمر فلما تحقق ابن عمر ذكره بالجزم. وقال ابن التين إن
ثبت هذا عن ابن عمر، رضي الله تعالى عنهما، فمعنى النسخ هنا العفو والوضع. قوله: ((أنها
نسخت))، ويروى أنه قال: إنها نسخت، أي: أن قوله: ﴿وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه
يحاسبكم به الله﴾ وقوله: (وإن تبدوا) إلى آخره بيان لما قبله، وهو أن المنسوخ هو قوله:
﴿وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله﴾ فإن قلت: روى أحمد من طريق
مجاهد. قال: دخلت على ابن عباس. فقلت: عبد الله بن عمر، فقرأ ﴿وإن تبدوا ما في
أنفسكم يحاسبكم به الله﴾ فبكى. وقال ابن عباس: إن هذه الآية لما نزلت غمت أصحاب
رسول الله عَّهِ، غماً شديداً. وقالوا: يا رسول الله! هلكنا، فإن قلوبنا ليست بأيدينا فقال:
قولوا سمعنا وأطعنا. فقالوا: فنسختها هذه الآية: ﴿لا يكلف الله نفساً إلاَّ وسعها﴾ انتهى. فهذا
يدل على أن ابن عمر لم يطلع على كون هذه الآية منسوخة. قلت: أجيب بأنه يمكن أن ابن
عمر لم يكن عرف القصة أولاً. ثم لما تحقق ذلك جزم بالنسخ، فيكون مرسل صحابي.
٥٥ - باب: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أَنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ﴾ [البقرة: ٢٨٤]
أي: هذا باب فيه قوله تعالى: ﴿آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه﴾ إلى آخر السورة.
قوله: ((آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه))، إخبار من الله عن النبي عَُّلِّ بذلك (فإن قلت)
قال: آمن الرسول بما أنزل إليه، ولم يقل: آمن الرسول بالله، وقال: ﴿والمؤمنون كل آمن
بالله﴾ قلت: الكفر ممتنع في حق الرسول وغير ممتنع في حق المؤمنين. قوله:
((والمؤمنون))، عطف على الرسول. قوله: ((كل آمن بالله)) إخبار عن الجميع، والتقدير:
والمؤمنون كلهم آمنوا بالله وملائكته وكتبه المنزلة، وإن كان بعضهم نسخ شريعة بعض بإذن
الله تعالى. قوله: ﴿لا نفرق﴾ أي: تقولون لا نفرق، وعن أبي عمر: لا يفرق، بالياء، على أن
الفعل لكل واحد، وقرأ عبد الله، لا يفرقون. قوله: ﴿وقالوا سمعنا﴾ أي: أجبنا قوله:
﴿غفرانك﴾ منصوب بإضمار فعله فقال: غفرانك لا كفرانك. أي: نستغفرك ولا نكفرك.
قوله: (نفساً إلا وسعها) الوسع ما يسع الإنسان ولا يضيق عليه، والنفس يعم الملك والجن
والإنس، قاله ابن الحصار. قوله: (لها ما كسبت) خص الخير بالكسب. والشر بالاكتساب
لأن في الاكتساب أعمالاً وقصداً وجهداً. قوله: ((إن نسينا)) المراد بالنسيان الذي هو السهو.
وقيل: الترك والإغفال. قال الكلبي: كانت بنو إسرائيل إذا نسوا شيئاً مما أمرهم الله به أو
أخطأوا أعجلت لهم العقوبة فيحرم عليهم شيء من المطعم والمشرب على حسب ذلك
الذنب، فأمر الله تعالى نبيه والمؤمنين أن يسألوه ترك مؤاخذتهم بذلك. قوله: (وأخطأنا) قيل:
من القصد والعمد. وقيل: من الخطأ الذي هو الجهل والسهو، وقال ابن زيد: إن نسينا شيئاً
مما افترضته علينا. لو أخطأنا شيئاً مما حرمته علينا.
(فإن قلت): النسيان والخطأ متجاوز عنهما. فما فائدة الدعاء بترك المؤاخذة بهما؟
قلت: المراد استدامته والثبات عليه كما في قوله: ﴿اهدنا الصراط المستقيم﴾ [الفاتحة: ٦]

١٧٩
٦٥ - كِتَابُ تَفْسيِرِ القُرْآنِ / سورَةُ البَقَرَةِ
وتفسير: الإصر. يأتي الآن. قوله: ((على الذين من قبلنا)) وهم اليهود، وهو الشيء الذي يشق،
وذلك أن الله تعالى فرض عليهم خمسين صلاة وأمره بأدائهم ربع أموالهم في الزكاة ومن
أصاب ثوبه نجاسة قطعها ومن أصاب منهم ذنباً أصبح وذنبه مكتوب على بابه ونحوه من
الأثقال والأغلال التي كانت عليهم. قوله: ﴿لا تحملنا ما لا طاقة لنا به﴾ فيه سبعة أقوال:
(الأول): ما لا يطاق ويشق من الأعمال. (الثاني): العذاب. (الثالث): حديث النفس
والوسوسة. (الرابع): الغلمة وهي شدة شهوة الجماع، لأنها ربما جرت إلى جهنم.
(الخامس): المحبة حكي أن ذا النون تكلم في المحبة فمات أحد عشر نفساً في
المجلس. (السادس): شماتة الأعداء. قال الله تعالى إخباراً عن موسى وهارون عليهما
السلام: ولا تشمت بي الأعداء. (السابع): الفرقة والقطيعة. قوله: ﴿واعف عنا﴾
[البقرة: ٢٨٦] أي: تجاوز عنا (واغفر لنا) أي: استر علينا (وارحمنا) أي: لا توقعنا بتوفيقك
في الذنوب (أنت مولانا) أي: ناصرنا وولينا ﴿وانصرنا على القوم الكافرين﴾ الذين جحدوا
دينك وأنكروا وحدانيتك وعبدوا غيرك.
وقال ابنُ عَبَّاسِ إِصْراً عَهْداً
هذا وصله الطبري من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: ﴿ولا تحمل
علينا إصراً﴾ أي: عهداً قلت: المراد بالعهد الميثاق الذي لا نطيقه ولا نستطيع القيام به.
وقال الزمخشري: الإصر العبء الذي يأصر حامله أي يحبسه مكانه لا يستقل لثقله. وعن ابن
عباس (لا تحمل علينا إصراً) لا تمسخنا قردة ولا خنازير، وقيل: ذنباً لي فيه توبة ولا كفارة
وقرىء آصار، على الجمع.
وَيُقالُ: غُفْرَانَكَ مَغْفِرَتَكَ فَاغْفِرْ لَنَا
هذا تفسير أبي عبيدة. قلت: كل واحد من الغفران والمغفرة مصدر: وقد مضى الآن
وجه النصب.
٦٨ /٤٥٤٦ - حدَثني إِسْحَاقُ أُخْبَرِنا رَوْعٌ أُخْبَرِنَا شُعْبَةُ عنْ خَالِدِ الحَذَّاءِ عَنْ مَرْوَانِ
الأصْفَرِ عَنْ رَجُلِ مِنْ أصْحَابِ رَسُولِ اللهِ عَّلِ قال أحسبُهُ ابنَ عُمَرَ ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي
أَنْفسِكُمْ أوْ تُخْفُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤] قال نَسَخَتْها الآيَةَ الَّتِي بَعْدَها.
هذا طريق آخر في الحديث السابق، قبل هذا الباب، ومضى الكلام فيه، وإسحاق هو
ابن منصور، ذكره أبو نعيم وأبو مسعود وخلف وروح بن عبادة. قوله: ((الآية)) التي بعدها هي
قوله تعالى: ﴿لا يكلف نفساً إلاَّ وسعها﴾ [البقرة: ٢٨٦].

١٨٠
٦٥ - كِتَابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ / سورة آل عمران
٣ - سُورَةُ ﴿آل عِمْرَانَ﴾
أي: هذا تفسير سورة آل عمران.
بسم الله الرحمن الرحيم
كذا وقع في رواية أبي ذر دون غيره. وهو حسن لأن ابتداء الأمر ببسم الله الرحمن
الرحيم يتبارك فيه: ولما فرغ من بيان سورة البقرة شرع في تفسير سورة آل عمران، وابتدأ
بالبسملة لما ذكرنا، ولقوله عَّهِ: ((كل أمر ذي بال)) الحديث وهو مشهور.
بابٌ: تُقَاةُ وتقيَّةٌ واحدَة
أشار بهذا إلى ما في قوله تعالى: ﴿إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه وإلى
الله المصير﴾ [آل عمران: ٢٨] والمعنى مرتبط بما قبله. وهو أول الآية: ﴿لا يتخذ المؤمنون
الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك﴾ يعني: ومن يوالي الكفار. (فليس من الله
في شيء) يقع عليه اسم الولاة. (إلا أن تتقوا منهم تقاة). يعني: إلا أن تخافوا من جهتهم
أمراً يجب اتقاؤه، وانتصاب: تقاة. على أنه مفعول تتقوا، ويجوز أن يكون، تتقوا، متضمناً
معنى: تخافوا، كما ذكرنا ويكون: تقاة. نصباً على التعليل، ومعنى قول البخاري: تقاة وتقية
واحدة، يعني: كلاهما مصدر بمعنى واحد. قرىء في موضع تقاة تقية، والعرب إذا كان معنى
الكلمتين واحداً، واختلف اللفظ يخرجون مصدر أحد اللفظين على مصدر اللفظ الآخر،
وكان الأصل هنا أن يقال: إلا أن تتقوا منهم اتقاء، وهنا أخرج كذلك لأن تقاة مصدر: تقيت
فلاناً، ولم يخرج على مصدر: اتقيت، لأن مصدر اتقيت إتقاء وتقاة وتقية وتقى وتقوى،
كلها مصادر تقيته، بمعنى واحد، يقال: تقى يتقي. مثل رمى يرمي، وأصل التاء الواو لأنها في
الأصل من الوقاية، ومن كثرة استعمالها بالتاء يتوهم أن التاء من نفس الحروف.
صِرَّ بَزْدٌ
أشار به إلى ما في قوله تعالى: ﴿مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا كمثل ريح فيها
صر أصابت حرث قوم ظلموا﴾ [آل عمران: ١١٧] الآية وفسر الصر بقوله برد، والصر بكسر
الصاد وتشديد الراء وهو الريح الباردة نحو الصرصر.
شفَا حُفْرَةٍ مِثْلُ شَفا الرّكِيَّةِ وَهُوَ حَرْفُها
أشار به إلى ما في قوله تعالى: ﴿وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها﴾ [آل
عمران: ١٠٣]. قال الزمخشري: معناه. وكنتم مشفين على أن تقعوا في نار جهنم لما كنتم
عليه من الكفر فأنقذكم منها بالإسلام. قوله: ((مثل شفا الركية)) بفتح الراء وكسر الكاف
وتشديد الياء آخر الحروف. وهي البئر، والشفا، بفتح الشين المعجمة وتخفيف الفاء الحرف
وهو معنى قوله: ((وهو حرفها))، بفتح الحاء المهملة وسكون الراء، وهكذا رواية الأكثرين،