Indexed OCR Text

Pages 121-140

١٢١
٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ / سورَةُ البَقَرَّةِ
لفظ: سبحان، مضاف إلى ياء المتكلم يعني: أنزه نفسي ((أن أتخذ)) بأن اتخذو: وأن،
مصدرية أي: من اتخاذ الصاحبة أي: الزوجة والولد.
٩ - بابٌ قَوْلُهُ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّى﴾ [البقرة: ١٢٥]
أي: هذا باب، وليس في كثير من النسخ لفظ: باب، وإنما المذكور قوله تعالى:
﴿واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى﴾ قوله: ((واتخذو))، بكسر الخاء المعجمة، أمر للجماعة
على إرادة القول، أي: وقلنا اتخذوا منه موضع صلاة، وهكذا هو عند الجمهور، وقرىء:
واتخذوا، بفتح الخاء: جملة فعلية ماضية، وهي قراءة نافع وابن عامر، أي: واتخذ الناس من
مكان إبراهيم، عطف على قوله: ﴿وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا واتخذوا﴾ الآية، ومقام
إبراهيم هو الحجر الذي عليه أثر قدميه، وعن عطاء، مقام إبراهيم عرفة والمزدلفة والجمار لأنه
قام في هذه المواضع ودعا فيها. قوله: ((مصلى))، أي: موضع صلاة تصلون فيه، وهو على
وجه الاختيار والاستحباب دون الوجوب، وقيل: مصلى، أي: مدعى.
مَثَابَةً يَتُوبُونَ يَرْجِعُونَ
هو في قوله: ﴿وإذ جعلنا البيت مثابة﴾ يعني: مرجعاً للناس من الحجاج والعمار
يتفرقون عنه ثم يثوبون إليه، والمثابة: الموضع الذي يرجع إليه مرة بعد أخرى، من ثاب ثوباً
وثوباناً فارجع بعد ذهابه، وأصله: مثوبة، نقلت حركة الواو إلى ما قبلها ثم قلبت ألفاً لتحركها
في الأصل وانفتاح ما قبلها، ونقل بعضهم عن أبي عبيدة: أن مثوبة، مصدر يثوبون. قلت:
ليس بمصدر بل هو إسم للمصدر، ويجوز أن يكون مصدراً ميمياً.
١٠/ ٤٤٨٣ - حدَثنا مُسَدَّدٌ عنْ يَحْيِّى بنِ سَعِيدٍ عنْ حُمَيْدٍ عنْ أَنَسٍ قال قال عُمَرُ
رضي الله عنه وافَقْتُ الله في ثَلاَثٍ أَوْ وافَقَنِي رَبِّي فِي ثَلاَثٍ قُلْتُ يا رسولَ الله لَوِ اتَّخَذْتَ
مِنْ مَقامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلَّى وَقُلْتُ يا رسولَ اللهَ يَدْخُلُ عَلَيْكَ البَرُ والفاجِرُ فَلَوْ أَمَرْتَ أُمَّهات
المُؤْمِنِينَ بالحِجابِ فأنزلَ اللهِ آيَةَ الحجاب قال وبَلَغَني مُعاتَبَةُ النِبِيِّ عَُّلِّ بَعْضَ نِسائِهِ
فَدَخَلْتُ عَلَيْهِنَّ قُلتُ إِنِ انْتَهَيْتُنَّ أَوْ لَيُبَدِّلَنَّ الله رسولَهُ عَ لَّهِ خَيْراً مِنْكُنَّ حَتَّى أَتَيْتُ إِحْدَى
نِسائِهِ قالَتْ يا عُمَرُ أَمَا في رسولِ اللهِ عَّلَّهِ ما يَعِظُ نِسَاءَهُ حَتَّى تَعِظَهُنَّ أَنْتَ فَأَنْزَلَ الله:
﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبَدِّلَهُ أَزْوَاجاً خَيْراً مِنْكُنَّ مُسْلِماتٍ﴾ [التحريم: ٥]. [انظر الحديث
٤٠٢ وأطرافه].
مطابقته للآية في قوله: ﴿واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى﴾ والحديث مضى في
كتاب الصلاة في: باب ما جاء في القبلة، فإنه أخرجه هناك عن عمرو بن عون عن هشيم عن
حميد عن أنس، ومضى الكلام فيه هناك. قوله: ((آية الحجاب)) هي قوله تعالى: ﴿يا أيها
النبي قل لأزواجك﴾ [الأحزاب: ٥٩] الآية. قوله: ((إحدى نسائه)) هي أم سلمة، وفيه
الموافقة في ثلاثة، وقد ثبتت أيضاً في منع الصلاة على المنافقين، وفي قصة أسارى بدر.

١٢٢
٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ / سورَةُ البَقَرَةِ
وفي تحريم الخمر، والتخصيص بالعدد لا ينافي الزائد، ويحتمل أن يكون هذا القول قبل
موافقة هذه الثلاثة.
وقال ابنُ أبي مَوْيَمَ أخبرنا يحيى بنُّ أَيُّوبَ حدثني حُمَيْدٌ سَمِعْتُ أنَساً عنْ عُمرَ رضي
الله عنه.
ابن أبي مريم سعيد بن محمد بن الحكم بن أبي مريم المصري، ويحيى بن أيوب
الغافقي، بالغين المعجمة والفاء والقاف، ومضى هذا أيضاً في كتاب الصلاة في الباب
المذكور آخر هذا الحديث، وهناك لفظه: وقال أبو عبد الله: وقال ابن أبي مريم، وأبو عبد الله
هو البخاري ذكر هذا عن ابن أبي مريم بالمذاكرة، وقد مر الكلام فيه هناك فليرجع إليه.
١٠ - باب: قَوْلُهُ تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وإِسْمَاعِيلُ رَبَّنا
تَقَبَّلْ مِنَّ إِنَّكَ أنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٧]
أي: أذكر إذ يرفع أي: حين يرفع إبراهيم، وهي حكاية حال ماضية، والقواعد جمع
قاعدة وهي الأساس والأصل لما فوقه، وقال الفراء: القواعد أساس البيت، وقال الطبري:
اختلفوا في القواعد التي رفعها إبراهيم وإسماعيل، صلوات الله عليهما، أهما أحدثاها أم كانت
قبلهما؟ ثم روي بسند صحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: كانت قواعد البيت، قيل
ذلك، ومن طريق عطاء قال: قال آدم عليه السلام: أي رب، لا أسمع أصوات الملائكة، قال:
ابن لي بيتاً ثم أخفف به كما رأيت الملائكة تحت بيتي الذي في السماء، فزعم الناس أنه
بناه من خمسة أجبل حتى بناه إبراهيم عليه السلام، بعد وقال الزمخشري: معنى رفع القواعد:
رفعها بالبناء. قوله: ((ربنا))، أي: يقولان: ربنا، يعني: يرفعانها حال كونهما قائلين: ربنا. قوله:
((إنك أنت السميع العليم)) أي: لدعائنا، العليم أي: بضمائرنا ونياتنا.
القَوَاعِدُ أساسُهُ واحِدَتُها قاعِدَةٌ والقَوَاعِدُ مِنَ النِّساءِ واحدُها قاعِدٌ
أشار بهذا إلى الفرق بين القواعد التي هي جمع قاعدة البناء، وبين جمع القواعد التي
هي جمع قاعد من النساء بلا تاء، حاصله أن لفظ القواعد مشترك بين قواعد الأساس وقواعد
النساء، والفرق في مفرديهما أن القاعدة بتاء التأنيث الأساس، وبدونها المرأة التي قعدت عن
الحيض، وذلك لتخصيصهن بذلك في هذه الحالة وفي غير هذا الحال بالتاء أيضاً، وذلك
من القعود خلاف القيام، فافهم.
٤٤٨٤/١١ - حدَثنا إِسْماعِيلُ قال حدثني مالِكٌ عنِ ابنِ شِهابٍ عنْ سالِمِ بنِ عَبْدِ الله
أَنَّ عَبْدَ اللهِ بنَ مُحَمَّدٍ بنِ أبي بَكْرٍ أَخْبَرَ عبْدِ الله بنَ عُمَرَ عِنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها زَوْجِ النبيِّ
عَِّ أَنَّ رَسُولَ الله عَ لِ قال أَلَمْ تَرَى أَنَّ قَوْمكِ بَنُوا الكَغْبَةَ وَاقْتَصَرُوا عِنْ قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ
فَقُلْتُ يا رسولَ الله أَلاَ تَرُدُّوها عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيم قال لَوْلاَ حِذْثَانُ قَوْمِكِ بالْكُفرِ فقال عَبْدُ الله
بنُ عُمَرَ لَئِنْ كانَتْ عَائِشَةُ سَمِعَتْ لهذَا مِنْ رسولِ اللهِ عَّ ◌َلِّ مَا أُرَى رسولَ الله عَ لِ تَرَكَ اسْتِلاَمَ

١٢٣
٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ / سورَةُ البَقَرَةِ
الوُكْنَيْنِ اللَّذَيْنِ يَلِيانِ الحِجْرَ إلا أنَّ البَيْتَ لَمْ يُتَمَّمْ عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ. [انظر الحديث ١٢٦
وأطرافه].
مطابقته للآية في قوله: ((واقتصروا عن قواعد إبراهيم)) وإسماعيل هو ابن أبي أويس،
وعبد الله بن محمد بن أبي بكر الصديق رضي الله عنه، والحديث مضى في كتاب الحج
في: باب فضل مكة وبنيانها ومضى الكلام فيه هناك.
قوله: ((حدثان))، بكسر الحاء وسكون الدال المهملتين وبالثاء المثلثة: مصدر حدث
يحدث حدوثاً وحدثاناً، وجواب: لولا، محذوف تقديره: لولا قرب عهد قومك ثابت لرددتها.
قوله: ((الحجر)) بكسر الحاء، وذلك لأن ستة أذرع منه كانت من البيت، فالركنان اللذان فيه
لم يكونا على الأساس الأول. قوله: ((لم يتمم)) ويروى: لم يتم.
١١ - بابٌ: ﴿قُولُوا آمَنَّا بالله وما أَنْزِل إِلَيْنَا﴾ [البقرة: ١٣٦]
أي: هذا باب يذكر فيه: ﴿قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا﴾ ولم يثبت لفظ: باب إلّ في
رواية أبي ذر. قوله: ((قولوا))، خطاب للمؤمنين، قاله الزمخشري، ويجوز أن يكون خطاباً
للكافرين.
١٢/ ٤٤٨٥ - حدَثنا مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ حدَّثنا عُثْمانُ بنُ عُمَرَ أُخْبَرَنا عَلِيُّ بنُ المُبارَك
عنْ يَخْبَى بنِ أبي كَثِيرٍ عنْ أبي سلمَةً عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه. قال: كانَ أهلُ الكِتابِ
يَقْرَؤُونَ التَّوْرَاةَ بالعِبْرَانِيَّةِ ويفسِّرُونَها بالعرَبِيَّةِ لأَهْلِ الإِسْلاَمِ فقال رسُولُ اللهِ عَلَّمِ لاَ تُصَدِّقُوا
أَهْلَ الْكِتَابِ ولاَ تُكَذِّبُوهُمْ ﴿وَقُولُوا آمنا بالله وما أَنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ [البقرة: ١٣٦] الآية.
مطابقته للآية في قوله: ﴿قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم﴾ إلى قوله:
﴿ونحن له مسلمون﴾. والحديث ذكره البخاري أيضاً في الاعتصام وفي التوحيد عن محمد
ابن بشار أيضاً. وأخرجه النسائي في التفسير أيضاً عن محمد بن المثنى.
قوله: (كان أهل الكتاب))، أي: من اليهود. قوله: ((لا تصدقوا))، إلى آخره، يعني: إذا
كان ما يخبرونكم به محتملاً لئلا يكون في نفس الأمر صدقاً فتكذبوه، أو كذباً فتصدقوه
فتقعوا في الحرج، ولم يرد النهي عن تكذيبهم فيما ورد شرعنا بخلافه، ولا عن تصديقهم
فيما ورد شرعنا بوفاقه. وقال الخطابي: هذا الحديث أصل في وجوب التوقف عما يشكل
من الأمور فلا يقضي عليه بصحة أو بطلان ولا بتحليل وتحريم، وقد أمرنا أن نؤمن بالكتب
المنزلة على الأنبياء، عليهم السلام، إلاَّ أنه لا سبيل لنا إلى أن نعلم صحيح ما يحكونه عن
تلك الكتب من سقيمه، فنتوقف فلا نصدقهم لئلا نكون شركاء معهم فيما حرفوه منه، ولا
نكذبهم فلعله يكون صحيحاً فنكون منكرين لما أمرنا أن نؤمن به، وعلى هذا كان يتوقف
السلف عن بعض ما أشكل عليهم وتعليقهم القول فيه كما سئل عثمان رضي الله عنه، عن
الجمع بين الأختين في ملك اليمين، فقال: أحلتهما آية وحرمتهما آية، وكما سئل ابن عمر
عن رجل نذر أن يصوم كل اثنين، فوافق ذلك اليوم يوم عيد، فقال: أمر الله بالوفاء بالنذر

١٢٤
٦٥ - كِتابُ تَفْسِيرِ القُرْآنِ / سورَةُ البَقَرَةِ
ونهى النبي عَّله، عن صوم يوم العيد، فهذا مذهب من يسلك طريق الورع وإن كان غيرهم
قد اجتهدوا واعتبروا الأصول فرجحوا أحد المذهبين على الآخر، وكل على ما ينويه من
الخير ويؤمه من الصلاح مشكور.
١٢ - باب: ﴿سَيَقُولُ السِفَهاءُ مِنَ النَّاسِ ما وَلاَّهُمْ عِنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا
قُلْ الله المَشْرِقُ والمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٌ﴾ [البقرة: ١٤٢].
وفي بعض النسخ: باب قوله تعالى: ﴿سيقول السفهاء﴾ ولكن في رواية أبي ذر إلى
قوله: ﴿ما ولاهم عن قبلتهما﴾ فقط، والسفهاء جمع سفيه. قال الزمخشري: سيقول السفهاء
أي: خفاف الأحلام وهم اليهود لكراهتهم التوجه إلى الكعبة وأنهم لا يرون النسخ، وقيل:
المنافقون بحرصهم على الطعن والاستهزاء، وقيل: المشركون. قالوا: رغب عن قبلة آبائه ثم
رجع إليها والله ليرجعن إلى دينهم. قوله: ((ما ولاهم)) أي: أي شيء رجعهم عن قبلتهم التي
كانوا عليها وهو بيت المقدس، قل يا محمد (الله المشرق والمغرب))، أي: بلاد الشرق
والغرب والأرض كلها، وهذا جواب لهم أي الحكم والتصرف في الأمر كلمة الله ﴿فأينما
تولوا فثم وجه الله﴾ فيأمرهم بالتوجه إلى أي جهة شاء، وقيل: أراد بالمشرق الكعبة لأن
المصلي بالمدينة إذا توجه إلى الكعبة فهو متوجه للمشرق، وأراد بالمغرب بيت المقدس لأن
المصلي في المدينة إلى بيت المقدس متوجه جهة المغرب.
٤٤٨٦/١٣ - حدَثنا أَبُو نُعَيْمِ سَمِعَ زُهَيْراً عن أبي إسحاقَ عنِ البَرَاءِ رضي الله عنه
أنَّ رسُولَ اللهِ عَِّ صَلَّى إلى بَيْتِ المَقْدِسِ سِنَّةَ عَشَرَ شهْراً أوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْراً وكان
يُعْجِبُهُ أنْ تكُونَ قِثْلَتُهُ قبلَ البَيْتِ وإِنَّهُ صَلَّى أَوْ صَلاَّهَا صَلاةَ العَصْرِ وصَلَّى مَعَهُ قَوْمٌ فَخَرَجَ
رجُلٌ ممَّنْ كانَ صَلَّى مَعَهُ فَمَرَّ عَلَى أَهْلِ المَسْجِدِ وهُمْ رَاكِعُونَ فقالَ أَشْهَدُ بالله لقدْ صَلَيْتُ
مَعَ النبيِّ عَلَّهِ قِبَلَ مَكّْةَ فِدَارُوا كَمَا هُمْ قِبَلَ البَيْتِ وكانَ الذِي ماتَ عَلَى القِئْلَةِ قَبلَ أنْ
تُحَوَّلَ قِبَلَ البَيْتِ رِجَالٌ قُتِلُوا لَمْ نَدْر ما نَقُولُ فِيهِمْ فَأَنْزَلَ الله: ﴿وما كانَ الله لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ
إِنَّ الله بالناسِ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾. [انظر الحديث ٤٠ وأطرافه].
مطابقته للآية ظاهرة. وأبو نعيم الفضل بن دكين، وزهير - تصغير زهر - ابن معاوية،
وأبو إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي والبراء هو ابن عازب رضي الله عنه.
والحديث مضى في كتاب الإيمان في: باب الصلاة من الإيمان، فإنه أخرجه هناك بأتم
منه عن عمرو بن خالد عن زهير إلى آخره، ومر الكلام فيه هناك مطولاً.
قوله: ((أو سبعة عشر))، شك من الراوي. قوله: ((قبل البيت)). بكسر القاف وفتح الباء
الموحدة، أي: جهة الكعبة. قوله: ((أو صلاها)) شك من الراوي قوله: ((صلاة العصر))،
بالنصب بدل من الضمير المنصوب الذي في: صلاها. قوله: ((رجل))، قيل: هو عباد بن
نهيك الخطمي الأنصاري، قاله أبو عمر في (كتاب الاستيعاب) وقال ابن بشكوال: هو عباد

١٢٥
٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ / سورَةُ البَقَرَةِ
بن بشر الأشهلي. قوله: ((إيمانكم))، أي: صلاتكم.
١٣ - بابٌ قَوْلُهُ تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى
النَّاسِ وَيَكونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدا﴾ [البقرة: ١٤٣]
أي: هذا باب يذكر فيه قوله تعالى: ﴿وكذلك جعلناكم﴾ الآية، هذا هكذا في رواية
أبي ذر، وفي رواية غيره إلى قوله: ﴿لرؤوف رحيم﴾ [البقرة: ١٤٣] قوله: ((وكذلك جعلناكم
أمة وسطاً)) أي: كما اخترنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وأولاده وأنعمنا عليهم بالحنيفية
جعلناكم أمة وسطاً. وقال ابن كثير في (تفسيره): يقول الله تعالى: إنما حولناكم إلى قبلة
إبراهيم عليه الصلاة والسلام، واخترناها لكم لنجعلكم خيار الأمم لتكونوا يوم القيامة شهداء
على الأمم، لأن الجميع معترفون لكم بالفضل. وقال الزمخشري: وكذلك جعلناكم، ومثل
ذلك الجعل العجيب جعلناكم أمة وسطاً أي خياراً، ويستوي فيه الواحد والجمع والمذكر
والمؤنث.
١٤ / ٤٤٨٧ - حدَثنا يُوسُفُ بنُ راشِدٍ حدثنا جَرِيرٌ وأبُو أُسامَةَ واللَّفْظُ لِجَرِيرٍ عنٍ
الأعْمَشِ عنْ أبي صالِحٍ. وقال أبُو أَسامَةً حدثنا أبو صالِح عنْ أبي سَعِيدِ الخُدْرِيِّ قالِ قال
رسولُ الله عَّهِ يُذْعَى نُوحٌ يَوْمَ القِيَامَةِ فَيَقُولُ لَبَيْكَ وَسَعْدَيْكَ يَا رَبِّ فَيَقُولُ هَلْ بَلَّغْتَ
فَيَقُولُ نَعَمْ فَيُقالُ لأَمَّتِهِ هَلْ بَلَّفَكُمْ فَيَقُولون مَا أتانا مِنْ نَذِيرٍ فَيَقُولُ مَنْ يَشْهَدُ لَكَ فَيَقُولُ
مُحَمَّدٌ وأمَّتُهُ فَيَشْهَدُونَ أنّهُ قَدْ بِلَّغَ وِيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً فَذَلِكَ قَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ:
﴿وَكَذْلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّة وسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكون الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ
شَهِيداً﴾. والوَسَطُ العَدْلُ. [انظر الحديث ٣٣٣٩ وطرفه].
مطابقته للآية ظاهرة. ويوسف هو ابن موسى بن راشد بن بلال القطان الكوفي، وجرير
هو ابن عبد الحميد، وأبو أسامة حماد بن أسامة، والأعمش سليمان، وأبو صالح ذكوان، وأبو
سعيد الخدري سعد بن مالك بن سنان.
والحديث مضى في كتاب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، في: باب قوله تعالى: ﴿إِنا
أرسلنا نوحاً﴾ [نوح: ١] ومضى الكلام فيه هناك.
قوله: ((والوسط: العدل)) قيل، هو مرفوع من نفس الخبر وليس بمدرج من قول بعض
الرواة كما وهمه بعضهم. قلت: فيه تأمل، وقال ابن جرير: الوسط العدل والخيار، وأنا أرى
أن الوسط في هذا الموضع هو الوسط الذي بمعنى الجزء الذي هو بين الطرفين مثل: وسط
الدار، وروي أن الرب - عز وجل - إنما وصفهم بذلك لتوسطهم في الدين فلا هم أهل غلو
فيه كالنصارى ولا هم أهل تقصير فيه كاليهود، وقال الزمخشري: وقيل للخيار: وسط، لأن
الأطراف يتسارع إليها الخلل والإعواز والأوساط محفوظة.

١٢٦
٦٥ - كِتَابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ / سورَةُ البَقَرَةِ
١٤ - بابٌ قَوْلُهُ تعالى: ﴿وما جَعَلْنَا القِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلا لِنَعْلَمَ مِنْ يَتَّبِعُ
الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وإنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى الله وما
كانَ الله لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ الله بالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٤٣]
أي: هذا باب يذكر فيه قوله تعالى: ﴿وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلاَّ لنعلم من
يتبع الرسول﴾ إلى هنا رواية أبي ذر وفي رواية غيره إلى آخر الآية التي ذكرناها. قوله: ((وما
جعلنا القبلة التي كنت عليها)) يعني: وما جعلنا القبلة التي تحب أن تستقبلها الجهة التي
كنت عليها أولاً بمكة وما رددناك إليها إلاَّ امتحاناً للناس وابتلاء لنعلم الثابت على الإسلام
الصادق فيه ممن هو على حرف ينكص على عقبيه لقلقه فيرتد. قوله: ((وإن كانت))، كلمة:
إن المخففة التي تلزمها اللام الفارقة، والضمير في: كانت، يرجع إلى التحويلة أو إلى القبلة.
قوله: ((الكبيرة))، أي: الثقيلة شاقة ﴿إِلاَّ على الذين هدى الله﴾ وهم التائبون الصادقون في
اتباع الرسول. قوله: ((وما كان الله ليضيع إيمانكم)) أي: ثباتكم على الإيمان، وعن ابن عباس:
وما كان الله ليضيع إيمانكم أي: بالقبلة الأولى، وتصديقكم نبيكم باتباعه إلى القبلة الأخرى،
أي: ليعطيكم أجرهما جميعاً.
٤٤٨٨/١٥ - حدثنا، مُسَدَّدٌ حدثنا يَحْيِى عنْ سُفْيانَ عنْ عبْدِ الله بنِ دِينارٍ عنِ ابن
عُمَرَ رضي الله عنهما بَيْنا النَّاسُ يُصَلُّونَ الصُّبْحَ في مَسْجِدٍ قُباءٍ إِذْ جاءَ فقال أَنْزَلَ الله عَلَى
النبيِّ عَ لِّ قُرْآنَاً أَنْ يَسْتَقْبِلَ الكَغْبَةَ فاسْتَقْبَلُوها فَتَوجّهُوا إِلَى الكَعْبَةِ. [انظر الحديث ٤٠٣
وأطرافه].
مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: ((أنزل الله على النبي قرآناً أن يستقبل القبلة)) ويحيى
هو ابن سعيد القطان، وسفيان هو الثوري. والحديث مضى في أوائل الصلاة في: باب ما جاء
في القبلة فإنه أخرجه هناك عن عبد الله بن يوسف عن مالك عن عبد الله بن دينار عن عبد
الله بن عمر الحديث.
١٥ - بابُ قَوْلِ الله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلَّبَ وجْهِكَ في السَّماءِ﴾
إلى ﴿عمَّا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٤٤]
أي: هذا باب في بيان قوله: ((قد نرى)) إلى آخره، والمذكور على هذا الوجه رواية
كريمة. وفي رواية غيرها: إلى قوله: ((فى السماء)).
٤٤٨٩/١٦ _ حدَثنا عليّ بنُ عبْدِ الله حدثنا مُعْتَمِرٌ عنْ أبِيهِ عنْ أنَسٍ رضي الله عنهُ
قال لَمْ يبقَ مِمَّنْ صِلَّى القِبْلَتَيْنِ غيْرِي.
مطابقته للآية تؤخذ من قوله: ممن صلى القبلتين، لأن الآية مشتملة على أمر القبلتين،
وعلي بن عبد الله المعروف بابن المديني، ومعتمر على وزن إسم فاعل من الاعتمار ابن
سليمان بن طرخان.

١٢٧
٦٥ - كِتَابُ تَفْسِيرِ القُرْآنِ / سورَةُ البَقَرَةِ
والحديث أخرجه النسائي أيضاً في التفسير عن إسحاق بن إبراهيم.
قوله: (ممن صلى القبلتين)) يعني: الصلاة إلى بيت المقدس وإلى الكعبة، وقال
أنس: ذلك في آخر عمره، ولعل مراده: أنه آخر من مات بالبصرة، ممن صلى إلى القبلتين،
وهم المهاجرون الأولون والسابقون، وقد ثبت لجماعة ممن سكن البوادي من الصحابة
تأخرهم عن أنس.
١٦ - بابُ: ﴿ولِئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أوْتُوا الكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِلَتَكَ﴾
إلى قَوْلِهِ: ﴿إِنَّكَ إِذَاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٤٥]
أي: هذا باب في ذكر قوله تعالى: ﴿ولئن أتيت﴾ إلى آخره، وهكذا هو في رواية أبي
ذر، يعني: إلى قوله: ﴿ما تبعوا قبلتك﴾ الآية وفي رواية غيره إلى: ﴿لمن الظالمين﴾ يعني:
المذكور فيه. قوله: ((ولئن أتيت))، جواب للقسم المحذوف، قال الزمخشري: قلت: لأن
اللام توطئة للقسم. قوله: ((بكل آية)) أي: بكل برهان. قوله: (ما تبعوا قبلتك)) يعني: لم يؤمنوا
بها، ثم حسم مادة أطماعهم في رجوعه عَّله، إلى قبلتهم بقوله: ﴿ولئن اتبعت أهواءهم﴾
الآية، الخطاب للرسول عَ لَّه والمراد الأمة.
٤٤٩٠/١٧ - حدَثنا خالدُ بنُ مَخْلَدٍ حدثنا سُلَيْمانُ حدثني عبدُ الله بنُ دِینارٍ عنِ ابنِ
عُمَرَ رضي الله عنهما بَيْنَما النَّاسُ في الصُّبْحِ بِقُباءٍ جاءَهُمْ رُجُلٌ فقال إنَّ رَسُولَ الله عَ لَّ قَدْ
أُنْزِلَ عَلَيْهِ اللَّيْلَةَ قُرْآنٌ وقدْ أُمِرَ أنْ يَسْتَقْبِلَ الكَعْبَةَ ألاَ فاسْتَقْبِلُوها وكانَ وجْهُ النَّاسِ إلى الشَّامِ
فاسْتَدَارُوا بِوُجُوهِهِمْ إِلَى الكَعْبَةِ. [انظر الحديث ٤٠٣ وأطرافه].
مطابقته للآية تَتَأَتى بالتعسف يوضحها من يمعن النظر فيه. وخالد بن مخلد، بفتح
الميم: البجلي الكوفي، وسليمان هو ابن بلال. والحديث مر عن قريب. إلا كلمة تحضيض
وحث. قوله: ((فاستقبلوها)) أمر للجماعة.
١٧ - بابُ: ﴿الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الكِتابِ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفون أَبْنَاءَهُمْ وإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ
لَيَكْتُمُونَ الحَقِّ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَلاَ تكَونَنَّ منَ المُمْتَرِين﴾ [البقرة: ١٤٦]
أي: هذا باب يذكر فيه: ﴿الذين آتيناهم﴾ إلى آخره. وهذا هكذا رواية غير أبي ذر،
ورواية أبي ذر هكذا: باب ﴿الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم﴾ إلى هنا
فحسب. قوله: ((يعرفونه) أي: يعرفون رسول الله عَّلـ ((كما يعرفون أبناءهم)) بحيث لا يشتبه
عليهم أبناؤهم وأبناء غيرهم، وإنما اختص الأبناء لأن الذكور أشهر وأعرف وهم لصحبة الآباء
ألزم. قال الواحدي: نزلت في مؤمني أهل الكتاب مثل عبد الله بن سلام وأصحابه، كانوا
يعرفون رسول الله عَ ◌ّةٍ وصفته في كتابهم كما يعرفون أولادهم إذا رأوهم، وقال ابن سلام:
لأنا كنت أشد معرفة برسول الله عَ ليه مني يا بني، فقال له عمر رضي الله عنه: كيف ذاك؟
قال: لأني أشهد أن محمداً رسول الله حقاً يقيناً وأنا لا أشهد بذلك لابني لأني لا أدري ما

١٢٨
٦٥ - كِتابُ تَفْسيِرِ القُرْآنِ / سورَةُ البَقَرَةِ
أحدثت النساء. فقال له عمر: وفقك الله. قوله: ((وإن فريقاً منهم))، يعني: من علمائهم
((ليكتمون)) أي: صفة النبي عَّه واستقبال الكعبة. قوله: ((الحق من ربك)) أي: الحق الذي
مع رسول الله عَ لّه وقرأ علي: الحق، بالنصب على الإغراء. قوله: ((من الممترين))، أي:
الشاكين في كتمانهم الحق مع علمهم وفي أنه من ربك، وقيل: الخطاب للرسول، والمراد
الأمة.
٤٤٩١/١٨ - حدَثنا يَحْتِى بِنُ قَزَعَةَ حدّثنا مالِكٌ عنْ عَبْدِ الله بنِ دِينارٍ عن ابنِ عُمَرَ
قال بَيْنا الناسُ بِقُباءٍ فِي صَلاَةِ الصُّبْحِ إِذْ جَاءَهُمْ آتٍ فقال إنَّ النبيَّ عَ لَّهِ قَدْ أَنْزِلَ عَلَيْهِ اللَّيْلَةَ
قُرْآنٌ وَقَدْ أُمرَ أنْ يَسْتَقْبِلَ الكَعْبَةَ فاسْتَقَِّلُوها وكانَتْ وُجُوهُهُمْ إِلَى الشَّأَمِ فَاسْتَدَارُوا إِلَى الكَعْبَةِ.
[انظر الحديث ٤٠٣ وأطرافه].
مطابقته للآية مثل ما ذكرنا في الحديث السابق. والحديث قد مضى الآن وقد رواه
هنا من وجه آخر.
١٨ - بابُ: ﴿وَلِكُلّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها فاسْتِقُوا الخَيْرَاتِ أَيْنَما تَكُونُوا يَأْتِ
بكُمُ الله جَمِيعاً إِنَّ الله عَلَى كلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ١٤٨]
أي: هذا باب يذكر فيه قوله تعالى: (ولكل وجهة). هكذا هو في رواية غير أبي ذر،
وفي رواية أبي ذر هكذا: باب ﴿ولكل وجهة هو موليها﴾ الآية. قوله: ((ولكل)). أي: ولكل
من أهل الأديان ((وجهة)) أي: قبلة. وفي قراءة أبي: ولكل قبلة. قوله: ((هو موليها))، أي: هو
موليها وجهه، فحذف أحد المفعولين. قوله: ((فاستبقوا الخيرات))، أي: فتوجهوا الكعبة
وأعرضوا عن قول الكفار فإن الله يجازيهم يوم القيامة. قوله: ((أينما)) ظرف لتكونوا. وقوله:
((يأت بكم الله جميعاً)) جزاء، ولهذا جزم الفعلين، يعني: ياتٍ بهم للجزاء من موافق ومخالف
لا تعجزونه «إن الله على كل شيء قدير)».
٤٤٩٢/١٩ - حدَثْنا مُحَمَّدُ بنُ المُثَنَّى حدَّثنا يَحْيِى عنْ سُفْيانَ حدثني أبو إِسْحاقَ
قال سَمِعْتُ البَرَاءَ رضي الله عنهُ قال صَلَّيْنَا مَعَ النبيِّ عَّهِ نَحْوَ بَيْتِ المَقْدِسِ سنَّةَ عشَرَ أوْ
سَّبْعَةَ عشَر شَهْراً ثُمَّ صَرَفَهُ نَحْوَ القِبْلَةِ. [انظر الحديث ٤٠ وأطرافه].
مطابقته للآية تؤخذ من معناها. ويحيى هو ابن سعيد القطان، وسفيان هو الثوري، وأبو
إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي، والبراء هو ابن عازب والحديث أخرجه مسلم في الصلاة
عن محمد بن المثنى أيضاً وأبي بكر بن خلاد. وأخرجه النسائي في الصلاة وفي التفسير عن
محمد بن بشار. قوله: ((أو سبعة عشر شهراً)) شك من الراوي. قوله: ((ثم صرفه))، أي: ثم
صرف الله نبيه ((نحو القبلة)) أي: نحو الكعبة، وفي رواية الكشميهني: ثم صرفوا على صيغة
المجهول، أي: ثم صرف الله نبيه وأصحابه إلى الكعبة.

١٢٩
٦٥ - كِتَابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ / سورَةُ البَقَرَةِ
١٩ - باب: ﴿ومِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فوَلْ وَجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرَامِ وإِنَّهُ
لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وما الله بِغافِلٍ عَمَّا تَعْملون﴾ شَطْرُهُ: تِلْقَاؤُهُ [البقرة: ١٤٩]
هكذا هو في غير رواية أبي ذر، وفي رواية أبي ذر: ﴿ومن حيث خرجت فولٌ وجهك
شطر المسجد الحرام﴾ الآية. قوله: ((من حيث خرجت)) أي: ومن أي بلد خرجت للسفر
((فول وجهك شطر المسجد الحرام)) إذا صليت. قوله: ((وإنه)) أي: وإن هذا المأمور به
((للحق من ربك)) وقرىء: تعملون، بالتاء والياء. هذه الآية أمر آخر من الله باستقبال القبلة
نحو المسجد الحرام من جميع أقطار الأرض. قوله: ((شطره)) تلقاؤه أي: شطر المسجد
الحرام تلقاؤه، وهو مبتدأ وخبر والشطر في أصل اللغة: النصف، وهنا المراد به تلقاء المسجد
الحرام.
٤٤٩٣/٢٠ - حدَثنا مُوسى بنُ إِسْماعِيلَ حدَّثنا عَبْدُ العَزِيزِ بنُ مُسْلِمِ حدَّثنا عبْدُ الله
ابنُ دِينارٍ قالٍ سَمِعْتُ ابنَ عُمَرَ رضي الله عنهما يقُولُ بَيْنا النَّاسُ في الصُّبْحِ بِقُباءٍ إِذْ جَاءَهُمْ
رجلٌ فقال أُنْزِلَ اللَّيْلَةَ قُرْآنٌ فَأُمِرَ أنْ يَسْتَقْبِلَ الكَعْبَةَ فاسْتَقْبِلُوها واسْتَدَارُوا كُهَيْئَتِهِمْ فَتَوَجَّهُوا
إلَى الكَعْبَةِ وكانَ وجْهُ النَّاسِ إلَى الشأَمِ. [انظر الحديث ٤٠٣ وأطرافه].
هذا طريق آخر في حديث ابن عمر الماضي. عن قريب.
٢٠ - باب: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرَامِ وحَيْثُمَا
كُنْتُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٥٠]
كرر هذا لحكمة نذكرها الآن.
٢١ /٤٤٩٤ - حدَثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ عنْ مالِكِ عنْ عبْدِ الله بنِ دِينارٍ عنِ ابنِ عُمَّرَ
قال بَيْنَما النَّاسُ في صَلاَةِ الصُّبْحِ بِقُباءٍ إِذْ جاءَهُمْ آتٍ فقال إنَّ رسولَ الله عَلّ قَدْ أُنزِلَّ عَلَيْهِ
اللَّيْلَةَ وقَدْ أُمِرَ أنْ يَسْتَقْبَلَ الكَعْبَةَ فَاسْتَقْبَلُوها وكانَتْ وُجُوهُهُمْ إِلى الشَّأَمِ فَاسْتَدَارُوا إلى القِبْلَةِ.
[انظر الحديث ٤٠٣ وأطرافه].
هذا طريق آخر من وجه آخر في حديث ابن عمر، رضي الله عنهما، أخرجه عن قريب
عن يحيى بن قزعة عن مالك، واختلفوا في حكمة هذا التكرار ثلاث مرار، فقيل: تأكيد، لأنه
أول ناسخ وقع في الإسلام على ما نص عليه ابن عباس وغيره، وقيل: بل هو منزل على
أحوال: فالأمر الأول: لمن هو مشاهد للكعبة. والثاني: لمن هو في مكة غائباً عنها.
والثالث: لمن هو في بقية البلدان، قاله الرازي. وقال القرطبي: الأول: لمن هو بمكة.
والثاني: لمن هو في بقية الأمصار. والثالث: لمن خرج في الأسفار.
عمدة القاري/ ج١٨ م٩

١٣٠
٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ / سورَةُ البَقَرَةِ
٢١ - بابُ قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ الصَّفا والمَزْوَةَ مِنْ شَعائِرِ الله فَمَنْ حَجّ البَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ
جُنَاحَ عَلَيْهِ أنْ يطوَّفَ بِهِما ومَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فإِنَّ اللهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٥٨]
أي: هذا باب يذكر فيه قوله عز وجل: ﴿إِن الصفا﴾، الآية، والآن يأتي تفسيره،
وسبب نزول هذه الآية ما روي عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام: سمعت
رجالاً من أهل العلم يقولون: إن الناس - إِلاّ عائشة - إن طوافنا بين هذين الحجرين من أمر
الجاهلية، وقال آخر من الأنصار: إنما أمرنا بالطواف بالبيت ولم نؤمر بالطواف بين الصفا
والمروة، فأنزل الله تعالى: ﴿إِن الصفا والمروة من شعائر الله﴾ وأما الذي في الطواف
بالكعبة فما ذكره في: (تفسير مقاتل): قال يحيى بن أخطب وكعب بن الأشرف وكعب بن
أسيد وابن صوريا وكنانة ووهب بن يهودا وأبو نافع للنبي عَّلِ لم تطوفون بالكعبة حجارة
مبنية؟ فقال عَّله: إنكم لتعلمون أن الطواف بالبيت حق، وأنه هو القبلة مكتوب في
التوراة والإنجيل، فنزلت، أي: الآيات المذكورة آنفاً.
شَعائِرُ عَلَاَمَاتٌ واحِدَتُها شَعِيرَةٌ
فسر شعائر، المذكورة بقوله: ثم أشار بأنها جمع وواحدتها: شعيرة، بفتح الشين وكسر
"العين، هكذا فسرها أبو عبيدة، وقال ابن الأثير: شعائر الحج آثاره، وقيل: هو كل ما كان من
أعماله: كالوقوف والطواف والسعي والرمي والذبح وغير ذلك.
وقال ابنُ عَبَّاسٍ: الصفْوَانُ، الحَجَرُ ويُقالُ الحِجارَةُ المُلْسُ الَّتي لاَ تُنْبِتُ شَيْئاً
والوَاحِدَةُ صَفْوَانَةٌ بِمَعْنَى الصفا والصَّفا لِلْجَمِيعِ.
قول ابن عباس وصله الطبري من طريق علي بن أبي طلحة. قوله: ((الصفوان))، بفتح
الصاد وسكون الفاء، وهو جمع وواحده: صفوانة. وقال الطبري: الصفا واحد، والمثنى
صفوان والجمع أصفاء وصفيا وصفيا، وقيل: صفيا وصفيا من الغلط القبيح والصواب صفي
وصفي قلت: هكذا الصواب، وقال ابن الأثير: الصفوان الحجر الأملس، والجمع صفي،
وقيل: هو جمع واحده صفوانة قلت: هذا بعينه قول ابن عباس المذكور. قوله: ((الملس))،
بضم الميم وسكون اللام: جمع أملس. قوله: ((والصفا للجميع))، يعني: أنه مقصور جمع
الصفاة: وهي الصخرة الصماء.
٢٢ / ٤٤٩٥ - حدَثنا عبدُ الله بنُ يُوسُفَ أخبرنا مالِكٌ عنْ هِشامِ بنِ عُرْوَةَ عنْ أَبِيهِ أَنَّهُ
قال قُلْتُ لِعَائِشَةَ زَوْج النبيِّ عٍَّ وأنا يَوْمَئِذٍ حَدِيثُ السَّنِّ أَرَأَيْتِ قَوْلَ الله تَبَارَكَ وتعالى ﴿إِنَّ
الصَّفا والمُزْوَةَ مِنْ شَعائِرِ الله فَمَنْ حَجَّ البَيْتِ أوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُناحَ عَلَيْهِ أنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾
[البقرة: ١٥٨] فَمَا أُرَى عَلَى أَحَدٍ شَيْعاً أنْ لاَ يَطَّوَّفَ بِهِما فقالَتْ عَائِشَةُ كَلا لؤْ كانَتْ كَما
تَقُولُ كانَتْ فَلاَ جُناعَ عَلَيْهِ أنْ لاَ يَطَّوَّفَ بِهِما إِنَّا نُزِلَتْ لهَذِهِ الآيَةُ في الأنصار كانُوا يُهِلُّونَ
لِمَناةَ وكانَتْ مَناةُ حَذْوَ قُدَيْدٍ وكانُوا يَتَحَرَّمُجُونَ أَنْ يَطُوقُوا بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ فَلَمَّا جاءَ

١٣١
٦٥ - كِتَابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ / سورَةُ البَقَرَةِ
الإِسْلاَمُ سأَلُوا رَسُولَ الله عَ لَّلِ عِنْ ذُلِكَ فَأَنْزَلَ الله ﴿إِنَّ الصَّفا والمَزْوَةَ مِنْ شَعائِرِ الله فَمَنْ
حَجَّ البَيْتَ أو اعْتَمَرَ فَلاَ جناح عَلَيْهِ أنْ يَطْوَّفَ بِهِما﴾ [البقرة: ١٥٨]. [انظر الحديث
١٦٤٣ وطرفيه].
مطابقته للترجمة ظاهرة. والحديث قد مضى في الحج مطولاً في: باب وجود الصفا
والمروة، ومضى الكلام فيه هناك.
قوله: ((إن الصفا))، مقصوراً، مكان مرتفع عند باب المسجد الحرام وهو أنف من جبل
أبي قبيس وهو الآن إحدى عشر درجة فوقها أزج كإيوان، فتحة هذا الأزج نحو خمسين قدماً
كان عليه صنم على صورة رجل يقال له: أساف بن عمرو، وعلى المروة صنم على صورة
امرأة تدعى: نائلة بنت ذئب، ويقال: بنت سهيل، زعموا أنهما زنيا في الكعبة فمسخهما الله -
عز وجل - فوضعا على الصفا والمروة ليعتبر بهما، فلما طالت المدة عبدا. وزعم عياض: أن
قصيًّا حولهما فجعل أحدهما ملاصق الكعبة والآخر بزمزم، وقيل: جعلهما بزمزم ونحر
عندهما، فلما فتح رسول الله عَّهِ، مكة كسرهما. وفي (تفسير مقاتل): كان على الصفا
صنم يقال له أساف، وعلى المروة صنم يقال له نائلة، فقال الكفار: إنه حرج علينا أن نطوف
بهما، فأنزل الله تعالى: ﴿إن الصفا والمروة﴾ الآية، وفي: (فضائل مكة): لرزين: لما زنيا لم
يمهل الله تعالى أن يفجرا فيها فمسخهما، فأخرجا إلى الصفا والمروة، فلما كان عمرو بن
لحي نقلهما إلى الكعبة ونصبهما على زمزم فطاف الناس.
قوله: ((المروة))، المروة الحصاة الصغيرة يجمع قليلها على مروات وكثيرها مرو مثل:
تمرة وتمرات وتمر، وقال الزمخشري: الصفا والمروة علمان للجبلين كالصمان والمقطم، وقيل:
سمي الصفا به لأنه جلس عليه آدم صفي الله عليه السلام، والمروة سميت بها لأن حواء
عليها السلام، جلست عليها. وفي (تفسير النسفي)، روي عن ابن عباس أنه كان في
المسعى سبعون وثنا، فقال السملمون: يا رسول الله! هذه الأرجاس الأنجاس في مسعانا
ونحن نتأثم منها؟ فأنزل الله تعالى: ﴿فلا جناح عليه أن يطوف بهما﴾ أي: فلا إثم عليه أن
يسعى بينهما ويطوف، فأمر بها فنحيت عن المسعى، وكذلك فعل بالأوثان التي كانت حول
الكعبة، شرفها الله تعالى. قوله: ((حذو قديد))، الحذو بفتح الحاء المهملة وسكون الذال
المعجمة وفي آخره واو: وهو الحذاء والإزاء والمقابل ((وقديد))، بضم القاف وفتح الدال:
موضع من منازل طريق مكة إلى المدينة قوله: ((يتحرجون))، أي: يتأثمون.
٤٤٩٦/٢٣ - حدَثنا محَمَّدُ بنُ يُوسُفَ حدَّثنا سُفْيانُ عنْ عاصِم بنِ سُلَيْمان قال
سألْتُ أَنَس بنَ مالِكِ رضي الله عنه عنِ الصفا والمَرْوَةِ فقال كُنَّا نَرَى أَنَّهُمَا مِنْ أَمْرِ الجاهِلِيَّةِ
فَلَمَّا كانَ الإِسْلاَمُ أمْسَكْنَا عَنْهُمَا فَأَنْزَلَ الله تعالى ﴿إِنَّ الصَّفا والمَزْوَةَ مِنْ شَعائِرِ الله فَمَنْ
حَجَّ الْبَيْتَ أوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُناعَ عَلَيْهِ أنْ يَطُوَّفَ بِهِما﴾. [انظر الحديث ١٦٤٨ وأطرافه].
مطابقته للترجمة ظاهرة. ومحمد بن يوسف بن واقد أبو عبد الله الفريابي وسفيان هو

١٣٢
٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ / سورَةُ البَقَرَةِ
الثوري وعاصم بن سليمان الأحول أبو عبد الرحمن البصري. والحديث مر في الحج في:
باب ما جاء في السعي بين الصفا والمروة، قوله: ((كنا نرى))، بضم النون وفتحها. قوله:
((أنهما)، أي: أن الصفا والمروة، ولم يقع في بعض النسخ لفظ أنهما، والظاهر أنه من
الكاتب، إذ لا بد منه لأن المعنى لا يتم إلاّ به.
٢٢ - بابُ قَوْلِهِ تعالى: ﴿مِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْدَاداً﴾
[البقرة: ١٦٥] أضْدَاداً واحِدُها نِدَّ
أي: هذا باب فيه ذكر قوله تعالى: ﴿ومن الناس﴾ وهم المشركون، جعلوا لله أنداداً،
وفسرها البخاري بقوله: أضداداً، وكذا فسرها أبو عبيدة، قيل: الند في اللغة المثل لا الضد،
وأجيب: بأن المثل المخالف المعادي فيه معنى الضدية.
٢٤/ ٤٤٩٧ - حدَثنا عَبْدَانُ عنْ أبي حَمْزَةَ عنِ الأعْمَشِ عنْ شَقِيقٍ عنْ عبْدِ الله قال
قال النبيُّ عَ لَّه كَلِمَةً وَقُلْتُ أَخْرَى قال النبيُّ عَ لَّ مَنْ ماتَ وَهْوَ يَدْعُو مِنْ دُونِ الله نِدًّا دَخَلَ
النَّارَ وَقُلْتُ أنا مَنْ مات وهْوَ لاَ يَدْعُو لله نِدًّا دَخَلَ الجَنَّةَ. [انظر الحديث ١٢٣٨ وطرفه].
مطابقته للترجمة من حيث إن في الآية ما يدل على أن من مات وهو يدعو لله نداً
دخل النار. وعبدان لقب عبد الله بن عثمان المروزي، وأبو حمزة، بالحاء المهملة والزاي
اسمه محمد بن ميمون، والأعمش سليمان، وشقيق أبو وائل بن سلمة، وعبد الله هو ابن
مسعود. والحديث مضى في أول الجنائز فإنه أخرجه هناك عن عمر بن حفص عن أبيه عن
الأعمش إلى آخره، ومضى الكلام فيه هناك. قيل: من أين علم ابن مسعود ذلك؟ وأجيب:
بأنه استفاد من قول رسول الله عَ لَّه إذ انتفاء السبب يقتضي انتفاء المسبب، وهذا بناء على
أن لا واسطة بين الجنة والنار، وفيه تأمل.
٢٣ _ بابٌّ: ﴿يَا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصاصُ في الْقَتْلَى الحُرِّ
بالحُرِّ﴾ [البقرة: ١٧٨] إلى قَوْلِهِ: ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. عُفِيَ تُرِكَ
أي: هذا باب فيه ذكر قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ [البقرة: ١٧٨] هكذا وقع
في رواية الكل غير أبي ذر، وفي روايته: باب: ﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص﴾.
الآية: قال الفراء: نزلت هذه الآية في حيين من العرب كان لأحدهما طول على الآخر في
الكثرة والشرف، فكانوا يتزوجون نساءهم بغير مهر، فقتل الأوضع من الحيين من الشريف
قتلى، فأقسم الشريف ليقتلن الذكر بالأنثى والحر بالعبد وأن يضاعفوا الجراحات، فأنزل الله
تعالى هذا على نبيه عَّ له، ثم نسخ أيضاً، نسخه قوله تعالى: ﴿وكتبنا عليهم فيها أن النفس
بالنفس﴾ [المائدة: ٤٥] إلى آخر الآية، فالأولى منسوخة لا يعمل بها ولا يحكم، ومذهب
أبي حنيفة: أن الحر يقتل بالعبد بهذه الآية، وإليه ذهب الثوري وابن أبي ليلى وداود، وهو
مروي عن علي وابن مسعود وسعيد بن المسيب وإبراهيم النخعي وقتادة والحكم، وعن عمر

١٣٣
٦٥ - كِتابُ تَفْسير القُرْآنِ / سورَةُ البَقَرَةِ
ابن عبد العزيز والحسن البصري وعطاء وعكرمة، وهو مذهب الشافعي ومالك: أن الحر لا
يقتل بالعبد والذكر لا يقتل بالأنثى، أخذا بهذه الآية، أعني قوله: ﴿الحر بالحر والعبد بالعبد﴾
[البقرة: ١٧٨] وقد قلنا: إنها منسوخة. قوله: ((كتب عليكم القصاص))، ذكر الواحدي: أن
معناه في اللغة المماثلة والمساواة، وقال ابن الحصار: القصاص المساواة والمجازاة، والمراد
به العدل في الأحكام، وهذا حكم الله - عز وجل - الذي لم يزل ولا يزال أبداً، فلا نسخ فيه
ولا تبديل له، والمراد بآية المائدة تبين العدل في تكافؤ الدماء في الجملة وترك التفاضل
الاجتهاد العلماء، وعلى هذا فليس بينهما تعارض قلنا الأنسب عموم آية المائدة وفيها مقابلة
مطلقة، وهذه الآية فيها مقابلة مقيدة، فلا يحمل المطلق على المقيد، على أن مقابلة الحر
بالحر لا ينافي مقابلة الحر بالعبد لأنه ليس فيه إلاَّ ذكر بعض ما يشمله العموم على موافقة
حكمه، وذلك لا يوجب تخصيص ما بقي. قوله: ((عفي ترك)) أشار به إلى تفسير قوله:
﴿فمن عفي له من أخيه شيءٍ﴾ أي: فمن ترك وصفح له من الواجب عليه في العمد فرضي
بالدية ﴿فاتباع بالمعروف﴾ أي: فعلى القتيل أن يتبع بالمعروف في المطالبة وترك التشديد
على القاتل أن يتبع بالمعروف في المطالبة وترك التشديد على القاتل.
٤٤٩٨/٢٥ - حدّثنا الحُمَيْدِيُّ حدثنا سُفْيانُ حدثنا عَمْروٌ قال سمِعْتُ مجاهِداً قال
سَمِعْتُ ابنَ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما يَقُولُ كانَ في بَنِي إِسْرَائِيلَ القِصاصُ ولَمْ تَكُنْ فِيهِمِ الدِّيَّةُ
فقال الله تعالى لِهَذِهِ الأمَّةِ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القصاصُ في القَتْلَى الحُرُّ بالحُرِّ وَالعَبْدُ بِالعَبْدِ وَالأَنْثَى
بالأُنْثِى فَمَنْ عُفِيَ لهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ فالْعَفْوُ أنْ يَقْبَلَ الدِّيَّةَ في العَمْدِ ﴿فَاتِّبَاتٌ بالمعْرُوفِ وَأَدَاءٌ
إِلَيْهِ بإحسانٍ﴾ يَتَّبِعُ بالمَعْرُوفِ ويُؤَدِّي بإحسانٍ ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ ورَحْمَةٌ﴾ مِمَّا كُتبَ
عَلَى مَنْ كانَ قَتْلَكُمْ ﴿فَمَنْ اعْتَدَى بَعْدَ ذُلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ قَتَلَ بَعْدَ قَبُولِ الدِّيَةِ.
مطابقته للآية أوضح ما يكون، والحميدي هو عبد الله بن الزبير بن عيسى ونسبته إلى
أحد أجداده وهو: حميد بن زهير، وسفيان هو ابن عيينة، وعمرو هو ابن دينار.
والحديث أخرجه البخاري أيضاً في الديات عن قتيبة. وأخرجه النسائي في التفسير عن
عبد الجبار وفي القصاص عن الحارث بن مسكين.
قوله: ((فمن عفي له من أخيه شيء)، معناه: قبول الدية في العمد، وقيل: فيمن قتل
وله وليان فعفا أحدهما فللآخر أن يأخذ مقدار حصته من الدية. وقال الخطابي: العفو في
الآية يحتاج إلى تفسير، وذلك أن ظاهر العفو يوجب أن لا تبعة لأحدهما على الآخر، فما
معنى الإتباع؟ والإعفاء فمعناه: أن من عفي عنه الدم بالدية فعلى صاحب الدية اتباع، أي
مطالبة بالدية وعلى القاتل أداء الدية إليه؟ وقال الزمخشري وأخوه: هو ولي المقتول، وقيل له:
أخوه، لأنه لابسه من قبل أنه ولي الدم ومطالبه به أو ذكره بلفظ الأخوة ليعطف أحدهما على
صاحبه بذكر ما هو ثابت بينهما من الجنسية والإسلام. وقال: إن عفا يتعدى: بعن، لا باللام،
فما وجه قوله: ((فمن عفا له؟)) قلت: يتعدى: بعن إلى الجاني وإلى الذنب، فيقال: عفوت

١٣٤
٦٥ - كِتابُ تَفْسِيرِ القُرْآنِ / سورَةُ البَقَرَةِ
عن فلان وعن ذنبه. قال الله تعالى: ﴿عفا الله عنك﴾ [التوبة: ٤٣] فإذا تعدى إلى الذنب
قيل: عفوت لفلان عما جنى، كما تقول: عفوت له ذنبه وتجاوزت له عنه، وعلى هذا ما في
الآية كأنه قيل فمن عفا له عن جنايته، فاستغنى عن ذكر الجناية. قوله: ((شيء))، أي: من
العفو، إنما قيل ذلك للإشعار بأن بعض العفو عن الدم أو عفو بعض الورثة يسقط القصاص ولم
يجب إلا الدية. قوله: ((فاتباع بالمعروف))، أي: فليكن اتباع، أو: فالأمر اتباع، وقد ذكرناه
عن قريب. قوله: ((ذلك))، أي: الحكم المذكور من العفو والدية، وخيرت هذه الأمة بين
الثلاث: القصاص والدية والعفو، وتوسعة عليهم وتيسيراً. قوله: ((كما كتب على من كان
قبلكم)) هم أهل التوراة والإنجيل. قوله: ((فمن اعتدى بعد ذلك))، أي: بعد التخفيف وتجاوز
ما شرع له من قتل غير القاتل أو القتل بعد أخذ الدية، وهو معنى قوله: ((قتل بعد قبول الدية))
وهو على صيغة المعلوم من الماضي، وقع تفسيراً لقوله: ((فمن اعتدى)). قوله: ((فله عذاب
أليم)) نوع من العذاب شديد الألم في الآخرة.
٤٤٩٩/٢٦ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ عبدِ اللهِ الأنْصَارِيُّ حدثنا محُمَيْدٌ أَنَّ أَنْساً حَدَّثَهُمْ عنِ
النبي عَ لِه قال كِتابُ الله القِصاصُ. [انظر الحديث ٢٧٠٣ وأطرافه].
مطابقته للترجمة ظاهرة والحديث أخرجه البخاري في الصلح وفي الديات وهنا تارة
مطولاً وتارة مختصراً، وهذا من ثلاثيات البخاري، وهو: السادس عشر. منها. قوله: («کتاب
الله)) أي: حكم الله ومكتوبه، وكتاب الله مبتدأ، و: القصاص، خبره ويجوز النصب فيهما على
أن الأول إغراء والثاني بدل منه، ويجوز في الثاني الرفع على أنه مبتدأ محذوف الخبر أي:
اتبعوا كتاب الله فيه القصاص.
٢٧/ ٤٥٠٠ - حدَثني عبْدُ الله بنُ مُنِيرٍ سَمِعَ عبْدَ الله بنَ بَكْرِ السَّهْمِيَّ حدَّثنا محُمَيْدٌ
عنْ أَنَسٍ أَنَّ الرُّبَيِّعَ عمَّتَهُ كَسَرَتْ ثَنِيَّةَ جارِيَةٍ فَطَلَبُوا إِليْها العَفْوَ فَأَوْا فَعَرَضُوا الأَرْشَ فَأَبَوْا فَأَتَوْا
رسولَ الله عَ ◌ّه وَأبَوْا إلاَّ القِصاصَ فأمَرَ رسولُ اللهِعَ لُه بِالقِصَاصِ فقال أنَسُ بنُ النَّضْرِ يا
رَسُولَ الله أَتَكْسَرُ ثَنِيَّةُ الرُّبَيِّعِ لاَ وَالَّذِي بَعَثَكَ بالحَقِّ لا تُكْسَرُ ثَنِيَتُها فقال رسولُ الله ◌َلَّم یا
أنَسُ كِتابُ الله القِصاصُ فَرَضِيَ القَوْمُ فَعَفَوْا فقال رسُولُ الله ◌ِعَّلَّهِ إِنَّ مِنْ عِبادِ الله مَنْ لؤْ
أَقْسَمَ عَلَى اللّه لأَبَرَّهُ. [انظر الحديث ٢٧٠٣ وأطرافه].
مطابقته للترجمة ظاهرة. والحديث مضى في: باب الصلح في الدية، فإنه أخرجه هناك
عن محمد بن عبد الله الأنصاري عن حميد عن أنس، وقال الحافظ المزي: لم يذكره أبو
مسعود وذكره خلف، وقد مضى الكلام فيه هناك.
والربيع، بضم الراء مصغر الربيع - ضد الخريف - وهي بنت النضر عمة أنس،
والجارية المرأة الشابة ((وأنس بن النضر)) بفتح النون وسكون الضاد المعجمة، هو: أخو
الربيع. قوله: ((لأبره) أي: جعله باراً في قسمه وفعل ما أراده، قيل: كيف يصح القصاص في
الكسر وهو غير مضبوط؟ وأجيب: بأن المراد بالكسر: القلع، أو كان كسراً مضبوطاً. قلت:

١٣٥
٦٥ - كِتابُ تَفْسير القُرْآنِ / سورَةُ البَقَرَةِ
في الجواب نظر، والصواب أن يقال: أراد بالكسر الكسر الذي يمكن فيه المماثلة، وقيل: ما
امتنع عن قول رسول الله عَ ليه، وأنكر الكسر. وأجيب: بأنه أراد الاستشفاع من رسول الله
عَ الِ، إليهم ولم يرد به الإنكار، وأنه قبل أن يعرف أن كتاب الله القصاص على التعيين، وظن
التخيير بين القصاص والدية.
٢٤ - بابٌ: ﴿يا أيُّها الذِينَ آمنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كما كتِبَ عَلَى الذِينَ مِن
قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣]
أي: هذا باب فيه ذكر قوله: ((يا أيها الذين آمنوا)) الآية. قوله: ((كتب))، أي: فرض
عليكم الصيام وهو الإمساك عن المفطرات الثلاث: الأكل والشرب والجماع نهاراً مع النية.
قوله: ((كما كتب على الذين من قبلكم)) أي: على الأمم الذين مضوا قبلكم. قال النسفي
في (تفسيره): تكلموا في قضية التشبيه، قيل: إنه تشبيه في أصل الوجوب لا في قدر
الواجب، وكان الصوم على آدم عليه الصلاة والسلام، أيام البيض، وصوم عاشوراء على قوم
موسى، وكان على كل أمة صوم، والتشبيه لا يقتضي التسوية من كل وجه، ويقال: هذا قول
الجمهور، وأسنده ابن أبي حاتم والطبري عن معاذ وابن مسعود وغيرهما من الصحابة
والتابعين، وزاد الضحاك: ولم يزل الصيام مشروعاً في زمن نوح عليه السلام، وقال النسفي:
وقيل: هذا التشبيه في الأصل والقدر والوقت جميعاً. وكان على الأولين صوم رمضان لكنهم
زادوا في العدد ونقلوه من أيام الحر إلى أيام الاعتدال، وروى فيه ابن أبي حاتم من حديث
ابن عمر مرفوعاً بإسناد فيه مجهول، ولفظه: صيام رمضان كتبه الله تعالى على الأمم قبلكم،
وبهذا قال الحسن البصري والسدي.
٤٥٠١/٢٨ - حدَثنا مُسَدَّدُ حدَّثنا يَخْتِى عنْ عُبَيْدِ الله قال أخبرني نافِعٌ عنِ ابنِ عُمَرٌ
رضيَ الله عنهما قال كانَ عاشوراءُ يَصُومُهُ أهْلُ الجَاهِلِيَّةِ فَلَمَّا نَزَلَ رَمَضَانُ قال مَنْ شَاءَ
صامَهُ ومَنْ شاءَ لَمْ يَصُمْهُ. [انظر الحديث ١٨٩٢ وطرفه].
مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: ((فلما نزل رمضان)). ويحتيى هو ابن سعيد القطان،
وعبيد الله هذا هو ابن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب رضي الله عنه. وقد
مضى هذا في كتاب الصيام في: باب صوم يوم عاشوراء، من وجه آخر. وتقدم الكلام فيه
هناك. قوله: ((فلما نزل رمضان)) أي: صوم رمضان.
٤٥٠٢/٢٩ - حدثنا عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ حدَّثنا ابنُ عُيَيْنَة عنِ الزُّهريَّ عن عُرْوَةَ عنْ
عَائِشَةَ رضي الله تعالى عنها قَالَتْ كان عاشُورَاءُ يُصامُ قَبْلَ رَمَضانَ فَلَمَّا نَزَلَ رَمَضَانُ قال مَنْ
شَاءَ صامَ ومَنْ شَاءَ أَقْطَرَ.
مطابقته للترجمة مثل مطابقة الذي قبله وابن عيينة هو سفيان والحديث مضى في
الصيام في باب صوم يوم عاشوراء، فإنه أخرجه هناك عن عبد الله بن مسلمة عن مالك عن
الزهري بأتم منه. قوله: ((كان عاشوراء))، أي: يوم عاشوراء ((يصام فيه)). قوله: ((قبل رمضان))،

١٣٦
٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ / سورَةُ البَقَرَةِ
أي: قبل فرض شهر رمضان.
٣٠ / ٤٥٠٣ - حدَثني مُخْمُودٌ أُخْبَرنا عُبَيْدُ الله عنْ إِسْرَائِيلَ عن مَنْصُورٍ عنْ إِبْرَاهِيم
عِنْ عَلْقَمَةَ عنْ عَبْدِ الله قال دَخَلَ عَلَيْهِ الأشْعَثُ وَهُوَ يَطْعَمُ فقال اليَوْمُ عاشورَاءُ فقال كان
يُصامُ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ رَمَضَانُ فَلَمَا نَزَلَ رَمَضَانُ تُرِكَ فَادْنُ فَكُلْ.
مطابقته للترجمة مثل ذلك. ومحمود هو ابن غيلان. قال الكرماني: وفي بعض النسخ:
محمد، والأول أصح، وعبيد الله هو ابن موسى بن باذام الكوفي وهو شيخ البخاري أيضاً
روى عنه هنا بالواسطة، وإسرائيل هو أبو يونس، ومنصور هو ابن المعتمر، وإبراهيم هو
النخعي، وعلقمة هو ابن قيس، وعبد الله هو ابن مسعود.
والحديث أخرجه مسلم في الصوم عن إسحاق بن منصور.
قوله: ((دخل عليه الأشعث))، بفتح الهمزة وسكون المعجمة وفتح العين المهملة وفي
آخره ثاء مثلثة، ابن قيس بن معدي كرب بن معاوية بن جبلة الكندي، قدم على رسول الله
عَّ سنة عشر في وفد كندة، وكان رئيسهم. وقال ابن إسحاق عن الزهري قدم في ستين
راكباً من كندة وأسلم وكان في الجاهلية رئيساً مطاعاً في كندة، وكان في الإسلام وجيهاً
في قومه إلاّ أنه كان ممن ارتد عن الإسلام بعد النبي عَّهِ ثم راجع الإسلام في خلافة أبي
بكر رضي الله تعالى عنه، مات سنة أربعين بعد مقتل علي بن أبي طالب بأربعين يوماً بالكوفة.
قوله: ((وهو يطعم))، أي: والحال أن عبد الله كان يأكل. قوله: ((فقال))، أي: الأشعث. قوله:
((فقال كان يصام))، أي: فقال عبد الله، كان عاشوراء يصام قبل أن ينزل فرض صوم رمضان.
قوله: ((ترك))، على صيغة المجهول. أي: ترك صومه. قوله: ((فادن)) أمر، من: دنا يدنو
وكذلك قوله: ((فكل)) أمر من أكل.
٤٥٠٤/٣١ - حدَثني مُحَمّدُ بنُ المُثَنَّى حدثنا يَحْيَى حدثنا هِشَامٌ قال أخبرني أبي
عنْ عائِشَة رضي الله عنها قالَتْ كانَ يَوْمُ عاشوراءَ تَصُومُهُ قُرَيْشٌ فِي الجَاهِلِيَّةِ وكان النبيُّ
عَِّ يَصُومُهُ فَلَمَّا قَدِمَ المَدِينَةَ صامَهُ وَأُمَرَ بِصَيامِهِ فَلَمَّا نَزَلَ رَمَضَانُ كَانَ رَمَضَانُ الفَرِيضَةَ
وتُرِكَ عاشُورَاءُ فَكَانَ مَنْ شاءَ صامَهُ وَمَنْ شَاءَ لَمْ يَصُمْهُ.
مطابقته للترجمة ظاهرة ويحيى هو القطان، وهشام هو ابن عروة يروي عن أبيه عروة ابن
الزبير بن العوام، رضي الله تعالى عنه. والحديث مضى في الصيام في: باب صيام عاشوراء فإنه
أخرجه هناك عن عبد الله بن مسلمة عن مالك عن هشام. ومضى الكلام فيه هناك.
٢٥ - بابُ قَولِهِ: ﴿أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ
أيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِذْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ
تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٨٤]
أي: هذا باب يذكر فيه قوله تعالى: ﴿أياماً معدودات﴾ إلى آخر الآية. قوله: ((أياماً)»،

١٣٧
٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ / سورَةُ البَقَرَةِ
منصوب بفعل محذوف تقديره: صوموا أياماً معدودات. يعني: في أيام معدودات أي: مؤقتاً
بعدد معلوم، وقيل: منصوب بقوله: (ولعلكم تتقون أياماً) أي: في أيام. وقال الزمخشري:
انتصاب: أياماً بالصيام كقولك: نويت الخروج يوم الجمعة، وقال بعضهم: وللزمخشري في
إعرابه كلام متعقب ليس هذا موضعه. قلت التعقيب في كلام المتعقب من غير تأمل. وقد
سمعت الأساتذة الكبار من علماء العرب والعجم: أن من رد على الزمخشري في غير
الاعتقاديات فهو رد عليه، والمتعقب هو أبو البقاء حيث قال: لا يجوز أن ينصب بالصيام لأنه
مصدر وقد فرق بينه وبين أيام بقوله: كما كتب. وما يعمل فيه المصدر كالصلة، ولا يفرق
بين الصلة والموصول بأجنبي انتهى. قلت: قال القاضي أيضاً نصبها ليس بالصيام لوقوع
الفصل بينهما، بل بإضمار صوموا. قلت للزمخشري فيه دقة نظر وهو أنه إنما قال: انتصاب
أياماً بالصيام نظراً إلى أن قوله: كما كتب، حال فلا يكون أجنبياً عن العامل والمعمول. وقال
صاحب (اللباب) يجوز أن ينتصب بالصيام إذا جعلت: ((كما كتب)) حالاً. وقال الزجاج:
الأجود أن يكون العامل في أياماً، الصيام كأن المعنى: كتب عليكم أن تصوموا أياماً
معدودات. ولقد أجاد من قال:
وآفته من الفهم السقيم
وكم من عائب قولاً صحيحاً
قوله: ((أو على سفر)) أي: أو راكب سفر. قوله: ((فعدة))، أي: فعليه عدة، وقرىء
بالنصب يعني: فليصم عدة. قوله: ((من أيام أخر))، وفي قراءة أبي: ((من أيام أخر متتابعات)).
قوله: ((وعلى الذين يطيقونه))، أي: الصوم أي: الذين لا عذر لهم إن أفطروا ((فدية طعام
مسكين)) نصف صاع من بر أو صاع من غيره، وكان ذلك في أول الإسلام حين فرض عليهم
الصوم ولم يتعودوه فاشتد عليهم. فرخص لهم في الإفطار والفدية، وقرأ ابن عباس: (يطوقونه)،
أي: يكلفونه. وعنه: (يتطوقونه)، يعني: يتكلفونه، وهم الشيوخ والعجائز وحكمهم الإفطار والفدية.
قوله: ((فمن تطوع خيراً))، أي: زاد على مقدار الفدية قوله: ((فهو خير له))، أي: فالتطوع خير
له وقرىء: (فمن يطوع)، بمعنى: يتطوع. قوله: ((وأن تصوموا))، أي: وصومكم أيها المطيقون
((خير لكم)) من الفدية وتطوع الخير، وفي قراءة أبي: (والصيام خير لكم).
وقال غَطَاءٌ يُفْطِرُ مِنَ المَرَضِ كُلّه كما قال الله تعالى
أي: قال عطاء بن أبي رباح: يفطر المريض مطلقاً، أي مرض كان: كما قال الله عزَّ
وجلَّ، من غير قيد، وهذا التعليق وصله عبد الرزاق عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: من أي
وجع أفطر في رمضان؟ قال: من المرض كله.
وقال الحَسَنُ وإِبْرَاهِيمُ في المُرْضِعِ والحامِلِ: إِذَا خَافَتَا عَلَى أَنْفُسِهِما
أو وَلَدِهِما تُفْطِرانِ ثُمَّ تَقْضِيان
أي: قال الحسن البصري وإبراهيم النخعي الخ. وتعليق الحسن وصله عبد بن حميد

١٣٨
٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ / سورَةُ البَقَرَةِ
من طريق يونس بن عبيد عنه قال: المرضع إذا خافت على ولدها أفطرت وأطعمت، والحامل
إذا خافت على نفسها أفطرت وقضت، وهي بمنزلة المريض. ومن طريق قتادة عن الحسن:
تفطران وتقضيان، وتعليق إبراهيم وصله عبد بن حميد أيضاً من طريق أبي معشر عنه. قال:
الحامل والمرضع إذا خافتا أفطرتا وقضتا صومهما.
وَأَمَّا الشَّيْخُ الكَبِيرُ إِذَا لَمْ يُطِقِ الصِّيامَ فَقَدْ أَطْعَمَ أَنَسّ بَعْدَ مَا كَبِرَ
عاماً أوْ عَامَيْنِ كلَّ يَوْمٍ مِسْكِيناً خُبْزاً وَلَحْماً وَأَفْطَرَ
أي: وأما الشيخ الكبير إذا لم يقدر على الصوم فقد أطعم أنس بن مالك بعدما كبر
بكسر الباء الموحدة. قوله: ((عاماً)، أي: في عام. قوله: ((أو عامين)) شك من الراوي تقدير
الكلام. أما الشيخ الكبير إذا لم يطق الصوم. فقد استحق الأكل يأكل وليس قوله: فقد أطعم
جواب أما بل هو دليل على الجواب محذوفاً كما قلنا: وروى عبد بن حميد من طريق النضر
ابن أنس عن أنس: أنه أفطر في رمضان وكان قد كبر، فأطعم مسكيناً كل يوم. انتهى وكان
أنس حينئذ في عشرة المائة.
قِرَاءَةَ العَامَةِ يُطِيقُونَهُ وَهُوَ أَكْثَرُ
دأب البخاري أنه يذكر عند عقيب آية من القرآن ما يتعلق بلغة لفظ منها أو بقراءة
فيها. قوله: ((يطيقونه)) من أطاق يطيق، وقد مر الكلام فيه عن قريب.
٤٥٠٥/٣٢ - حدَثني إِسْحَاقُ أَخْبَرَنَا رَوْحٌ حذَّثنا زَكَرِيًّا بنُ إسْحَاقَ حدَّثنا عَمْرُو بنُ
دِينارٍ عنْ عَطَاءَ سَمِعَ ابنَ عَبَّاسٍ يَقْرَأُ ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطَوَّقُونَهُ فِذْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ قال ابنُ
عَبَّاسٍ لَيْسَتْ بِمِنْشُوخَةٍ هُوَ الشَّيْخُ الْكَبِيرُ والْمَرْأَةُ الكَبِيرَةُ لا يَسْتَطِيعَانِ أَنْ يَصُومَا فَلْيُطْعِما
مَكانَّ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِيناً.
إسحاق هو ابن راهويه. قال بعضهم: وقال صاحب (التوضيح)، إسحاق هو ابن
إبراهيم، كما صرح به أبو نعيم في (مستخرجه) قلت روى البخاري عن خمسة أنفس كل
منهم يسمى إسحاق بن إبراهيم ولم يبين أي إسحاق بن إبراهيم هو، والظاهر أنه إسحاق بن
إبراهيم الذي يقال له: راهويه، لأنه روى عن روح بن عبادة عن زكريا بن إسحاق المكي عن
عمرو بن دينار المكي عن عطاء بن أبي رباح المكي.
قوله: ((يطوقونه)) بضم الياء وتخفيف الطاء وتشديد الواو على البناء للمجهول بمعنى
يتكلفونه، وكذا وقع تفسيره عند النسائي وهي قراءة ابن مسعود أيضاً. قوله: ((قال ابن عباس))
إلى آخره إشارة إلى أن ابن عباس لا يرى النسخ في هذا، وقد خالفه الجمهور. وحديث
مسلمة الذي يأتي عن قريب يدل على أنها منسوخة وحاصل الأمر أن النسخ ثابت في حق
الصحيح القيم بإيجاب الصيام عليه لقوله تعالى: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾

١٣٩
٦٥ - كِتَابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ / سورَةُ البَقَرَةِ
[البقرة: ١٨٥] وأما الشيخ الفاني الهرم الذي لا يستطيع الصوم فله أن يفطر ولا قضاء عليه،
ولكنه هل يجب عليه إذا أفطر أن يطعم عن كل يوم مسكيناً إذا كان ذا جدة، فيه قولان
للعلماء: أحدهما: لا يجب كالصبي وهو أحد قولي الشافعي. والثاني: هو الصحيح وعليه
أكثر العلماء: أنه يجب عليه فدية عن كل يوم، كما فسره ابن عباس على قراءة: يطوقون،
أي: يتجشمونه. كما قاله ابن مسعود وغيره، وهو اختيار البخاري حيث قال: وأما الشيخ
الكبير، الخ كما مر آنفاً.
٢٦ - باب: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥]
أي: هذا في بيان قوله تعالى: ﴿فمن شهد﴾ أي: فمن كان شاهداً أي حاضراً مقيماً
غير مسافر في الشهر فليصمه ولا يفطر قال الزمخشري: الشهر، منصوب على الظرف
وكذلك الهاء في: فليصمه ولا يكون مفعولاً لأنه انتهى. قلت: أراد بهذا الرد على من قال أنه
مفعول به ومثل لما قاله بقوله كقولك: شهدت الجمعة، لأن المقيم والمسافر كلاهما
شاهدان للشهر.
٤٥٠٦/٣٣ - حدثنا عَبَّاسُ بن الوَلِيدِ حدَّثنا عَبْدُ الأَعْلَى حدثنا عُبَيْدُ الله عنْ نَافِعِ
عنِ ابنِ عُمَرَ رَضِيَ الله عَنْهُما أَنَّهُ قَرَأْ فِذْيَةُ طَعَامٍ مَسَاكِينَ قال هِيَ مَنْشُوخَةٌ.
عياش، بالياء آخر الحروف وبالشين المعجمة ابن الوليد الرقام البصري يروي عن عبد
الأعلى السامي البصري عن عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب،
رضي الله عنه.
قوله: ((فدية طعام)) بالإضافة ومساكين، بالجمع وهي قراءة نافع وابن ذكوان والباقون
بتنوين فدية، وتوحيد: مسكين، وطعام بالرفع على أنه بدل من فدية. قوله: ((هي منسوخة))،
أي: الآية التي هي قوله: ﴿وعلى الذين يطيقونه﴾ [البقرة: ١٨٤] وقد مر الكلام فيه عن
قريب، ورجحه ابن المنذر من جهة قوله: ﴿وأن تصوموا خير لكم﴾ [البقرة: ١٨٤] قال: لأنها
لو كانت في الشيخ الكبير الذي لا يطيق الصيام لم يناسب أن يقال: ﴿وإن تصوموا خير
لكم﴾ مع أنه لا يطيق الصيام.
٣٤/ ٤٥٠٧ - حدَثنا قُتَيْبَةُ حِدَّثنا بَكْرُ بنُ مُضَرَ عنْ عَمْرو بن الحَارِثِ عنْ بُكَيْرٍ بن
عَبْدِ الله عنْ يَزِيدَ مَوْلَى سَلَمَةَ بنِ الأَكْوَعِ عَنْ سَلَمَةَ قَال لَمَّا نَزَلَتْ ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ
فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ كَانَ مَنْ أَرَادَ أنْ يُفْطَرَ وَيَقْتَدِيَ حَتَّى نَزَلَتِ الْآيَةُ الَّتِي بَعْدَها فَنَسَخَتْها.
هذا أيضاً صريح في دعوى النسخ وأخرجه مسلم في الصوم وأبو داود والترمذي أيضاً
فيه والنسائي في التفسير، خمستهم عن قتيبة عن بكر بن مضر.
قال أبُو عَبْدِ الله مَاتَ بُكَيْرٌ قَبْلَ يَزِيدَ
أبو عبد الله هو البخاري نفسه، هذا أثبت في رواية المستملي وحده، أي: مات بكير

١٤٠
٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ / سورَةُ البَقَرَةِ
ابن عبد الله بن الأشج الراوي عن يزيد بن أبي عبيد مولى مسلمة قبل شيخه يزيد، وكانت
وفاة بكير سنة عشرين ومائة، وقيل: قبلها أو بعدها، ومات يزيد سنة ست أو سبع وأربعين
ومائة.
٢٧ - باب: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِيَّامِ الرَّفَتُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ
لِبَاسٌ لَهُنّ عَلِمَ الله أنّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُوَنَ أَنْفُسُكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فالآنَ
بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ الله لَكَمْ﴾ [البقرة: ١٨٧]
أي: هذا في بيان أحكام هذه الآية وهكذا هو في رواية أبي ذر. وساق في رواية
كريمة إلى آخر الآية قوله: ((أحل لكم)) وقرىء ((أحل لكم ليلة الصيام الرفث)) على بناء
الفاعل في: أُحل، وينصب الرفث أي أحل الله لكم الرفث أي: الجماع. وقرأ عبد الله
الرفوث، وإنما أفصح فيما ينبغي أن يكنى عنه استقباحاً لما وجد منهم قبل الإباحة كما سماه
اختناناً لأنفسهم عدى بكلمة إلى لتضمنه معنى الإفضاء وسبب نزول الآية هو دفع المشقة
عن عباده، وذلك أن الرجل كان يحل له الأكل والشرب والجماع إلى أن يصلي العشاء
الآخرة أو يرقد، فإذا صلى أو رقد ولم يفطر حرم عليه الطعام والشراب والجماع إلى
القابلة. ثم أن ناساً من المسلمين أصابوا من الطعام والشراب بعد العشاء منهم عمر بن
الخطاب، رضي الله عنه واقع أهله بعد العشاء، فلما اغتسل أخذ بيكي ويلوم نفسه فأتى
النبي عٍَّ وأخبره بما فعل. وقام ناس أيضاً فاعترفوا بما كانوا صنعوا بعد العشاء. فنزلت
رخصة من الله ورفع ما كانوا عليه في ابتداء الإسلام. قوله: ((هن لباس لكم)) استئناف
كالبيان لسبب الإحلال، ولما كان الرجل والمرأة يعتنقان ويشتمل كل واحد منهما على
صاحبه في عناقه شبه باللباس المشتمل عليه. قوله: ((تختانون أنفسكم))، أي: تظلمونها
وتنقصونها حظها من الخير والاختنان من الختن كالاكتساب من الكسب فيه زيادة شدة.
قوله: ((فتاب عليكم))، أي: حين تبتم من المحظور. قوله: ((فالآن باشروهن))، أي: في الوقت
الذي كان يحرم عليكم الجماع فيه. والمباشرة المجامعة لتصلاق بشرة كل منهم
بصاحبه. قوله: ((وابتغوا ما كتب الله لكم))، أي: اطلبوه يقال: بغى الشيء يبغيه بغياً وابتغاه
يبتغيه ابتغاء. ومعنى: (ما كتب الله لكم) ما قضاه لكم من الولد. وقيل: ما أحل لكم من
الجماع. وقيل: ما كتب في اللوح المحفوظ والأمر أمر إباحة وقال أهل الظاهر أمر إيجاب
وحتم.
٤٥٠٨/٣٥ - حدَثنا عُبَيْدُ الله عنْ إِسْرَائِيلَ عنْ أَبِي إِسْحَاقَ عنِ البَرَاءِ وَحَدَّثنا أحْمَدُ
ابنُ عُثْمانَ حدَّثنا شُرَيْخُ بنُ مَسْلَمَةَ قال حدثني إبْرَاهِيمُ بنُ يوسُفَ عنْ أبِيهِ عنْ أَبِي إِسْحَاقَ
قال سَمِعْتُ البرَاءَ رضي الله تَعالَى عنهُ لمَّا نَزَل صَوْمُ رَمَضَانَ كانُوا لا يَقْرَبُونَ النِّساءَ رَمَضَانَ
كُلَّهُ وكانَ رجالٌ يَخُونُون أَنْفُسَهُمْ فَأَنْزَلَ الله تعالى ﴿عَلِمَ الله أنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ
فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ﴾.