Indexed OCR Text

Pages 241-260

۔
٢٤١
٥٩ - كتابُ بَدْءِ الخَلْقِ / باب (١١)
المسجد حتى تصبحوا وتنظروا إليه كلكم، فذكرت قول أخي سليمان، عليه الصلاة
والسلام: ﴿رب اغفر لي وهب لي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي﴾ [ص: ٣٥]. قال روح:
فرده خاسئاً. قوله: ((فذكره))، أي: فذكر الحديث بتمامه، وهو الذي ذكرناه.
٩٠ / ٣٢٨٥ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ حدَّثنا الأوْزَاعِيُّ عنْ يَحيى بنِ أبِي كَثِيرٍ عنْ
أَبِي سَلَمَّةَ عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ قال قال النَّبِيُّ عَّهِ إذَا نُودِيَ بالصَّلاةِ أُذْبَرَ
الشَّيْطَانُ ولَهُ ضُرَاطٌ فَإِذَا قُضِيَ أقْبَلَ فَإِذَا ثُوِّبَ بِهَا أَذْبَرَ فإذَا قُضِيَ أقْبَلَ حتَّى يَخْطِرَ بَيْنَ
الإِنْسَانِ وَقَلْبِهِ فَيَقُولُ اذْكُرْ كَذَا وَكَذَا حَتَّى لاَ يَدْرِي أَثَلاثاً صَلَّى أمْ أَرْبَعاً فإذَا لَمْ يَدْرِ
ثَلاثاً صَلَّى أَوْ أَزْبَعَاً سَجَدَ سَجْدَتَي السَّهْو. [انظر الحديث ٦٠٨ وأطرافه].
مطابقته للترجمة ظاهرة. والأوزاعي عبد الرحمن بن عمرو، والحديث قد مر في أواخر
كتاب الصلاة في: باب تفكر الرجل الشيء في الصلاة، فإنه أخرجه هناك: عن يحيى بن بكير
عن الليث عن جعفر عن الأعرج عن أبي هريرة، قال رسول الله، عَ له: إذا أذن بالصلاة أدبر
الشيطان ... إلى آخره.
٣٢٨٦/٩١ _ حدَّثنا أبو اليَمَانِ أَخْبَرنا شُعَيْبٌ عنْ أَبِي الزَّنادِ عنِ الأعْرَجِ عنْ أبِي
هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ قال قال النَّبِيُّ عَ لِّ كلُّ بَنِي آدَمَ يَطْعُنُ الشَّيْطَانُ فَي جَنْبَيْهِ
بأصْبَعِهِ حِينَ يُولَدُ غَيْرَ عِيسَى بنِ مَرْيَمَ ذَهَبَ يَطْعُنُ فَطَعَنَ في الحجابِ. [الحديث ٣٢٨٦
- طرفاه في: ٣٤٣١، ٤٥٤٨].
المطابقة في هذا وفي بقية الأحاديث بينها وبين الترجمة ظاهرة. وهؤلاء الرواة قد
تكرر ذكرهم.
قوله: ((يطعن))، بضم العين، يقال: طعن بالرمح وما أشبهه يطعن، بضم العين من باب
نصر ينصر، وطعن في العرض والنسب يطعن، بفتح العين فيهما على المشهور. وقيل:
باللغتين فيهما. قوله: ((في جنبيه))، بالتثنية في رواية أبي ذر والجرجاني، وفي رواية الأكثرين
في جنبه، بالإفراد. وحكى عياض أن في كتابه من رواية الأصيلي: من تحته، الذي هو ضد
فوق، قال: وهو تصحيف. قوله: ((بإصبعه)) بالإفراد أو بالتثنية أيضاً عن اختلاف الروايتين في
الجنب. قوله: ((في الحجاب))، هو الجلدة التي فيها الجنين، وتسمى المشيمة، قاله ابن
الجوزي. وقيل: الحجاب الثوب الذي يلف فيه المولود.
وفيه: فضيلة ظاهرة لعيسى وأمه، عليهما الصلاة والسلام، وأراد الشيطان التمكن من
أمه فمنعه الله منها ببركة أمها حنة بنت فاقوذ بن ماثان حيث قالت: ﴿وإني أعيذها بك
وذريتها من الشيطان الرجيم﴾ [آل عمران: ٣٦]. وروى عبد الرزاق في (تفسيره): عن المنذر
ابن النعمان الأفطس: سمع وهب بن منبه يقول: لما ولد عيسى، عليه الصلاة والسلام، أتت
الشياطين إبليس فقالوا: أصبحت الأصنام منكسة، فقال: هذا حادث مكانكم. وطار حتى بلغ
خافقي الأرض فلم يجد شيئاً، ثم جاء البحار فلم يقدر على شيء، ثم طار فوجد عيسى قد
عمدة القاري/ ج١٥ م١٦

٢٤٢
٥٩ - كتابُ بَدْءِ الخَلْقِ / باب (١١)
ولد عند مذود حمار، وإذا الملائكة قد حفت به، فرجع إليهم فقال: إن نبياً قد ولد البارحة
ولا حملت أنثى ولا وضعت قط إلاَّ وأنا بحضرتها إلاَّ هذه، فأيسوا من أن يعبدوا الأصنام في
هذه البلدة وفي لفظ: بعد هذه الليلة، ولكن ائتوا بني آدم بالخفة والعجلة. قوله: إلاَّ هذه،
يخالف ما في (الصحيح): إلاَّ أن يؤول، وأشار القاضي إلى أن جميع الأنبياء، عليهم الصلاة
والسلام، يشاركون عيسى، عليه الصلاة والسلام، في ذلك. وقال القرطبي: هو وقول قتادة،
قال: وإن لم يكن كذلك بطلت الخصوصية، ولا يلزم من نخسه إضلال الممسوس وإغواؤه،
فإن ذلك نخس فاسد، فلم يعرض الشيطان لخواص الأولياء بأنواع الإغواء والمفاسد، ومع
ذلك فقد عصمهم الله بقوله ﴿إن عبادي ليس لك عليهم سلطان﴾ [الحجر: ٤٢، والإسراء:
٦٥].
٩١م / ٣٢٨٧ - حدَّثنا مالِكُ بنُ إسْمَاعِيلَ حدَّثنا إسْرَائِيلُ عنِ المُغِيرَةِ عنْ إِبْرَاهِيمَ عنْ
عَلْقَمَةَ قال قَدِمْتُ الشَّأُمَ فَقُلْتُ منْ لهُهُنَا قالُوا أَبُو الدَّرْدَاءَ قال أفِيَكُمُ الَّذِي أجارَهُ اللهُ مِنَ
الشِّيْطَانِ علَى لِسَانِ نَبِيِّهِ عَ لَّهِ. [الحديث ٣٢٨٧ - أطرافه في: ٣٧٤٢، ٣٧٤٣، ٣٧٦١،
٤٩٤٣، ٤٩٤٤، ٦٢٧٨].
مالك بن إسماعيل بن زياد أبو غسان النهدي الكوفي، وإسرائيل بن يونس بن أبي
إسحاق السبيعي، والمغيرة بن مقسم الضبي، وإبراهيم النخعي وعلقمة بن قيس النخعي
الكوفي، واسم أبي الدرداء عويمر بن مالك الأنصاري الخزرجي.
والحديث أخرجه البخاري هنا مختصراً جداً، وأخرجه بأتم منه في فضل عمار وحذيفة
عن مالك بن إسماعيل أيضاً، وأخرجه أيضاً عن سليمان بن حرب على ما يجيء عن قريب
في هذا الباب. وفي الاستئذان عن أبي الوليد وعن يحيى بن جعفر وعن يزيد بن هارون وفي
مناقب ابن مسعود عن موسى بن إسماعيل وأخرجه النسائي في المناقب وفي التفسير عن
أحمد بن سليمان. قوله: ((أفيكم؟» الهمزة فيه للاستفهام على سبيل الاستخبار، أي: أفي
العراق؟ قوله: ((الذي أجاره الله))، أي: منعه وحماه من الشيطان، وهو عمار بن ياسر، رضي
الله تعالى عنه، وسيصرح به البخاري في الحديث الذي بعده، وفي التوضيح يجوز أن يكون
قاله أبو الدرداء لقوله، عَّ: (يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار))، أو يكون شهد له: أن الله
أجاره من الشيطان.
٩٢ - حدَّثنا سُلَيْمَانُ بنُ حَرْبٍ حدَّثنَا شُعْبَةُ عنْ مُغِيرَةَ وقال الَّذِي أجارَهُ اللّه علىَّ
لِسانِ نَبِيِّهِ عَ لَّهِ يَغْنِي عَمَّارَاً
بهذا بين البخاري أن المراد من قول أبي الدرداء: أفيكم الذي أجاره الله من الشيطان؟
أنه عمار بن ياسر الذي هو من السابقين في الإسلام المنزل فيه: ﴿إلاّ من أكره وقلبه مطمئن
بالإِيمان﴾ [النحل: ١٠٦]. وقد قال، عَّ لّه له: مرحباً بالطيب المطيب.
٣٢٨٨ _ قالَ وقالَ اللَّيْثُ حدَّثني خالِدُ بنُ يَزِيدَ عنْ سَعِيدِ بنِ أبِي هِلاَلٍ أنَّ أَا

٢٤٣
٥٩ - كتابُ بَدْءِ الخَلْقِ / باب (١١)
الأَسْوَدِ أُخْبَرَهُ عُزْوَةُ عنْ عَائِشَةَ رضي الله تعالى عنهَا عَنِ النَّبِيِّ عَلِّ قال المَلائِكَةُ تَتَحَدَّثُ
فِي الْعَنَانِ والْعَنَانُ الْغَمَامُ بالأمْرِ يَكُونُ في الأرْضِ فَتَسْمَعُ الشَّيَاطِينُ الْكَلِمَةَ فَتَقُّهَا فِي أُذُنِ
الكَاهِنِ كَمَا تُقَرُّ الْقَارُورَةُ فَيَزِيدُونَ مَعَها مِائَةً كَذِبَةٍ. [انظر الحديث ٣٢١٠ وأطرافه].
أورد هذا التعليق في: باب ذكر الملائكة، قال: حدثنا محمد حدثنا ابن أبي مريم
أخبرنا الليث حدثنا ابن أبي جعفر عن محمد بن عبد الرحمن عن عروة بن الزبير عن عائشة،
زوج النبي عَّ له، يقول: إن الملائكة تنزل في العنان وهو السحاب فتذكر الأمر قضي في
السماء فتسترق الشياطين السمع فتوحيه إلى الكهان فيكذبون معها مائة كذبة من عند
أنفسهم، فانظر بينهما إلى التفاوت في الإسناد والمتن، وأبو الأسود في الرواة هو محمد بن
عبد الرحمن.
قوله: ((بالأمر)) يتعلق بقوله: ((تتحدث)). وقوله: ((والعنان الغمام))، جملة معترضة بين
المتعلّق والمتعلَّق. قوله: (يكون))، جملة وقعت حالاً من قوله: ((بالأمر)). قوله: ((فتقرها))،
بضم القاف وتشديد الراء، وهو الصحيح قال ابن التين: لما تقرر من أن كل فعل مضاعف
متعد يكون بالضم إلاَّ أحرف شواذ ليس هذا منها، وقال الخطابي: يقال: قررت الكلام في
أذن الأصم إذا وضعت فمك على صماخه فتلقيه فيه. وقال الهروي: إنه ترديد الكلام في أذن
الأبكم حتى يفهم. قوله: ((كما تقر القارورة))، يريد به تطبيق رأس القارورة برأس الوعاء الذي
يفرغ منها فيه. وقال القابسي: معناه يكون لما يلقيه الكاهن حس كحس القارورة عند
تحريكها مع اليد أو على الصفاء، وفي التوضيح: ويقال: بالزاي، وهو ما يسمع من حس
الزجاجة حين يحك بها على شيء. وقال الكرماني: فتقرها، يروى من الإقرار، وقال الداودي:
يلقيا كما يستقر الشيء في قراره.
٣٢٨٩/٩٣ - حدّثنا عاصِمُ بنُ عَلِيّ حدَّثنا ابنُ أبِي ذِئْبٍ عنْ سَعِيدِ المَقْبُرِيِّ عنْ
أبِيهِ عِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ عنِ النبي عَّهِ قال الََّاؤُبُ مِنَ الشَّيْطَانِ فإذَا تَاءَبَ
أُحَدُكُمْ فَلْيَرُدَّهُ ما اسْتَطَاعَ فإنَّ أحَدَكُمْ إذَا قالَ ها ضَحِكَ الشَّيْطَانُ. [الحديث ٣٢٨٩ -
طرفاه في: ٦٢٢٣، ٦٢٢٦].
عاصم بن علي بن عاصم بن صهيب أبو الحسين مولى قريبة بنت محمد بن أبي بكر
الصديق من أهل واسط، وروى البخاري عنه في مواضع، وروى عن محمد بن عبد الله عنه
في الحدود، قال: مات سنة إحدى وعشرين أو عشرين ومائتين. وقال ابن سعد: مات بواسط.
قلت: هو من الأفراد، وروى عنه محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب عن سعيد المقبري عن
أبيه كيسان عن أبي هريرة.
وقال المزي في (الأطراف): حديث: التثاؤب من الشيطان، ثم علم علامة البخاري
حرف (خ) ثم قال في صفة إبليس: عن عاصم بن علي عنه به، ثم علم علامة النسائي (س)
· ثم قال في اليوم والليلة: عن أحمد بن حرب إلى آخره، ثم قال: ورواه غير واحد عن ابن أبي

٢٤٤
٥٩ - كتابُ بَدْءِ الخَلْقِ / باب (١١)
ذئب عن سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة، وسيأتي. ثم قال بعد ذلك: لما وعده محمد
ابن عبد الرحمن بن أبي ذئب عن سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة، حديث: ((إن الله
يحب العطاس ويكره التثاؤب (خ)) وفي الأدب عن آدم، وفيه وفي بدء الخلق عن عاصم بن
علي (د) في الأدب (ت) في الاستيذان جميعاً عن الحسن بن علي (س) في اليوم والليلة
عن عمرو بن علي، ثم قال: قال الترمذي: هذا أصح من حديث ابن عجلان، يعني: عن
سعيد عن أبي هريرة، وكذلك رواه القاسم بن يزيد عن ابن أبي ذئب عن سعيد عن أبي
هريرة.
قوله: ((التثاؤب))، مصدر من تثاءب يتثاءب، والاسم الثؤباء. قوله: ((من الشيطان))، وإنما
جعله من الشيطان كراهة له لأنه إنما يكون مع ثقل البدن وامتلائه وميله إلى الكسل والنوم،
وأضافه إلى الشيطان لأنه هو الذي يدعو إلى إعطاء النفس شهواتها، وأراد به التحذير من
السبب الذي يتولد منه، وهو التوسع في المطعم والشبع، فيثقل عن الطاعات ويكسل عن
الخيرات. قوله: ((فإذا تثاءب)) هو فعل ماضي من باب تفاعل، وأصله من: الثأب، ومادته: ثاء
مثلثة وهمزة وباء موحدة، وتثاءب بالمد والتخفيف، ويروى بالواو: تثاوب، وقيل: لا يقال:
تثاءب، مخففاً بل تثأب، بالتشديد في الهمزة. وقال الجوهري: لا يقال: تثاوب، بالواو. وأما
حديث التثاوب فهو النفس الذي ينفتح منه الفم لدفع البخارات المختنقة في عضلات الفك،
وهو إنما ينشأ من امتلاء المعدة وثقل البدن ويورث الكسل وسوء الفهم والغفلة. قوله:
(«فليرده)) أي: ليكظم وليضع يده على الفم لئلا يبلغ الشيطان مراده من تشويه صورته ودخول
فمه وضحكه منه. قوله: ((إذا قال ها))، كلمة: ها، حكاية صوت المتثاوب، فإذا قال: ها،
يعني: إذا بالغ في التثاؤب، ضحك الشيطان فرحاً بذلك، ولذلك قالوا: لم يتثاءب نبي قط.
وقال الداودي: إن فتح فاه ولم يضمه بصق فيه وقال: ها، ضحك منه.
٩٤ / ٣٢٩٠ - حدَّثنا زَكَرِيَّاءُ بنُ يَحتَى حدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ قال هِشَامٌ أُخْبَرَنَا عنْ أَبِيهِ عنْ
عَائِشَةَ رضي الله تعالى عنها قالَتْ لَمَّا كانَ يَوْمُ أُحُدٍ هُزِمَ الْمُشْرِكُونَ فَصاحَ إبْلِيسُ أَيْ عِبَادَ
الله أُخْرَاكُمْ فَرَجَعَتْ أُولاَهُمْ فَاجْتَلَدَتْ هِيَ وأُخْرَاهُمْ فَتَظَرَ حُذَيْفَةُ فَإِذَا هُوَ بِأَبِيهِ الْيَمانِ فقال
أي عِبَادَ الله أبى أبي فَوَالله ما احْتَجَزُوا حَتَّى قَتَلُوهُ فَقال حُذَيْفَةُ غَفَرَ الله لَكُمْ قال عُزِوَةُ فَمَا
زَالَتْ في حُذَيْفَةً مِنْهُ بَقِيَّةُ خَيْرٍ حَتَّى لَحِقَ بالله. [الحديث ٣٢٩٠ - أطرافه في: ٣٨٢٤،
٤٠٦٥، ٦٦٦٨، ٦٨٨٣، ٦٨٩٠].
زكرياء بن يحيى بن عمر أبي السكن الطائي الكوفي، وهو من أفراده، وأبو أسامة حماد
ابن أسامة، وهشام بن عروة يروي عن أبيه عروة بن الزبير عن أم المؤمنين عائشة، رضي الله
تعالى عنها.
والحديث أخرجه البخاري أيضاً في الديات عن إسحاق وفي المغازي عن عبيد الله
ابن سعيد، كلاهما عن أبي أسامة أيضاً.

٢٤٥
٥٩ - كتابُ بَدْءِ الخَلْقِ / باب (١١)
قوله: ((أي عباد الله))، يعني: يا عباد الله. قوله: ((أخراكم)) أي: الطائفة المتأخرة، أي:
يا عباد الله احذروا الذين من ورائكم متأخرين عنكم، أو اقتلوهم، والخطاب للمسلمين، أراد
إبليس تغليطهم ليقاتل المسلمون بعضهم بعضاً. فرجعت الطائفة المتقدمة قاصدين لقتال
الأخرى ظانين أنهم من المشركين. قوله: ((فاجتلدت هي))، أي: الطائفة المتقدمة والطائفة
الأخرى، أي تضاربت الطائفتان، ويحتمل أن يكون الخطاب للكافرين، أي: اقتلوا أخراكم،
فرجعت أولاهم فتجالد أولى الكفار، وأخرى المسلمين. قوله: ((فنظر حذيفة بن اليمان)) فإذا
هو بأبيه يعني: اليمان، بتخفيف الياء آخر الحروف وبالنون بلا ياء بعدها، وهو لقب واسمه:
حسيل، مصغر الحسل بالمهملتين: ابن جابر العبسي، بالباء الموحدة بين المهملتين، أسلم مع
حذيفة وهاجر إلى المدينة وشهد أحداً وأصابه المسلمون في المعركة فقتلوه يظنونه من
المشركين، وحذيفة يصيح ويقول: هو أبي لا تقتلوه، ولم يُسمع منه. قوله: ((ما احتجزوا))،
أي: ما امتنعوا منه، ويقال لكل من ترك شيئاً: انحجز عنه. قوله: ((غفر الله لكم))، دعا لمن
قتلوه من غير علم، لأنه عذرهم، وتصدق حذيفة بديته على من أصابه، ويقال: إن الذي قتله
هو عقبة بن مسعود فعفى عنه. قوله: ((بقية خير))، بقية دعاء واستغفار لقاتل اليمان حتى
مات، وقال التيمي: معناه: ما زال في حذيفة بقية حزن على أبيه من قتل المسلمين.
٣٢٩١/٩٥ - حدَّثنا الحَسَنُ بنُ الرَّبِيعِ حدَّثنا أَبُو الأخوَصِ عنْ أُشْعَثَ عنْ أَبِيهِ عنْ
مَسْرُوقٍ قال قالَتْ عَائِشَةُ رضي الله تعالى عنَهَا سألتُ النَّبِيِّ عَّهِ عنِ الْتِفاتِ الرَّجُلِ في
الصَّلاةِ فقال هُوَ اخْتِلاَسٌ يَخْتَلِسُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ صَلاةِ أحَدِكُمْ. [انظر الحديث ٧٥١].
الحسن بن الربيع بن سليمان البجلي الكوفي، يعرف بالبوراني، وأبو الأحوص سلام
ابن سليم الكوفي، وأشعث، بالشين المعجمة والعين المهملة والثاء المثلثة: ابن أبي الشعثاء،
مؤنث الأشعث المذكور، وقد مضى الحديث في كتاب الصلاة في: باب الالتفات في
الصلاة، فإنه أخرجه هناك: عن مسدد عن أبي الأحوص إلى آخره. ومضى الكلام فيه هناك.
٣٢٩٢/٩٦ _ حدَّثنا أَبُو المُغِيرَةِ حدَّثنا الأوْزَاعِيُّ قال حدَّثني يَحْتَى بنُ أبِي كَثِيرٍ عنْ
عَبْدِ الله بنِ أبِي قَتَادَةَ عنْ أَبِيهِ عنِ النَّبِيِّ عَ لَّه (و) حدَّثني سُلَيْمَانُ بنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ حدَّثنا
الوَلِيدُ حدَّثنا الأوْزَاعِيُّ قال حدَّثني يَحْتَى بِنُ أَبِي كَثِيرٍ قال حدَّثني عَبْدُ الله بنُ أَبِي قَتَادَةَ عِنْ
أَبِيهِ قال قال النَّبِيُّ عَ لَّهِ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ مِنَ الله والْحُلُمْ مِنَ الشَّيْطَانِ فإذَا حَلُمَ أحَدُكُمْ
حُلُمَاً يَخَافُهُ فَلْيَبْصُقْ عِنْ يَسَارِهِ وَلْيَتَعَوَّذْ باللهِ مِنْ شَرِّهِمَا فإنَّهَا لاَ تَضُرُّهِ. [الحديث ٣٢٩٢
- أطرافه في: ٥٧٤٧، ٦٩٨٤، ٦٩٨٦، ٦٩٩٥، ٦٩٩٦، ٧٠٠٥، ٧٠٤٤].
أخرج هذا الحديث من طريقين: الأول: عن أبي المغيرة عبد القدوس بن الحجاج، مر
في: باب تزويج المحرم عن عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن عبد
الله بن أبي قتادة الحارث بن الربعي الأنصاري عن النبي ◌َ ◌ّه. الثاني: عن سليمان بن عبد
الرحمن عن ابنه شرحبيل بن أيوب الدمشقي عن الوليد بن مسلم الدمشقي عن الأوزاعي ...

٢٤٦
٥٩ - كتابُ بَدْءِ الخَلْقِ / باب (١١)
إلى آخره، فالطريق الأولى أعلى، ولكن في الثانية التصريح بتحديث عبد الله بن أبي قتادة
ليحيى بن أبي كثير. والحديث أخرجه البخاري أيضاً في التعبير عن مسدد. وأخرجه النسائي
في اليوم والليلة عن إسحاق بن منصور.
ذكر معناه: قوله: ((الرؤيا الصالحة))، الرؤيا على وزن: فعلى، بلا تنوين، وجمعها:
رؤىّ، مثل: رعىّ، يقال: رأى في منامه رؤيا، وفي اليقظة رأى رؤية، قيل: إن الرؤيا أيضاً
تكون في اليقظة، وعليه تفسير الجمهور في قوله سبحانه وتعالى: ﴿وما جعلنا الرؤيا التي
أريناك إلاّ فتنة للناس﴾ [الإسراء: ٦٠]. إن الرؤيا ههنا في اليقظة، وقال الزمخشري: الرؤيا
بمعنى: الرؤية إلاّ أنها مختصة بما كان منها في المنام دون اليقظة، فلا جرم، فرق بينهما
بحرف التأنيث. وقال الواحدي: الرؤيا مصدر كالبُشرى، إلاَّ أنه لما صار اسماً لهذا المتخيل
في المنام جرى مجرى الأسماء، وقيل: يجوز ترك همزها تخفيفاً. وقوله: الصالحة، إما صفة
موضحة للرؤيا، لأن غير الصالحة تسمى: بالحلم، أو مخصصة، والصلاح إما باعتبار صورتها،
وإما باعتبار تعبيرها، ويقال لها: الرؤيا الصادقة والرؤيا الحسنة. وقال الطيبي: معنى الصالحة
الحسنة: ويحتمل أن تجري على ظاهرها، وأن تجري على الصادقة، والمراد بها صحتها
وتفسير رسول الله، عَ لّهِ المبشرات على الأول ظاهر، لأن البشارة كل خبر صدق يتغير به
بشرة الوجه، واستعمالها في الخير أكثر، وعلى الثاني مؤول، أما على التغليب أو يحمل على
أصل اللغة وإضافتها إلى الله تعالى إضافة اختصاص وإكرام لسلامتها من التخليط وطهارتها
عن حضور الشيطان. قوله: ((والحلم من الشيطان)) أي: الرؤيا الغير الصالحة أي: الكاذبة، أو
السيئة، وإنما نسبت إلى الشيطان لأن الرؤيا الكاذبة يريد بها الشيطان ليسيء ظنه ويحزنه ويقل
حظه من شكر الله، ولهذا أمره بالبصق عن يساره. وعن ابن الجوزي: الرؤيا والحلم بمعنى
واحد، لأن الحلم ما يراه الإنسان في نومه، غير أن صاحب الشرع خص الخير باسم الرؤيا
والشر باسم الحلم. قوله: ((فإذا حلم أحدكم))، بفتح اللام، قال ابن التين: وحلم، - بضم
اللام - عنه بمعنى: عفى عنه، وحلم بالكسر، يقال: حلم الأديم إذا شب قبل أن يدبغ. قوله:
(حلما))، مصدر بضم اللاَّم وسكونها: ويجمع على: أحلام في القلة: وحلوم، في الكثرة، وإنما
جمع وإن كان مصدراً لاختلاف أنواعه، وهو في الأصل عبارة عما يراه الرائي في منامه حسناً
كان أو مكروهاً. قوله: ((يخافه)) جملة في محل النصب لأنها صفة لقوله: حلماً. قوله:
((فليبصق))، دحراً للشيطان بذلك كرمي الجمار، كما يتفل عند الشيء القذر يراه ولا شيء
أقذر من الشيطان، وذكر الشمال لأن العرب عندها إتيان الشر كله من قبل الشمال، ولذلك
سمتها الشؤمي، وكانوا يتشاءمون بما جاء من قبلها من الطير، وأيضاً ليس فيها كثير عمل ولا
بطش ولا أكل ولا شرب. قوله: ((فإنها)) أي: فإن الحلم، وإنما أنث الضمير باعتبار أن الحلم
هو الرؤيا السيئة الكاذبة المكروهة، والرؤيا المكروهة هي التي تكون عن حديث النفس
وشهواتها، وكذلك رؤيا التهويل والتخويف يدخله الشيطان على الإنسان ليشوش عليه في
اليقظة، وهذا النوع هو المأمور بالاستعاذة منه، لأنه من تخيلاته، فإذا فعل المأمور به صادقاً

٢٤٧
٥٩ - كتابُ بَدْءِ الخَلْقِ / باب (١١)
أذهب الله عنه ما أصابه من ذلك.
٣٢٩٣/٩٧ - حدّثنا عبدُ الله بنُ يُوسُفَ أخبرنا مالِكٌ عنْ سُمَيُّ مَوْلَى أبي بَكْرٍ عنْ
أبي صالِحِ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ أنَّ رَسُولَ الله عَ لَّهِ قال مَنْ قال لاَ إلهَ إلاَّ الله
وخدَهُ لاَ شَرِيكَ لَّهُ لَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ وهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فِي يَوْمِ مِائَةَ مَرّةٍ
كانَتْ لَهُ عَذَلَ عَشْرِ رِقَابٍ وكُتِبَتْ لَهُ مِائَةُ حَسَنةٍ ومُحِيَتْ عَنْهُ مِائَةُ سَيْئَةٍ وكَانَتُ لَهُ حِزْزَاً
مِنَ الشَّيْطَانِ يَوْمَهُ ذَلِكَ حتَّى يُحْسِيٍ وَلَمْ يَأتِ أحَدٌ بِأَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ إِلاَّ أَحَدٌ عَمِلَ أَكْثَرَ
مِنْ ذَلِكَ. [الحديث ٣٢٩٣ - طرفه في: ٦٤٠٣].
سمي، بضم السين المهملة وفتح الميم وتشديد الياء: مولى أبي بكر بن عبد الرحمن
ابن الحارث بن هشام بن المغيرة القرشي المخزومي المدني، وأبو صالح ذكوان الزيات.
والحديث أخرجه البخاري في الدعوات أيضاً. وأخرجه مسلم في الدعوات عن يحيى
ابن يحيى. وأخرجه الترمذي فيه عن إسحاق بن موسى. وأخرجه ابن ماجه في ثواب التسبيح
عن أبي بكر بن أبي شيبة.
قوله: ((عدل))، بفتح العين، أي: مثل ثواب إعتاق عشر رقاب. قوله: ((حرزا))، بكسر
الحاء المهملة، وهو الموضع الحصين ويسمى التعويذ أيضاً حرزاً. قوله: ((يومه))، نصب على
الظرف. قوله: ((ذلك))، إشارة إلى اليوم الذي دعا فيه بهذا الكلام المشتمل على الاعتراف
بالوحدانية، وعلى الشكر لله والإقرار بقدرته على كل شيء. قوله: ((عمل))، في محل الرفع
لأنه صفة لقوله: أحد. قوله: ((من ذلك))، أي: من العمل الذي عمله الأول.
٩٨ /٣٢٩٤ _ حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله حدَّثنا يَعْقُوبُ بنُ إِبْرَاهِيمَ حدَّثنا أبِي عنْ
صالِحٍ عنِ ابنِ شِهَابٍ قال أخْبَرَنِي عَبْدُ الْحَميدِ بنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ بنَ زَيْدِ أنَّ مُحَمَّدَ بنَ سَعْدٍ
ابنِ أَبِي وقَّاصٍ أخْبَرَهُ أنَّ أَبَا سَعْدَ بنَ أبِي وَقَّاصٍ قال اسْتَأْذَنَّ عُمَرُ عَلَى رَسُولِ اللهِ عَ ليه
وعِنْدَهُ نِساءٌ مِنْ قُرَيْشٍ يُكَلِّمْنَهُ ويَسْتَكْثِرْنَهُ عالِيَةٌ أَصْوَاتُهُنَّ فَلَمَّا اسْتَأْذَنَ عُمَرُ قُمْنَ يَبْتَدِرْنَ
الحِجَابَ فأذِنَ لَهُ رَسُولُ اللهِ عَ لَّهِ ورسُولُ الله عَ لَّهِ يَضْحَكُ فقال عُمَرُ أَضْحَكَ الله سِنَّكَ يا
رسُولَ الله قال عَجِبْتُ مِنْ هَؤُلاءِ اللَّتِي كُنَّ عِنْدِي فَلَمَّا سَمِعْنَ صَوْتَكَ ابْتَدَرْنَ الحِجَابَ قال
عُمَرُ فَأنْتَ يا رسولَ الله كُنْتَ أَحَقَّ أنْ يَهَبْنَ ثُمَّ قال أي عَدُوَّاتِ أَنْفُسِهِنَّ أَتَهَبْنَنِي ولاَ تَهَبْنَ
رسُولَ اللهِ عَِّ قُلْنَ نَعَمْ أَنْتَ أَفَظُ وأَعْلَظُ مِنْ رَسُولِ اللهِعَ لِّ قال رَسُولُ اللهِعَّ ◌َّهِ وَالَّذِي
نَفْسِي بِيَدِهِ ما لَقِيَكَ الشَّيْطَانُ قَطُّ سالِكَاً فَجّاً إلاَّ سَلَكَ فَجَّاً غَيْرَ فَجِّكَ. [الحديث ٣٢٩٤
- طرفاه في: {٣٦٨٣، ٦٠٨٥].
علي بن عبد الله المعروف بابن المديني، ويعقوب بن إبراهيم يروي عن أبيه إبراهيم
ابن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، رضي الله تعالى عنه، وصالح هو ابن کیسان،
وابن شهاب محمد بن مسلم الزهري.
والحديث أخرجه البخاري أيضاً في فضل عمر عن عبد العزيز بن عبد الله وإسماعيل

٢٤٨
٥٩ - كتابُ بَدْءِ الخَلْقِ / باب (١١)
ابن عبد الله فرقهما، وأخرجه مسلم في الفضائل عن منصور بن أبي مزاحم وعن الحسن بن
علي الحلواني وعبد بن حميد. وأخرجه النسائي في المناقب وفي اليوم والليلة عن محمد بن
عبد الله بن عبد الحكم وفيه أربعة من التابعين وهم صالح ومن بعده.
قوله: ((يكلمنه))، أي: يكلمن رسول الله، عَّهِ. قوله: ((ويستكثرنه))، أي: يطلبن كثيراً
من كلامه وجوابه، ويحتمل أن يكون من العطاء، ويؤيده أنه ورد في رواية أنهن يردن النفقة.
قوله: ((عالية أصواتهن))، هذه الجملة وقعت حالاً من الضمير الذي في: يكلمنه، وأصواتهن،
بالرفع لأن اسم الفاعل يعمل عمله فعله، وعلو أصواتهن يحمل على أنه كان قبل النهي عن
رفع الصوت، أو يحمل على أنه لاجتماعهن، حصل لغط من كلامهن أو يكون فيهن من هي
جهيرة الصوت أو يحمل على أنهن لما علمن عفوه وصفحه سمحن في رفع الصوت. قوله:
((يبتدرون))، أي: يتسارعن، والجملة حال من الضمير الذي في: قلن. قوله: ((ورسول الله،
عَ ◌ِّ يضحك))، جملة حالية. قوله: ((أضحك الله سنك))، ليس دعاء بكثرة الضحك حتى
يعارضه قوله تعالى: ﴿فليضحكوا قليلاً﴾ [التوبة: ٨٢]. بل المراد لازمه وهو السرور، أو الآية
ليست عامة شاملة له عَّه قاله الكرماني. وفيه نظر، والوجه هو الأول.
قوله: ((يهبن)) بفتح الهاء من: الهيبة. قوله: ((أي: عدوات))، أي: يا عدوات. قوله:
((أفظ وأغلظ))، والفظاظة والغلظ بمعنى واحد، هي عبارة عن شدة الخلق وخشونة الجانب.
فإن قلت: الأفظ والأغلظ يقتضي الشركة في أصل الفعل، فيلزم أن يكون رسول الله، عَ له
فظاً غليظاً، وقد نفى الله عنه ذلك بقوله: ﴿ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك﴾
[آل عمران: ١٥٩]. قلت: لا يلزم منه إلاّ نفس الفظاظة والغلظ، وهو أعم من كونه فظاً
غليظاً، لأنهما صفة مشبهة يدلان على الثبوت والعام لا يستلزم الخاص أو الأفضل ليس بمعنى
الزيادة، لقوله تعالى: ﴿هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض﴾ [النجم: ٣٢]. هذا كله كلام
الكرماني، وفي النفس منه قلق، والأوجه أن يقال: إنه على المفاضلة، وإن القدر الذي بينهما
في رسول الله، عَّ هو ما كان إغلاظه على الكفار والمنافقين، قال الله تعالى: ﴿جاهد
الكفار والمنافقين وأغلظ عليهم﴾ [التوبة: ٧٣، والتحريم: ٩]. قوله: ((فجاً)) بفتح الفاء
وتشديد الجيم هو: الطريق الواسع، وقيل: هو الطريق بين الجبلين، وقال عياض: يحتمل أنه
ضرب مثلاً لبعد الشيطان وأعوانه من عمر، رضي الله تعالى عنه، وأنه لا سبيل لهم عليهم،
أي: إنك إذا سلكت في أمر بمعروف أو نهي عن منكر تنفذ فيه ولا تتركه فييأس الشيطان من
أن يوسوس فيه فتتركه وتسلك غيره، وليس المراد به الطريق على الحقيقة، لأن الله تعالى:
﴿إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم﴾ [الأعراف: ٢٧]. فلا يخافه إذاً في فج لأنه لا
يراه. وقال الكرماني: فإن قلت: فيلزم من ذلك أن يكون عمر أفضل من أيوب النبي عَ ◌ّهِ، إذ
قال: ﴿مسني الشيطان بنصب وعذاب﴾ [ص: ٤١]. قلت: لا، إذ التركيب لا يدل إلاَّ على
الزمان الماضي وذلك أيضاً مخصوص بحال من الإسلام، فليس على ظاهره، وأيضاً هو مقيد
بحال سلوك الطريق، فجاز أن يلقاه في غير تلك الحالة. انتهى. قلت: الجواب الأخير موجه،

٢٤٩
٥٩ - كتابُ بَدْءِ الخَلْقِ / باب (١١)
والذي ذكرناه آنفاً أوجه من الكل والله أعلم.
وفيه: لا ينبغي الدخول على أحد إلاَّ بعد الاستئذان.
٩٩/ ٣٢٩٥ _ حدَّثني إبْرَاهِيمُ بنُ حَمْزَةَ قال حدَّثني ابنُ أَبِي حازِمٍ عنْ يَزِيدَ عنْ
مُحَمَّدٍ بِنِ إِبْرَاهِيمَ عِنْ عِيسَى بِنِ طَلْحَةَ عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنه عنِ النَّبِيِّ عَّ
صلى اللّه
قال إذَا اسْتَيْقَظَ أُرَاهُ أحَدُكُمْ مِنْ مَنَامِهِ فَتَوَضَّأْ فَلْيَسْتَنْثِرْ ثَلاثَاً فإنَّ الشَّيْطَانَ يَبِيتُ عَلَى
خَيْشُومِهِ.
إبراهيم بن حمزة، بالحاء المهملة والزاي: أبو إسحاق الزبيري الأسدي المديني، وابن
أبي حازم عبد العزيز بن أبي حازم واسمه ثعلبة بن دينار، ويزيد، بالياء آخر الحروف في أوله:
هو يزيد بن الهاد، والهاد أحد أجداده لأن يزيد هذا هو ابن عبد الله بن أسامة بن الهاد،
ويقال: يزيد بن عبد الله بن شداد بن أسامة بن عمرو، وهو الهاد بن عبد الله ومحمد بن
إبراهيم بن الحارث أبو عبد الله التيمي القرشي المديني، مات سنة عشرين ومائة، وعيسى بن
طلحة بن عبيد الله بن عثمان التيمي القرشي، مات في زمن عمر بن عبد العزيز، رضي الله
تعالى عنه.
والحديث أخرجه مسلم في الطهارة عن بشر بن الحكم. وأخرجه النسائي فيه عن
محمد بن زنبور المكي.
قوله: ((أراه) أي: أظنه. قوله: ((فليستنثر))، أمر من الاستئثار، وهو نثر ما في الأنف
بنفس. قاله الجوهري، وقيل: أن يستنشق الماء ثم يستخرج ما فيه من أذىّ أو مخاط،
وكذلك الاستئثار، وقيل: فليستنثر أكثر فائدة من قوله: فليستنشق، لأن الاستنثار يقع على
الاستنشاق بغير عكس، فقد يستنشق ولا يستنثر، والاستئثار من تمام فائدة الاستنشاق، لأن
حقيقة الاستنشاق جذب الماء بريح الأنف إلى أقصاه، والاستئثار إخراج ذلك الماء. قلت:
ومما يدل على أن الاستئثار غير الاستنشاق ما روي أنه عَّله، قال: إذا توضأ أحدكم
فليجعل الماء في أنفه ثم ليستنثر، رواه أبو هريرة، وروى: أنه عَّهِ كان يستنشق ثلاثاً في
كل مرة يستنثر، وقد مر في كتاب الطهارة في: باب الاستنثار في الوضوء حديث أبي هريرة
من رواية أبي إدريس عنه عن النبي عَّهِ أنه قال: من توضأ فليستنثر، ومن استجمر فليوتر،
وفي: باب الاستجمار أيضاً من رواية الأعرج عنه: أن رسول الله، عَّ اللّه قال: ((إذا توضأ
أحدكم فليجعل في أنفه ماء ثم لينتثر .. )) الحديث، ومرت زيادة الكلام فيه هناك. قوله:
((على خيشومه))، بفتح الخاء المعجمة وسكون الياء آخر الحروف وضم المعجمة، قال
الكرماني: هو أقصى الأنف، وفي (التوضيح): هو الأنف. وقال الداودي: هو المنخران والياء
فيه زائدة، يقال: رجل أخشم إذا لم يجد رائحة الطيب، وقيل: الأخشم منتن الخيشوم، وقيل:
الأخشم الذي لا يجد ريح الشيء أصلاً وهو الخشام، والخشم ما يسيل من الخيشوم، ثم
ظاهر الحديث يقتضي أن هذا يقع لكل نائم، ولكن يمكن أن يقال: هذا يقع لمن يحترس من

٢٥٠
٥٩ - كتابُ بَدْءِ الخَلْقِ / باب (١٢)
الشيطان بشيء من الذكر، فإنه روي من حديث أبي هريرة: أن في ذكر الله حرزاً من
الشيطان.
١٢ - بابُ ذِكْرِ الجِنِّ وثَوَابِهِمْ وعِقَابِهِمْ
أي: هذا باب في بيان وجود الجن، وفي بيان أنهم يثابون بالخير ويعاقبون بالشر،
والكلام فيه على أنواع:
الأول: في وجود الجن: فقال الشيخ أبو العباس بن تيمية، رحمه الله: لم يخالف
أحد من طوائف المسلمين في وجود الجن، وجمهور طوائف الكفار على إثبات الجن وإن
وجد فيهم من ينكر ذلك فكما يوجد في بعض طوائف المسلمين: كالجهمية والمعتزلة، من
ينكر ذلك، وإن كان جمهور الطائفة وأئمتها مقرين بذلك، وهذا لأن وجود الجن قد تواترت
به أخبار الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام، تواتراً معلوماً بالاضطرار، وقال إمام الحرمين في
كتابه (الشامل): اعلموا، رحمكم الله، إن كثيراً من الفلاسفة وجماهير القدرية وكافة الزنادقة
أنكروا الشياطين والجن رأساً، ولا يبعد لو أنكر ذلك من لا يتدين ولا يتشبث بالشريعة، وإنما
العجب من إنكار القدرية مع نصوص القرآن وتواتر الأخبار واستفاضة الآثار. وقال أبو القاسم
الأنصاري في (شرح الإرشاد): وقد أنكرهم معظم المعتزلة ودل إنكارهم إياهم على قلة
مبالاتهم وركاكة ديانتهم، فليس في إثباتهم مستحيل عقلي، وقد دلت نصوص الكتاب
والسنة على إثباتهم. وقال القاضي أبو بكر الباقلاني: وكثير من القدرية يثبتون وجود الجن
قديماً، وينفون وجودهم الآن، ومنهم من يقر بوجودهم ويزعم أنهم لا يُرون لرقة أجسامهم
ونفوذ الشعام فيها، ومنهم من قال: إنما لا يُرون لأنهم لا ألوان لهم. وقال عبد الجبار
المعتزلي: الدليل على إثباتهم السمع دون العقل إذ لا طريق إلى إثبات أجسام غائبة، لأن
الشيء لا يدل على غيره من غير أن يكون بينهما تعلق.
النوع الثاني في بيان ابتداء خلق الجن: قال أبو حذيفة إسحاق بن بشر القرشي
في (المبتدأ): حدثنا عثمان بن الأعمش عن بكير بن الأخنس عن عبد الرحمن بن سليط
القرشي عن ابن عباس عن عمرو بن العاص، قال: خلق الله الجن قبل آدم بألفي سنة، ويقال:
عمروا الأرض ألفي سنة، وعن ابن عباس: كان الجن سكان الأرض والملائكة سكان السماء
وهم عمارها. وقال إسحاق بن بشر: حدثني جويبر وعثمان بإسنادهما أن الله تعالى خلق
الجن وأمرهم بعمارة الأرض، فكانوا يعبدون الله تعالى، فطال بهم الأمد فعصوا الله وسفكوا
الدماء، وكان فيهم ملك يقال له: يوسف، فقتلوه فأرسل الله عليهم جنداً من الملائكة كانوا
في السماء الدنيا كان فيهم إبليس، وكانوا أربعة آلاف، فهبطوا فنفوا بني الجان وأجلوهم
عنها وألحقوهم بجزائر البحر، وسكن إبليس والجند الذين كانوا معه الأرض فهان عليهم
العمل وأحبوا المكث فيها.
النوع الثالث في بيان خلقهم مماذا؟ قال الله تعالى: ﴿وخلق الجان من مارج

٢٥١
٥٩ - كتابُ بَدْءِ الخَلْقِ / باب (١٢)
من نار﴾ [الرحمن: ١٥]. وروى مسلم من حديث عائشة، قالت: قال رسول الله، عَ طّ:
((خلقت الملائكة من نور وخلق الجان من مارج من نار وخلق آدم مما وصف لكم)). فثبت
أن أصل الجن النار، كما أن أصل الإنس الطين. وحكى الله تعالى في القرآن عن قوله:
﴿خلقتني من نار﴾ [الأعراف: ١٢، وص: ٧٦]. فهذا أيضاً يدل على أن أصل الجن النار.
فإن قلت: يجوز أن يكذب في ذلك أو يظنه ولا يكون له علم به. قلت: لو لم يكن الأمر
على ما قاله لأنزل الله تعالى تكذيبه، لأن عدم تكذيب الكاذب ممن لا يجوز عليه الخوف
والجهل قبيح. فإن قلت: في النار من اليبس ما لا يصح وجود الحياة فيها والحياة في
وجودها يحتاج إلى رطوبة. قلت: فالله قادر على أن يفعل رطوبة في تلك النار بمقدار ما يصح
وجود الحياة فيها، مع أن أبا هاشم جوز وجود الحياة مع عدم التنفس، ويقول: إن أهل النار
لا يتنفسون.
النوع الرابع: في أنهم أجسام وأنهم على صور مختلفة، قال القاضي أبو يعلى محمد
ابن الحسين بن الفراء الحنبلي: الجن أجسام مؤلفة وأشخاص ممثلة، ويجوز أن تكون رقيقة
وأن تكون كثيفة خلافاً للمعتزلة في قولهم: إنهم أجسام رقيقة ولرقتها لا نراهم. قلنا: الرقة
ليس بمانعة عن الرؤية في باب الرؤية، ويجوز أن تكون الأجسام الكثيفة موجودة ولا نراها إذا
لم يخلق الله فينا الإدراك، وحكى أبو القاسم الأنصاري عن القاضي أبي بكر: نحن نقول إنما
رآهم من رآهم لأن الله خلق لهم الرؤية، وأن من لم يخلق له الرؤية لا يراهم وأنهم أجساد
مؤلفة وجثث، وقال كثير من المعتزلة: إنهم أجساد رقيقة بسيطة. وقال القاضي عبد الجبار:
أجسام الجن رقيقة ولضعف أبصارنا لا نراهم لا لعلة أخرى، ولو قوى الله أبصارنا أو كثف
أجسامهم لرأيناهم. وقال السهيلي: الجن ثلاثة أصناف، كما جاء في حديث: صنف على
صور الحيات، وصنف على صورة كلاب سود، وصنف ريح طيارة. أو قال: هفافة ذو
أجنحة، وهم يتصورون في صور الحيات والعقارب، وفي صور الإبل والبقر والغنم والخيل
والبغال والحمير، وفي صور الطير، وفي صور بني أدم. وقال القاضي أبو يعلى: ولا قدرة
للشياطين على تغيير خلقهم والانتقال في الصور، وإنما يجوز أن يعلمهم الله كلمات وضرباً.
من ضروب الأفعال، إذا فعله وتكلم به نقله من صورة إلى صور أخرى. وأما أن يصور نفسه
فذاك محال.
النوع الخامس: في أن الجن على أنواع منهم: الغول، وهو العفريت، قالوا: إن
الغول حيوان لم تحكمه الطبيعة وأنه لما خرج منفرداً توحش ولم يستأنس وطلب القفار،
ويتلون في ضروب من الصور ويتراءى في الليل وفي أوقات الخلوات لمن كان مسافراً وحده
فيتوهم أنه إنسان ويضل المسافر عن الطريق، ومنهم: السعلاة، وهي مغايرة للغول، وأكثر ما
يوجد في الفيافي إذا ظفرت بإنسان ترقصه وتلعب به كما تلعب السنور بالفأر، ومنهم:
الغدار، وهو يوجد بأكناف اليمن وربما يوجد في أرض مصر إذا عاينه الإنسان خر مغشياً
عليه. ومنهم: الولهان، يوجد في جزائر البحر وهو في صورة إنسان راكب على نعامة يأكل

٢٥٢
٥٩ - كتابُ بَدْءِ الخَلْقِ / باب (١٢)
الناس الذين يقذفهم البحر، ومنهم: الشق، كنصف آدمي بالطول زعموا أن النسناس مركبه
يظهر للناس في أسفارهم. ومنهم: من يأنس بالآدميين ولا يؤذيهم. ومنهم: من يختطف النساء
الأبكار. ومنهم: من هو في صورة الوزغ. ومنهم: من هو على صورة الكلاب.
النوع السادس: في وجه تسمية الجن بهذا الإسم: قال ابن دريد: الجن خلاف
الإنس، يقال: جنه الليل وأجنه وجن عليه وغطاه في معنى واحد: إذا ستره، وكل شيء استتر
عنك فقد جن عنك، وبه سميت الجن، وكان أهل الجاهلية يسمون الملائكة جناً لاستتارهم
عن العيون، والجن والجنة واحد، والجنة ما واراك من سلاح، قال: والحن - بالحاء المهملة
- ضرب من الجن، قال الراجز:
يلعبن أحوالي من حن وجن
وقال أبو عمير الزاهد: الحن كلاب الجن وسفلتهم، ووقع في كلام السهيلي: في
النتائج أن الجن يشمل الملائكة وغيرهم مما اجتن عن الأبصار.
النوع السابع: في بيان أن الجن هل يأكلون ويشربون ويتناكحون ويتوالدون؟ وللناس
فيه أقوال: الأول: أن جميع الجن لا يأكلون ولا يشربون، وهذا قول ساقط. الثاني: أن صنفاً
منهم يأكلون ويشربون وصنفاً لا يأكلون ولا يشربون. الثالث: أن جميعهم يأكلون ويشربون.
واختلفوا في صفة أكلهم وشربهم، فقال بعضهم: أكلهم وشربهم تشمم واسترواح لا مضغ
ولا بلع، وهذا قول لا يدل عليه دليل، وقال آخرون: أكلهم وشربهم مضغ وبلع، ويدل عليه
ما رواه أبو داود من حديث أمية بن محشي، وفيه: ما زال الشيطان يأكل معه، فلما ذكر الله
تعالى استقى ما في بطنه. وسئل وهب بن منبه عن الجن: ما هم؟ وهل يأكلون ويشربون
ويتناكحون ويتوالدون ويموتون؟ فقال: هم أجناس، فأما خالص الجن فهم ريح لا يأكلون ولا
يشربون ولا يتناكحون ولا يتوالدون، ومنهم أجناس يأكلون ويشربون ويتناكحون ويتوالدون
منهم: السعالي والغول والقطرب وغير ذلك، رواه أبو عمر بإسناده عنه.
النوع الثامن: في بيان تكليف الجن: قال أبو عمر: الجن عند الجماعة مكلفون
مخاطبون. لقوله تعالى: ﴿يا معشر الجن والإنس﴾ [الأنعام: ١٣٠، والرحمن: ٣٣]. وذكر
عن الحشوية أنهم مضطرون إلى أفعالهم وأنهم ليسوا بمكلفين، وعلى القول بتكليفهم: هل
لهم ثواب وعليهم عقاب أم لا؟ واختلف العلماء فيه على قولين: فقيل: لا ثواب لهم إلاّ
النجاة من النار، ثم يقال لهم: كونوا تراباً مثل البهائم، وهو قول أبي حنيفة، حكاه ابن حزم
وغيره عنه، وقال ابن أبي الدنيا: حدثنا داود عن عمر والضبي حدثنا عفيف بن سالم عن
سفيان الثوري عن ليث بن أبي سليم، قال: ثواب الجن أن يجاروا من النار، ثم يقال لهم:
كونوا تراباً. القول الثاني: أنهم يثابون على الطاعة ويعاقبون على المعصية، وهو قول ابن أبي
ليلى ومالك والأوزاعي وأبي يوسف ومحمد، ونقل أيضاً عن الشافعي وأحمد، وسئل ابن
عباس، رضي الله تعالى عنهما، فقال: نعم، لهم ثواب وعليهم عقاب. واتفق العلماء على أن

٢٥٣
٥٩ - كتابُ بَدْءِ الخَلْقِ / باب (١٢)
كافر الجن يعذب في الآخرة لقوله تعالى: ﴿النار مثواكم﴾ [الأنعام: ١٢٨]. واختلفوا في
مؤمني الجن، هل يدخلون الجنة؟ على أربعة أقوال: والجمهور على أنهم يدخلونها، حكاه
ابن حزم في (الملل) عن ابن أبي ليلى، وأبي يوسف وجمهور الناس. قال: وبه نقول، ثم
اختلفوا هل يأكلون ويشربون؟ فروى سفيان الثوري في (تفسيره) عن جويير عن الضحاك أنهم
يأكلون ويشربون، وعن مجاهد أنهم يدخلونها ولكن لا يأكلون ولا يشربون ويلهمون من
التسبيح والتقديس ما يجده أهل الجنة من لذة الطعام والشراب، وذهب الحارث المحاسبي
إلى أنهم يدخلون الجنة، نراهم يوم القيامة ولا يروننا عكس ما كانوا عليه في الدنيا.
القول الثاني: إنهم لا يدخلون الجنة بل يكونون في ربضها يراهم الإنس من حيث
لا يرونهم، وهذا القول مأثور عن مالك والشافعي وأحمد وأبي يوسف ومحمد، حكاه ابن
تيمية، وهو خلاف ما حكاه ابن حزم. القول الثالث: أنهم على الأعراف. القول الرابع:
الوقف. وروى الحافظ أبو سعيد عن عبد الرحمن محمد بن الكنجرودي في (أماليه) بإسناده
إلى الحسن عن أنس، رضي الله تعالى عنه، عن النبي عَّهِ قال: ((إن مؤمني الجن لهم
ثواب وعليهم عقاب)). فسألنا عن ثوابهم، فقال: على الأعراف، وليسوا في الجنة. فقالوا: ما
الأعراف؟ قال: حائط الجنة تجري منه الأنهار وتنبت فيه الأشجار والثمار، وقال الحافظ
الذهبي: هذا حديث منكر جداً، ثم إن مؤمني الجن إذا دخلوا الجنة هل يرون الله تعالى؟
فقد وقع في كلام عبد السلام في (القواعد الصغرى) ما يدل على أنهم لا يرون الله تعالى.
وأن الرؤية مخصوصة بمؤمني البشر، فإنه صرح بأن الملائكة لا يرون الله تعالى في الجنة،
ومقتضى هذا أن الجن لا يرونه.
النوع التاسع: هل كان فيهم نبي منهم أو لا؟ فروى الطبري من طريق الضحاك بن
مزاحم، إثبات ذلك، وجمهور العلماء سلفاً وخلفاً على أنه لم يكن من الجن نبي قط ولا
رسول، ولم تكن الرسل إلّ من الإنس، ونقل هذا عن ابن عباس وابن جريج ومجاهد والكلبي
وأبي عبيد والواحدي، وذكر إسحاق بن بشر في (المبتدأ): عن ابن عباس أن الجن قتلوا نبياً
لهم قبل آدم، عليه الصلاة والسلام، اسمه يوسف، وأن الله تعالى بعث إليهم رسولاً وأمرهم
بطاعته. ومن ذهب إلى قول الضحاك يستدل أيضاً بقوله تعالى: ﴿يا معشر الجن والإنس ألم
يأتكم رسل منكم ... ﴾ [الأنعام: ١٣٠]. الآية.
النوع العاشر: في بيان فِرَقِ الجن قد أخبر الله تعالى عن الجن أنهم قالوا: ﴿وأنا منَّا
الصالحون ومنَّا دون ذلك كنا طرائق قدداً﴾ [الجن: ١١]. أي: مذاهب شتى مسلمون
ويهود، وكان جن نصيبين يهوداً. وقال الإمام أحمد في (كتاب الناسخ والمنسوخ): حدثنا
مطلب بن زياد عن السدي، قال: في الجن قدرية ومرجئة وشيعة، وحكى السدي أيضاً عن
أشياخه أن في الجن المؤمن والكافر والمعتزلة والجهمية وجميع الفرق.
فوائد: قال الحسن البصري: الشياطين أولاد إبليس لا يموتون إلاَّ معه، والجن يموتون
قبله. وقال إسحاق: قال أبو روق عن عكرمة عن ابن عباس، قال: لما خلق الله شوما أبا

٢٥٤
٥٩ - كتابُ بَدْءِ الخَلْقِ / باب (١٢)
الجن، وهو الذي خلق من مارج من نار، فقال تبارك وتعالى: تمنّ. فقال: أتمنَّى أن نَرى ولا
تُرى، وأن نغيب في الثرى، وأن يصير كهلنا شاباً. فأعطي ذلك، فهم يرون ولا يُرون، وإذا
ماتوا غيبوا في الثرى ولا يموت كهلهم حتى يعود شاباً، يعني: مثل الصبي ثم يرد إلى أرذل
العمر. وسئل أبو البقاء العكبري الحنبلي عن الجن: ((هل تصح الصلاة خلفهم؟ قال: نعم،
لأنهم مكلفون، والنبي عَّ له أرسل إليهم)).
لِقَوْلِهِ تعالى ﴿يَا مَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي﴾
إلى قَوْلِهِ ﴿عَمَّا يَعْمَلُون﴾ [الأنعام: ١٣٠].
اللام في: لقوله، للتعليل للترجمة لأجل الاستدلال به، وجه الاستدلال إن قوله تعالى:
ينذرونكم، يدل على العقاب، وقوله: ﴿ولكل درجات مما عملوا﴾ [الأنعام: ١٣٢،
والأحقاف: ١٩]. يدل على الثواب، وتمام الآية.
بَخْساً نَقْصاً
أشار به إلى ما في قوله تعالى: ﴿فمن يؤمن بربه فلا يخاف بخساً﴾ [الجن: ١٣].
فسر البخس بقوله: ((نقصاً)) قال الفراء: البخس: النقص، والرهق: الظلم، فدلت الآية أن من
يكفر يخاف، والخوف يدل على كون الجن مكلفين لأن الآية فيهم.
وقالَ مُجَاهِدٌ ﴿وَجعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبٌ﴾ [الصافات: ١٥٨]. قال كُفَّارُ قُرَيْشِ
المَلائِكَةُ بَناتُ اللهِ وَأُمَّهَاتُهُمْ بَناتُ سَرَوَاتِ الجِنِّ قال الله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُ الجِنَّةُ
إِنَّهُمْ لَمُخْضَرُونَ﴾ [الصافات: ١٥٨]. ستُخْضَرُ لِلْحِسابِ ﴿جُنْدٌ مُخْضَرُونَ﴾
[يس: ٧٥]. عند الحِسَابِ
أي: قال مجاهد في تفسير قوله تعال: ﴿وجعلوا بينه وبين الجنة نسباً﴾ أن كفار قريش
قالوا: إن الملائكة بنات الله وأمهات الملائكة هن بنات سروات الجن أي: ساداتهم،
والسروات جمع سراة جمع سري وهو نادر شاذ، لأن فعلات لا يجمع على فعلة، كذا قاله
صاحب (التوضيح)، وليس كذلك، والصواب ما قاله الجوهري: السرو سخاء في مروءة،
يقال: سرا يسرو سري - بالكسر - يسري سرواً فيهما، وسرو يسرو سراوة، أي: صار سرياً،
وجمع السري: سراة، وهو جمع عزيز أن يجمع فعيل على فعلة، ولا يعرف غيره، وجمع
السراة سراواة، وأثر مجاهد المعلق أخرجه ابن جرير من حديث ابن أبي نجيح عنه بزيادة،
فقال أبو بكر: فمن أمهاتهن؟ فقالوا: بنات سروات الجن، يحسبون أنهم خلقوا مما خلق منه
إبليس، لعنه الله. انتهى. ووقع ههنا أمهاتهن، والصواب: أمهاتهم، مثل ما وقع في رواية
البخاري. قوله قال الله تعالى: ﴿ولقد علمت الجنة إنهم لمحضرون﴾ [الصافات: ١٥٨].
وقبله: ﴿وجعلوا بينه وبين الجنة نسباً﴾ [الصافات: ١٥٨]. أي: جعل مشركو مكة بينه أي:
بين الله وبين الجنة نسباً، وهو زعمهم أن الملائكة بنات الله سموا الملائكة جنة لاجتنانهم
عن الأبصار، والمعنى: جعلوا بما قالوه نسبة بين الله وبين الملائكة، وأثبتوا بذلك جنسية

٢٥٥
٥٩ - كتابُ بَدْءِ الخَلْقِ / باب (١٢)
جامعة لله وللملائكة، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، وقال الكلبي: قالوا - لعنهم الله - بل
تزوج من الجن فخرج منها الملائكة يقال لهم: الجن، ومنهم إبليس هم بنات الله تعالى عن
ذلك، وقال الحسن: أشركوا الشيطان في عبادة الله فهو النسب الذي جعلوه.
قوله: ﴿ولقد علمت الجنة إنهم﴾ [الصافات: ١٥٨]. أي: إن قائلي هذا القول
﴿المحضرون﴾ [الصافات: ١٥٨]. في النار، وإذا فسرت الجنة بالشياطين يجوز أن يكون
الضمير في: إنهم، للشياطين، والمعنى: ولقد علمت الشياطين إنهم لمحضرون يعني: أن الله
يحضرهم في النار ويعذبهم. قوله: ﴿جند محضرون﴾ [يس: ٧٥]. هذا في آخر سورة يس،
ولا تعلق له بالجن، لكن ذكر لمناسبة الإحضار للحساب، وأول الآية ﴿واتخذوا من دون الله
آلهة لعلهم ينصرون لا يستطيعون نصرهم وهم لهم جند محضرون﴾ [يس: ٧٥]. أشار الله
تعالى بهذه الآية إلى زيادة ضلالهم ونهايتها، فإنه كان الواجب عليهم عبادة الله شكراً لأنعمه
فكفروها، وأقبلوا على عبادة من لا يضرهم ولا ينفعهم لعلهم ينصرون، أي: ليمنعهم من
عذاب الله، ولا يكون ذلك ولا يستطيعون نصرهم، أي: خاب أملهم، والأمر على خلاف ما
توهموا وتوقعوا، وهم لهم جند محضرون لعذابهم لأنهم مع أوثانهم في النار، فلا يدفع
بعضهم عن بعض النار لأنهم يجعلون وقود النار. وقال الكرماني: ويحتمل أن يقال: لفظ:
آلهة، في الآية متناول للجن لأنهم أيضاً اتخذوهم معابيد، والله أعلم. قلت: كأنه أشار بهذا
إلى وجه مناسبة ذكر قوله: ﴿جند محضرون﴾ [يَس: ٧٥]. ههنا بما ذكره هو، وقال
بعضهم: وقع في رواية الكشميهني: ((جند محضر))، بالإفراد. قلت: الصواب: محضرون، لأن
القرآن هكذا.
٣٢٩٦/١٠٠ - حدّثنا قُتَيْبَةُ عنْ مَالِكِ عنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بنِ أبِي صَعْصَعَةَ الأَنْصَارِيِّ
عن أبِيهِ أَنَّهُ أُخْبَرَهُ أنَّ أَبَا سَعِيدِ الخُدْرِيَّ رضي الله تعالى عنه قال لَهُ إِنِّي أَرَاكَ تُحِبُّ الْغَنَمَ
والبادِيَةَ فِإِذَا كُنْتَ في غَنَمِكَ وبادِيَتَكَ فَأَذَّنْتَ بَالصَّلاةِ فارْفَعْ صَوْتَكَ بالنِّدَاءِ فإِنَّهُ لاَ يَسْمَعُ
مَدَى صَوْتِ الْمُؤَذِّن جِنٍّ ولاَ إنْسٌ ولاَ شَيْءٌ إلاَّ شَهِدَ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ قال أبُو سَعِيدٍ سَمِعْتُهُ مِنْ
رَسُولِ اللهِ عَِّ. [انظر الحديث ٦٠٩ وطرفه].
مطابقته للترجمة في قوله: جن، وهو أيضاً يدل على وجود الجن، خلافاً لمن أنكر
ذلك، وقد مر الكلام فيه عن قريب مستقصىّ.
وعبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة الأنصاري، وأبو صعصعة
عمرو بن زيد بن عوف بن مبذول بن عمرو بن غنم بن مازن بن النجار، وكان لأبي صعصعة
أربعة أولاد: الحارث وجابر وقيس وأبو كلاب، كلهم أصحاب، فالحارث قتل يوم اليمامة،
وقتل جابر وأبو كلاب يوم مؤتة شهيدين، وقيس كان على الساقة يوم بدر وشهدا أحداً، قال
أبو عمر: لا يوقف له على وقت وفاته. والحديث قد مضى في كتاب الصلاة في: باب رفع
الصوت بالنداء.

٢٥٦
٥٩ - كتابُ بَدْءِ الخَلْقِ / باب (١٣)
١٣ - بابُ قَوْلِ الله جَلَّ وعَزَّ: ﴿وإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرَاً مِنَ الجِنِّ﴾ إلى قَوْلِهِ
﴿أُوْ لَئِكَ فِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ﴾ [الأحقاف: ٢٩ - ٣٢].
أي: هذا باب في بيان تفسير قوله تعالى: ﴿وإذ صرفنا﴾ [الأحقاف: ٢٩ - ٣٢]. فعن
قريب نذكر تفسير: صرفنا، وتمام الآية وما بعدها إلى قوله: ﴿أولئك في ضلال مبين﴾
[الأحقاف: ٢٩ - ٣٢]. هو قوله تعالى: ﴿يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا فلما
قضى ولوا إلى قومهم منذرين قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتاباً أنزل من بعد موسى مصدقاً لما بين
يديه يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به يغفر لكم من
ذنوبكم ويُجِزْكم من عذاب أليم ومن لا يجب داعي الله فليس بمعجز في الأرض وليس له
من دونه أولياء أولئك في ضلال مبين﴾ [الأحقاف: ٢٩ - ٣٢]. وإنما ذكر بعض هذه الآية
ثم قال إلى قوله أولئك في ضلال مبين إشارة إلى أمور: الأول فيه دلالة على وجود الجن.
الثاني: أشار به إلى أن في الجن مؤمنين. الثالث: أشار به إلى أن المؤمنين منهم لهم الثواب
والكافرين منهم عليهم العقاب. قوله: ((وإذ صرفنا))، العامل في: وإذ، محذوف تقديره: واذكر
حين صرفنا إليك، ونذكر معنى: صرفنا، حين ذكره البخاري عن قريب، قال المفسرون: لما
بين الله تعالى أن الإنس منهم من آمن ومنهم من كفر، بين أن الجن أيضاً منهم من آمن
ومنهم من كفر، وأن مؤمنهم معرض للثواب وأن كافرهم معرض للعقاب. قوله: ((نفراً))
مفعول: صرفنا، والنفر دون العشرة، وملاقاة هؤلاء الجن مع النبي عَّ ◌ُلِّ حين انصرف من
الطائف راجعاً إلى مكة حين يئس من خبر ثقيف، حتى إذا كان بنخلة قام من جوف الليل
يصلي، فمر به نفر من جن أهل نصيبين، وكان سبب ذلك أن الجن كانت تسترق السمع،
فلما حرست السماء ورجموا بالشهب، قال إبليس: إن هذا الذي حدث في السماء لشيء
حدث في الأرض. فبعث سرايا ليعرف الخبر فكان أول بعث ركب من أهل نصيبين، وهم
أشراف الجن وساداتهم، فبعثهم إلى تهامة فاندفعوا حتى بلغوا وادي نخلة فوجدوا رسول الله،
عَّهِ، يصلي صلاة الغداة ويتلو القرآن. فاجتمعوا إليه قالوا: أنصتوا يعني: اصغوا إلى قراءته.
قوله: ((فلما قضى) أي: فلما فرغ ومنها: من تلاوته، ولوا أي: رجعوا إلى قومهم منذرین،
أي: محذرين عذاب الله إن لم يؤمنوا. قوله: ((قالوا: يا قومنا)) يعني: قالوا لهم إنا سمعنا كتاباً
أنزل من بعد موسى، ذهب بعضهم إلى أنهم كانوا يهود، ولهذا قالوا: من بعد موسى، وعن
ابن عباس: كانت الجن لم تسمع بأمر عيسى، عليه الصلاة والسلام، فلذلك قالوا: من بعد
موسى. قوله: ((مصدقاً) صفة لقوله: كتاباً، يعني: مصدقاً لما بين يديه من الكتب. قوله:
((يهدي إلى الحق))، صفة للكتاب بعد صفة، وكذلك قوله: إلى طريق مستقيم، قوله:
((قالوا))، يعني: قالوا لقومهم أجيبوا داعي الله، أي: النبي عَِّ قوله: ((ويُجِرْكُم من عذاب
أليم) أي: من عذاب النار، وقالوا أيضاً: ومن لا يجب داعي الله، أي: الرسول، ولم يؤمن به.
قوله: ((فليس بمعجز في الأرض)) أي: لا ينجي منه مهرب ولا يسبق قضاءه سابق. قوله:
((أولياء)) أي: أنصار يمنعونه منه، وعن ابن عباس أن هؤلاء الجن كانوا سبعة من جن نصيبين

٢٥٧
٥٩ - كتابُ بَدْءِ الخَلْقِ / باب (١٤)
فجعلهم رسول الله، عٍَّ، رسلاً إلى قومهم، وقيل: كانوا تسعة، وقيل: كانوا اثني عشر ألفاً.
والسورة التي كان رسول الله، عَ لّه، يقرؤها سورة ﴿إقرأ باسم ربك﴾ [العلق: ١]. وذكر ابن
دريد من أسماء هؤلاء الجن خمسة، وهم: سامر ومامر ومنسى وماسي والأحقب، وذكر ابن
سلام في (تفسيره) عن ابن مسعود: ومنهم: عمرو بن جابر، وذكر ابن أبي الدنيا: زوبعة،
ومنهم: سرق، وفي (تفسير عبد بن حميد): كانوا من نينوى، وأتوه بنخلة وقيل: بشعب
الحجون.
مَصْرِفاً مَعْدِلاً
أشار بِهِ إلَى ما في قوله تعالى: ﴿ولم يجدوا عنها مصرفاً﴾ [الكهف: ٥٣]. وفسره
بقوله: معدلاً، وبه فسر أبو عبيدة.
صَرَفْنَا أَيْ وجَّهْنا
أشار به إلى ما في الآية المذكورة من قوله: ﴿وإذ صرفنا إليك نفراً من الجن﴾
[الأحقاف: ٢٩]. وفسر: صرفنا، بقوله: وجهنا، وقيل: معناه أملنا إليك، وقيل: أقبلنا بهم
نحوك، وقيل ألجأناهم، وقيل: وفقناهم بصرفنا إياهم عن بلادهم إليك، والله أعلم.
١٤ - بابُ قَوْلِ الله تعَالى ﴿وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾ [البقرة: ١٦٤].
أي: هذا باب في بيان قول الله تعالى: ﴿وبث فيها من كل دابة﴾ [البقرة: ١٦٤].
قال ابنُ عَبَّاسٍ: الثُّعْبَانُ الحَيَّةُ الذَّكَرُ مِنْهَا
أشار به إلى ما في قوله تعالى: ﴿فإذا هي ثعبان مبين﴾ [الأعراف: ١٠٧، والشعراء:
٣٢]. وهذا التعليق أخرجه الطبري في (تفسيره) من حديث شهر بن حوشب عنه، حيث قال
في قوله تعالى: ﴿فإذا هي ثعبان مبين﴾ [الأعراف: ١٠٧، والشعراء: ٣٢]. وفسر الثعبان بأنه
الحية الذكر، وقيد بقوله: الذكر، لأن لفظ الحية يقع على الذكر والأنثى، وليست التاء فيه
للتأنيث، وإنما هي كتاء تمرة ودجاجة، وقد روي عن العرب: رأيت حياً على حية، أي: ذكراً
على أنثى.
يُقَالُ: الحَيَّاتُ أجْنَاسٌّ الجِنَّنُ والأُفَاعِي والأساوِدُ
هذا من كلام البخاري، وفي رواية الأصيلي: الجنان أجناس، وقال عياض: والصواب
هو الأول، والجنان، بكسر الجيم وتشديد النون وبعد الألف نون أيضاً، وقال ابن الأثير:
الجنان تكون في البيوت واحدها جان وهو الدقيق الخفيف، والجان: الشيطان أيضاً. قوله:
((والأفاعي)) جمع أفعى، وهو ضرب من الحيات، وأهل الحجاز يقولون: أفعو، وجاء في
حديث ابن عباس: لا بأس بقتل الأفعو، أراد: الأفعى، وقلب ألفها واواً في الوقف، ومنهم من
يقلب الألف ياء في الوقف، وبعضهم يشدد الواو والياء وهمزته زائدة، والأفوعان، بالضم:
ذكر الأفاعي، وكنية الأفعى أبو حيان، وأبو يحيى لأنه يعيش ألف سنة وهو الشجاع الأسود
عمدة القاري/ج١٥ م١٧

٢٥٨
٥٩ - كتابُ بَدْءِ الخَلْقِ / باب (١٤)
الذي يواثب الإنسان، ومن صفة الأفعى إذا فقئت عينها عادت ولا تغمض حدقتها البتة. قوله:
((والأساود)) جمع الأسود، وهو العظيم من الحيات، وفيه سواد، ويقال: هو أخبث الحيات،
ويقال له: أسود سالخ لأنه يسلخ جلده كل عام، وفي (سنن أبي داود والنسائي): عن ابن
عمر مرفوعاً: ((أعوذ بالله من أسد وأسود))، وقيل: الأسود: حية رقشاء دقيقة العنق عريضة
الرأس، وربما كان ذا قرنين. وقال ابن خالويه: ليس في كلام العرب أسماء الجنان وصفاتها إلاَّ
ما أذكره. وعد لها نحواً من سبعين إسماً منها: الشجاع الأرقم الأسود الأفعى الأبتر الأعيرج
الأصلة الصل الجان الجنان والجرارة والرتيلاء، وذكر الجاحظ أيضاً أنواعها، منها: المكللة
الرأس، طولها شبران أو ثلاثة إن حاذى جحرها طائر سقط ولا يحس بها حيوان إلاَّ هرب فإن
قرب منها حدر ولم يتحرك وتقتل بصفيرها، ومن وقع عليه نظرها مات، ومن نهشته ذاب في
الحال، ومات كل من قرب من ذلك الميت من الحيوان، فإن مسها بعصا هلك بواسطة
العصا، وقيل: إن رجلاً طعنها برمح فمات هو ودابته في ساعة واحدة قال: وهذا الجنس كثير
ببلاد الترك.
آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا في مِلْكِهِ وسُلْطَانِهِ
أشار به إلى ما في قوله تعالى: ﴿وما من دابة إلاَّ هو آخذ بناصيتها﴾ [هود: ٥٦]. أي:
في ملكه وسلطانه، وقال أبو عبيدة: أي: في قبضته وملكه وسلطانه، وخص الناصية بالذكر
على عادة العرب في ذلك تقول: ناصية فلان في يد فلان، إذا كان في طاعته، ومن ثمة
كانوا يجزون ناصية الأسير إذا أطلقوه.
يُقَالُ صافَّاتٍ بُسْطّ أْنِحَتَهُنَّ يَقْبِضْنَ يَضْرِبْنَ بِأَجْنِحَتِهِنَّ
أشار به إلى ما في قوله تعالى: ﴿ألم يروا إلى الطير فوقهم صافات ويقبضن﴾ [الملك:
١٩]. أي: باسطات أجنحتهن ضاربات بها، وروى ابن أبي حاتم من طريق ابن أبي نجيح عن
مجاهد في قوله تعالى: ﴿صافات﴾ قال: بسط أجنحتهن.
١٠١/ ٣٢٩٧ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ حدَّثنا هِشَامُ بنُ يُوسُف حدَّثنا مَعْمَرٌ عنٍ
الزُّهْرِيِّ عنْ سالِمِ عنِ ابنِ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهُما أَنَّهُ سَمِعَ النبيُّ عَ لَّهِ يَخْطُبُ علَى
المِنْتَرِ يَقُولُ اقْتُلُوا الَحَيَّاتِ وَاقْتُلُوا ذا الطَّفْيَتَيْنِ والأَبْتَرَ فإنَّهُمَا يَطْمِسَانِ البَصَرَ ويَسْقِطَانِ
الحَبَلَ. [الحديث ٣٢٩٧ - أطرافه في: ٣٣١٠، ٣٣١٢، ٤٠١٦].
مطابقته للترجمة من حيث إن ذا الطفيتين من جملة ما يطلق عليه اسم الدابة، وعبد
الله بن محمد هو المعروف بالمسندي، والحديث أخرجه مسلم في الحيوان عن عبد بن
حمید.
قوله: ((ذا الطفيتين))، بضم الطاء وسكون الفاء: هو ضرب من الحيات في ظهره
خطان أبيضان، والطفية أصلها خوص المقل، فشبه الخط الذي على ظهر هذه الحية به،
وربما قيل: لهذه الحية، طفية على معنى: ذات طفية، وقد يسمى الشيء باسم ما يجاوره،

٢٥٩
٥٩ - كتابُ بَدْءِ الخَلْقِ / باب (١٤)
وقيل: هما نقطان، حكاه القاضي، قال الخليل: وهي حية خبيثة. قوله: ((والأبتر)) هو مقطوع
الذنب. وقال النضر بن شميل: هو أزرق اللون لا تنظر إليه حامل إلاَّ ألقت، وقيل: الأبتر الحية
القصيرة الذنب. قال الداودي: هو الأفعى التي تكون قدر شبر أو أكثر قليلاً. قوله: ((يطمسان
البصر))، يمحوان نوره، وفي رواية ابن أبي مليكة عن ابن عمر: ويذهب البصر، وفي حديث
عائشة: فإنه يلتمس البصر. قوله: ((ويسقطان الحبل))، بفتح الحاء المهملة والباء الموحدة،
وهو الجنين، وفي رواية ابن أبي مليكة التي تأتي بعد أحاديث: فإنه يسقط الولد، وفي رواية
عن عائشة ستأتي بعد أحاديث: وتصيب الحبل، وفي رواية أخرى عنها: تذهب الحبل،
والكل بمعنى واحد، وإنما أمر بقتلها لأن الجن لا تتمثل بها، ولهذا أدخل البخاري حديث ابن
عمر في الباب ونهى عن قتل ذوات البيوت، لأن الجن تتمثل بها، قاله الداودي.
٣٢٩٨ - قَالَ عَبْدُ اللهِ فَبَيْنَا أَنَا أُطَارِدُ حَيَّةً لِأَقْتُلَهَا فَنَادَانِي أَبُو لُبابَةَ لاَ تَقْتُلْهَا فَقُلْتُ إِنَّ
رَسُولَ الله عَّ ◌َلِ قَدْ أَمَرَ بِقَتْلِ الحَيَّاتِ قال إنَّهُ نَهَى بَعْدَ ذَلِكَ عنْ ذَوَاتِ الْبُيُوتِ وهيَ العَوَامِرُ.
[الحديث ٣٢٩٨ - أطرافه في: ٣٣١١، ٣٣١٣، ٤٠١٧].
أي: قال عبد الله بن عمر، رضي الله تعالى عنهما، قوله: ((أطارد حية))، أي: أطلبها
وأتبعها لأقتلها، أي: لأن أقتلها. قوله: ((فناداني أبو لبابة))، بضم اللام وتخفيف الباء الموحدة
الأولى واسمه: رفاعة، بكسر الراء وتخفيف الفاء على الأصح: ابن عبد المنذر الأوسي
النقيب، قاله الكرماني. وفي (التوضيح): اسمه بشير، بفتح الباء وكسر الشين المعجمة: ابن
عبد المنذر بن رفاعة بن زنبور بن أمية بن زيد بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف بن
مالك بن أوس، رده رسول الله، عَِّ، من الروحاء حين خرج إلى بدر، واستعمله على المدينة
وضرب له بسهم وأجره، وتوفي بعد قتل عثمان، رضي الله تعالى عنه، وأخوه مبشر بن عبد
المنذر شهد بدراً وقتل بها، وأخوهما رفاعة بن عبد المنذر شهد العقبة وبدراً وقتل بأحد،
وليس له عقب، ذكره كله ابن سعد في (الطبقات). وقال أبو عمر: بشير بن عبد المنذر أبو
لبابة الأنصاري، غلبت عليه كنيته، واختلف في اسمه، فقيل: رفاعة بن عبد المنذر، كذا قاله
موسى بن عقبة عن ابن شهاب، وكذا قال ابن هشام وخليفة، وقال أحمد بن زهير: سمعت
أحمد بن حنبل ويحيى بن معين يقولان: أبو لبابة اسمه رفاعة بن عبد المنذر، وقال ابن
إسحاق: كان نقيباً شهد العقبة وشهد بدراً، وزعم قوم أنه والحارث بن حاطب خرجا مع
رسول الله، عَّةٍ إلى بدر فرجعهما، وأمَّر أبا لبابة على المدينة وضرب له بسهم مع أصحاب
بدر، قال ابن هشام: ردهما من الروحاء، وقال أبو عمر: قد استخلف رسول الله، عَ ◌ّةٍ أبا لبابة
على المدينة أيضاً حين خرج إلى غزوة السويق، وشهد مع رسول الله، عَّلِ أحداً وما بعدها
من المشاهد، وكانت معه راية بني عمرو بن عوفٍ في غزوة الفتح، مات في خلافة علي،
رضي الله تعالى عنه. قلت: ليس له في الصحيح إلاَّ هذا الحديث.
قوله: ((قال: إنه نهى بعد ذلك))، أي: قال أبو لبابة: إن النبي عَ لَّه نهى بعد أمره بقتل
الحيات عن قتل ذوات البيوت، أي: الساكنات فيها، ويقال لها: الجنان، وهي حيات طوال

٢٦٠
٥٩ - كتابُ بَدْءِ الخَلْقِ / باب (١٤)
بيض قلما تضر، وفي رواية الترمذي عن ابن المبارك: إنها الحية التي تكون كأنها فضة ولا
تلتوي في مشيتها. قوله: ((وهي العوامر))، قيل: إنه من كلام الزهري مدرج في الخبر، وقد
بينه معمر في روايته عن الزهري، فساق الحديث وقال في آخره، وقال: وهي العوامر سميت
بها لطول عمرها، وقال الجوهري: عمار البيوت سكانها من الجن، وقيل: سميت بها لطول
لبثهن في البيوت، مأخوذ من العمر - بالفتح - وهو طول البقاء، وروى مسلم من حديث أبي
سعيد مرفوعاً: أن لهذه البيوت عوامر فإذا رأيتم منها شيئاً، فخرجوا عليه ثلاثاً، فإن ذهب وإلاّ
فاقتلوه، ومعنى: فحرجوا عليه أن يقال له: أنت في حرج، أي: ضيق إن لبثت عندنا، أو
ظهرت لنا، أو عدت إلينا، ومعنى ثلاثاً، أي: ثلاث مرات، وقيل: ثلاثة أيام، وإن كانت في
الصحارى والأودية تقتل من غير إيذان لعموم قوله عّ لّ: ((خمس من الفواسق يقتلن في الحل
والحرم)» فذكر منهن الحية، وجاء في حديث آخر: ((من تركهن مخافة شرهن فليس منا)). ثم
اعلم أن ظاهر الحديث التعميم في البيوت، وعن مالك تخصيصه ببيوت أهل المدينة، وقيل:
يختص ببيوت المدن دون غيرها.
٣٢٩٩ - وقال عَبْدُ الرَّزَّاقِ عنْ مَعْمَرٍ فَرَآنِي أَبُو لُبَابَةَ أُوْ زَيْدُ بنُ الخَطَّابِ
عبد الرزاق بن همام الصنعاني، ومعمر هو ابن راشد، أراد بهذا أن معمراً روى الحديث
عن الزهري بهذا الإسناد على الشك في اسم الذي لقي عبد الله بن عمر: أبو لبابة أو زيد بن
الخطاب، هو أخو عمر بن الخطاب لأبيه، وله في (الصحيح) هذا الحديث، استشهد
باليمامة، ورواية عبد الرزاق هذه رواها مسلم ولم يسق لفظها، وساقه أحمد والطبراني من
طريقه.
وتَابَعَهُ يُونُسُ وابنُ عُيَيْنَةَ وإِسْحَاقُ الْكَلْبِيُّ والزُّبَيْدِيُّ
أي: تابع معمراً يونس بن يزيد على الشك في اسم الذي لقي عبد الله بن عمر: هل
هو أبو لبابة أو زيد بن الخطاب، وهذه المتابعة وصلها مسلم ولم يسق لفظها، وساقه أبو
عوانة. قوله: ((وابن عيينة)) أي: تابع معمراً أيضاً في الشك سفيان بن عيينة، وهذه المتابعة
وصلها مسلم، وقال: حدثني عمرو بن محمد الناقد، حدثنا سفيان بن عيينة عن الزهري عن
سالم عن أبيه عن النبي عَّه: ((اقتلوا الحيات وذا الطفيتين والأبتر فإنهما يستسقطان
الحبل ويلتمسان البصر)»، قال: فكان ابن عمر يقتل كل حية وجدها، فأبصره أبو لبابة بن
عبد المنذر أو زيد بن الخطاب وهو يطارد حية، فقال: إنه قد نهى عن ذوات البيوت. قوله:
((وإسحاق الكلبي)) أي: تابع معمراً أيضاً في الشك إسحاق بن يحيى الكلبي الحمصي.
قوله: ((والزبيدي)) أي: تابع معمراً أيضاً في الشك محمد بن الوليد الزبيدي، بضم الزاي
وفتح الباء الموحدة وسكون الياء آخر الحروف وبالدال المهملة: الحمصي، وهذه المتابعة
وصلها مسلم، وقال: حدثنا حاجب بن الوليد حدثنا محمد بن حرب عن الزبيدي عن
الزهري، قال: أخبرني سالم بن عبد الله عن ابن عمر، قال: سمعت رسول الله، عَّ له، يأمر