Indexed OCR Text

Pages 401-420

٤٠١
٥٣ - كِتَابُ الصُّلْحِ / باب (٩)
القصاص والدية إلى مستحقه لا إلى المستحق عليه.
٩ - بابُ قَوْلِ النَّبِيِّ عَّهِ لِلْحَسَنِ بنِ عَلِيّ رضي الله تعالى عنهما ابني هذَا
سَيِّدٍ وَلَعَلَّ الله أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ
أي: هذا باب في ذكر قول النبي، عَّه للحسن بن علي بن أبي طالب، رضي الله
تعالى عنهما إلى آخره، قوله: ((ابني هذا)) جملة إسمية. لأن قوله: ابني، خبر عن قوله: هذا،
قوله: ((سيد))، خبر بعد خبر، والسيد الرئيس، قال كراع: وجمعه سادة، قيل: سادة جمع:
سائد، وهو من السؤدد، وهو الشرف، وقال ابن سيده: وقد يهمز السؤدد وتضم، وقد سادهم
سوداً وسؤدداً وسيادة وسيدودة، واستادهم كسادهم، وسوده هو، وذكر الزبيدي في كتابه
(طبقات النحويين): أن أبا محمد الأعرابي قال لإبراهيم بن الحجاج الثائر بأشبيلية: بالله أيها
الأمير ما سيّدتْكَ العرب إلاَّ بحقك، يقولها بالياء، فلما أنكر عليه، قال: السواد السخام، وأصر
على أن الصواب معه، ومالأه على ذلك الأمير لعظم منزلته في العلم. وقيل: اشتقاق السيد
من السواد، أي: الذي يلي السواد العظيم من الناس. قوله: ((ولعل الله))، استعمل: لعل،
استعمال: عسى، لاشتراكهما في الرجاء. قوله: ((فئتين عظيمتين)) ووصفهما بالعظيمتين لأن
المسلمين كانوا يومئذ فرقتين: فرقة مع الحسن، رضي الله تعالى عنه، وفرقة مع معاوية، وهذه
معجزة عظيمة من النبي، عَّله، حيث أخبر بهذا فوقع مثل ما أخبر.
وأصل القضية أن علي بن أبي طالب، لما ضربه عبد الرحمن بن ملجم المرادي يوم
الجمعة لثلاث عشرة بقيت من رمضان من سنة أربعين من الهجرة، قاله ابن الجوزي. وقال
ابن الهيثم: ضربه في ليلة سبعة وعشرين من رمضان، وقال أبو اليقظان: في الليلة السابعة
عشر من رمضان، وقال الحسن: كانت ليلة القدر، الليلة التي عرج فيها بعيسى، عليه الصلاة
والسلام، ونبىء فيها رسول الله، عٍَّ، ومات فيها موسى ويوشع بن نون، عليهما السلام،
مكث يوم الجمعة وليلة السبت وتوفي ليلة الأحد لإحدى عشرة ليلة بقيت من رمضان سنة
أربعين من الهجرة، وبويع لابنه الحسن بالخلافة في شهر رمضان من هذه السنة، فقيل: في
اليوم الذي استشهد فيه علي، قاله الواقدي، وقيل: في الليلة التي دفن فيها، وقيل: بعد وفاته
بيومين، وقال هشام: وأقام الحسن أياماً مفكراً في أمره ثم رأى اختلاف الناس فرقة من جهته
وفرقة من جهة معاوية، ولا يستقيم الأمر، ورأى النظر في إصلاح المسلمين وحقن دمائهم
أولى من النظر في حقه، سلَّم الخلافة لمعاوية في الخامس من ربيع الأول من سنة إحدى
وأربعين، وقيل: من ربيع الآخر، وقيل: في غرة جمادي الأولى، وكانت خلافته ستة أشهر إلاَّ
أياماً. وسمي هذا العام عام الجماعة. وهذا الذي أخبر به النبي، عَّله: ((لعل الله أن يصلح به
بين فئتين عظيمتين)).
وقَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْتَهُمَا﴾ [الحجرات: ٩].

٤٠٢
٥٣ - كِتَابُ الصَّلْحِ / باب (٩)
وقوله، بالجر عطفاً على قوله: قول النبي عَّله، وأشار بذكر هذه القطعة من الآية
الكريمة: ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما﴾ [الحجرات: ٩]. إلى أن الصلح
أمر مشروع ومندوب إليه.
٢٧٠٤/١٣ - حدّثنا عبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ قال حدَّثنا سُفْيَانُ عنْ أَبِي مُوسَى قال
سَمِعْتُ الحسَنَ يَقُولُ اسْتَقْبَلَ واللهِ الحَسَنُ بنُ عِلِيّ مُعاوِيَةَ بِكَتائِبَ أَمْثَالِ الجبالِ فقال عَمْرُو
بنُ العَاصِ إنّى لأرى كَتَائِبَ لاَ تولّي حتَّى تَقْتُلَ أقْرَانَها فقال لَهُ مُعَاوِيَّةُ وكانَ والله خَيْرُ
الرُّجُلَيْنِ أَيْ عَمْرُو إِنْ قَتَلَ هَؤُلاءِ هَؤُلاءِ وهَؤلاءِ هؤُلاءِ مَن ◌ِي بِأَمُورِ النَّاسِ مَنْ لِي بِنِسائِهِمْ منْ
لي بِضَيْعَتِهِمْ فَبَعَثَ إِلَيْهِ رَجُلَيْنِ مِنْ قُرَيْشٍ مِن بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ عَبْدَ الرَّحْمنِ بنَ سَمُرَةَ وَعَبْدَ
اللهِ بنَ عامِرٍ بنٍ كَرَيْز فقال اذْهَبًا إلَى هَذَا الرَّجُلِ فاعْرِضَا عَلَيْهِ وَقُولاَ لَهُ واطْلُبَا إِلَيْهِ فأتياهُ
فَدَخَلا عَلَيْهِ فَتَكَلَّمَا وقالا لَهُ فَطَلَبَا إِلَيْهِ فقال لَهُمَا الحَسَنُ بنُ عَلِيّ إِنَّا بَثُو عَبْدِ المُطَّلِبِ قدْ
أصَبْنَا مِنَ المَالِ وإِنَّ هذِهِ الأمَّةَ قدْ عائَتْ في دِمائِهَا قالا فإنَّهُ يَعْرِضُ عَلَيْكَ كذَا وكَذَا
ويَطْلُبُ إِلَيْكَ ويَسْألُكَ قال فَمَنْ لِي بِهَذا قالا نَحْنُ لكَ بِهِ فَمَا سَأَلَهُما شَيْئاً إلاَّ قالاَ نَحْنُ
لَكَ بِهِ فصَالَحَهُ فقال الحَسنُ ولَقَدْ سَمِعْتُ أَبًا بَكْرَةَ يَقُولُ رأيْتُ رسولَ اللهِ، عَّلِ عَلى المِنْبَرِ
والحَسَنُ بنُ عَلِيّ إلى جنْبِهِ وهُوَ يُقْبِلُ عَلى النَّاسِ مَرَّةً وَعَلَيْهِ أُخْرَى ويَقُول إنَّ ابْنِي هَذا سَيِّدٌ
ولَعلَّ اللهَ أنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ. اللحديث ٢٧٠٤ - أطرافه في:
٣٦٢٩، ٣٧٤٦، ٧١٠٩].
مطابقته للترجمة ظاهرة لأنها مأخوذة من الحديث، وعبد الله بن محمد بن عبد الله
أبو جعفر البخاري المعروف بالمسندي وسفيان هو ابن عيينة، وأبو موسى هو إسرائيل بن
موسى البصري، نزل الهند، والحسن هو البصري.
والحديث أخرجه البخاري أيضاً في فضل الحسن، رضي الله تعالى عنه عن صدقة بن
الفضل وفي الفتن عن علي بن عبد الله وفي علامات النبوة عن عبد الله بن محمد، وأخرجه
أبو داود في السنة عن مسدد ومسلم بن إبراهيم وعن محمد بن المثنى. وأخرجه الترمذي في
المناقب عن بندار. وأخرجه النسائي فيه عن أبي قدامة السرخسي وفي الصلاة عن محمد بن
منصور وفي اليوم والليلة عن قتيبة بن سعيد وعن محمد بن عبد الأعلى وعن أحمد بن
سليمان مرسل.
ذكر معناه: قوله: ((الحسن بن علي)) فاعل قوله: استقبل، ولفظة: والله، معترضة
بينهما، ومعاوية، بالنصب مفعوله. قوله: ((بكتائب)) جمع كتيبة، وهي: الجيش، ويقال: الكتبية
ما جمع بعضها إلى بعض، ومنه قيل للقطعة المجتمعة من الجيش: كتيبة، قال الداودي:
سميت بذلك لأنه كتب اسم كل طائفة من كتاب فلزمها هذا الإسم. قوله: ((أمثال الجبال))
أي: لا يرى لها طرف لكثرتها، كما لا يرى من قابل الجبل طرفيه، وكانت ملاقاة الحسن
مع معاوية بمنزلة من أرض الكوفة، وكان الحسن لما مات علي رضي الله تعالى عنه، بايعه

٤٠٣
٥٣ - كِتَابُ الصَّلْحِ / باب (٩)
أهل الكوفة، وبايع أهل الشام معاوية، فالتقيا في الموضع المذكور، وبعد كلام طويل
ومحاورات جرت بينهما سلم الحسن الأمر إلى معاوية وصالحه وبايعه على الأمر والطاعة
على إقامة كتاب الله وسنة نبيه عَ لّه، ثم رحل الحسن إلى الكوفة فأخذ معاوية البيعة لنفسه
على أهل العراقين، فكانت تلك السنة سنة الجماعة لاجتماع الناس واتفاقهم، وانقطاع
الحرب، وبايع معاوية كل من كان معتزلاً عنه، وبايعه سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمر
ومحمد بن مسلمة، وتباشر الناس بذلك، وأجاز معاوية الحسن بن علي بثلاثمائة ألف وألف
ثوب وثلاثين عبداً، ومائة جمل، ثم انصرف الحسن إلى المدينة وولى معاوية الكوفةَ المغيرة
ابن شعبة، وولى البصرة عبد الله بن عامر، وانصرف إلى دمشق واتخذها دار مملكته.
قوله: ((فقال عمرو بن العاص: إني لأرى كتائب لا تولي))، أراد عمرو بهذا الكلام
تحريض معاوية على القتال مع الحسن، رضي الله تعالى عنه، و: لا تولي، من التولية، وهي
الإدبار أي: إن تولت بغير حملة غلبت لكثرتها. قوله: ((أقرانها))، بفتح الهمزة جمع: قرن،
بكسر القاف وهو الكفؤ والنظير في الشجاعة والحرب. قوله: ((فقال له معاوية)) أي: قال
لعمرو بن العاص معاوية جواباً عن قوله: ((إنى لأرى كتائب ... )) إلى آخره. قوله: ((أي عمرو!))
مقول قول معاوية، أي: يا عمرو ((وإن قتل هؤلاء هؤلاء ... )) إلى آخره. قوله: ((وكان والله خير
الرجلين))، من كلام الحسن البصري، وقع معترضاً بين قوله: ((قال له معاوية))، وبين قوله:
((أي عمرو)).
وقوله: ((والله أيضاً)) معترض بين: كان وخبره، وأراد بالرجلين: معاوية وعمراً، وأراد
بخيرهما معاوية، وإنما قال ذلك لأنه كان يعلم أن خلاف عمرو على الحسن بن علي كان
أشد من خلاف معاوية إياه، لأنه كان يحرض معاوية على القتال معه ومعاوية كان يتوقع
الصلح ويريد أن يرد الحسن بدون القتال، وأنه يبايعه ويأخذ منه ما يريده، ويذهب إلى
المدينة وهكذا وقع في آخر الأمر. وإثبات الحسن البصري الخيرية، لمعاوية بالنسبة إلى عمرو
لا بالنسبة إلى غيره، لأنه لم يشك هو ولا غيره أن الحسن بن علي كان خير الناس كلهم في
ذلك الزمان. قوله: ((إن قتل هؤلاء هؤلاء))، أي: إن قتل عسكر الحسن عسكرنا أو عسكرنا
عسكره، فهؤلاء الأول في محل الرفع على الفاعلية، والثاني النصب على المفعولية في
الموضعين. قوله: ((من لي؟)) جواب الشرط، أعني. قوله: ((إن قتل))، أي: من يتكفل لي بأمور
الناس؟ يعني: على كلا التقديرين أنا المطالب عند الله، فإذا وقع الصلح فأكون أنا أول من
يسلم في الدنيا والآخرة، وهذا يدل على نظر معاوية في العواقب ورغبته في دفع الحرب.
قوله: ((من لي بضيعتهم))، هكذا هو في كثير من النسخ، والضيعة، بفتح الضاد المعجمة
وسكون الياء آخر الحروف وبالعين المهملة: والمراد به ههنا: العقار، ويروى: ((بصبيتهم)،
وعلى هذه الرواية فسرها الكرماني بقوله: ((والصبية»، المراد بها الأطفال والضعفاء لأنهم لو
تركوا بحالهم لضاعوا لعدم استقلالهم بالمعاش.
قوله: ((عبد الرحمن بن سمرة بن حبيب))، ضد العدو - ابن عبد شمس القرشي -

٤٠٤
٥٣ - كِتَابُ الصَّلْحِ / باب (٩)
أسلم يوم الفتح، وهو الذي فتح سجستان ومات بالبصرة أو بمرو سنة إحدى وخمسين، وعبد
الله بن عامر بن كريز، بضم الكاف وفتح الراء وسكون الياء آخر الحروف وبالزاي، مات
رسول الله، عٍَّ، وهو ابن ثلاث عشرة سنة، وقد افتتح خراسان وأصبهان وكرمان، وقتل
كسرى في ولايته، وقيل: أحرم من نيسابور شكراً لله تعالى، ومات سنة تسع وخمسين. قوله:
((واطلبا إليه))، أي: يكون مطلوبكما مفوضاً إليه وطلبكما منتهياً إليه، أي: التزما مطالبه. قوله:
((إنا بنو عبد المطلب قد أصبنا من هذا المال))، معناه إنا بنو عبد المطلب المجبولون على
الكرم والتوسع لمن حوالينا من الأهل والموالي، وقد أصبنا من هذا المال بالخلافة ما صارت
لنا به عادة إنفاق وأفضال على الأهل والحاشية، فإن تخليت من هذا الأمر قطعنا العادة، وإن
هذه الأمة قد عائت في دمائها، قتل بعضها بعضاً، فلا يكفون إلاَّ بالمال، فأراد أن يسكن
الفتنة ويفرق المال فيما لا يرضيه غير المال، فقال عبد الرحمن وعبد الله: نفرض لك من
المال في كل عام كذا، ومن الأقوات والثياب ما تحتاج إليه لكل ما ذكرت، فصالحاه على
ذلك، فقبل منهما لعلمه أن معاوية لا يخالفهما، واشترط شروطاً، وسلم الأمر إلى معاوية.
قوله: ((قالا: فإنه يعرض عليك)) أي: قال عبد الرحمن وعبد الله: فإن معاوية يعرض عليك.
قوله: ((قال: فمن لي بهذا؟)) أي: قال الحسن: فمن يكفل لي بالذي تذكرانه؟ ((قالا: نحن
لك به)) أي: نحن نكفل لك بالذي ذكرنا. قوله: ((فما سألهما شيئاً)) أي: فما سأل الحسن
عبد الرحمن وعبد الله شيئاً من الأشياء. ((إلاَّ قالا: نحن لك به)) أي: نحن نكفل لك به.
قوله: ((فصالحه)) أي: فلما فرغت هذه المحاورات بينهما وبين الحسن صالح الحسن
معاوية. قوله: ((فقال الحسن)) أي: الحسن البصري. قوله: ((أبا بكرة))، هو نفيع بن الحارث
الثقفي، والواو في قوله: ((والحسن)) وفي قوله: ((وهو يقبل)) للحال. قوله: ((فئتين))، تثنية فئة،
الفئة: الفرقة مأخوذة من: فأوت رأسه بالسيف، وفأيت: إذا شققته، وجمع الفئة فئات وفئون،
وقال ابن الأثير، رحمه الله تعالى: الفئة الجماعة من الناس في الأصل، والطائفة التي تقيم
وراء الجيش، فإن كان عليهم خوف أو هزيمة التجأوا إليهم، ومعنى: عظيمتين، قد مر في أول
الباب.
وفيه: فضيلة الحسن، رضي الله تعالى عنه، دعاه ورعه إلى ترك الملك والدنيا رغبة
فيما عند الله تعالى، ولم يكن ذلك لعلة ولا لذلة ولا لقلة، وقد بايعه على الموت أربعون
ألفاً، فصالحه رعاية لمصلحة دينه ومصلحة الأمة، وكفى به شرفاً وفضلاً، فلا أسيد ممن
سماه رسول الله، عٍَّ، سيداً. وفيه: أن قتال المسلم المسلم لا يخرجه عن الإسلام إذا كان
على تأويل. وقوله عَّ له: ((إذا التقى المسلمان بسيفهما فالقاتل والمقتول في النار))،
المراد به تأكيد الوعيد عليهم، وقال المهلب: الحديث يدل على أن السيادة إنما يستحقها من
ينتفع به الناس، لأنه، عَّه، علق السيادة بالإصلاح بين الناس.

٤٠٥
٦٠ - كِتابُ أحَادِيثِ الأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ / باب (٢٦)
٢٦ - بابُ قَوْلِ الله تعالَى ﴿وَوَاعَدْنا مُوسَى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتَمْناها بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ
أَزْبَعِينَ لَيْلَةً. وقال مُوسَى لِأَخِيهِ هُرُونَ أَخْلُفْنِي في قَوْمِي وأصْلِحِ وَلاَ تَتَّبِعِ سَبِيلَ
الْمُفْسِدين وِلَمَّا جاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قال رَب أُرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ
تَرَانِي وَلَكِنْ أَنْظُرْ إلى الجَبَلِ فإنِ اسْتَقَرَّ مكانَهُ فسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبَّهُ لِلْجَبَلِ
جعَلَهُ دَكّاً وخَرَّ مُوسَى صَعِقاً فَلَمَّا أَفَاقَ قال سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾
[الأعراف: ١٤٢ - ١٤٣].
ساق في رواية كريمة هاتين الآيتين بتمامهما. قوله: ((وواعدنا موسى ثلاثين ليلة))،
وروي أن موسى، عليه الصلاة والسلام، وعد بني إسرائيل وهو بمصر أن أهلك الله عدوهم
أتاهم بكتاب من عند الله فيه بيان ما يأتون وما يذرون، فلما هلك فرعون سأل موسى ربه
الكتاب فأمره بصوم ثلاثين يوماً وهو شهر ذي القعدة، فلما أتم الثلاثين أنكر خلوف فيه
فتسوك، فقالت الملائكة: كنا نشم من فيك رائحة المسك فأفسدتها بالسواك، فأمره الله أن
يزيد عليها عشرة أيام من ذي الحجة لذلك، وهو معنى قوله: وأتممناها بعشر، قوله: ((فتم
ميقات ربه أربعين ليلة)) وميقات ربه: ما وقت له من الوقت وضربه له، والفرق بين الميقات
والوقت، - وإن كانا من جنس واحد - أن الميقات ما قدر لعمل، والوقت قد لا يقدر لعمل.
قوله: ((أربعين ليلة)) نصب على الحال أي: تم بالغاً هذا العدد. قوله: ((هارون))، عطف بيان
لأخيه. قوله: ((اخلفني في قومي)، يعني: كن خليفة عني. قوله: ((وأصلح ولا تتبع سبيل
المفسدين)، يعني: إرفق بهم وأحسن إليهم، وهذا تنبيه وتذكير. وإلاّ فهارون، عليه السلام،
نبي شريف كريم على الله له وجاهة وجلالة. قوله: ((لميقاتنا)) أي: الوقت الذي وقتناه له
وحددناه. قوله: ((وكلمه ربه)) أي: من غير واسطة أخذه الشوق حتى ﴿قال: رب أرني أنظر
إليك﴾ فطلب الزيادة لما رأى من لطفه تعالى به. قوله: ((لن تراني))، يعني: أعطى جوابه
بقوله: لن تراني، يعني: في الدنيا، وقد أشكل حرف: لن، ههنا على كثير من الناس لأنها
موضوعة لنفي التأييد، فاستدل به المعتزلة على نفي الرؤية في الدنيا والآخرة، وهذا أضعف
الأقوال لأنه قد تواترت الأحاديث عن النبي عَ ليه، أن المؤمنين يرونه في دار الآخرة، وقيل:
إنها لنفي التأييد في الدنيا جمعاً بين هذه وبين الدليل القاطع على صحة الرؤية في الدار
الآخرة. قوله: ((فإن استقر)) أي: الجبل مكانه، وهو أعظم جبل لمدين، قاله الكلبي، يقال له:
زبير، والمعنى: إجعل بيني وبينك علماً هو أقوى منك، يعني: الجبل، فإن استقر مكانه
وسكن ولم يتضعضع فسوف تراني، وإن لم يستقر فلن تطيق «فلما تجلى ربه للجبل أشار
بإصبعه فجعله دكاً) وفي إسناده رجل لم يسم، وروى أيضاً عن أنس، قال: قرأ رسول الله،
عَ لِ: (((فلما تجلى ربه للجبل جعله دكاً) قال وضع الإبهام قريباً من طرف خنصره، قال:
فساخ الجبل، وهكذا في رواية أحمد. وقال السدي عن عكرمة عن ابن عباس: ما تجلى إلاّ
قدر الخنصر جعله دكاً، قال تراباً، وخر موسى صعقاً قال: مغشياً عليه، وقال قتادة: وقع ميتاً،
وقال سفيان الثوري: ساخ الجبل في الأرض حتى وقع في البحر فهو يذهب معه، وعن أبي
بكر الهذلي: جعله دكاً انعقد فدخل تحت الأرض فلا يظهر إلى يوم القيامة، وفي (تفسير ابن

٤٠٦
٦٠ - كِتَابُ أَحَادِيثِ الأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلاَمُ / باب (٢٦)
كثير). وجاء في بعض الأخبار أنه ساخ في الأرض فهو يهوي فيها إلى يوم القيامة، رواه ابن
مردويه، وقال ابن أبي حاتم بإسناده عن أبي مالك عن النبي عَّ له، قال: لما تجلى الله للجبل
طارت لعظمته ستة أجبل فوقعت ثلاثة بالمدينة وثلاثة بمكة، فالتي بالمدينة: أحد وورقان
ورضوى، ووقع بمكة حراء وثبير وثور، قال ابن كثير: هذا حديث غريب بل منكر، وقال ابن
أبي حاتم: ذكر عن عروة بن رويم، قال: كانت الجبال قبل أن يتجلى الله لموسى صماء
ملساء فلما تجلى تفطرت الجبال فصارت الشقوق والكهوف. قوله: ((فلما أفاق))، يعني: من
غشيته، وعلى قول مقاتل: ردت عليه روحه، قال: سبحانك تبت إليك، أي من الإقدام على
المسألة قبل الإذن، وقيل: المراد من التوبة الرجوع إلى الله تعالى لا عن ذنب سبق، وقيل:
إنما قال ذلك على جهة التسبيح، وهو عادة المؤمنين عند ظهور الآيات الدالة على عظم
قدرته. قوله: ((وأنا أول المؤمنين)) أي: بأنك لا ترى في الدنيا، وقيل: من بني إسرائيل،
وقيل: ممن يذم باستعظام سؤاله الرؤية.
يُقالُ دَكَّهُ زَلْزَلَهُ
ذكر هذا لقوله تعالى: ﴿جعله دكاً﴾، وفسره بقوله: زلزله، والدك مصدر جعل صفة،
يقال: ناقة دكاء، أي: ذاهبة السنام مستوٍ ظهرها.
فَدُكَّتَا فَدُكِكْنَ جَعَلَ الجِبَالَ كِالوَاحِدَةِ
أشار بقوله: ﴿فد كتا﴾ إلى ما في قوله تعالى ﴿وحملت الأرض والجبال فد كتا دكة
واحدة﴾ [الحاقة: ١٤]. وكان القياس أن يقال: فدككن، بالجمع لأن الجبال جمع والأرض
في حكم الجمع، ولكن جعل كل جمع منهما كواحدة، فلذلك قيل: دكتا بالتثنية.
كما قال الله عَزَّ وجَلَّ ﴿إِنَّ السَّمْوَاتِ والأَرْضَ كانَتَا رَتْقاً﴾ [الأنبياء: ٣٠]. ولَمْ يَقُلْ
كُنَّ رَتْقاً مُلْتَصِقَتَيْنِ
قال بعضهم: ذكر هذا استطراداً، إذ لا تعلق له بقصة موسى، عليه الصلاة والسلام.
قلت: ليس كذلك، بل ذكره تنظيراً لما قبله، ولهذا قال: بكاف التشبيه، أراد أن نظير: دكتا،
التي هي التثنية والقياس: دككن، كما ذكره من وجهه: ﴿كانت رتقاً﴾ [الأنبياء: ٣٠]، فإن
القياس أن يقال فيه: كن رتقاً، لأن السموات جمع والأرض في حكم الجمع، ولكنه جعل
كل واحد منهما كواحدة، فقيل: كانتا، بلفظ التثنية ولم يقل: كن، بلفظ الجمع. قوله:
((ملتصقتين))، حال من الضمير الذي في كانتا.
أُشْرِبُوا ثَوْبٌ مَشَرَّبٌ مَضْبوعٌ
أشار به إلى ما في قوله تعالى: ﴿وأشربوا في قلوبهم العجل﴾ [البقرة: ٩٣]. وأشار
بقوله: ثوب مشرب، أي: مصبوغ، إلى أن معنى أشربوا ليس من شرب الماء، بل معناه مثل
معنى قولهم: ثوب مشرب أي: مصبوغ، يعني: اختلط بقلبهم حب العجل كما يختلط الصبغ

٤٠٧
٦٠ - كِتَابُ أحَادِيثِ الأنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ / باب (٢٦)
بالثوب، ويجوز أن يكون المعنى: إن حب العجل حل محل الشراب في قلوبهم، وعلى كل
تقدر المراد المبالغة في حبهم العجل، وقوله: ﴿وأشربوا في قلوبهم العجل﴾ [البقرة: ٩٣].
فيه الحذف أي: حب العجل.
قال ابنُ عَبَّاسِ انْبَجَسَتْ انْفَجَرَتْ
أي: قال عبد الله بن عباس: معنى قوله تعالى: ﴿فانبجست منه اثنتا عشرة عينا﴾
[الأعراف: ١٦٠]. انفجرت وانشقت وقبله: ﴿وأوحينا إلى موسى إذ استسقاه قومه أن اضرب
بعصاك الحجر فانبجست﴾ [الأعراف: ١٦٠]. وفي سورة البقرة: ﴿وإذ استسقى موسى لقومه
فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجر منه اثنتا عشرة عيناً﴾ [البقرة: ٦٠]. والفاء فيه متعلقة
بمحذوف تقديره: فضرب فانبجست، فضرب فانفجرت، وهذه الفاء تسمى فاء الفصيحة لا
تقع إلاَّ في كلام بليغ.
وإِذْ نَتَقْنَا الجَبَلَ رَفَعْنا
أشار به إلى ما في قوله تعالى: ﴿وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظله﴾ [الأعراف: ١٧١].
الآية. وفسر: نتقنا، بقوله: رفعنا، ويقال: معناه قلعناه ورفعناه فوقهم، كما في قوله: ﴿ورفعنا
فوقهم الطور﴾ [النساء: ١٥٤]. كأنه ظلة، وهو كل ما أظلك من سقيفة أو سحاب. وقصته:
أن موسى، عليه الصلاة والسلام، لما رجع إلى قومه وقد أتاهم بالتوراة أبوا أن يقبلوها ويعملوا
بما فيها من الآصار والأثقال، وكانت شريعة ثقيلة، فأمر الله تعالى جبريل، عليه الصلاة
والسلام، قلع جبل قدر عسكرهم، وكان فرسخاً في فرسخ، ورفعه فوق رؤوسهم مقدار قامة
الرجل، وكانوا ستمائة ألف وقال لهم: إن لم تقبلوها إلاَّ ألقيت عليكم هذا الجبل. وعن ابن
عباس: رفع الله فوقهم الطور وبعث ناراً من قبل وجوههم وأتاهم البحر الملح من خلفهم.
٦٦ /٣٣٩٨ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ حدَّثنا سُفْيَانُ عنْ عَمْرِو بنٍ يَحيى عنْ أَبِيهِ
عنْ أبِي سَعِيدٍ رضي الله تعالى عنه عنِ النَّبِيِّ عَُّلِّ قال النَّاسُ يُصْعَقُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ فَأَكُونُ
أوَّلَ مِنْ يُفِيقُ فإذَا أَنَا بُوسَى آخِذٌ بِقَائِمَةٍ مِنْ قَوَائِمِ العَرْشِ فَلاَ أذْرِي أفاقَ قَبْلِي أُمْ جُوزِيَ
بِصَغْفَةِ الطّورِ. [انظر الحديث ٢٤١٢ وأطرافه].
مطابقته للترجمةا في قوله: ((فإذا أنا بموسى)).
ومحمد بن يوسف أبو أحمد البخاري البيكندي وهو من أفراده، وسفيان هو ابن عيينة،
وعمرو بن يحيى يروي عن أبيه يحيى بن عمارة بن أبي الحسن المازني الأنصاري وهو يروي
عن أبي سعيد الخدري، رضي الله تعالى عنه.
والحديث مضى مطولاً في الأشخاص، ومضى الكلام فيه هناك، ونتكلم ببعض شيء
لبعد العهد.
فقوله: ((يصعقون)) من صعق الرجل إذا غشي عليه، قال النووي: الصعق والصعقة

٤٠٨
٦٠ - كِتابُ أحَادِيثِ الأنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلاَمُ / باب (٢٧)
الهلاك والموت، ويقال منه: صعق الإنسان وصعق، بفتح الصاد وضمها، وأنكر بعضهم الضم،
وصعقتهم الصاعقة بفتح الصاد والعين وأصعقتهم، وبنو تميم يقولون: الصاقعة، بتقديم القاف
على العين، وقال القاضي: وهذا الحديث من أشكل الأحاديث لأن موسى، عليه الصلاة
والسلام، قد مات فكيف تدركه الصعقة؟ وإنما تصعق الأحياء، ويحتمل أن هذه الصعقة صعقة
فزع بعد الفزع حين تنشق السموات والأرض، ويؤيده لفظ: يفيق وأفاق، لأنه إنما يقال: أفاق من
الغشي، وأما الموت فيقال: بعث منه، وصعقة الطور لم تكن موتاً. وأما قوله عَِّ ((فلا أدري أفاق
قبلي) فيحتمل أنه عَّةٍ قاله قبل أن يعلم أنه أول من تنشق عنه الأرض إن كان هذا اللفظ
على ظاهره، وأن نبينا عٍَّ أول شخص ممن تنشق عنهم الأرض فيكون موسى، عليه الصلاة
والسلام، من زمرة الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام، انتهى، حاصل الكلام أن الإفاقة غير
الانشقاق، والصعقة تكون حين ينفخ في الصور النفخة الأولى، وقال الداودي: قوله: فأكون
أول من يفيق ليس بمحفوظ، واضطربت الرواة في هذا الحديث، وقل من يسلم معه منهم من
الوهم، والصحيح: فأكون أول من تنشق عنه الأرض، والانشقاق غير الإفاقة، كما ذكرنا.
٣٣٩٩/٦٧ - حدَّثني عبْدُ الله بنُ مُحَمَّدِ الجُعْفِيُّ حدَّثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أخبرَنَا مَعْمَرٌ
عِنْ هَمَّام عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ قال قال النَّبِيُّ عَِّ لَوْلاَ بَتُو إِسْرَائِيلَ لَمْ يَخْيِ
اللَّحْمُ ولَوْلا حَوَّاءُ لَمْ تَخُنْ أَنْثَى زَوْجَهَا الدَّهْرَ. [انظر الحديث ٣٣٣٠].
هذا الحديث مضى في: باب قول الله تعالى: ﴿وإذ قال ربك للملائكة أني جاعل في
الأرض خليفة﴾ [البقرة: ٣٠].
٢٧ - بابُ طُوفانٍ مِنَ السَّيْلِ
أي: هذا باب يذكر فيه طوفان من السيل، وليس قوله: طوفان من السيل، بترجمة له، وإنما
هو مجرد عن الترجمة، وإنما هو كالفصل للباب المتقدم، وسقط جميعه من رواية النسفي. قوله:
((طوفان))، أشار به إلى ما في قوله تعالى: ﴿فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع
والدم آيات مفصلات﴾ [الأعراف: ١٣٣]. الآية. أما الطوفان فقد اختلفوا فيه، فقال البخاري:
هو من السيل يكون من المطر الغالب، وعن ابن عباس: الطوفان كثرة الأمطار المغرقة المتلفة
للزروع والثمار، وبه قال الضحاك وعنه كثرة الموت، وبه قال عطاء، وقال مجاهد: الطوفان
الماء والطاعون، وروى ابن جرير بإسناده عن عائشة، قالت: قال رسول الله، عَ لّه: الطوفان
الموت، وكذا رواه ابن مردويه، وعن ابن عباس في رواية أخرى: هو أمر من الله طاف بهم.
يُقَالُ لِلْمَوْتِ الكَثِيرِ طُوفَانٌ
أراد به الموت المتتابع.
القُمَّلُ الْحَمْنَانُ يُشْبِهُ صِغَارَ الحَلَمِ
أشار به إلى ما في قوله تعالى: ﴿والقمل﴾ [الأعراف: ١٣٣]. المذكور في الآية،

٤٠٩
٦٠ - كِتَابُ أَحَادِيثِ الأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ / باب (٢٨)
وفسرها بقوله: الحمنان، بفتح الحاء المهملة وسكون الميم وبالنونين: قراد يشبه صغار
الحلم، بفتح الحاء المهملة واللام، وهو جمع الحلمة وهو القراد العظيم، وواحد الحمنان:
حمنانة. وعن ابن عباس: القمل السوس الذي يخرج من الحنطة، وعنه أنه الدباء وهو الجراد
الصغار الذي لا أجنحة له وبه قال عكرمة وقتادة، وعن الحسن وسعيد بن جبير: القمل دواب
سود صغار، وقال عبد الرحمن بن يزيد بن أسلم: القمل البراغيث، وقال ابن جرير: القمل
جمع واحده قملة، وهي دابة تشبه القمل تأكلها الإبل فيما بلغني.
حَقِيقٌ حَقِّ
أشار به إلى ما في قوله تعالى: ﴿حقيق عليَّ﴾ [الأعراف: ١٠٥]. وفسره بقوله: حق،
وقال أبو عبيدة في تفسيره: ((مجازه حق علي أن لا أقول على الله إلاّ الحق))، هذا على قراءة
التشديد في عليَّ، ومن خففه فمعنى: حقيق محق، وقال أبو عبيدة: حريص.
سُقِطَ كلُّ من نَدِمَ فَقَدْ سُقِطَ في يَدِهِ
أشار به إلى ما في قوله تعالى: ﴿ولما سقط في أيديهم﴾ [الأعراف: ١٤٩]. وفسر
قوله: سقط، بقوله: كل من ندم فقد سقط في يده، وسقط على صيغة المجهول.
٢٨ - بابٌ
أي: هذا باب وهو كالفصل لما قبله وليس بموجود في بعض النسخ.
حَدِيثِ الخَضِرِ مَعَ مُوسَى عَلَيْهِما السَّلامُ
أي: هذا حديث الخضر مع موسى، عليهما السلام، فارتفاع: حديثُ، على الخبرية،
ويجوز أن يكون مجروراً بإضافة لفظ: باب إليه ويكون التقدير: هذا باب في بيان حديث
الخضر مع موسى، عليهما الصلاة والسلام.
٦٨ /٣٤٠٠ - حدَّثنا عَمْرُو بنُ مُحَمَّدٍ حدَّثنا يَعْقُوبُ بنُ إِبْرَاهِيمَ قال حدَّثني أبي عنْ
صالِحٍ عنِ ابنِ شِهابٍ أَنَّ عُبَيْدَ الله بنَ عَبْدِ الله أخبرَهُ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ تَمَارَى هُوَ والحُرُّ بِنُ
قَيْسِ الفَزَارِيُّ في صَاحِبٍ مُوسى قال ابْنُ عَبَّاسٍ هُوَ خَضِرٌ فَمَرَّ بِهِمَا أَبِيُّ بنُ كَغْبٍ فِدَعَاهُ
ابنُّ عَبَّاسٍ فقال إنِّي تَمَارَيْتُ أَنَا وصاحِبِي هذَا في صاحِبِ مُوسَى الَّذِي سألَ السَّبِيلَ إلى لُقِيِّهِ
هلْ سَمِعْتَ رسولَ الله عَ لّه يَذْكُرُ شَأْنَهُ قال نَعَمْ سَمِعْتُ رسولَ الله عَلِ يَقُولُ بَيْتَمَا مُوسى
في مَلاَءٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ جاءَهُ رَجلٌ فقال هَلْ تَعْلَمُ أحَدَاً أعْلَمَ مِنْكَ قال لاَ فَأوْخَى الله
إلى مُوسَى بَلَى عَبْدُنا خَضِرٌ فِسَألَ مُوسَى السَّبِيلَ إِلَيْهِ فَجُعِلَ لَهُ الحُوتُ آيَةً وَقِيلَ لَهُ إذَا
فَقَدْتَ الحُوتَ فَارْجِعْ فإِنَّكَ سَتَلْقَاهُ فَكَانَ يَتْبَعُ الحُوتَ في الْتَخْرِ فقالَ لِمُوسَى فَتَاهُ
أُرَأيِتَ إذْ أُوَيْنَا إلى الصَّخْرَةِ فإِنِّي نَسِيتُ الحُوتَ وما أنْسانِيهِ إلَّ الشَّيْطَانُ أنْ أَذْكُرَهُ فقال
مُوسَى ذَلِكَ ما كُنَّا نَبْغِي فازْتَدًّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصاً فَوَجَدَا خَضِراً فَكَانَ مِنْ شَأْنِهِمَا الَّذِي
قَصَّ الله في كِتابِهِ. [انظر الحديث ٧٤ وأطرافه].

٤١٠
٦٠ - كِتابُ أحَادِيثِ الأنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ / باب (٢٨)
مطابقته للترجمة ظاهرة، وعمرو، بفتح العين: ابن محمد بن بكير الناقد أبو عثمان
البغدادي مات بها سنة اثنتين وثلاثين ومائتين، ويعقوب بن إبراهيم يروي عن أبيه إبراهيم بن
سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف القرشي الزهري المدني، كان إبراهيم بالعراق قاضياً
يروي عن صالح بن كيسان عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري عن عبيد الله بن عبد الله
ابن قتيبة. والحديث بعينه مر في كتاب العلم في: باب ما ذكر في ذهاب موسى في البحر
إلى الخضر، فإنه أخرجه هناك عن محمد بن عزير الزهري عن يعقوب بن إبراهيم إلى آخره،
ومر الكلام فيه مستوفّى. قوله: ((تماری))، أي: تجادل.
٣٤٠١/٦٩ - حدّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله حدَّثنا سُفْيَانُ حدَّثنا عَمْرُو بنُ دِينارٍ قال
أخبرَنِي سَعيدُ بنُ جُبَيْرٍ قال قُلْتُ لاِنِ عَبَّاسٍ إِنَّ نَوْفاً البِكَالِيَّ يَزْعُمُ أنَّ مُوسى صاحِبَ الخَضِرِ
لَيْسَ هُوَ مُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ إََّا هُوَ مُوسَى آخَرُ فقالَ كَذَبَ عَدُوُّ الله حدَّثنا أُبَيُّ بنُ كَعْبٍ
عِنِ النَّبِيِّ عَّهِ أَنَّ مُوسَى قامَ خَطِيباً في بَنِي إِسْرَائِيلَ فشُئِلَ أيُّ النَّاسِ أَعْلَمُ فقال أَنَا فَعَتَبَ
الله عَلَيْهِ إِذْ لَمْ يَرُدَّ العلْمَ فقال لَهُ بَلَى لِي عَبْدٌ بِمَجْمَعِ البَحْرَيْنِ هُوَ أَعْلَمُ مِنْكَ قال أَيْ رَبِّ
ومَنْ لِي بِهِ ورُبََّا قال سُفْيَانُ أيْ رَبِّ وكَيْفَ لِي بِهِ قالَ تأخُذُ محُوتاً فَتَجْعَلُهُ في مِكْتَلٍ حَيْثُمَا
فَقَدْتَ الحُوتَ فَهْوَ ثَمَّ ورُّمَا قال فَهْوَ ثَمَّةَ وأخَذَ حُوتَاً فجَعَلَهُ في مِكْتَلٍ ثُمَّ انْطَلَقَ هُوَ وفَتَاهُ
يُوشَعُ بنُ نُون حتَّى أتْيَا الصَّخْرَةَ وضَعَا رُؤُوسَهُمَا فَرَقَدَ مُوسَى وَاضْطَرَبَ الحُوتُ فَخَرَجَ
فسَقَطَ في الْبَحْرِ فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ في الْبَحْرِ سَرَباً فأمْسَكَ الله عَنِ الحُوتِ جِرْيَةَ المَاءِ فَصارَ مِثْلَ
الطّاقِ فقال هَكَذَا مِثلَ الطَّاقِ فَانْطَلَقًا يَمْشِيَانِ بَقِيَّةً لَيْلَتِهِمَا وَيَوْمَهُمَا حَتَّى إِذَا كَانَ مِنَ الغَدِ
قال لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَفِينا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَباً وَلَمْ يَجِدْ مُوسى النَّصَبَ حتَّى جاوَزَ حَيْثُ
أمرَهُ الله قال لَهُ فَتَاهُ أَرَأيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إلى الصَّخْرَةِ فإِنِّي نَسِيتُ الحُوتَ ومَا أَنْسَانِيهِ إلاَّ الشَّيْطَانُ
أنْ أَذْكُرَهُ واتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ عَجَبَاً فكانَ لِلْحُوتِ سَرَبَاً وَلَهُمَا عَجَبَاً قال لَهُ مُوسَى ذَلِكَ
ما كُنَّا نَبْغِي فارْتَدًّا عَلى آثَارِهِما قَصَصاً رَجَعا يَقُصَّانِ آثارَهُمَا حَتَّى انْتَهَيَا إلى الصَّخْرَةِ فإذَا
رَجُلٌ مُسَجَّى بِثَوْبٍ فسَلَّمَ مُوسى فَرَدَّ عَيْهِ فقال وأَنَّى بِأَرْضِكَ السَّلاَمُ قال أنَا مُوسى قالَ
مُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ قال نَعَمْ أَتَيْتُكَ لِتُعَلِّمَنِي مِنَّا عُلِّمْتُ رَشَدَاً قال يا مُوسى إنِّي عَلَى عِلْمٍ
مِنْ عِلْم الله علَّمَنِيهِ الله لاَ تَعْلَمُهُ وأَنْتَ عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ الله علَّمَكَهُ الله لاَ أَعْلَمُهُ قال هَلْ
أَتَّبِعُكَ قَال إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرَاً وكَيْفَ تَضَّبِرُ علَى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرَاً إلى قَوْلِهِ إِمْرَاً
فَانْطَلَقَا يَمْشِيَانٍ عَلَى ساحِلِ البَحْرِ فَمَرَّتْ بِهِمَا سَفينَةٌ كلَّمُوهُمْ أنْ يَحْمِلُوهُمْ فَعَرَفُوا الخَضِرَ
فَحَمَلُوهُ بِغَيْرِ قَوْل فَلَمَّا رَكِبًا في السَّفِينَةِ جاءَ عُصْفُورٌ فَوَقَعَ على حَرْفِ السَّفِينَةِ فَنَقَرِّ في
البَحْرِ نَقْرَةً أَوْ نَقْرَتَيْنِ قال لَهُ الخَضِرُ يا مُوسى ما نَقصَ عِلْمِي وعِلْمُكَ مِنْ عِلْمِ الله إلاَّ مِثْلَ
ما نَقَصَ هَذَا العُصْفُورُ بِمِنْقَارِهِ مِنَ الْبَحْرِ إِذْ أَخَذَ الفَأْسَ فَتَزِعَ لَوْحاً قال فَلَمْ يَفْجَأُ مُوسَى إِلاَّ
وقَدْ قَلَعَ لَوْحَاً بالْقَدُّومِ فقال لَهُ مُوسَى مَا صَنَعْتَ قَوْمِ حَمَّلُونَا بِغَيْرِ نَوْلٍ عَمَدْتَ إلَى سَفِينَتِهِمْ
فَخَرَقْتَها لِتْغْرِقَ أَهْلَهَاَ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرَاً قال أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرَاً قال لاَ
تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ ولاَ تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُشْرَاً فَكانَتِ الأولَى مِنْ مُوسَى نِسْيَاناً فَلَمَّا خَرَجًا

٤١١
٦٠ - كِتَابُ أَحَادِيثِ الأنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلاَمُ / باب (٢٨)
مِنَ الْبَحْرِ مَرُوا بِغُلامِ يَلْعَبُ مَعَ الصِّبْيَانِ فَأخَذَ الخَضِرُ بِرَأْسِهِ فقَلَعَهُ بِيَدِهِ هَكَذَا وَأَوْمَأْ سُفْيَانُ
بِأَطْرَافِ أصَابِعِهِ كأَنَّهُ يَقْطِفْ شَيْئاً فقال لَهُ مُوسى أَقَتَلْتَ نَفْسَا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً
نُكْرَاً قال أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرَاً قال إنْ سَألْتُكَ عِنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلاَ
تُصَاحِبُنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرَاً فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةِ اسْتَطعَما أَهْلَها فأبَوْا أَنْ
يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارَاً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ مائِلاً أَوْماً بِيَدِهِ هَكَذَا وأَشَارَ سُفْيَانُ كأنَّهُ يَمْسَحُ
شَيْئَاً إلى فَوْقُ فَلَمْ أُسْمَغْ سُفْيَانَ يَذْكُرُ مائِلاً إِلَّ مَرَّةٍ قال قَوْمٌ أَتَثْنَاهُمْ فَلَمْ يُطْعِمُونَا وَلَمْ
يُضَيِّفُونَا عَمَدْتَ إلى حائِطِهِم لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرَاً قال لهذَا فِرَاقٌ بَيْتِي وَبَيْنَكَ
سأُتَبُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَيْهِ صَبْرَاً قال النَِّيُّ عَلَّهِ وَدِذْنَا أَنَّ مُوسَى كَانَ صَبَرَ فَقَصَّ الله
عَلَيْنَا مِنْ خَبَرِهِمَا قال سُفْيَانُ قال النَّبِيُّ عَ لَّهِ يَرْحَمُ الله مُوسَى لَوْ كَانَ صِبَرَ يُقَصُّ عَلَيْنَا مِنْ
أُمْرِهِمَا. وقَرَأ ابنُ عَبَّاسٍ أمامَهُمْ مَلِكٌ يأخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ صالِحَةٍ غَصْبَاً وأمَّا الغُلاَمُ فَكَانَ كَافِرَاً
وكانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ ثُمَّ قَالَ لِي سُفْيَانُ سَمِعْتُهُ مِنْهُ مَرَّتَيْنِ وحَفِظْتُهُ مِنْهُ قِيلَ لِسِفْيَانَ حَفِظْتَهُ قَبْلَ
أنْ تَسْمَعَهُ مِنْ عَمْرِو أوْ تَحَفَّظْتَهُ مِنْ إنْسَانٍ فقالَ مِمَّنَ أَتَحَفَّظُهُ. ورَواهُ أَحَدٌ عنْ عَمْرٍو غَيْرِي
سَمِعْتُهُ مِنْهُ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاثَاً وحَفِظْتُهُ مِنْهُ. [انظر الحديث ٧٤ وأطرافه].
هذا طريق آخر في حديث ابن عباس أخرجه عن علي بن عبد الله بن المديني عن
سفيان بن عيينة .. إلى آخره، وقد مر هذا أيضاً في كتاب العلم في: باب ما يستحب للعالم
إذا سئل ... إلى آخره، وأخرجه عن عبد الله بن محمد المسندي عن سفيان بن عيينة عن
عمرو ... إلى آخره، ومر الكلام فيه هناك، ونوف - بفتح النون منصرف وغير منصرف -
البكالي، بكسر الباء الموحدة وتخفيف الكاف وباللام وهو المشهور، وقد يقال بفتح الباء
وتشديد الكاف نسبة إلى: بكال بن دعمي بن سعد بن عوف بن عدي بن مالك بن زيد بن
سدد بن زرعة بن سبأ.
قوله: ((كذب عدو الله))، إنما قال ذلك على سبيل التغليظ لا على قصد إرادة الحقيقة.
قوله: ((ومن لي به))، أي: ومن يتكفل لي برؤيته. قوله: ((في مكتل))، بكسر الميم وهو
الزنبيل. قوله: ((فهو ثم))، بفتح الثاء المثلثة، اسم يشار به إلى المكان البعيد، وهو ظرف لا
يتصرف. قوله: ((ثمة) أي: بالتاء المثناة من فوق كما يقال: رب وربة. قوله: ((مسجى)) أي:
مغطى. قوله: ((وأنَّى)) هو للاستفهام، أي: من أين سلام في هذه الأرض التي أنت فيها إذا
أهلها لا يعرفون السلام؟ قوله: ((بغير نول)) أي: بغير أجرة. قوله: ((إلاَّ مثل ما نقص)) تشبيه في
الحقارة والقلة لا المماثلة من كل الوجوه، وقيل: هذا تشبيه على التقريب إلى الإفهام لا
على التحقيق. قوله: ((فلم يفجأ)) بالجيم. قوله: ((بغلام))، اسمه جيسون، بفتح الجيم وسكون
الياء آخر الحروف وضم السين المهملة وبالنون، وقال الدارقطني بالراء بدل النون. قوله:
((ملك))، اسمه: هدد، بفتح الهاء المهملة: ابن بدد، بفتح الباء الموحدة وبفتح الدالين
المهملتين، وقيل بضم الهاء وضم الباء. قوله: ((أمامهم))، أي: وراءهم قوله: ((أو تحفظته؟))
شك من علي بن عبد الله، يعني: قيل لسفيان: حفظته أو تحفظته من إنسان قبل أن تسمعه

٤١٢
٦٠ - كِتَابُ أحَادِيثِ الأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ / باب (٢٨)
من عمر؟ وقوله: ((ورواه)) أي: أرواه؟ وهمزة الاستفهام فيه محذوفة.
٣٤٠٢/٧٠ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ سَعِيدِ الأَصْبَهَانِيُّ أخْبَرَنَا ابنُ الْمُبَارَكِ عنْ مَعْمَرٍ عنْ
هَمَّامٍ بِنِ مُنَبِّهِ عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ عنِ النَّبِيِّ عَُّلِّ قال إنَّا سُمِّيَ الخَضِرَ أَنَّهُ
جلَسَ على فَرْوَةٍ بَيْضَاءَ فإِذَا هِيَ تَهْتَرُّ مِنْ خَلْفِهِ خَضْرَاءَ.
مطابقته للترجمة من حيث إن الخضر مذكور فيه، ومحمد بن سعيد أبو جعفر يقال له
حمدان الإصبهاني، بكسر الهمزة وفتحها وبالباء الموحدة، وفي بعض النسخ بالفاء، مات سنة
عشرين ومائتين وهو من أفراده، وابن المبارك هو عبد الله.
قوله: ((أنه)) أي: أن خضراً ويروى: لأنه. قوله: ((على فروة))، بفتح الفاء قيل: هي
جلدة وجه الأرض جلس عليها الخضر فأنبتت وصارت خضراء بعد أن كانت جرداء، وقيل:
أراد به الهشيم من نبات الأرض أخضر بعد يبسه وبياضه، ولما أخرج عبد الرزاق هذا
الحديث في (مصنفه) بهذا الإسناد، زاد: الفروة الحشيش الأبيض وما أشبهه، وقال عبد الله
ابن أحمد، بعد أن رواه عن أبيه عن عبد الرزاق: أظن أن هذا تفسير من عبد الرزاق، وجزم
بذلك عياض، وعن مجاهد: أنه قيل له: الخضر، لأنه إذا كان صلى اخضرّ ما حوله.
والكلام فيه على أنواع. الأول في اسمه، فقال مجاهد: اسمه أليسع بن ملكان بن
فالغ بن عابر بن شالخ بن إرفخشذ بن سام بن نوح، عليه الصلاة والسلام، وقال مقاتل: بليا،
بفتح الباء الموحدة وسكون اللام وبالياء آخر الحروف: ابن ملكان بن يقطن بن فالغ ... إلى
آخره وقيل: إيليا بن ملكان ... إلى آخره، وقيل: خضرون بن عماييل بن ليفر بن العيص بن
إسحاق بن إبراهيم، عليهم السلام، قاله كعب، وقال إبن إسحاق: إرميا بن حلقيا من سبط
هارون بن عمران، وأنكره الطبري: وقال: إرميا كان في زمن بخت نصر، وبين بخت نصر
وموسى زمان طويل، وقيل: خضرون بن قابيل بن آدم ذكره أبو حاتم السجستاني، وقال
إسماعيل بن أبي أويس: معمر بن عبد الله بن نصر بن الأزد. النوع الثاني في نسبه: فقال
الطبري: الخضر هو الرابع من ولد إبراهيم لصلبه، وقال مجاهد: هو من ولد يافث وكان وزير
ذي القرنين، وقيل: هو من ولد رجل من أهل بابل ممن آمن بالخليل وهاجر معه، وقيل: إنه
كان ابن فرعون صاحب موسى ملك مصر، وهذا غريب جداً، وقيل: هو أخو إلياس، عليهما
الصلاة والسلام، وروى الحافظ بن عساكر بإسناده إلى السدي: أن الخضر وإلياس كانا
أخوين وكان أبوهما ملكاً، وقال أيضاً: يقال: إنه الخضر بن آدم لصلبه، وروى الدارقطني من
حديث ابن عباس، قال: الخضر بن آدم لصلبه ونسىء له في أجله حتى يكذب الدجال، وهو
منقطع غريب، وروى الحافظ ابن عساكر أيضاً عن سعيد بن المسيب: أن أم الخضر رومية
وأباه فارسي، وقيل: كنيته أبو العباس. النوع الثالث في نبوته، فالجمهور على أنه نبي، وهو
الصحيح، لأن أشياء في قصته تدل على نبوته، وروى مجاهد عن ابن عباس أنه كان نبياً،
وقيل: كان ولياً، وعن علي، رضي الله تعالى عنه، أنه كان عبداً صالحاً، وقيل: كان ملكاً

٤١٣
٦٠ - كِتَابُ أحَادِيثِ الأنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلاَمُ / باب (٢٩)
بفتح اللام، وهذا غريب جداً. النوع الرابع: في حياته، فالجمهور، خصوصاً مشايخ الطريقة
والحقيقة وأرباب المجاهدات والمكاشفات، أنه حي يرزق ويشاهد في الفلوات، ورآه عمر
ابن عبد العزيز وإبراهيم بن أدهم وبشر الحافي ومعروف الكرخي وسري السقطي وجنيد
وإبراهيم الخواص وغيرهم، رضي الله تعالى عنهم، وفيه دلائل وحجج تدل على حياته
ذكرناها في (تاريخنا الكبير). وقال البخاري وإبراهيم الحربي وابن الجوزي وأبو الحسين
المنادي: إنه مات، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد﴾ [الأنبياء:
٣٤]. وبما روى أحمد في (مسنده) عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله، عَ لّه قبل
موته بقليل أو بشهر: ما من نفس منفوسة - أو: ما منكم اليوم من نفس منفوسة - يأتي عليها
مائة سنة وهي يومئذ حية. وأجاب الجمهور عن الآية بأنا ما ادعينا أنه يخلد، وإنما يبقى إلى
انقضاء الدنيا، فإذا نفخ في الصور مات، لقوله تعالى: ﴿كل نفس ذائقة الموت﴾ [آل عمران:
١٨٥، الأنبياء: ٣٥، العنكبوت: ٥٧]. وعن جابر بأنه متروك الظاهر لأن جماعة عاشوا أكثر
من مائة سنة، منهم سلمان الفارسي، فإنه عاش ثلاثمائة سنة، وقد شاهد رسول الله، ێ،
وحكيم بن حزام عاش مائة وعشرين سنة، وغيرهما، وإِنما أشار، عٍَّ، إلى ذلك الزمان لا إلى
ما تقوم الساعة، وهو الأليق به، على أنه قد عاش بعد ذلك الزمان خلق كثير أكثر من مائة
سنة، وأجاب بعضهم: بأن خضراً، عليه السلام، كان حينئذ على وجه البحر، وقيل: هو
مخصوص من الحديث كما خص منه إبليس بالاتفاق.
قال الحَمُّوِيُّ قال مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ بنِ مَطَرِ الفَرَبْرِيُّ حدَّثنا عِلِيُّ بِنُ خُشْرَمَ عنْ
سُفْيَانَ بِطُولِهِ
هذا وقع في رواية أبي ذر عن المستملي خاصة عن الفربري. قوله: ((قال الحموي))، هو
أبو محمد عبد الله بن أحمد بن حمويه، قال محمد بن يوسف بن مطر: حدثنا علي بن خشرم بن
عبد الرحمن أبو الحسن المروزي حدثنا سفيان بن عيينة، فذكر الحديث المذكور مطولاً.
٢٩ - بابٌ
أي: هذا باب وقع كذا بغير ترجمة في رواية أبي ذر، وقد مر نحو هذا غير مرة، وهو
كالفصل لما قبله.
٦٦م / ٣٤٠٣ - حدَّثني إِسْحَاقِ بنُّ نَصْرٍ حدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عنْ مَعْمَرٍ عنْ هَمَّامٍ بِنِ
مُنَبِّهِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ يَقُولُ قال رسُولُ الله عَِّ قِيلَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ
ادْخُلُوا البابَ سُجَّدَاً وقُولُواْ حِطَّةٌ فبَدَّلُوا فَدَخَلُوا يَزْحَفُونَ عَلَى أَسْتَاهِهِمْ وقالُوا حَبَّةٌ في
شَعْرَةٍ. [الحديث ٣٤٠٣ - طرفاه في: ٤٤٧٩، ٤٦٤١].
وجه مطابقته للترجمة يمكن أن تكون من حيث إنه في قضية بني إسرائيل، وموسى،
عليه الصلاة والسلام، نبيهم.

٤١٤
٦٠ - كِتَابُ أَحَادِيثِ الأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ / باب (٢٩)
وإسحاق بن نصر هو إسحاق بن إبراهيم بن نصر السعدي البخاري. والحديث أخرجه
البخاري أيضاً في التفسير عن إسحاق. وأخرجه مسلم في آخر الكتاب عن محمد بن رافع.
وأخرجه الترمذي في التفسير عن عبد بن حميد.
قوله: ((الباب))، أراد به باب القرية التي ذكرها الله تعالى في قوله: ﴿وإذ قلنا ادخلوا
هذه القرية﴾ [البقرة: ٥٨]. وعن عكرمة عن ابن عباس: كان الباب قِبَل القبلة، وعن مجاهد
والسدي وقتادة والضحاك: هو باب الحطة من باب إيليا من بيت المقدس، وقال ابن العربي:
إن القرية في الآية بيت المقدس، وقال السهيلي: هي أريحاء، وقيل: مصر، وقيل: بلقاء،
وقيل: الرملة. والباب الذي أمروا بدخوله هو الباب الثامن من جهة القبلة. قوله: ((سجداً)، قال
ابن عباس: منحنين ركوعاً. وقيل: خضوعاً وشكراً لتيسير الدخول، وانتصاب: سجداً على
الحال وليس المراد منه حقيقة السجدة، وإنما معناه ما ذكرناه. قوله: ((وقولوا: حطة)) أي:
مغفرة، قاله ابن عباس، أو: لا إله إلاَّ الله، قاله عكرمة، أو: حط عنا ذنوبنا، قاله الحسن. أو:
أخطأنا فاعترفنا. فإن قلت: بماذا ارتفاع حطة؟ قلت: خبر مبتدأ محذوف، تقديره: أمرنا حطة،
أو مسألتنا حطة.
قوله: ((فبدلوا))، أي: غيروا لفظة حطة بأن قالوا: حنطاً سمقاتاً، أي: حنطة حمراء
استخفافاً بأمر الله. قوله: «يزحفون على أستاههم))، وهو جمع: الأست، يعني: دخلوا من
قبل أستاههم، وفي رواية للنسائي: فدخلوا يزحفون على أوراكهم، أي: منحرفين. قوله:
((وقالوا حبة في شعرة))، الحبة، بفتح الحاء المهملة وتشديد الباء الموحدة، وهذا كلام
مهمل وغرضهم فيه مخالف ما أمروا به من الكلام المستلزم للاستغفار وطلب حطة العقوبة
عنهم، فلما عصوا عاقبهم الله بالزجر وهو الطاعون، هلك منهم سبعون ألفاً في ساعة واحدة.
٦٧م / ٣٤٠٤ - حدَّثني إِسْحَاقُ بنُ إبرَاهِيمَ حدَّثَنَا رَوْحُ بنُ عُبَادَةَ حدَّثْنَا عَوْفٌ عنٍ
الحَسَنِ ومُحَمَّدٍ وَخِلاَسٍ عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنه قال قال رسولُ اللهِ عَلَّهِ إِنَّ
مُوسَى كانَ رَجُلاً حَبِيَاً سِتِيرَاً لاَ يُرَى مِنْ جِلْدِهِ شَيْءٌ اسْتِخْيَاءَا مِنْهُ فَآذَاهُ مَنْ آذاهُ مِنْ بَنِي
إِسْرَائِيلَ فقالوا ما يَسْتَتِرُ هذَا التَّسَتُرَ إِلاَّ مِنْ عَيْبَ بِجِلْدِهِ إِمَّا بِرَصٌ وإِمَّا أُذْرَةٌ وإمّا آخَةٌ وإنَّ الله
أُرَادَ أَنْ يُبَرِّئَه مِمَّا قالوا لِمُوسَى فَخَلاَ يَوْماً وخدَهُ فَوَضَعَ ثِيَابَهُ عَلَى الحَجَرِ ثُمَّ اغْتَسَلَ
فَلَمَّا فرَغَ أقْبَلَ إلى ثِيابِهِ لِيَأْخُذَهَا وإِنَّ الحَجَرَ عَدَا بِثَوْبِهِ فَأَخَذَ مُوسَى عَصاهُ وطَلَبَ
الحَجَرَ فَجَعَلَ يَقولُ ثَوْبِي حَجَرُ ثَوْبِي حَجَرُ حتَّى انْتَهَى إِلَى مَلاَءٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَرَأوْهُ
عُزْيَانَاً أُحْسَنَ ما خِلَقَ الله وأبْرَأْهُ مِمَّا يَقُولُونَ وقامَ الحَجَرُ فَأخَذَ ثَوْبَهُ فَلَبِسَهُ وطَفِق بالحَجَرِ
ضَرْبَاً بِعَصَاهُ فَوَ اللهِ إِنَّ بالحَجَرِ لَنَدَباً مِنْ أَثَرِ ضَرْبِهِ ثَلاثَاً أَوْ أَرْبَعَاً أوْ خَمْسَاً فَذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ الله مِمَّا قالوا وكانَ عِنْدَ اللهِ وجِيهاً﴾.
[الأحزاب: ٦٩]. [انظر الحديث ٢٧٨ وطرفه].
مطابقته للترجمة ظاهرة، لأن فيه ذكر موسى، عليه الصلاة والسلام، فمن هذه الحيثية

٤١٥
٦٠ - كِتابُ أحَادِيثِ الأنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ / باب (٢٩)
يؤخذ الوجه لذكره في الترجمة المذكورة، وإسحاق بن إبراهيم هو ابن راهويه، وروح بفتح
الراء: ابن عبادة، بضم العين: أبو محمد البصري، وعوف بن أبي جميلة المعروف بالأعرابي
وليس بأعرابي، والحسن هو البصري، ومحمد هو ابن سيرين، وخلاس، بكسر الخاء
المعجمة وتخفيف اللام وفي آخره سين مهملة: ابن عمرو الهجري البصري.
والحديث مضى في كتاب الغسل فإنه أخرجه هناك عن إسحاق بن نصر عن عبد
الرزاق عن معمر عن همام بن منبه عن أبي هريرة. وأخرجه البخاري أيضاً في التفسير عن
إسحاق. وأخرجه الترمذي في التفسير عن عبد بن حميد، وقد مضى الكلام فيه هناك.
وأما الكلام في الرواة، فنقول: أما محمد بن سيرين فإن سماعه من أبي هريرة ثابت.
وأما الحسن فلم يسمع من أبي هريرة عند المحققين من الحفاظ، ويقولون: ما وقع في
بعض الروايات من سماعه عنه فهو وهم. وأما البخاري فإنه أخرجه عنه عن أبي هريرة، رضي
الله تعالى عنه هنا مقروناً بغيره وما له في الكتاب إلاَّ هذا، وله حديث آخر في: بدء الخلق،
مقروناً بابن سيرين أيضاً. وأما خلاس ففي سماعه عن أبي هريرة خلاف، فقال أبو داود عن
أحمد: لم يسمع خلاس من أبي هريرة، ويقال: إنه كان على شرطة علي، رضي الله تعالى
عنه، وحديثه عنه في الترمذي والنسائي، وجزم يحيى القطان أن روايته عنه من صحيفة، وقال
ابن أبي حاتم عن أبي زرعة: كان يحيى القطان يقول: روايته عن علي من كتاب، وقد سمع
من عمار وعائشة وابن عباس، رضي الله تعالى عنهم، قيل: إذا ثبت سماعه من عمار وكان
على شرطة علي، فكيف يمتنع سماعه من علي، رضي الله تعالى عنه؟ وقال أبو حاتم: يقال:
وقعت عنده صحيفة علي، رضي الله تعالى عنه، وليس بقوي، يعني في علي، ووثقه بقية
الأئمة وما له في البخاري سوى هذا الحديث فإنه أخرجه له مقروناً بغيره، وأعاده سنداً ومتناً
في تفسير سورة الأحزاب، وله حديث آخر أخرجه في الأيمان والنذور مقروناً بمحمد بن
سيرين عن أبي هريرة.
قوله: ((حيياً)، أي: كثير الحياء. قوله: ((ستير))، على وزن فعيل بمعنى فاعل أي: من
شأنه وإرادته حب الستر والصون. قوله: ((أدرة)) بضم الهمزة وسكون الدال على المشهور،
وحكى الطحاوي، رحمه الله، عن بعض مشايخه، بفتح الهمزة والدال، وقال ابن الأثير:
الأدرة، بالضم نفخة في الخصية، يقال: رجل آدر بين الأدر، بفتح الهمزة والدال وهي التي
تسميها الناس الإقليط. قوله: ((وإما آفة)) من قبيل عطف العام على الخاص. قوله: ((عدا بثوبه))
بالعين المهملة أي: مضى به مسرعاً. قوله: ((ثوبي حجر))، يعني رد ثوبي يا حجر. قوله:
((ضربا) أي: يضرب ضرباً. قوله: ((لندباً))، بفتح النون والدال وهو أثر الجرح إذا لم يرتفع عن
الجلد. قوله: ((فوالله إن بالحجر لندبا))، ظاهره أنه بقية الحديث. وقد بيَّن في رواية همام في
الغسل أنه قول أبي هريرة. قوله: ((ثلاثاً أو أربعاً أو خمساً). وفي رواية همام المذكورة ستة
أو سبعة، ووقع عند ابن مردويه من رواية حبيب بن سالم عن أبي هريرة: الجزم بست
ضربات. قوله: ((فذلك قوله تعالى))، أي: ما ذكر من أذى بني إسرائيل موسى، نزل فيه قوله

٤١٦
٦٠ - كِتابُ أحَادِيثِ الأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ / باب (٣٠)
تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ [الأحزاب: ٦٩]. خطاب لأهل المدينة .. قوله: ﴿لا تكونوا
كالذين آذوا موسى﴾ [الأحزاب: ٦٩]. فأظهر الله براءته مما قالوه فيه من أنه أدر، وقيل:
كان إيذاؤهم إياه ادعاؤهم عليه قتل أخيه هارون عَّهِ. قوله: ((وكان أي موسى عند الله
وجيهاً) أي: ذا جاه ومنزلة، وقيل: وجيهاً لم يسأل شيئاً إلا أعطاه، وقرىء شاذاً: وكان عبد
الله، بالباء الموحدة، وفي الحديث: إن اغتسال بني إسرائيل عراة بمحضر منهم كان جائزاً في
شرعهم، وكان اغتسال موسى، عَّه، وحده لكونه حيياً يحب الاستتار.
وفيه: جواز المشي عرياناً للضرورة. وفيه: جواز النظر إلى العورة عند الضرورة للمداواة
ونحوها. وفيه: أن الأنبياء، صلى الله تعالى عليهم وسلم، منزهون عن النقائص والعيوب
الظاهرة والباطنة. وفيه: أن من نسب نبياً من الأنبياء إلى نقص في خلقه فقد آذاه ويخشى
عليه الكفر. وفيه: معجزة ظاهرة لموسى، عليه الصلاة والسلام، ولا سيما تأثير ضربه بالعصا
على الحجر مع علمه بأنه ما سار بثوبه إلاَّ بأمر من الله تعالى.
٦٨م / ٣٤٠٥ - حدّثنا أبُو الوَلِيدِ حدَّثنا شُعْبَةُ عنِ الأعْمشِ قال سَمِعْتُ أَبًا وَائِلِ
سَمِعْتُ عَبْدَ الله رضي الله تعالى عنه قال قَسَم النَّبِيُّ عَّله قسماً فقال رَجُلٌ إِنَّ لهذِه لَقِسْمَةٌ
ما أُرِيدُ بِهَا وَجْهُ الله فأتَيْتُ النَّبِيُّ عَلِّ فَأَخْبَرْتُهُ فَغَضِبَ حتَّى رَأيْتُ الغَضَبَ فِي وَجْهِهِ ثُمَّ
قَالَ يَرْحَمُ الله مُوسَى قَدْ أُوذِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ لهَذَا فَصَبَرَ. [انظر الحديث ٣١٥٠ وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((يرحم الله موسى))، وبينه وبين الحديث السابق مناسبة
أيضاً على ما لا يخفى، وأبو الوليد هشام بن عبد الملك، والأعمش سليمان، وأبو وائل شقيق
( ابن سلمة، وعبد الله هو ابن مسعود. والحديث قد مضى في كتاب الجهاد في: باب ما كان
النبي يعطي المؤلفة قلوبهم، فإنه أخرجه هناك عن عثمان بن أبي شيبة عن جرير عن منصور
عن أبي وائل عن عبد الله ... إلى آخره، وقد مضى الكلام فيه هناك.
٣٠ - بابٌ ﴿يَغْكِفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٣٨].
أي: هذا باب يذكر فيه قوله تعالى: ﴿يعكفون على أصنام لهم﴾ [الأعراف: ١٣٨].
وقبله: ﴿وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم ... ﴾ [الأعراف:
١٣٨]. الآية، وذكرها ولم يفسرها. قوله: ((على قوم)) قال بعض المفسرين: على قوم من
الكنعانيين، وقيل: كانوا من لخم، وقال ابن جرير: وكانوا يعبدون أصناماً على صورة البقر.
قوله: يعكفون، من عكف يعكف عكوفاً وهو الإقامة على الشيء والمكان ولزومهما، ويقال:
عكف يعكف من باب ضرب يضرب، وعكف يعكف من باب نصر ينصر، والفاعل عاكف
ومنه قيل لمن لازم المسجد وأقام على العبادة فيه: عاكف ومعتكف.
مُتَبَّرّ خُسْرَانٌ
أشار به إلى ما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ هؤلاء متَّرٌ ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون﴾
[الأعراف: ١٣٩]. وفسر: متَبَّرٌ بقوله: خسران، ومتبر اسم مفعول من التتبير وهو الإهلاك،

٤١٧
٦٠ - كِتابُ أحَادِيثِ الأنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ / باب (٣٠)
يقال: تبره تتبيراً إذا كسره وأهلكه. ومنه التبار وهو الهلاك، وقال الكرماني: قوله متبر أي:
خاسر، وقد فسر معنى المفعول بمعنى الفاعل، وهو بعيد، وكذلك تفسير البخاري بالمصدر
وتفسيره الموجه متبر: مهلك وباطل ما كانوا يعملون.
ولِيْتَبِّرُوا يُدَمِّرُوا ما عَلَوْا ما غُلِيُوا
أشار به إلى ما في قوله تعالى: ﴿وليتبروا ما علوا تتبيراً﴾ [الإسراء: ٧]. وفسر: ليتبروا،
بقوله: يدمرّوا من التدمير من الدمار وهو الهلاك، يقال: دمره تدميراً ودمر عليه بمعنى، وفسر
قوله: ما علوا، بقوله: غلبوا، وذكر هذا بطريق الإستطراد.
٦٩م/٣٤٠٦ _ حدَّثنا يَحْيَى بِنُ بُكَيْرٍ حدَّثنا اللَّيْثُ عنْ يُونُسَ عنِ ابنِ شِهَابٍ عنْ
أبِي سَلَمَّةَ بنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ أنَّ جَابِرَ بنَ عَبْدِ الله رضي الله تعالى عنهُما قال كُنَّا مَعَ رَسُولِ
الله عَِّ نَجْنِي الكُبَاثَ وإِنَّ رَسُولَ الله عَّ قال عَلَيْكُمْ بِالأسْوَدِ مِنْهُ فإنَّهُ أَطْيَبْهُ قالوا أكُنْتَ
تَرْعَى الغَنَمَ قال وَهَلْ مِنْ نَبِيّ إِلاَّ وَقَدْ رعَاهَا. [الحديث ٣٤٠٦ - طرفه في: ٥٤٥٣].
قال بعضهم: مناسبته للترجمة غير ظاهرة. وقال آخر: لا مناسبة أصلاً، وقال صاحب
(التوضيح): مناسبته ظاهرة لدخول موسى، عليه الصلاة والسلام، فيمن رعى الغنم. وقال
الكرماني: لعل المناسبة من حيث إن بني إسرائيل كانوا مستضعفين جهالاً ففضلهم الله على
العالمين، وسياق الآية يدل عليه أي فيما يتعلق ببني إسرائيل، فكذلك الأنبياء، عليهم السلام،
كانوا أولاً مستضعفين بحيث إنهم كانوا يرعون الغنم. انتهى. قلت: فيه تعسف وتكلف
وتوجيه غير طائل، ويمكن أن توجد له المطابقة وإن كان لا يخلو أيضاً عن بعض تكلف من
حيث إن هذا الباب كان من غير ترجمة، وكذلك وقع في رواية النسفي، وهو كالفصل
للباب المترجم، كما أن الأبواب الثلاثة التي قبل هذا الباب كذلك بلا تراجم كالفصول،
فتوجد المطابقة بين حديث جابر وبين الباب المترجم، وهو قوله باب قول الله تعالى:
﴿وواعدنا موسى ثلاثين ليلة﴾ [الأعراف: ١٤٢]. لأن فيه بيان حالة من حالات موسى
وموسى يدخل في عموم قوله. قوله: ((ما من نبي إلا رعاها))، فمن هذه الحيثية توجد
المطابقة، على أنه وقع التصريح برعي موسى الغنم في رواية النسائي أخرجه من طريق أبي
إسحاق عن نصر بن حزن، قال: افتخر أهل الإبل والشاء، فقال النبي معَُّله: بعث موسى راعي
غنم.
والحديث أخرجه البخاري أيضاً في الأطعمة عن سعيد بن عفير. وأخرجه مسلم في
الأطعمة عن أبي الطاهر بن السرح. وأخرجه النسائي في الوليمة عن هارون بن عبد الله.
قوله: ((كنا مع رسول الله، عَّله))، هذه الكينونة كانت بمر الظهران، كذا جاء في بعض
الروايات، قوله: ((نجني)، من: جنى يجني جنياً، وهو أخذ الثمر من الشجر. قوله:
((الكباث))، بفتح الكاف وفتح الباء الموحدة وبعد الألف ثاء مثلثة، وهو ثمر الأراك، ويقال
ذلك للنضيج منه، كذا نقله النووي عن أهل اللغة، وقال أبو عبيدة: هو ثمر الأراك إذا يبس
عمدة القاري/ ج ١٥ م٢٧

٤١٨
٦٠ - كِتابُ أحَادِيثِ الأنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ / باب (٣١)
وليس له عجم، وقال القزاز: هو الغض من ثمر الأراك هو الخمط، وقال أبو زياد: الكباث
يشبه التين يأكله الناس والإبل والغنم. وفيه حرارة، وفي (المحكم) هو حمل ثمر الأراك إذا
كان متفرقاً، واحده كباثة، وقال أبو حنيفة، وهو فوق حب الكزبرة وعنقوده يملأ الكفين، وإذا
التقمه البعير فضل عن لقمته، والنضيج منه يقال له: المرد. وقال صاحب (المطالع): هو
حصرمه. قوله: ((قالوا: كنت ترعى الغنم؟))، أي: قالت الصحابة لرسول الله، عَ له: هل كنت
ترعى الغنم؟ وإنما قالوا ذلك لأن قوله لهم: ((عليكم بالأسود منه))، دال على تمييزه بين أنواعه،
والذي يميز بين أنواع ثمر الأراك غالباً من يلازم رعي الغنم على ما ألفوه. فإن قلت: ما
الحكمة في هذا؟ قلت: قال الخطابي: أراد أن الله تعالى لم يضع النبوة في أبناء الدنيا
والمترفين منهم، وإنما جعلها في رعاء الشاء وأهل التواضع من أصحاب الحرف، كما روي أن
أيوب، عليه الصلاة والسلام، كان خياطاً، وزكرياء كان نجاراً: ﴿والله أعلم حيث يجعل
رسالته﴾ [الأنعام: ١٢٤]. وقال النووي: الحكمة فيه أن يأخذوا لأنفسهم بالتواضع ويصفوا
قلوبهم بالخلوة وينتقلوا من سياستها إلى سياسة أممهم، وقد مر بعض الكلام من هذا القبيل
في أوائل كتاب الإجارة.
٣١ - بابٌ ﴿وإِذْ قالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧].
أي: هذا باب يذكر فيه: ﴿وإذ قال موسى لقومه﴾ [البقرة: ٦٧]. الآية، ولم يذكر في
هذا الباب غير بعض تفسير ألفاظ تتعلق بقصة موسى التي وقعت في القرآن من بعض قصصه،
عليه الصلاة والسلام. قوله: ((وإذ قال))، أي: اذكر يا محمد حين قال موسى لقومه: ﴿إن الله
يأمركم أن تذبحوا بقرة﴾ [البقرة: ٦٧]. وقصة البقرة ما ذكره ابن أبي حاتم، فقال: حدثنا
الحسن بن محمد بن الصباح حدثنا يزيد بن هارون أخبرنا هشام بن حسان عن محمد بن
سيرين عن عبيدة السلماني، قال: كان رجل من بني إسرائيل عقيماً لا يولد له وكان له مال
كثير وكان ابن أخيه وارثه فقتله ثم احتمله ليلاً فوضعه على باب رجل منهم، ثم أصبح يدعيه
عليهم حتى تسلحوا وركب بعضهم على بعض، فقال ذو الرأي منهم: على ما يقتل بعضكم
بعضاً وهذا رسول الله فيكم؟ فأتوا موسى، عليه الصلاة والسلام، فذكروا ذلك له، فقال: ﴿إِن
الله يأمركم أن تذبحوا بقرة قالوا: أتتخذنا هزواً قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين﴾ [البقرة:
٦٧]. قال: فلو لم يعترضوا لأجزأت عنهم أدنى بقرة، ولكنهم شددوا فشدد الله عليهم حتى
انتهوا إلى البقرة التي أمروا بذبحها فوجدوها عند رجل ليس له بقرة غيرها فقال: والله لا
أنقصها من ملء جلدها ذهباً فأخذوها بملء جلدها ذهباً فذكوها وضربوه ببعضها فقام، فقالوا:
من قتلك؟ قال هذا، لابن أخيه، ثم مال ميتاً فلم يعط من ماله شيئاً، فلم يورث قاتل بعده.
ورواه ابن جرير من حديث أيوب عن محمد بن سيرين عن عبيدة بنحو ذلك، ورواه آدم بن
أبي إياس في (تفسيره) من وجه آخر، وملخصه: كان رجل من بني إسرائيل غنياً ولم يكن له
ولد وكان له قريب وهو وارثه فقتله ليرثه ثم ألقاه على مجمع الطريق، وأتى موسى، عليه
الصلاة والسلام، فقال له: إن قريبي قتل، ونادى موسى في الناس: من كان عنده في هذا علم

٤١٩
٦٠ - كِتَابُ أحَادِيثِ الأنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ / باب (٣١)
يبينه لنا؟ فلم يكن عندهم علم، وقال القاتل: أنت نبي الله، سل لنا ربك أن يبين لنا. فسأل
ربه، فأوحى الله إليه ﴿إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة ... ﴾ [البقرة: ٦٧]. الآيات، وفيه: أنهم
أعطوا صاحب البقرة وزنها عشر مرات ذهباً فذبحوها وضربوه بالبضعة التي بين الكتفين،
فعاش فسألوه فبين القاتل، ورواه بسند من وجه آخر عن محمد بن كعب القرظي ومحمد بن
قيس أن سبطاً من بني إسرائيل لما رأوا كثرة شرور الناس بنوا مدينة فاعتزلوا شرور الناس
فكانوا إذا أمسوا لم يتركوا أحداً منهم خارج المدينة إلاَّ أدخلوه، فإذا أصبحوا قام رئيسهم
فنظر وتشوف فإذا لم يَرَ شيئاً فتح المدينة فكانوا مع الناس حتى يمسوا، قال: وكان رجل من
بني إسرائيل له مال كثير ولم يكن له وارث غير أخيه فطالت عليه حياته فقتله ليرثه ثم حمله
فوضعه على باب المدينة، ثم كمن هو وأصحابه: قال: فتشوف رئيس المدينة على باب
المدينة فنظر فلم ير شيئاً، ففتح الباب فلما رأى القتيل رد الباب، فناداه أخو المقتول
وأصحابه: هيهات، قتلتموه ثم تردون الباب؟ وكاد أن يكون بين أخ المقتول وبين أهل المدينة
قتال حتى لبسوا السلاح، ثم كف بعضهم عن بعض، فأتوا موسى فشكوا له شأنهم، فأوحى
الله إليه أن يذبحوا بقرة .. القصة. وقال ابن كثير: الروايات فيها مختلفة، والظاهر أنها مأخوذة
من كتبٍ بني إسرائيل، وهو مما يجوز نقلها، لكن لا يصدق ولا يكذب، فلهذا لا يعتمد
عليها إلاَّ ما وافق الحق.
قال أبو العَالِيَّةِ الْعَوَانُ النَّصَفُ بَيْنَ البِكْرِ والهَرِمَةِ
أبو العالية، بالعين المهملة: رفيع بن مهران الرياحي، بالياء آخر الحروف، وهو فسر
العوان في قوله تعالى: ﴿إنها بقرة لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك﴾ [البقرة: ٦٨]. ورواه
القرطبي عن سلمة عن ابن إسحاق عن الزهري عنه. قوله: ﴿لا فارض ولا بكر﴾ [البقرة:
٦٨]. يعني: لا هرمة ولا صغيرة ﴿عوان بين ذلك﴾ [البقرة: ٦٨]. أي: نَصف بين البكر
والهرمة، والنصف، بفتح النون والصاد.
فاقِعٌ صَافٍ
أشار به إلى ما في قوله تعالى: ﴿صفراء فاقع لونها تسر الناظرين﴾ [البقرة: ٦٩]. وهذه
الجملة صفة لتلك البقرة المأمور بذبحها ولونها مرفوع بفاقع، وعن سعيد بن جبير: صفراء
فاقع صافية اللون، وكذا عن قتادة والحسن ونحوه، وقال العوفي في (تفسيره): عن ابن
عباس، رضي الله تعالى عنه، فاقع لونها شديد الصفرة تكاد صفرتها تبيض، وعن ابن عمر
كانت صفراء الظلف، وعن سعيد بن جبير: كانت صفراء القرن والظلف، قال ابن أبي حاتم:
حدثنا أبي حدثنا نصر بن علي أخبرنا أبو رجاء عن الحسن، في قوله: ﴿صفراء فاقع لونها﴾
[البقرة: ٦٩]. قال: سوداء شديدة السواد، وهذا غريب. قوله: ﴿تسر الناظرين﴾ [البقرة:
٦٩]. أي: تعجبهم.

٤٢٠
٦٠ - كِتابُ أَحَادِيثِ الأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ / باب (٣٢)
لاَ ذَلُولٌ لَمْ يُذِلَّهَا العَمَلُ تُثِيرُ الأرْضَ لَيْسَتْ بِذَلُولٍ تُثِيرُ الأرْضَ
ولاَ تَعْمَلُ في الحَرْثِ
أشار به إلى ما في قوله تعالى: ﴿لا ذلول تثير الأرض ولا تسقي الحرث﴾ [البقرة:
٧١]. أي: هذه لا ذلول، يعني: ليست مذللة بالحرث ولا معدة للسقي في الثانية، بل هي
مكرمة حسناء صبيحة. قوله: ((لم يذلها))، بضم الياء من الإذلال، والعمل مرفوع به. قوله:
((تثير الأرض)) يعني: ليست بذلول فتثير الأرض.
مُسَلَّمَةٌ مِنَ العُلُوبِ
أشار به إلى ما في قوله تعالى: ﴿مسلمة﴾ [البقرة: ٧١]. الآية وفسرها بقوله: من
العيوب، وقال عطاء الخراساني: مسلمة القوائم والخلق.
لاَ شِيَة بَيَاضٌ
فسر الشية التي هي اللون بقوله: بياض، يعني: لا بياض فيها، قال أبو العالية والربعي
والحسن وقتادة: ليس فيها بياض، وقال عطاء الخراساني: لونها واحد، وروى عن عطية
ووهب بن منبه نحو ذلك، وقال السدي: ﴿لا شية فيها﴾ [البقرة: ٧١]. من بياض ولا سواد
ولا حمرة.
صَفْرَاءُ إِنْ شِئْتَ سَوْدَاءُ ويُقَالُ صَفْرَاءُ كَقَوْلِهِ جِمَالاَتٌ صُفْرٌ
غرضه من هذا الكلام أن الصفرة يحتمل حملها على معناها المشهور، وعلى معنى
السواد، كما في قوله تعالى: ﴿جمالات صفر﴾ [المرسلات: ٣٣]. فإنه فسر بسواد يضرب
إلى الصفرة فاحمل على أيهما شئت. قوله: ((جمالات)) جمع الجمع لأنه جمع: جمالة،
والجمالة جمع جمل وفسرها مجاهد بسود، ويقال للجمل الأسود: أصفر، لأنه لا يوجد
جمل أسود إلاّ وهو مشرب بصفرة.
فادَّارَأْتُمْ اخْتَفْتُمْ
أشار به إلى ما في قوله تعالى: ﴿وإذ قتلتم نفساً فادَّارَأَنتُم فيها﴾ [البقرة: ٧٢]. وفسر
بقوله: اختلفتم، وهكذا قال مجاهد فيما رواه ابن أبي حاتم عن أبيه عن أبي حذيفة عن شبل
عن ابن أبي نجيح عن مجاهد: أنه قال في قوله تعالى: ﴿وإذ قتلتم نفساً فادَّاراًثُم فيها﴾
[البقرة: ٧٢]. اختلفتم، وقال عطاء الخراساني والضحاك: اختصمتم فيها، وقال أبو عبيدة،
وهو من التداري، وهو التدافع، والله أعلم.
٣٢ _ بابُ وفاةٍ مُوسَى وذِكْرُهُ بَعْدُ
أي: هذا باب في بيان وفاة موسى، عليه الصلاة والسلام، وليس في رواية أبي ذر ذكر
لفظ: باب، وإنما المذكور عنده: وفاة موسى، عليه الصلاة والسلام. قوله: ((وذكره بعد))،
: