Indexed OCR Text

Pages 201-220

٢٠١
٦١ - كِتابُ المَناقِبِ / باب (٢٥)
المغيرة عن ثابت عن أنس، وفي قصة ثابت بن قيس، فقال في آخرها: قال أنس: قلنا: نراه
يمشي بين أظهرنا ونحن نعلم أنه من أهل الجنة، فلما كان يوم اليمامة كان في بعضنا بعض
الانكشاف، فأقبل وقد تكفن وتحنط فقاتل حتى قتل.
ذكر رجاله: وهم خمسة: علي بن عبد الله المعروف بابن المديني. وأزهر، بفتح
الهمزة وسكون الزاي: ابن سعد الباهلي السمان البصري مات سنة ثلاث ومائتين. وابن عون
هو عبد الله بن عون بن أرطبان أبو عون المزني البصري. وموسى بن أنس بن مالك قاضي
البصرة، وأنس بن مالك، رضي الله تعالى عنه.
ذكر معناه: قوله: ((أنبأنا موسى بن أنس))، ووقع في رواية أبي عوانة عبد الله بن أحمد
عن ابن عون عن ثمامة بن عبد الله بن أنس بدل موسى بن أنس، وأخرجه أبو نعيم عن
الطبراني عنه، وقال: لا أدري ممن الوهم. وأخرجه الإسماعيلي من طريق ابن المبارك عن ابن
عون عن موسى بن أنس قال: لما نزلت: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت
النبي﴾ [الحجرات: ٢]. قعد ثابت بن قيس في بيته ... الحديث، وهذا صورته مرسل إلاَّ أنه
يقوي أن الحديث لابن عون عن موسى لا عن ثمامة. قوله: ((افتقد ثابت بن قيس))، وقيس
بن شماس بن زهير بن مالك بن امرىء القيس بن مالك، وهو الأغر بن ثعلبة بن كعب ابن
الخزرج، وكان خطيب الأنصار وخطيب النبي عَّلَّه، وقد ذكرنا أنه قتل باليمامة شهيداً.
قوله: ((فقال رجل))، قيل: هو سعد بن معاذ، لما روى مسلم من وجه آخر من طريق
حماد عن ثابت عن أنس، فسأل النبي عَّه، سعد بن معاذ، فقال: يا أبا عمرو ما شأن ثابت؟
اشتكى؟ فقال سعد: إنه لجاري وما علمت له شكوى، فإن قلت: الآية المذكورة نزلت في
سنة الوفود بسبب الأقرع بن حابس وغيره، وكان ذلك في سنة تسع، وسعد بن معاذ مات
قبل ذلك في بني قريظة، وذلك في سنة خمس؟ قلت: أجيب عن ذلك بأن الذي نزل في
قصة ثابت مجرد رفع الصوت، والذي نزل في قصة الأقرع أول السورة، وهو قوله: ﴿لا
تقدموا بين يدي الله ورسوله﴾ [الحجرات: ١]. وقيل: الرجل المذكور هو سعد بن عبادة
لما روى ابن المنذر في (تفسيره) من طريق سعيد بن بشر عن قتادة عن أنس في هذه القصة،
فقال سعد بن عبادة: يا رسول الله هو جاري .. الحديث، قيل: هو أشبه بالصواب، لأن سعد
ابن عبادة من قبيلة ثابت بن قيس، فهو أشبه أن يكون جاره من سعد بن معاذ لأنه من قبيلة
أخرى. قوله: ((أنا أعلم لك))، هكذا رواية الأكثرين، وقال الكرماني: كلمة أَلاً، للتنبيه أو
تكون الهمزة في: أَلاَ للاستفهام وفي بعضها: أنا أعلم. قلت: كأن النسخ التي وقعت عندهم
ألا أعلم، موضع: أنا أعلم، فلذلك قال كلمة: ألا، للتنبيه، أو تكون الهمزة في ألاً للاستفهام،
ثم أشار إلى رواية الأكثرين، وهي: أنا أعلم، بقوله: وفي بعضها أنا أعلم. قوله: ((لك)) أي:
لأجلك. قوله: ((علمه)) أي: خبره.
قوله: «فأتاه)) أي: فأتى الرجل المذكور ثابت بن قيس فوجده جالساً في بيته. وقوله:
((جالساً ومنكساً)) حالان مترادفان أو متداخلان، ((ورأسه)) منصوب بقوله: منكساً. قوله: ((ما

٢٠٢
٦١ - كِتابُ المَناقِبِ / باب (٢٥)
شأنك)) أي: ما حالك؟ قوله: ((فقال: شر)) أي: فقال ثابت حالي شر. قوله: ((كان يرفع
صوته)) هذا التفات ومقتضى الحال أن يقول: كنت أرفع صوتي، ولكنه التفت من الحاضر
إلى الغائب، قوله: ((فقد حبط عمله)) أي: بطل، وكان القياس فيه أيضاً أن يقول؛ فقد حبط
عملي، وكذا قوله: ((وهو من أهل النار)) والقياس فيه: وأنا من أهل النار. قوله: ((فأتى الرجل
فأخبره)) أي: فأتى الرجل النبي عَّ فأخبره أنه قال كذا وكذا، وكان ثابت لما نزلت ﴿لا
ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي﴾ [الحجرات: ٢]. جلس في بيته وقال: أنا من أهل النار،
وفي رواية لمسلم: فقال ثابت: أنزلت هذه الآية، ولقد علمتم أني من أرفعكم صوتاً. قوله:
((فقال موسى بن أنس))، وهو الراوي المذكور عن أبيه أنس. قوله: ((فرجع المرة الآخرة))
أي: فرجع الرجل المذكور، ويروى: المرة الأخرى، قوله: ((ببشارة)) بضم الباء وكسرها
والكسر أشهر، وهي: الخبر السار سميت بذلك لأنها تظهر طلاقة الإنسان وفرحه. قوله:
((فقال: إذهب إليه)) بيان البشارة أي: فقال النبي عَّ للرجل المذكور، إذهب إلى ثابت بن
قيس فقل له ... إلى آخره. فإن قلت: فيه زيادة العدد على المبشرين بالجنة. قلت: التخصيص
بالعدد لا ينافي الزائد، أو المراد بالعشرة الذين بشروا بها دفعة واحدة، أو بلفظ البشارة،
وكيف لا والحسن والحسين وأزواج النبي عٍَّ من أهل الجنة قطعاً؟ ونحوهم.
١١٨/ ٣٦١٤ - حدَّثني مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارِ حدَّثنا غُنْدَرّ حدَّثنَا شُعْبَةُ عنْ أبِي إِسْحَاقَ
سَمِعْتُ البَرَاءَ بنَ عازِبٍ رضي الله تعالى عنهما قرَأْ رَجُلٌ الكَهْفَ وفي الدَّارِ فجَعَلَتْ تَنْفِرُ
فسَلَّمَ فَإِذَا ضَبابَةٌ أَوْ سَحَابَةٌ غَشِيَتْهُ فَذَكَرَهُ لِلنَّبِيِّ عَ لَّهِ فَقال اقْرَأْ فُلانُ فإِنَّها السَّكِينَةُ نَزَلَتْ
لِلْقُرْآنِ أوْ تَنَزَّلَتْ لِلْقُرْآنِ.
مطابقته للترجمة من حيث إن فيه إخباره معَّ له عن نزول السكينة عند قراءة القرآن.
وغندر هو محمد بن جعفر، وأبو إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي.
والحديث أخرجه مسلم في الصلاة عن أبي موسى وبندار كلاهما عن غندر، وعن
أبي موسى عن عبد الرحمن بن مهدي وأبو داود، وأخرجه الترمذي في فضائل القرآن عن
محمود بن غيلان.
قوله: ((قرأ رجل)) هو أسيد بن حضير. قوله: ((الكهف))، أي: سورة الكهف. قوله:
(تنفر))، بكسر الفاء: من النفرة. قوله: ((فسلم))، أي: دعا بالسلامة، كما يقال: أللهم سلم، أو
فوض الأمر إلى الله ورضي بحكمه، أو قال: سلام عليك. قوله: ((ضبابة)) هي سحابة تغشى
الأرض كالدخان، وقال ابن فارس الضبابة: كل شيء كالغبار، وقال الداودي: قريب من
السحاب وهو الغمام الذي لا يكون فيه مطر. قوله: ((أو سحابة))، شك من الراوي قوله:
((غشيته)) أي: أحاطت به. قوله: ((فلان)) أي: يا فلان، معناه: كان ينبغي أن تستمر على القران
وتغتنم ما حصل لك من نزول الرحمة وتستكثر من القراءة. قوله: ((فإنها)) أي: فإن الضبابة
المذكورة هي السكينة. واختلفوا في معناها، فقيل: هي ريح هفافة ولها وجه كوجه الإنسان،

:
٢٠٣
٦١ - كِتابُ المَناقِبِ / باب (٢٥)
وقيل: هي الملائكة وعليهم السكينة، والمختار: أنها شيء من مخلوقات الله تعالى فيه
طمأنينة ورحمة ومعه ملائكة يستمعون القرآن.
١١٩/ ٣٦١٥ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ يُوسُف حدَّثنا أحْمَدُ بنُ يَزِيدَ بنِ إِبْرَاهِيمَ أَبُو الحَسَنِ
الحَرَّانِيُّ حدثنا زُهَيْرُ بنُ مُعَاوِيَةَ حدَّثنا أبو إسحاقَ سَمِعْتُ البرَاءَ بنَ عازِبٍ يَقُولُ جَاءَ أَبُو بَكْرٍ
رضي الله تعالى عنهُ إلى أبي في مَنْزِلِهِ فاشْتَرَى مِنْهُ رَخْلاً فقال لِعازِبِ ابْعَثِ ابْنَكَ يَحْمِلْهُ
مَعِي قال فَحَمَلْتُهُ مَعَهُ وخَرَجَ أَبِي يَنْتَقِدُ ثَمَنَهُ فقال لَهُ أَبِي يا أبَا بَكْرِ حَدِّثْنِي كَيْفَ صَنَعْتُمَا
حينَ سرَيْتَ معَ رَسُولِ اللهِ عَ لِ قَال نَعَمْ أَسْرَيْنَا لَيْلَتَنَا وَمِنَ الغَدِ حتَّى قامَ قائِمُ الظَّهِيرَةِ وخلاً
الطَّرِيقُ لا يَمُؤْ فيهِ أَحَدٌ فَرُفِعَتْ لَنَا صَخْرَةٌ طَوِيلَةٌ لَها ظِلِّ لَمْ تأتِ عَلَيْهِ الشَّمْسُ فَنَزَلْنَا عِنْدَهُ
وسَوَّيْتُ لِلنَّبِيِّ عَلِّ مِكَاناً بِيَدِي يَنامُ عَلَيْهِ وبَسَطْتُ فيهِ فَرْوَةً وقُلْتُ نَمْ يا رسُولَ الله وأنَا
أَنْفُضُ لَكَ ما حَوْلَكَ فَنامَ وخَرَجْتُ أَنْفُضُ ما حَوْلَهُ فَإِذَا أنا بِرَاعِ مُقْبِلٍ بِغَنَمِهُ إلى الصَّخْرَةِ
يُرِيدُ مِنْهَا مِثْلَ الَّذِي أَرَدْنَا فَقُلْتُ لِمَنْ أَنْتَ يا غُلاَمُ فقال لرَجُلٍ مِنْ أَهْلِ المَدِينَةِ أوْ مَكَّةَ قُلْتُ
أُفِي غَنَمِكَ لَبَنَّ قال نَعَمْ قُلْتُ أَفَتَحْلُبُ قال نَعَمْ فأخَذَ شاةً فَقُلْتُ انْفُضِ الضَّرْعَ مِنَ التِّرَابِ
والشَّعَرِ والقَذَى قال فرأيتُ البَرَاءَ يَضْرِبُ إِحْدَى يَدَيْهِ عَلَى الأُخْرَى يَنْفُضُ فحَلَبَ في قَعْبٍ
كُثْبَةً مِنْ لَبَنٍ ومَعِي إِدَاوَةٌ حَمَلْتُها لِلْنَّبِيِّ عَ لَّه يَرْتَوِي مِنْهَا يَشْرَبُ وِيتَوَضَّأْ فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ عَّه
فكَرِهْتُ أنْ أَوقِظَهُ فوَافَقْتُهُ حِينَ اسْتَيْقَظَ فصَبَبْتُ مِنَ المَاءِ على اللَّبَنِ حتَّى بِرَدَ أَسْفَلُهُ فَقُلْتُ
اشْرَبْ يا رَسُولَ الله قال فَشَرِبَ حتَّى رَضِيتُ ثُمَّ قالَ أَلَمْ يأنِ للْرَّحِيلِ قلْتُ بَلَى قال فَارْتَحَلْنَا
بَعْدَ ما مالَتِ الشَّمْسُ واتَّبَعَنَا سُرَاقَةُ بنُ مَالِكِ فَقُلْتُ أَتِينَا يَا رَسُولَ الله فقال لا تَحْزَنْ إنَّ الله
معَنا فدَعَا عِلَيْهِ النَّبِيُّ عَِّ فَارْتَطَمَتْ بِهِ فَرَسُهُ إلى بَطْنِهَا أُرَي فِي جَلَدٍ مِنَ الأَرْضِ شَكَّ زُهَيْرٌ
فقال إنِّي أَرَاكما قَدْ دَعَوْتُمَا عَلَيَّ فادعوَا لِي فالله لَكُمَا أنْ أَرُدَّ عَنْكُما الطَّلَبَ فَدَعَا لَهُ النَّبِيُّ
عَ لَّهِ فَنَجَا فَجَعَلَ لاَ يَلْقَى أَحَدَاً إِلاَّ قال كَفَيْتُكُمْ ما هُنَا فِلاَ يَلْقَى أَحَداً إلاَّ رَدَّهُ قال ووفَى
لَنَا. [انظر الحديث ٢٤٣٩ وأطرافه].
مطابقته للترجمة من حيث إن فيه معجزة ظاهرة لا تخفى على متأمل.
ذكر رجاله: وهم خمسة: الأول: محمد بن يوسف أبو أحمد البخاري البيكندي،
سكن بغداد وهو من أفراده وصغار شيوخه، وشيخه الآخر محمد بن يوسف الفريابي أكبر من
هذا وأقدم سماعاً، وقد أكثر البخاري عنه. الثاني: أحمد بن يزيد - من الزيادة - ابن إبراهيم
أبو الحسن الحراني، يعرف بالورتنيسي، بفتح الواو وسكون الراء وفتح المثناة من فوق
وتشديد النون المكسورة بعدها ياء آخر الحروف ساكنة ثم سين مهملة. قلت: الورتنيس أحد
أجداده وهو إبراهيم أبو أحمد الحاكم اسم الورتنيس إبراهيم. الثالث: زهير بن معاوية أبو
خيثمة الجعفي. الرابع: أبو إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي. الخامس: البراء بن عازب،
رضي الله تعالى عنهم.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع وفي رواية: أخبرنا

٢٠٤
٦١ - كِتابُ المَناقِبِ / باب (٢٥)
أحمد بن يزيد. وفيه: السماع. وفيه: القول في موضع واحد. وفيه: أن أحمد بن يزيد انفرد
به البخاري دون الخمسة. وفيه: أن زهير بن حرب هو الذي روى هذا الحديث تاماً عن أبي
إسحاق وأبوه خديج وإسرائيل وروى شعبة منه قصة اللبن خاصة، وقد رواه عن أبي إسحاق
مطولاً أيضاً حفيده يوسف بن إسحاق بن أبي إسحاق وهو في: باب الهجرة إلى المدينة،
لكنه لم يذكر منه قصة سراقة، وزاد فيه قصة غيرها.
ذكر معناه: قوله: ((جاء أبو بكر)) أي: الصديق، رضي الله تعالى عنه. قوله: ((إلى
أبي)) هو عازب بن الحارث بن عدي الأوسي من قدماء الأنصار. قوله: ((فاشترى منه رحلً))
بفتح الراء وسكون الحاء المهملة، وهو للناقة كالسرج للفرس، وقيل: الرحل أصغر من القتب،
واشتراه بثلاثة عشر درهماً. قوله: ((فقال لعازب إبعث ابنك يحمله)) أي: يحمل الرحل معي.
قوله: ((قال: فحملت معه)) أي: قال البراء: فحملت الرحل معه، وفي رواية إسرائيل التي تأتي
في فضل أبي بكر، رضي الله تعالى عنه: أن عازباً امتنع من إرسال ابنه مع أبي بكر حتى
يحدثه أبو بكر بالحديث، وهي زيادة ثقة مقبولة. قوله: ((وخرج أبي ينتقد ثمنه)) أي:
يستوفيه. قوله: ((حين سريت)) سرى وأسرى لغتان بمعنى: السير في الليل، قال الله تعالى:
﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً﴾ [الإسراء: ١]. وقال: ﴿والليل إذا يسر﴾ [الفجر: ٤].
قوله: ((أسرينا ليلتنا)) يعني: سرينا ليلاً، وذلك حين خرجا من الغار وكانا لبثا في الغار ثلاث
ليال ثم خرجا. قوله: ((ومن الغد)) أي: بعض الغد، والعطف فيه كما في قوله:
علفتها تبناً وماءً بارداً
إذ الإسراء إنما يكون بالليل. قوله: ((حتى قام قائم الظهيرة)) أي: نصف النهار، وهو
استواء حالة الشمس، وسمي: قائماً، لأن الظل لا يظهر حينئذ فكأنه قائم واقف، وفي رواية
إسرائيل: أسرينا ليلتنا ويومنا حتى أظهرنا، أي: دخلنا في وقت الظهيرة. قوله: ((وخلا الطريق))
هذا يدل على أنه كان في زمن الحر، وقيل في قوله: على حين غفلة من أهلها، أي: نصف
من النهار. قوله: ((فرفعت لنا صخرة)) أي: ظهرت لأبصارنا، ورفعت على صيغة المجهول.
قوله: ((وبسطت فيه فروة)) وهو الجلد الذي يلبس، وقيل: المراد بها قطعة حشيش مجتمعة،
ويقوي المعنى الأول ما في رواية أبي يوسف بن أبي إسحاق: ففرشت له فروة معي. قوله:
((وأنا أنفض لك ما حولك)) يعني: من الغبار ونحو ذلك حتى لا يثيره عليه الريح، وقيل:
معنى النفض هنا الحراسة، يقال: نفضت المكان إذا نظرت جميع ما فيه، ويؤيده قوله: في
رواية إسرائيل: ثم انطلقت أنظر ما حولي هل أرى من الطلب أحداً، والنفضة: قوم يبعثون في
الأرض ينظرون هل بها عدو أو خوف. قوله: ((لرجل من أهل المدينة أو مكة)) هذا شك من
الراوي وهو أحمد بن يزيد، فإن مسلماً أخرجه من طريق الحسن بن محمد بن أعين عن زهير
فقال فيه لرجل من أهل المدينة، ولم يشك، ووقع في رواية خديج: فسمى رجلاً من أهل
مكة ولم يشك، فإن قلت: كيف وجه هذا؟ قلت: المراد من المدينة في رواية مسلم: هي
مكة، ولم يرد به المدينة النبوية، لأنها حينئذ لم تكن تسمى المدينة، وإنما كان يقال لها:

٢٠٥
٦١ - كِتابُ المَناقِبِ / باب (٢٥)
يثرب، وأيضاً فلم تجرِ العادة للرعاء أن يبعدوا في المراعي هذه المسافة البعيدة، ووقع في
رواية إسرائيل: فقال لرجل من قريش، سماه فعرفته، وهذا يؤيد هذا الوجه لأن قريشاً لم يكونوا
يسكنون المدينة النبوية إذ ذاك. قوله: ((أفي غنمك لبن؟)) بفتح اللام والباء الموحدة، وحكى
عياض أن في رواية: لبن، بضم اللام وتشديد الباء الموحدة جمع: لابن، أي: هل في غنمك
ذوات لبن. قوله: ((أفتحلب؟ قال: نعم)) أي: أحلب، وأراد بهذا الاستفهام: أمعك إذن من
صاحب الغنم في الحلب لمن يمر بها على سبيل الضيافة؟ فبهذا يندفع إشكال من يقول:
كيف استجاز أبو بكر أخذ اللبن من الراعي بغير إذن مالك الغنم؟ وأجيب: هنا بجواب آخر،
وهو: أن أبا بكر عرف مالك الغنم وعرف رضاه بذلك لصداقته له أو لإذنه العام بذلك. وقيل:
كان الغنم لحربي لا أمان له، وقيل: كانوا مضطرين. قوله: ((إنفض الضرع)) أي: ثدي الشاة.
قوله: ((والقذى))، بفتح القاف وفتح الذال المعجمة مقصوراً، وهو الذي يقع في العين، يقال:
قذت عينه إذا وقع فيها القذى، كأنه شبه ما يصير في الضرع من الأوساخ بالقذى في العين.
قوله: ((في قعب))، هو القدح من الخشب. قوله: ((كثبة))، بضم الكاف وسكون الثاء المثلثة
وفتح الباء الموحدة: أي: قطعة من لبن قدر ملء القدح، وقيل: قدر حلبة خفيفة، وقال
الهروي والقزاز: كل ما جمعته من طعام أو لبن أو غيرهما فهي كثبة. قال الهروي: بعد أن
يكون قليلاً. قوله: ((إداوة))، بكسر الهمزة، وهي تعمل من جلد يستصحبه المسافر.
قوله: ((يرتوي منها)) أي: يستقي. قوله: (يشرب))، حال قوله: ((فوافقته حتى
استيقظ))، أي: وافق إتياني وقت استيقاظه، ويروى: حتى تأنيت به حتى استيقظ. قوله:
((حتى برد))، بفتح الراء، وقال الجوهري بضمها. قوله: ((حتى رضيت)) أي: طابت نفسي
لكثرة ما شرب. قوله: ((ألم يأنِ للرحيل؟))، أي: قال النبي عَّله لأبي بكر، رضي الله تعالى
عنه: ألم يأنِ وقت الارتحال؟ قوله: ((واتبعنا سراقة بن مالك بن جعشم))، واتبعنا، بفتح العين
فاعل ومفعول، و: سراقة، بالرفع فاعله، وفي رواية إسرائيل: فارتحلنا والقوم يطلبوننا فلم
يدركنا غير سراقة. قوله: ((أتينا)) بضم الهمزة على صيغة المجهول قوله: ((فارتطمت به)) أي:
بسراقة فرسه، ومعنى: ارتطمت: غاصت قوائمها في تلك الأرض الصلبة، وارتطم في الوحل
أي: دخل فيه واحتبس، ورطمت الشيء إذا أدخلته فارتطم. قوله: ((أرى)) بضم الهمزة أي:
أظن، وهو لفظ زهير الراوي، وفي رواية مسلم الشك من زهير يعني: هل قال هذه اللفظة أم
لا؟ قوله: ((في جلد)) بفتح الجيم واللام، وهو الصلب من الأرض المستوي. قوله: ((فقال:
إني أراكما))، أي: قال سراقة للنبي عَّه ولأبي بكر: إني أراكما ((قد دعوتما علي، فادعوا
لي فالله لكما)). قوله: ((فالله)) بالرفع مبتدأ وقوله: ((لكما)) خبره أي: ناصر لكما. قوله: ((أن أرد
عنكما)) أي: أدعو لأن أرد فهو علة للدعاء، ويروى بنصب لفظة: الله، أي: فأشهد الله
لأجلكما أن أرد عنكما الطلب، وقيل: بالجر أيضاً بنزع الخافض، والتقدير: أقسم بالله لكما
بأن أرد الطلب، وهو جمع طالب، وفي (شرح السنة): أقسم بالله لكما على الرد. قوله:
((فنجا))، أي: من الارتطام. قوله: ((ألا قال: كفيتكم))، ويروى: كفيتم. قوله: ((ما هنا))،

٢٠٦
٦١ - كِتابُ المَناقِبِ / باب (٢٥)
يعني: ما هنا الذي تطلبونه. قوله: ((فلا يلقى أحداً إلا رده))، بيان قوله: ما هنا. قوله: ((ووفى
لنا»، أي: وفى سراقة بما وعده من رد الطلب.
وفي هذا الحديث معجزة لرسول الله، عَّلّه، وفضيلة لأبي بكر، رضي الله تعالى
عنه. وفيه: خدمة التابع للمتبوع واستصحاب الركوة في السفر، وفضل التوكل على الله
تعالى، وأن الرجل الجليل إذا نام يدافع عنه. وقال الخطابي: استدل به بعض شيوخ السوء من
المحدثين على الأخذ في الحديث، لأن عازباً لم يحمل الرحل حتى يحدثه أبو بكر بالقصة،
وليس الاستدلال صحيحاً، لأن هؤلاء اتخذوا الحديث بضاعة يبيعونها ويأخذون عليها أجراً
وأما ما التمسه أبو بكر من تحميل الرحل فهو من باب المعروف والعادة المقررة أن تلامذة
التجار يحملون الأثقال إلى بيت المشتري، ولو لم يكن ذلك لكان لا يمنعه إفادة القصة، قال
تعالى: ﴿اتبعوا من لا يسألكم أجراً وهم مهتدون﴾ [يس: ٢١].
١٢٠ / ٣٦١٦ - حدَّثنا مُعَلَّى بنُ أسَدِ حدَّثنا عبْدُ العَزِيزِ بنُ مُخْتَارِ حدَّثنا خالِدٌ عنْ
عِكْرِمَةَ عنِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما أنَّ النَّبِيَّ عَّ ◌ُلَّهِ دَخَلَ عَلَى أَعْرَابِيّ يعُودُهُ قال
وكانَ النَّبِيُّ عَ ◌ّ إِذَا دَخَلَ علَى مَرِيضِ يَعُودُهُ قال لا بَأْسَ طَهُورٌ إنْ شاءَ الله فقال لَهُ لا بَأْسَ
طَهُورٌ إِنْ شَاءَ الله قال قُلْتَ طَهُورٌ كَلاَّ بَلْ هِيَ حُمَّى تَفُورُ أَوْ تَثُورُ علَى شَيْخٍ كَبِيرٍ تُزِيرُهُ القُبُورِ
فقال النَّبِيُّ عَ لَّهِ فَنَعَمْ إذَاً: [الحديث ٣٦١٦ - أطرافه في: ٥٦٥٦، ٥٦٦٢، ٧٤٧٠].
مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: ((فنعم إذاً)) من حيث إن الأعرابي لما رد على النبي
عَ لَه، قوله: ((لا بأس طهور، إن شاء الله)) مات على وفق ما قاله، عَ ليه، وهذا من معجزاته،
عَ ◌ٍّ، وقال بعضهم: ووجه دخوله في هذا الباب أن في بعض طرقه زيادة تقتضي إيراده في
علامات النبوة أخرجه الطبراني وغيره من رواية شرحبيل، والد عبد الرحمن، فذكر نحو
حديث ابن عباس، رضي الله تعالى عنه، وفي آخر: فقال النبي ◌َّهِ: أما إذا أبيت فهي كما
تقول، وقضاء الله كائن، فما أمسى من الغد إلاَّ ميتاً. انتهى. قلت: الذي ذكرنا أوجه لأن
الذي ذكره هو حاصل قوله: ((فنعم إذاً) وتوجيه المطابقة من نفس الحديث أوجه من
توجيهها من حديث آخر، هل البخاري وقف عليه أم لا؟ وهل هو على شرطه أم لا؟ وعبد
العزيز بن المختار، بالخاء المعجمة: الأنصاري الدباغ، مر في الصلاة، وخالد هو ابن مهران
الحذاء.
والحديث أخرجه البخاري أيضاً في الطب عن إسحاق عن خالد، وفي التوحيد عن
محمد بن عبد الله. وأخرجه النسائي في الطب وفي اليوم والليلة عن سوار بن عبد الله.
قوله: ((على أعرابي)) قال الزمخشري في (ربيع الأبرار): اسم هذا الأعرابي، قيس،
فقال في: باب الأمراض والعلل: دخل النبي عَ ◌ّه على قيس بن أبي حازم يعوده، فذكر
القصة، وقال بعضهم: لم أر تسميته لغيره فهذا إن كان محفوظاً فهو غير قيس بن أبي حازم
أحد المخضرمين، لأن صاحب القصة مات في زمن النبي عَ ◌ّه وقيس لمم ير النبي عَّ له في

٢٠٧
٦١ - كِتابُ المَناقِبِ / باب (٢٥)
حياته انتهى قلت: عدم رؤيته ذلك لا ينافي رؤية غيره مع أن بعضهم قال إنه رأى النبي عَّ﴾.
يخطب. قوله: ((يعوده في الموضعين)) جملة حالية. قوله: ((إن شاء الله)) بمعنى الدعاء. قوله:
((قال: قلت)) أي: قال الأعرابي مخاطباً للنبي عَّه قلت: طهور. قوله: ((كلا)) أي: ليس
بطهور. فأبى وسخط فلا جرم، أماته الله. قوله: ((أو تثور))، بالثاء المثلثة شك من الراوي قوله:
(تزيره))، بضم التاء المثناة من فوق من أزاره إذا حمله على الزيارة. قوله: ((فنعم إذا)) أي: نعم
بإزارة القبور حينئذ، ويجوز أن يكون الشارع قد علم أنه سيموت من مرضه. فقوله: ((طهور إن
شاء الله)) دعاء له بتكفير ذنوبه، ويجوز أن يكون أخبر بذلك قبل موته بعد قوله.
وقال صاحب (التوضيح): في قوله: ((لا بأس طهور)) فيه دلالة على أن الطهور هو
المطهر خلافاً لأبي حنيفة في قوله: الطهور هو الطاهر. قلت: ليت شعري من نقل هذا عن
أبي حنيفة، وكيف يقول ذلك والطهور صيغة مبالغة فإذا كان بمعنى طاهر يفوت المقصود.
١٢١/ ٣٦١٧ - حدّثنا أَبُو مَعْمَرِ حدَّثنا عبْدُ الوَارِثِ حدَّثنا عَبْدُ العَزِيزِ عنْ أَنَسٍ رضي
الله تعالى عنه قال كانَ رَجُلٌ نَصْرَانِيَّاً فأسْلَمَ وقَرأ البَقَرَةَ وَآلَ عِمْرَانَ فَكَانَ يَكْتُبُ لِلنَّبِيِّ عَ ◌ّه
فَعادَ نَصْرَانِيَّاً فَكَانَ يَقُولُ ما يَدْرِي مُحَمَّدٌ إلاَّ ما كَتَبْتُ لَهُ فأماتَهُ الله فدَفَنُوهُ فَأَصْبَحَ وَقَدْ
لَفَظَتْهُ الأرْضُ فقالوا هَذَا فِعْلُ مُحَمَّدٍ وأصْحَابِهِ لَمَّا هَرَب مِنْهُمْ نبَشُوا عنْ صَاحِبِنَا فَأَلْقَوْهُ
فَحَفَرُوا لَهُ فَأَعْمَقُوا فأصْبَحَ وقدْ لَفَظَتْهُ الأرْضُ فقالُوا هَذَا فِعْلُ مُحَمَّدٍ وأصْحَابِهِ نبَشُوا عنْ
صاحِبِنَا لَمَّا هَرَبَ مِنْهُمْ فَأَلْقَوْهُ خَارِجِ القَبْرِ فَحَفَرُوا لَهُ وَأَعْمَقُوا لَهُ فِي الأرْضِ ما اسْتَطَاعُوا
فأصْبَح قدْ لَفِظَتْهُ الأرْضُ فعَلِمُوا أَنَّهُ لَيْس منَ النَّاسِ فَأَلْقَوْهُ.
مطابقته للترجمة من حيث ظهرت معجزة النبي عَّ له في لفظ الأرض إياه مرات، لأنه
لما ارتد عاقبه الله تعالى بذلك لتقوم الحجة على من يراه ويدل على صدق الشارع.
وأبو معمر، بفتح الميمين: اسمه عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج المنقري المقعد
البصري، وعبد الوارث بن سعيد البصري، وعبد العزيز بن صحيب أبو حمزة البصري، وهؤلاء
کلهم بصریون.
والحديث من أفراده.
قوله: ((نصرانيا))، منصوب على أنه خبر: كان، ويروى: نصراني، بالرفع على أن:
كان، تامة ولم يدر اسمه، لكنه في رواية مسلم من طريق ثابت عن أنس: كان منا رجل من
بني النجار. قوله: ((فعاد نصرانياً))، في رواية ثابت، فانطلق هارباً حتى لحق بأهل الكتاب
فرفعوه. قوله: ((فكان يقول)) أي: فكان هذا النصراني ((يقول ما يدري محمد إلاَّ ما كتبت
له)» وفي رواية الإسماعيلي: كان يقول: ما أرى يحسن محمد إلاَّ ما كنت أکتب له. وروى
ابن حبان عن أبي هريرة نحوه. قوله: ((فأماته الله))، وفي رواية ثابت: ((فما لبث أن قصم الله
عنقه فيهم)). قوله: ((وقد لفظته الأرض)) أي: رمته من القبر إلى الخارج، ولفظته، بكسر الفاء
وبفتحها. وقال القزاز في (جامعه): كل ما طرحته من يدك فقد لفظته، ولا يقال: بكسر الفاء،

٢٠٨
٦١ - كِتابُ المَناقِبِ / باب (٢٥)
وإنما يقال: بالفتح.
١٢٢/ ٣٦١٨ - حدَّثني يَحْيِى بنُ بُكَيْرِ حدَّثنا اللَّيْثُ عنْ يُونُسَ عنِ ابنِ شِهَابٍ قال
وأخبرني ابنُ المُسَيَّبِ عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنه أَنَّهُ قال قال رسُولُ الله عَ لَّهِ إذَا
هَلَكَ كِسْرَى فَلا كِسْرَى بَعْدَهُ وإذا هلَكَ قَيْصَرُ فَلاَ قَيْصَرَ بَعْدَهُ والَّذِي نفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ
لَتْفِقُنَّ كُنُوزَهُمَا في سَبِيلِ الله. [انظر الحديث ٣٢٧ وطرفيه].
مطابقته للترجمة ظاهرة جدا. والحديث أخرجه مسلم في الفتن عن حرملة بن يحيى،
والحديث قد مر في الخمس من وجه آخر عن أبي هريرة في: باب قول النبي عَّه ((أحلت
لكم الغنائم))، وقد مر في أوائل الكتاب الكلام في كسرى وقيصر، والمعنى: لا يبقى كسرى
بالعراق وقيصر بالشام، ولما فتحت عراق والشام في أيام عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى
عنه، أُنفقت كنوزهما في سبيل الله مثل ما أخبر به النبي عَّهِ.
٣٦١٩/١٢٣ - حدَّثنا قَبِيصَةُ حدَّثنا سُفيانُ عنْ عَبْدِ المَلِكِ بنِ عُمَيْرٍ عنْ جابِرِ بنِ
سَمُرَةَ رِفَعَهُ قال إِذَا هَلَكَ كِسْرَى فَلا كِسْرَى بَعْدَهُ وإِذَا هَلَكَ قَيْصَرُ فلا قَيْصَرَ بَعْدَهُ وَذَكَرَ
وقال لَتُنْفِقَنَّ كُنُوزُهُمَا في سَبِيلِ الله. [انظر الحديث ٣١٢١ وطرفه].
قبيصة هو ابن عقبة، وسفيان هو الثوري. والحديث قد مضى في الخمس عن إسحاق
ابن إبراهيم عن جرير عن عبد الملك عن جابر بن سمرة.
قوله: ((رفعه))، ويروى: ((يرفعه))، أي: يرفع الحديث إلى النبي عَلِّ، قوله: ((إذا هلك
كسرى فلا كسرى بعده» هذا المقدار هو في رواية الأكثرين، وفي رواية أبي ذر بعده: ((وإذا
هلك قيصر فلا قيصر بعده)) قوله: ((وذكر» أي: وذكر بعد قوله: ((إذا هلك كسرى فلا
كسرى بعده))، وقال: ((لتنفقن كنوزهما في سبيل الله)) أي: في أبواب البر والطاعات.
١٢٤ / ٣٦٢٠ - حدّثنا أَبُو اليَمانِ أخبرنا شُعَيْبٌ عنْ عَبْدِ الله بنِ أبِي محُسَيْنِ حدَّثنا
نَافعُ بنُ جُبَيْرٍ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهُما قال قَدِمَ مُسَيْلَمَةُ الكَذَّبُ عَلَى عَهْدِ
رَسُولِ اللهِ عَّ ◌ُلَّهِ فَجَعَلَ يَقُولُ إِنْ جَعَلَ لِي مُحَمَّدٌ الأمْرَ مِنْ بَعْدِهِ تَبِعْتُهُ وقَدِمَهَا في بَشَرٍ كَثِيرٍ
مِنْ قَوْمِهِ فأقْبَلَ إِلَيْهِ رَسُولُ الله عَلَّهِ ومَعَهُ ثَابِتُ بنُ قَيْسٍ بِنِ شَمَّاسٍ وفي يَدِ رَسُولِ اللهِ عَ لَه
قِطْعَةُ جَرِيدٍ حتَّى وَقَفَ علَى مُسَيْلَمَةَ في أصْحَابِهِ فقال لَوْ سِألْتَنِي هَذِهِ القِطْعَةَ ما أَعْطَيْتُكَها
ولَنْ تَعْدُو أمْرَ الله فِيكَ ولَئِنْ أُدْبَرْتَ لَيَعْقِرَنَّكَ الله وإِنِّي لأَرَاكَ الَّذي أُرِيتُ فيكَ ما رَأيْتُ.
[الحديث ٣٦٢٠ - أطرافه في: ٤٢٧٣، ٤٢٧٨، ٧٠٣٣، ٧٤٦١].
٣٦٢١ - فأخْبَرَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنه أَنَّ رَسُولَ الله عَ لِّ قال بَيْنَمَا أَنَا
نائِمٌ رأيتُ فِي يَدَيَّ سِوَارَيْنِ مِنْ ذَهَبٍ فأهَمَّنِي شأنُهُمَا فَأُوحِيَ إلَيَّ في المَنَامِ أنِ انْفُخْهُمَا
فَتَفَخْتُهُمَا فَطَارًا فَأوَّلْتُهُمَا كَذَّابَيْنِ يخْرُجَانِ بَعْدِي فَكَانَ أَحَدُهُمَا العنْسِيَّ وَالْآخَرُ مُسَيْلَمَةَ
الكَذَّابَ صاحِبَ السَمَامَةِ. [الحديث ٣٦٢١ - أطرافه في: ٤٣٧٤، ٤٣٧٥، ٤٣٧٩،

٢٠٩
٦١ - كِتابُ المَناقِبِ / باب (٢٥)
٧٠٣٤، ٧٠٣٧].
مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: ((فأولتهما كذابين ... )) إلى آخره، لأن فيه إخباراً عنه
عَّ اللّه بأمر قد وقع بعضه في أيامه وبعضه بعده، فإن العنسي قتل في أيامه ومسيلمة قتل بعده
في وقعة اليمامة، قتله وحشي قاتل حمزة، رضي الله تعالى عنه. فإن قلت: قال: يخرجان
بعدي، ومسيلمة خرج بعده، وأما العنسي فإنه خرج في أيامه؟ قلت: معنى قوله بعدي: يعني
بعد ثبوت نبوتي، أو بعد دعواي النبوة.
وأبو اليمان الحكم بن نافع، وشعيب بن أبي حمزة الحمصي، وعبد الله بن أبي حسين
هو عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين النوفلي، مر في البيع، ونافع بن جبير بن مطعم مر
في الوضوء.
والحديث أخرجه البخاري أيضاً في المغازي عن أبي اليمان أيضاً. وأخرجه مسلم في
الرؤيا عن محمد بن سهل عن أبي اليمان به. وأخرجه الترمذي فيه عن إبراهيم بن سعيد
الجوهري عن أبي اليمان بقصة الرؤيا دون قصة مسيلمة، وقال: غريب. وأخرجه النسائي فيه
عن عمرو بن منصور عن أبي اليمان.
ذكر معناه: قوله: ((قدم مسيلمة الكذاب على عهد رسول الله، عَُّلّهِ))، أي: على
زمنه، وكان قدومه في سنة تسع من الهجرة، وهي سنة الوفودات، قال إبن اسحاق: قدم على
رسول الله عَّه، وفد نبي حنيفة فيهم مسيلمة بن حبيب، وقال ابن هشام: هو مسيلمة بن
ثمامة ويكنى أبا ثمامة، وقال السهيلي: هو مسيلمة بن ثمامة بن كبير ابن حبيب بن الحارث
ابن عبد الحارث بن همان بن ذهل بن الدول بن حنيفة، ويكنى: أبا ثمامة، وقيل: أبا هارون،
وكان قد تسمى بالرحمان، وكان يقال له: رحمان اليمامة، وكان يعرف أبواباً من النيرنجات
فكان يدخل البيضة في القارورة، وهو أول من فعل ذلك، وكان يقص جناح الطير ثم يصله
ويدعي أن ظبية تأتيه من الجبل فيحلب لبنها. قال الواقدي: وكان وفد بني حنيفة بضعة عشر
رجلاً عليهم سلمى بن حنظلة وفيهم طلق بن علي وعلي بن سنان ومسيلمة بن حبيب
الكذاب، فأنزلوا في دار رملة بنت الحارث وأجريت عليهم الضيافة، فكانوا يؤتون بغداء
وعشاء مرة خبزاً ولحماً ومرة خبزاً ولبناً ومرة خبزاً وسمناً ومرة تمراً ينثر لهم، فلما قدموا
المسجد وأسلموا وقد خلفوا مسيلمة في رحالهم، ولما أردوا الانصراف أعطاهم جوائزهم
خمس أواق من فضة، وأمر لمسيلمة بمثل ما أعطاهم لما ذكروا أنه في رحالهم، فقال: إما أنه
ليس بشركم مكاناً، فلما رجعوا إليه أخبروه بما قال عنه، قال: إنما قال ذلك لأنه عرف أن
الأمر لي من بعده، وبهذه الكلمة تشبث - قبحه الله - حتى ادعى النبوة، وقال ابن إسحاق:
ثم انصرفوا عن رسول الله، عَّهِ، ولما انتهوا إلى اليمامة ارتد عدو الله، وتنبأ وتكذب لهم،
وقال: إني اشتركت معه في الأمر، ثم جعل يسجع لهم السجعات مضاهياً للقرآن، فأصعقت
على ذلك بنو حنيفة، وقتل في أيام أبي بكر الصديق في وقعة اليمامة، قتله وحشي، قاتل
حمزة كما ذكرناه، وكان عمره حين قتل مائة وخمسين سنة.
عمدة القاري /ج١٦ /م١٤

٢١٠
٦١ - كِتابُ المَناقِبِ / باب (٢٥)
قوله: ((فأقبل إليه رسول الله، عَّةٍ)) تألفاً له ولقومه رجاء إسلامهم وليبلغ ما أنزل
إليه، وقال القاضي عياض: يحتمل أن سبب مجيئه أن مسيلمة قصده من بلده للقائه فجاءه
مكافأة، قال: وكان مسيلمة حينئذ يظهر الإسلام، وإنما ظهر كفره بعد ذلك. قوله: ((ومعه
ثابت بن قيس بن شماس)) خطيب رسول الله، عَّه، وكان يجاوب الوفود عن خطبهم.
قوله: ((وفي يد رسول الله، عَّ له)) الواو فيه للحال. قوله: ((لن تعدوَ أمر الله فيك)» أي:
خيبتك فيما أملته من النبوة وهلاكك دون ملكك، أو فيما سبق من قضاء الله تعالى وقدره
في شقاوتك، ويروى: لن تعد، بحذف الواو للجزم، والجزم: بلن، لغة حكاها الكسائي. قوله:
((ولئن أدبرت)) أي: عن طاعتي ((ليعقرنك الله)) أي: ليقتلنك ويهلكك، وأصله من عقر الإبل
ضرب قوائمها بالسيف وجرحها، وكان كذلك قتله الله - عز وجل - يوم اليمامة. قوله:
((وإني لأراك)) بضم الهمزة أي: لأظنك الشخص الذي رأيت في المنام في حقك ما رأيته.
قوله: ((فأخبرني أبو هريرة)) أي: قال ابن عباس: أخبرني أبو هريرة، أن رسول الله،
عَّهِ ... إلى آخره، وفي مسلم: وإني لأراك الذي أريت قبل ما أريت، وهذا ثابت يجيبك
عني ثم انصرف عنه، فقال ابن عباس: فسألت عن قول رسول الله، عَّه وإني لأراك الذي
أريت، فأخبرني أبو هريرة: أن النبي عَ لّه قال: بينما أنا نائم رأيت في يدي سوارين ...
الحديث، وهذا يعد من مسند أبي هريرة دون ابن عباس، فلذلك ذكره الحافظ المزي في
مسند أبي هريرة. قوله: ((سوارين من ذهب)) بضم السين وكسرها، وقال النووي: قال أهل
اللغة: أسوار أيضاً بضم الهمزة وفيه ثلاث لغات. وفي (التوضيح): قوله: من ذهب للتأكيد،
لأن السوار لا يكون إلاّ من ذهب، فإن كان من فضة فهو: قلب، قوله: ((فأهمني شأنهما))
أي: أحزنني أمرهما. قوله: ((أن أنفخهما)) أي: أنفخ السوارين، وهو أمر من النفخ، فلما أمر
بالنفخ نفخهما، وتأويل نفخهما أنهما قتلا بريحه، أي: أن الأسود ومسيلمة قتلا بريحه،
والذهب زخرف يدل على زخرفهما، ودلا بلفظهما على ملكين لأن الأساورة هم الملوك،
وفي النفخ دليل على اضمحلال أمرهما، وكان كذلك. قوله: ((فأولتهما)) أي: السوارين.
قوله: ((يخرجان بعدي)) قال النووي: أي: يظهران شوكتهما ومحاربتهما ودعواهما النبوة، وإلاّ
فقد كانا في زمنه. انتهى. وقد ذكرنا أن المراد بعد دعواي النبوة، أو بعد ثبوت نبوتي.
قوله: ((فكان أحدهما)) أي: أحد السوارين في التأويل: العنسي، بفتح العين المهملة
وسكون النون وبالسين المهملة، وهو نسبة الأسود الصنعاني الذي ادعى النبوة، وقيل: اسمه
عبلة، بفتح العين المهملة وسكون الباء الموحدة ابن كعب، وكان يقال له: ذو الخمار، لأنه
زعم أن الذي يأتيه ذو الخمار، قتله فيروز الصحابي الديلي بصنعاء، دخل عليه فحطم عنقه،
وهذا كان في حياة رسول الله، عَّه في مرضه الذي توفي فيه على الأصح والمشهور، وبشر
رسول الله، عَّ الصحابة بذلك، ثم بعده حمل رأسه إليه، وقيل: كان ذلك في زمن
الصديق، رضي الله تعالى عنه، والعنسي نسبة إلى عنس، قال الرشاطي: اسمه زيد بن مالك
ابن أدد، ومالك هو جماع مذحج، قال ابن دريد: العنس الناقة الصلبة. قوله: ((والآخر)) أي:

٢١١
٦١ - كِتابُ المَناقِبِ / باب (٢٥)
السوار الآخر في التأويل مسيلمة الكذاب. قوله: ((اليمامة)) بفتح الياء آخر الحروف وتخفيف
الميمين: وهي مدينة باليمن على أربع مراحل من مكة، شرفها الله، ومرحلتين من الطائف،
قيل: سميت بذلك باسم جارية زرقاء كانت تبصر الراكب من مسيرة ثلاثة أيام، يقال: هو
أبصر من زرقاء اليمامة، فسميت اليمامة لكثرة ما أضيف إليها، والنسبة إليها: يمامي.
١٢٥ /٣٦٢٢ - حدّثني مُحَمَّدُ بنُ العَلاءِ حدَّثنا حَمَّادُ بنُ أُسَامَةَ عنْ بُرَيْدِ بنِ عِبْدِ الله
ابنِ أَبِي يُؤْدَةَ عِنْ جَدِّهِ أَبِي بُرْدَةَ عنْ أَبِي مُوسَى أَرَاهُ عنِ النَّبِيِّ عَ لِّ قال رأيتُ فِي المَنامِ أَنِّي
أَهَاجِرُ مِنْ مَكّةَ إلى أرْضٍ بِهَا نَخْلٌ فَذَهَبَ وَهَلِي إلى أنَّهَا الَمَامَةُ أَوْ هَجَرُ فَإِذَا هَيَ المَدِينَةُ
يَثْرِبُ ورَأيْتُ فِي رُؤْيَايَ هَذِهِ أَنِّي هَزَزْتُ سَيْفاً فانْقَطَعَ صَدْرُهُ فَإِذَا هُوَ مَا أُصِيبَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
يَوْمَ أُحُدٍ ثُمَّ هَزَزْتُهُ بأُخْرَى فَعادَ أحْسَنَ ما كانَ فإذَا هُوَ ما جاءَ الله بِهِ مِنَ الفَتْحِ واجْتِمَاعِ
الْمُؤْمِنينَ ورَأيْتُ فِيها بَقَرا والله خَيْرٌ فإذَا هُمُ الْمُؤْمِنُونَ يَوْمَ أَحَدٍ وإِذَا الخَيْرُ ما جاءَ الله بِهِ مِنَ
الخَيْرِ وَثَوَابِ الصِّدْقِ الَّذِي آتَانَا الله بَعْدَ يَوْمٍ بَدْرٍ. [الحديث ٣٦٢٢ - أطرافه في: ٣٩٨٧،
٤٠٨١، ٧٠٣٥، ٧٠٤١].
مطابقته للترجمة من حيث إن فيه إخباراً عن رؤياه الصدق ووقوعها مثل ما عبرها به،
وبريد، بضم الباء الموحدة وفتح الراء وسكون الياء آخر الحروف ثم دال مهملة: ابن عبد الله
ابن أبي بردة، بضم الباء الموحدة، يروي عن جده أبي بردة واسمه الحارث، وقيل: عامر،
وقيل: اسمه كنيته ابن أبي موسى الأشعري، واسمه عبد الله بن قيس.
والحديث أخرجه البخاري مقطعاً في غير موضع من المغازي وعلامات النبوة والتعبير
عن أبي كريب محمد بن العلاء. وأخرجه مسلم في الرؤيا عن أبي كريب وعبد الله بن براد.
وأخرجه النسائي فيه عن موسى بن عبد الرحمن. وأخرجه ابن ماجه فيه عن محمود بن
غيلان، أربعتهم عن أبي أسامة عنه به.
قوله: ((أراه) بضم الهمزة أي: أظنه. قوله: ((وهلي)) بفتح الهاء يعني: وهمي واعتقادي،
ويجوز فيه إسكان الهاء مثل نهر ونهر، يقال: وهلت إلى الشيء إذا ذهب وهمك إليه، يقال:
وهل يهل وهلاً. وعن أبي زيد: وهلت في الشيء. وعنه أهل وهلاً: إذا نسيت وغلطت فيه،
وضبطه بكسر الهاء. قوله: ((أو الهجر))، بفتح الجيم، وهي مدينة باليمن وهي قاعدة البحرين،
ويقال بدون الألف واللام، بينها وبين البحرين عشر مراحل. قوله: ((فإذا هي المدينة)) كلمة:
إذا، للمفاجأة وهي ترجع إلى أرض بها نخل، و: هو، مبتدأ، و: المدينة، بالرفع خبره، قوله:
((يثرب)) بالرفع أيضاً عطف بيان بفتح الياء آخر الحروف وسكون الثاء المثلثة وكسر الراء ثم
باء موحدة، والنهي الذي ورد عن تسمية المدينة بيثرب إنما كان للتنزيه، وإنما جمع بين
الإسمين هنا لأجل خطاب من لا يعرفها، وفي (التوضيح): وقد نهى عن التسمية بيثرب حتى
قيل: من قالها وهو عالم كتبت عليه خطيئة، وسببه ما فيه من معنى التثريب، والشارع من
شأنه تغيير الأسماء القبيحة إلى الحسنة، ويجوز أن يكون هذا قبل النهي، كما أنه سماها في

٢١٢
٦١ - كِتابُ المَناقِبِ / باب (٢٥)
القرآن إخباراً به عن تسمية الكفار لها قبل أن ينزل تسميتها. قوله: ((وثواب الفتح))، أراد
بالفتح فتح مكة، أو هو مجاز عن اجتماع المؤمنين وإصلاح حالهم. قوله: ((بقرأ)) قال
النووي: قد جاء في بعض الروايات هكذا: رأيت بقراً تنحر، وبهذه الزيادة يتم تأويل الرؤيا إذ
نحر البقر هو قتل الصحابة بأحد. قوله: ((والله خير)) قال القاضى: ضبطناه، والله خير، برفع
الهاء والراء على المبتدأ والخبر، قيل معناه ثواب الله خير أي: صنع الله بالمقتولين خير لهم
من مقامهم في الدنيا، والأولى قول من قال: إنه من جملة الرؤيا، فإنها كلمة سمعها في
الرؤيا عند رؤياه البقر بدليل تأويله لها بقوله عَّله: ((فإذا الخير ما جاء الله به)) قوله: ((وثواب
الصدق ... )) إلى آخره، يريد به بعد أحد ولا يريدها كان قبل أحد. قوله: ((بعد يوم بدر)) قال
القاضي، بضم دال، بعد، وبنصب: يوم، قال: وروي بنصب الدال ومعناه: ما جاء الله به بعد
بدر الثانية من تثبيت قلوب المؤمنين لأن الناس جمعوا لهم وخوفوهم فزادهم ذلك إيماناً:
﴿وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل﴾ [آل عمران: ١٧٣]. وتفرق البدو عنهم هيبة لهم.
٣٦٢٣/١٢٦ - حدّثنا أبو نُعَيْم حدَّثنا زَكِرِيَّاءُ عنْ فِرَاسِ عنْ عامِرٍ عنْ مسْرُوق عنْ
عائِشَةَ رضي الله تعالى عنهَا قالَتْ أقْبَلُتْ فاطِمَةُ تَمْشِي كأنَّ مَشْيَتَهَا مَشْيُ النَّبِيِّ عَ لِّ فقال
النَّبِيُّ عَّهِ مَرْحَباً بابْنَتِي ثُمَّ أَجْلَسَهَا عَنْ يَمِينِهِ أَوْ عَنْ شِمَالِهِ ثُمَّ أَسَرَّ إِلَيْهَا حَدِيثاً فَكَتْ فِقُلْتُ
لَهَا لِمَ تَبْكِينَ ثُمَّ أَسَوَّ إِلَيْهَا حَدِيثاً فَضَحِكَتْ فِقُلْتُ ما رأيتُ كالْيَوْمٍ فَرَحَاً أَقْرَبَ مِنْ حُزْنٍ
فَسأَلْتُهَا عَمَّا قال فقالَتْ ما كُنْتُ لِأَقْشِي سِرَّ رسُولِ اللهِ عَِّ حَتَّى قُبِضَ النَّبِيُّ عَ لَّهِ فِسَأَلْتُهَا.
[الحديث ٣٦٢٣ - أطرافه في: ٣٦٢٥، ١٧٣٥، ٤٤٣٣، ٦٢٨٥].
٣٦٢٤ - فقَالَتْ أَسَرَّ إِلَيَّ أنَّ جِبْرِيلَ كَانَ يُعَارِضُنِي في القُرْآنَ في كلِّ سَنَةٍ مَرَّةً وإنَّهُ
عارَضَنِي العامَ مَرَّتَيْنِ ولا أَرَاهُ إِلَّ حَضَرَ أَجَلِي وإِنَّكَ أوَّلُ أَهْلٍ بَيْتِي لَحاقَاً بِي فَبَكَيْتُ فقال
أُمَا تَرْضَيْنَ أنْ تَكُونِي سَيِّدَةَ نِساءِ أهْلِ الجَنّةِ أوْ نِساءِ الْمُؤْمِنِينَ فِضَحِكْتُ لِذَلِكَ.
[الحديث ٣٦٢٤ - أطرافه فى: ٣٦٢٦، ٣٧١٦، ٤٤٣٤، ٦٢٨٦].
مطابقته للترجمة من حيث أنه أخبر عن حضور أجله، ومن حيث إنه أخبر أن فاطمة
سيدة نساء أهل الجنة. وأبو نعيم الفضل بن دكين، وزكرياء هو ابن أبي زائدة، وفراس، بكسر
الفاء وتخفيف الراء وبعد الألف سين مهملة: ابن يحيى المكتب، مر في الزكاة، وعامر هو
الشعبي، وفي بعض النسخ لفظ الشعبي مذكور، ومسروق بن الأجدع.
والحديث أخرجه البخاري أيضاً في الاستئذان عن موسى بن إسماعيل وفي فضائل
القرآن. وأخرجه مسلم في الفضائل عن أبي كامل الجحدري وعن أبي بكر بن أبي شيبة
وعن محمد بن عبد الله بن نمير. وأخرجه النسائي في الوفاة عن محمد بن معمر وفي
المناقب عن علي بن حجر وفي أوله زيادة.
قوله: ((كأن مشيتها)) بكسر الميم، لأن الفعلة بالكسر للحالة وبالفتح للمرة. قوله:
((مشي النبي عَّله) بالرفع لأنه خبر: كأن، بالتشديد، وكان عَّ إذا مشى كأنه ينحدر من

٢١٣
٦١ - كِتابُ المَناقِبِ / باب (٢٥)
صبب أي: من موضع منحدر. قوله: ((أو شماله)) شك من الراوي. قوله: ((يعارضني القرآن))
من المعارضة: وهي المقابلة، ومنه: عارضت الكتاب بالكتاب أي: قابلت به. قوله: ((ما رأيت
كاليوم فرحاً أقرب من حزن)) أي: كان الفرح قريب الحزن. قوله: ((لأفشي)) من الإفشاء وهو
الإظهار. قوله: ((حتى قبض)) متعلق بمحذوف أي: لم يقل حتى قبض. قوله: ((ولا أراه إلا
حضر أجلي)) بضم الهمزة أي: ولا أظنه إلاَّ أن موتي قرب، وبكاؤها في هذه الرواية كان من
أجل قوله، عَّ له: ما أراه إلاَّ حضر أجلي، وضحكها كان لأجل إخباره لها أنها سيدة نساء
أهل الجنة، أو سيدة نساء المسلمين، وأما بكاؤها في الرواية التي تأتي الآن كان لأجل قوله:
إنه يقبض في وجعه الذي توفي فيه، وضحكها كان لأجل أنه قال: فأخبرني أني أول أهل
بيته أتبعه، وماتت فاطمة بعد أبيها بستة أشهر، قالت عائشة: وذلك في رمضان عن خمس
وعشرين سنة، وقيل: ماتت بعده بثلاثة أشهر.
وفيه: أن المرء لا يحب البقاء بعد محبوبه، قال ابن عمر في عاصم:
فلَيت المنايا كن خلفن عاصماً فعشن جميعاً أو ذهبن بنا معاً
وفيه: أن فاطمة سيدة نساء أهل الجنة، قال الكرماني: فهي أفضل من خديجة وعائشة،
رضي الله تعالى عنهما، قلت: المسألة مختلف فيها، ولكن اللازم من الحديث ذلك إلاَّ أن
يقال: إن الرواية بالشك، والمتبادر إلى الذهن من لفظ المؤمنين غير النبي عَ ◌ّ عرفاً، ودخول
المتكلم في عموم كلامه مختلف فيه عند الأصوليين.
١٢٧ / ٣٦٢٥ _ حدَّثني يَحْبَى بْنُ قَرَعَةَ حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ سَعْدٍ عنْ أَبِيهِ عنْ عُرْوَةَ عنْ
عائِشَةَ رضي الله تعالى عنهَا أنَّها قالَتْ دَعا النَّبِيُّ عَ لِّ فَاطِمَةَ ابْنَتَهُ فِي شَكْوَاهُ الَّذِي قُبِضَ فيهِ
فَسارَّهَا بِشَيْءٍ فَبَكَتْ ثُمَّ دَعاهَا فسارَّهَا فِضَحِكَتْ قالَتْ فسَألْتُهَا عِنْ ذَلِكَ. [انظر الحديث
٣٦٢٣ وأطرافه].
٣٦٢٦ _ فقالت سارَّنِي النَّبِيُّ عَِّ فَأَخْبِرَنِي أَنَّهُ يُقْبَضُ فِي وَجَعِهِ الَّذِي تُؤُفِّيَ فِيهِ
فبَكَيْتُ ثُمَّ سارَّنِي فأخْبَرَنِي أَنِّي أوَّلُ أهْلِ بَيْتِهِ أَنْبَعُهُ فضَحِكْتُ. [انظر الحديث ٢٦٢٤
وأطرافه].
هذا طريق آخر من وجه آخر في حديث عائشة المذكور، أخرجه عن يحيى بن قزعة،
بالقاف والزاي والعين المهملة المفتوحات: الحجازي، وهو من أفراده، يروي عن إبراهيم بن
سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، وإبراهيم يروي عن أبيه سعد المذكور عن عروة
ابن الزبير عن عائشة أم المؤمنين، رضي الله تعالى عنهَا.
وأخرجه البخاري أيضاً في المغازي عن بسرة بنت صفوان عن إبراهيم بن سعد،
وأخرجه مسلم في فضائل فاطمة، رضي الله تعالى عنها، عن منصور بن أبي مزاحم عن
إبراهيم بن سعد المذكور، وعن زهير بن حرب عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد عن أبيه به.
وأخرجه النسائي في المناقب عن محمد بن رافع عن سليمان بن داود الهاشمي عن إبراهيم

٢١٤
٦١ - كِتابُ المَناقِبِ / باب (٢٥)
ابن سعد به.
قوله: ((في شكواه)) أي: في مرضه، وبقية الكلام مرت في الحديث السابق.
٣٦٢٧/١٢٨ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ عَرْعَرَةَ حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ أَبِي بِشْرٍ عنْ سَعِيدِ بنِ
جُبَيْرٍ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ قال كانَ عُمْرُ بنُ الخَطَّابِ رضي الله تعالى عنه يُدْنِي ابنَ عَبَّاسٍ فقال
لَهُ عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ عَوْفٍ إِنَّ لَنا ابْناً مِثْلَهُ فقال إنَّهُ مِنْ حَيْثُ تَعْلَمُ فسألَ عُمَرُ ابنَ عَبَّاسٍ عنْ
لهذِهِ الآيَةِ ﴿إِذَا جاءَ نَصْرُ الله والفَتْحُ﴾ [الفتح: ١]. فقال أجَلُ رَسُولِ اللهِ عَ للِ أَعْلَمَهُ إِيَّاهُ
قال ما أَعْلَمُ مِنْهَا إِلَّ ما تَعْلَمُ. [الحديث ٣٦٢٧ - أطرافه في: ٤٢٩٤، ٤٤٣٠، ٤٩٦٩،
٤٩٧٠].
مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: ((أعلمه إياه)) أي: أعلم النبي عَّ لِ ابن عباس أن هذه
السورة في أجَل رسول الله، عَّه، وهذا إخبار قبل وقوعه، ووقع الأمر كذلك، وأبو بشر،
بكسر الباء الموحدة: واسمه جعفر بن أبي وحشية إياس اليشكري البصري.
والحديث أخرجه البخاري أيضاً في المغازي عن أبي النعمان وفي التفسير عن موسى
ابن إسماعيل وفي المغازي أيضاً عن محمد بن عرعرة أيضاً. وأخرجه الترمذي في التفسير
عن محمد بن بشار عن غندر وعن عبد بن حميد، وقال: حسن صحيح.
قوله: ((يدني)) أي: " يقرب وفيه التفات. قوله: ((إن لنا إبناً مثله)) أي: مثل ابن عباس في
العمر، وغرضه: أننا شيوخ وهو شاب فلم تقدمه علينا وتقربه من نفسك؟ قال: أقربه وأقدمه
من جهة علمه.
والعلم يرفع كل من لم يرفع
قوله: ((من حيث تعلم)) أي: من أجل أنك تعلم أنه عالم، وكان ذلك ببركة دعائه،
عَّهِ: اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل. قوله: ((أجَلُ رسول الله، عَّله)) أي: مجيء النصر
والفتح ودخول الناس في الدين علامة وفاة النبي ◌َّهِ أخبر الله رسوله بذلك.
١٣٩/ ٣٦٢٨ _ حدَّثنا أبُو نُعَيْمِ حدَّثنا عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ سُلَيْمانَ بِنُ حَنْظَلَةَ بنُ الغَسِيلِ
حدَّثنا عِكْرِمَةُ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهُما قال خَرَجَ رَسُولُ اللهِ عَّه في مَرَضِهِ
الَّذِي ماتَ فِيهِ بِلْحَفَةٍ قَدْ عَصَّبَ بِعِصَابَةٍ دَسماءَ حَتَّى جَلَسَ عَلَى المِنْتَرِ فَحَمِدَ الله وَأَثْنَى
عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ أمَّا بَعْدُ فإنَّ النَّاسَ يَكْثُرُونَ وَقِلُّ الأَنْصَارُ حَتَّى يَكُونُوا فِي النَّاسِ بِنْزِلَةِ المِلْحِ
في الطَّعَامِ فَمَنْ وَلِيَ مِنْكُمْ شَيْئاً يَضُرُّ فِيهِ قَوْمَاً ويَنْفَعُ فيهِ آخَرِينَ فَلْيَقْبَلْ مِنْ مُخْسِنِهِمْ
ويَتَجَاوَزْ عَنْ مُسِيئِهِمْ فَكانَ آخِرَ ذَلِكَ مَجْلِس جَلَسَ بِهِ النَّبِيُّ عَّهِ. [انظر الحديث ٩٢٧
وطرفه].
مطابقته للترجمة من حيث أنه أخبر بكثرة الناس وقلة الأنصار بعده، وأن منهم من
يتولى أمور الناس وأنه وصى إليهم بما ذكر فيه. وأبو نعيم الفضل بن دكين، وعبد الرحمن بن

٢١٥
٦١ - كِتابُ المَناقِبِ / باب (٢٥)
سليمان بن حنظلة، بفتح الحاء المهملة وسكون النون وفتح الظاء المعجمة وباللام: ابن أبي
عامر الراهب، قد مر في الجمعة. قوله: ((ابن الغسيل)) ويروى: حنظلة الغسيل بدون لفظ:
الابن، وكلاهما صحيح، ولكن بشرط أن يرفع الإبن على أنه صفة لعبد الرحمن، فافهم،
وحنظلة من سادات الصحابة وهو معروف بغسيل الملائكة، فسألوا امرأته فقالت: سمع الهيعة
وهو جنب فلم يتأخر للاغتسال، وكان يوم أحد فقالت حتى قتل، قتله أبو سفيان بن حرب،
وقال: حنظلة بحنظلة يعني بابنه حنظلة المقتول ببدر، فلما قتل شهيداً أخبر رسول الله، ێ.
بأن الملائكة غسلته، فسمي حنظلة الغسيل.
والحديث أخرجه في الجمعة عن إسماعيل بن أبان عن ابن الغسيل، وقد مر الكلام فيه
هناك.
قوله: ((بعصابة دسماء)) قال الخطابي: أي بعصابة سوداء. قوله: ((بمنزلة الملح))، وجه
التشبيه الإصلاح بالقليل دون الإفساد بالكثير، كما في قولهم: النحو في الكلام كالملح في
الطعام، أو كونه قليلاً بالنسبة إلى سائر أجزاء الطعام. قوله: ((فكان ذلك آخر مجلس ... )) إلى
آخره، من کلام ابن عباس، قوله: «جلس به» ویروی: جلس فيه.
٣٦٢٩/١٣٠ _ حدَّثني عبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ حدَّثنا يَحْيَى بنُ آدَمَ حدَّثنا حُسَيْنٌ
الجُعْفِيُّ عن أبي مُوسَى عنِ الحَسَنِ عنْ أَبِي بَكْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ قال أُخْرَجَ النَّبِيُّ
عَ لَّهِ ذَاتَ يَوْمِ الحَسَنَ فصَعِدَ بِهِ عَلَى المِنْبَرِ فقال ابني هَذَا سَيِّدٌ وَلَعَلَّ الله أنْ يُصْلِحَ بِهِ
بَيْنَ فِتَتَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ. [انظر الحديث ٢٧٠٤ وأطرافه].
مطابقته للترجمة من حيث إنه عَّ أخبر بأن الحسن، رضي الله تعالى عنه، يصلح به
بين الفئتين من المسلمين، وقد وقع مثل ما أخبر فإنه ترك الخلافة لمعاوية وارتفع النزاع بين
الطائفتين.
وعلي بن عبد الله المعروف بالمسندي، ويحيى بن آدم بن سليمان الكوفي صاحب
الثوري، وحسين بن علي بن الوليد الجعفي، بضم الجيم وسكون العين المهملة وبالفاء: نسبة
إلى جعفى ابن سعد العشيرة من مذحج، قال الجوهري: أبو قبيلة من اليمن والنسبة إليه
كذلك، وأبو موسى إسرائيل بن موسى البصري نزل الهند، والحسن هو البصري وأبو بكرة
نفيع بن الحارث الثقفي.
والحديث أخرجه البخاري أيضاً في الصلح، وقد مضى الكلام فيه هناك.
قوله: ((ذات يوم)) معناه: قطعة من الزمان ذات يوم. قوله: ((ابني)) دليل على أن ابن
البنت يطلق عليه الإبن، ولا اعتبار بقول الشاعر:
بنونا بنو أبنائنا، وبناتنا
بنوهن أبناء الرجال الأباعد
قوله: «فتتین)) أي: طائفتين.

٢١٦
٦١ - كِتابُ المَناقِبِ / باب (٢٥)
٣٦٣٠/١٣١ - حدَّثنا سُلَيْمَانُ بنُ حَرْبٍ حدَّثنا حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ عنْ أَيُّوبَ عنْ حُمَهْدِ
ابنِ هِلالٍ عنُ أنَسٍ بنِ مالِك رضي الله تعالى عنهُ أنَّ النَّبِيَّ عَلَهِ نَعَى جَعْفَراً وَزَيْدَاً قَبْلَ أنْ
يَجِيءَ خَبَرُهُمْ وعَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ. [انظر الحديث ١٢٤٦ وأطرافه].
مطابقته للترجمة من حيث أنه عَّلَّ أخبر بقتل جعفر بن أبي طالب وزيد بن حارثة،
بمؤتة قبل أن يجيء خبرهما، وهذا من علامات النبوة، وسيأتي بيان ذلك في غزوة مؤتة
مفصلاً، إن شاء الله تعالى.
وأيوب هو السختياني، وحميد، بضم الحاء المهملة: ابن هلال بن هبيرة أبو نصر
البصري.
ومضى الحديث في الجنائز عن أبي معمر عبد الله بن عمرو، ومضى الكلام فيه هناك.
قوله: ((خبرهم))، ويروى: خبرهما، أي: خبر جعفر وزيد، والضمير في الرواية الأولى
يرجع إليهما وإلى من قتل معهما، أو المراد أهل مؤتة وما جرى بينهم. قوله: ((وعيناه)) الواو
فيه للحال، أي: وعينا رسول الله، عَّه تذرفان، بالذال المعجمة والراء المكسورة، يعني
تسيلان دمعاً.
٣٦٣١/١٣٢ - حدَّثنا عَمْرُو بنُ عَبَّاسِ حدَّثنا ابنُ مَهْدِيُّ حدَّثنا سُفْيَانُ عنْ مُحَمَّدٍ بنِ
الْمُنْكَدِرِ عنْ جابِرٍ رضي الله تعالى عنهُ قال قال النِبِيُّ عَلَّهِ هَلْ لَكُمْ مِنْ أَنْمَاطِ قُلْتُ وأَنَّى
يَكُونُ لَنَا الأَنْمَاطُ قال أَمَا إِنَّهُ سَيَكُونُ لَكُمُ الأَنْمَاطُ فأنا أَقُولُ لَهَا يَعْنِي امْرَأْتَهُ أَخِّرِي عَنِّي
أَطَك فَتَقُولُ أَمْ يَقُلِ النَِّيُّ عَّهِ إِنَّهَا سَتَكُونُ لَكُمُ الأََّاطُ فَأَدَعُهَا.
مطابقته للترجمة من حيث إنه عَّلله أخبر بأنه سيكون لهم الأنماط، وقد كان ذلك،
وهي جمع: نمط، بفتحات وهو: بساط له خمل رقيق.
وعمرو بن عباس، بالباء الموحدة المشددة: أبو عثمان البصري من أفراده، يروي عن
عبد الرحمن بن مهدي بن حسان الأزدي البصري، يروي عن سفيان الثوري.
والحديث أخرجه مسلم عن محمد بن عبد الله بن نمير وعن محمد بن المثنى.
وأخرجه الترمذي فى الاستئذان عن محمد بن بشار.
قوله: ((هل لكم من أنماط؟)) إنما قال النبي عَِّ ذلك لجابر لما تزوج. قوله: ((وأنَّى
يكون؟)) أي: ومن أين يكون لنا الأنماط؟ قوله: ((أما))، بفتح الهمزة وتخفيف الميم، وهي: من
مقدمات اليمين وطلائعه كقول الشاعر:
أما والذي لا يعلم الغيب غيره
ولما ذكر ابن هشام: ألا، بفتح الهمزة والتخفيف، وذكر أنواعها قال: وأختها: أما من
مقدمات اليمين وطلائعه. قوله: ((فأنا أقول لها))، أي: قال جابر: أنا أقول لها يعني لامرأته،
قوله: ((فتقول)) أي: امرأته. قوله: ((فأدعها)) أي: اتركها بحالها مفروشة.

٢١٧
٦١ - كِتابُ المَناقِبِ / باب (٢٥)
٣٦٣٢/١٣٣ _ حدَّثني أحْمَدُ بنُ إسْحَاقَ حدَّثنا عُبَيْدُ الله بنُ مُوسَى حدَّثنا إسْرَائِيلُ
عنْ أبِي إسْحَاقَ عنْ عَمْرٍو بنِ مَيْمُونٍ عِنْ عَبْدِ الله بنِ مَشْعُودٍ رضي الله تعالى عنهُ قال انْطَلَقَ
سَعْدُ بنُ مُعَاذٍ مُعْتَمِرَاً قال فَتَزَلَ عَلى أُمَئَّةَ بنِ خَلَفَ أبِي صَغْوَانَ وكَانَ أُمَيَّةُ إِذَا انْطَلَقَ إلى
الشَّأمِ فَمَرَّ بالمَدِينَةِ نَزَلَ عَلى سَعْدٍ فقال أُمَّةُ لِسَعْدِ انْتَظِرْ حَتَّى إِذَا انْتَصَفَ النَّهَارُ وَغَفَلَ النَّاسُ
انْطَلَقَّتَ فَطُفْتَ فَبَيْنَا سَعْدٌ يَطُوفُ إذَا أَبُو جَهْلٍ فقالَ مَنْ هذَا الَّذِي يَطُوفُ بالكَعْبَةِ فقال سعدٌ
أَنَا سَعْدٌ فقالَ أَبُو جَهْلِ تَطُوفُ بالْكَعْبَةِ آمِنَاً وَقَدْ أَوَيْتُمْ مُحَمَّداً وأصْحَابَهُ فقال نَعَمْ فَتَلاحَيًا
بَيْنَهُمَا فقال أُمَيَّةُ لِسَعْدَ لاَ تَرْفَعْ صَوْتَكَ عَلَى أَبِي الحَكَمُ فإِنَّهُ سَيِّدُ أهْلِ الوَادِي ثُمَّ قالَ سَعْدٌ
والله لَئِنْ مَنَعْتَنِي أَنْ أَطُوِفَ بالبَيْتِ لأَقْطَعَنَّ مَتْجَرَكَ بالشَّأُمِ قال فجَعَلَّ أُمَيَّةُ يَقُولُ لِسَعْدٍ لاَ
تَرْفَعْ صَوْتَكَ وجَعَلَ يُمْسِكُهُ فَغَضِبَ سَعْدٌ فقال دَعْنَا عَنْكَ فَإِنِّي سَمِعْتُ مُحَمَّداً عَ لَّه يَزْعُمُ أنَّهُ
قاتِلكَ قال إِيَّايَ قال نَعَمْ قال والله ما يَكْذِبُ مُحَمَّدٌ إِذَا حَدَّثَ فَرَجَعَ إلى امْرَأْتِهِ فقال أَمَا
تَعْلَمِينَ ما قال لِي أَخِي اليَثْرِبِيُّ قالَتْ وَمَا قالَ قال زَعَمَ أنَّهُ سَمِعَ مُحَمَّدَاً يَزْعُمُ أنَّهُ قَاتِلِي
قالتْ فَوَالله ما يَكْذِبُ مُحَمَّدٌ قال فَلَمَّا خَرَجُوا إلَى بَدْرٍ وجاءَ الصَّرِيخُ قالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ أَمَا
ذَكَوْتَ ما قالَ لَكَ أخُوكَ اليَثْرِبِيُّ قال فَأَرَادَ أنْ لا يَخْرُجْ فقال لَهُ أَبُو جَهْلٍ إِنَّكَ مِنْ أَشْرَافِ
الوَادِي فَسِرْ يَوْمَاً أَوْ يَوْمَيْنِ فَسَارَ يَوْمَيْنِ مَعَهُمْ فَقَتَلَهُ الله. [الحديث ٣٦٣٢ - طرفه في:
٣٩٥٠].
مطابقته للترجمة من حيث إنه عَّ لّ أخبر بقتل أمية بن خلف فقتل في وقعة بدر، قتله
رجل من الأنصار من بني مازن، وقال ابن هشام: قتله معاذ بن عفراء، وخارجة بن زيد
وخبيب بن أساف اشتركوا فيه، وهو أمية بن خلف بن وهب بن حذافة بن جمح.
ذكر رجاله: وهم ستة: الأول: أحمد بن إسحاق بن الحصين بن جابر أبو إسحاق
السلمي السرماري، وسرمار قرية من قرى بخارى. الثاني: عبيد الله بن موسى بن باذام أبو
محمد العبسي الكوفي، وهو أحد مشايخ البخاري. الثالث: إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق
السبيعي. الرابع: أبو إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي. الخامس: عمرو بن ميمون الأزدي
الكوفي، أدرك الجاهلية. السادس: عبد الله بن مسعود، رضي الله تعالى عنه.
وقد أخرج البخاري هذا الحديث أيضاً في أول المغازي في: باب ذكر النبي عَ لَّه من
يقتل بیدر.
ذكر معناه: قوله: ((سعد بن معاذ)) بن النعمان بن امرىء القيس بن زيد بن عبد الأشهل
ابن جشم بن الحارث بن الخزرج بن النبيت، وهو عمرو بن مالك الأوس الأنصاري
الأشهلي، يكنى أبا عمرو، وأسلم بالمدينة بين العقبة الأولى والثانية على يدي مصعب بن
عمير، وشهد بدراً وأحداً والخندق، فرمي يوم الخندق بسهم فعاش شهراً ثم انتفض جرحه
فمات منه. قوله: ((معتمراً)) نصب على الحال وكانوا يعتمرون من المدينة قبل أن يعتمر رسول
الله، عَّله. قوله: ((فنزل)) أي: سعد بن معاذ حين دخل مكة لأجل العمرة ((على أمية بن

٢١٨
٦١ - كِتابُ المَناقِبِ / باب (٢٥)
خلف)) بن وهب يكنى بأبي صفوان من كبار المشركين. قوله: ((وكان أمية إذا انطلق إلى
الشام))، يعني: لأجل التجارة. ((فمر بالمدينة)) لأنها على طريقه، فنزل على سعد بن معاذ،
رضي الله تعالى عنه، وكان مؤاخياً معه. قوله: ((وقال أمية لسعد: إنتظر حتى إذا انتصف
النهار وغفل الناس)) لأنه وقت غفلة وقائلة ((انطلقت فطفت)) بالتاء المفتوحة فيهما لأنه
خطاب أمية لسعد، وفي رواية البخاري في: أول المغازي: فلما قدم رسول الله، عَِّ المدينة
انطلق سعد معتمراً فنزل على أمية بمكة، فقال لأمية: أنظر لي ساعة خلوة لعلي أن أطوف
بالبيت، فخرج به قريباً من نصف النهار. قوله: ((فبينما سعد يطوف إذا أبو جهل)) يعني: قد
حضر، وفي رواية المغازي: فإذا به، أي: فخرج أبو أمية بسعد قريباً من نصف النهار فلقيهما
أبو جهل، فقال: يا أبا صفوان، يعني: يقول لأمية، من هذا معك؟ قال: فقال: هذا سعد، فقال
أبو جهل، يعني لسعد: ألاَ أراك تطوف بمكة آمناً؟ يعني: حال كونك آمناً؟ وقد أويتم الصبأة،
وزعمتم أنكم تنصرونهم وتغيثونهم، أما والله لولا أنك مع أبي صفوان ما رجعت إلى أهلك
سالماً، قوله ((الصبأة)) بضم الصاد المهملة وتخفيف الباء الموحدة جمع: صابىء، مثل قضاة
جمع قاضٍ، وكانوا يسمون النبي عَّهِ، وأصحابه الذين هاجروا إلى المدينة: صبأة من صبأ إذا
مال عن دينه. قوله: ((فتلاحيا)) أي: تخاصما وتنازعا، وقيل: تسابا يعني: سعد بن معاذ وأبو
جهل. قوله: ((على أبي الحكم))، بفتحتين: هو عدو الله أبو جهل، واسمه: عمرو بن هشام
المخزومي وكناه رسول الله، عَّهِ: بأبي جهل. قوله: ((فإنه سيد أهل الوادي)) أي: فإن أبا
جهل سيد أهل الوادي، أراد به: أهل مكة. قوله: ((ثم قال سعد)) أي: لأبي جهل: ((والله لئن
منعتني من أن أطوف)) أي: من طواف البيت. (لأقطعن متجرك بالشام)) أي: تجارتك، وفي
رواية المغازي: أما والله لئن منعتني هذا لأمنعنك ما هو أشد عليك منه، طريقك على
المدينة. قوله: ((قال: دعنا عنك)) أي: فقال سعد لأمية بن خلف، دعنا عنك، أي: أترك
محاماتك لأبي جهل، فإني سمعت محمداً يزعم أنه قاتلك، والخطاب لأمية، وفي المغازي:
دعنا عنك يا أمية، فوالله لقد سمعت رسول الله، عَّ له، يقول: ((أنه قاتلك))، وفي رواية: ((إنهم
قاتلوك)). قال: بمكة؟ قال: لا أدري.
قوله: ((قال: إياي؟)) أي: قال أمية: إياي؟ قال سعد: نعم إياك. قوله: ((فرجع إلى
امرأته))، أي: فرجع أمية إلى امرأته، وفي رواية المغازي، ففزع لذلك أمية فزعاً شديداً، فلما
رجع إلى أهله قال: يا أم صفوان: ألم تري ما قال لي سعد؟ وهنا قال لها: أتعلمين ما قال لي
أخي اليثربي؟ أراد به سعداً، فنسبه إلى يثرب مدينة الرسول عَّهِ، وإنما قال له: أخي، يعني:
في المصاحبة دون النسب ولا الدين. قوله: ((قال: فوالله ما يكذب محمد))، أي: قال أمية:
ما يكذب محمد، لأنه كان موصوفاً عندهم بالصدق والأمانة وإن كانوا لا يصدقونه. قوله:
((فلما خرجوا))، أي: أهل مكة إلى بدر، وجاء الصريخ. قال في (التوضيح): فيه تقديم
وتأخير، وهو أن الصريخ جاءهم فخرجوا إلى بدر، أخبرهم أنه عَ ◌ّه وأصحابه خرجوا إلى عير
أبي سفيان، فخرجت قريش أشرين بطرين موقنين عند أنفسهم أنهم غالبون، فكانوا ينحرون

٢١٩
٦١ - كِتَابُ المَناقِبِ / باب (٢٥)
يوماً عشرة من الأبل، ويوماً تسعة، والصريخ: فعيل من الصراخ، وهو صوت المستصرخ أي:
المستغيث.
قوله: ((فأراد أن لا يخرج))، أي: أراد أمية أن لا يخرج من مكة مع قريش إلى بدر،
وفي المغازي: فقال أمية: والله لا أخرج من مكة، فلما كان يوم بدر استنفر أبو جهل الناس
فقال: أدركوا عيركم، فكره أمية أن يخرج، فأتاه أبو جهل فقال: يا أبا صفوان! إنك متى يراك
الناس قد تخلفت وأنت سيد أهل الوادي تخلفوا معك فلم يزل به أبو جهل حتى قال: أما إذا
غلبتني فوالله لأشترين أجود بعير بمكة، ثم قال أمية: يا أم صفوان! جهزيني. فقالت له: يا أبا
صفوان! أونسيت ما قال لك أخوك اليثربي؟ قال: لا، ما أريد أن أجوز معهم إلاَّ قريباً، فلما
خرج أمية جعل لا ينزل منزلاً إلا عقل بعيره، فلم يزل بذلك حتى قتله الله، عز وجل، ببدر،
وإنما سقت ما في المغازي لأنه كالشرح لما هنا، وقد ذكر الكرماني هنا شيئاً بغير نظر ولا
تأمل، حتى نسب بذلك إلى التغفل عند بعض الشراح، وهو أنه قال: فإن قلت: أين ما أخبر به
سعد من كون أبي جهل قاتله أي قاتل أمية؟ قلت: أبو جهل كان السبب في خروجه، فكأنه
قتله، إذ القتل كما يكون مباشرة قد يكون تسبباً. انتهى. وإنما حمله على هذا الأمر العجيب
لأنه فهم أن قول سعد لأمية: إنه قاتلك، أي: إن أبا جهل قاتلك، وليس كذلك، وإنما أراد
سعد: أن النبي عٍَّ هو الذي يقتل أمية، فلما فهم هذا الفهم استشكل ذلك يكون أبي جهل
على دين أمية، ثم تعسف بالجواب كذلك.
٣٦٣٣/١٣٤ - حدَّثني عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ شَيْبَةَ حدَّثنا عبدُ الرحمنِ بنُ الْمُغِيرَةِ عنْ
أبِيهِ عنْ مُوسى بنِ عُقْبَةَ عنْ سَالِمِ بنِ عبدِ الله عنْ عَبْدِ الله رضي الله تعالى عنه أنَّ رسُولَ
الله عَّله قال رَأيْتُ النَّاسَ مُجْتَمِعَينَ في صَعيدٍ فقامَ أَبُو بَكْرٍ فَتَزَعَ ذَنُوباً أوْ ذَنُوبَيْنِ وفي
بَعْضِ نَزْعِهِ ضَعْفٌ والله يَغْفِرُ لَهُ ثُمَّ أَخَذَهَا عُمَرُ فاسْتَحَالَتْ بِيَدِهِ غَزْباً فَلَمْ أَرَ عَبْقَرِياً فِي
النَّاسِ يَفْرِي فَرْيَهُ حتَّى ضَرَبَ النَّاسُ بِعَطَنِ وقال هَمَّامٌ عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عنِ النَّبِيِّ عَ لِ فَزَعَ أَبُو
بَكْرٍ ذَنُوبَيْنِ. [الحديث ٣٦٣٣ - أطرافه في: ٣٦٧٦، ٣٦٨٢، ٧٠١٩، ٧٠٢٠].
مطابقته للترجمة من حيث أنه عَّ لّه، أخبر عما رآه في المنام في أمر خلافة الشيخين،
وقد وقع مثل ما قال على ما نذكره، ورؤيا الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام، حق بلا خلاف.
وعبد الرحمن بن شيبة هو عبد الرحمن بن عبد الملك بن محمد بن شيبة أبو بكر
الخوارزمي القرشي مولاهم المدني، وهو من أفراده، وعبد الرحمن بن المغيرة، بضم الميم
وكسر الغين المعجمة: ابن عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد بن حزام بن خويلد أبو القاسم
الحزامي المديني، يروي عن أبيه المغيرة بن عبد الرحمن، وهو يروي عن موسى بن عقبة بن
أبي عياش الأسدي المديني الإمام، وهو يروي عن سالم بن عبد الله عن عبد الله بن عمر،
رضي الله تعالى عنهما.
والحديث أخرجه البخاري أيضاً في التعبير عن أحمد بن يونس. وأخرجه مسلم في

٢٢٠
٦١ - كِتابُ المَناقِبِ / باب (٢٥)
الفضائل عن أحمد بن يونس به. وأخرجه الترمذي في الرؤيا عن محمد بن بشار. وأخرجه
النسائي فيه عن يوسف بن سعید.
قوله: ((في صعيد))، هو في اللغة وجه الأرض. قوله: ((ذنوباً))، بفتح الذال المعجمة
وهو الدلو الممتلىء ماء، وقال ابن فارس: هو الدلو العظيم. قوله: ((أو ذنوبين))، شك من
الراوي. قوله: ((وفي بعض نزعه))، أي: في استقائه. قوله: ((ضعف))، بفتح الضاد المعجمة
وضمها لغتان، وليس فيه حط من فضيلة أبي بكر الصديق، رضي الله تعالى عنه، وإنما هو
إخبار عن حال ولايته، فإنه اشتغل بقتال أهل الردة فلم يتفرغ لفتح الأمصار وجباية الأموال،
ولقصر مدته فإنها سنتان وثلاثة أشهر وعشرون يوماً، وكذلك قوله: ((والله يغفر له)) ليس فيه
تنقيص له ولا إشارة إلى ذنب، وإنما هي كلمة يدعمون بها كلامهم، ونعمت الدعامة. قوله:
((ثم أخدها)) أي: الذنوب، وقال الداودي: أي فأخذ الخلافة. قلت: لفظ الخلافة غير مذكور،
وإنما الذنوب التي استحالت غرباً كناية عن خلافة عمر، رضي الله تعالى عنه. قوله:
((فاستحالت بيده غرباً))، أي: تحولت من الصغر إلى الكبر، والغرب بفتح الغين المعجمة
وسكون الراء: الدلو العظيم يسقى به البعير، فهي أكبر من الذنوب، وهذه الحالة إنما حصلت
له لطول أيامه وما فتح الله له من البلاد والأموال والغنائم في عهده، وأنه مصَّر الأمصار، ودوَّن
الدواوين، وقال النووي: هذا المنام مثال لما جرى للخليفتين من ظهور آثارهما وانتفاع الناس
بهما، وكل ذلك مأخوذ من النبي ◌َّلَّه، إذ هو صاحب الأمر، فقام به أكمل قيام وقرر
القواعد، ثم خلفه أبو بكر، رضي الله تعالى عنه، سنتين فقاتل أهل الردة وقطع دابرهم، ثم
خلفه عمر، رضي الله تعالى عنه، فاتسع الإسلام في زمنه، فقد شبه أمر المسلمين بقليب فيه
الماء الذي به حياتهم وصلاحهم، وسقيهما قيامهما بمصالحهم، وسقيه هو قيامه بمصالحهم،
قوله: ((عبقرياً))، بفتح العين المهملة وسكون الباء الموحدة وفتح القاف وكسر الراء وتشديد
الياء آخر الحروف، والعبقري: هو الحاذق في عمله، وهذا عبقري قومه أي سيدهم، وقيل:
أصل هذا من عبقر وهي أرض يسكنها الجن، فصار مثلاً لكل منسوب إلى شيء غريب في
جودة صنعته وكمال رفعته، وقيل: عبقر قرية يعمل فيها الثياب الحسنة فينسب إليها كل
شيء جيد. وقال الخطابي: العبقري كل شيء يبلغ النهاية في الخير والشر. قوله: ((يفري
فريه))، يفري: بكسر الراء، و: فريه، بفتح الفاء وسكون الراء وتخفيف الياء آخر الحروف،
ويروى: فريه، بفتح الفاء وكسر الراء وتشديد الياء أي: يعمل عملاً مصلحاً ويقطع قطعة
مجيداً، يقال: فلان، يغري فريه، إذا كان يأتي بالعجب في عمله، وقال الخليل: يقال في
الشجاع: ما يفري أحد فريه، مخففة الياء ومن شدد أخطأ، يقال: معناه ما كل أحد يفري
على عمله. قوله: ((حتى ضرب الناس بعطن))، والعطن مبرك الإبل حول موردها لتشرب عللاً
بعد نهل، وتستريح منه. وقال القاضي: ظاهر لفظ: ((حتى ضرب الناس)) أنه عائد إلى خلافة
عمر، رضي الله تعالى عنه، وقيل: يعود إلى خلافتهما، لأن بتدبيرهما وقيامهما بمصالح
المسلمين تم هذا الأمر، لأن أبا بكر جمع شملهم وابتدأ الفتوح وتكامل في زمن عمر، رضي