Indexed OCR Text
Pages 21-40
٢١ ٦٠ - كِتَابُ أَحَادِيثِ الأنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلاَمُ / باب (٤٢) إن أعطي أجر، وإن لم يعط لم يكن عليه تبعة. وقال مقاتل: هو في أمر الشياطين، أي: حل من شئت منهم وأوثق من شئت في وثاقك ولا تبعة عليك فيما تتعاطاه. ٣٤٢٣/٨٣ - حدّثني مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ حدَّثنا مُحمَّدُ بنُ جَعْفَرِ حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ مُحَمَّدٍ بنِ زِيادٍ عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ عنِ النَّبِيِّ عَّهِ إِنَّ ◌ِفْرِيتاً مِنَ الجِنِّ تَفَلَّتَ الْبَارِحَةَ لِيَقْطِعَ عَلَيَّ صَلاَتِي فَأَمْكَنَنِي الله مِنْهُ فأخَذْتُهُ فَأرَدْتُ أَنْ أَرْبُطَهُ عَلَى سَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ حَتَّى تَنْظُرُوا إِلَيْهِ كُلُّكُمْ فَذَكَرْتُ دَعْوَةً أَخِي سُلَيْمَانَ رَبِّ هَبْ لِي مُلْكَاً لا يَنْبَغِي لِإِحَدٍ مِنْ بَعْدِي فَرَدَدْتُهُ حاسِئاً. [انظر الحديث ٤٦١ وأطرافه].م مطابقته للترجمة ظاهرة. ورجاله قد ذكروا غير مرة. والحديث مضى في كتاب الصلاة في: باب الأسير يربط في المسجد، ومضى الكلام فيه هناك. قوله: ((تفلَّت))، بتشديد اللام، أي: تعرض لي فلتة، أي: بغتة، وفي قوله: ((فذكرت دعوة أخي سليمان ... )) إلى آخره، دلالة على أنه عَُّلِّ كان يقدر على ذلك، إلاَّ أنه تركه رعاية لسليمان، عليه الصلاة والسلام. عِفْرِيتٌ مُتَمَرِّدٌ مِنْ إنْسٍ أوْ جَانٌ مِثْلُ زِئْنِيَةٍ جَمَاعَتُهَا الزَّبَانِيَّةُ فسر: عفريتاً، بقوله: متمرد، سواء كان من إنس أو من جان، واشتقاقه من: العفر، وقال الزمخشري: العفر والعفرية والعفارية والعفريت: القوي المتشيطن الذي يعفر قرنه، والياء في عفرية وعفارية للإلحاق بشرذمة وعذافرة، والهاء فيهما للمبالغة، والتاء في: عفريت، للإلحاق بقنديل، وفي الحديث: أن الله تعالى يبغض العفرية النفرية، قال ابن الأثير: هو الداهي الخبيث الشرير، ومنه العفريت. قوله: ((مثل زبنية))، بكسر الزاي وسكون الباء الموحدة وكسر النون وفتح الياء آخر الحروف، وفي آخره هاء، ويجمع على: زبانية. وفي قوله: ((عفريت)) مثل زبنية، نظر، لأن مثل الزبنية العفرية لا العفريت، وقال بعضهم: مراد المصنف بقوله: مثل زبنية، إنه قيل في عفريت: عفرية، وهي قراءة جاءت شاذة عن أبي بكر الصديق وأبي رجاء العطاردي، وأبي السمال، بالسين المهملة وباللام. انتهى. قلت: قد تقدم من قول الزمخشري أن عفرية لغة مستقلة وليست هي وعفرية لغة واحدة، والزبانية في الأصل إسم أصحاب الشرطة واشتقاقها من الزبن وهو الدفع، وأطلق ذلك على ملائكة النار لأنهم يدفعون الكفار إلى النار، ويقال واحد الزبانية زبني، ويقال: زابن، وقيل: زباني، والكل لا يخلو عن نظر. ٣٤٢٤/٨٤ - حدَّثنا خالِدُ بنُ مَخْلَدِ حدَّثنا مُغِيرَةُ بنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ عنْ أَبِي الزِّنادِ عنِ الأَعْرَجِ عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنه عنِ النَّبِيِّ عَّهِ قال قال سُلَيْمَانُ بنُ دَاوُدَ عليهما السلام لأطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى سَبْعِينَ امْرَأَةً تَحْمِلُ كُلُّ امْرَأَةٍ فارِسَاً يُجاهِدُ في سَبِيلٍ الله فقال لَهُ صاحِبُهُ إِنْ شَاءَ اللهُ فَلَمْ يَقُلْ ولَمْ تَحْمِلْ شَيْئاً إِلَّ واحِدَاً ساقِطَاً إِحْدَى شِقَّيْهِ فقال النَّبِيُّ عَ لَّهِ لَوْ قَالَهَا لَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ الله. قال شُعَيْبٌ وابنُ أَبِي الزِّنادِ تَسْعِينَ وَهْوَ أَصَحُ. [انظر الحديث ٢٨١ وأطرافه]. ٢٢ ٦٠ - كِتابُ أحَادِيثِ الأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلاَمُ / باب (٤٢) مطابقته للترجمة ظاهرة، وخالد بن مخلد، بفتح الميم البجلي الكوفي وأبو الزناد، بكسر الزاي وتخفيف النون: عبد الرحمن بن عبد الله بن ذكوان، والأعرج عبد الرحمن بن هرمز. قوله: ((لأطوفن))، وفي رواية الحموي والمستملي: لأطيفن، وهما لغتان: طاف بالشيء وأطاف به، إذا دار خلفه وتكرر عليه، والطواف هنا كناية عن الجماع، واللام فيه جواب قسم محذوف تقديره: والله لأطوفن. قوله: ((الليلة))، نصب على الظرفية. قوله: ((على سبعين امرأة))، ومضى الحديث في كتاب الجهاد في: باب من طلب الولد، وفيه لأطوفن الليلة على مائة امرأة أو تسع وتسعين، وفي رواية شعيب في الأيمان والنذور، فقال: تسعين، وفي رواية مسلم عن ابن أبي عمر عن سفيان، فقال: سبعين، وفي رواية البخاري في التوحيد من رواية أيوب عن ابن سيرين عن أبي هريرة: كان لسليمان ستون امرأة، وفي رواية أحمد وأبي عوانة من طريق هشام عن ابن سيرين، فُقال: مائة امرأة، وكذا عند ابن مردويه من رواية عمران بن خالد عن ابن سيرين، وقد مر وجه الجمع بين هذه الروايات في كتاب الجهاد، وقيل: إن الستين كن حرائر وما زاد عليهن كن سراري، أو بالعكس، وعن وهب: كان لسليمان ألف امرأة ثلاثمائة مهيرة وسبعمائة سرية، وروى الحاكم في (مستدركه) من طريق أبي معشر عن محمد بن كعب قال: بلغنا أنه كان لسليمان عَّ ألف بيت من قوارين على الخشب، منها ثلاثمائة صريحة وسبعمائة سرية. قوله: ((فقال له صاحبه: قل: إن شاء الله تعالى))، وفي رواية معمر عن طاوس، على ما سيأتي، فقال له الملك، وفي رواية هشام بن حجير: فقال له صاحبه. قال سفيان: يعني الملك هذا يدل على أن تفسير صاحبه بالملك ليس بمرفوع، ووقع في (مسند الحميدي): عن سفيان: فقال له صاحبه أو الملك، بالشك، ومثلها في مسلم، وبهذا كله يرد قول من يقول بأنه هو الذي عنده علم من الكتاب، وهو: آصف بن برخيا، وأبعد من هذا من قال: المراد بالملك خاطره، وقال النووي: قيل: المراد بصاحبه الملك وهو الظاهر من لفظه، وقيل: القرين، وقيل: صاحب له آدمي. قوله: ((إلاَّ واحداً ساقطاً شقه))، وفي رواية شعيب: فلم تحمل منهن إلاّ امرأة واحدة جاءت بشق رجل، وفي رواية أيوب عن ابن سيرين: شق غلام، وفي رواية هشام عنه. نصف إنسان، وفي رواية معمر: حكى النقاش في (تفسيره): أن الشق المذكور هو الجسد الذي ألقي على كرسيه. قوله: ((لو قالها))، أي: لو قال سليمان: إن شاء الله، لجاهدوا في سبيل الله، وفي رواية شعيب: لو قال: إن شاء الله، وزاد في آخره: فرساناً أجمعون، وفي رواية ابن سيرين: لو استثنى لحملت كل امرأة منهن فولدت فارساً يقاتل في سبيل الله، وفي رواية طاوس: لو قال: إن شاء الله، لم يحنث وكان دركاً لحاجته، أي: كان يحصل له ما طلب، وفي رواية البخاري من طريق معمر: وكان أرجى لحاجته. قوله: ((قال شعيب))، هو شعيب بن أبي حمزة الحمصي، وابن أبي الزناد هو عبد الله بن ذكوان، وهما قالا في روايتهما: تسعين، على ما سيأتي في الأيمان والنذور. قوله: ((وهو الأصح))، أي: ما روياه من تسعين هو الأصح. ٨٥/ ٣٤٢٥ - حدَّثني عُمَرُ بنُ حَفْصٍ حدَّثنا أبي حدَّثَنا الأعمَشُ إِبْرَاهِيمُ التِيمِيُّ عنْ ٢٣ ٦٠ - كِتابُ أحَادِيثِ الأُنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ / باب (٤٢) أبِيهِ عنْ أَبِي ذَرّ رضي الله تعالى عنه قال قُلْتُ يا رسُولَ الله أيُّ مَسْجِدٍ وُضِعَ أوَّلُ قال المَسْجِدُ الحَرَامُ قُلْتُ ثُمَّ أَيُّ قالِ ثُمَّ المَسْجِدُ الأَقْصَى قُلْتُ كَمْ كانَ بَيْنَهُمَا قال أوْبَعُونَ ثُمَّ قال حَيْثُمَا أَذْرَكَتْكَ الصَّلاةُ فَصَلٌ وَالأرْضُ لَكَ مَسْجِدٌ. [انظر الحديث ٣٣٦٦]. مطابقته للترجمة تستأنس من قوله: ((ثم المسجد الأقصى))، لأن سليمان عَ لَّهِ هو الذي بناه، وإبراهيم التيمي يروي عن أبيه يزيد بن شريك عن أبي ذر الغفاري. والحديث مضى في: باب قول الله تعالى: ﴿واتخذ الله إبراهيم خليلاً﴾ [النساء: ١٢٥]. فإنه روى هناك عن موسى بن إسماعيل عن عبد الواحد عن الأعمش عن إبراهيم التيمي ... إلى آخره، ومر الكلام فيه هناك. قوله: ((قال: أربعون)) أي: أربعون سنة، وقد صرح به هناك، والمطلق يحمل على المقيد. ٣٤٢٦/٨٦ - حدَّثنا أَبُو اليَمَانِ أَخْبرَنَا شُعَيْبٌ حدَّثنا أبو الزِّنادِ عنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ حدَّثَهُ أنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ الله عَّ ◌ُلِ يَقُولُ مَثَلِي وَمَثَلُّ النَّاسِ كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَوْقَدَ نارَاً فجعَلَ الفَرَاشُ وهَذِهِ الدَّوَابُّ تَقَعُ في النَّارِ. [الحديث ٣٤٢٦ وطرفه في: ٦٤٨٣]. ... / ٣٤٢٧ - وقَالَ كَانَتِ امْرَأْتَانِ مَعَهُما ابناهُمَا جاءَ الذِّئْبُ فَذَهَبَ بابنِ إحْدَيْهِمَا فقالَتْ صاحِبَتُهَا إِنَّا ذَهَبَ بائِكِ وقالَتِ الأُخْرَى إَّمَا ذَهَبَ بائِكِ فتَحَاكَما إلى داؤُدَ فَقَضَى بِهِ لِلْكُبْرَى فِخَرَجَتَا عَلَى سُلَيْمَانَ بنِ دَاوُدَ فَأَخْبَرَتَاهُ فَقال ائْتُونِي بالسّكِّينِ أَشُقُّهُ بَيْنَهُمَا فِقَالَتِ الصُّغْرَى لا تَفْعَلْ يَرْحَمُكَ الله هوَ ابنُّهَا فَقَضَى بِهِ للْصُّغْرَى. قال أَبُو هُرَيْرَةَ والله إنْ سَمِعْتُ. بالسّكِّينِ إِلاَّ يَوْمَئِذٍ وما كُنَّا نَقُولُ إلاَّ المُدْيَةُ. [الحديث ٣٤٢٧ - طرفه في: ٦٧٦٩]. مطابقته للترجمة في قوله: ((وقال كانت امرأتان ... )) إلى آخره، فإن فيه ذكر سليمان، وأما تعليق الحديث الأول بحديث الترجمة فهو أن الراوي ذكره معه كما سمعه معه، وقال الكرماني: متابعة الأنبياء موجبة للخلاص، كما أن في هذا التحاكم خلاص الكبرى من تلبسها بالباطل ووباله في الآخرة، وخلاص الصغرى من ألم فراق ولدها، وخلاص الابن من القتل، وتمام الحديث الأول هو قوله: فجعل يحجزهن ويغلبنه فيقتحمن فيها فذلك مثلي ومثلكم أنا آخذ بحجزكم عن النار فتغلبوني وتقتحمون فيها. وأبو اليمان الحكم بن نافع، وعبد الرحمن هو ابن هرمز الأعرج. والحديث أخرجه البخاري أيضاً في الفرائض عن أبي اليمان أيضاً. وأخرجه النسائي في القضاء عن عمران بن بكار وعن المغيرة بن عبد الرحمن. ذكر معناه: قوله: ((مثلي ومثل الناس))، بفتح الميم أي: صفتي وحالي وشأني في دعائهم إلى الإسلام المنقذ لهم من النار، ومثل ما تزين لهم أنفسهم من التمادي على الباطل كمثل رجل .. إلى آخره، وهذا من تمثيل الجملة بالجملة، والمراد من ضرب المثل الزيادة في الكشف والتنبيه للبيان. قوله: ((استوقد ناراً) أي: أوقد ناراً، يؤيده ما وقع في رواية مسلم ٢٤ ٦٠ - كِتابُ أَحَادِيثِ الأنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ / باب (٤٢) وأحمد من حديث جابر: مثلي ومثلكم كمثل رجل أوقد ناراً، وقال بعضهم: زيادة السين والتاء للإشارة إلى أنه عالج إيقادها وسعى في تحصيل آلاتها. قلت: معنى الاستفعال الطلب، ولكن قد يكون صريحاً نحو: استكتبته، أي: طلبت منه الكتابة، وقد يكون تقديراً نحو استخرجت الوتد من الحائط، وليس فيه طلب صريح، واستوقد ههنا من هذا القبيل، والنار جوهر لطيف مضيء محرق حار والنور ضوؤها. قوله: ((الفراش))، بفتح الفاء وتخفيف الراء وفي آخره شين معجمة، قال الخليل: يطير كالبعوض، وقيل: هو كصغار البق، وقال الفراء: هو غوغاء الجراد الذي يتفرش ويتراكم ويتهافت في النار. قوله: ((وهذه الدواب))، عطف على الفراش، وهو جمع دابة، وأراد بها هنا مثل البرغش والبعوض والجندب ونحوها. قوله: ((تقع في النار)) خبر: جعل، لأن جعل، من أفعال المقاربة يعمل عمل: كان، في اقتضائه الاسم والخبر. وقال النووي: إنه عَّم شبه المخالفين له بالفراش وتساقطهم في نار الآخرة بتساقط الفراش في نار الدنيا مع حرصهم على الوقوع في ذلك ومنعه إياهم، والجامع بينهما اتباع الهوى وضعف التمييز وحرص كل من الطائفتين على هلاك نفسه، وقال ابن العربي: هذا مثل كثير المعاني، والمقصود: أن الخلق لا يأتون ما يجرهم إلى النار على قصد الهلكة، وإنما يأتونه على قصد المنفعة واتباع الشهوة، كما أن الفراش يقتحم النار لا ليهلك فيها بل لما يصحبه من الضياء، وقد قيل: إنها لا تبصر بحال وهو بعيد جداً. قوله: ((وقال كانت امرأتان))، ليس فيه تصريح برفعه وهو مرفوع في نسخة شعيب عند الطبراني وغيره، وفي رواية النسائي من طريق علي بن عياش عن شعيب: حدثني أبو الزناد مما حدثه عبد الرحمن الأعرج مما ذكر أنه سمع أبا هريرة يحدث عن رسول الله، عَ ليه، قال: بينا امرأتان. قوله: ((فتحاكما)) وفي رواية الكشميهني: فتحاكما، وفي نسخة شعيب: فاختصما. قوله: ((فقضى به للكبرى)»، أي: للمرأة الكبرى، قيل: إن ذلك كان على سبيل الفتيا منهما لا الحكم، فلذلك ساغ لسليمان أن ينقضه، ورده القرطبي بأن فتيا النبي عَ ◌ّم كحكمه وهما سواء في التنفيذ. فإن قلت: إذا كان الأمر كذلك، فكيف جاز لسليمان نقض حكم داود؟ قلت: إن کان حكمهما بالوحي فحكم سليمان ناسخ لحكم داود، وإن كان بالاجتهاد فاجتهاده كان أقوى لأنه بالحيلة اللطيفة أظهر ما في نفس الأمر، وقال الواقدي: إنما كان بينهما على سبيل المشاورة، فوضح لداود صحة رأي سليمان فأمضاه، وقيل: إن من شرع داود، عليه الصلاة والسلام، الحكم للكبرى من حيث هي كبرى. ورد بأن هذا غلط، لأن الكبرى والصغرى وصف طردي محض لا يوجب شيء من ذلك ترجيحاً لأحد المتداعيين حتى يحكم له أو عليه، وكذلك الطول والقصر والسواد والبياض، وقال النووي: إن سليمان فعل ذلك تحيلاً على إظهار الحق فلما أقرت به الصغرى عمل بإقرارها وإن كان الحكم قد نفذ، كما لو اعترف المحكوم له بعد الحكم أن الحق لخصمه، وقال ابن الجوزي: وإنما حكما بالاجتهاد إذ لو كان بنص لما ساغ خلافه، وهو دال على أن الفطنة والفهم موهبة من الله تعالى ولا التفات لقول من يقول: إن الاجتهاد إنما يسوغ عند فقد النص، والأنبياء، عليهم الصلاة ٢٥ ٦٠ - كِتابُ أَحَادِيثِ الأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ / باب (٤٣) والسلام، لا يفقدون النص، فإنهم متمكنون من استطلاع الوحي وانتظاره، والفرق بينهم وبين غيرهم قيام العصمة بهم عن الخطأ وعن التقصير في الاجتهاد، بخلاف غيرهم. قوله: ((لا تفعل يرحمك الله))، ووقع في رواية مسلم والإسماعيلي من طريق ورقاء عن أبي الزناد: لا يرحمك الله، قال القرطبي: ينبغي أن يكون على هذه الرواية أن يقف على: لا، دقيقة حتى يتبين للسامع أن ما بعده كلام مستأنف، لأنه إذا وصل بما بعده: لا يتوهم للسامع أنه دعاء عليه، وإنما هو دعاء له. قوله: ((قال أبو هريرة)) صورته تعليق، لكن ادعى بعضهم أنه موصول بالإسناد الأول، وفيه تأمل. قوله: ((إن سمعت))، كلمة: إن، بكسر الهمزة وسكون النون كلمة نفي. أي: والله ما سمعت بلفظ السكين إلاَّ يومئذ. قوله: ((المدية)) بضم الميم، وقيل: الميم مثلثة، سمي السكين بها لأنها تقطع مدى حياة الحيوان، وسمي السكين سكيناً لأنه یسکن حر کة الحیوان، وهو یذ کر ويؤنث. ٤٣ - بابُ قَوْلِ الله تعالَى ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الحِكْمَةَ أنِ اشْكُرْ ش﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [لقمان: ١٢ - ١٨]. أي: هذا باب في بيان ما جاء في قول الله تعالى: ﴿ولقد آتينا لقمان الحكمة أن أشكر لله ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن الله غني حميد﴾ [لقمان: ١٢ - ١٨]. قوله: ((إلى قوله)) أي: إقرأ إلى قوله: ﴿إن الله لا يحب كل مختال فخور﴾ [لقمان: ١٢ - ١٨]. ومن قوله: ﴿غني حميد﴾ إلى قوله: ﴿فخور﴾ ست آيات. قوله: ((الحكمة)) أي: العقل والعلم والعمل به والإصابة في الأمور. قوله: ((أن اشكر))، قيل: لأن تشكر الله، ويجوز أن تكون: أن، مفسرة أي: اشكر الله، والتقدير: قلنا له: اشكر الله. وقيل: بدل من الحكمة. قوله: ((مختال))، من الاختيال وهو أن يرى لنفسه طولاً على غيره فيشمخ بأنفه. قوله: ((فخور))، يعدد مناقبه تطاولاً. ولقمان بن باعور بن ناخور بن تارخ وهو آزر أب إبراهيم، عليه الصلاة والسلام، كذا قاله ابن إسحاق، وقال مقاتل: لقمان بن عنقا بن سدون. ويقال: لقمان بن ثاران، حكاه السهيلي عن ابن جرير والقعنبي، وقال وهب بن منبه: لقمان بن عبقر بن مرثد بن صادق بن التوت من أهل أيلة، ولد على عشر سنين خلت من أيام داود، عليه الصلاة والسلام، وقال مقاتل: كان ابن أخت أيوب، عليه الصلاة والسلام، وقيل: ابن خاله، وقال إبن إسحاق ثم عاش ألف سنة وأدرك داود، عليه الصلاة والسلام، وأخذ عنه العلم. وحكى الثعلبي عن ابن المسيب: أنه كان عبداً أسود عظيم الشفتينين مشقق القدمين من سودان مصر ذا مشافر، وقال الربيع: كان عبداً نوبياً اشتراه رجل من بني إسرائيل بثلاثين ديناراً ونصف دينار، وقال السهيلي: كان نوبياً من أيلة، وعن ابن عباس: كان عبداً حبشياً نجاراً، وقيل: كان خياطاً، وقيل: كان راعياً، وقيل: كان يحتطب لمولاه حزمة حطب، وروي أنه كان عبداً لقصاب. وقال الواقدي: كان قاضياً لبني إسرائيل فكان يسكن ببلدة أيلة ومدين، وقال مقاتل: كان اسم ٢٦ ٦٠ - كِتابُ أَحَادِيثِ الأنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ / باب (٤٣) أمه: تارات، وفي (تفسير النسفي): واتفق العلماء أنه كان حكيماً ولم يكن نبياً إلاَّ عكرمة فإنه كان يقول: إنه كان نبياً. قال الواقدي والسدي: مات بأيلة، وقال قتادة: بالرملة. ولاَ تُصَعِّرْ الإِغْرَاضُ بالوَجْهِ أشار به إلى ما في قوله تعالى: ﴿ولا تصعر خدك للناس﴾ [لقمان: ١٨]. وفسر: تصعر، بقوله: الإعراض بالوجه، وكأنه جعل الإعراض بمعنى التصغير المستفاد من: لا تصعر، وهذا فسره عكرمة، أورده عنه الطبري، وقال الطبري: أصل الصعر داء يأخذ الإبل في أعناقها حتى تلفت أعناقها عن رؤوسها فيشبه به الرجل المعرض عن الناس المتكبر، وقراءة عاصم وابن كثير: ولا تصعر، وقراءة الباقون: ولا تصاغر، وقال الطبري: القراءتان مشهورتان ومعناهما صحیح. ٨٧ /٣٤٢٨ - حدّثنا أبو الوَلِيدِ حدَّثنا شُغْبَةُ عنِ الأعْمَشِ عنْ إبْرَاهِيمَ عنْ عَلْقَمَةَ عنْ عَبْدِ الله قال لَمَّا نَزَلَتِ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيْمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢] قال أَصْحَابُ الَّبِيِّ عَّهِ إِيَّنَا لَمْ يَلْبِسْ إِيمَانَهُ بِظُلْمٍ فَتَزَلَتْ ﴿لاَ تُشْرِكْ بِاللهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]. [انظر الحديث ٣٢ وأطرافه]. مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله تعالى: ﴿لا تشرك بالله ... ﴾ إلى آخره، لأن الله تعالى قال حكاية عن لقمان: ﴿وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم﴾ [لقمان: ١٣]. وأبو الوليد هشام بن عبد الملك، وإبراهيم هو النخعي، والحديث مضى في كتاب الإيمان في: باب ظلم دون ظلم، ومر الكلام فيه. ٣٤٢٩/٨٨ - حدَّثني إِسْحَاقُ أخبرَنا عِيسَى بنُ يُونُسَ حدَّثنا الأعمشُ عنْ إِبْرَاهِيمَ عنْ عَلْقَمَةَ عنْ عَبْدِ الله رضي الله تعالى عنهُ قال لَمَّا نَزَلَتِ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْم﴾ [الأنعام: ٨٢]. شَقَّ ذَلِكَ عَلَى المُسْلِمِينَ فقالوا يا رسولَ الله أَيُنَا لاَ يَظْلِمُ نَفْسَهُ قال لَيْسَ ذَلِكَ إِنََّا هُوَ الشّرْكُ أَلَمْ تَسْمَعُوا ما قال لُقْمانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ ﴿يا بُنَيَّ لاَ تُشْرِكْ بالله إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] [انظر الحديث ٣٢ وأطرافه]. مطابقته للترجمة ظاهرة، وإسحاق هو ابن راهويه، وعبد الله هو ابن مسعود، وهذا طريق آخر في الحديث المذكور. قوله: ((إنما هو الشرك))، أي: الظلم المذكور في تلك الآية هو الشرك، والظلم لفظ عام يعم الشرك وغيره، وقد خص في الآية بالشرك. ومعنى: الاختلاط الإيمان، هو أن الإيمان التصديق بالله وهو لا ينافي جعل الأصنام آلهة، قال الله تعالى: ﴿وما يؤمن أكثرهم بالله إلاَّ وهم مشركون﴾ [يوسف: ١٠٦]. قوله: (ما قال لقمان لابنه))، اسم ابنه: باران، بالباء الموحدة وبالراء، وكذا قاله الطبري والعتبي، وقال الثعلبي: اسمه أنعم، وقال الكلبي: أشكم. قوله: ((وهو يعظه)) جملة حالية، والله أعلم. ٢٧ ٦٠ - كِتَابُ أَحَادِيثِ الأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ / باب (٤٤) و (٤٥) ٤٤ - بابَ ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً أضْحَابَ القَرْيَةِ﴾ [يس: ١٣]. الآية أي: هذا باب يذكر فيه قوله تعالى: ﴿واضرب لهم مثلاً أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث فقالوا إنا إليكم مرسلون﴾ [يس: ١٣]. قوله: ((واضرب لهم مثلاً) أي: لأجلهم، وقيل: واضرب لأجل نفسك أصحاب القرية مثلاً، وحاصل المعنى: اذكر لهم قصة عجيبة، يعني: قصة أصحاب القرية، وهي أنطاكية: ﴿إِذ جاءها المرسلون﴾ [يس: ١٣]. أي: رسل عيسى، وكلمة إذ، بدل من أصحاب القرية، وكان إرسال عيسى، عليه الصلاة والسلام، رسله في أيام ملوك الطوائف. واختلفوا في اسم الرسولين اللذين أرسلا أولاً، فقال ابن إسحاق: قاروص وماروص، وقال وهب: يحيى ويونس، وقال مقاتل: تومان ومالوس، وقال كعب: صادق وصدوق، واسم الرسول الثالث: شمعون الصفا رأس الحواريين، وهو قول أكثر المفسرين، وقال كعب: اسمه شلوم، وقال مقاتل: سمعان، وقيل: بولص، ولم يذكر البخاري في هذا الباب حديثاً مرفوعاً، وقد روى الطبراني من حديث ابن عباس مرفوعاً: السبق ثلاثة: يوشع إلى موسى، وصاحب يس إلى عيسى، وعلي إلى محمد، عَّ ◌ُلّه، وفي إسناده حسين بن الحسن الأشقر وهو ضعيف، واسم صاحب يس: حبيب النجار، وعن السدي: كان قصاراً، وقيل: كان إسكافاً، وكان اسم ملك أنطاكية أنطيخس بن أنطيخس وكان يعبد الأصنام. فَعَزَّزْنا .. قال مُجَاهِدٌ شَدَّدْنَا أشار به إلى تفسير قوله تعالى: ﴿فعززنا﴾ [يس: ١٣]. وحكي عن مجاهد أنه قال: معناه: شددنا، يعني: قوينا الرسولين الأولين برسول ثالث، وعلى يده كان الخلاص. قال ابنُ عَبَّاسٍ طائِرُكُمْ مَصَائِئُكُمْ أشار به إلى ما في قوله تعالى: ﴿قالوا طائركم معكم أثن ذكرتم بل أنتم قوم مسرفون﴾ [يس: ١٩]. ووصل ابن أبي حاتم قول ابن عباس من طريق علي بن أبي طلحة عنه به. قوله: ﴿طائركم﴾ وفسره ابن عباس بقوله: مصائبكم، ولما قالوا: ﴿إِنَّا تطيرنا بكم﴾ [يس: ١٨]. يعني: تشاءمنا بكم، قالوا: طائركم، أي: شؤمكم معكم، وهو كفرهم. ٤٥ - بابُ قَوْلِ الله تعالى ﴿كَهَيَعَصَ ذِكْرُ رَحْمَةٍ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّاءَ إذْ نادَى رَبَّهُ نِدَاءٌ خَفِيَّاً قال رَبِّ إنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً﴾ إلى قولِهِ ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيّاً﴾ [مريم: ٣ - ٧]. أي: هذا باب في بيان قول الله تعالى: ﴿كهيعص ذكر رحمة ربك عبده زكريا﴾ [مريم: ٣ - ٧]. إلى آخره. قوله: ((إلى قوله))، أي: إقرأ إلى قوله: ﴿لم نجعل له من قبل سميا﴾ [مريم: ٣ - ٧]. وهو قوله: ﴿ولم أكن بدعائك رب شقيا وإني خفت الموالي من ورائي وكانت امرأتي عاقراً فهب لي من لدنك ولياً يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضياً * يا زكريا إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى لم نجعل له من قبل سميا﴾ ٢٨ ٦٠ - كِتابُ أحَادِيثِ الأنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ / باب (٤٥) [مريم: ٥ - ٧]. قوله: ((ذكر))، مرفوع بأنه خبر لقوله: ﴿كهيعص﴾، وقيل: خبر مبتدأ محذوف أي: هذا القول الذي نتلو عليك ذكر رحمة ربك، وقيل: مرفوع بالابتداء والخبر مقدر تقديره، فيما أوحي إليك ذكر رحمة ربك، و: ذكر مصدر مضاف إلى الرحمة، وهي فاعله، و: عبده، مفعولها. قوله: ((خفياً) أي: خافياً يخفى ذلك في نفسه لم يطلع عليه إلاّ الله. قوله: ((وهن))، يقال: وهن يهن وهناً، فهو واهن، وقال الفراء: وهن العظم، بالفتح والكسر في الهاء: أراد أن قوة عظامه ذهبت لكبر سنه، وإنما خص العظم لأنه الأصل في التركيب، وقال قتادة: شكى ذهاب أضراسه. قوله: ((واشتعل الرأس شيباً)) أي: من حيث الشيب شبه الشيب بشواظ النار في بياضه وإنارته وانتشاره في الشعر وفشوه فيه وأخذه كل مأخذ باشتعال النار، ثم أخرجه مخرج الاستعارة، ثم أسند الاشتعال إلى مكان الشعر ومنبته وهو الرأس، وأخرج الشيب مميزاً ولم يضف الرأس، يعني لم يقل: رأسي، اكتفاء بعلم المخاطب أنه رأس زكريا عَ لّه، فمن ثم فصحت هذه الجملة وشهد لها بالبلاغة. قوله: ((ولم أكن بدعائك رب شقياً) أي: بدعائي إياك شقياً أي: خائباً. قوله: الموالي، وهم الذين يلونه في النسب، وهم: بنو العم والعصبة، وكان عمه وعصبته شرار بني إسرائيل فخافهم على الدين أن يغيروه ويبدلوه وأن لا يحسنوا للخلافة على أمته، فطلب عقباً من صلبه صالحاً يُقتدى به في إحياء الدين. قوله: ((عاقراً) أي: عقيماً لا تلد. قوله: ((ولياً))، أي: ولداً صالحاً يحمل أمر الدين بعدي. قوله: ((يرثني))، أي: يرث النبوة وقيل: العلم، وقيل: يرثهما. قوله: ((ويرث من آل يعقوب))، قال ابن عباس: يرثني مالي ويرث من آل يعقوب النبوة، وعنه: يرثني العلم ويرث من آل يعقوب الملك، فأجابه الله إلى وراثة العلم دون الملك. قوله: ((لم نجعل له من قبل سمياً))، يعني: لم يسم أحد قبله بيحيى. فإن قلت: ما وجه المدحة باسم لم يسم أحد قبله ونرى كثيراً من الأسماء لم يسبق إليها؟ قلت: لأن الله تعالى تولى تسميته ولم يكل ذلك إلى أبويه فسماه باسم لم يسبق إليه. واعلم أن في زكريا أربع لغات: المد والقصر وحذف الألف مع إبقاء الباء مشددة وتخفيف الياء، فإن مددت أو قصرت لم تصرف، وإن حذفت الألف مع إبقاء الياء مشددة صرفته. وزكريا بن آدن بن مسلم بن صدوق بن نخشان بن داود بن سليمان بن مسلم بن صديقة بن ناخور بن شلوم بن بهفاشاط بن أسا بن أفيا بن رحيم بن سليمان بن داود، عليهما الصلاة والسلام، كذا ذكره الثعلبي، وقال ابن عساكر في (تاريخه): زكريا بن برخيا، ويقال: زكريا بن دان، ويقال: ابن آدن ... إلى آخره، وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله، عَ له: ((كان زكريا نجاراً). انفرد بإخراجه مسلم وابنه يحيى من الحياة، وقال الزمخشري: كان يحيى أعجمياً وهو الظاهر، فمنع صرفه للتعريف والعجمة: كموسى وعيسى، وإن كان عربياً فللتعريف ووزن الفعل، واختلفوا فيه لِمَ سمي يحيى؟ فقال ابن عباس: لأن الله تعالى أحيى به عقر أمه، وقال قتادة: لأن الله تعالى أحيى قلبه بالإيمان والنبوة، وقيل: أحياه بالطاعة حتى لم ٢٩ ٦٠ - كِتابُ أحَادِيثِ الأنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ / باب (٤٥) يعص أصلاً ولم يهم بمعصية، واسم أم يحيى: أشياع بنت فاقوذا أخت حنة أم مريم، صلى الله تعالى عليهما وسلم، وقال ابن إسحاق: كان زكريا وابنه يحيى، صلى الله تعالى عليهم وسلم، آخر من بعث في بني إسرائيل من أنبيائهم. قال ابنُ عبَّاسِ مِثْلاً أي: قال عبد الله بن عباس: معنى: سمياً، مثلاً في قوله تعالى: ﴿هل تعلم له سمياً﴾ [مريم: ٦٥]. يُقَالُ: رَضِيَّاً مَرْضِيّاً أشار به إلى تفسير: رضياً في قوله: ﴿واجعله رب رضيا﴾ [مريم: ٦]. بأنه بمعنى: مرضياً. وقال الطبري: مرضيا ترضاه أنت وعبادك. عَتِئَّاً عَصِياً عَتَا يَعْتُو أشار به إلى ما في قوله تعالى: ﴿وقد بلغت من الكبر عتياً﴾ [مريم: ٨]. وفسره بقوله: عصياً، وذكره بالصاد المهملة والصواب بالسين المهملة، وروى الطبري بإسناد صحيح عن ابن عباس، قال: ما أدري أكان رسول الله، عَّه يقرأ عتياً أو عسياً؟ يقال: قرأ مجاهد: عسياً بالسين، وقال الجوهري: عتا الشيخ يعتو عتياً، بضم العين وكسرها: كبر وولى، وقال الأصمعي: عسا الشيخ يعسو عسياً، ولى وكبر مثل: عتا، وقال قتادة: العتو نحول العظم، يقال: ملك عات: إذا كان قاسي القلب غير لين، وعن أبي عبيدة: كل مبالغ في شر أو كفر فقد عتا وعسا، ويقال: عتا العود وعسا من أجل الكبر والطعن في السن العالية، وقرأ حمزة والكسائي: ﴿وقد بلغت من الكبر عتياً﴾ [مريم: ٨]. بكسر العين والباقون بضمها. قوله: ((عتا يعتو)) أشار به إلى أنه من باب فعل يفعل، مثل: غزا يغزو، من معتل اللام الواوي. ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونَ لِي غُلاَمٌ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا﴾ [مريم: ٨ - ١٠]. ويُقَالُ صَحِيحاً أشار به إلى ما في قوله تعالى: ﴿قال رب أنى يكون لي غلام وكانت امرأتي عاقراً وقد بلغت من الكبر عتيا قال كذلك قال ربك هو على هين وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئاً قال رب اجعل لي آية قال آيتك أن لا تكلم الناس ثلاث ليال سوياً﴾ [مريم: ٨ - ١٠]. قوله: ((قال رب)) أي: قال زكريا: يا رب أنَّى يكون لي غلام؟ أي: من أين يكون لي غلام؟ وكيف يكون لي غلام والحال أن امرأتي عاقر وأنا قد بلغت من الكبر عتياً؟ قوله: ((قال كذلك))، أي: قال جبريل عَّ له: إن الأمر كذلك كما قيل لك من هبة الولد على الكبر. قوله: ((هو عليَّ هيِّ))، أي: خلقه عليّ هيّن بأن أرد عليك قوتك حتى تقوى على الجماع، وأفتق رحم امرأتك. قوله: ((قد خلقتك من قبل))، أي: أوجدتك من قبل يحيى ولم تك شيئاً، لأن المعدوم ليس بشيء أو شيئاً لا يعتد به. قوله: ((قال: رب))، أي: قال زكريا: يا رب إجعل لي . : ٣٠ ٦٠ - كِتابُ أَحَادِيثِ الأنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ / باب (٤٥) آية أي: علامة على حمل امرأتي. قوله: ((قال آيتك)) أي: قال الله، عز وجل: علامتك أن لا تكلم الناس ثلاث ليال سوياً منصوب على الحال، أي: وأنت صحيح سليم الجوارح عن سوء الخلق ما بك خرس ولا بكم، ودل ذكر الليالي هنا والأيام في آل عمران، على أن المنع من الكلام استمر به ثلاثة أيام ولياليهن. ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ المِخْرَابِ فَأوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيَّاً﴾ [مريم: ١١]. فأوْحَى فأشارَ أي: فخرج زكريا وكان الناس من وراء المحراب ينتظرون أنه يفتح لهم الباب فيدخلون ويصلون، إذ خرج إليهم زكريا متغير اللون فأنكروه، فقالوا له: يا زكريا! ما لك؟ فأوحى إليهم، أي: أشار إليهم بيده ورأسه. قاله مجاهد: وعن ابن عباس: فكتب إليهم في كتاب، وقيل: على الأرض. قوله: ((أن سبحوا))، وكلمة: أن، هي المفسرة أي: صلوا لله بكرة وعشياً، وهذا في صبيحة الليلة التي حملت امرأته، فلما حملت امرأته أمرهم بالصلاة إشارة. ﴿يَا يَخْتَى خُذِ الكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيَّا﴾ [مريم: ١٢ - ١٥]. أي: إقرأ الآية إلى قوله: ((ويوم يبعث حياً). وهو: ﴿وآتيناه الحكم صبياً وحناناً من لدنا وزكاتاً وكان تقياً وبراً بوالديه ولم يكن جباراً عصيّاً وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حياً﴾ [مريم: ١٢ - ١٥]. قوله: ((يا يحيى))، التقدير: فوهبنا له يحيى وقلنا له: يا يحيى خذ الكتاب، أي: التوراة، وكان مأموراً بالتمسك بها. قوله: ((الحكم))، أي: الحكمة وهي الفهم للتوراة والفقه في الدين، صبياً، أي: حال كونه صبياً، وعن ابن عباس عن النبي عَ لَّه: أنه سبع سنين، وعن قتادة ومقاتل: ثلاث سنين وكان ذلك معجزة به. قوله: ((وحناناً))، قال الزجاج: وآتيناه حناناً، وقيل: وجعلناه حناناً لأهل زمانه، أي: رحمة لأبويه وغيرهما، وتعطفاً وشفقة. قوله: ((وزكاة))، أي: زيادة في الخير على ما وصف، وقيل: طهارة من الذنوب، وقيل: عملاً صالحاً. قوله: ((تقياً)، يعني: مسلماً مخلصاً مطيعاً. قوله: ((وبرّا)) أي: وبارّاً بوالديه، لطيفاً بهما، محسناً إليهما، ولم يكن جباراً متكبراً. قوله: ((عصياً) أي: عاصياً لربه. قوله: ((وسلام عليه)) أي: سلام من الله عليه في هذه الأيام، وإنما خص التسليم والسلام بهذه الأحوال لأنها أصعب الأوقات وأوحشها. حَفِيَّاً لَطِيفاً أشار به إلى ما في قوله تعالى: ﴿إِنه كان بي حفيّاً﴾ [مريم: ٤٧]. وفسر: حفياً، بقوله: لطيفاً، وقال أبو عبيدة: أي محتفياً. عاقِرَاً الذَّكَرُ والأَنْثَى سَوَاءٌ أشار به إلى ما في قوله تعالى: ﴿وكانت امرأتي عاقراً﴾ [مريم: ٥ و٨]. وقال: الذكر والأنثى سواء، يعني: يقال للرجل الذي لا يلد: عاقر، وللمرأة التي لا تلد: عاقر ... ٣١ ٦٠ - كِتابُ أَحَادِيثِ الأنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ / باب (٤٦) ٨٩/ ٣٤٣٠ - حدّثنا هُدْبَةُ بنُ خَالِدٍ حدَّثنا هَمَّامُ بنُ يَحْتَى حدَّثنا قَتَادَةُ عنْ أَنَسٍ بنِ مالِكِ عنْ مالِكِ بنِ صَعْصَعَةَ أَنَّ نَبِيَّ اللهِعَّلِ حدَّثَهُمْ عِنْ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ ثُمَّ صَعِدَ حتَّىٍ أَتَّى السَّمَاءَ الثَّانِيَةَ فَاسْتَفْتَحَ قِيلَ مَنْ هَذَا قال جِبْرِيلُ قِيلَ ومَنْ مَعَكَ قال مُحَمَّدٌ قِيلَ وَقَدْ أَرْسِلَ إِلَيْهِ قال نعَمْ فَلَمَّا خَلَصْتُ فِإِذَا يَحْيَى وعِيسَى وهُمَا ابْنَا خَالَةٍ قال هذَا يَحْيَى وعيسَى فسَلَّم. عَلَيْهِمَا فسَلَّمْتُ فَرَدًّا ثُمَّ قالاَ مَرْحَباً بالأخِ الصَّالِحِ والنَّبيّ الصَّالِحِ. [انظر الحديث ٣٢٠٧ وطرفيه]. مطابقته للترجمة ظاهرة لأن يحيى مذكور في قصة زكريا، وهذه قطعة من حديث مطول قد مضى في: باب ذكر الملائكة، ومر الكلام فيه. قوله: ((فلما خلصت)) أي: للصعود إلى السماء الثانية ووصلت إليها. قوله: ((وهما)) أي: يحيى وعيسى، ولعل القرابة التي كانت بينهما كانت سبباً لكونهما في سماء واحد مجتمعين. ٤٦ - بابُ قَوْلِ الله تعالى ﴿واذْكُرْ في الكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكانَاً شَرْقِيّاً﴾ [مريم: ١٦]. أي: هذا باب في بيان قول الله تعالى: ﴿واذكر ... ﴾ إلى آخره، يعني: اذكر يا محمد في الكتاب - أي: في القرآن - مريم بنت عمران بن ماثان. قوله: ((إذ انتبذت))، كلمة: إذ، بدل من: مريم، بدل الاشتمال، انتبذت أي: اعتزلت وانفردت وجلست وتخلت للعبادة من أهلها مكاناً أي: في مكان شرقياً مما يلي شرقي المقدس، أو شرقياً من دارها، وقيل: قعدت في مشرقة للاغتسال من الحيض، وعن الحسن البصري: اتخذت النصارى المشرق قبلة لأن مريم انتبذت مكاناً شرقياً. ﴿إِذ قالَتِ المَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ الله يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ﴾ [آل عمران: ٤٥]. قال الزمخشري: إذ قالت، بدل من ﴿وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك﴾ [آل عمران: ٤٢]. ويجوز أن يبدل من: إذ، يختصمون، على أن الاعتصام والبشارة وقعا في زمان. قوله: ((بكلمة منه))، أي: بولد يكون وجوده بكلمة من الله، أي: بقوله: كن فيكون اسمه المسيح عيسى ابن مريم، يعني: يكون مشهوراً بهذا في الدنيا يعرفه المؤمنون بذلك. ﴿إِنَّ الله اصْطَفى آدَمَ ونُوحَاً وَآلَ إبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ علَى العَالَمِينَ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران: ٣٣]. يخبر تعالى أنه اصطفى آدم أي: اختار آدم لأنه خلقه بيده ونفخ فيه من روحه وأسجد له ملائكته وعلمه أسماء كل شيء وأسكنه جنته واصطفى نوحاً عَ لّه وجعله أول رسول بعثه إلى أهل الأرض لما عبد الناس الأوثان، واصطفى آل إبراهيم ومنهم سيد البشر وخاتم الأنبياء محمد عَّةٍ، ومنهم آل عمران والد مريم بنت عمران أم عيسى ابن مريم، صلوات الله عليهم. قوله: ((إلى قوله ... )) أي: إقرأ إلى قوله: ((يرزق من يشاء))، وهو: ﴿ذرية بعضها من بعض ٣٢ ٦٠ - كِتَابُ أَحَادِيثِ الأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلاَمُ / باب (٤٧) والله سميع عليم﴾، وبعده ثلاث آيات أخرى آخرها: ﴿بغير حساب﴾ [آل عمران: ٣٣]. قال ابنُ عَبَّاسِ وآلُ عِمْرَانَ الْمُؤْمِنُونَ مِنْ آلِ إِبْرَاهِيمَ وَآلٍ عِمْرَانَ وَآلِ يَاسِينَ وَآلٍ مُحَمَّدٍ عَّ ◌َلَهِ يَقُولُ ﴿إِنَّ أوْلَى النَّاسُ بإِبْرَاهِيمَ لِلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾ [آل عمران: ٦٨]. وهم الْمُؤْمِنُونَ أشار بهذا إلى ما في قوله تعالى: ﴿وآل إبراهيم وآل عمران﴾، عام وأريد به الخصوص، وهو أن المراد المؤمنون من آل إبراهيم وآل عمران، كما قال ابن عباس. قوله: ((وآل ياسين))، المراد منهم الذين في قوله تعالى: ﴿وإن إلياس لمن المرسلين﴾ [آل عمران: ٦٨]. وقيل: إدريس، وقيل: غيره. قوله: ((يقول إن أولى الناس بإبراهيم ... )) إلى آخره، أي: يقول ابن عباس: ﴿أن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه﴾ [آل عمران: ٦٨]. وهم المؤمنون والذين لم يتبعوه لا يعدون من الآل، وحاصل هذا التأكيد بأن المراد من هذا العموم الخصوص كما ذكرنا. ويُقَالُ آلَ يَعْقُوبَ أهْلُ يَعْقُوبَ فإِذَا صَغَّرُوا آلَ ثُمَّ رَدُّوهُ إلى الأصْلِ قالوا أُهَيْلٌ أشار بهذا إلى أن أصل: آل، أهل، ألا ترى أنهم إذا أرادوا أن يصغروه يقولون: أهيل، لأن التصغير يرد الأشياء إلى أصولها، ولكن فيه خلاف، والذي ذكرناه هو قول سيبويه والجمهور، وقيل: أصل آل: أول، من آل يؤول إذا رجع، لأن الإنسان يرجع إلى آله فقلبت الواو ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها. ٣٤٣١/٩٠ - حدّثنا أَبُو اليَمَانِ أخبرَنَا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قال حدَّثنِي سَعيدُ بنُ المُسَيَّبِ قال قال أبُو هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ سَمِعْتُ رَسُولَ الله عَ لِ يَقُولُ ما مِنْ بَنِي آدَمَ مَوْلُودٌ إلَّ يَجِسُهُ الشَّيْطَانُ حِينَ يُولَدُ فَيَسْتَهِلُّ صَارِخاً مِنْ مَسْ الشَّيْطَانِ غَيْرَ مَرْيَمَ وابْنِهَا ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّحِيمِ﴾ [آل عمران: ٣٦]. [انظر الحديث ٣٢٨٦ وطرفه]. مطابقته للترجمة ظاهرة. وأخرجه مسلم أيضاً عن عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي عن أبي اليمان به، وقد مضى نحوه في: باب صفة إبليس، عن أبي اليمان عن شعيب عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة. قوله: ((ثم يقول أبو هريرة ... )) إلى آخره، موقوف عليه. ٤٧ - بابٌ هو كالفصل لما قبله، فلذلك جرد عن الترجمة. ﴿وَإِذْ قالَتِ المَلائِكَةُ يا مَزْيَمُ إِنَّ الله اضْطَفَاكِ وطَهَّرَكِ وَاضْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ العَالَمِينَ يا مَرْيَمُ اقْتُتِي لِرَبِّكِ واسْجُدِي وازْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ ذَلِكَ مِنْ أنْباءِ الغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلاَّمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفَلُ مَزْيَمَ وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ [آل عمران: ٤٢]. ٣٣ ٦٠ - كِتابُ أَحَادِيثِ الأنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ / باب (٤٧) هذا إخبار من الله بما خاطبت به الملائكة مريم، عليها السلام، عن أمر الله لهم بذلك. قوله: ((اصطفاك)) أي: اختارك وطهرك من الأكدار والوساوس واصطفاك ثانياً مرة بعد مرة على نساء العالمين. قوله: ((اقنتي)) أمر من القنوت وهو الطاعة، واسجدي واركعي، الواو لا تقتضي الترتيب، وقيل: معناه استعملي السجود في حالة والركوع في حالة، وقيل: على حالة، وكان السجود مقدماً على الركوع في شرعهم. قوله: ﴿واركعي مع الراكعين﴾ أي: لتكن صلاتك مع الجماعة، وقال: مع الراكعين، لأنه أعم من الراكعات لوقوعه على الرجال والنساء. قوله: ((ذلك))، إشارة إلى ما سبق من نبأ زكريا ويحيى ومريم وعيسى، يعني: أن ذلك من الغيوب التي لم تعرفها إلاّ بالوحي. قوله: ((نوحيه إليك)) أي: نقصه عليك. قوله: ((وما كنت لديهم)) أي: وما كنت يا محمد عندهم. قوله: ((إذ يلقون أقلامهم)) أي: حين يلقون، أي: يطرحون أقلامهم وهي أقداحهم التي طرحوها في النهر مقترعين، وقيل: هي الأقلام التي كانوا يكتبون بها التوراة، اختاروها للقرعة تبركاً بها. قوله: ((إذ يختصمون))، في شأنها تنافساً في التكفل بها لرغبتهم في الأجر. يُقالُ: يَكْفُلُ يَضُمُّ كَفَلَهَا ضَمَّهَا مُخَفَفَةً لَيْسَ مِنْ كَفَالَةِ الدُّيُونِ وشَبْهِهَا أشار بهذا إلى ما في قوله تعالى: ﴿أيهم يكفل مريم ... ﴾ إلى قوله ﴿وكفَّلها زكريا﴾ [آل عمران: ٣٧]. يعني: ضم مريم إلى نفسه وما ذاك إلاّ أنها كانت يتيمة، قاله ابن إسحاق، وقال غيره: إن بني إسرائيل أصابتهم سنة جدب فكفل زكريا مريم لذلك، ولا منافاة بين القولين. قوله: ((مخففة))، أي: حال كون كلمة: كفلها، بتخفيف الفاء، وفى قوله: ((ليس من كفالة الديون)) نظر، لأن في كفالة الديون أيضاً معنى الضم، لأن الكفالة ضم الذمة إلى الذمة في المطالبة، وقراءة التخفيف قراءة الجمهور، وقراءة الكوفيين عاصم وحمزة والكسائي بالتثقيل، وقرأ الباقون وهم: نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر بالتخفيف في: كفلها، وعلى التشديد، فينتصب زكريا على المفعولية، وقال أبو عبيدة: يقال في: كفلها زكريا، بفتح الفاء وكسرها، وبالكسر قرأ بعض التابعين. ٩١/ ٣٤٣٢ - حدَّثني أحْمَدُ بنُ أبِي رَجاءِ حدَّثنا النَّصْرُ عنْ هِشَامٍ قال أخبرني أبي قال سَمِعْتُ عبدَ اللهِ بنَ جَعْفَرٍ قال سَمِعْتُ عَلِيّاً رضي الله تعالى عنهُ يَقُولُ سَمِعْتُ النَّبِيَّ عَّهِ يَقُولُ خَيْرُ نِسَائِهَا مَرْيَمُ ابْنَةُ عِمْرَانَ وَخَيْرُ نِسائِهَا خَدِيجَةُ رضي الله تعالى عنها. [الحديث ٣٤٣٢ - طرفه في: ٣٨١٥]. . مطابقته للباب المترجم في قوله: ((ابنة عمران)). ذكر رجاله: وهم ستة: الأول: أحمد بن أبي رجاء - بالجيم - واسمه عبد الله بن أيوب أبو الوليد الحنفي الهروي. الثاني: النضر بن شميل، وقد مر غير مرة. الثالث: هشام ابن عروة. الرابع: أبوه عروة بن الزبير بن العوام. الخامس: عبد الله بن جعفر بن أبي طالب. السادس: علي بن أبي طالب، رضي الله تعالى عنه. عمدة القاري /ج١٦ /م٣ ٣٤ ٦٠ - كِتَابُ أَحَادِيثِ الأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلاَمُ / باب (٤٨) ذكر لطائف إسناده: فيه: حدثني أحمد، وفي بعض النسخ: حدثنا، بصيغة الجمع. وفيه: التحديث أيضاً بصيغة الجمع في موضع واحد. وفيه: العنعنة في موضع واحد. وفيه: السماع في موضعين. وفيه: القول في موضعين. وفيه: الدارقطني: رواه أصحاب هشام بن عروة عنه، هكذا وخالفهم ابن جريج وابن إسحاق فروياه عن هشام عن أبيه عن عبد الله بن الزبير عن عبد الله بن جعفر، وقد زاد في الإسناد: عبد الله بن الزبير، والصواب الأول. ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في فضل خديجة وصدقة ابن الفضل. وأخرجه مسلم في الفضائل عن أبي بكر بن أبي شيبة وعن أبي كريب وعن إسحاق بن إبراهيم. وأخرجه الترمذي في المناقب عن إسحاق بن هارون. وأخرجه النسائي فیه عن أحمد بن حرب. : ذكر معناه: قوله: ((خير نسائها))، أي: خير نساء أهل الدنيا في زمانها، وليس المراد أن مريم خير نسائها، لأنه يصير كقولهم، يوسف أحسن إخوته، وقد منعه النحاة، وعن وكيع: أي خير نساء الأرض في عصرها، وقال القاضي: أي من خير نساء الأرض. وقال الكرماني: يحتمل أن يراد بقوله: خير نسائها مريم، نساء بني إسرائيل، وبقوله: خير نسائها خديجة، نساء العرب أو تلك الأمة، وهذه الأمة وفي رواية النسائي من حديث ابن عباس: أفضل نساء أهل الجنة خديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد ومريم بنت عمران وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون، ورواه أبو يعلى أيضاً، وقد مر الكلام فيه مسقصىّ في: باب قول الله تعالى: ﴿وضرب الله مثلاً للذين آمنوا امرأة فرعون﴾ [التحريم: ١١]. ٤٨ - بابُ قَوْلِهِ تعَالى ﴿إِذ قالَتِ المَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ المَسِيحُ عِيسَى ابنُ مَرْتِمَ﴾ إلى قوْلِهِ ﴿فَإِنََّا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونَ﴾ [آل عمران: ٤٥ - ٤٨]. أي: هذا باب في بيان قوله تعالى: ﴿إذ قالت الملائكة ... ﴾ [آل عمران: ٤٥]. إلى آخره، وفي بعض النسخ: باب قول الله تعالى، وليس في بعضها إلى قوله إلى آخره، وقد مر الكلام في هذه الترجمة في الباب الذي قبل الباب المجرد الذي قبل هذا الباب. قوله: ((إلى قوله))، أي: إقرأ إلى قوله: ﴿فإنما يقول له كن فيكون﴾ [آل عمران: ٤٨]. وهو قوله: ﴿وجيهاً في الدنيا والآخرة ومن المقربين ويكلم الناس في المهد وكهلاً ومن الصالحين قالت رب أنَّى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر قال كذلك الله يخلق ما يشاء إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون﴾ [٤٥ - ٤٨]. قوله: ((وجيهاً)، أي: شريفاً ذا جاه وقدر. قوله: ((ومن المقربين))، أي: عند الله بالثواب والكرامة. قوله: ((ويكلم الناس في المهد))، يعني: صغيراً في حجر أمه، وقيل: في الموضع الذي مهد للنوم، روي عنها أنها قالت: كنت إذا خلوت به أحادثه ويحادثني فإذا شغلني عنه إنسان يسبح في بطني وأنا أسمع. واختلفوا: هل كان نبياً في وقت كلامه؟ فقيل: نعم لظهور المعجمزة وقيل: لا، وإنما ٣٥ ٦٠ - كِتَابُ أحَادِيثِ الأنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ / باب (٤٨) جعل ذلك تأسيساً لنبوته. قوله: ((وكهلاً))، قال الزمخشري: في المهد، نصب على الحال، و: كهلاً، عطف عليه بمعنى: ويكلم الناس طفلاً وكهلاً، يعني: يكلم في هاتين الحالتين بكلام الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام. قوله: ﴿ومن الصالحين﴾ [آل عمران: ٤٥ - ٤٨]. أي: في قوله وعمله. قوله: ﴿ولم يمسسني بشر﴾ أي: لم يصبني رجل. قوله: ﴿إذا قضى أمراً﴾ أي: إذا أراد تكوينه ﴿فإنما يقول له كن فيكون﴾، لا يتأخر من وقته بل يوجد عقيب الأمر بلا مهلة. يُشِّرُكِ ويَنْشُرُكِ واحِدٌ الأول: من باب نصر ينصر، وهو قراءة حمزة والكسائي، والثاني: من باب التفعيل من التبشير، والبشير هو الذي يخبر المرء بما يسره من خير ولا يستعمل في الشر إلاَّ تهكماً. وجِيهاً شَرِيفاً فسر وجيهاً الذي في قوله تعالى: ﴿وجيهاً في الدنيا والآخرة﴾ [آل عمران: ٤٥]. بقوله: شريفاً، وقد مر تفسيره عن قريب، وانتصابه على الحال. وقال إبْرَاهِيمُ المَسيحُ الصِّدِيقُ أي: قال إبراهيم النخعي المسيح الصديق، وكذا فسره سفيان الثوري بإسناده إلى إبراهيم، وفيه معان أخر نذكرها الآن، فإن قلت: الدجال أيضاً سمي بالمسيح؟ قلت: أما معناه في عيسى، عليه الصلاة والسلام، ففيه أقوال تبلغ ثلاثة وعشرين قولاً ذكرناها في كتابنا(زين المجالس). منها: ما قيل إن أصله المسيح على وزن مفعل، فأسكنت الياء ونقلت حركتها إلى السين طلباً للخفة، وعن ابن عباس: كان لا يمسح ذا عاهة إلاَّ برىء ولا ميتاً إلاَّ حيى، وعنه: لأنه كان أمسح الرجل ليس لها أخمص، والأخمص من لا يمس الأرض من باطن الرجل، وعن أبي عبيدة: أظن أن هذه الكلمة: مشيخاً، بالشين المعجمة فعربت، وكذا تنطق به اليهود، وقيل: لأنه خرج من بطن أمه كأنه ممسوح بالدهن، وقيل: لأن زكريا، عليه الصلاة والسلام، مسحه. وقيل: لحسن وجهه إذ المسيح في اللغة جميل الوجه، لأنه كان يمسح الأرض لأنه قد يكون تارة في البلدان وتارة في المفاوز والفلوات، وقال الداودي: لأنه كان يلبس المسوح. وأما معناه في الدجال، فقيل: لأنه كان يمسح الأرض أي يقطعها. فإن قلت: قد ذكرت هذا المعنى في عيسى، عليه الصلاة والسلام؟. قلت: إنه كان في هذا الوجه اشتراك بحسب الظاهر لأن المسيح في عيسى بمعنى الممسوح عن الآثام وعن كل شيء فيه قبح، فعيل بمعنى مفعول، وفي الدجال: فعيل بمعنى فاعل، لأنه يمسح الأرض، وقيل: لأنه لا عين له ولا حاجب، وقال ابن فارس: مسيح أحد شقي وجهه ممسوح لا عين له ولا حاجب، فلذلك سمي به. وقيل: المسيح الكذاب وهو مختص به لأنه أكذب البشر، فلذلك خصه الله بالشوه والعور، وقيل: المسيح المارد الخبيث وهو أيضاً مختص به بهذا المعنى، ويقال فيه: مسيخ، بالخاء المعجمة لأنه مشوه مثل الممسوخ، ويقال فيه: مسيح - بكسر ٣٦ ٦٠ - كِتَابُ أَحَادِيثِ الأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ / باب (٤٨) الميم وتشديد السين - للفرق بينه وبين المسيح ابن مريم، عليه الصلاة والسلام. وقالَ مُجَاهِدٌ الْكَهْلُ الحَلِيمُ كذا قاله مجاهد في قوله: ﴿وكهلاً ومن الصالحين﴾ [آل عمران: ٤٦]. وقال أبو جعفر النحاس: هذا لا يعرف في اللغة، وإنما الكهل عندهم من ناهز الأربعين أو قاربها، وقيل: من جاوز الثلاثين، وقيل: الكهل ابن ثلاث وثلاثين. والأكْمَهُ مَنْ يُنِصِرُ بِالنَّهَارِ ولاَ يُتْصِرُ بِاللَّيْلِ أشار به إلى ما في قوله تعالى حكاية عن عيسى، عليه الصلاة والسلام: ﴿وأبرىء الأكمه والأبرص وأحيى الموتى بإذن الله﴾ [آل عمران: ٤٩]. وقيل بعكسه، وقيل: هو الأعشى، وقيل: الأعمش. وقال غَيْرُهُ مَنْ يُولَّدُ أعمى أي: قال غير مجاهد: الأكمه هو الذي يولد أعمى، وهو الأشبه لأنه أبلغ في المعجزة وأقوى في التحدي. ٣٤٣٣/٩٢ - حدَّثنا آدَمُ حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ عَمْرِو بنِ مُرَّةَ قال سَمِعْتُ مُرَّةَ الهَمْدَانِيَّ يُحَدِّثُ عنْ أَبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ رضي الله تعالى عنهُ قال قال النَّبِيُّ عَّهِ فَضْلُ عَائِشَةً عَلَىِ النِّساءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلى سَائِرِ الطَّعَامِ كَمَلْ مِنَ الرِّجالِ كَثِيرٌ وَلَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّسَاءِ إلاَّ مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ وَآسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ. [انظر الحديث ٣٤١١ وطرفيه]. مضى هذا الحديث عن قريب في: باب قول الله تعالى: ﴿وضرب الله مثلاً للذين آمنوا﴾ [التحريم: ١١]. فإنه أخرجه هناك عن يحيى بن جعفر عن وكيع عن شعبة ... إلى آخره. ... / ٣٤٣٤ _ وقالَ ابْنُ وَهْبٍ أُخْبَرَني يُونُسُ عنِ ابنِ شِهَابٍ قال حدَّثَنِي سَعِيدُ بنُ المُسَيَّبِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ قال سَمِعْتُ رَسُولَ الله عَّهِ يَقُولُ نِساءُ قُرَيْشٍ خَيْرُ نِساءٍ رَكِبْنَ الإِبِلَ أخْنَاهُ عَلَى طِفْلٍ وأزعاهُ عِلَى زَوْجِ في ذَاتِ يَدِهِ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ علَى إِثْرِ ذُلِكَ ولَمْ تَوْكَبْ مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ بَعِيراً قَطُ. [الحديث ٣٤٣٤ - طرفاه في: ٥٠٨٢، ٥٣٦٥]. مطابقته للترجمة في قوله: ((ولم تركب مريم بنت عمران)). وابن وهب هو عبد الله ابن وهب المصري، ويونس هو ابن يزيد الأيلي، وابن شهاب هو محمد بن مسلم الزهري، وهذا التعليق وصله مسلم عن حرملة عن ابن وهب إلى آخره. قوله: ((نساء قريش)) كلام إضافي مبتدأ، وقوله: ((خير نساء ركبن الإبل)) خبره، وهو كناية عن نساء العرب. قوله: ((أحناه على طفل)) يعني: أشفقه وأعطفه، وكان القياس أن يقال: أحناهن، لكن قالوا: العرب لا تتكلم في مثله إلاَّ مفرداً. وقال ابن الأثير: إنما وحد ٣٧ ٦٠ - كِتابُ أَحَادِيثِ الأنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ / باب (٤٩) الضمير ذهاباً إلى المعنى تقديره: أحنى من وجد أو خلق أو من هناك، ومثله قوله: أحسن الناس وجهاً وأحسنه خلقاً، يريد: أحسنهم خلقاً، وهو كثير في العربية، ومن أفصح الكلام: وأحنى على وزن أفعل التفضيل من: حنى يحنو، أو حتى يحني، ومنه الحانية، وهي التي تقيم على ولدها ولا تتزوج شفقة وعطفاً، ويقال: حنت المرأة على ولدها تحنو: إذا لم تتزوج بعد أبيهم. وفي (التوضيح): وفي بعض الكتب: أحناه، بتشديد النون، وقال ابن التين: ولعله مأخوذ من الحنان وهو الرحمة، ومنه: حنين المرأة وهو نزاعها إلى ولدها وإن لم يكن لها صوت عند ذلك، وقد يكون حنينها صوتها، على ما جاء في الحديث من حنين الجذع، والأصل فيه ترجيع الناقة صوتها على إثر ولدها. قوله: ((وأرعاه)) كذلك، أفعل التفضيل من رعى يرعى رعاية، والكلام فيه مثل الكلام في: أحناه. قوله: ((في ذات يده))، أي: في ماله المضاف إليه. وفيه: فضيلة نساء قريش، وفضل هذه الخصال وهي: الحنو على الأولاد والشفقة عليهم وحسن تربيتهم ومراعاة حق الزوج في ماله وحفظه والأمانة فيه وحسن تدبيره في النفقة. قوله: ((على إثر ذلك)) أي: على عقبه: ((ولم تركب مريم بنت عمران بعيراً قط)) يريد به: أن مريم لم تدخل في النساء المذكورات بما ذكرن، لأنه قيده بركوب الإبل ومريم لم تكن ممن يركب الإبل. وقال صاحب (التوضيح): يؤخذ من قول أبي هريرة هذا، ومِنْ ذكر البخاري له في قصة مريم، تفضيلها على خديجة وفاطمة لأنهما من العرب المخصوصين بركوب الإبل. تابَعَهُ ابنُ أَخِي الزُّهْرِيِّ وإِسْحَاقُ الْكَلْبِيُّ عنِ الزُّهْرِيّ أي: تابع يونس ابن أخي الزهري هو أبو عبد الله بن محمد بن عبد الله بن مسلم بن عبيد الله الزهري القرشي المدني ابن أخي محمد بن مسلم الزهري، قال الواقدي: قتله غلمانه بأمر ابنه، وكان سفيهاً شاطراً للميراث في آخر خلافة أبي جعفر، فوثب غلمانه بعد سنين فقتلوه أيضاً. قوله: ((وإسحاق))، أي: وتابعه أيضاً إسحاق بن يحيى الكلبي الحمصي، روى له البخاري مستشهداً في مواضع، أما متابعة ابن أخي الزهري فوصلها أبو أحمد بن عدي في (الكامل) من طريق الدراوردي عنه. ٤٩ - بابُ قَوْلِ الله تعالى ﴿يا أهْلَ الكِتَابِ لا تَغْلُوا في دِينِكُمْ ولا تَقُولُوا عَلَى الله إلاَّ الحَقَّ إنََّا المَسِيحُ عِيسى بنُ مَرْيَمَ رسُولُ الله وِكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إلى مرَمَ ورُوحٌ مِنْهُ فَآمَنُوا بالله ورُسُلِهِ ولاَ تَقُولُوا ثَلاَثَةٌ انْتَهُوا خَيْرَاً لَكُمْ إِنَّمَا الله إلهٌ واحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ ولَدّ لَهُ ما في السَّمْوَاتِ وما في الأرْضِ وكَفْى بالله وَكِيلاً﴾ [النساء: ١٧١]. أي: هذا باب في بيان قول الله تعالى: ﴿يا أهل الكتاب ... ﴾ إلى آخره. وقال عياض: وقع في رواية الأصيلي: ﴿قل يا أهل الكتاب﴾ ولغيره بحذف: قل، وهو الصواب قلت: نعم، الصواب حذف قل، هنا لأن القراءة قرئت بلفظ: قل، في الآية الأخرى أعني في سورة المائدة: ﴿قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق﴾ [المائدة: ٧٧]. الآية، وهنا من ٣٨ ٦٠ - كِتَابُ أَحَادِيثِ الأنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ / باب (٤٩) سورة النساء، وليس فيه لفظ. قل: قوله: ((لا تغلوا)) من الغلو وهو الإفراط ومجاوزة الحد، ومنه: غلا السعر، وغلو النصارى قول بعضهم في عيسى: هو الله، وهم اليعقوبية أو: ابن الله، وهم النسطورية، أو ثالث ثلاثة وهم المرقوسية، وغلو اليهود فيه قولهم: إنه ليس برشيد. قوله: ((ولا تقولوا على الله إلا الحق)» أي إلاَّ القول الحق، أي: لا تفتروا عليه وتجعلوا له صاحبة وولداً، ثم أخبر عن عيسى، عليه الصلاة والسلام، فقال: ﴿إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله﴾ فكيف يكون إلهاً؟ قوله: ((المسيح))، مبتدأ، و: ((عيسى)) بدل منه أو عطف بيان ((ورسول الله)) خبره. و((كلمته)) عطف عليه. قوله: ((ألقاها)) في موضع الحال. قوله: ((وروح منه)) أي: عبد من عباد الله وخلق من خلقه، قال له: كن فكان، ورسول من رسله وأضيف الروح إليه على وجه التشريف، كما أضيفت الناقة والبيت إلى الله. قوله: ((فآمنوا بالله ورسله)) أي: آمنوا بهم جميعاً ولا تجعلوا عيسى إلهاً ولا إبناً ولا ثالث ثلاثة. قوله: ((انتهوا)) أي: عن هذه المقالة الفاحشة. قوله: ((خيراً لكم))، أي: اقصدوا خيراً لكم. قوله: ((وكفى بالله وكيلاً)) أي: مفوضاً إليه القيام بتدبير العالم. قال أبُو عُبَيْدٍ كَلِمَتُهُ كُنْ فَكانَ أبو عبيدة هو القاسم بن سلام أراد أن أبا عبيد فسر قوله: وكلمته، بقوله: كن فكان، وعن قتادة مثله رواه عبد الرزاق عن معمر عنه. قم وقال غيْرُهُ ورُوحٌ مِنْهُ أَحْيَاهُ فَجَعَلَهُ رُوحاً أي: وقال غير أبي عبيد: الظاهر أنه أبو عبيدة معمر بن المثنى، يعني: معنى (وروح منه) أحياه فجعله روحاً، وقال مجاهد: وروح منه: أي رسول منه، وقيل: محبة منه. ولاَ تَقُولُوا ثَلاثَةٌ أي: ولا تقولوا في حق الله وعيسى وأمه ثلاثة آلهة، بل الله، إله واحد منزه عن الولد والصاحبة، وعيسى وأمه مخلوقان مربوبان. ٩٣ / ٣٤٣٥ - حدّثنا صَدَقَةُ بنُ الفَضْلِ حدَّثْنَا الوَلِيدُ عنِ الأوْزَاعِيِّ قالَ حدَّثْنِي عُمَيْرُ ابنُّ هانِىء قال حدَّثني جُنَادَةُ بنُ أَبِي أَمَّةَ عنْ عُبَادَةَ رضي الله تعالى عنهُ عنِ النَّبِيِّ عَ لِ قال مَنْ شَهِدَ أن لا إله إلاَّ الله وحدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ وأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ ورَسُولُهُ وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ الله ورسُولُهُ وكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إلى مَرْتَمَ ورُوحٌ مِنْهُ والجَنَّةُ حَقٌّ أَدْخَلَهُ اللهِ الجَنَّةَ عَلَى ما كانَ مِنَ العَمَلِ. مطابقته للترجمة ظاهرة. والوليد هو ابن مسلم الدمشقي، والأوزاعي هو عبد الرحمن ابن عمرو. والحديث أخرجه مسلم في الإيمان عن داود بن رشيد عن الوليد وعن أحمد بن إبراهيم، وأخرجه النسائي في التفسير وفي اليوم والليلة عن محمود بن خالد وفي اليوم والليلة ٣٩ ٦٠ - كِتَابُ أَحَادِيثِ الأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ / باب (٥٠) عن عمر بن عبد الواحد وعن عمرو بن منصور. قوله: ((عن عبادة))، وفي رواية ابن المديني: حدثني عبادة، وفي رواية مسلم: عن جنادة حدثنا عبادة. قوله: ((أدخله الله الجنة))، جواب: من، وظاهره يقتضي دخوله من أي باب شاء من أبواب الجنة. فإن قلت: قد مضى حديث أبي هريرة في بدء الخلق: أن لكل داخل الجنة باباً معيناً يدخل منه. قلت: إنه في الأصل مخير بظاهر حديث الباب، ولكنه يرى أن الذي يختص به أفضل في حقه فيختاره فيدخله مختاراً لا مجبوراً ولا ممنوعاً من الدخول من غيره، وقال القرطبي: المقصود من هذا الحديث التنبيه على ما وقع من النصارى من الضلال والفساد في عيسى وأمه، عليهما الصلاة والسلام. قال الوَلِيدُ حدَّثني ابنُ جَابِرٍ عنْ عُمَيْرٍ عنْ جُنادَةَ وزَادَ مِنَ أبْوابِ الجَنَّةِ الثَّمَانِيَةِ أيُّها شاءَ الوليد هو ابن مسلم المذكور، وهو موصول بالإسناد المذكور وابن جابر هو عبد الرحمن بن يزيد بن جابر الأزدي أخو يزيد بن يزيد، مات سنة ثلاث وخمسين ومائة. وعمير هو ابن هانىء المذكور، وبهذه الزيادة أخرجه مسلم، ولفظه: أدخله الله تعالى من أي أبواب الجنة الثمانية شاء. ٥٠ - بابُ قَوْلِ الله تعالى ﴿وَاذْكْز فِي الكِتَابِ مَرْيَمَ إذْ انْتَبَدَتْ مِنْ أَهْلِهَا﴾ [ مريم: ١٦]. أي: هذا باب في بيان حال مريم، عليها الصلاة والسلام، في قوله تعالى: ﴿واذكر في الكتاب مريم ... ﴾ [مريم: ١٦]. الآية، وهذه الترجمة بعينها قد تقدمت قبل هذا الباب ببابين، ومضى الكلام فيها. نِبَذْنَاهُ أَلْقَيْنَاهُ اعْتَزَلَتْ شَرْقِيَّاً مِمَّا يَلِي الشَّرْقَ لفظ: نبذناه، في قصة يونس، وهو قوله تعالى: ﴿فنبذناه بالعراء وهو ستيمٍ﴾ [الصافات: ١٤٥]. وروى الطبري من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، رضي الله تعالى عنهما، في قوله تعالى: ﴿فنبذناه﴾ قال: ألقيناه، وليس لذكره ههنا مناسبة، لأن المذكور في قصة مريم، عليها الصلاة والسلام، لفظ: انتبذت، ومعنى: انتبذت، غير معنى: فنبذناه، على ما لا يخفى، وأشار إلى معنى: انتبذت، بقوله: ((فاعتزلت شرقياً مما يلي الشرق)) أي: اعتزلت وانفردت وتخلت للعبادة في مكان شرقي مما يلي شرقي بيت المقدس، أو مكان شرقي من دارها، وقد مر هذا التفسير عن قريب. فأجاءَهَا أفْعَلْتُ مِنْ جِئْتُ يُقَالُ الْجَأَهَا اضْطَرَّهَا أشار به إلى ما في قوله تعالى: ﴿فإجاءها المخاض إلى جذع النخلة﴾ [مريم: ٢٣]. وأشار بقوله: أفعلت من جئت، إلى أن لفظ أجاء، مزيد: جاء، تقول: جيّ إذا أخبرت عن ٤٠ ٦٠ - كِتابُ أَحَادِيثِ الأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلاَمُ / باب (٥٠) نفسك، ثم إذا أردت أن تعدي به إلى غيرك تقول: أجأت زيداً، وهنا كذلك بالتعدية لأن الضمير في أجاءها يرجع إلى مريم، وفاعل: أجاء، هو قوله: المخاض، أي: الطلق، إلى جذع النخلة أي: ساقها وكانت نخلة يابسة في الصحراء ليس لها رأس ولا ثمر ولا خضرة، وقصتها مشهورة. قوله: ((ويقال ألجأها: اضطرها)) إشارة إلى أن بعضهم قال: إن معنى فأجاءها ألجأها، يعني: ألجأها المخاض إلى جذع النخلة، وقال الزمخشري: إن أجاء، منقول من: جاء، إلاَّ أن استعماله تغير بعد النقل إلى معنى الإلجاء. تَسَاقَطُ تَسْقُطُ أشار به إلى ما في قوله تعالى: ﴿وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطباً جنياً﴾ [مريم: ٢٥]. وفسر: تساقط، بقوله: تسقط، قرأ حمزة بفتح التاء وتخفيف السين، وقرأ حفص عن عاصم بضم التاء وكسر القاف، وقرأ الباقون بتشديد السين، أصله: تتساقط، أدغمت التاء في السين. قوله: ((رطباً)، تمييز جنياً غضاً طرياً. قَصِيَاً قاصياً أشار به إلى ما في قوله تعالى: ﴿فحملته فانتبذت به مكاناً قصياً﴾ [مريم: ٢٢]. وفسر قصياً بقوله: قاصياً. وهكذا فسره مجاهد، وقال أبو عبيدة: قصياً أي بعيداً. قال ابن عباس: أقصى وادي بيت لحم فراراً من قومها أن يعيروا ولادتها من غير زوج، وقرأ ابن مسعود وابن أبي عبلة: قاصياً. وقال الفراء: القاصي والقصي بمعنى. قلت: أصله من القصو وهو البعد، والأقصى الأبعد. فَرِياً عَظِيمَاً أشار به إلى ما في قوله تعالى: ﴿قالوا يا مريم لقد جئت شيئاً فرياً﴾ [مريم: ٢٧]. وفسر: فريا، بقوله: عظيماً، وفي (تفسير النسفي): لقد جئت شيئاً فرياً بديعاً، وقال أبو عبيدة: كل فائق من عجب أو عمل فهو فري وقيل: الفرى، من الولد من الزنا كالشيء المفترى، وقال قطرب: الفرى الجلد الجديد من الأسقية، أي: جئت بأمر عجيب أو أمر جديد لم تسبقي إليه. قال ابنُ عَبَّاسٍ نِسياً لَمْ أَكُنْ شَيْئاً وقال غَيْرُهُ النُّسْيُ الحَقِيرُ أشار به إلى ما في قوله تعالى حكاية عن مريم: ﴿قالت يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسياً منسياً﴾ [مريم: ٢٣]. وفسر ابن عباس قوله: نسياً، بقوله: لم أكن شيئاً، وروى الطبري من طريق ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس، في قوله: ((نسياً منسياً))، أي: لم أخلق ولم أك شيئاً. قوله: ((وقال غيره)) أي: غير ابن عباس: النسي، الحقير، وهو قول السدي، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر الكسائي وأبو بكر عن عاصم: نسياً، بكسر النون، وقرأ حمزة وحفص عن عاصم بفتح النون وهما لغتان، وقال أبو علي الفارسي: الكسر أعلى اللغتين، وقال