Indexed OCR Text

Pages 361-380

٣٦١
٦٣ - كتاب مناقب الأنصار / باب (٨)
صلىالله
٢٨١/ ٣٧٩٣ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ حدَّثنا غُنْدَرُ حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ هِشَامِ قال
سَمِعْتُ أَنَسَ بنَ مالِكِ رضي الله تعالى عنهُ يَقُولُ قال النَّبِيُّ عَُّلَّه للأَنْصَارِ إِنَّكُمْ سَتَلَّقَونَ
بَعْدِي أَثَرَةٌ فاضْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي ومَوْعِدُكُمْ الحَوْضُ. [انظر الحديث ٣١٤٦ وأطرافه].
هذا طريق آخر في الحديث المذكور عن أنس نفسه، والذي قبله عنه عن أسيد رواية
الصحابي عن الصحابي، وفيه رواية قتادة عن أنس، وههنا عن هشام بن زيد بن أنس بن
مالك، فإنه يروي عن جده أنس، رضي الله تعالى عنه. قوله: ((وموعدكم الحوض))، أي:
مّاللّه
حوض النبي عليه.
٣٧٩٤/٢٨٢ _ حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ حدَّثنا سُفْيانُ عنْ يَخْيَى بنِ سَعِيدٍ سَمِعَ
أنَسَ بنَ مالِكِ رضي الله تعالى عنهُ حِينَ خرَجَ مَعَهُ إلَى الوَلِيدِ قال دَعَا النَّبِيُّ عَ لَّهِ الأنْصَارَ
إلى أنْ يُقْطِعَ لَهُمُ الَبِخْرَيْنِ فقالُوا لا إلاَّ أنْ تُقْطِعَ لإِخْوَانِنا مِنَ المُهَاجِرِينَ مِثْلَهَا قال إمَّا لا
فاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي فَإِنَّهُ سَيُصِيبُكُمْ بَعْدِي أَثْرَةٌ. [انظر الحديث ٢٣٧٦ وطرفيه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((فاصبروا)) وعبد الله بن محمد أبو جعفر البخاري المعروف
بالمسندي، وسفيان هو ابن عيينة، ويحيى ابن سعيد الأنصاري.
والحديث قد مر في الجزية في: باب ما أقطع النبي عَّهِ، من البحرين فإنه أخرجه
هناك عن أحمد بن يونس عن الزهري عن يحيى بن سعيد عن أنس، وفي الشرب أيضاً عن
سليمان بن حرب.
قوله: ((حين خرج معه)) أي: حين خرج يحيى أي: سافر معه، أي: مع أنس. قوله:
((إلى الوليد)) بن عبد الملك بن مروان، وكان أنس قد توجه من البصرة حين آذاه الحجاج
إلى دمشق يشكوه إلى الوليد بن عبد الملك فأنصفه منه. قوله: ((إلى أن يقطع)) بضم الياء
آخر الحروف من: الإقطاع، وهو أن يعطي الإمام قطعة من الأرض وغيرها. قوله: ((البحرين))
تثنية بحر، إسم بلد بساحل الهند. قوله: ((إِمَّا لا))، بكسر الهمزة وتشديد الميم وفتح اللام
أصله: إن ما لا تريدوا أو لا تقبلوا، فأدغمت النون في الميم وحذف فعل الشرط، وقد تمال
كلمة: لا، وقد روي بفتح الهمزة من إن ما قيل هو خطأ إلاّ على لغة بعض بني تميم، فإنهم
يفتحون الهمزة من أما حيث وردت، وقيل: اللام من قوله: ((إما لا)) مفتوحة عند الجمهور،
ووقع عند الأصيلي في البيوع من (الموطأ) بكسر الَّلام والمعروف فتحها. قوله: ((فإنه)) أي:
فإن إقطاع المال سيصيبكم حال كونه أثرة بمعنى: استئثار الغير عليكم واستئثار المقطع -
بكسر الطاء - لنفسه وعدم الالتفات إلى غيره كما هو في غالب أهل هذا الزمان، فافهم، فإنه
موضع الدقة.

٣٦٢
٦٣ - كتاب مناقب الأنصار / باب (٩)
٩ - بابُ دُعَاءِ الَّبِيِّ عَّهِ أَصْلِحِ الأنْصَارَ والمُهَاجِرَةَ
أي: هذا باب في بيان دعاء النبي عَّهِ، للأنصار والمهاجرين. بقوله: أصلح الأنصار
والمهاجرة، وقد ذكرنا أن الأنصار جمع نصير بمعنى ناصر، كشريف يجمع على أشراف،
والمهاجرة بكسر الجيم الجماعة المهاجرون الذين هاجروا من مكة إلى المدينة.
٢٨٣/ ٣٧٩٥ - حدّثنا آدَمُ حدَّثنا شُعْبَةُ حدَّثْنَا أَبُو إِيَاسٍ مُعَاوِيَةَ بِنُ قُرَّةَ عنْ أَنَسٍ بنِ
مالِكِ رضي الله تعالى عنهُ قال قال رَسُولُ اللهِ عَلَّهِ.
فأضْلِحِ الأنْصَارَ والْمُهَاجِرَه
لا عَيْشَ إلاَّ عَهْشُ الآخِرَةِ
[انظر الحديث ٢٨٣٤ وأطرافه].
مطابقته للترجمة ظاهرة: وآدم هو ابن أبي إياس، وأبو إياس الراوي عن أنس، بكسر
الهمزة وتخفيف الياء آخر الحروف وفي آخره سين مهملة: معاوية بن قرة بن إياس المزني
البصري، والحديث أخرجه البخاري أيضاً في الرقاق عن بندار عن غندر، وأخرجه مسلم في
المغازي عن بندار وأبي موسى عن غندر. وأخرجه النسائي في الرقاق عن إسحاق بن إبراهيم.
وعَنْ قَتَادَةَ عنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ عَ لَّهِ مِثْلَهُ وقال فاغْفِرْ لِلأَنْصَارِ
هذا معطوف على الإسناد الأول، وأخرجه الترمذي والنسائي من رواية غندر عن شعبة
بالإسنادين معاً. قوله: ((مثله)) أي: مثل الحديث الأول. وقال: ((فاغفر للأنصار)) بلام الجر.
وشعبة روى هذا الحديث عن ثلاثة من الشيوخ: الأول: عن أبي عباس بلفظ: فأصلح
للأنصار. والثاني: عن قتادة بلفظ: فاغفر للأنصار. والثالث: عن حميد الطويل على ما يأتي
الآن بلفظ: فأكرم الأنصار، مع بيان أن ذلك كان في الخندق.
٣٧٩٦/٢٨٤ - حدَّثنا آدَمُ حدَّثنا شُعْبَةُ عِنْ حُمَيْدِ الطَّوِيلِ سَمِعْتُ أنَسَ بنَ مالِكِ
رضي الله تعالى عنهُ قال كَانَتِ الأَنْصَارُ يَوْمَ الخَنْدَقِ تَقُولُ:
علَى الجِهَادِ ما حَيينَا أَبَدَاً
نَحْنُ الْذِينَ بايَعُوا مُحَمَّداً
فأجابھُمْ:
اللَّهُمَّ لاَ عَيْشَ إلاَّ عَيْشُ الآخِرَه
فأكرِمِ الأنْصَارَ والْمُهَاجِرَةْ
[انظر الحديث ٢٨٣٤ وأطرافه].
مطابقته للترجمة ظاهرة. والحديث مضى في الجهاد، أخرجه عن حفص بن عمر.
وأخرجه النسائي في المناقب عن أحمد بن سليمان.
٢٨٥/ ٣٧٩٧ - حدّثني محمَّدُ بنُ عُبَيْدِ الله حدَّثنا ابنُ أبِي حازِمٍ عنْ أَبِيهِ عنْ
سَهْلٍ قال جاءَنَا رسُولُ اللهِ عَّلَه ونَحْنُ نَخْفِرُ الخَنْدَقَ ونَنْقِلُ التَّرَابَ عَلَى أَكْتَادِنَا فقالِ رسُولُ
الله عليه:
.

٣٦٣
٦٣ - كتاب مناقب الأنصار / باب (١٠)
فاغْفِرْ لِلْمُهَاجِرِينَ والأنْصَارِ
اللَّهُمَّ لاَ عَيْشَ إلاَّ عَيْشُ الآخِرّهِ
[الحديث ٣٧٩٧ - طرفاه في: ٤٠٩٨، ٦٤١٤].
مطابقته للترجمة ظاهرة، ومحمد بن عبيد الله بن محمد بن زيد أبو ثابت مولى عثمان
ابن عفان الأموي القرشي المدني، وابن أبي حازم واسمه سلمة بن دينار، وسهل هو بن سعد
ابن مالك الأنصاري الساعدي، له ولأبيه صحبة.
والحديث أخرجه البخاري أيضاً في المغازي عن قتيبة. وأخرجه مسلم في المغازي
عن القعنبي، وأخرجه النسائي في المناقب وفي الرقاق عن قتيبة.
قوله: ((على أكتادنا) جمع كتد، بالتاء المثناة من فوق، وهو ما بين الكاهل إلى الظهر،
وفي رواية الكشميهني: ((أكبادنا))، بالباء الموحدة جمع كبد، ووجهه أنا نحمل التراب على
جنوبنا مما يلي الكبد.
١٠ - بابُ قَوْلِ الله تعالى
﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩].
أي: هذا باب في ذكر قول الله تعالى ... إلخ، إنما ذكر هذه الآية بناء على أنها نزلت
في الأنصار، ولكن ظاهر حديث الباب يدل على أنها نزلت في رجل أنصاري، على ما يجيء
بيانه عن قريب، وعلى كل حال المطابقة موجودة من حيث إنها فيمن يسمى بالأنصاري،
مفرداً أو بالأنصار جمعاً، واختلفوا في سبب نزولها على ما نذكره الآن. قوله: ((ويؤثرون)) من
آثرته بكذا أي: خصصته أي: يؤثرون بأموالهم ومساكنهم أي: لا عن غنى، بل مع احتياجهم،
وهو معنى قوله: ﴿ولو كان بهم خصاصة﴾ [الحشر: ٩]. أي: فقر وحاجة.
٢٨٦/ ٣٧٩٨ - حدّثنا مُسَدَّدٌ حدثنا عَبْدُ الله بنُ داؤُدَ عنْ فُضَيْلِ بْنِ غَزْوَانَ عنْ أَبِي
حازمٍ عِنْ أبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ أنَّ رَجُلاً أتَى النَّبِيَّ عَُّلِّ فِبَعَثَ إلى نسائِهِ فَقُلْنَ ما
مَعَنَاً إِلَّ المَاءَ فقال رَسُولُ اللهِ عَُّلِّ مَنْ يَضُمُّ أَوْ يُضيفُ هَذا فقال رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ أنا
فَانْطَلَقَ بِهِ إلى امْرَأْتِهِ فقال أُكْرِمِي ضَيْفَ رَسُولِ اللهِ عَّ لِ فَقَالَتْ ما عِنْدَنَا إلَّ قُوتُ صِبْيَانِي
فقال هَيِّئِي طَعَامَكِ وأَصْبِحِي سِرَاجَكِ ونَوِّمِي صِبْيَانَكِ إِذَا أَرَادُوا عَشَاءً فَهَيَّأْتْ طَعَامَهَا
وأصْبَحَتْ سِرَاجَهَا ونَوَّمَتْ صِبْيَانَهَا ثُمَّ قامَتْ كأَنَّهَا تُصْلِحُ سِرَاجَهَا فَأَطْفأَتْهُ فجَعَلاَ يُرِيَانِهِ أَنَّهُمَا
يأْكُلاَنٍ فَبَاتَا طاوِيَيْنِ فَلَمَّا أَصْبَحْ غَدَا إِلَى رَسُولِ اللهِ عَ لَّهِ فقال ضَحِكَ اللهِ اللَّيْلَةَ أَوْ عَجِبَ
مِنْ فِعَالِكُمَا فَأَنْزَّلَ الله ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ ومَنْ يُوقَ شُعَّ نَفْسِهِ
فَأَلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩]. [الحديث ٣٧٩٨ - طرفه في: ٤٨٨٩].
قد ذكرنا أن المطابقة موجودة. وعبد الله بن داود بن عامر الهمداني الكوفي، سكن
الحديبية بالبصرة وهو من أفراده، وفضيل بن غزوان بن جرير أبو الفضل الكوفي، وأبو حازم
بالحاء والزاي: اسمه سلمان الأشجعي، ولا يشتبه عليك بأبي حازم سلمة بن دينار المذكور

٣٦٤
٦٣ - كتاب مناقب الأنصار / باب (١٠)
في آخر الباب الذي قبله.
والحديث أخرجه البخاري أيضاً في التفسير عن يعقوب بن إبراهيم. وأخرجه مسلم في
الأطعمة عن زهير بن حرب وأبي كريب. وأخرجه الترمذي في التفسير عن أبي كريب،
وأخرجه النسائي فيه عن هناد عن وكيع.
قوله: ((فبعث إلى نسائه)) أي: يطلب منهن ما يضيف الرجل به. قوله: ((فقلن: ما معنا))
أي: ما عندنا إلاَّ الماء. قوله: ((من يضم)) أي: يجمعه إلى نفسه في الأكل. قوله: ((أو
يضيف)) شك من الراوي، من أضاف يضيف، يقال: ضفت الرجل إذا نزلت به في ضيافة،
وأضفته إذا أنزلته، وتضيفته إذا نزلت به، وتضيفني إذا أنزلني. قوله: ((فقال رجل من الأنصار))
قيل: هذا أبو طلحة بن زيد بن سهل، وهو المفهوم من كلام الحميدي، لأنه لما ذكر
حديث أبي هريرة قال في رواية ابن فضيل: فقام رجل من الأنصار يقال له أبو طلحة زيد بن
سهل، وقال الخطيب: لا أراه زيد بن سهل، بل آخر تكنى أبا طلحة. قلت: كأنه استبعد أن
يكون أبو طلحة هو زيد بن سهل لأنه كان أكثر الأنصار مالاً بالمدينة، وقال القاضي إسماعيل
في (أحكام القرآن): هو ثابت بن قيس بن الشماس، قال: وذلك لأن رجلاً من المسلمين عبر
عليه ثلاثة أيام لا يجد ما يفطر به حتى فطن له رجل من الأنصار يقال له: ثابت بن قيس،
وقال ابن بشكوال: قيل: هو عبد الله بن رواحة، وذكر النحاس في تفسير هذه الآية أنها نزلت
في أبي المتوكل الناجي، ورد عليه بأن أبا المتوكل تابعي، وقيل: هو أبو هريرة راوي
الحديث، نسب ذلك إلى البحتري القاضي أحد الضعفاء المتروكين. قوله: ((قوت صبياني))،
ويروى: صبيان، بدون الإضافة. قوله: ((وأصبحي سراجك)) بهمزة القطع أي: أوقديه أو نوريه.
قوله: ((فجعلا يُريانه))، بضم الياء من الإراءة. قوله: ((أنهما)) أي: أن الأنصاري وامرأته، هكذا
في رواية الكشميهني، وفي رواية غيره: كأنهما بالكاف. قوله: ((طاويين))، حال تثنية طاوٍ،
وهو الجائع الذي يطوي ليله بالجوع. قوله: ((ضحك الله))، يراد بالضحك لازمه، لأن
الضحك لا يصح على الله عز وجل، وهو الرضا بذلك، وكلما جاء هكذا من أمثاله يراد
لوازمها. قوله: ((أو عجب)) شك من الراوي، وهو كذلك يراد لازمه، وهو الرضا بهذا الفعل.
قوله: ((فأنزل الله)، هذا هو الأصح في سبب نزول هذه الآية، وذكر الواحدي عن ابن عمر،
قال: أهدي لرجل من الصحابة رأس شاة، فقال: إن أخي وعياله أحوج منا إلى هذا، فبعث به
إليه فلم يزل يبعث به واحدٌ إلى آخر حتى تداولها سبعة أهل أبيات، حتى رجعت إلى الأول،
فنزل: ﴿ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة﴾ [الحشر: ٩]. قوله: ﴿ومن يوق
نفسه﴾ [الحشر: ٩]. قال الزمخشري: ومن غلب ما أمرته به نفسه وخالف هواها بمعونة الله
وتوفيقه: ﴿فأولئك هم المفلحون﴾ [الحشر: ٩]. الظافرون بما أرادوا. وقرىء: ومن يوق،
بتشديد القاف، وأصله من الوقاية وهي الحفظ، والشح، بالضم والكسر وقد قرىء بها: اللوم،
وأن تكون النفس کزة حريصة على المنع، وقيل: الشح والبخل بمعنى واحد، وقيل: الشح
أخذ المال بغير حق، والبخل المنع من المال المستحق، وقيل: الشح بما في يد الغير،

٣٦٥
٦٣ - كتاب مناقب الأنصار / باب (١١)
والبخل بما في يده، وقيل: البخيل إذا وجد شبع، والشحيح لا يشبع أبداً فالشح أعم.
١١ - بابُ قَوْلِ النَّبِيِّ عَّ لَّلِ اقْبَلُوا مِنْ مخسِنِهِمْ وتَجاوَزُوا عنْ مُسِيئِهِمْ
أي: هذا باب في ذكر قوله عَ لَّه: ((اقبلوا من محسن الأنصار وتجاوزوا عن مسيئهم)،
أي: لا تؤاخدوه یإساءته.
٣٧٩٩/٢٨٧ - حدَّثني مُحَمَّدُ بنُ يَخْيَى أَبُو عَلِيّ حدَّثنا شاذَانُ أَخُو عَبْدَانَ حدَّثنا
أبِي أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ بنُ الحَجَّاجِ عنْ هِشَامِ بنِ زَيْدٍ قال سَمِعْتُ أَنَسَ بنَ مالِكِ يَقُولُ مَوَ أَبُو بَكْرٍ
والْعَبَّاسُ رضي الله تعالى عنَهُما بِمَجْلِسٍ مِنْ مَجَالِسِ الأنْصَارِ وهُمْ يَتْكُونَ فقال ما يُبْكِيكُمْ
قالوا ذَكَرْنَا مَجْلِسَ النَّبِيِّ عَ لَّهِ مِنَّا فَدَخَلَ عَلَى النَّبِيِّ عَلِ فَأَخْبَرَهُ بِذُلِكَ قال فخَرَجَ النَّبِيُّ
عَّه وقدْ عَصَبَ عَلَى رأسِهِ حَاشِيَةَ بُزْدٍ قال فصَعِدَ المِنْبَرَ وَلَمْ يَصْعَدْهُ بَعْدَ ذُلِكَ اليَوْمِ فَحَمِدَ
الله وأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قالَ أُوصِيكُمْ بالأَنْصَارِ فإِنَّهُمْ كَرِشِي وعَيْبَتِي وقدْ قَضُوا الَّذِي عَلَيْهِمْ
وبَقِيَ الَّذِي لَهُمْ فَأَقْبَلُوا مِنْ مُخْسِنِهِمْ وتَجاوَزُوا عنْ مُسِيئِهِمْ. [الحديث ٣٧٩٩ - طرفه
في: ٣٨٠١].
مطابقته للترجمة في آخر الحديث لأنه عين الترجمة ومحمد بن يحيى أبو علي
اليشكري المروزي الصائغ، بالغين المعجمة كان أحد الحفاظ، روى عنه مسلم والنسائي
أيضاً وقال: ثقة، مات سنة اثنتين وخمسين ومائتين، وقيل: مات قبل البخاري بأربع سنين.
قلت: نعم، لأن البخاري مات في سنة ست وخمسين ومائتين، وشاذان - بالمعجمة - اسمه
عبد العزيز بن عثمان بن جبلة وهو أخو عبدان وهو أكبر من شاذان، وقد أكثر البخاري في
(صحيحه) عن عبدان، وأدرك شاذان ولكنه روى عنه هنا بواسطة، وأبوهما عثمان بن جبلة
روى عنه ابنه عبدان عند البخاري ومسلم، وروى عنه شاذان عند البخاري في غير موضع،
وهشام بن زيد بن أنس بن مالك روى عن جده أنس بن مالك.
والحديث أخرجه النسائي أيضاً عن شيخ البخاري محمد بن يحيى المذكور في
المناقب.
قوله: ((والعباس))، هو ابن عبد المطلب عم النبي عّلّه، وكان مرورهما بمجلس من
مجالس الأنصار في مرض النبي معَّهِ. قوله: ((وهم يبكون))، جملة حالية. قوله: ((فقال ما
يبكيكم؟» يحتمل أن يكون هذا القائل أبا بكر، ويحتمل أن يكون العباس، وقال بعضهم:
والذي يظهر لي أنه العباس قلت: لا قرينة هنا تدل على ذلك، ثم قوي ما قاله من أنه العباس
بالحديث الثاني الذي يأتي الآن، الذي رواه ابن عباس، فقال: هذا من رواية ابنه، يعني: ابن
عباس، فكأنه سمع ذلك منه. قلت: هذا أبعد من ذلك، لأن الوصية في حديث ابن عباس
أعم من الوصية التي في حديث العباس، لأنها في حديثه مختصة بالأنصار، بخلاف حديث
ابن عباس، فأين ذا من ذاك؟ حتى يكون هذا دليلا على أن القائل في قوله: فقال: ما
يبكيكم، هو العباس من غير احتمال أن يكون أبا بكر، رضي الله تعالى عنه؟ قوله: ((ذكرنا

٣٦٦
٦٣ - كتاب مناقب الأنصار / باب (١١)
مجلس النبي عَّل))، لأنهم كانوا يجلسون معه وكان ذلك في مرض النبي عَّله، فخافوا أن
يموت من مرضه فيفقدوا مجلسه، فبكوا حزناً على فوات ذلك. قوله: ((فدخل على النبي
عَ لِّ)) أي: فدخل هذا القائل: ما يبكيكم على النبي عَّلَّه فأخبره بذلك، أي: بما شاهد من
بكائهم. قوله: ((فخرج النبي عَّلة))، القائل يحتمل أن يكون القائل ما يبكيكم، ويحتمل أن
يكون الراوي، وهو أنس، رضي الله تعالى عنه، وهذا هو الأظهر. قوله: ((وقد عصب))، الواو
فيه للحال، و: عصب، بتخفيف الصاد ومصدره عصب وهو متعد، وكذا عصب بالتشديد
ومصدره تعصيب، يقال: عصب رأسه بالعصابة تعصيباً. قوله: ((حاشية برد))، بالنصب مفعول:
عصب، وفي رواية المستملي: حاشية بردة، والبرد نوع من الثياب معروف، والجمع: أبراد
وبرود، والبردة الشملة المخططة، وقيل: كساء أسود مربع تلبسه الأعراب وجمعها: برد. قوله:
((كرشي))، بفتح الكاف وكسر الراء ((وعيبتي)) بفتح العين المهملة وسكون الياء آخر الحروف
وفتح الباء الموحدة، والكرش لكل مجتر بمنزلة المعدة للإنسان، والعيبة مستودع الثياب،
والأول أمر باطن والثاني ظاهر، فيحتمل أنه ضرب المثل بهما في إرادة اختصاصهم بأمورهم
الظاهرة والباطنة. وقال الخطابي: يريد أنهم بطانتي وخاصتي، ومثله بالكرش لأنه مستقر غذاء
الحيوان الذي يكون به بقاؤه، وقد يكون المراد بالكرش أهل الرجل وعياله، والعيبة التي يخزن
فيها المرء ثيابه، أي: أنهم موضع سره وأمانته. وقال ابن دريد: هذا من كلامه عَِّ، الموجز
الذي لم يسبق إليه. قوله: ((قد قضوا الذي عليهم))، وهو ما وقع لهم من المبايعة ليلة
العقبة، فإنهم كانوا بايعوا على أن يؤروا النبي عَّه، وينصروه على أن لهم الجنة، فوفوا
بذلك. قوله: ((وبقي الذي لهم))، وهو دخول الجنة. قوله: ((فاقبلوا)) أي: إذا كان الأمر
كذلك فاقبلوا («من محسنهم)) أي: من محسن الأنصار. قوله: ((وتجاوزوا))، قد ذكرنا أن
معناه: لا تؤاخذوهم بالإساءة، والتجاوز عن المسيء مخصوص بغير الحدود، وفيه وصية
عظيمة لأجلهم، وفضيلة عزيزة لهم.
٢٨٨/ ٣٨٠٠ - حدّثنا أحْمَدُ بنُ يَعْقُوبَ حدَّثنا ابنُ الغَسِيلِ سَمِعْتُ عِكْرِمَةَ يقُولُ
سَمِعْتُ ابنَ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما يقُولُ خَرَجَ رَسُولُ اللهِ عَ لَّه وَعَلَيْهِ مِلْحَفَةٌ مُتَعَطِّفَاً
بِهَا على مَنْكِبَيْهِ وعَلَيْهِ عِصَابَةٌ دَسْمَاءُ حَتَّى جَلَسَ عَلَى المِنْبَرِ فَحَمِدَ الله وأَثْنَى عَيْهِ ثُمَّ قالَ
أمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ فإنَّ النَّاسَ يَكْتُرُونَ وَتَقِلُّ الأَنْصَارُ حَتَّى يَكُونُوا كالمِلْحِ في الطَّعَامِ فَمَنْ
وَلِيَ مِنْكُمْ أَمْرَاً يَضُرُّ فِيهِ أحداً أَوْ يَنْفَعُهُ فَلْيَقْبَلْ مِنْ مُحْسِنِهِمْ ويَتَجَاوَزْ عَنْ مُسِيئِهِمْ. [انظر
الحديث ٩٢٧ وطرفه].
مطابقته للترجمة في آخر الحديث وأحمد بن يعقوب أبو يعقوب المسعودي الكوفي،
وهو من أفراده، وابن الغسيل هو عبد الرحمن بن سليمان بن عبد الله بن حنظلة غسيل
الملائكة.
: والحديث مضى في كتاب صلاة الجمعة في: باب من قال فى الخطبة بعد الثناء: أما
بعد، فإنه أخرجه هناك عن إسماعيل بن أبان عن ابن الغسيل.

٣٦٧
٦٣ - كتاب مناقب الأنصار / باب (١٢)
قوله: ((خرج النبي عَّلّهِ)) أي: من البيت إلى المسجد. قوله: ((وعليه)) الواو فيه
للحال. قوله: ((متعطفاً)) نصب على الحال، أي: مرتدياً والعطاف الرداء. قوله: ((بها)) أي:
بالملحفة. قوله: ((وعليه)) الواو فيه أيضاً للحال. قوله: ((عصابة دسماء)) العصابة بالكسر ما
يعصب به الرأس من عمامة أو منديل أو خرقة، والدسماء السوداء، ومنه الحديث الآخر، خرج
وقد عصب رأسه بعصابة دسمة، وقال الداودي: الدسماء الوسخة من العرق والغبار. قوله:
((فإن الناس يكثرون وتقل الأنصار))، لأن الأنصار هم الذين سمعوا رسول الله، عَّةٍ، ونصروه
وهذا أمر قد انقضى زمانه لا يلحقهم اللاحق ولا يدرك شأوهم السابق، وكلما مضى منهم
أحد مضى من غير بدل، فيكثر غيرهم ويقلون. قوله: ((حتى يكونوا كالملح في الطعام))
يعني من القلة، ووجه التشبيه بين الأنصار والملح هو أن الملح جزء يسير من الطعام وفيه
إصلاحه، فكذلك الأنصار وأولادهم من بعدهم، جزء يسير بالنسبة إلى المهاجرين وأولادهم
الذين انتشروا في البلاد وملكوا الأقاليم، فلذلك قال عَّلَه، مخاطباً للمهاجرين: ((فمن ولي
منكم أمراً يضرّ فيه)) أي: في ذلك الأمر ((أحداً أو ينفعه فليقبل من محسنهم)) أي: محسن
الأنصار، والذين ملكوا من بعد النبي عَّهِ، من الخلفاء الراشدين كلهم من المهاجرين،
وكذلك من بني أمية ومن بني العباس كلهم من أولاد المهاجرين.
٣٨٠١/٢٨٩ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ حدَّثنا غُنْدَرّ حدَّثنا شُعْبَةُ قال سَمِعْتُ قتَادَةَ
عنْ أنَسٍ بنِ مالِكِ رضي الله تعالى عنهُ عنِ النَّبِيِّ عَ ◌ّه قال الأنْصَارُ كَرِشي وعَنِيَتِي وَالنَّاسُ
سَيَكْثُرُونَ وَيَقِلُّونَ فاقْتُلُوا مِنْ مُخْسِنِهِمْ وَتَجَاوَزُوا عنْ مُسِيئِهِمْ. [انظر الحديث ٣٧٩٩].
هؤلاء الرجال قد ذكروا غير مرة. والحديث أخرجه مسلم في الفضائل عن أبي موسى
وبندار والترمذي أيضاً عن بندار في المناقب والنسائي عن حرمي بن عمارة عن شعبة عن
قتادة عن أنس عن أسيد بن حضير. قوله: ((ويقلون)) أي: الأنصار.
١٢ - بابُ مَناقِبٍ سَغدٍ بنِ مُعاذ رضي الله تعالى عنه
أي: هذا باب في بيان مناقب سعد بن معاذ، بضم الميم وإعجام الذال: ابن النعمان
ابن امرىء القيس بن عبد الأشهل بن جشم بن الحارث بن الخزرج بن النبيت، واسمه: عمرو
ابن مالك بن الأوس الأنصاري الأوسي ثم الأشهلي، وهو كبير الأوس، كما أن سعد بن
عبادة كبير الخزرج، أسلم على يد مصعب بن عمير، لما أرسله النبي عَّةٍ إلى المدينة يعلم
المسلمين، فلما أسلم قال لبني عبد الأشهل: كلام رجالكم ونسائكم علي حرام حتى
تسلموا، فكان من أعظم الناس بركة في الإسلام، وشهد بدراً بلا خلاف فيه، وشهد أحداً
والخندق ورماه يومئذ حبان بن العراقة في أكحله، فعاش شهراً ثم انتفض جرحه فمات منه،
وكان موته بعد الخندق بشهر، وبعد قريظة بليال، وأمه كبشة بنت رافع، لها صحبة.
٢٩٠ / ٣٨٠٢ - حدّثني مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ حدَّثنَا غُنْدَرّ حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ أَبِي إِسْحَاقَ
قال سَمِعْتُ البَرَاءَ رضي الله تعالى عنه يقُولُ أَهْدِيَتْ لِلنَّبِيِّ عَ لَه حلَّةُ حَرِيرٍ فَجَعَلَ أَصْحَابُهُ

٣٦٨
٦٣ - كتاب مناقب الأنصار / باب (١٢)
يَسُّونَهَا وَيَعْجَبُونَ مِنْ لِينِهَا فقال أتَعْجَبُونَ مِنْ لِينِ هذِهِ؟ لَمَنَادِيلُ سَعْدٍ بنِ مُعاذٍ خَيْرٌ مِنْها أُوْ
أَلْيَنُ: رَوَاهُ قَتَادَةُ والزُّهْرِيُّ سَمِعا أنَسَ بنَ مالِكِ عنِ النَّبِيِّ عَلَّهِ. [انظر الحديث ٣٢٤٩
وطرفيه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((لمناديل سعد بن معاذ خير منها)) وجاء فيه: ((إن لمناديل
سعد في الجنة أحسن ما ترون)) وفيه منقبة عظيمة له. وأبو إسحاق عمرو بن عبد الله
السبيعي، والحديث أخرجه مسلم في الفضائل عن أبي موسى وبندار عن محمد بن عمرو.
قوله: ((أهديت)) كان الذي أهداها أكيدر دومة، كما بينه في حديث أنس بن سعد به،
قيل: لأنه كان يعجبه ذلك الجنس من الثوب، أو لأجل كون اللامسين المتعجبين من
الأنصار، فقال: مناديل سيدكم خير منها، قال الطيبي: مناديل جمع منديل وهو الذي يحمل
في اليد، وقال ابن الأعرابي وغيره: هو مشتق من الندل، وهو النقل لأنه ينقل من واحد،
وقيل: من الندل وهو الوسخ، لأنه يندل به، إنما ضرب المثل بالمناديل لأنها ليست من علية
الثياب بل هي تتبدل في أنواع من المرافق يتمسح بها الأيدي وينفض بها الغبار عن البدن
ويعطى بها ما يهدى وتتخذ لفائف للثياب، فصار سبيلها سبيل الخادم وسبيل سائر الثياب
سبيل المخدوم، فإذا كان أدناها هكذا، فما ظنك بعليتها؟ قوله: ((رواه قتادة)) روايته وصلها
البخاري في الهبة، والزهري أي: ورواه الزهري أيضاً، ووصل البخاري روايته في اللباس، على
ما سيأتي إن شاء الله تعالى.
٢٩١ / ٣٨٠٣ - حدّثني مُحَمَّدُ بنُ المُثَنَّى حدَّثنَا فَضْلُ بنُ مُسَاوِرٍ خَتَنُ أَبِي عَوَانَةً
حدَّثنا أبُو عَوَانَةَ عنِ الأعْمَشِ عنْ أَبِي سُفْيَانَ عنْ جابِرٍ رضي الله تعالى عنهُ سَمِعْتُ النَّبِيَّ
عَ لّهِ يَقُولُ اهْتَزَّ العَرْشُ لِمَوْتِ سَعْدِ بنِ مُعاذٍ.
اهتزاز العرش لموت سعد منقبة عظيمة له، وفضل بن مساور - بلفظ اسم الفاعل من
المساواة - بالسين المهملة وهو المواثبة والمقاتلة: أبو مساور البصري من أفراد البخاري،
وليس له في البخاري إلاَّ هذا الموضع، وهو ختن أبي عوانة، وهو كل من كان من قبل المرأة
مثل: الأخ والأب، وأما العامة فختن الرجل عندهم زوج ابنته، وهو يروي عن أبي عوانة
الوضاح اليشكري عن سليمان الأعمش عن أبي سفيان طلحة بن نافع المكي.
والحديث أخرجه مسلم عن عمرو الناقد. وأخرجه ابن ماجه في السنة عن علي بن
محمد.
قوله: ((اهتز العرش))، العرش في اللغة: السرير، فإن كان المراد به السرير الذي حمل
عليه فمعنى الاهتزاز الحركة والاضطراب، وذلك فضيلة له كما كان رجف أحد فضيلة لمن
كان عليه، وهو: رسول الله، عَّله وأصحابه، وإن كان المراد به عرش الله تعالى فيراد منه
حملته، ومعنى الإهتزاز: السرور والاستبشار بقدومه، ومنه اهتزت الأرض بالنبات إذا اخضرت
وحسنت، وقال الكرماني: أقول: ويحتمل أن يكون اهتزاز نفس العرش حقيقة ﴿والله على

٣٦٩
٦٣ - كتاب مناقب الأنصار / باب (١٢)
كل شيء قدير﴾ [البقرة: ٢٤٨، آل عمران: ٢٩ و١٨٩، المائدة: ١٧، ١٩، ٤٠، الأنفال:
٤١، التوبة: ٣٩، الحشر: ٦]. وقال المازري: هو على حقيقته، ولا ينكر هذا من جهة العقل
لأن العرش جسم والأجسام تقبل الحركة والسكون، وقيل: المراد بالاهتزاز الاستبشار، ومنه
قول العرب: فلان يهتز للكرم، لا يريدون اضطراب جسمه وحركته، وإنما يريدون ارتياحه إليه
وإقباله عليه. وقال الحربي: هو كناية عن تعظيم شأن وفاته، والعرب تنسب الشيء المعظم
إلى أعظم الأشياء، فيقولون: أظلمت لموت فلان الأرض، وقامت له القيامة.
وعَنِ الأعْمَشِ حدثنا أبو صَالِحِ عنْ جَابِرِ عنِ النَّبِيِّ عَ لِّ مِثْلَهُ فقال رَجُلٌ لِجابِرٍ فإنَّ
البَرَاءَ يقُولُ اَهْتَزَّ السَّرِيرُ فقال إنَّهُ كانَ بَيْنَ هُذَيْنِ الحَيَّيْنِ ضَغَائِنُ سَمِعْتُ النَّبِيَّ عَ له
يَقُولُ اهْتَزَّ عَرْشُ الرَّحْمنِ لِمَوْتِ سَعْدِ بنِ مُعاذٍ
هو عطف على الإسناد الذي قبله أي: وروى أبو عوانة عن سليمان الأعمش عن أبي
صالح ذكوان الزيات عن جابر بن عبد الله، وأشار البخاري برواية الأعمش عن أبي صالح عن
جابر إلى أنه لا يخرج لأبي سفيان المذكور إلاَّ مقروناً بغيره، أو استشهاداً. قوله: ((مثله)) أي:
مثل حديث أبي سفيان عن جابر. قوله: ((فقال رجل))، لم يدر من هو، قال لجابر بن عبد الله
راوي الحديث كيف تقول: اهتز العرش؟ فإن البراء بن عازب يقول: اهتز السرير؟ قوله:
((فقال)) أي: قال جابر في جواب الرجل: إنه كان بين هذين الحيين، أي: الأوس والخزرج،
ضغائن بالضاد والغين المعجمتين: جمع ضغينة وهي الحقد، وقال الخطابي: إنما قال جابر
ذلك لأن سعداً كان من الأوس والبراز خزرجي والخزرج لا تقر بالفضل للأوس، ورد عليه
بأن البراء أيضاً أوسي يعرف ذلك بالنظر في نسبه لأن نسبهما ينتهي إلى الأوس، فإذا كان
كذلك لا ينسب البراء إلى غرض النفس، وإنما حمل لفظ العرش على معنى يحتمله، إذ كثيراً
يطلق ويراد به السرير، ولا يلزم بذلك قدح في عدالته كما لا يلزم بذلك القول قدح في عدالة
جابر، وقد روى اهتزاز العرش لسعد عن جماعة غير جابر منهم: أبو سعيد الخدري وأسيد بن
حضير ورميثة، وأسماء بنت يزيد بن السكن وعبد الله بن بدر وابن عمر بلفظ: ((اهتز العرش
فرحاً بسعد))، ذكرها الحاكم، وحذيفة بن اليمان وعائشة عند ابن سعد، والحسن ويزيد بن
الأصم مرسلاً، وسعد بن أبي وقاص في كتاب أبي عروبة الحراني. وفي (الإكليل) بسند
صحيح: ((إن جبريل عليه الصلاة والسلام أتى النبي عَّ ◌ُلم حين قبض سعد، فقال: من هذا
الميت الذي فتحت له أبواب السماء واستبشر بموته أهلها؟» وعند الترمذي مصححاً عن أنس:
((لما حملت جنازة سعد، قال المنافقون: ما أخف جنازته))، وذلك لحكمه في بني قريظة،
فبلغ ذلك النبي عَّ الله فقال: ((إن الملائكة كانت تحمله))، زاد ابن سعد في (الطبقات): لما
قال المنافقون ذلك قال عَ له: ((لقد نزل سبعون ألف ملك شهدوا جنازة سعد، ما وطئوا
الأرض قبل اليوم))، وكان رجلاً جسيماً، وكان يفوح من قبره رائحة المسك، وأخذ إنسان
قبضة من تراب قبره فذهب بها، ثم نظر إليها بعد ذلك فإذا هي مسك.
عمدة القاري /ج١٦ /م٢٤

٣٧٠
٦٣ - كتاب مناقب الأنصار / باب (١٣)
٢٩٢ / ٣٨٠٤ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ عَرْعَرَةَ حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ سَعْدِ بنِ إِبْرَاهِيمَ عنْ أَبِي
أُمَامَةَ بنِ سَهْلٍ بنِ حُنَيْفٍ عنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُذْرِيِّ رضي الله تعالى عنه أَنَّ أَنَاساً نَزَّلُوا عَلَى
حُكْم سَعْدِ بنِ مُعَاذٍ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ فَجَاءَ عَلَى حِمارٍ فَلَمَّا بَلَغَ قَرِيباً مِنَ المَسْجِدِ قال النَّبِيُّ عَّله
قُومُوا إلى خَيْرِكُمْ أَوْ سَيِّدِكُمْ فقال يا سَعْدُ إِنَّ هَؤُلاءِ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِكَ قال فإِنِّي أحْكُمُ
فِيهِمْ أنْ تُقْتَلَ مُقَاتِلَتُهُمْ وتُسْبِى ذَرَارِيُّهُمْ قال حَكَمْتَ بِحُكْمِ الله أَوْ بِحُكْمِ المَلِكِ. [انظر
الحديث ٣٠٤٣ وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((قوموا إلى خيركم)) وفي قوله: ((حكمت بحكم الله)). وأبو
أمامة، بضم الهمزة أسعد بن سهل بن حنيف، بضم الحاء المهملة وفتح النون وسكون الياء
آخر الحروف: الأوسي الأنصاري، أدرك النبي عَّه ويقال: إنه سماه وكناه باسم جده وكنيته،
ولم يسمع من النبي عَّ له شيئاً، مات سنة مائة.
والحديث قد مضى في الجهاد في: باب إذا نزل العدو على حكم رجل، فإنه أخرجه
هناك عن سليمان بن حرب عن شعبة إلى آخره، وقد مضى الكلام فيه.
قوله: ((أن أناساً))، ويروى: ((أن ناساً))، وهم بنو قريظة وقد صرح به هناك. قوله:
((فأرسل إليه)) أي: فأرسل النبي عَّةِ إلى سعد: قوله: ((قريباً من المسجد)) أراد به المسجد
الذي أعده عَّله، أيام محاصرته لبني قريظة، والذي ظن أنه المسجد النبوي فقد غلط،
والصواب ما ذكرناه، وفي رواية أبي داود: ((فلما دنا من النبي ◌َُّلِّ))، وهو يؤيد ما ذكرناه
حيث لم يقل: من مسجد النبي عَّهِ. قوله: ((إلى خيركم))، إن كان الخطاب للأنصار فظاهر
لأنه سيد الأنصار، وإن كان أعم منه فإما بإن لم يكن في المجلس من هو خير منه، وإما بأن
يراد به السيادة الخاصة، أي: من جهة تحكيمه في هذه القضية ونحوها. قوله: ((أو سيد كم))،
شك من الراوي، وكذلك قوله: ((أو بحكم الملك)) وهناك: بحكم الملك، بلا شك، وقال
الكرماني: الملك، بكسر اللام وفتحها. قلت: أما الكسر فظاهر، وأما الفتح فمعناه: أنه
الحكم الذي نزل به الملك وهو جبريل، عليه الصلاة والسلام، وأخبر به النبي عَ لَّه.
١٣ - بابُ مَنْقَبَةٍ أُسَيْدِ بنِ حُضَيْرٍ وعَبَّادِ بنِ بِشْرٍ رضي الله تعالى عنهما
أي: هذا باب في بيان منقبة أسيد، بضم الهمزة وفتح السين المهملة وسكون الياء آخر
الحروف: ابن حضير، بضم الحاء المهملة وفتح الضاد المعجمة: ابن سماك بن عتيك بن
رافع بن امرىء القيس بن زيد بن عبد الأشهل الأنصاري الأوسي الأشهلي، يكنى أبا يحيى،
وقيل غير ذلك، ومات في سنة عشرين في خلافة عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه،
على الأصح وحمله عمر حتى وضعه في قبره بالبقيع، وعباد، بفتح العين المهملة وتشديد
الباء الموحدة: ابن وقش بن رغبة بن عبد الأشهل بن جشم بن الحارث ابن الخزرج الأوسي
الأشهلي، من كبار الصحابة، قتل يوم اليمامة، ومن قال: بشير، بفتح الباء الموحدة وكسر
الشين، فقد غلط.

٣٧١
٦٣ - كتاب مناقب الأنصار / باب (١٤)
٢٩٣/ ٣٨٠٥ - حدّثنا عَلِيُّ بنُ مُسْلِم حدَّثنا حَبَّانُ حدَّثنا هَمَّامٌ أُخبرَنا قَتَادَةُ عنْ أَنَسِ
رضي الله تعالى عنه أنَّ رَجُلَيْنِ خَرَجًا مِنْ عِنْدِ النَّبِيِّ عَ لَّهِ فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ وإذَا نُورٌ بَيْنَ
أَيْدِيهِما حتَّى تفَرَّقَا فَتَفَرَّقَ النُّورُ مَعَهُمَا. [انظر الحديث ٤٦٥ وطرفه].
مطابقته للترجمة ظاهرة، وعلي بن مسلم الطوسي البغدادي وهو من أفراده، وحبان،
بفتح الحاء المهملة وتشديد الباء الموحدة: ابن هلال الباهلي، وهمام، بتشديد الميم: ابن
يحيى العوذي الشيباني البصري. قوله: ((أن رجلين خرجا من عند النبي عَّم))، قيل: ظهر
من رواية معمر أن أسيد بن حضير أحدهما، ومن رواية حماد أن الثاني عباد بن بشر. انتهى.
قلت: رواية معمر تأتي الآن ورواية حماد كذلك معلقتين، ولكن في ظهورهما من روايتهما
نظر على ما نذكره، إن شاء الله تعالى.
وقال مَعْمَرٌ عنْ ثابتٍ عنْ أَنَسٍ أَنَّ أُسَيْدَ بنَ خُضَيْرٍ ورَجُلاً مِنَ الأنْصَارِ وقال حَمَّادٌ
أُخْبرَنا ثابتٌ عنْ أَنَسٍ كانَ أُسَيْدُ بنُ خُضَيْرٍ وعَبَّادُ بنُ بِشْرٍ عِنْدَ النَّبِيِّ عَ لَه
تعليق معمر بن راشد وصله عبد الرزاق في (مصنفه) عنه، ومن طريقة الإسماعيلي
بلفظ: أن أسيد بن حضير ورجلاً من الأنصار تحدثا عند رسول الله، عَ ◌ّه، حتى ذهب من
الليل ساعة في ليلة شديدة الظلمة، ثم خرجا وبيد كل منهما عصاً فأضاءت عصا أحدهما
حتى مشيا في ضوئها، حتى إذا افترقت بهما الطريق أضاءت عصا الآخر، فمشى كل واحد
منهما في ضوء عصاه حتى بلغ أهله، وتعليق حماد بن سلمة وصله أحمد والحاكم في
(المستدرك) بلفظ: أن أسيد بن حضير وعباد بن بشر كانا عند النبي عَ لّه، في ليلة ظلماء
حندس، فلما خرجا أضاءت عصا أحدهما فمشيا في ضوئها، فلما افترقت بهما الطريق
أضاءت عصا الآخر، ووجه النظر الذي نبهنا عليه هو أن حديث الباب ساكت عن تعيين
الرجلين وتعيينهما بالمعلقين غير جازم بذلك لاحتمال كون الرجلين غير أسيد بن حضير
وعباد بن بشر، والذي اتفق للرجلين المذكورين اتفق أيضاً لأسيد وعباد، وقال هذا القائل
المذكور أيضاً: إن البخاري جزم به في الترجمة، وأشار إلى حديثهما، وفيه أيضاً نظر،
لاحتمال تعدد الاحتمال لتعدد أصحاب القضية كما ذكرنا.
١٤ - باب مَناقِبٍ مُعاذٍ بِنِ جَبَلٍ رضي الله تعالى عنه
أي: هذا باب في بيان مناقب معاذ بن جبل بن عمرو بن أوس بن عائذ بن عدي بن
كعب بن عمرو بن أد بن سعد بن علي بن أسد ابن ساردة بن تزيد بن جشم من الخزرج
الأنصاري الخزرجي أبو عبد الرحمن المدني، هو أحد السبعين الذين شهدوا العقبة من
الأنصار وآخى رسول الله، عَّلَه، بينه وبين عبد الرحمن بن مسعود، أسلم وهو ابن ثمان عشرة
سنة، وشهد بدراً والمشاهد كلها مع رسول الله، عَّه، وهو من الذين جمعوا القرآن على
عهد رسول الله، عَّله، وكان أميراً للنبي عَّ على اليمن، ورجع بعده إلى المدينة ثم خرج
إلى الشام مجاهداً ومات في طاعون عمواس سنة ثمان عشرة وهو ابن أربع وثلاثين بناحية

٣٧٢
٦٣ - كتاب مناقب الأنصار / باب (١٥)
الأردن، وقبره بغور بيسان في شرقيه، وعمواس قرية بين الرملة وبيت المقدس نسبت الطاعون
إليها لأنه أول ما بدا منها، قيل: إنه لم يولد له قط، وقيل: ولد له ولد يسمى عبد الرحمن
وأنه قاتل معه يوم اليرموك، وبه کان یکنی.
٢٩٤ / ٣٨٠٦ _ حدَّثني مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارِ حدَّثنا غُنْدَرُ حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ عَمْرٍو عنْ
إبْرَاهِيمَ عنْ مَشْرُوقٍ عنْ عَبْدِ الله بنِ عَمْرٍو رضي الله تعالى عنهما سَمِعْتُ النَّبِيَّ عَ لَّهِ يَقُول
اسْتَقْرِتُوا القُرْآنَ مِنْ أَرْبَعَةٍ منِ ابنِ مَشْعُودٍ وسالِمٍ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ وَأَبَيّ ومُعَاذٍ بِنِ جَبَلٍ
رضي الله تعالى عنهُم. [انظر الحديث ٣٧٥٨ وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((ومعاذ بن جبل)) وكان ينبغي أن يقال: باب منقبة معاذ،
لأنه لم يذكر فيه إلاَّ منقبة واحدة، وقد أخرج ابن حبان من حديث أبي هريرة رفعه: نعم
الرجل معاذ بن جبل، والحديث مر في مناقب سالم مولى أبي حذيفة فإنه أخرجه هناك عن
سليمان بن حرب عن شعبة عن عمرو بن مرة عن إبراهيم عن مسروق عن عبد الله بن عمرو
ابن العاص، رضي الله تعالى عنهم، وأخرجه من طريق آخر عن عبد الله بن عمرو في: باب
مناقب عبد الله بن عمرو بن العاص، رضي الله تعالى عنهم، وأخرجه من طريق آخر عن عبد
الله بن عمرو في: باب مناقب عبد الله بن مسعود، ومر الكلام فيه هناك.
١٥ - بابُ مَنْقَبَةِ سَعْدِ بنِ عُبَادَةَ رضي الله تعالى عنه
أي: هذا باب في بيان منقبة سعد بن عبادة بن دليم بن أبي حارثة بن أبي صريمة بن
ثعلبة بن طريف بن الخزرج بن ساعدة، يكنى أبا الحارث وهو والد قيس بن سعد أحد
مشاهير الصحابة، رضي الله تعالى عنهم، وكان سعد كبير الخزرج، وكان جواداً كريماً، مات
بحوران من أرض الشام سنة أربع عشرة أو خمس عشرة في خلافة عمر بن الخطاب، رضي
الله تعالى عنه.
وقالَتْ عَائِشَةُ: وكانَ قَبْلَ ذَلِكَ رَجُلاً صالِحًاً
هذا قطعة من حديث طويل في قضية الإفك ذكره في التفسير في سورة النور، وقيل:
تمام هذه القطعة: فقام رسول الله، عَّه، فاستعذر يومئذ عن عبد الله بن أبي بن سلول، قالت
- يعني عائشة -: فقال رسول الله، عَّه، وهو على المنبر: يا معشر المسلمين! من يعذرني
في رجل قد بلغني أذاه في أهل بيتي؟ فوالله ما علمت على أهلي إلاَّ خيراً، ولقد ذكروا
رجلاً ما علمت عليه إلاَّ خيراً، وما كان يدخل على أهلي إلاَّ معي، فقام سعد بن معاذ
الأنصاري، فقال: يا رسول الله! أنا أعذرك منه إن كان من الأوس ضربت عنقه، وإن كان من
إخواننا من الخزرج أمرتنا فعلنا أمرك. قالت: فقام سعد بن عبادة، وهو سيد الخزرج، وكان
قبل ذلك رجلاً صالحاً، ولكن حملته الحمية: فقال لسعد: كذبت لعمر الله لا تقتله ولا تقدر
على تله، فتثاور الحيان: الأوس والخزرج، حتى هموا أن يقتتلوا ... الحديث، قوله: ((وكان))
أي: سعد بن عبادة. قوله: ((قبل ذلك)) أي: قبل حديث الإفك، وظاهره أنه ليس في حديث

٣٧٣
٦٣ - كتاب مناقب الأنصار / باب (١٦)
الإفك مثل ما كان، ولكن لم يكن مرادها الغض منه، لأن سعداً لم يكن منه في تلك المقالة
إلاّ الرد على سعد بن معاذ، ولا يلزم منه زوال تلك الصفة عنه في وقت صدور الإفك، بل
هذه الصفة مستمرة فيه، إن شاء الله تعالى.
٢٩٥ / ٣٨٠٧ - حدَّثنا إسْحَاقُ حدَّثنا عبْدُ الصَّمَدِ حدَّثنا شُعبةُ حدَّثنَا قَتَادَةَ قال
سَمِعْتُ أنَسَ بنَ مالِكِ رضي الله تعالى عنهُ قال أبُو أُسَيْدٍ قال رَسُولُ اللهِ عَلِّ خَيْرُ دُورٍ
الأَنْصَارِ بَنُو النَّجَّارِ ثُمَّ بَنُو عَبْدِ الأَشْهَلِ ثُمَّ بَنُو الحَارِثِ بنِ الخَزْرَجِ ثُمَّ بَنُو ساعِدَةَ وفي
كلٌّ دُورِ الأَنْصَارِ خَيْرٌ فقالٍ سَعْدُ بنُ عُبَادَةَ وكانَ ذَا قَدَمٍ في الإسْلاَمِ أَرَى رسولَ الله عَ لَّ قَدْ
فَضَّلَ عَلَّيْنَا فَقيلَ لَهُ قَدْ فَضَّلَكُمْ علَى ناسٍ كَثِيرٍ. [انظر الحديث ٣٧٨٩ وطرفيه].
مطابقته للترجمة ظاهرة، وإسحاق هذا هو ابن منصور بن بهرام الكوسج أبو يعقوب
المروزي، وهو شيخ مسلم أيضاً، وقيل: هو إسحاق بن إبراهيم المعروف بابن راهويه
المروزي، وهو الصحيح، والحديث مضى في: باب فضل دور الأنصار، فإنه أخرجه هناك عن
محمد بن بشار عن غندر عن شعبة ... إلى آخره، ومضى الكلام فيه هناك.
١٦ - بابُ مَنَاقِبٍ أُبَيِّ بنِ كَغْبٍ رضي الله تعالى عنه
أي: هذا باب في بيان مناقب أبي بن كعب بن قس بن عبيد بن زيد بن معاوية بن
عمرو بن مالك بن النجار الأنصاري الخزرجي النجاري، يكنى أبا المنذر، وأبا الطفيل، وكان
من السابقين من الأنصار، شهد العقبة وما بعدها، مات سنة ثلاثين، وقيل: قبل ذلك بالمدينة.
٢٩٦ / ٣٨٠٨ - حدَّثنا أَبُو الوَلِيدِ حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ عَمْرٍو بنِ مُرَّةَ عِنْ إِبْرَاهِيمَ عنْ
مَشْرُوقٍ قال ذُكِرَ عبْدُ الله بنُ مَسْعُودٍ عنْدَ عَبْدِ الله بنِ عَمْرٍو فقال ذَاكَ رَجُلٌ لاَ أَزَالُ أُحِبُهُ
سَمِعْتُ النَّبِيَّ عَّ ◌ُلِّ يقولُ خُذُوا القُرْآنَ مِنْ أَرْبَعَةٍ مِنْ عَبْدِ الله بنِ مَشْعُود فبَدَأَ بِهِ وسالِمٍ مَوْلَى
أبِي حُذَيْفَةَ ومُعاذٍ بِنِ جَبَلٍ وأَبَيِّ بنِ كَعْبٍ. [انظر الحديث ٣٧٥٨ وأطرافه].
مطابقته للترجمة ظاهرة. وأبو الوليد هشام بن عبد الملك، والحديث مر في: باب
مناقب سالم مولى أبي حذيفة فإنه أخرجه هناك عن سليمان بن حرب إلى آخره.
٢٩٧ /٣٨٠٩ - حدَّثني مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارِ حدَّثَنَا غُنْدَرٌ قال سَمِعْتُ شُعْبَةَ سَمِعْتُ قتَادَةَ
عنْ أَنَسٍ بنِ مالِكِ رضي الله تعالى عنه قال النَّبِيُّ عَّهِ لاِبَيِّ بنِ كَعْبٍ إِنَّ الله أمَرَنِي أَنْ أَقْرَأ
عَلَيْكَ ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البينة: ١]. قال وسَمَّاني قال نَعَمْ قال فبَكَى، [الحديث
٣٨٠٩ - أطرافه في: ٤٩٥٩، ٤٩٦١، ٤٩٧٠].
مطابقته للترجمة أظهر ما يكون، وهي منقبة عظيمة لم يشاركه فيها أحد من الناس،
وهي قراءة رسول الله، عَّ القرآن عليه وسماه عمر، رضي الله تعالى عنه، سيد المسلمين،
وقد تكرر ذكر رجاله لا سيما على هذا النسق.
والحديث أخرجه في التفسير أيضاً عن غندر. وأخرجه مسلم في الصلاة وفي الفضائل

٣٧٤
٦٣ - كتاب مناقب الأنصار / باب (١٧)
عن أبي موسى وبندار. وأخرجه الترمذي في المناقب عن بندار. وأخرجه النسائي فيه عن
محمد بن عبد الأعلى، وفي التفسير عن إبراهيم بن الحسن.
قوله: ((قال النبي عَّ لأبي بن كعب: إن الله أمرني أن أقرأ عليكم)) وفي رواية
لأحمد من حديث علي بن زيد عن عمار بن أبي عمار عن أبي حية: لما نزلت لم يكن، قال
جبرائيل، عليه الصلاة والسلام، لرسول الله، عَّله: إن ربك أمرك أن تقرئها أبياً. فقال له: إن
الله أمرني أن أقرئك هذه السورة، فبكى والحكمة في أمره بالقراءة عليه هي أنه يتعلم أبي
ألفاظه وكيفية أدائه ومواضع الوقوف، فكانت القراءة عليه لتعليمه لا ليتعلم منه، وأنه يسن
عرض القرآن على حفاظه المجودين لأدائه وإن كانوا دونه في النسب والدين والفضيلة ونحو
ذلك، أو أن ينبه الناس على فضيلة أبي ويحثهم على الأخذ عنه وتقديمه في ذلك، وكان
كذلك، وصار بعد النبي عَّهِ، رأساً وإماماً مشهوراً فيه. قوله: ﴿لم يكن الذين كفروا﴾
[البينة: ١]. تخصيص هذه السورة لأنها مع وجازتها جامعة لأصول وقواعد ومهمات عظيمة،
وقال القرطبي: خص هذه السورة بالذكر لما احتوت عليه من التوحيد والرسالة والإخلاص
والصحف والكتب المنزلة على الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام، وذكر الصلاة والزكاة والمعاد
وبيان أهل الجنة والنار مع وجازتها، وقيل: لأن فيها ﴿رسول من الله يتلو صحفاً مطهرة﴾
[البينة: ٢]. قوله: ((قال: وسماني الله؟)) أي: قال أبي: وسماني الله؟ يعني هل نص علي
باسمي؟ أو قال: إقرأ على واحد من أصحابك فاخترتني أنت؟ قال: نعم، أي: قال النبي عَّهِ:
نعم إن الله سماك. وفي رواية للطبراني عن أبي بن كعب، قال: نعم باسمك ونسبك في
الملأ الأعلى، وقال القرطبي. وفي رواية: أَلله سماني لك؟ بهمزة الاستفهام على التعجب منه
إذا كان ذلك عنده مستبعداً، لأن تسميته تعالى له وتعيينه ليقرأ عليه النبي عَلَّه، تشريف
عظيم، فلذلك بكى من شدة الفرح والسرور، وقال النووي؛ قيل؛ بكاؤه خوفا من تقصيره على
شكر هذه النعمة العظيمة، وروى الحاكم مصححاً من حديث زر بن حبيش عن أبي بن
كعب: أن النبي عَّه، قرأ عليه ﴿لم يكن﴾ [البينة: ١]. وقرأ فيها: إن الدين عند الله
الحنيفية لا اليهودية ولا النصرانية ولا المجوسية، من تعجل خيراً فلن يكفره، والله أعلم.
١٧ - بابُ مَنَاقِبٍ زَيْدِ بنِ ثابتٍ رضي الله تعالى عنه
أي: هذا باب في بيان مناقب زيد بن ثابت بن الضحاك بن زيد بن لوذان بن عمرو بن
عبد بن عوف بن غنم بن مالك بن النجار الأنصاري النجاري أبو سعيد، ويقال: أبو خارجة
المدني، وأمه النوار بنت مالك بن النجار، قدم رسول الله، عَ له، المدينة وهو ابن إحدى
عشرة سنة، وكان يكتب الوحي لرسول الله عَ ليه، وكان من فضلاء الصحابة ومن أصحاب
الفتوى، توفي سنة خمس وأربعين بالمدينة أو سنة ست وخمسين.
٢٩٨ /٣٨١٠ - حدَّثني مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارِ حدَّثنا يَحْتَى حدَّثَنَا شُعْبَةُ عنْ قَتَادَةِ عنْ أَنَسِ
رضي الله تعالى عنهُ جَمَعَ القُرْآنُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ عَ لَّهِ أَرْبَعَةٌ كُلُّهُمْ مِنَ الأَنْصَارِ أُبَيٌّ ومُعَاذُ

٣٧٥
٦٣ - كتاب مناقب الأنصار / باب (١٨)
· ابنُّ جَبَلِ وأَبُو زَيْدٍ وَزَيْدُ بنُ ثابِتٍ قُلْتُ لأنسٍ مَنْ أَبُو زَيْدٍ قال أحَدُ عُمُومَتِي. [الحديث
٣٨١٠ - أطرافه في: ٣٩٩٦، ٥٠٠٣، ٥٠٠٤].
مطابقته للترجمة ظاهرة، لأن جمع زيد بن ثابت القرآن على عهد النبي عَّ له منقبة
عظيمة، ويحيى هو: ابن سعيد القطان.
والحديث أخرجه مسلم في الفضائل عن أبي موسى وعن يحيى بن حبيب. وأخرجه
الترمذي في المناقب عن بندار عن يحيى. وأخرجه النسائي فيه عن محمد بن يحيى وفي
فضائل القرآن عن إسحاق بن إبراهيم وعن بندار عن يحيى.
قوله: ((جمع القرآن)) أي: استظهره حفظاً. قوله: ((وأبو زيد)) قال ابن المديني: اسمه
أوس، وعن يحيى بن معين: هو ثابت بن زيد بن مالك الأشهلي، وقيل: هو سعد بن عبيد بن
النعمان، وبذلك جزم الطبراني عن شيخه أبي بكر بن صدقة. قال: هو الذي كان يقال له:
القارىء، وكان على القادسية، واستشهد بها سنة خمس عشرة، وهو والد عمير بن سعد. وعن
الواقدي: هو قيس بن السكن بن قيس بن زعور بن حرام الأنصاري، ويرجحه قول أنس:
((أحد عمومتي)) فإنه من قبيلة بني حرام، وأنس بن مالك بن النضر بن ضمضم - بالمعجمة -
ابن زيد بن حرام. قوله: ((عمومتي) أي: أعمامي. وفي (الاستيعاب): افتخر الحيان، فقالت
الأوس: منا غسيل الملائكة حنظلة، والذي حمته الدبر عاصم، والذي اهتز لموته العرش سعد،
ومن شهادته بشهادة رجلين خزيمة. وقال الخزرج: منا أربعة جمعوا القرآن على عهد رسول
الله، عَّله: معاذ وأبي وزيد وأبو زيد فإن قيل: غيرهم أيضاً جمعوا مثل الخلفاء الأربعة؟
وأجيب: بأن مفهوم العدد لا ينفي الزائد، وقيل: جمعوه حفظاً عن ظهر القلب فإن قيل:
كيف جمعوه كله وقد نزل بعض القرآن بقرب وفاة النبي عَّه؟ وأجيب: بأنهم حفظوا ذلك
البعض أيضاً قبل الوفاة. فإن قلت: هذا يعارض حديث عبد الله بن عمرو بن العاص الذي
تقدم: استقرئوا القرآن من أربعة: من ابن مسعود وسالم مولى أبي حذيفة وأبي ومعاذ، وأسقط
في حديث الباب: ابن مسعود وسالم، وزاد: زيد بن ثابت وأبا زيد. قلت: لا معارضة، لأنه لا
يلزم من الأمر بأخذ القراءة عنهم أن يكون كلهم استظهر جميع القرآن، وقيل: لا يؤخذ
بمفهوم حديث أنس لأنه لا يلزم من قوله: جمعه أربعة، أن لا يكون جمعه غيرهم، فلعله أراد
أنه لم يقع جمعه لأربعة من قبيلة واحدة إلاَّ لهذه القبيلة، وهي الأنصار.
١٨ - بابُ مَنَاقِبٍ أبِي طَلْحَةَ رضي الله تعالى عنه
أي: هذا باب في بيان مناقب أبي طلحة زيد بن سهل بن الأسود بن حرام الأنصاري
الخزرجي النجاري، وهو زوج أم سليم والدة أنس بن مالك، شهد المشاهد كلها، وهو أحد
النقباء، مات بالمدينة سنة اثنتين وثلاثين، وقيل: أربع وثلاثين، وصلى عليه عثمان بن عفان،
رضي الله تعالى عنه. وقال أبو زرعة الدمشقي: مات بالشام وعاش بعد رسول الله، عَّو
أربعين سنة يسرد الصوم، وروي عن أنس أنه مات في البحر غازياً.

٣٧٦
٦٣ - كتاب مناقب الأنصار / باب (١٨)
٢٩٩/ ٣٨١١ _ حدَّثنا أَبُو مَعْمَرٍ حدَّثنا عَبْدُ الوَارِثِ حدَّثنا عَبْدُ العَزِيزِ عنْ أَنَسٍ
رضي الله تعالى عنهُ قال لَمَّا كانَ يَوْمُ أَحَدِ انْهَزَمَ النَّاسُ عنِ النَّبِي عَ لَّهِ وَأَبُو طَلْحَةَ بَيْنَ يَدَيِّ
النَّبِيِّ عَُّلِّ مُجَوِّبٌ بِهِ عَلَيْهِ بِحَجَفَةٍ لَهُ وكَانَ أَبُو طَلْحَةَ رَجُلاً رَامِياً شَدِيداً لَقَد يُكَسِّرُ يَوْمَئِذٍ
قَوْسَيْنِ أَوْ ثَلاثَاً وكانَ الرَّجُلُ يَمُرُّ ومَعَهُ الجَعْبَةُ مِنَ النَّبْلِ فِيَقُولُ انْشُرْها لأِبِي طَلْحَةَ فَأَشْرَفَ
النَّبِيُّ عَِّلّهِ يَنْظُرُ إلى القَوْمِ فَيَقُولُ أَبُو طَلْحَةَ يا نَبِيَّ الله بأبِي أَنْتَ وَأُمِّي لاَ تُشْرِفْ يُصْكَ
سَهْمٌ مِنْ سِهَامِ القَوْمِ نَحْرِي دُونَ نَحْرِكَ ولَقَدْ رأيتُ عائِشَةَ بِنْتَ أبِي بَكْرٍ وَأَمَّ سُلَيْمٍ وإِنَّهُمَا
لَمُشَمِّرَتانِ أَرَى خَدَمَ سُوقِهِمَا تَنْقُزَانِ القِرَبَ عَلَى مُتُونِهِمَا تُفْرِغَانِهِ فِي أَقْوَاهِ القَوْمِ ثُمَّ تَرْجِعَانِ
فَتَمْلَآيِها ثُمَّ تَجِيآنٍ فَتُفْرِغَانِهَا فِي أَفْوَاهِ القَوْمِ ولَقَدْ وقَعَ السَّيْفُ مِنْ يَدَيْ أَبِي طَلْحَةً إِمَّا مَرَّتَيْنِ
وإمَّا ثَلاثَاً. [انظر الحديث ٢٨٨٠ وطرفيه].
مطابقته للترجمة تؤخذ من معنى الحديث في مواضع على ما لا يخفى، وأبو
معمر، بفتح الميمين: عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج المنقري مولاهم المقعد البصري،
وعبد الوارث بن سعيد، وعبد العزيز بن صهيب. ورجاله كلهم بصريون.
ومضى بعض هذا الحديث في الجهاد في: باب غزو النساء مع الرجال فإنه أخرجه
هناك بهذا الإسناد بعينه.
قوله: ((وأبو طلحة)) الواو فيه للحال، وهو مبتدأ. وقوله: ((مجوِّب)) خبره، وهو بضم
الميم وفتح الجيم وكسر الواو المشددة وفي آخره باء موحدة، ومعناه: مترِّس عليه يقيه
بالجوبة وهو الترس. قوله: ((عليه)) أي: على النبي عَُّلِّ. قوله: ((بحجفة))، متعلق بقوله:
مجوّب، والحجفة، بفتح الحاء المهملة وفتح الجيم والفاء أيضاً وهي الترس إذا كان من
جلد ليس فيها خشب. قوله: ((رامياً)) أي: رامياً بالقوس. قوله: ((شديداً) يعني: موصوفاً بشدة
الرمي، وهكذا في رواية الأكثرين: شديداً، بالنصب وبعده: ((لقد يكسر)) بلام التأكيد وكلمة:
قد، للتحقيق، و: يكسر، يفعل بالتشديد ليدل على كثرة الكسر، وهذه الصيغة تأتي متعدية
ولازمة، ويروى شديد القد، بإضافة لفظ الشديد إلى لفظ القد بكسر القاف وتشديد الدال،
وهو: السير من جلد غير مدبوغ، ومعناه: شديد وتر القوس في النزع والمد، وبهذا جزم
الخطابي، وتبعه ابن التين، وعلى هذه الرواية يقرأ: قوسان، بالرفع على أنه فاعل: يكسّر، على
أن يكون: يكسر، لازماً. قوله: ((أو ثلاثاً) ويروى: أو ثلاث، أيضاً بالرفع عطفاً عليه، وكلمة:
أو للشك من الراوي، ويروى: شديد المد، بالميم المفتوحة والدال المشددة. قوله: ((من
النبل)) أي: السهام. قوله: ((فيقول)) أي: فيقول النبي عَّ له: ((أنشرها)) من النشر بالنون
المفتوحة وسكون الشين المعجمة من انتشار الماء وتفرقه، ويروى: نثرها من النثر بالنون
المفتوحة وسكون الثاء المثلثة ومعناهما واحد.
قوله: ((فأشرف)) من الإشراف وهو الإطلاع من فوق. قوله: ((لا تشرف)) مجزوم لأنه
نهي أي: لا تطلع. قوله: ((يصبك))، مجزوم لأنه جواب النهي نحو: لا تدن من الأسد
يأكلك، ويروى: تصيبك على تقدير: السهم يصيبك. قوله: ((سهم)) بيان للمحذوف ومن

٣٧٧
٦٣ - كتاب مناقب الأنصار / باب (١٩)
سهام القول بيان أن السهم من العدو. قوله: ((نحري دون نحرك))، أي: صدري عند صدرك
أي: أقف أنا بحيث يكون صدري كالترس لصدرك، هكذا فسره الكرماني. قلت: الأوجه أن
يقال: هذا نحري قدام نحرك، يعني: أقف بين يديك بحيث أن السهم إذا جاء يصيب نحري
ولا يصيب نحرك. قوله: ((وأم سليم))، بضم السين المهملة وفتح اللام وسكون الياء آخر
الحروف، وهي زوجة أبي طلحة وأم أنس بن مالك وخالة رسول الله، عَّ ئله، من الرضاع. قوله:
(لمشمرتان))، تثنية على صيغة الفاعل من: شمرت ثيابي أذا رفعتها، واللام فيه للتأكيد. قوله:
((خدم)) بالنصب. قوله: ((لأنه)) مفعول ((أرى)) وهو بفتح الخاء المعجمة والدال المهملة جمع
الخدمة وهي الخلخال، و: السوق، بالضم جمع ساق، وهذا كان قبل نزول آية الحجاب.
قوله: ((تنقزان))، بالنون الساكنة والقاف المضمومة وبالزاي: من النقز وهو النقل، وقال
الداودي: أي تنقلان، وقال الخطابي: إنما هو تزفران، أي: تحملان. قال: وأما النقز فهو الوثب
البعيد، وقال ابن قرقول: تزفران، بالزاي والفاء والراء، يقال: إزفر لنا القرب أي: إحملها ملأى
على ظهرك. وفي (المطالع): تنقزان القرب على ظهورهما، هكذا جاء في حديث أبي معمر،
قال البخاري: وقال غيره: تنفلان، وكذا رواه مسلم، قيل: معنى تنقزان على الرواية الأولى
تثبان، والنقز الوثب والقفز كأنه من سرعة السير، وضبط الشيوخ: القرب، بنصب الباء ووجهه
بعيد على الضبط المتقدم. وأما مع: تنفلان، فصحيح وكان بعض شيوخنا يقرأ هذا الحرف
بضم باء القرب ويجعله مبتدأ، كأنه قال: والقرب على متونهما والذي عندي في الرواية
اختلال، ولهذا جاء البخاري بعدها بالرواية البينة الصحيحة، وقد تخرج رواية الشيوخ بالنصب
على عدم الخافض، كأنه قال: تنقزان القرب أي: تحركان القرب بشدة عدوهما بها، فكانت
القرب ترتفع وتنخفض مثل الوثب على ظهورهما. قوله: ((على متونهما)) أي: على ظهورهما،
وهو بضم الميم جمع متن، وهو الظهر. قوله: ((تفرغانه)) بضم التاء يقال: أفرغت الإناء إفراغاً،
وفرغته بالتشديد تفريغاً إذا قلبت ما فيه.
١٩ - بابُ مَناقِبِ عَبْدِ الله بنِ سَلاَمٍ رضي الله تعالى عنه
أي: هذا باب في بيان مناقب عبد الله بن سلام، بتخفيف اللام ابن الحارث
الإسرائيلي، ثم الأنصاري من بني قينقاع، ويكنى أبا يوسف، وهو من ذرية ابن يوسف
الصديق، عليه الصلاة والسلام، وقال أبو عمر: وكان حليفاً للأنصار، ويقال: كان حليفاً
للقواقلة من بني عوف بن الخزرج وكان اسمه في الجاهلية: فلما أسلم سماه رسول الله،
عَّ له: عبد الله، وتوفي بالمدينة في خلافة معاوية سنة ثلاث وأربعين وهو أحد الأحبار، أسلم
إذ قدم النبي عَ ◌ِّ، المدينة. وروى أبو إدريس الخولاني عن يزيد بن عميرة فإنه سمع معاذ بن
جبل، رضي الله تعالى عنه. يقول: سمعت رسول الله، عٍَّ، يقول لعبد الله بن سلام: أنه
عاشر عشرة في الجنة، وقال أبو عمر: هذا حديث حسن الإسناد صحيح.
٣٠٠ / ٣٨١٢ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قال سَمِعْتُ مالِكَاً يُحَدِّثُ عنْ أبِي النَّصْرِ

٣٧٨
٦٣ - كتاب مناقب الأنصار / باب (١٩)
مَوْلَى عُمَرَ بِنِ عُبَيْدِ الله عَنْ عَامِرِ بنِ سَعْدِ بنِ أبِي وقَّاصٍ عنْ أَبِيهِ قال ما سَمِعْتُ النَّبِيَّ عَ لَّه
يَقُولُ لِأَحَدٍ يَمْشِي عَلَى الأَرْضِ إِنَّهْ منْ أهْلِ الجَنَّةِ إلاَّ لِعَبْدِ الله بنِ سَلاَمٍ قال وفيهِ نَزَلَتْ هَذِه
الآيَةَ ﴿وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الأحقاف: ١٠]. الآيَةَ قال لا أدْرِي قال مالِكٌ الآيَةَ
أوْ فِي الحَدِيثِ.
مطابقته للترجمة لا تخفى فإن فيه منقبة عظيمة له. وأبو النضر بالضاد المعجمة اسمه
سالم وهو ابن أبي أمية مولى عمر بن عبيد الله بن معمر القرشي التيمي المدني، قال
الواقدي: توفي في زمن مروان بن محمد.
والحديث أخرجه مسلم في فضائل عبد الله بن سلام عن زهير بن حرب. وأخرجه
النسائي فيه عن عمرو بن منصور.
قوله: ((عن أبي النضر)) وفي رواية أبي يعلى عن يحيى بن معين عن أبي مسهر عن
مالك: حدثني أبو النضر. قوله: ((عن عامر)) وفي رواية عاصم بن مهجع عن مالك وعند
الدارقطني: سمعت عامر بن سعد. قوله: ((عن أبيه)) هو سعد بن أبي وقاص أحد العشرة
المبشرة بالجنة، وفي رواية إسحاق بن الطباع عن مالك عند الدارقطني: سمعت أبي. قوله:
((ما سمعت النبي عَّ)) قيل: كيف قال سعد هذا وقد علم أنه قال ذلك فيه وفي باقي
العشرة؟ وأجاب عنه الخطابي: بأنه كره التزكية لنفسه ولزم التواضع ولم ير لنفسه من
الاستحقاق ما رآه لأخيه. وقال ابن التين: هذا غير بيِّن لأنه نفى باقي العشرة بقوله قلت:
الأوجه أن يقال: لفظ ((ما سمعت لم ينفِ أصل الإخبار بالجنة لغيره))، وقال الكرماني:
التخصيص بالعدد لا يدل على نفي الزائد، أو المراد بالعشرة الذين جاء فيهم لفظ البشارة
المبشرون بها في مجلس واحد، أو لم يقل لأحد غيره حال مشيه على الأرض، ولا بد من
التأويل، وكيف لا والحسنان وأزواج النبي عَّه، بل أهل بدر ونحوهم من أهل الجنة قطعا؟
انتهى. ((قال: وفيه نزلت)) أي: وفي عبد الله بن سلام نزلت هذه الآية ﴿وشهد شاهد من
بني إسرائيل﴾ [الأحقاف: ١٠]. وفي التفسير: الشاهد هو عبد الله بن سلام وتمام الآية:
﴿على مثله فآمن واستكبرتم إن الله لا يهدي القوم الظالمين﴾ [الأحقاف: ١٠]. وقال
الزمخشري: الضمير في: مثله، للقرآن أي: على مثله في المعنى، وهو ما في التوراة من
المعاني المطابقة لمعاني القرآن من التوحيد والوعد والوعيد وغير ذلك، وحاصل المعنى:
وشهد شاهد من بني إسرائيل على كونه من عند الله، ومن جملة من قال: إن الشاهد هو عبد
الله بن سلام، الحسن البصري ومجاهد والضحاك، وأنكره مسروق والشعبي وقالا: السورة
مكية يعني سورة الأحقاف، يعني: السورة التي فيها الآية المذكورة. قال الشعبي: وأسلم عبد
الله بن سلام قبل موته، عَّ له، بعامين واختلفا في المراد بالآية، فقال مسروق: الشاهد موسى،
عليه الصلاة والسلام، وقال الشعبي: هو رجل من أهل الكتاب. وأجيب: بأنه يجوز أن تكون
الآية مدنية من سورة مكية.
وقال صاحب (مقامات التنزيل): هذه السورة - يعني: سورة الأحقاف - مكية، إلاَّ آيتان

٣٧٩
٦٣ - كتاب مناقب الأنصار / باب (١٩)
مدنيتان، منهما هذه الآية. وقال ابن عباس ومقاتل: الشاهد ابن يامين، وروى السدي عن ابن
عباس: أنها نزلت في عبد الله بن سلام وابن يامين، واسمه: عمير بن وهب النضري، وروى
عبد بن حميد عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: أن اسمه ميمون بن يامين، وفيه نزلت هذه
الآية. وقال الذهبي في (تجريد الصحابة): يامين بن يامين الإسرائيلي أسلم وكان من بني
النضر، وقيل: يامين بن عمر وقال في باب الميم ميمون بن يامين، قال سعيد بن جبير: كان
رأس اليهود بالمدينة فأسلم. قوله: ((قال: لا أدري)) أي: قال عبد الله بن يوسف الراوي عن
مالك: لا أدري قال مالك الآية عند الرواية أو كانت هذه الكلمة مذكورة في جملة الحديث،
فلا يكون خاصاً بمالك، رضي الله تعالى عنه. وقيل: هذا الشك من القعنبي أحد الرواة عن
مالك وليس بصحيح، بل هو عبد الله بن يوسف، وروى إسماعيل بن عبد الله الملقب
بسمويه في(فوائده) هذا عن عبد الله بن يوسف ولم يذكر هذا الكلام عنه، وكذا رواه
الإسماعيلي من وجه آخر عن عبد الله بن يوسف، والدارقطني أيضاً عنه في (غرائب مالك)
من وجهين آخرين. وأخرجه من طريق ثالث عنه بلفظ آخر مقتصراً على الزيادة دون الحديث،
وقال: إنه وهم، وروى ابن منده في الإيمان من طريق إسحاق بن يسار عن عبد الله بن يوسف
الحديث والزيادة، والذي يظهر من هذا الاختلاف أنها مدرجة.
٣٠١/ ٣٨١٣ - حدثني عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ حدَّثنا أَزْهَرُ السَّمَّانُ عنِ ابنِ عَوْنٍ عنْ
مُحَمَّدٍ عنْ قَيْسِ ابنِ عُبَادٍ قال كُنْتُ جالِسَاً في مَسْجِدِ المَدِينَةِ فَدَخَلَ رَجُلٌ علَى وجْهِهِ أَثَرُ
الخُشُوعِ فقالُوا هَذَا رَجُلٌ مِنْ أهْلِ الجَنَّةِ فصَلَّى رَكْعَتَيْنِ تَجَوَّرَ فِيهِمَا ثُمَّ خَرَجَ وتَبِعْتُهُ فَقُلْتُ
إِنَّكَ حِيَنَ دَخَلْتَ المَسْجِدَ قَالُوا هَذَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ قال والله ما يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أنْ يقُولَ
ما لاَ يَعْلَمُ وسَأُحَدِّثُكَ لِمَ ذَلِكَ رَأيْتُ رُؤيَا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ عَِّ فَقَصَصْتُهَا عَلَيْهِ وَرَأيْتُ
كأنّ في رَوْضَةٍ ذَكَرَ مِنْ سِعَتِهَا وخُضْرَتِها وسْطَها عَمُودٌ مِنْ حَدِيدٍ أسْفَلُهُ في الأرْضِ وأعْلاَهُ
في السَّمَاءِ فِي أَعْلاَهُ عُزْوَةٌ فَقِيلَ لِيَ ارْقَهْ قُلْتُ لاَ أَسْتَطِيعُ فأتَانِي مِنْصَفٌ فَرَفَعَ ثِيَابِي مِنْ
خَلْفِي فَرَقِيتُ حَتَّى كُنْتُ فِي أَعْلاهَا فأخَذْتُ بالعُرْوَةِ فَقِيلَ لِي اسْتَمْسِكْ فَاسْتَيْقَظْتُ وإِنَّهَا
لَفِي يَدِي فَقَصَصْتُهَا عَلَى النَّبِيِّ عَ لَّه قال تِلْكَ الرَّوْضَةُ الإِسْلاَمُ وَذَلِكَ العَمُودُ عَمُودُ الإسْلاَمِ
وتِلْكَ العُزْوَةُ عُزْوَةُ الوُثْقَى فَأَنْتَ علَى الإِسْلاَمِ حَتَّى تَمُوتَ وذَاكَ الرَّجُلُ عَبْدُ اللهِ بنُ سَلاَمٍ.
[الحديث ٣٨١٣ - طرفاه في: ٧٠١٠، ٧٠١٤].
مطابقته للترجمة ظاهرة.
ذكر رجاله: وهم خمسة: الأول: عبد الله بن محمد المعروف بالمسندي. الثاني:
أزهر، بسكون الزاي وفتح الهاء: ابن سعد الباهلي مولاهم السمان - بتشديد الميم - البصري،
يكنى أبا بكر، مات سنة ثلاث ومائتين. الثالث: عبد الله بن عون بن أرطبان أبو عون
البصري. الرابع: محمد بن سيرين. الخامس: قيس بن عباد، بضم العين المهملة وتخفيف
الباء الموحدة: البصري، قتله الحجاج صبراً.

٣٨٠
٦٣ - كتاب مناقب الأنصار / باب (١٩)
وأخرجه البخاري أيضاً في التفسير عن عبد الله بن محمد، وأخرجه مسلم في فضائل
عبد الله بن سلام عن محمد بن المثنى وعن محمد بن عمرو بن جبلة.
ذكر معناه: قوله: ((كنت جالساً في مسجد المدينة))، وفي رواية مسلم قال: ((كنت
بالمدينة في ناس فيهم بعض أصحاب النبي عَّلّه، فجاء رجل في وجهه أثر من خشوع)).
قوله: ((تجوز فيهما))، أي: خفف وتكلف الجواز فيهما. قوله: ((ثم خرج وتبعته))، وفي رواية
مسلم: فاتبعته فدخل منزله ودخلت، فتحدثنا، فلما استأنس قلت له: إنك لما دخلت قال
رجل: كذا وكذا. قوله: ((قال: والله لا ينبغي لأحد أن يقول ما لا يعلم))، وفي رواية مسلم
((قال: سبحان الله! ما ينبغي لأحد))، وهذا إنكار من عبد الله بن سلام حيث قطعوا له بالجنة،
فيحتمل أن هؤلاء بلغهم خبر سعد أنه من أهل الجنة ولم يسمع هو ذلك، أو أنه كره الثناء
عليه بذلك تواضعاً، أو غرضه: إني رأيت رؤيا على عهده، عَّه فقال: عَّ ذلك، وهذا لا
يدل على النص بقطع رسول الله، عَّه، على أني من أهل الجنة، فلهذا كان محل الإنكار.
قوله: ((لم ذلك؟)) أي: لأجل ما قالوا ذلك القول؟ قوله: ((ذكر)) أي: عبد الله بن سلام. قوله:
((أرقه))، بهاء السكت في رواية الكشميهني، وفي رواية غيره: أرق، بدون الهاء، وهو أمر من
رقي يرقى من باب علم يعلم إذا ارتفع وعلا، ومصدره: رقي، بضم الراء وكسر القاف
وتشديد الياء. قوله: ((فأتاني منصف))، بكسر الميم وسكون النون، وهو الخادم. وفي رواية
الكشميهني، بفتح الميم والأول أشهر. قوله: ((فرفع ثيابي))، وفي رواية مسلم: «ثم قال:
بثيابي من خلفي))، ووصف أنه رفعه من خلفه بيده. قوله: ((فرقيت)) بكسر القاف على
المشهور وحكي فتحها. قوله: ((فاستيقظت))، وفي رواية مسلم: ((ولقد استيقظت)). قوله:
((وإنها)) الواو فيه للحال أي: وإن العروة في يدي، معناه: أنه بعد الأخذ استيقظ في الحال
قبل الترك لها، يعني: استيقظت حال الأخذ من غير فاصلة بينهما، أو أن أثرها في يدي كان
يده بعد الاستيقاظ كانت مقبوضة بعد كأنها تستمسك شيئاً، مع أنه لا محذور في التزام
كون العروة في يده عند الاستيقاظ لشمول قدرة الله لنحوه. قوله: ((الإسلام)) يريد به جميع
ما يتعلق بالدين، ويريد بالعمود: الأركان الخمسة أو كلمة الشهادة وحدها، ويريد بالعروة
الوثقى الإيمان قال تعالى: ﴿ومن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى﴾
[البقرة: ٢٥٦]. والوثقى على وزن فعلى من وثق به ثقة ووثوقاً، أي: ائتمنه وأوثقه ووثقه
بالتشديد أحكمه. قوله: ((وذلك الرجل: عبد الله بن سلام)) يحتمل أن يكون هو قوله: ولا
مانع أن يخبر بذلك ويريد نفسه، ويحتمل أن يكون من كلام الراوي.
وقال لِي خَلِيفَةُ حدَّثنا مُعاذٌ حدَّثنا ابنُ عَوْن عِنْ مُحَمَّدٍ حدَّثْنَا قَيْسُ بنُ عُبَّادٍ عنِ
ابْنِ سَلاَمٍ قال وَصِيفٌ مَكَانَ مِنْصَفٌ
أي: قال لي خليفة بن خياط، وهو أحد شيوخه: حدثنا معاذ بن معاذ بن نصر العنبري
قاضي البصرة حدثنا عبد الله بن عون عن محمد بن سيرين حدثنا قيس بن عباد المذكور في
الرواية السابقة عن عبد الله بن سلام أنه قال: فأتاني وصيف، مكان منصف، والوصيف بمعناه