Indexed OCR Text

Pages 141-160

١٤١
٥٦ - كِتَابُ الچِهَادِ والسیِّ / باب (١٠)
غفلة، فكتب بذلك الوليد إلى أخيه خالد، فوقع الإسلام في قلب خالد، وكان سبب هجرته.
١٠ - بابُ مَنْ يُجْرَحُ في سَبيلِ الله عَزَّ وَجَلَّ
أي: هذا باب في بيان فضل من يجرح في سبيل الله، ويجرح، على صيغة المجهول
من المضارع.
١٩/ ٢٨٠٣ - حدَّثنا عَبْدُ اللهِ بنُ يُوسُفَ قال أخبرنا مالِكٌ عن أبي الزِّنَادِ عنِ الأمْرَجِ
عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنه أنَّ رسولَ اللهِ عَ لِ قال والَّذِي نَفْسِي بِيدِهِ لاَ يُكْلَمُ
أَحَدٌ في سَبِيلِ اللهِ وَاللّه أعْلَمُ بِمَنْ يُكْلَمُ في سَبِيلِهِ إلاَّ جاءَ يَوْمَ القِيَامَةِ واللَّوْنُ لَوْنُ الدَمِ
والرِّيحُ رِيحُ المِسْكِ. [انظر الحديث ٢٣٧ وطرفه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((لا يكلم أحد ... )) إلى آخره، لأن الكلم هو الجرح على
ما نذكره.
وهذا الإسناد بعينه قد مر غير مرة، وأبو الزناد، بالزاي والنون: عبد الله بن ذكوان،
والأعرج عبد الرحمن بن هرمز، والحديث مضى في كتاب الطهارة في: باب ما يقع من
النجاسات في السمن والماء، ولكن بغير هذا الوجه، والمعنى واحد.
قوله: ((لا يكلم)، على صيغة المجهول من الكلم وهو الجرح. قوله: ((في سبيل
الله))، يريد به الجهاد ويدخل فيه كل من جرح في ذات الله وكل ما دافع فيه المرء بحق
فأصيب، فهو مجاهد. قوله: ((والله أعلم بمن يكلم في سبيله))، جملة معترضة أشار بها إلى
التنبيه على شرطية الإخلاص في نيل هذا الثواب. قوله: ((واللون))، الواو فيه للحال، وكذا في
قوله: والريح.
وفيه: أن الشهيد يبعث في حالته وهيئته التي قبض عليها، والحكمة فيه أن يكون معه
شاهد فضيلته ببذله نفسه فى طاعة الله تعالى. وفيه: أن الشهيد يدفن بدمائه وثيابه ولا يزال
عنه الدم بغسل ولا غيره ليجيء يوم القيامة كما وصف النبي عّ لّه، وقال بعضهم: فيه نظر،
لأنه لا يلزم من غسل الدم في الدنيا أن لا يبعث كذلك. قلت: في نظره نظر، لأن أحداً ما
ادعى الملازمة، بل المراد أن لا تتغير هيئته التي مات عليها، وفيه: دلالة أن الشيء إذا حال
عن حالة إلى غيرها كان الحكم إلى الذي حال إليه، ومنه الماء تحل به نجاسة، فغيرت أحد
أوصافه يخرجه عن الماء المطلق، ومنه إذا استحالت الخمر إلى الخل أو بالعكس.
١١ - بابُ قَوْلِ الله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إلاَّ إحدَى الحسْنَيَيْنِ﴾ [التوبة:
٥٢].
أي: هذا باب في ذكر قول الله تعالى، لأن فيه معنى: الحرب سجال، لأن المراد من
إحدى الحسنيين إما الشهادة أو الظفر بالكفار، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة وآخرون، وذلك
أنا إذا قابلنا الكفار ووقع بيننا وبينهم حروب، فإن غلبنا وظفرنا بهم تكون لنا الغنيمة والأجر،

١٤٢
٥٦ - كِتَابُ الجِهَادِ والسيّرِ / باب (١٢)
وإن كان عكسه تكون لنا الشهادة، وهذا بعينه، كون الحرب سجالاً. قوله: ﴿قل هل
تربصون﴾ [التوبة: ٥٢]. أي: قل يا محمد! هل تنتظرون بنا إلاّ إحدى الحسنيين؟ وهما:
الظفر أو الشهادة؟
والحَرْبُ سِجَالٌ
مناسبته للآية ظاهرة لأنها تتضمن معناه كما ذكرناه، وسجال، بكسر السين، يعني: تارة
لنا وتارة علينا، ففي غلبتنا يكون الفتح، وفي غلبتهم تكون الشهادة، وهذا مطابق لمعنى الآية،
وكل فتح يقع إلى يوم القيامة أو غنيمة فإنه من إحدى الحسنيين، وكل قتيل يقتل في سبيل
الله إلى يوم القيامة فهو من إحدى الحسنيين، وإنما يبتلي الله الأنبياء، عليهم السلام، ليعظم
لهم الأجر والثواب، ولمن معهم، ولئلا تخرق العادة الجارية بين الخلق ولو أراد الله خرقها
لأهلك الكفار كلهم بغير حرب، والسجال جمع: سجل، في الأصل وهو الدلو إذا كان ملآن
ماء، ولا تكون الفارغة سجلاً، وسجال هنا من المساجلة، وهي: المناولة في الأمر، وهو أن
يفعل كل من المتساجلين مثل صاحبه، فتارة له وتارة لصاحبه.
٢٠ /٢٨٠٤ - حدَّثنا يَحْيَى بنُ بُكَيْرِ قال حدَّثنا اللَّيْثُ قال حدَّثني يُونُسُ عنِ ابنِ
شِهَابٍ عنْ عُبَيْدِ اللهِ بنِ عَبْدِ اللهِ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بنَ عَبَّاسٍ أُخْبَرَهُ أنَّ أبا سُفْيانَ أخْبَرَهُ أنَّ هِرِقْلَ
قال لَهُ سألْتُكَ كَيْفَ كَانَ قِتَالُكُمْ إِيَّهُ فَزَعَمْتَ أنَّ الحَرْبَ سِجَالٌ ودُوَلٌ فَكَذَلِكَ الُّسُلُ تُبْتَلَى
ثُمَّ تَكُونُ لَهُمُ العَاقِبَةُ. [انظر الحديث ٧ وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((فزعمت أن الحرب بينكم سجال))، وقد ذكرنا أن في
معنى: إحدى الحسنيين معنى: الحرب سجال، وكل واحد منهما يتضمن معنى الآخر،
فتحصل المطابقة، ولا يحتاج ههنا إلى تطويل الشراح الذي يشوش على ذهن الناظر فيه،
وهذا الذي ذكره قطعة من حديث أبي سفيان في قصة هرقل، وقد مر في أول الكتاب
مطولاً، ومر الكلام فيه مبسوطاً. قوله: ((ودول))، جمع دولة ودولة، ومعناه: رجوع الشيء
إليك مرة وإلى صاحبك أخرى تتداولانه، وقال أبو عمر: وهي بالفتح الظفر في الحرب،
وبالضم: ما يتداوله الناس من المال، وعن الكسائي بالضم مثل العارية، يقال: اتخذوه دولة
يتداولونه، وبالفتح من دال عليهم الدهر دولة، ودالت الحرب بهم، وقيل: الدولة، بالضم:
الإسم، وبالفتح: المصدر. وقال القزاز: العرب تقول: الأيام دول ودول ودول، ثلاث لغات،
وفي (الباهر) لابن عديس عن الأحمر: جاء بالدولة والتؤلة، تهمز ولا تهمز، وفي (البارع) عن أبي
زيد: دولة، بفتح الدال وسكون الوار، و: دول، بفتح الدال، والواو، وبعض العرب يقول: دول.
قوله: ((فكذلك تبتلى)) أي: تختبر. قوله: ((ثم تكون لهم العاقبة))، عاقبة الشيء آخر أمره.
١٢ - بابُ قَوْلِ الله تعالى ﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا الله عَلَيْهِ
فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ ومِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وما بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾ [الأحزاب: ٢٣].
أي: هذا باب في ذكر قول الله عز وجل، وإنما ذكر هذه الآية لأن المذكور في

١٤٣
٥٦ - كِتَابُ الجِهَادِ والسيّرِ / باب (١٢)
الحديث: ((رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه وما بدلوا تبديلاً)). والآية المذكورة نزلت فيهم
على ما نذكره عن قريب، إن شاء الله تعالى. قوله: ﴿من المؤمنين رجال﴾ [الأحزاب:
٢٣]. جملة إسمية من المبتدأ، أعني: من المؤمينين، وذكر الواحدي من حديث إسماعيل بن
يحيى البغدادي عن أبي سنان عن الضحاك عن النزال بن سبرة عن علي، رضي الله تعالى
عنه، قال: قالوا له: حدثنا عن طلحة، فقال: ذاك امرؤ نزلت فيه آية من كتاب الله تعالى:
﴿فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر﴾ [الأحزاب: ٢٣]. طلحة ممن قضى نحبه لا
حساب عليه فيما يستقبل. ومن حديث عيسى بن طلحة: أن النبي، عَِّ، مر عليه طلحة
فقال: هذا ممن قضى نحبه، وقال مقاتل في تفسيره: ﴿رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه﴾
[الأحزاب: ٢٣]. ليلة العقبة، بمكة ﴿فمنهم من قضى نحبه﴾ [الأحزاب: ٢٣]. يعني: أجله
فمات على الوفاء يعني: حمزة وأصحابه، رضي الله تعالى عنهم، المقتولين بأحد ﴿ومنهم من
ينتظر﴾ يعني: من المؤمنين من ينتظر أجله، يعني: على الوفاء بالعهد ﴿وما بدلوا﴾ [الأحزاب:
٢٣]. كما بدل المنافقون. وفي (تفسير النسفي): والنحب يأتي على وجوه: النذر، أي:
قضى نذره، والخطر أي: فرغ من خطر الحياة، لأن الحي على خطر ما عاش، والسير السريع
أي: سار بسرعة إلى أجله، والنوبة، أي: قضى نوبته، و: النفس، أي: فرغ من أنفاسه، والنصب
أي: فرغ من نصب العيش وجهده، وهذا كله يعود إلى معاني الموت وانقضاء الحياة. وقال
الزمخشري: قضاء النحب عبارة عن الموت، لأن كل حي لا بد له أن يموت، فكأنه نذر لازم
في رقبته، فإذا مات فقد قضى نحبه، أي: نذره.
٢١/ ٢٨٠٥ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ سَعِيدِ الخُزَاعِيُّ قال حدَّثنا عبْدُ الأعلى عنْ محُمَيْدٍ
قال سألتُ أَنَساً حدثنا عَمْرُو بِنُ زُرَارَةَ قال حدَّثنا زِيادٌ قال حدَّثني حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ عنْ أَنَسٍ
رَضِيَ الله عنهُ قال غابَ عَمِّي أنَسُ بنُ النَّضْرِ عنْ قِتَالٍ قاتَلْتَ الْمُشْرِكِينَ لَيْنِ اللهِ أَشْهَدَنِي
قِتَالَ الْمُشْرِكِينَ لَيَرَيَّنَّ الله ما أصْنَعُ فَلَمَّا كانَ يَوْمُ أُحُدَ وَانْكَشَفَ الْمُسْلِمُونَ قال اللَّهُمَّ إِنِّي
أَعْتَذِرُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ هَؤُلاءِ يَعْنِي أَصْحَابَهُ وَأَبْرَأَ إلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ لهؤلاءِ بَغْنِي المُشْرِكِينَ ثُمَّ
تَقَدَّمَ فَاسْتَقْتَلَهُ سعدُ بنُ مُعاذٍ فقال يا سَعْدُ بنَ مُعَاذِ الجَنَّةَ وَرَبِّ النَّضْرِ إِنِّي أَجِدُ رِيحَها مِنْ
دُونِ أُحُدٍ قال سَعْدٌ فَمَا اسْتَطَعْتُ يا رسولَ الله ما صنَعَ قال أنَسْ فَوَجَدْنا بِهِ بِضْعاً وثَمانِينَ
ضَرْبَةً بالسَّيْفِ أوْ طَعْنَةً بِرِمْحِ أَوْ رَمْيَّةً بِسَهْمٍ ووَجَدْنَاهُ قَدْ قُتِلَ وقَدْ مَثَّلَ بِهِ الْمُشْرِكُونَ فَما
عَرَفَهُ أَحَدٌ إلاَّ اخْتُهُ بِنَانِهِ قَالَ أَنَسْ كُنَّا نُرَى أَوْ نَظُنُّ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِ وفي أَشْبَاهِهِ مِنَ
الْمُؤْمِنِينَ ﴿رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا الله عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣] إلى آخِرِ الآية. [الحديث
٢٨٠٥ - طرفاه في: ٤٠٤٨، ٤٧٨٣].
... /٢٨٠٦ _ وقالَ إِنَّ أُخْتَهُ وهِيَ تُسَمَّى الرُّبَيِّعَ كَسَرَتْ ثَنِيَّةَ امْرَأَةٍ فَأْمَرَ رسولُ الله
عَّهِ بِالقِصَاصِ فقال أنَسّ يا رسولَ الله والَّذِي بَعَثَكَ بالحَقِّ لاَ تُكْسَرُ ثَنِيَتُها فَرَضُوا بالأرَشِ
وتَرَكُوا القِصَاص فقال رسولُ اللهِ عَّلِ إِنَّ مِنْ عِبادِ الله مَنْ لَوْ أقْسَمَ عَلَى اللهِ لأَبَرَّهُ. [انظر

١٤٤
٥٦ - كِتَابُ الجِهَادٍ والسيّرِ / باب (١٢)
الحديث ٢٧٠٣ وأطرافه].
مطابقته للآية التي هي ترجمة من حيث إنها نزلت في المذكورين فيه، وهو
ظاهر.
ذكر رجاله: وهم ستة: الأول: محمد بن سعيد بن الوليد أبو بكر الخزاعي، بضم
الخاء المعجمة وتخفيف الزاي وبالعين. الثاني: عبد الأعلى بن عبد الأعلى السامي، بالسين
المهملة. الثالث: حميد الطويل. الرابع: عمرو بن زرارة، بضم الزاي وتخفيف الراءين بينهما
ألف: ابن واقد الهلالي. الخامس: زياد، بكسر الزاي وتخفيف الياء آخر الحروف: ابن عبد
الله العامري البكائي، بفتح الباء الموحدة وتشديد الكاف وبالهمزة بعد الألف. قال ابن معين:
لا بأس به في المغازي خاصة، مات سنة ثلاث وثمانين ومائة. السادس: أنس بن مالك.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في أربعة مواضع. وبصيغة الإفراد
في موضع. وفيه: العنعنة في موضعين. وفيه: السؤال. وفيه: القول في ثلاثة مواضع، وفيه: أن
شيخه محمد بن سعيد بلقب مردويه وأنه من أفراده وليس له في البخاري سوى هذا الحديث
وآخر في غزوة خيبر، وهو ومحمد بن سعيد وحميد وعبد الأعلى بصريون، وزياد كوفي
وعمرو بن زرارة نيسابوري. وفيه: أن زياداً لم يذكر منسوباً في أكثر الروايات، وهو صاحب
ابن إسحاق وراوي المغازي عنه، وليس له ذكر في البخاري غير هذا الموضع. وفيه:
طريقان. الأول: فيه رواية عبد الأعلى: بتصريح حميد له بالسماع من أنس، فأمن من
التدليس. الثاني: فيه سياق الحديث. والحديث رواه مسلم من رواية ثابت عن أنس قال
أنس: غاب عمي الذي شميت به لم يشهد مع رسول الله، عَّ ◌ُلّهِ، بدراً. قال: فشق عليه، قال:
أول مشهد شهده رسول الله، عَّلَّه، غبت عنه؟ وإن أراني الله مشهداً بعد مع رسول الله،
عَّهِ، ليريني الله ما أصنع. قال: فهاب أن يقول غيرها قال: فشهد مع رسول الله، عَلّهِ، يوم
أحد. قال: فاستقبل سعد بن معاذ، فقال له أنس: يا أبا عمرو أين؟ واها لريح الجنة أجده دون
أحد. قال: فقاتلهم حتى قتل، قال: فوجد في جسده بضع وثمانون من بين ضربة وطعنة
ورمية. قال: فقالت أخته، عمتي الربيع بنت النضر، فما عرفت أخي إلاّ بينانه، ونزلت هذه
الآية ﴿رجال صدقوا﴾ [الأحزاب: ٢٣]. الآية. قال: وكانوا يرون أنها نزلت فيه وفي
أصحابه.
وأخرجه الترمذي والنسائي أيضاً.
ذكر معناه: قوله: ((غاب عمي أنس بن النضر))، قد مر في رواية مسلم: قال أنس:
غاب عمي الذي سميت به، والنضر بالنون والضاد المعجمة. قوله: ((أول قتال))، لأن غزوة
بدر هي أول غزوة غزا فيها رسول الله، عَّه بنفسه، وهي في السنة الثانية من الهجرة. قوله:
((لئن الله أشهدني)) أي: أحضرني، واللام في: لئن، مفتوحة دخلت على أن الشرطية لا جزاء
له، لفظاً، وحذف فعل الشرط فيه من الواجبات، والتقدير: لئن أشهدني الله ... قوله: ((قتال

١٤٥
٥٦ - كِتَابُ الجِهَادِ والسيّرِ / باب (١٢)
المشركين))، منصوب بقوله: أشهدني، قوله: ((ليرين الله))، جواب القسم المقدر، لأن اللام
للقسم ونون التأكيد فيه ثقيلة وما قبلها مفتوحة، وفي رواية مسلم: ((ليريني الله)) كما مر، وفي
رواية: ليراني الله، بالألف. وفي (التلويح): وضبط أيضاً بضم الياء وكسر الراء، ومعناه: ليرين
الله الناس ما أصنع وبيرزه لهم. وقال القرطبي: كأنه ألزم نفسه إلزاماً مؤكداً، ولم يظهره مخافة
ما يتوقع من التقصير في ذلك، ويؤيده ما في مسلم فهاب أن يقول غيره، ولذلك سماه الله
عهداً، بقوله: ﴿صدقوا ما عاهدوا الله عليه﴾ [الأحزاب: ٢٣]. وفي رواية الترمذي كرواية
البخاري. قوله: ((ما أُصنع)، قال بعضهم: أعربه النووي: بدلاً من ضمير المتكلم. قلت: هذا
لا يصح إلاّ في رواية مسلم، وأما في رواية البخاري فهو منصوب على المفعولية، وهذا
القائل لم يميز بين الروايتين في الإعراب، فربما يظن الناظر في رواية البخاري أن ما قاله النووي
فيها، وليس ذلك إلاَّ في رواية مسلم. فافهم. قوله: ((وانكشف المسلمون))، وفي رواية
الإسماعيلي: وانهزم الناس. قوله: ((أعتذر)) أي: من فرار المسلمين. قوله: ((وأبرأ))، أي: عن
قتال المشركين مع رسول الله، عَّله. قوله: ((فاستقبله))، أي: فاستقبل أنس بن النضر سعد بن
معاذ سيد الأوس، وكان ثبت مع رسول الله، عَّم يوم أحد. قوله: ((الجنة))، بالنصب، أي:
أريد الجنة، وبالرفع على تقدير هي مطلوبي. قوله: ((ورب النضر))، أراد به والده النضر، قيل:
يحتمل أن يريد به ابنه، فإنه كان له ابن يسمى النضر، وكان إذ ذاك صغيراً، وفي رواية عبد
الوهاب: فوالله، وفي رواية عبد الله بن بكر عن حميد عند الجارث ابن أبي أسامة عنه:
والذي نفسي بيده. قوله: ((ريحها))، أي: ريح الجنة. قوله: ((من دون أحد)) أي: عند أحد.
قال ابن بطال وغيره: يحتمل أن يكون على الحقيقة، وأنه وجد ريح الجنة حقيقة، أو وجد
ريحاً طيبة ذكره طيبها بطيب الجنة، ويجوز أن يكون أراد أنه استحضر الجنة التي أعدت
للشهيد، فتصور أنها في ذلك الموضع الذي يقاتل فيه، فيكون المعنى: إني لأعلم أن الجنة
تكتسب في هذا الموضع فاشتاق لها. قوله: ((قال سعد: فما استطعت يا رسول الله ما صنع))
قال ابن بطال: يريد ما استطعت أن أصف ما صنع من كثرة ما أبلى في المشركين. قوله:
((فوجدنا به)) وفي رواية عبد الله بن بكر، قال أنس: فوجدناه بين القتلى وبه. قوله: ((أو طعنة))
كلمة أو في الموضعين للتنويع. قوله: ((وقد مثل)) بتشديد الثاء المثلثة، من المثلة وهو قطع
الأعضاء من أنف وأذن وغيرهما. قوله: ((ببنانه)) البنان الإصبع، وقيل: طرف الإصبع، وهو
الأشهر. ووقع في رواية محمد بن طلحة بالشك: بينانه أو بشامته، بالشين المعجمة والأولى
أكثر، والثانية أوجه. قوله: ((كنا نرى))، بضم النون وفتح الراء. قوله: ((أو نظن)) من الراوي
وهما بمعنى واحد. وفي رواية أحمد عن يزيد بن هارون عن حميد: فكنا نقول، وفي رواية
أحمد بن سنان عن يزيد: فكانوا يقولون، والتردد فيه من حميد، ووقع في رواية ثابت: وأنزلت
هذه الآية بالجزم دون الشك. قوله: وقال: إن أخته، أي: أخت أنس بن النضر، وهي عمة
أنس بن مالك. قوله: ((الربيع)) بضم الراء وفتح الباء الموحدة وتشديد الياء آخر الحروف،
وقصة الربيع هذه مضت في كتاب الصلح في: باب الصلح في الدية. قوله: «لأبره)) أي:
عمدة القاري/ ج١٤ م١٠

١٤٦
٥٦ - كِتَابُ الجِهَادِ والسيَّرِ / باب (١٢)
لأبر قسمه، وهو ضد الحنث.
وفي هذا الحديث من الفوائد: جواز بذل النفس في الجهاد وفضل الوفاء بالعهد ولو
شق على النفس حتى يصل إلى إهلاكها، وإن طلب الشهادة لا يتناوله النهي عن الإلقاء إلى
التهلكة. وفيه: فضيلة ظاهرة لأنس بن النضر، وما كان عليه من صحة الإيمان وكثرة التوقي
والتورع، وقوة اليقين.
٢٢/ ٢٨٠٧ - حدَّثنا أبو اليَمانِ قال أخبرنا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قال حدَّثني إِسْمَاعِيلُ
قال حدَّثني أخِي عن سُلَيْمَانَ أَرَاهُ عنْ مُحَمَّدِ بنِ أبِي عَتِيقِ عنِ ابنِ شِهابٍ عنْ خَارِجَةَ بنِ
زَيْدٍ أَنَّ زَيْدَ بنَ ثابتٍ رضي الله تعالى عنه قال نَسَخْتُ في المَصَاحِفِ فَفَقَدْتُ آيَةً مِنْ سُورَةِ
الأخْزَابِ كُنْتُ أَسْمِعُ رسولَ الله عَ لِ يَقْرَأُ بِها فَلَمْ أَجِدْهَا إلاَّ مَعَ خُزَيْمَةَ بنِ ثَابِتِ الأنْصَارِيِّ
الَّذِي جِعَلَ رسولُ الله عَ لَّهِ شَهَادَتَهُ شَهادَةَ رَجُلَيْنِ وَهْوَ قَوْلُهُ ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا
عاهَدُوا الله علَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣]. [الحديث ٢٨٠٧ - أطرافه في: ٤٠٤٩، ٤٦٧٩،
٤٧٨٤، ٤٩٨٦، ٤٩٨٨، ٤٩٨٩، ٧١٩١، ٧٤٢٥].
مطابقته للترجمة ظاهرة، وأخرجه من طريقين: الأول عن أبي اليمان الحكم بن نافع
عن شعيب بن أبي حمزة عن محمد بن مسلم الزهري، وهذا السند بعينه قد مر غير مرة.
والثاني: عن إسماعيل بن أبي أويس عن أخيه أبي بكر عبد الحميد عن سليمان بن بلال عن
محمد بن أبي عتيق - ضد الجديد - عن ابن شهاب هو الزهري عن خارجة بن زيد بن ثابت
الأنصاري، والحديث أخرجه البخاري أيضاً في التفسير عن أبي اليمان عن شعيب، وفي
فضائل القرآن عن موسى بن إسماعيل. وأخرجه الترمذي في التفسير عن بندار عن ابن مهدي.
وأخرجه النسائي فيه عن الهيثم بن أيوب.
قوله: ((نسخت الصحف في المصاحف)) الصحف، بضمتين جمع صحيفة، -
والصحيفة قطعة قرطاس مكتوب - والمصحف الكراسة وحقيقتها: مجمع الصحف، قوله:
((فلم أجدها إلاَّ مع خزيمة)) لم يرد: أن حفظها قد ذهب عن جميع الناس فلم يكن عندهم،
لأن زيد بن ثابت قد حفظها، ولهذا قال: كنت أسمع رسول الله، عَّم يقرؤها. فإن قلت:
كيف جاز إثبات الآية في المصحف بقول واحد أو اثنين وشرط كونه قرانا التواتر؟ قلت:
كان متواتراً عندهم، ولهذا قال: كنت أسمع رسول الله، عَّله. قوله: ((يقرأ بها))، لكنه لم
يجدها مكتوبة في المصحف إلاَّ عند خزيمة. ويقال: التواتر وعدمه، إنما يتصور أن فيما بعد
أصحابه لأنهم إذا سمعوا من الرسول معَِّ أنه قرآن، علموا قطعاً قرآنيته. قلت: روي أن عمر،
رضي الله تعالى عنه، قال: أشهد لسمعتها من رسول الله، عَّله وقد روي عن أبي بن كعب
وهلال بن أمية مثله، فهؤلاء جماعة، وخزيمة بن ثابت بن الفاكه بن ثعلبة بن ساعدة بن عامر
ابن عنان بن عامر بن خطمة، واسمه: عبد الله بن جشم بن مالك بن الأوس أبو عمارة
الخطمي الأنصاري، يعرف بذي الشهادتين، كانت معه راية بني خطمة يوم الفتح، شهد بدراً

١٤٧
٥٦ - كِتَابُ الجِهَادِ والسيّرِ / باب (١٣)
وما بعدها من المشاهد، وكان مع علي، رضي الله تعالى عنه، بصفين فلما قتل عمار جرد
سيفه فقاتل حتى قتل، وكانت صفين سنة سبع وثلايين. وقال أبو عمر: لما قتل عمار بصفين
قال خزيمة: سمعت رسول الله، عَ لّه يقول: تقتل عماراً الفئة الباغية.
وسبب كون شهادته بشهادتين أنه عَّهِ كلم رجلاً في شيء فأنكره، فقال خزيمة أنا
أشهد، فقال عَّ لّ أتشهد ولم تستشهد؟ فقال: نحن نصدقك على خبر السماء، فكيف بهذا؟
فأمضى شهادته وجعلها بشهادتين. وقال له: لا تعد، وهذا من خصائصه، رضي الله تعالى
عنه.
١٣ - بابٌ عمَلٌ صالِحٌ قَبْلَ القِتالِ
أي: هذا باب في بيان تقديم عمل صالح قبل القتال، هذا على تقدير إضافة الباب إلى
عمل، ويجوز قطعه عن الإضافة، ويكون التقدير: هذا باب يذكر فيه عمل صالح قبل القتال،
يعني: كون عمل صالح قبله.
وقال أبو الدَّرْدَاءِ: إِنَّمَا تُقَاتِلُونَ بأعْمَالِكُمْ
أبو الدرداء اسمه عويمر بن مالك الخزرجي الأنصاري، وروى الدينوري هذا التعليق من
طريق أبي إسحاق الفزاري عن سعيد بن عبد العزيز عن ربيعة بن يزيد أن أبا الدرداء قال: أيها
الناس! عمل صالح قبل الغزو فإنما تقاتلون بأعمالكم، أي: متلبسين بأعمالكم. فإن قلت: ما
وجه تقسيم البخاري هذا حيث جعل الشطر الأول ترجمة والشطر الثاني أصلاً معلقاً؟. قلت:
نظر البخاري في هذا دقيق، وذلك أنه لما علم انقطاع الطريق في الشطر الأول بين ربيعة بن
يزيد وأبي الدرداء جعله ترجمة، وعلم اتصال الطريق في الشطر الثاني وعزاه إلى أبي الدرداء
بالجزم. فإن قلت: ما وجه الاتصال؟ قلت: روى عبد الله بن المبارك في كتاب الجهاد عن
سعيد بن عبد العزيز عن ربيعة بن يزيد عن ابن حلبس عن أبي الدرداء. قال: إنما تقاتلون
بأعمالكم، فاقتصر على هذا المقدار، بفتح الحاء المهملة وسكون اللام وفتح الباء وفي آخره
سين مهملة. وقال ابن ماكولا، يزيد بن ميسرة بن حلبس، يروي عن أم الدرداء عن أبي
الدرداء، وأخوه يونس بن ميسرة بن حلبس، يروي عن معاوية بن أبي سفيان وأبي إدريس
الخولاني وغيرهما، وأخوهما أيوب بن ميسرة بن حلبس.
وقَوْلُهُ عزَّ وجَلَّ ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لاَ تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتَاً عِنْدَ اللهِ أنْ
تَقُولُوا ما لاَ تَفْعَلُونَ إِنَّ الله يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ في سَبِيلِهِ صَفّاً كأنَّهُمْ بُنْيَانٌ
مَرْصُوصٌ﴾ [الصف: ٢ - ٤].
وقوله تعالى، يجوز بالرفع والجر بحسب عطفه على قوله: عمل صالح قبل القتال،
قيل: لا مناسبة بين الترجمة والآية. ورد بأنها موجودة من حيث إن الله عاتب من قال بما لا
يفعل، وأثنى على من وفى وثبت عند القتال، والثبات عنده من أصلح الأعمال. وقال
الكرماني: والمقصود من ذكر هذه الآية ذكر: صفاً أي: صافين أنفسهم، أو مصفوفين، إذ هو

١٤٨
٥٦ - كِتَابُ الجِهَادِ والسيّرِ / باب (١٣)
عمل صالح قبل القتال. وقيل: يجوز أن يراد استواء بنيانهم في البناء حتى يكونوا في اجتماع
الكلمة كالبنيان. وقيل: مفهومه مدح الذين قالوا وعزموا وقاتلوا، والقول فيه والعزم عملان
صالحان. قوله: ﴿يا أيها الذين﴾ [الصف: ٢ - ٤]. إلى آخره. قال مقاتل في (تفسيره)
قوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا .. ﴾ [الصف: ٢ - ٤]. إلى آخره: يعظهم بذلك، وذلك أن
المؤمنين قالوا: لو نعلم أي الأعمال أحب إلى الله لعملنا، فأنزل الله تعالى: ﴿إن الله يحب
الذين يقاتلون في سبيله﴾ [الصف: ٢ - ٤]. يعني: في طاعته ﴿صفاً كأنهم بنيان
مرصوص﴾ [الصف: ٢ - ٤]. فأخبر الله تعالى بأحب الأعمال إليه بعد الإيمان، فكرهوا القتل
فوعظهم الله وأدبهم فقال: ﴿لم تقولون ما لا تفعلون﴾ [الصف: ٢ - ٤]. وفي (تفسير
النسفي): قيل: إن الرجل كان يجيء إلى النبي عَّه فيقول: فعلت كذا وكذا، وما فعل
فنزلت: ﴿لم تقولون ما لا تفعلون﴾ [الصف: ٢ - ٤]. وقال الضحاك: كان الرجل يقول:
قاتلت ولم يقاتل، وطعنت ولم يطعن، وصبرت ولم يصبر، فنزلت هذه الآية. وقال ابن عباس:
كان ناس من المؤمنين قبل أن يفرض الجهاد يقولون: وددنا لو أن الله تعالى دلنا على أحب
الأعمال إليه فنعمل به، فأخبرهم الله تعالى: أن أفضل الأعمال الجهاد، وكره ذلك ناس منهم،
وشق عليهم الجهاد وتباطؤوا عنه، فنزلت هذه الآية. وقال ابن زيد: نزلت في المنافقين، كانوا
يُعِدون المؤمنين النصر ويقولون: لو خرجتم خرجنا معكم ونصرناكم، فلما خرج النبي، عَّه.
نكصوا عنه، فنزلت هذه الآية.
قوله: ((لِمَ؟)) هي لام الإضافة داخلة على: ما، الاستفهامية، كما دخل عليها غيرها من
حروف الجر في قولك: بم وفيم وعم وإلام وعلام، وإنما حذفت الألف لأن ما، والحرف
كشيء واحد، ووقع استعمالها كثيراً في كلام المستفهم. وقال الحسن: إنما بدأهم بالإيمان
تهكماً بهم، لأن الآية نزلت في المنافقين وبإيمانهم. قوله: ((كبر مقتاً)) هذا من أفصح الكلام
وأبلغه في معناه، قصد في كبر التعجب من غير لفظه، ومعنى التعجب تعظيم الأمر في قلوب
السامعين، لأن التعجب لا يكون إلاَّ من شيء خارج عن نظائره وأشكاله، وأسند: كبر، إلى:
أن تقولوا، ونصب: مقتاً، على تفسيره، دلالة على أن قولهم: ((ما لا يفعلون))، مقت خالص
لا شوب فيه لفرط تمكن المقت منه، واختير لفظ: المقت، لأنه أشد البغض وأبلغه. قوله:
(صفا)) أي: صافين أنفسهم أو مصفوفين. قوله: ((مرصوص))، أي: كأنهم في تراصهم من غير
فرجة بنيان رص بعضه إلى بعض.
٢٣/ ٢٨٠٨ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ قال حدَّثنا شَبَابَةُ بنُ سَوَّارِ الفَزَارِيُّ قال
حدَّثنا إسْرَائِيلُ عنْ أَبِي إِسْحَاقَ قال سَمِعْتُ البَرَاءَ رضي الله تعالى عنهُ يَقُولُ أَتَّى النبيَّ عَلَّه
رَجُلٌ مُقَنَّعٌ بالحَدِيدِ فقالَ يا رسولَ الله أُقَاتِلُ وأَسْلِمُ قال أسْلِمْ ثُمَّ قاتِلْ فأسْلَمَ ثُمَّ قاتَلَ فَقُتِلَ
فقال رسولُ الله عَ لَّهِ عَمِلَ قَلِيلاً وَأُجِرَ كَثِيراً.
مطابقته للترجمة في قوله: ((أسلم ثم قاتل)) وقد أتى بالعمل الصالح بل بأفضل
الأعمال وأقواها صلاحاً، وهو الإسلام، ثم قاتل بعد أن أسلم. ومحمد بن عبد الرحيم أبو

١٤٩
٥٦ - كِتَابُ الجِهَادِ والسيرِ / باب (١٤)
يحيى كان يقال له: صاعقة.
وهو من أفراد البخاري، وشبابة بفتح الشين المعجمة وتخفيف الباء الموحدة وبعد
الألف باء أخرى: ابن سوار، بفتح السين المهملة وتشديد الواو بعد الألف راء: الفزاري، بفتح
الفاء وتخفيف الزاي، وقد مر في كتاب الحيض، وإسرائيل هو ابن يونس بن أبي إسحاق
عمرو بن عبد الله السبيعي وإسرائيل هذا يروي هنا عن جده أبي إسحاق. والحديث من
أفراده.
قوله: ((رجل) قال الكرماني: قيل: اسمه الأصرم بالمهملة عمرو بن ثابت الأشهلي
وحاله من الغرائب لأنه دخل الجنة ولم يسجد لله سجدة قط. قلت: قال الذهبي في: باب
الألف: أصرم. ويقال أصيرم بن ثابت بن وقش الأشهلي، استشهد يوم أحد وقال في باب
العين: عمرو بن ثابت بن وقش الأوسي الأشهلي، ابن عم عباد بن بشر، استشهد بأحد. وقال
أبو عمر: وفي باب الهمزة: أصرم الشقري، كان في النفر الذين أتوا رسول الله، عَّه من بني
شقرة، فقال له: ما اسمك؟ فقال: أصرم فقال: أنت زرعة. وقال في باب العين: عمرو بن
ثابت بن وقش بن رغبة بن عبد الأشهل الأنصاري الأشهلي استشهد يوم أحد، وهو الذي
قيل: إنه دخل الجنة ولم يصل لله سجدة، فيما ذكره الطبري. وفيه نظر. قوله: ((مقنع)) على
صيغة المفعول، أي: منشى بالحديد. قوله: ((وأُجِرَ)) على صيغة المجهول.
وفيه: أن الله تعالى يعطي الثواب الجزيل على العمل اليسير تفضلاً منه على عباده،
فاستحق بهذا نعيم الأبد في الجنة بإسلامه، وإن كان عمله قليلاً، لأنه اعتقد أنه لو عاش
لكان مؤمناً طول حياته، فنفعته نيته، وإن كان قد تقدمها قليل من العمل، وكذلك الكافر إذا
مات ساعة كفره يجب عليه التخليد في النار، لأنه انضاف إلى كفره اعتقاد أنه يكون كافراً
طول حياته لأن الأعمال بالنيات.
١٤ - بابُ منْ أتاهُ سَهْمٌ غَرْبٌ فَقَتَلَهُ
أي: هذا باب في ذكر من أتاه سهم غرب، بفتح الغين المعجمة وسكون الراء وفي
آخره باء موحدة، وهو إما صفة لسهم أو مضاف إليه، ففيه أربعة أوجه. قاله الكرماني:
وسكت عليه. وقال ابن الجوزي: روى لنا سهم بالتنوين وغرب، بتسكين الراء مع التنوين،
وقال ابن قتيبة: كذا تقوله العامة والأجود: سهم غرب، بفتح الراء، وإضافة الغرب إلى السهم.
وقال ابن السكيت: يقال: أصابه سهم غرب إذا لم يدر من أي جهة رمي به، وقد روي عن
أبي زيد: إن جاء من حيث لا يعرف فهو سهم غرب، بسكون الراء، فإن رمى به إنسان
فأصاب غيره فهو غرب، بفتح الراء، وذكره الأزهري بفتح الراء لا غير. وقال ابن سيده: يقال
أصابه سهم غرب، وغرب إذا كان لا يدري من رماه. وفي (المنتهى): سهم غرب وغرب
بتسكين الراء وفتحها يضاف ولا يضاف إذا أصابه سهم لا يعرف من رماه ومثله سهم عرض،
فإن عرف فليس بغرب ولا عرض، وبنحوه ذكر القزاز وابن دريد، فعلى هذا لا يقال في

-
١٥٠
٥٦ - كِتَابُ الجِهَادِ والسيرِ / باب (١٤)
السهم الذي أصاب حارثة: غرب، لأن راميه قد عرف. والله أعلم.
٢٨٠٩/٢٤ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الله قال حدَّثنا حُسَيْنُ بنُ مُحَمَّدٍ أبو أحْمَدَ قال
حدَّثْنَا شَيْبَانُ عنْ قَتَادَةَ قال حدَّثنا أنَسُ بنُ مالِكِ أنَّ أمّ الرَّبِيعَ بِنْتِ البَرَاءِ وهْيَ أمُّ حَارِثَةَ بنِ
سُرَاقَةً أَتَتِ النَّبِيَّ عَِّ فقالَتْ يا نَبِيَّ الله ألاَ تُحَدِّثُنِي عن حارِثَةَ وكانَ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ أَصَابَهُ
سَهْمٌ غَرْبٌ فإنْ كانَ في الجَنَّةِ صَبَرْتُ وإنْ كانَ غَيْرَ ذُلِكَ اجْتَهَدْتُ عَلَيْهِ في البُكَاءِ قال يا
أَمَّ حارِثَةَ إنَّهَا جِنانٌ في الجَنَّةِ وإِنَّ ابْتَكِ أصَابَ الفِرْدَوْسَ الأعْلى. [الحديث ٢٨٠٩ -
أطرافه في: ٣٩٨٢، ٦٥٥٠، ٦٥٦٧].
مطابقته للترجمة ظاهرة، ومحمد بن عبد الله، قال الكرماني: نسبه البخاري إلى جده
وهو محمد بن يحيى بن عبد الله الذهلي بضم الذال المعجمة، قلت: كذا جزم به
الكلاباذي، ووقع في رواية أبي علي بن السكن: حدثنا محمد بن عبد الله بن المبارك
المخرمي، بضم الميم وفتح الخاء المعجمة وتشديد الراء. قلت: كلاهما من أفراد البخاري،
وحسين بن محمد بن بهرام التميمي المروزي، سكن بغداد ومات سنة أربع عشرة ومائتين،
وشيبان، بفتح الشين المعجمة أبو معاوية النحوي، وقد مر.
ذكر معناه: قوله: ((إن أم الربيع بنت البراء)»، كذا وقع لجميع رواه البخاري، وهذا
وهم نبه عليه غير واحد آخرهم الحافظ الدمياطي، والصواب أنها أم حارثة بن سراقة بن
الحارث بن عدي بن مالك بن عدي بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار، والربيع بنت
النضر أخت أنس بن النضر بن ضمضم بن زيد بن حرام بن جندب بن عامر بن غنم بن عدي
وهي عمة أنس بن مالك بن النضر بن ضمضم، وهي التي كسرت ثنية امرأة، وقد مر بيانه.
قوله: ((وهي أم حارثة بن سراقة))، وهذا هو المعتمد عليه. وقد روى الترمذي وابن خزيمة عن
سعيد بن أبي عروبة عن قتادة فقال أنس: إن الربيع بنت النضر أتت النبي، عَِّ، وكان ابنها
حارثة بن سراقة أصيب يوم بدر ... الحديث، وقال ابن الأثير في (جامع الأصول): الذي وقع
في كتب النسب والمغازي وأسماء الصحابة: أن أم حارثة هي الرّبيع بنت النضر، عمة أنس،
رضي الله تعالى عنه. قلت: وكذا بينه الإسماعيلي في (مستخرجه) وأبو نعيم وغيرهما،
وحارثة هو الذي قال له رسول الله، عَ له: كيف أصبحت يا حارثة؟ قال: أصبحت مؤمناً بالله
حقاً ... الحديث، وفيه: يا رسول الله أدع لي بالشهادة. فجاء يوم بدر ليشرب من الحوض
فرماه حبان، بكسر الحاء المهملة وتشديد الباء الموحدة: ابن عرقة، بفتح العين المهملة
وكسر الراء بعدها قاف، بسهم فأصاب حنجرته فقتله. وقال أبو موسى المديني: وكان خرج
نظاراً وهو غلام، وقول ابن منده: شهد بدراً واستشهد بأحد، رد عليه.
وقد تصدى الكرماني للجواب عن قول من قال بالوهم، فقال:؛ لا وهم للبخاري، إذ
ليس في رواية النسفي إلاّ هكذا، قال أنس: إن أم حارثة ابن سراقة أتت النبي عَِّ وهو
ظاهر، وكأنه كان في رواية الفربري حاشية غير صحيحة لبعض الرواة، فألحقت بالمتن، ثم إنه

١٥١
٥٦ - كِتَابُ الجِهَادِ والسيّرِ / باب (١٥)
على تقدير وجوده وصحته عن البخاري يحتمل احتمالات أن يكون للربيّع ولد يسمى بالربيع -
بالتخفيف - من زوج آخر غير سراقة اسمه: البراء، وأن تكون بنت البراء خبراً، لأن، وضمير:
هي، راجع إلى الربيِّع، وأن تكون: بنت، صفة لأم الربيع، وهي المخاطبة لرسول الله، عَ ◌ّم،
فأطلق الأم على الجدة تجوزاً، وإن تكون إضافة الأم إلى الربيع للبيان أي: الأم التي هي الربيّع،
وبنت مصحف من عمه، إذ الربيع هي عمة البراء بن مالك وارتكاب بعض هذه التكلفات أولى
من تخطئة العدول الثقات. انتهى. قلت: هذه تعسفات، والأنساب ما تعرف بالاحتمالات،
والعدول الثقات غير معصومين من الخطأ، ودعوى الأولوية غير صحيحة. قوله: ((اجتهدت
عليه في البكاء))، قال الخطابي: أقرها النبي، عَ لِ على هذا، يعني: يؤخذ منه الجواز. وأجيب
بأن هذا كان قبل تحريم النوح، فلا دلالة، فإن تحريمه كان عقيب غزوة أحد، وهذه القصة
كانت عقيب غزوة بدر، ووقع في رواية سعيد بن أبي عروبة: ((اجتهدت في الدعاء»، بدل قوله:
(في البكاء)) وهو خطأ. وفي رواية حميد الآتية في صفة الجنة من الرقاق: فإن كان في الجنة
فلم أبك عليه. قوله: ((إنها جنان في الجنة))، كذا هنا، وفي رواية سعيد ابن أبي عروبة: ((إنها
جنان في جنة)) وفي رواية أبان عند أحمد: ((إنها جنان كثيرة في جنة))، وفي رواية حميد:
((إنها جنان كثيرة)) فقط والضمير في: إنها، ضمير مبهم يفسره ما بعده كقولهم: هي العرب تقول
ما تشاء، ولما قال رسول الله، عَّللم لأمه ما قال، رجعت وهي تضحك، وتقول: بخ، بخ لك يا
حارثة، وهو أول من قتل من الأنصار يوم بدر، وعن أبي نعيم كان كثير البر بأمه. قال عَ له: دخلت
الجنة فرأيت حارثة لذلك البر، قيل: فيه نظر، لأن المقتول فيه هذا هو حارثة بن النعمان كما بينه
أحمد في مسنده. قوله: ((الفردوس))، هو البستان الذي يجمع ما في البساتين من شجر وزهر
ونبات، وقيل: هو رومية معربة، والجنة البستان، ويقال: هي النخل الطوال. وقال الأزهري: كل
شجر متكاثف يستر بعضه بعضاً فهو جنة، مشتق من: جننته، إذا سترته.
١٥ - بابُ منْ قاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هِي العُلْيَا
أي: هذا باب في بيان فضل من قاتل ... إلى آخره.
٢٨١٠/٢٥ _ حدّثنا سُلَيْمَانُ بنُ حَرْبٍ قال حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ عَمْرِو عنْ أبِي وائِل عنْ
أبِي مُوسَى رضي الله تعالى عنهُ قال جاءَ رَجُلٌ إلى النبيِّ عَّلَّمِ فقال الرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِلْمَغْنَم
والرّجلُ يُقَاتِلُ لِلذِّكْرٍ والرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِيُرَى مَكَانُهُ فَمَنْ في سَبِيلِ الله قال من قائَلَ لِتَكُونَ
كَلِمَةُ اللهِ هِيَ العُلْيَا فَهْوَ في سَبِيلِ الله. [انظر الحديث ١٢٣ وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: (من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله)).
وعمرو: هو ابن مرة، وأبو وائل هو شقيق ابن سلمة، وأبو موسى اسمه عبد الله بن قيس.
والحديث أخرجه البخاري أيضاً في الخمس عن محمد بن كثير، وفي العلم عن
عثمان بن أبي شيبة والحديث مضى في كتاب العلم في: باب من سأل وهو قائم عالماً
جالساً، وقد مضى الكلام فيه هناك.

١٥٢
٥٦ - كِتَابُ الجِهَادِ والسيّرِ / باب (١٦)
قوله: ((جاء رجل))، في رواية غندر: ((جاء أعرابي))، قيل: هذا يدل على وهم ما وقع
عند الطبراني من وجه آخر عن أبي موسى أنه قال: يا رسول الله ... فذكره، فإن أبا موسى،
وإن جاز أن يبهم نفسه، لكن لا يصفها بكونه أعرابياً، وقيل: إن هذا الأعرابي يصلح أن يفسر
بلاحق بن ضميرة، وحديثه عند أبي موسى المديني في الصحابة من طريق عفير بن معدان:
سمعت لاحق بن ضميرة الباهلي، قال: وفدت على النبي عَّ له فسألته عن الرجل يلتمس
الأجر والذكر؟ فقال: لا شيء له ... الحديث، وفي إسناده ضعف. قوله: ((للذكر))، أي: بين
الناس، يعني: الشهرة. قوله: ((ليرى))، على صيغة المجهول. قوله: ((مكانه))، أي: مرتبته في
الشجاعة. قوله: ((كلمة الله))، أي: التوحيد، فهو المقاتل في سبيل الله لا طالب الغنيمة
والشهرة، ولا مظهر الشيء عنه.
١٦ - بابُ منِ اغْبَرَّتْ قَدَمَاهُ في سَبيلِ اللهِ
أي: هذا باب في بيان فضل من اغبرت قدماه واغبرار القدمين عبارة عن الاقتحام في
المعارك لقتال الكفار، ولا شك أن الغبار يثور في المعركة حال مصادمة الرجال ويعم سائر
الأعضاء، ولكن تخصيص القدمين بالذكر لكونهما عمدة في سائر الحركات.
وقَوْلِ الله تعالى ﴿ما كانَ لأَهْلِ المَدِينَةِ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿إِنَّ اللّه لاَ يُضِيعُ أَجْرَ
الْمُحْسِنِينَ﴾ [التوبة: ١٢٠].
وقول الله، بالجر عطفاً على قوله: من اغبرت أي: وفي بيان قول الله عز وجل: ﴿ما
كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله، عَّ له ولا يرغبوا
بأنفسهم عن نفسه، ذلك بأنهم لا يصيبهم ظماً ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله، ولا
يطأون موطئاً يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلاً إلاَّ كتب لهم به عمل صالح إن الله لا
يضيع أجر المحسنين﴾ [التوبة: ١٢٠] وقال ابن بطال: مناسبة الآية للترجمة أنه سبحانه
وتعالى قال في الآية: ﴿ولا يطأون موطئاً يغيظ الكفار﴾ [التوبة: ١٢٠]. وفي الآية: ﴿إلاَّ
كتب لهم به عمل صالح﴾ [التوبة: ١٢٠]. قال: فسر النبي، عَّ العمل الصالح أن النار لا
تمس من عمل بذلك. قال: والمراد بسبيل الله جميع طاعاته. وقيل: مطابقة الآية من جهة أن
الله أثابهم بخطواتهم وإن لم يباشروا قتالاً، وكذلك دل الحديث على: أن من اغبرت قدمه
في سبيل الله حرمه الله على النار، سواء باشر قتالاً أم لا. وفي (تفسير ابن كثير): عاتب الله
تعالى المتخلفين عن رسول الله، عَّم في غزوة تبوك من أهل المدينة ومن حولها من أحياء
العرب، ونفى رغبتهم بأنفسهم عن مواساته فيما حصل من المشقة، فإنهم نقصوا أنفسهم من
الأجر، لأنه لا يصيبهم ظمأ - وهو العطش - ولا نصب، - وهو التعب - ولا مخمصة - وهي
المجاعة، ولا يطأون موطئاً يغيظ الكفار أي: لا ينزلون منزلاً يرهب عدوهم، ولا ينالون منه
ظفراً وغلبة عليه، إلا كتب الله لهم بهذه الأعمال التي ليست داخلة تحت قدرهم، وإنما هي
ناشئة عن أفعالهم أعمالاً صالحة وثواباً جزيلاً إن الله لا يضيع أجر المحسنين، كما قال

١٥٣
٥٦ - كِتَابُ الجِهَادِ والسيّرِ / باب (١٧)
تعالى: ﴿إنا لا نضيع أجر من أحسن عملاً﴾ [الكهف: ٣٠]. وفي تفسير الثعلبي ظاهر قوله:
﴿ما كان لأهل المدينة﴾ [التوبة: ١٢٠]. خبر ومعناه أمر، والأعراب سكان البوادي: مزينة
وجهينة وأشجع وأسلم وغفار، أن يتخلفوا عن رسول الله، عَ ◌ّم إذا غزا، وقال ابن عباس:
كتب لهم بكل روعة تنالهم في سبيل الله سبعين ألف حسنة. وقال قتادة: هذا خاص بالنبي
عٍَّ إذا غزا بنفسه فليس لأحد أن يتخلف عنه إلاَّ بعذر، فأما غيره من الأئمة والولاة، فمن
شاء أن يتخلف تخلف. وقال الوليد بن مسلم: سمعت الأوزاعي، وابن المبارك والفزاري
وابن جابر وسعيد بن عبد العزيز يقولون في هذه الآية: إنها لأول هذه الأمة وآخرها. وقال ابن
زيد: كان هذا وأهل الإسلام قليل، فلما كثروا نسخها الله عز وجل، وأباح التخلف لمن
شاء، فقال: ﴿وما كان المؤمنون لينفروا كافة﴾ [التوبة: ١٢٢]، وقال النحاس: ذهب غيره أنه
ليس هنا ناسخ ولا منسوخ، وأن الآية الأولى توجب إذا نفر النبي، عَّهِ أو احتيج إلى
المسلمين واستنفروا لم يسع أحد التخلف، وإذا بعث النبي، عَّ له سرية خلفت طائفة.
٢٨١١/٢٦ - حدَّثنا إسْحَاقُ قال أخبرنا مُحَمَّدُ بنُ الْمُبَارَكِ قال حدَّثنا يحيى بنُ
حَمْزَةَ قال حدَّثني يَزِيدُ بنُ أَبِي مَرْيَمَ قال أخْبِرَنا عبَايَةُ بنُ رافِعٍ بنٍ خَدِيجٍ قال أخبرني أبو
عَبْسٍ هُوَ عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ جَبْرٍ أَنَّ رسول الله، عَّهِ قال ما اغْبَرَّتْ قَدَما عَبْدٍ في سَبيلِ الله
فَتَمَسَّهُ النَّارُ. [انظر الحديث ٩٠٧].
مطابقته للترجمة ظاهرة. وقد مضى هذا الحديث في كتاب صلاة الجمعة في: باب
المشي إلى الجمعة، فإنه أخرجه هناك عن علي بن عبد الله عن الوليد بن مسلم عن يزيد بن
أبي مريم عن عباية بن رفاعة، قال: أدركني أبو عبس، وأنا أذهب إلى الجمعة فقال: سمعت
النبي، عَ لَّه يقول: ((من اغبرت قدماه في سبيل الله حرمه الله على النار)). وأبو عبس كنية:
عبد الرحمن بن جبر بن عمرو بن زيد الأنصاري، وقد مر الكلام فيه هناك. وإسحاق هو ابن
منصور، قال الجياني: نسبه الأصيلي إلى ابن منصور، ويزيد بالياء آخر الحروف، وعباية،
بفتح العين المهملة وتخفيف الباء الموحدة، ورفاعة بكسر الراء وتخفيف الفاء ابن رافع بالفاء
وبالعين الموحدة. قوله: ((من اغبرت))، كذا هو على الأصل في رواية الأكثرين، وفي رواية
المستملي (ما اغبرتا))، وهي لغة.
١٧ - بابُ مَسْحِ الغُبَارِ عنِ النَّاسِ في السَّبِيلِ
أي: هذا باب في بيان عدم كراهة مسح الغبار عن رأس الناس حال كونه في سبيل
الله، نحو الجهاد وغيره من أبواب الطاعة. ووقع في بعض النسخ: عن الناس، قيل: هذا
تصحيف، والصواب: عن الرأس. قلت: لا وجه لدعوى التصحيف، لأنه إذا كره مسح الغبار
عن رأس من كان في سبيل الله فكذلك في مسحه عن غير الرأس.
٢٨١٢/٢٧ - حدّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ مُوسَى قال أخبرَنا عبْدُ الوهَّابِ قال حدَّثنا خالِدٌ عن
عِكْرِمَةَ أنَّ ابنَ عَبَّاسٍ قَال لَهُ ولِعَلِيٍّ بنِ عَبْدِ الله ائْتِيَا أبا سَعِيدٍ فاسْمَعَا مِنْ حَدِيثِهِ فَأَتَيْنَاهُ وَهْوَ

١٥٤
٥٦ - كِتَابُ الجِهَادِ والسيَّرِ / باب (١٨)
وأخُوهُ في حائِطٍ لَهُمَا يَسْقِيَانِ فَلَمَّا رآنَا جاءَ فاحْتَبَى وَجَلَسَ فقالَ كُنَّا نَنْقُلُ لَبِنَ المَسْجِدِ لَبِنَةً
لَبِنَةً وَكانَ عَمَّارٌ يَنْقُلُ لَبِنَتَيْنِ لَبِنَتَيْنِ فَمَرَّ بِهِ النَّبِيُّ عَ لَّهِ ومَسَحَ عنْ رَأْسِهِ الغُبَارَ وقال وَيْخُ عَمَّارٍ
تَقْتُلُهُ الفِئَةُ البَاغِيَةُ عمَّارٌ يَدْعُوهُمْ إلى الله ويَدْعُونَهُ إلى النَّارِ. [انظر الحديث ٤٤٣].
مطابقته للترجمة في قوله: ((ومسح عن رأسه الغبار)) وإبراهيم بن موسى بن يزيد أبو
إسحاق الرازي، يعرف بالصغير وعبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي، وخالد هو الحذاء.
والحديث قد مر في كتاب الصلاة في: باب التعاون في بناء المسجد. قوله: ((وهو
وأخوه)»، قال الحافظ الدمياطي: لم يكن لأبي سعيد أخ بالنسب إلاَّ قتادة بن النعمان الظفري،
فإنه كان أخاه لأمه، وقتادة مات زمن عمر، رضي الله تعالى عنه، وكان عمر أبي سعيد أيام
بناء المسجد عشر سنين أو دونها. وقال الكرماني: إن صح ذلك فالمراد به أخوه من
الرضاعة، ولا أقل من أخ في الإسلام: ﴿إنما المؤمنون أخوة﴾ [الحجرات: ١٠]. قلت: بنى
جوابه هذا على قوله: إن صح ذلك ولم يصح ذلك فلا يصح الجواب. قوله: ((فاحتبى))،
يقال: احتبى الرجل إذا جمع ظهره وساقيه بعمامته، وقد يحتبي بيده. قوله: ((عن رأسه))،
ويروى على رأسه، وهو متعلق بالغبار، أي: الغبار الذي على رأسه. قوله: ((ويح))، كلمة رحمة
منصوب بإضمار فعل. قوله: ((يدعوهم إلى الله))، قال ابن بطال: يريد - والله أعلم - أهل مكة
الذين أخرجوا عماراً من دياره وعذبوه في ذات الله، قال: ولا يمكن أن يتأول ذلك على
المسلمين، لأنهم أجابوا دعوة الله عز وجل، وإنما يدعى إلى الله من كان خارجاً عن الإسلام.
قوله: ((ويدعونه إلى النار))، تأكيد للأول، لأن المشركين إذ ذاك طالبوه بالرجوع عن دينه،
قال: فإن قيل: فتنة عمار كانت في أول الإسلام، وهنا قال عَ له: يدعوهم، بلفظ المستقبل
وما قبله لفظ الماضي، قيل له العرب تخبر بالفعل المستقبل عن الماضي، إذا عرف المعنى
كما تخبر بالماضي عن المستقبل، فمعنى: يدعوهم دعاهم إلى الله فأشار عٍَّ إلى ذكر هذا
لما تطابقت شدته في نقله لبنتين شدته في صبره، بمكة على العذاب تنبيهاً على فضيلته وثباته
في أمر الله تعالى، وقال الكرماني: ويدعوهم، أي: في الزمان المستقبل، وقد وقع ذلك يوم
صفين معجزة لرسول الله، عَّقم حيث دعا الفئة الباغية إلى الحق وكانوا يدعونه إلى الباطل
البغي، انتهى. قلت: ظاهر الكلام يساعد الكرماني، ولكن ابن بطال تأدب حيث لم يتعرض
إلى ذكر صفين إبعاداً لأهلها عن نسبة البغي إليهم، والله أعلم.
١٨ - بابُ الغَسْلِ بَعْدَ الحَرْبِ والغبارِ
أي: هذا باب في بيان ما جاء من غسل النبي عَّلَّه بعد الفراغ من الحرب، وبيان
كون الغبار على رأس جبريل، عليه الصلاة والسلام، في تلك الحرب، لأنه عَّ لما فرغ يوم
الخندق من الحرب اغتسل وأتاه جبريل، وعلى رأسه الغبار، وأشار إليه أن يذهب إلى بني
قريظة كما يجيء الآن بيانه في حديث الباب، والترجمة المذكورة مشتملة على شيئين: على
الغسل وعلى الغبار، فلا يتضح معناها إلاّ بما ذكرنا، وبذلك يحصل التطابق أيضاً بينها وبين

١٥٥
٥٦ - كِتَابُ الجِهَادِ والسيرِ / باب (١٩)
حديث الباب.
٢٨١٣/٢٨ - حدّثنا مُحَمَّدٌ قال أخبرنا عبْدَةُ عنْ هِشَامِ بنِ عُزْوَةَ عنْ أبِيهِ عنْ عَائِشَةً
رضي الله تعالى عنها أنَّ رسولَ الله عَ لَّهِ لَمَّا رَجَعَ يَوْمَ الخَنْدَقِ ووضَعَ السِّلاَعَ وَاعْتَسَلَ فأتاهُ
جِبرِيلُ وقَدْ عَصَبَ رأسَهُ الغُبارُ فقال وَضَعْتَ السّلاحَ فَوَاللهِ ما وَضَعْتُهُ فقالَ رسولُ الله، عَلَّهِ
فأيْنَ قال لههُنَا وأوْماً إلى بَنِي قُرَيْظَةَ قالَتْ فخَرَجَ إلَيْهِمْ رسولُ اللهِ عَِّ. [انظر الحديث
٤٦٣ وأطرافه].
وجه المطابقة بين الترجمة والحديث قد مر الآن. قوله: ((محمد))، كذا وقع في رواية
الأكثرين بغير نسبة، وفي رواية أبي ذر: حدثنا محمد بن سلام، وعبدة - ضد الحرة - هو ابن
سليمان. والحديث من أفراده.
قوله: ((يوم الخندق))، هو خندق مدينة رسول الله، عَّ له حفره الصحابة لما تحزبت
عليهم الأحزاب فيوم الخندق هو يوم الأحزاب، قال مالك: كانت غزوة الخندق في سنة
أربع، وقيل: سنة خمس. قوله: ((وقد عصب رأسه))، بفتح العين والصاد المهملتين جملة
حالية أي: ركب رأسه الغبار وعلق به كالعصابة. قوله: ((بني قريظة))، بضم القاف وفتح الراء
وسكون التحتانية وبالظاء المعجمة: قبيلة من اليهود، وفيه قتال الملائكة بالسلاح ومصاحبتهم
المجاهدين في سبيل الله تعالى، وأنهم في عونهم ما استقاموا، فإن خانوا فارقتهم، يدل على
ذلك قوله عَّهِ: مع كل قاض ملكان يسددانه ما أقام الحق، فإذا جاز تركاه. والمجاهد
حاكم بأمر الله في أعوانه وأصحابه.
١٩ - بابُ فَضْلِ قولِ الله تَعالَى ﴿ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ الله أمْوَاتاً بَلْ
أُخْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمْ الله مِنْ فَضْلِهِ ويَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا
بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أنْ لا خَوْفٌ عَلَّيْهِمْ ولا هُمْ يَحْزَنُونَ يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ الله وفَضْلٍ
وأنَّ الله لا يُضيعُ أجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٧٩ - ١٨١].
أي: هذا باب في بيان فضل من ورد فيه قول الله تعالى: ﴿ولا تحسبن الذين قتلوا﴾
[آل عمران: ١٧٩ - ١٨١]. الآية، ولا بد من هذا التقدير، لأن ظاهره غير مراد، ولهذا حذف
الإسماعيلي لفظ: فضل، من الترجمة، ثم إن الآيتين ساقهما بتمامهما الأصيلي وكريمة، وفي
رواية أبي ذر: ﴿ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون﴾ [آل
عمران: ١٧٩ - ١٨١]. إلى ﴿إن الله لا يضيع أجر المؤمنين﴾ [آل عمران: ١٧٩ - ١٨١].
واختلفوا في سبب نزول هذه الآيات، فقال الإمام أحمد: حدثنا يعقوب حدثنا أبي عن
إسحاق حدثنا إسماعيل بن أمية بن عمرو بن سعيد عن أبي الزبير المكي عن ابن عباس، قال:
قال رسول الله، عَّ له: لما أصيب إخوانكم بأحد جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر ترد
أنهار الجنة وتأكل من أثمارها، وتأوي إلى قناديل من ذهب في ظل العرش، فلما وجدوا
طيب مشربهم ومأكلهم وحسن مقيلهم، قالوا: يا ليت إخواننا يعلمون ما صنع الله لنا لئلا

١٥٦
٥٦ - كِتَابُ الجِهَادِ والسيّرِ / باب (١٩)
يزهدوا في الجهاد، ولا ينكلوا عن الحرب، فقال الله تعالى: أنا أبلغهم عنكم، فأنزل الله عز
وجل: ﴿ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون﴾ [آل عمران:
١٧٩]. وما بعدها، ورواه أبو داود وابن جرير والحاكم في (مستدركه) وروى الحاكم أيضاً
في (مستدركه) من حديث أبي إسحاق الفزاري عن سفيان عن إسماعيل بن أبي خالد عن
سعيد بن جبير عن ابن عباس، قال: نزلت هذه الآية في حمزة وأصحابه ﴿ولا تحسبن الذين
قتلوا﴾ [آل عمران: ١٧٩]. الآية، وكذا قال قتادة والربيع والضحاك، وقال أبو بكر بن
مردويه، بإسناده عن علي بن عبد المديني عن موسى بن إبراهيم بن كثير بن بشر بن الفاكه
الأنصاري عن طلحة بن خراش بن عبد الرحمن بن خراش بن الصمة الأنصاري، قال: سمعت
جابر بن عبد الله، قال: نظر إلى رسول الله، عَّ ذات يوم فقال: يا جابر! مالي أراك مهتماً؟
قال: قلت: يا رسول الله! استشهد أبي وترك عليه ديناً وعيالاً. قال: ألا أخبرك؟ ما كلم الله
أحداً قط إلاَّ من وراء حجاب، وإنه كلم أباك كفاحاً. قال علي: الكفاح المواجهة، قال:
سلني أعطك. قال: أسألك أن أُرد إلى الدنيا فأقتل فيك ثانية. فقال الرب، عز وجل: إنه سبق
مني أنهم إليها لا يرجعون. قال: أي رب، فأبلغ من ورائي، فأنزل الله عز وجل: ﴿ولا تحسبن
الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً﴾ [آل عمران: ١٧٩]. حتى أنفد الآية.
وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن مرزوق حدثنا عمرو بن يونس عن عكرمة حدثنا
إسحاق بن أبي طلحة حدثني أنس بن مالك في أصحاب النبي، عَ ◌ّهِ الذين أرسلهم النبي،
عَّالله إلى أهل بئر معونة الحديث، مطولاً. وفي آخره: قال إسحاق: حدثني أنس بن مالك أن
الله أنزل فيهم قرآناً بلغوا عنا قومنا أنا قد لقينا ربنا، فرضي عنا ورضينا عنه، ثم نسخت بعد ما
قرأناه زماناً، وأنزل الله: ﴿ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله ... ﴾ [آل عمران: ١٧٩].
الآية، وقال مقاتل: نزلت في قتلى بدر، وكانوا أربعة عشر شهيداً. قوله: ((فرحين))، بمعنى:
فارحين، ويجوز أن يكون حالاً من الضمير في: يرزقون، وأن يكون صفة: لأحياء. قوله: ((من
فضله)) أي: من رزقه. قوله: ((ويستبشرون))، عطف على فرحين من الاستبشار، وهو السرور
بالبشرة. قوله: ﴿بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم﴾ [آل عمران: ١٨٠]. أي: يفرحون
بإخوانهم الذين فارقوهم أحياء يرجون لهم الشهادة، يقولون إن قتلوا نالوا ما نلنا من الفضل.
وقل السدي: يؤتى الشهيد بكتاب فيه: يقدم عليك فلان يوم كذا وكذا، ويقدم عليك فلان
يوم كذا وكذا، فيسر بذلك كما يسر أهل الدنيا بقدوم غائبهم.
قوله: ﴿أن لا خوف عليهم﴾ [آل عمران: ١٨٠]. بدل من الذي يعني: لا خوف
عليهم فيمن خلفوه من ذريتهم، ﴿ولا هم يحزنون﴾ [آل عمران: ١٨٠]. على ما خلفوا من
أموالهم. وقيل: لا خوف فيما يقدمون عليه ولا يحزنون على مفارقة الدنيا. قوله:
﴿يستبشرون﴾ كلام مستأنف كرر للتوكيد والنعمة فضل من الله لا أنه واجب عليه. قوله:
((وأن الله))، بالفتح عطفاً على النعمة، والفضل، وبالكسر على الابتداء وعلى أن الجملة
اعتراضية، وهي قراءة الكسائي. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: هذه الآية جمعت

١٥٧
٥٦ - كِتَابُ الجِهَادِ والسيرِ / باب (١٩)
المؤمنين كلهم سواء الشهداء وغيرهم، وقل ما ذكر الله فضلاً ذكر به الأنبياء عليهم الصلاة
والسلام ثواب ما أعطاهم إلاَّ ذكر ما أعطى المؤمنين من بعدهم.
٢٨١٤/٢٩ - حدَّثنا إسْمَاعِيلُ بنُ عَبْدِ الله قال حدَّثني مالِكٌ عنْ إِسْحَاقَ بنِ عَبْدِ الله
ابنِ أبِي طَلْحَةَ عنْ أَنَسِ بنِ مالِكِ رضي الله تعالى عنهُ قال دَعَا رسولُ الله عَ لّ عَلَى الَّذِينَ
قَتَلُوا أَضْحَابَ بِئْرِ مَعُونَةً ثَلاَئِينَ غَدَاةً عَلَى رَعْلٍ وذِكْوَانَ وعُصَيَّةَ عَصَتِ الله ورَسُولَهُ قال أنَسّ
أُنْزِلَ فِي الَّذِينَ قُتِلُوا بِثْرِ مَعُونَةَ قُرْآنٌ قَرَأْنَاهُ ثُمَّ نُسِخَ بَعْدُ بَلِّغُوا قَوْمَنا أَنْ قَدْ لَقِينَا رَبَّنَا فَرَضِيَ
عَنَّا ورَضِينَا عَنْهُ. [انظر الحديث ١٠٠١ وأطرافه].
مطابقته للترجمة من حيث إنها هي قوله تعالى: ﴿ولا تحسبن الذين قتلوا ... ﴾ [آل
عمران: ١٧٩]. إلى آخره، نزلت في حق أصحاب بئر معونة، كما ذكره ابن جرير أيضاً، وقد
مر عن قريب. وذكره البخاري هنا مختصراً، وسيأتي في المغازي عن يحيى بن بكير بأتم منه.
وأخرجه مسلم في الصلاة عن يحيى بن يحيى.
قوله: ((معونة))، بفتح الميم وضم العين المهملة وسكون الواو وبالنون: وهي موضع من
جهة نجد بين أرض بني عامر وحرة بني سليم، وكانت غزوتُها سنة أربع. قوله: ((علىٍ
رعل))، بدل من الذين قتلوا بإعادة العامل. قوله: ((ثم نسخ))، معناه سقط ذكره لتقادم عهده إلاّ
أن يذكر بطريق الرواية، وليس معناه النسخ الذين بدل مكانه خلافه، لأن الخبر لا يدخله
نسخ، والقرآن ربما نسخ لفظه، وبقي حكمه مثل: ((الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة))
ومعنى النسخ هنا أنه أسقط لفظه من التلاوة. قال السهيلي: هذا المذكور، أعني: ما نزل،
ونسخ وليس عليه رونق الإعجاز. قوله: ((رضينا عنه))، وقد تقدم بلفظ أرضانا، والحال لا
يخلو من أحدهما. وأجيب: بأن القرآن المنسوخ يجوز نقله بالمعنى. وقال المهلب: في
الحديث دلالة على أن من قتل غدراً فهو شهيد، لأن أصحاب بئر معونة قتلوا غدراً.
واختلف الناس في كيفية حياة الشهيد، فقال ابن بطال: إن الأرواح ترزق، وكذا جاء
الخبر في (صحيح ابن حبان): إنما نسمة المؤمن طائر تعلق في شجر الجنة، قال أهل اللغة:
يعني تأكل منها. قال ابن قرقول: بضم اللأَّم، أي: تتناوله، وقيل: تشمه. وهذا الحديث عام
وقد خصه القرآن العزيز باشتراط الشهادة. وقال الداودي: أرواح الشهداء في حواصل طير،
وقال ابن التين: هذا لا يصح في العقل، ولا في الاعتبار، لأنها إن كانت هي أرواح الطير
فكيف تكون في الحواصل دون سائر الجسد، وإن كان لها أرواح غيرها فكيف يكون لها
روحان في جسد؟ وكيف تصل لهم الأرزاق التي ذكر الله عز وجل. انتهى.
وفيه نظر، لأن مسلماً أخرج في (صحيحه): عن محمد بن عبد الله بن نمير أخبرنا أبو
معاوية حدثنا الأعمش عن عبد الله بن مرة عن مسروق قال: سألنا عبد الله عن هذه الآية:
﴿ولا تحسبن الذين قتلوا ... ﴾ [آل عمران: ١٧٩]. الآية، فقال: إنا قد سألنا عن ذلك، فقال:
أرواحهم في جوف طير خضر لها قناديل معلقة بالعرش تسرح من الجنة حيث شاءت، ثم

١٥٨
٥٦ - كِتَابُ الجِهَادِ والسيرِ / باب (١٩)
تأوي إلى تلك القناديل ... الحديث، وروى الحاكم على شرط مسلم من حديث، قال رسول
الله، عَّ الله: ((لما أصيب إخوانكم بأحد .. )) الحديث، ذكرناه عن قريب، وروى ابن أبي عاصم
من حديث ابن مسعود: ((أن الثمانية عشر من أصحاب رسول الله، عَّ له، جعل الله أرواحهم
في الجنة في طير خضر))، وفي لفظ: ((أرواح الشهداء عند الله كطير خضر في قناديل تحت
العرش)). ومن حديث عطية عن أبي سعيد، قال رسول الله، عَ له: ((أرواح الشهداء في طير
خضر ترعى في رياض الجنة ثم تكون مأواها قناديل معلقة بالعرش)). ومن حديث موسى
بن عبيدة الربذي عن عبيد الله بن يزيد عن أم قلابة، أظنها أم مبشر، قال رسول الله، عَ ليه:
((إن أرواح المؤمنين طير خضر في حجر من الجنة، يأكلون من الجنة ويشربون من
الجنة))، وبسند صحيح إلى كعب بن مالك يرفعه ((أرواح الشهداء في طير خضر))، وعند
مالك في (الموطأ): نسمة المؤمن طائر. وتأول بعض العلماء لفظ: في، في قوله: في جوف
طير، بمعنى: على، فيكون المعنى: أرواحهم على جوف طير خضر، كما في قوله:
﴿ولأصلبنكم في جذوع النخل﴾ [طه: ٧١]. أي: على جذوع النخل. وقال الطيبي،
قوله: ((أرواحهم في جوف طير خضر))، أي: يخلق لأرواحهم بعدما فارقت أبدانهم هياكل
على تلك الهيئة تتعلق بها وتكون خلفاً عن أبدانهم، فيتوسلون بها إلى نيل ما يشتهون من
اللذات الحسية. وقال القاضي عياض: واختلفوا فيه، فقيل: ليست للأقيسة والعقول في هذا
حكم، فإذا أراد الله أن يجعل الروح، إذا خرجت من المؤمن أو الشهيد، في قناديل أو جوف
طير أو حيث شاء كان ذلك، ووقع ولم يبعد، لا سيما على القول بأن الأرواح أجساد فغير
مستحيل أن يصور جزء من الإنسان طائراً، أو يجعل في جوف طائر في قناديل تحت العرش.
وقد اختلفوا في الروح. فقال كثير من أرباب علم المعاني وعلم الباطن والمتكلمين: لا
نعرف حقيقته ولا يصح وصفه. وهو ما جهل العباد بعلمه، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿قل الروح
من أمر ربي﴾ [الإسراء: ٨٥]. وقال كثيرون من شيوخنا: هو الحياة، وقال آخرون: هو أجسام
لطيفة مشاكلة للجسم يحيى بحياته، أجرى الله العادة بموت الجسم عند فراقه، ولهذا وصف
بالخروج والقبض وبلوغ الحلقوم، قال الشيخ: هذا هو المختار، وقد تعلق بهذا الحديث
وأمثاله بعض القائلين بالتناسخ وانتقال الأرواح وتنعيمها في الصور الحسان المرفهة وتعذيبها
في الصور القبيحة المسخرة، وزعموا أن هذا هو الثواب والعقاب، وهذا باطل مردود لإبطاله
ما جاءت الشرائع من إثبات الحشر والنشر والجنة والنار.
٣٠ /٢٨١٥ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ اللهِ قال حَدَّثَنا سُفْيَانُ عنْ عَبْدِ الله عنْ عَمْرَو
سَمِعَ جَابِرَ بنَ عَبْدِ الله رضي الله تعالى عنهُما يَقولُ اصْطَبَحَ ناسٌ الحَمْرَ يَوْمَ أُحُدٍ ثُمَّ قُتِلُوا
شُهَدَاءَ فَقِيلَ لِسُفْيَانَ مِنْ آخِرِ ذَلِكَ الْيَوْمِ قال لَيْسَ هَذَا فيهِ. [الحديث ٢٨١٥ - طرفاه في:
٤٠٤٤، ٤٦١٨].
مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: ((شهداء))، والخمر التي شربوها ذلك اليوم لم
تضرهم لأنها كانت مباحة في وقت شربهم، ولهذا أثنى الله عليهم بعد موتهم، ورفع عنهم

١٥٩
٥٦ - كِتَابُ الجِهَادِ والسيِّرِ / باب (٢٠)
الخوف والحزن. وسفيان هو ابن عيينة، وعمرو هو ابن دينار المكي.
والحديث أخرجه البخاري أيضاً في التفسير عن صدقة بن الفضل وفي المغازي عن
عبد الله بن محمد.
قوله: ((اصطبح))، أي: شربوا الخمر صبوحاً، والصبوح الشرب بالغداة، وهو خلاف
الغبوق، واصطيح الرجل: شرب صبوحاً. قوله: ((فقيل لسفيان: من آخر ذلك اليوم))، يعني:
في الحديث هذا اللفظ موجود، وهو قوله: من آخر ذلك اليوم. قال سفيان: ليس هذا فيه،
أي: ليس هذا اللفظ مرويا في الحديث: فإن قلت: أخرج الإسماعيلي هذا الحديث من طريق
القواريري عن سفيان بهذه الزيادة، ولكن بلفظ: اصطبح قوم الخمر أول النهار وقتلوا آخر
النهار شهداء. قلت: لعل سفيان كان نسيه ثم تذكر، وقد أخرجه البخاري في المغازي عن
عبد الله بن محمد عن سفيان، بدون الزيادة. وأخرجه في تفسير المائدة عن صدقة بن الفضل
عن سفيان بإثباتها.
٢٠ - بابُ ظِلِّ المَلائِكَةِ عَلى الشَّهِيدِ
أي: هذا باب في بيان ظل الملائكة على الشهيد.
٢٨١٦/٣١ _ حدَّثنا صَدَقَةُ بنُ الفَضْلِ قال أخبرنا ابنُ عُيَيْنَةَ قال سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بنَ
الْمُنْكَدِرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِراً يَقُولُ جِيءَ بِأبِي إلى النبيِّ عَ لَّهِ وَقَدْ مُثِّلَ بِهِ ووُضِعَ بِيْنَ يَدَيْهِ
فَذَهَبْتُ أكْشِفُ عنْ وَجْهِهِ فَتَهَانِي قَوْمِي فَسَمِعَ صَوْتَ صائِحَةٍ فَقيلَ ابْنَةُ عَمْرٍو أو أخْتُ
عَمْرٍو فقال لِمَ تَبْكِي أَوْ لا تَبْكِي ما زَالَتِ الْمَلائِكَةُ تُظِلُّهُ بِأُجْنِحَتِهَا قُلْتُ لِصَدَقَةَ أَفِيهِ حَتَّى
رُفِعَ قال رُّمَا قالَهُ. [انظر الحديث ١٢٤٤ وطرفيه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((ما زالت الملائكة تظله))، وابن عيينة هو سفيان.
والحديث أخرجه البخاري أيضاً في الجنائز، وقد مر الكلام فيه هناك.
قوله: ((قلت لصدقة))، القائل هو البخاري، وصدقة بن الفضل شبخه فيه. قوله: ((أفيه؟))
الهمزة للاستفهام على وجه الاستخبار، أي أفي الحديث لفظ حتى رفع؟ قوله: ((قال: ربما
قاله)) أي: قال سفيان: ربما قاله جابر ولم يجز به، وجزم به في الجنائز حيث قال في آخر
الحديث: حتى رفع، وكذلك رواه الحميدي وجماعة عن سفيان.
٢١ - بابُ ثَنِّي الْمُجَاهِدِ أنْ يَرْجِعَ إلى الدُّنْيَا
أي: هذا باب في بيان تمني المجاهد أن يرجع، كلمة: إن، مصدرية أي: تمنى
المجاهد الذي جاهد في سبيل الله ثم قتل رجوعه إلى الدنيا لما يرى من الكرامات
للشهداء.
٣٢/ ٢٨١٧ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قال حدَّثنا غُنْدَرٌ قال حدَّثنا شُعْبَةُ قال سَمِعْتُ
قَتَادَةَ قال سَمِعْتُ أنَسَ بنَ مالِكِ رضي الله تعالى عنهُ عنِ النَّبِيِّ عَّ ◌ُلِّ قال ما أحَدٌ يَدْخُلُ

١٦٠
٥٦ - كِتَابُ الجِهَادِ والسيّرِ / باب (٢٢)
الجَنَّةَ يُحِبُّ أنْ يَرْجِعَ إلى الدُّنْيَا وَلَهُ ما عَلى الأَرْضِ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ الشَّهِيدُ يَتَمَنَّى أَنْ يَرْجِعَ
إلى الدُّنْيَا فَيُقْتَلَ عَشْرَ مَرَّاتٍ لِمَا يَرَى مِنَ الكَرَامَةِ. [انظر الحديث ٢٧٩٥].
مطابقته للترجمة ظاهرة، وغندر، بضم الغين المعجمة: هو محمد بن جعفر وقد تكرر
ذ کره.
والحديث أخرجه مسلم أيضاً في الجهاد عن أبي موسى وبندار، كلاهما عن غندر
وعن أبي بكر بن أبي شيبة عن أبي خالد الأحمر. وأخرجه الترمذي فيه عن بندار به.
قوله: (ما أحد)) في رواية أبي خالد: ما من نفس. قوله: ((يدخل الجنة))، في رواية
أبي خالد لها: عند الله خير. قوله: ((وله ما على الأرض من شيء))، وفي رواية أبي خالد،
وأن لها الدنيا وما فيها. قوله: ((لما يرى من الكرامة))، أي: لأجل ما يراه من الكرامة
للشهداء، وفي رواية أبي خالد، لما يرى من فضل الشهادة، ولم يقل: عشر مرات. وقال ابن
بطال: هذا الحديث أجل ما جاء في فضل الشهادة، والله أعلم.
٢٢ - بابٌ الجَنَّةُ تَحتَ بَارِقَةِ السُّيُوفِ
أي: هذا باب ترجمته: الجنة تحت بارقة السيوف، وهذا من باب إضافة الصفة إلى
الموصوف، يقال: برق السيف بروقاً إذا تلألأ. وقد تطلق البارقة، ويراد بها نفس السيوف،
والإضافة بيانية، نحو: شجر الأراك، وقيل: كأن البخاري أراد بالترجمة أن السيوف لما كانت
لها بارقة شعاع كان لها أيضاً ظل تحتها، وترجم: ببارقة، يريد لمع السيوف من قولهم: ناقة
بروق إذا لمعت بذنبها من غير لقاح، وهو مثل: الجنة تحت ظلال السيوف، وقال ابن بطال:
هو من البريق، وهو معروف. وقال الخطابي: يقال: أبرق الرجل بسيفه إذا لمع به، وسمي
السيف: إبريقاً، وهو إفعيل من البريق. وأخرج الطبراني من حديث عمار بن ياسر بإسناد
صحيح أنه قال يوم صفين: الجنة تحت الأبارقة. وقال بعضهم: الصواب البارقة، وهي:
السيوف اللامعة. قلت: قال الخطابي: الأبارقة جمع إبريق، وسمي السيف إبريقاً كما ذكرناه
آنفاً، وكذلك فسر ابن الأثير كلام عمار: الجنة تحت الأبارقة، أي: تحت السيوف، فلا وجه
حينئذ لدعوى الصواب.
٣٣ - وقال الْمُغِيرَةُ بنُ شُعْبَةَ قال أخبرنا نَبِيَُّامََّلَِّ عِنْ رِسَالَةِ رَبِّنَا قال مَنْ قُتِلَ مِنَّا
صارَ إلى الجَنَّةِ
وجه دخوله تحت الترجمة من حيث أن كون المقتول منهم إلى الجنة داخل بارقة
السيوف، وهذا التعليق وصله في الجزية بتمامه. قوله: ((عن رسالة ربنا))، ثبت في رواية
الكشميهني وحده.
وقال عُمَرُ لِلنَّبِيِّ عَّلَّهِ أَلَيْسَ قَتْلانَا في الجَنَّةِ وَقَتْلاهُمْ في النَّارِ قال بَلَى
وجه هذا مثل وجه المعلق السابق، ووصله البخاري في المغازي من حديث سهل بن