Indexed OCR Text

Pages 61-80

٦١
٥٥ _ كِتابُ الوَصَايا / باب (٩)
وقال ابنُ عَبَّاسٍٍ: لا يُوصِي العَبْدُ إلا بإِذْنِ أهْلِهِ
ذكر هذا أيضاً في معرض الاحتجاج، وفيه نظر. قال الكرماني: قوله: ((بإذن أهله وأداء
الدين الواجب عليه))، قلت: ينبغي أن تكون هذه المسألة على التفصيل، وهو أن العبد لا
يخلو إما أن يكون مأذوناً له في التصرفات أو لا، فإن لم يكن فلا تصح وصيته بلا خلاف،
لأنه لا يملك شيئاً، فبماذا يوصي؟ وإن كان مأذوناً له تصح وصيته بإذن الولي إذا لم يكن
مستغرقاً بالدين وعلى كل حال الاستدلال بأثر ابن عباس فيما ذهب إليه لا يتم، وفيه نظر لا
يخفى، ورواه ابن أبي شيبة عن أبي الأحوص عن شبيب بن فرقد عن جندب، قال: سأل
طهمان ابن عباس: أيوصي العبد؟ قال: لا، إلاَّ بإذن أهله.
وقال النبِيُّ عَّ العَبْدُ رَاعٍ في مالٍ سَيِّدِهِ
قيل: لما تعارض في مال العبد حقه وحق سيده قدم الأقوى، وهو حق السيد، وجعل
العبد مولى عنه، وهو أحد الحفظة فيه، فكذلك حق الدين لما عارضه حق الوصية - والدين
واجب والوصية تطوع - وجب تقديم الدين فهذا وجه مناسبة هذا الأثر، والحديث للترجمة.
انتهى. قلت: العبد لا يملك شيئاً أصلاً فكيف يثبت له المال؟ ثم كيف تثبت المعارضة بين
حقه وحق سيده ولا ثمة حق للعبد؟ وقوله: فكذلك حق الدين لما عارضه حق الوصية ... إلى
آخره، ممنوع لأنه هو يمنع كلامه بقوله: والدين واجب والوصية تطوع فكيف تتوجه المعارضة
بين الواجب والتطوع؟ ومع هذا فإن كان مراد البخاري بهذا وجوب تقديم الدين على الوصية
فهذا لا نزاع فيه، وإن كان مراده جواز إقرار المريض للوارث فلا يساعده شيء مما ذكره في
هذا الباب، والحديث الذي علقه ذكره مسنداً في كتاب العتق في: باب كراهية التطاول على
الرقيق.
٢٧٥٠/١٣ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ قال حدَّثنا الأوزَاعِيُّ عنِ الزُّهْرِيِّ عنْ سَعِيدٍ
ابنِ المُسَيَّبِ وعُزوَةَ بنِ الزُّبَيْرِ أَنَّ حَكِيمَ بنَ حِزَامٍ رضي الله تعالى عنهُ قال سألتُ رسولَ الله
عَّ ◌َلِ فَأَعْطَانِي ثُمَّ سألْتُهُ فَأعْطَانِي ثُمَّ قال لي يا حَكِيمُ إِنَّ هذَا المَالَ خَضِرٌ حُلْوٌّ فَمَنْ أَخَذَهُ
بِسَخَاوَةِ نَّفِسٍ بُورِكَ لَهُ فِيهِ وَمَنْ أَخَذَهُ بإِشْرَافٍ نَفْسٍ لَمْ يُبارَكْ لَهُ فِيهِ وكانَ كالَّذِي يأكُلُ
ولاَ يَشْبِعُ والَّيدُ العُلْيَا خيرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلَى قال حَكِيمٌ فَقُلْتُ يا رسولَ الله وَالَّذِي بِعَثَكَ
بالحَقِّ لا أزْزَأْ أَحَدَاً بَعْدَكَ شَيْئاً حَتَّى أُفَارِقَ الدُّنْيَا فَكانَ أَبُو بَكْرٍ يَدْعُو حَكِيماً لِيُعْطِيَهُ العَطاءَ
فِيَأْتِى أَنْ يَقْبَلَ مِنْهُ شَيْئاً ثُمَّ إِنَّ عُمَّرَ دَعاهُ لِيُعْطِيَّهُ فِيَأْتَى أنْ يَقْبَلَهُ فقال يا مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ إِنِّي
أُعْرِضُ عَلَيْهِ حَقُّهُ الَّذي قَسَمَ الله لَهُ مِنْ هذا الفَيْءٍ فَيَأْتِى أَنْ يَأْخُذَهُ فَلَمْ يَرْزَأْ حَكِيمٌ أَحَداً مِنَ
النَّاسِ بَعْدَ النبيِّ عَّلِ حتَّى تُؤُفِّيَ رَحِمَهُ الله. [انظر الحديث ١٤٧٢ وطرفيه].
قيل: وجه دخول هذا الحديث في هذا الباب من جهة أنه عَ لَّه زهَّده في قبول العطية
وجعل يد الآخذ سفلى تنفيراً عن قبولها، ولم يقع مثل ذلك في تقاضي الدين، لأن يد آخذ
الدين ليست سفلى، لاستحقاق أخذه جبراً، فالدين أقوى، فيجب تقديمه. وقال الكرماني:
:

٦٢
٥٥ - كِتَابُ الوَصَايا / باب (١٠)
ووجه آخر، وهو أن عمر، رضي الله تعالى عنه، ألا تهد في توفيته حقه من بيت المال
وخلاصه منه، وشبهه بالدين لكونه حقاً بالجملة، فكيف إذا كان ديناً متعيناً؟ فإن فيه تعسفاً
شديداً يظهر ذلك لمن يتأمله كما ينبغي. والحديث تقدم في كتاب الزكاة في: باب
الاستعفاف في المسألة.
قوله: ((لا أرزاً)) بتقديم الراء على الزاي، أي: لا آخذ من أحد شيئاً بعدك.
٢٧٥١/١٤ _ حدَّثنا بِشْرُ بنُ مُحَمَّدِ السَّخْتِيَانِيُّ قال أخبرنَا عَبْدُ الله قال أخبرنا يُونُسُ
عنِ الزُّهْرِيِّ قال أخبرني سالِمْ عنِ ابنِ عُمَرَ عنْ أَبِيهِ رضي الله تعالى عنهُما قال سَمِعْتُ
رسولَ الله عَّهِ يَقُولُ كُلُّكُمْ راعٍ ومَسْئولٌ عنْ رعِيَّهِ والإمامُ راعٍ ومَسْئُولٌ عنْ رَعِيَّتِهِ والرّجلُ
راعٍ في أهْلِهِ ومَسْئولٌ عنْ رَعِيَّهِ، والمَرْأَةُ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا راعِيَّةٌ وَمَسُولَةٌ عنْ رَعِيَّيْها والخادِمُ
في مالِ سَيِّدِهِ راعٍ ومسئُولٌ عنْ رَعِيَّتِهِ قال وحَسِبْتُ أنْ قَدْ قالَ والرَّجُلُ راعٍ في مال أبِيهِ.
[انظر الحديث ٨٩٣ وأطرافه].
لم يذكر أحد من الشراح وجه دخول هذا الحديث في هذا الباب، ويمكن أن يكون
الوجه في ذلك مثل الذي ذكر في قوله: وقال، عليه الصلاة والسلام: ((العبد راع في مال
سيده)) يتناولا العبد. وبشر، بكسر الباء الموحدة وسكون الشين المعجمة: ابن محمد أبو
محمد السختياني المروزيّ، وهو من أفراده، وعبد الله هو ابن المبارك المروزي، والحديث
مضى في كتاب الجمعة في: باب الجمعة في القرى، بعين هذا الإسناد ومضى الكلام فيه.
١٠ - بابٌ إذا وقفَ أو أوْصَى لأقَارِبِهِ ومَنِ الأقَارِبُ؟
أي: هذا باب يذكر فيه: إذا وقف شخص، وفي بعض النسخ: إذا أوقف، بزيادة ألف
في أوله، وهي لغة قليلة، ويقال: لغة رديئة. قوله: ((ومن الأقارب؟))، كلمة: من، استفهامية،
ولم يذكر جواب إذا لمكان الخلاف فيه. وقال الطحاوي، رحمه الله تعالى: اختلف الناس
في الرجل يوصي بثلث ماله لقرابة فلان، من القرابة الذين يستحقون تلك الوصية؟ فقال أبو
حنيفة، رضي الله تعالى عنه: هم كل ذي رحم محرم من فلان من قبل أبيه أو من قبل أمه.
قلت: ولا يدخل الوالدان والولد. قال الطحاوي: غير أنه يبدؤ في ذلك من كانت قرابته منه
من قبل أبيه على من كانت قرابته من قبل أمه، أما اعتبار الأقرب فلأن الوصية أخت الميراث،
وفيه يعتبر الأقرب فالأقرب، حتى لو كان لفلان عمان وخالان فالوصية للعمين، ولو كان له
عم وخالان فللعم النصف وللخالين النصف، وأما اعتبار عدم دخول الوالدين والولد، فلأن الله
تعالى عطف الأقربين على الوالدين، والمعطوف يغاير المعطوف عليه.
· فإن قلت: إذا لم يدخل الوالد والولد، فهل يدخل الجد وولد الولد؟ قلت: ذكر في
الزيادات أنهما يدخلان ولم يذكر فيه خلافاً، وذكر الحسن بن زياد عن أبي حنيفة: أنهما لا
يدخلان، وهكذا روي عن أبي يوسف، وهو الصحيح. وقال زفر: الوصية لكل من قرب منه
من قِبَلٍ أبيه أو من قِبَل أمه دون من كان أبعد منهم، وسواء في هذا بين من كان منهم ذا

٦٣
٥٥ - كِتابُ الوَصَايا / باب (١٠)
رحم محرم وبين من كان ذا رحم غير محرم، وقال أبو يوسف ومحمد: الوصية في ذلك
لكل من جمعه، وفلاناً أبّ واحد منذ كانت الهجرة من قِبَل أبيه أو من قِبَلٍ أمه. وقال قوم من
أهل الحديث وجماعة من الظاهرية: الوصية لكل من جمعه وفلاناً أبوه الرابع إلى ما هو أسفل
من ذلك، وقال مالك والشافعي وأحمد: الوصية في ذلك لكل من جمعه وفلاناً أب واحد في
الإسلام أو في الجاهلية، وتحقيق مذهب الشافعي ما ذكره النووي في (الروضة): أوصى
لأقارب زيد، دخل فيه الذكر والأنثى والفقير والغني والوارث وغيره والمحرم وغيره والقريب
والبعيد والمسلم والكافر لشمول الاسم، ولو أوصى لأقارب نفسه ففي دخول ورثته وجهان:
أحدهما: المنع، لأن الوارث لا يوصى له، فعلى هذا يختص بالباقين، وبهذا قطع المتولي
ورجحه الغزالي، وهو محكي عن الصيدلاني. والثاني: الدخول، لوقوع الاسم. ثم يبطل
نصيبهم ويصح الباقي لغير الورثة. وهل يدخل في الوصية لأقارب زيد، أصوله وفروعه؟ فيه
أوجه. أصحها: عند الأكثرين: لا يدخل الوالدان والأولاد، ويدخل الأجداد والأحفاد.
والثاني: لا يدخل أحد من الأصول والفروع. والثالث: يدخل الجميع، وبه قطع المتولي،
قلت: أمر الوقف في هذا كأمر الوصية، وقال الماوردي: تجوز الوصية لكل من جاز الوقف
عليه من صغير وكبير وعاقل ومجنون وموجود ومعدوم إذا لم يكن وارثاً ولا قاتلاً.
وقال ثابتٌ عنْ أَنَسٍ قال النبيُّ عََّلِ لأبي طَلْحَةَ اجْعَلْهَا لِفُقَرَاءِ أَقَارِبَكَ فَجَعَلَهَا
لِحَسَّانَ وأُبَيِّ بنِ كَعبٍ رضي الله تعالى عنهما
مطابقته للترجمة ظاهرة، وهو طرف من حديث أخرجه مسلم: حدثني محمد بن
حاتم، قال: حدثنا بهز، قال: حدثنا حماد بن سلمة. قال: حدثنا ثابت عن أنس، رضي الله
تعالى عنه، قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون﴾ [آل عمران:
٩٢]. قال أبو طلحة: أرى ربنا يسألنا من أموالنا، فأشهدك يا رسول الله أني جعلت أرضي
بيرحاء لله. قال: فقال رسول الله، عَّهِ: ((إجعلها في قرابتك)). قال: فجعلها في حسان بن
ثابت وأبي بن كعب، رضي الله تعالى عنهما. قوله: ((إجعلها))، الضمير المنصوب فيه يرجع
إلى أرضي بيرحاء، وقد بينه كذلك مسلم في (صحيحه) لأن المعلق المذكور قطعة من
حديث مسلم، كما ذكرنا. وأبو طلحة: اسمه زيد بن سهل بن الأسود بن حرام بن عمرو بن
زيد مناة بن عدي بن عمرو بن مالك بن النجار النجاري الأنصاري وحسان بن ثابت بن
المنذر بن حرام بن عمرو الى النجار، واسم النجار: تيم اللات بن ثعلبة بن عمرو بن الخزرج
الخزرجي الأنصاري، وأبي بن كعب بن المنذر، ويقال: كعب بن قيس بن عبيد بن زيد بن
معاوية بن عمرو بن مالك بن النجار، فيجتمع أبو طلحة وحسان وأبي بن كعب في عمرو بن
مالك بن النجار، ويجتمع أبو طلحة وحسان في حرام بن عمرو وجد أبيهما، على ما يجيء
الآن، إن شاء الله تعالى.

٦٤
٥٥ - كِتَابُ الوَصَايا / باب (١٠)
وقال الأنْصَارِيُّ حدَّثني أبي عِنْ ثُمَامَةً عِنْ أَنَسٍ مثْلَ حَديثٍ ثابِتٍ قال اجْعَلْهَا لِفُقَرَاءٍ
قَرَابَتِكَ قال أَنس فَجَعَلَّهَا لِحَسَّانَ وَأُبَيِّ بنِ كغَبٍ وكانَا أَقْرَبَ إِلَيْهِ مِنِّي وكانَ قَرَابَةُ
حَسَّانٍ وَأُبَيّ منْ أبي طَلْحَةَ واسْمُهُ زَيْدُ بَنُ سَهْلٍ بِنِ الأَسْوَدِ بنِ حَرَامِ بنِ عَمْرٍو بن
زَيْدِ مَناةَ بنِ عَدِيّ بنِ عَمْرِو بنِ مالِكِ بنِ النَّجَّارِ وحسَّانُ بنُ ثابتِ بَنِ المُنْذِرِ بنِ
حَرامٍ فَيَجْتَمِعَانٍ إلى حَرامِ وهُوَ الأُبُ الثَّالِثُ وحَرامُ بِنُ عَمْرُو بِنِ زَيْدِ بنِ عَدِيٌّ بنِ
عَمْرِو بنِ مالِكِ بنِ النَّجَّارِ فَهْوَ يُجَامِعُ حَسَّانَ وَأبَا طَلْحَةً وَأَبَيَّا إلى ستَّةِ آباءٍ إلى
عَمْرو بنِ مالِكِ وهُوَ أَبَيُّ بِنُ كَعْبٍ بِنِ قَيْسٍ بِنُ عُبَيْدِ بنِ زَيْدِ بنُ مُعَاوِيَةَ بنَ عَمْرٍو
ابن مالِكِ بنِ النَّجَّارِ فَعَمْرُو بنُ مالِكِ يَجْمَعُ حَسَّانَ وَأَبَا طَلْحَةَ وَأُبَيَّا
الأنصاري: هو محمد بن عبد الله بن المثنى، بضم الميم وفتح الثاء المثلثة وفتح النون
المشددة: ابن عبد الله بن أنس بن مالك، هو يروي عن أبيه عبد الله المذكور، وعبد الله يروي
عن عمه ثمامة، بضم الثاء المثلثة وتخفيف الميم: ابن عبد الله بن أنس، وهو يروي عن جده
أنس بن مالك، وهذا الإسناد كله بصريون وأنسيون، والبخاري روى عن الأنصاري كثيراً.
قوله: ((مثل حديث ثابت))، وهو المذكور الآن، اختصره البخاري هنا ووصله في
تفسير آل عمران مختصراً. أيضاً عقيب رواية إسحاق بن أبي طلحة عن أنس في هذه القصة،
قال: حدثنا الأنصاري، فذكر هذا الإسناد. قال: فجعلها لحسان وأبي، وكانا أقرب إليه، ولم
يجعل لي منها شيئاً. وسقط هذا القدر من رواية أبي ذر. وقد أخرجه الطحاوي: حدثنا ابن
مرزوق، قال: حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري، قال: حدثنا حميد عن أنس، قال: لما
نزلت هذه الآية: ﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون﴾ [آل عمران: ٩٢]. قال أو قال:
﴿من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً﴾ [البقرة: ٢٤٥، والحديد: ١١]. جاء أبو طلحة فقال:
يا رسول الله! حائطي الذي بمكان كذا وكذا لله تعالى، ولو استطعت أن أسره لم أعلنه. فقال:
(إجعله في فقراء قرابتك أو فقراء أهلك)).
حدثنا ابن مرزوق، قال: حدثنا محمد بن عبد الله، قال: حدثني أبي ثمامة، قال: قال
أنس، رضي الله تعالى عنه: كانت لأبي طلحة أرض فجعلها الله عز وجل، فأتى النبي عَ ليه
فقال له: ((اجعلها في فقراء قرابتك))، فجعلها لحسان وأبي. قال أبي: عن ثمامة عن أنس قال:
وكانا أقرب إليه مني. انتهى. أي: كان حسان وأبي ابن كعب أقرب إلى أبي طلحة من أنس
بن مالك، لأنهما يبلغان إلى عمرو بواسطة ستة أنفس، وأنس يبلغ إليه بواسطة اثني عشر
نفساً، لأن أنس بن مالك بن النضر، بفتح النون وسكون الضاد المعجمة: ابن ضمضم، بفتح
الضادين المعجمتين: ابن زيد بن حرام - ضد حلال - ابن جندب بن عامر بن غنم، بفتح
الغين المعجمة وسكون النون: ابن عدي بن عمرو ابن مالك بن النجار. قوله: ((وكان قرابة
حسان ... )) إلى آخره من كلام البخاري، أو من كلام شيخه، وليس من الحديث. قوله:
((واسمه)) أي: اسم أبي طلحة. قوله: ((حرام)) - ضد حلال - كما ذكرنا. قوله: ((زيد مناة))،
بالإضافة. قال الكرماني: ليس بين زيد وبين مناة ابن، لأنه اسم مركب منهما. قوله: ((ابن

٦٥
٥٥ ـ كِتَابُ الوَصَايا / باب (١١)
النجار)) وقد ذكرنا أن اسمه: تيم اللات، وإنما سمي النجار لأنه اختتن بالقدوم، وقيل: ضرب
وجه رجل بقدوم فنجره، فقيل له: النجار.
قوله: ((إلى حرام))، وهو الأب الثالث يعني: لأبي طلحة، ووقع هنا وفي رواية أبي
ذر: وحرام بن عمرو، وساق النسب ثانياً إلى النجار، وهو زيادة لا معنى لها. قوله: ((فهو
يجامع حسان)) أي: الشأن أن حسان وأبياً يجامع أبا طلحة، قاله الكرماني، وليس بشيء،
والصواب: أن لفظ: هو يرجع إلى عمرو بن مالك، والمعنى: أن عمرو بن مالك يجمع حسان
وأبا طلحة وأبياً، هكذا وقع في رواية المستملي، وكذا وقع في رواية أبي داود في (السنن)
وقال: بلغني عن محمد بن عبد الله الأنصاري أنه قال: أبو طلحة هو زيد بن سهل، فساق
نسبه ونسب حسان بن ثابت وأبي بن كعب كما تقدم، ثم قال: قال الأنصاري: فبين أبي
طلحة وأبي بن كعب ستة أباء، قال: وعمرو بن مالك يجمع حساناً وأبياً وأبا طلحة، والله
أعلم، وكذا قال البخاري، فعمرو ابن مالك يجمع حساناً وأبا طلحة وأبياً، رضي الله تعالى
عنهم.
وقال بَعْضُهُمْ إِذَا أَوْطِى لِقَرَابَتِهِ فَهْوَ إلى آبائِهِ في الإسْلاَمِ
أراد به: أبا يوسف صاحب أبي حنيفة. قوله: ((إلى آبائه في الإسلام)) أي: إلى آبائه
الذين كانوا في الإسلام، وقد مر في أول الباب اختلاف العلماء فيه، ومحمد بن الحسن مع
أبي يوسف.
٢٧٥٢/١٥ _ حدَّثنا عبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قال أخبرنا مالكٌ عنْ إِسْحَاقَ بنِ عَبْدِ الله
ابنِ أبِي طَلْحَةَ أَنَّهُ سَمِعَ أنَساً رضي الله تعالى عنه قال قال النبيُّ عَّ ◌ُلِّ لأبي طَلْحَةَ أَى أنْ
تَجْعَلَهَا في الأَقْرَبِينَ قال أَبُو طَلْحَةَ أفعلُ يا رسولَ اللهِ فَقَسَمَهَا أَبُو طَلْحةَ في أقارِبِهِ وَبَنِي
عَمِّهِ. [انظر الحديث ٤١٦١ وأطرافه].
هذا الحديث قد مضى مطولاً في كتاب الزكاة في: باب الزكاة على الأقارب، ومضى
الكلام فيه مستوفيّ، والضمير في: ((أن تجعلها))، يرجع إلى: بيرحاء، ومضى تفسيره هناك.
وقال ابنُ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما: لَمَّا نَزَلَتْ ﴿وَأَنْذِزِ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾
[الشعراء: ٢١٤]. وقال النبيُّ عَ لَّه يا معْشَرَ قُرَيْشٍ
ذكر هذا مختصراً معلقاً، ووصله في مناقب قريش، وتفسير سورة الشعراء، بتمامه من
طريق عمرو بن مرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، وأورد في آخر الجنائز طرفاً منه في
قصة أبي لهب، موصولة وسيأتي تفسيره، إن شاء الله تعالى.
١١ - بابٌّ هلْ يَدْخُلُ النِّساءُ والوَلَدُ في الأقارِبِ
أي: هذا باب يذكر فيه: هل يدخل ... إلى آخره، وإنما ذكره بكلمة الاستفهام لمكان
الاختلاف فيه. قوله: ((في الأقارب))، أي: في وصيته للأقارب.
عمدة القاري/ ج١٤ م٥

٦٦
٥٥ - كِتَابُ الوَصَايا / باب (١١)
١٦/ ٢٧٥٣ - حدَّثنا أبو اليَمَانِ قال أخبرنا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قال أخبرني سعيدُ بنُ
الْمُسَيَّبِ وأَبُو سَلَمَةَ بنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ أنَّ أَا هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنه قال قامَ رسولُ الله،
عَِّ حِينَ أَنْزَلَ الله عزَّ وجَلَّ ﴿وَأَنْذِزْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤]. قال يا معْشَرَ
قُرَيْشٍ أوْ كَلِمَةٌ نخوَهَا اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ لا أُغْنِيٍ عنْكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئاً يا بَنِي عَبْدِ مَنافٍ لا
أُغْنِيَ عنْكُمْ منَ اللهِ شَيْئاً يا عِبَّاسُ بنَ عَبْدِ المُطَّلِبِ لا أُغْنِيٍ عنْكَ منَ الله شيئاً ويا صَفِيَّةُ
عَمَّةَ رسولِ الله لا أُغْنِي عنْكِ منَ الله شَيْئاً ويا فاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَلِيْنِي ما شِئْتِ مِنْ
مالِي لا أَغْنِي عنكِ مِنَ الله شَيْئاً. [الحديث ٢٧٥٣ - طرفاه في: ٣٥٢٧، ٤٧٧١].
قيل: لا مطابقة هنا بين الحديث والترجمة لأن الآية في إنذار العشيرة، وقد أنذرهم
النبي عَّهِ، ولا تعلق له في دخول النساء والولد في الأقارب. وقال بعضهم: موضع الشاهد
منه يعني: مطابقة الحديث للترجمة تؤخذ من قوله: يا صفية ويا فاطمة، فإنه سوى في ذلك
بين عشيرته، فعمهم أولاً، ثم خص بعض البطون، ثم ذكر عمه العباس وعمته صفية وبنته
فاطمة، فدل على دخول النساء في الأقارب، وعلى دخول الفروع أيضاً، وعلى عدم
التخصيص بمن يرث ولا بمن كان مسلماً، ويحتمل أن يكون لفظ الأقربين صفة لازمة
للعشيرة، والمراد بعشيرته قومه، وهم قريش، وفيه نظر: لا يخفى لأن الدلالة التي ذكرها في
الموضعين، أي: لا دلالة من أنواع الدلالات. وكذلك قوله: ((وعلى عدم التخصيص)) وكيف
وجه هذه الدلالة؟ فلا دلالة هنا أصلاً على ما ذكره، يعرف ذلك بالتأمل.
وأخرج البخاري هذا الحديث في موضعين من التفسير بعين هذا الإسناد. وأخرجه
النسائي في الوصايا عن محمد بن خالد بن خلي عن بشر بن شعيب بن أبي حمزة عن أبيه
به، كذلك، وأخرجه الطحاوي: حدثنا يونس، قال: حدثنا سلامة بن روح، قال: حدثنا عقيل
حدثني الزهري، قال: قال سعيد وأبو سلمة بن عبد الرحمن: إن أبا هريرة، قال: قال رسول
الله عَّلِ حين أنزل عليه: ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾ [الشعراء: ٢١٤]. يا معشر قريش
اشتروا أنفسكم من الله لا أغني عنكم من الله شيئاً يا بني عبد مناف اشتروا أنفسكم من الله
لا أغني عنكم من الله شيئاً يا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئاً؟» الحديث،
قال الطحاوي: في هذا الحديث أن رسول الله، عَّلَّ لما أمره الله عز وجل أن ينذر عشيرته
الأقربين، دعا عشائر قريش، وفيهم من يلقاه عند أبيه الثاني، وفيهم من يلقاه عند أبيه الثالث،
وفيهم من يلقاه عند أبيه الرابع، وفيهم من يلقاه عند أبيه الخامس، وفيهم من يلقاه عند أبيه
السادس، وفيهم من يلقاه عند آبائه الذين فوق ذلك، إلاَّ أنه ممن جمعته وإياه قريش وقد
ذكرنا عن الطحاوي في أول الباب، أنه ذكر في هذا الباب خمسة أقوال، وساق دليل كل
واحد منهم، ثم ذكر أن الصحيح من ذلك كله القول الذي ذهب إليه مالك والشافعي
وأحمد، رضي الله تعالى عنهم، وأبطل بقية الأقوال، وصرح ببطلان ما ذهب إليه أبو حنيفة،
رضي الله تعالى عنه، وما ذهب إليه أبو يوسف ومحمد، فهذا الذي سلكه هو طريق
المجتهدين المستنبطين للأحكام من الكتاب والسنة، فلذلك ترك تقليده لأبي حنيفة وصاحبيه

٦٧
٥٥ - كِتَابُ الوَصَايا / باب (١١)
في هذه المسألة. ونقل صاحب (التلويح): عن الإسماعيلي أنه قال: حديث أبي هريرة هذا
وابن عباس أيضاً مرسلان، لأن الآية نزلت بمكة، وابن عباس كان صغيراً، وأبو هريرة أسلم
بالمدينة. وأجيب عنه بأنه يمكن أن يكونا سمعا ذلك من النبي عَّ ل أو من صحابي آخر.
ثم إن الإجماع قام على أن اسم الولد يقع على البنين والبنات، وأن النساء التي من
صلبه وعصبته كالابنة والأخت والعمة يدخلن في الأقارب إذا وقف على أقاربه، ألا ترى أنه
تل خص عمته بالنذارة كما خص ابنته، وكذلك من كان في معناهما ممن يجمعه معه أب
واحد، وروى أشهب عن مالك: أن الأم لا تدخل. وقال ابن القاسم: تدخل الأم في ذلك ولا
تدخل الأخوات لأم.
واختلفوا في ولد البنات وولد العمات ممن لا يجتمع مع الموصي والمحبس في أب
واحد، هل يدخلون بالقرابة أم لا؟ فقال أبو حنيفة والشافعي: إذا وقف وقف على ولده دخل
فيه ولد ولده وولد بناته ما تناسلوا، وكذلك إذا أوصى لقرابته يدخل فيه ولد البنات، والقرابة
عند أبي حنيفة: كل ذي رحم، فسقط عنده ابن العم والعمة وابن الخال والخالة، لأنهم
ليسوا بمحرمين، والقرابة عند الشافعي: كل ذي رحم محرم وغيره، ولم يسقط عنده ابن العم
ولا غيره، وقال صاحب (التوضيح): صحح أصحابه أنه لا يدخل في القرابة الأصول والفروع
ويدخل كل قرابة وإن بعد. وقال مالك: لا يدخل في ذلك ولد البنات وقوله: لقرابتي
وعقبي، كقوله: لولدي، وقوله: ولدي، يدخل فيه: ولد البنين. ومن يرجع إلى عصبة الأب
وصلبه، ولا يدخل ولد البنات. وحجة من أدخل ولد البنت قوله عَّ له: ((إن ابني هذا سيد
في الحسن بن علي رضي الله تعالى عنهما)). وقال تعالى: ﴿إِنَّا خلقناكم من ذكر وأنثى﴾
[الحجرات: ١٣]. والتولد من جهة الأم كالتولد من جهة الأب، وقد دل القرآن على ذلك
قال تعالى: ﴿ومن ذريته داود﴾ إلى أن قال: ﴿وعيسى﴾ [الأنعام: ٨٤]. فجعل عيسى من
ذريته وهو ابن بنته، ولم يفرق في الاسم بين ابنه وبين بنته. وأجيب بأنه عَظ ◌ِلّهِ: إنما سمى
الحسن ابناً على وجه التخمين، وأبوه في الحقيقة علي، رضي الله تعالى عنه، وإليه نسبه،
وقد قال عَّ له في العباس: ((أتركوا لي أبي))، وهو عمه وإن كان الأب حقيقة خلافه وعيسى،
عليه الصلاة والسلام، جرى عليه اسم الذرية على طريق الاتساع.
قوله: ((سليني ما شئت))، فيه أن الائتلاف للمسلمين وغيرهم بالمال جائز، وفي
الكافر آکد.
تابَعَهُ أَصْبَغُ عنِ ابنِ وهْبٍ عنْ يُونُسَ عنِ ابنِ شِهَابٍ
هذه المتابعة أخرجها مسلم عن حرملة عن عبد الله بن وهب عن يونس عن ابن
شهاب عن ابن المسيب، وأبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله،
عَ له، حين أنزل الله عليه ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين ... ﴾ [الشعراء: ٢١٤]. الحديث.

٦٨
٥٥ - كِتَابُ الوَصَايا / باب (١٢)
١٢ - بابٌ هَلْ يَنْتَفْعُ الوَاقِفُ بِوَقْفِهِ؟
أي: هذا باب يذكر فيه: هل ينتفع الواقف بوقفه الذي وقفه؟ وإنما ذكره بكلمة: هل،
الاستفهامية لمكان الخلاف فيه، وانتفاع الواقف بوقفه أعم من أن يكون الوقف على نفسه أو
أن يجعل جزءاً من ريعه على نفسه، أو أن يجعل النظر عليه لنفسه.
وقدٍ اشتَرَطَ عُمَرُ رضي الله تعالى عنه: لا جناحَ على مَنْ وَلِيَهُ أنْ يأْكُلَ
هذه قطعة من قصة وقف عمر، رضي الله تعالى عنه، وقد مضى موصولاً في آخر
الشروط. قيل: ذكره لاشتراط عمر، لا حجة فيه، لأن عمر أخرجها عن يده ووليها غيره،
فجعل لمن وليها أن يأكل على شرطه. قوله: ((أن يأكل)) ويروى: ((أن يأكل منها)). وقال ابن
بطال: لا يجوز للواقف أن ينتفع بوقفه. لأنه أخرجه لله تعالى، وقطعه عن ملكه، فانتفاعه
بشيء منه رجوع في صدقته، وقد نهى الشارع عن ذلك، وإنما يجوز له الانتفاع به إن شرط
ذلك في الوقف أو إن يفتقر المحبس أو ورثته فيجوز لهم الأكل منه. وقال ابن القصار: من
حبس داراً أو سلاحاً أو عبداً في سبيل الله، فأنفذ ذلك في وجوهه زماناً، ثم أراد أن ينتفع به
مع الناس، فإن كان من حاجة فلا بأس، وذكر ابن حبيب عن مالك قال: من حبس أصلاً
يجري غلته على المساكين فإن ولده يعطون منه إذا افتقروا، كانوا يوم مات أو حبس فقراء أو
أغنياء، غير أنهم لا يعطون جميع الغلة مخافة أن يندرس الحبس، ويكتب على الولد كتاب:
أنهم إنما يعطون منه ما أعطوا على المسكنة، وليس لهم على حق فيه، دون المساكين،
واختلفوا: إذا أوصى بشيء للمساكين فغفل عن قسمته حتى افتقر بعض ورثته، وكانوا يوم
أوصى أغنياء أو مساكين، فقال مطرف: أرى أن يعطوا من ذلك على المسكنة، وهم أولى من
الأباعد. وقال ابن الماجشون: إن كانوا يوم أوصى أغنياء ثم افتقروا أعطوا منه، وإن كانوا
مساكين لم يعطوا منه، لأنه أوصى وهو يعرف حاجتهم، فكأنه أزاحهم عنه. وقال ابن القاسم:
لا يعطوا منه شيئاً مساكين كانوا أو أغنياء يوم أوصى.
وقَدْ يَلِي الوَاقِفُ أوْ غَيْرُهُ
هذا من تفقه البخاري، يعني: قد يلي الواقف أمر وقفه أو يلي غيره، وكلامه هذا يشعر
أن الواقف إذا شرط ولاية النظر له جاز، وقال ابن بطال: ذكر ابن المواز عن مالك أنه: إن
اشترط في حبسه أن يليه هو لم يجز، وعن ابن عبد الحكم، قال مالك: إن جعل الواقف
الوقف بيد غيره يجوزه ويجمع غلته ويدفعها إلى الذي حبسه يلي تفرقته، وعلى ذلك حبس،
أن ذلك جائز. وقال ابن كنانة: من حبس ناقة في سبيل الله فلا ينتفع بشيء منها، وله أن
ينتفع بلبنها لقيامه عليها فمن أجاز للواقف أن يليه فإنما يجوز له الأكل منه بسبب ولايته عليه،
كما يأكل الوصي من مال يتيمه بالمعروف من أجل ولايته وعمله، وإلى هذا المعنى أشار
البخاري في هذا الباب، ولم يجز مالك للواقف أن يلي وقفه، قطعاً للذريعة إلى الانفراد بغلته،
فيكون ذلك رجوعاً فيه.

٦٩
٥٥ _ كِتابُ الوَصَايا / باب (١٣)
وكَذَلِكَ مَنْ جَعَلَ بَدَنَةٍ أَوْ شَيْئاً لله فَلَهُ أَنْ يَنْتَفِعَ بِها كَما يَنْتَفِعُ غَيْرُهُ وإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ
أشار بهذا أيضاً إلى جواز انتفاع الواقف بوقفه ما لم يضره، وإن لم يشترط ذلك في
أصل الوقف. وقال الداودي: ليس فيه حجة لما بوب له، لأن مهديها إنما جعلها الله عز وجل،
إذا بلغت محلها، وأبقى ملكه عليها مع ما عليه من الخدمة من السّوق والعلف، ألاَ تَرى أنها:
إن كانت واجبة، أن عليه بدلها إن عطبت قبل محلها، وإنما أمره، عَّله، بركوبها لمشقة
السفر، ولأنه لم ير له مركباً غيرها، وإذا كان ركوبها مهلكاً لها لم يجز له ذلك، كما لا
يجوز له أكل شيء من لحمها.
١٧/ ٢٧٥٤ - حدَّثنا قُتَيْبَةَ بنُّ سَعِيدٍ قال حدَّثنا أبو عَوَانَةَ عنْ قَتَادَةَ عنْ أَنَس رضي
الله تعالى عنهُ أنَّ النبيَّ عَّه رأى رَجُلاً يَسُوقُ بَدَنَةً فقال لَهُ ارْكَبْها فقال يا رسولَ الله إنَّها
بَدَنَةٌ فقال في الثَّالِئَةِ أو الرَّابِعَةِ ارْكَبْها ويِلَكَ أوْ وَيْحَكَ. [انظر الحديث ١٧٩٠ وطرفه].
أبو عوانة، بفتح العين المهملة اسمه الوضاح اليشكري، والحديث مضى في كتاب
الحج في: باب ركوب البدن، فإنه رواه هناك: عن أبي هريرة وعن أنس، مضى الكلام فيه
هناك.
١٨/ ٢٧٥٥ - حدّثنا إسْمَاعِيلُ قال حدَّثنا مالِكُ عنْ أبي الزِّنادِ عنِ الأعْرَجِ عنْ أبِي
هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ أنَّ رسولَ الله عَ لِّ رأى رجلاً يَسُوقُ بَدَنَةً فقال ارْكَبْهَا قال يا
رسُولَ اللهِ إِنَّهَا بَدَنَةٌ قال ازْكَبْهَا ويْلَكَ في الثَّانِيَةِ أَوْ في الثَّالِئَةِ. [انظر الحديث ١٦٨٩
وأطرافه].
إسماعيل بن أبي أويس، وأبو الزناد عبد الله بن ذكوان، والأعرج عبد الرحمن بن هرمز.
والحديث مضى في الحج كما ذكرناه الآن.
١٣ - بابّ إذَا وَقَفَ شَيْئاً فَلَمْ يَدْفَعْهُ إلى غَيْرِهِ فَهْوَ جَائِزٌ
أي: هذا باب يذكر فيه: إذا وقف شخص وقفاً فلم يدفعه إلى غيره بأن لم يخرجه من
يده، فهو جائز، يعني: صحيح لا يحتاج إلى قبض الغير، وهو قول الجمهور منهم الشافعي
وأبو يوسف. وقالت طائفة: لا يصح الوقف حتى يخرجه عن يده، ويقبضه غيره وبه قال ابن
أبي ليلى ومحمد بن الحسن وحجة الجمهور أن عمر وعلياً وفاطمة، رضي الله تعالى عنهم،
أوقفوا أوقافاً وأمسكوها بأيديهم، وكانوا يصرفون الانتفاع منها في وجوه الصدقة، فلم تبطل.
واحتج الطحاوي أيضاً بأن الوقف شبيه بالعتق، لاشتراكهما في أنهما تمليك لله تعالى، فينفذ
بالقول المجرد عن القبض، ويفارق الهبة، فإنها تمليك الآدمي، فلا يتمَّ إلاَّ بالقبض.
لأنَّ عُمرَ رضي الله تعالى عنهُ أَوْقَفَ وقال لاَ جُنَاحَ علَى منْ ولِيَّهُ أنْ يَأْكُلَ وَلَمْ
يخُصَّ إنْ ولِيَهُ عُمرُ أوْ غَيْرُهُ
هذا تعليل لقوله: فهو جائز، قيل: فيه نظر، لأن غاية ما ذكر عن عمر هو أن كل من

٧٠
٥٥ _ كِتَابُ الوَصَايا / باب (١٤)
ولي الوقف أبيح له التناول، ولا يلزم من ذلك أن كل أحد يسوغ له أن يتولى الوقف
المذكور، بل الوقف لا بد له من متولٍ. وأجيب: بأن عمر لما وقف ثم شرط لم يأمره النبي،
عٍَّ، أن يخرجه من يده، فكان سكوته عن ذلك دالاً على صحة الوقف وإن لم يقبضه
الموقوف عليه.
قال النبيُّ، عَّه لأبي طَلْحَةَ أرى أنْ تَجْعَلَها في الأَقْرَبِينَ فقال أفْعَلُ فَقَسَمَها في
أقَارِبِهِ وبَني عَمِّهِ
أراد بهذا أيضاً الاحتجاج على عدم اشتراط القبض في جواز الوقف، وهذا قد تقدم
موصولاً قريباً. قال الداودي: ما استدل به البخاري على صحة الوقف قبل القبض من قصة
عمر وأبي طلحة حمل للشيء على ضده وتمثيله بغير جنسه ودفع للظاهر عن وجهه، لأنه هو
روى أن عمر دفع الوقف لابنته، وأن أبا طلحة دفع صدقته إلى أبي بن كعب وحسان.
وأجيب بأن البخاري: إنما أراد أنه، عليه الصلاة والسلام، أخرج عن أبي طلحة ملكه بمجرد
قوله: ((هي لله صدقة))، وبهذا يقول مالك: إن الصدقة تلزم بالقول، وإن كان يقول: إنها لا تتم
إلاّ بالقبض، ونوزع في ذلك باحتمال أنها خرجت من يد أبي طلحة، واحتمال أنها استمرت
فلا دلالة فيها، ودفع بأن أبا طلحة أطلق صدقة أرضه وفوض إلى النبي، عَّه، مصرفها فلما
قال له: ((أرى أن تجعلها في الأقربين)) ففوض له قسمتها بينهم، صار كأنه أقرها في يده
بعد أن مضت الصدقة. قلت: وفي نفس الحديث: أن الذي تولى قسمتها هو أبو طلحة
بنفسه، والنبي، عَّله عين له جهة المصرف، لكنه أجمل لأنه قال: ((في الأقربين))، وهذا
مجمل، ولما لم يمكن له أن يقسمها على الأقربين كلهم لكثرتهم وانتشارهم فقسمها على
بعضهم ممن اختار منهم.
١٤ - بابٌ إذَا قال دارِي صَدَقَةٌ لله ولَمْ يُبَيِّنْ لِلْفُقَرَاءِ أوْ غَيْرِهِمْ فَهْوَ جائزٌ ويَضَعُها
في الأَقْرَبِينَ أَوْ حِيْثُ أرادَ
أي: هذا باب يذكر فيه: إذا قال شخص: داري هذه صدقة لله، والحال أنه لم يبين،
يعني: هل هي على الفقراء أو غيرهم، فهو جائز يعني: يتم وقفه، فإن شاء يضعها في أقاربه أو
حيث شاء من الجهات. وقال أبو حنيفة: إذا قال الرجل: أرضي هذه صدقة، ولم يزد على
هذا شيئاً أنه ينبغي له أن يتصدق بأصلها على الفقراء والمساكين، أو يبيعها ويتصدق بثمنها
على المساكين، ولا يكون وقفاً، ولو مات كان جميع ذلك ميراثاً بين ورثته على كتاب الله
تعالى، وكل صدقة لا تضاف إلى أحد فهي للمساكين.
قال النَّبِيُّ عَلَّهِ لأبي طَلْحَةَ حينَ قال أحَبُّ أُمْوَالِي إِلَيَّ بِيرُحاءَ وأنَّها صدَقَةٌ لله
فأجازَ النبيُّ عَ لَّهِ ذَلِكَ
أشار بهذا إلى الاحتجاج فيما ذهب إليه من جواز وقف من قال: داري هذه صدقة،
وسكت عليه، ولم يبين مصرفاً من الجهات، وقد مر هذا الحديث غير مرة، ومر أيضاً تفسير

٧١
٥٥ - كِتَابُ الوَصَايا / باب (١٥)
بيرحاء في كتاب الزكاة في: باب الزكاة على الأقارب. قوله: ((فأجاز النبي عَّ ذلك)) من
كلام البخاري أي: أجاز النبي عَّهِ قول أبي طلحة. حيث قال في الحديث المذكور: (إن
أحب أموالي إليَّ بيرحاء وإنها صدقة لله ... ))، الحديث.
وقال بعْضُهُمْ لا يَجُوزُ حتَّى يُبينَ لِمَنْ والأُوَّلُ أَصَحُ
أي: قال بعض العلماء: لا يجوز ما ذكر من الصدقة على الوجه المذكور حتى يبين،
أي: حتى يعين لمن هي، وأراد بذلك الإمام الشافعي، فإنه قال في قول: إن الوقف لا يصح
حتى يعين جهة مصرفه، وإلاّ فهو باقٍ على ملكه. وقال في قول آخر: يصح الوقف، وإن لم
يعين مصرفه، وهو قول مالك وأبي يوسف ومحمد، رحمهم الله. قيل: إن المراد بقوله: قال
بعضهم الحنفية، وهو غير صحيح، لأن مذهب أبي حنيفة قد ذكرناه الآن، ومذهب أبي
يوسف ومحمد: الجواز مطلقاً. قوله: ((والأول))، أي: الذي ذكره أولاً، وهو الجواز هو
الأصح.
١٥ - بابٌ إذَا قال أرْضِي أو بُسْتَانِي صَدَقَةٌ عنْ أُمِّي فَهْوَ جائزٌ وإنْ لَمْ يُبَيِّنْ لِمَنْ
ذُلِكَ
أي: هذا باب يذكر فيه إذا قال ... إلى آخره. قوله: ((وإن لم يبين لمن ذلك))، يفيد
زيادة فائدة، لأنه بين بقوله: ((عن أمي)) أن الصدقة عنها جائزة، ولكنه لم يبين لمن تلك
الصدقة، فلا يضره ذلك، وقد ذكرنا الخلاف فيه في الباب السابق.
٢٧٥٦/١٩ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ سلام قال أخبرنا مخلدُ بنُ يَزِيدَ قال أخبرنا ابنُ
مجرَيْجِ قال أخبرني يَعْلَى أَنَّهُ سَمِعَ عِكْرِمَةَ يَقُوّلُ أنْتَأنا ابنُ عبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما أنَّ
سعد بنَ عُبَادَةَ رضي الله تعالى عنه تُؤُفِّيَتْ أُمُّهُ وهْوَ غائِبٌ عنْهَا فقال يا رسولَ الله إنَّ أُمِّي
تُؤُفِّيَتْ وأنا غائبٌ عنها أيَنْفَعُهَا شَيْءٌ إِنْ تَصَدَّقْتُ بِهِ عنْها قال نعمْ قال فإِنِّي أَشْهِدُكَ أنَّ
حائِطِي المِخْرَافَ صدقَّةٌ عَلَيْهَا. [الحديث ٢٧٥٦ - طرفاه في: ٢٧٦٢، ٢٧٧٠].
مطابقته للترجمة ظاهرة.
ذكر رجاله: وهم ستة: الأول: محمد، كذا وقع في رواية الأكثرين بغير نسبة، وفي
رواية أبي ذر وابن شبويه: حدثنا محمد بن سلام، وقال الجياني: نسبه شيوخنا إلى سلام.
الثاني: مخلد، بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة وفتح اللام: ابن يزيد من الزيادة، مر في
الجمعة. الثالث: عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج. الرابع: يعلى، على وزن يرضى: ابن
حكيم، قاله الكرماني أخذاً من قول الطرقي، قيل: إنه وهم فيه، وهو يعلى بن مسلم بن
هرمز. الخامس: عكرمة مولى ابن عباس. السادس: عبد الله بن عباس.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضع، والإخبار كذلك في
موضعين. وفيه: الإنباء في موضع واحد. وفيه: السماع في موضع. وفيه: القول في موضعين.
:

٧٢
٥٥ - كِتَابُ الوَصَايا / باب (١٦)
وفيه: أن شيخه بخاري بيكندي، وهو من أفراده وأن شيخ شيخه حراني جزري، وأن ابن
جريج مكي، وأن يعلى أيضاً يعد في المكيين، وأصله من البصرة وليس له عن عكرمة في
البخاري سوى هذا الموضع، وأن عكرمة مدني.
والحديث أخرجه البخاري أيضاً في الوصايا عن إبراهيم بن موسى عن هشام.
ذكر معناه: قوله: ((أن سعد بن عبادة)) هو الأنصاري الخزرجي سيد الخزرج. قوله:
((أمه)) هي: عمرة بنت مسعود، وقيل: سعد بن قيس بن عمر، وأنصارية خزرجية، وذكر ابن
سعد أنها أسلمت وبايعت وماتت سنة خمس، والنبي عَّه في غزوة دومة الجندل، وابنها
سعد بن عبادة معه قال: فلما رجعوا جاء النبي، عَّم فصلى على قبرها، قيل: فعلى هذا
يكون هذا الحديث مرسل صحابي، لان ابن عباس كان حينئذ مع أبويه بمكة. قوله: ((وهو
غائب))، جملة إسمية وقعت حالاً. قوله: ((عنها))، أي: عن أمه في الموضعين. قوله:
(أينفعها؟)) الهمزة فيه للاستفهام على سبيل الاستخبار. قوله: ((به)) يرجع إلى قوله: بشيء.
قوله: ((نعم))، أي: قال النبي، عَُّله: ينفعها عند الله. قوله: ((إن حائطي))، الحائط البستان من
النخل إذا كان عليه حائط أي: جدار، ويجمع على: حوائط. قوله: ((المخراف))، بكسر
الميم وسكون الخاء المعجمة وفي آخره فاء، وهو اسم للحائط، فلذلك انتصب على أنه
عطف بيان، ووقع في رواية عبد الرزاق: ((مخرف)) بدون ألف. قال القزاز: ((المخراف))
جماعة النخل، بفتح الميم وبكسرها: الزنبيل الذي يخترف فيه الثمار. وقال ابن الأثير:
((المخرف))، بالفتح يقع على النخل، وعلى الرطب، وقال الخطابي: ((المخراف)) الثمرة
سميت مخرافاً لما يجتنى من ثمارها، كما يقال: امرأة مذكار. قال: وقد يستوي هذا في
نعت الذكور والإناث، ويقال: ((المخراف))، الشجرة وهو الصواب، وتكلموا فيه كثيراً،
والحاصل أن المخراف هنا اسم حائط سعد بن عبادة كما ذكرنا. قوله: ((صدقة عليها))،
ويروى: عنها، وهذه هي الأصح، لا ما قاله صاحب (التوضيح): إن كليهما بمعنى واحد.
فافهم.
ذكر ما يستفاد منه: أن ثواب الصدقة عن الميت يصل إلى الميت وينفعه. قال
الكرماني: وهو مخصص لعموم قوله تعالى: ﴿وأن ليس للانسان إلاّ ما سعى﴾ [النجم: ٣٩].
قلت: يلزمه أن يقول أيضاً بوصول ثواب القراءة إلى الميت.
١٦ - بابٌ إِذَا تَصَدَّقَ أوْ وَقَفَ بَعْضَ مالِهِ أوْ بَعْضَ رَقِيقِه أوْ دَوَابِّهِ فَهْوَ جائزٌ
أي: هذا باب يذكر فيه إذا تصدق شخص ماله ووقف إلى آخره، أما إذا تصدق ببعض
ماله فلا خلاف فيه أنه يجوز، وكذا إذا تصدق بكل ماله فإنه يجوز، وقال ابن بطال: واتفق
مالك والكوفيون والشافعي وأكثر العلماء على: أنه يجوز للصحيح أن يتصدق بكل ماله في
صحته، إلاَّ أنهم استحبوا أن يبقي لنفسه منه ما يعيش به خوف الحاجة، وما يتقي من الآفات
مثل الفقر وغيره، فإن آفات الدنيا كثيرة، وربما يطول عمره ويحصل له العمى أو الزمانة مع

٧٣
٥٥ - كِتابُ الوَصَايا / باب (١٧)
الفقر. لقوله عَّ الله: ((أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك))، ويروى: ((أمسك عليك ثلث
مالك))، فحض على الأفضل، وقال ابن التين: ومذهب مالك أنه يجوز إذا كان له صناعة أو
حرفة يعود بها على نفسه وعياله، وإلاَّ فلا ينبغي له ذلك، وأما إذا وقف بعض ماله فهو وقف
المشاع، فإنه يجوز عند أبي يوسف والشافعي ومالك، لأن القبض ليس بشرط عندهم، عند
محمد: لا يجوز وقف المشاع فيما يقبل القسمة، لأن القبض شرط عنده، وأما وقف بعض
رقيقه فإن فيه حكمين. أحدهما: أنه مشاع، والحكم فيه ما ذكرنا. والآخر: أنه وقف
المنقول، فإنه يجوز عند مالك والشافعي وأحمد، وبه قال محمد بن الحسن فيما يتعارف
وقفه للتعامل بها.
قوله: ((أو بعض رقيقه ... )) إلى آخره، من باب عطف الخاص على العام. وقال
بعضهم: هذه الترجمة معقودة لجواز وقف المنقول والمخالف فيه أبو حنيفة. انتهى. قلت:
المذهب فيه تفصيل فلا يقال: المخالف فيه أبو حنيفة، كذا جزافاً. أما مذهب أبي حنيفة
فإنه لا يرى بالوقف أصلاً، فضلاً عن صحة وقف المنقول، وأما مذهب أبي يوسف ومحمد
فإنهما يريان وقف المنقول بطريق التبعية، كآلات الحرث والثيران، وعبيد الأكرة تبعاً للضيعة
كالبناء يصح وقفه تبعاً للأرض لا وحده، وأما المنقول بغير التبعية كوقف القدر والفأس
والطست ونحو ذلك، فإنه يجوز عند محمد للتعارف كما ذكرنا.
٢٠ / ٢٧٥٧ - حدّثنا يحيى بنُ بُكَيْرٍ قال حدَّثنا اللَّيْثُ عنْ عُقَيْلٍ عنِ ابنِ شِهَابٍ قال
أخبرني عبْدُ الرَّحْمنِ بنُ عَبْدِ الله بنِ كَعْبٍ أَنَّ عَبْدَ الله بنَ كَعْبٍ قالَ سَمِعْتُ كَغْبَ بنَ
مالِكِ رضي الله تعالى عنه قُلْتُ يا رسولَ الله إنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مالِي صَدَقَةً إلى
الله وإِلَى رَسُولِ اللهِ عَُّلِ قَال أمْسِكُ عَلَيْكَ بِغْضَ مالِكَ فَهْوَ خَيْرٌ لَكَ قُلْتُ فَإِنِّي أُمْسِكُ
سَهْمِي الَّذِي بِخَيْبَرّ. [الحديث ٢٧٥٧ - أطرافه في: ٢٩٤٧، ٢٩٤٨، ٢٩٤٩، ٢٩٥٠،
٣٠٨٨، ٣٥٥٦، ٢٨٨٩، ٣٩٥١، ٤٤١٨، ٤٦٧٣، ٤٦٧٦، ٤٦٧٧، ٤٦٧٨، ٦٢٥٥،
٦٦٩٠، ٧٢٢٥].
مطابقته للترجمة في قوله: ((أمسك عليك بعض مالك)) فإن فيه دلالة على جواز
إخراج بعض ماله، والمال أعم من أن يكون من النقود ومن العقار.
ورجال هذا الحديث قد ذكروا غير مرة، وعقيل، بضم العين، وهذا قطعة من حديث
كعب بن مالك في قصة تخلفه عن غزوة تبوك، وسيأتي الحديث بطوله في كتاب المغازي،
وهذا المقدار قد مضى في كتاب الزكاة في: باب لا صدقة إلاَّ عن ظهر غنى، ومضى الكلام
فيه هناك.
١٧ - بابُ مَنْ تَصَدَّقَ إلَى وَكِيلِهِ ثُمَّ رَدَّ الوَكِيلُ إِلَيْهِ
أي: هذا باب في بيان حكم من تصدق إلى وكيله، ثم رد الوكيل الصدقة إليه. قيل:
هذه الترجمة وحديثها غير موجودين في أكثر الأصول، ولهذا لم يشرحه ابن بطال وثبتا في

٧٤
٥٥ - كِتَابُ الوَصَايا / باب (١٧)
رواية أبي ذر عن الكشميهني خاصة، لكن وقع في روايته على وكيله، وثبتت الترجمة وبعض
الحديث في رواية الحموي، وقد اعترض بعضهم على البخاري في انتزاع هذه الترجمة من
قصة أبي طلحة. وأجيب: بأن مراد البخاري أن أبا طلحة لما أطلق أنه تصدق وفوض إلى
النبي عَّ له تعيين المصرف، فصار كأنه وكله ثم رد، عليه الصلاة والسلام، عليه بأن قال له:
((دعها في الأقربين))، فبهذا المقتضى صدق وضع هذه الترجمة بهذه الصورة.
٢٧٥٨ - وقال إسْمَاعِيلُ أخْبَرَنِي عَبْدُ العَزِيزِ بنُ عَبْدِ الله بنِ أبِي سلَمَةَ عنْ إسْحَاقَ
ابنِ عَبْدِ الله بنِ أبِي طَلْحَةَ لا أَعْلَمُهُ إلاَّ عنْ أَنَس رضي الله تعالى عنهُ قال لَمَّا نزَلَتْ ﴿لَنْ
تَنَالُوا البِرَّ حتَّى تُنْفِقُوا مَمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] جاءَ أَبُو طَلْحَةَ إلى رسولِ اللهِ عَه
فقال يا رسولَ الله يَقُولُ الله تبارَكَ وتعالى في كِتابِهِ ﴿لَنْ تَنَالُوا البِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا
تُحِبُونَ﴾ وإنَّ أحَبَّ أمْوَالِي إِلَيَّ بيرُحَاءَ قال وكانَتْ حَدِيقَةً كانَ رسول الله، عَّهِ يَدْخُلُها
ويْتَظِلُّ بِهَا ويَشْرَبُ مِنْ مَائِهَا فَهِيَ إلى الله عز وجل وإِلَى رَسُولِهِ عَّ ◌ُلَّهِ أرجو برَّهُ وذُخْرَهُ
فَضَغْها أيْ رسولَ اللَّهِ حَيْثُ أراك اللَّهُ فقال رسولُ اللَّهِ عَ لَّهِ بَخْ يَا أَبَا طَلْحَةَ ذَلِكَ مَالٌ رَابِعٌ
قَبِلْنَاهُ مِنْكَ وِرَدَدْنَاهُ إِلَيْكَ فَاجْعَلْهُ فِي الأَقْرَبِينَ فَتَصَدَّقَ بِهِ أَبُو طَلْحَةً على ذَوِي رَحِمِهِ قال
وكانَ مِنْهُمْ أَبَيِّ وحَسَّانُ قال وباعَ حَسَّانُ حصَّتَهُ مِنْهُ مِنْ مُعَاوِيَةً فَقيلَ لَهُ تَبيعُ صدَقَّةً أبي
طَلْحَةَ فقال ألاَ أبِيعُ صاعاً مِنْ تَمْرٍ بِصاعٍ مِنْ دَرَاهِمَ قال وكانَتْ تِلْكَ الحَدِيقَةُ فِي مَوْضِعِ قَصْرِ
بَنِي حُدَيْلَةَ الَّذِي بِنَاهُ مُعاوِيَةَ. [انظر الحديث ١٤٦١ وأطرافه].
مطابقته للترجمة تتأتى من قوله: ((قبلناه منك ورددناه إليك)). وإسماعيل هذا هو ابن
جعفر، قاله أبو مسعود وخلف جميعاً، وبه جزم أبو نعيم في (المستخرج) وجزم الحافظ
المزي بأنه هو إسماعيل بن أبي أويس. قال صاحب (التوضيح): ذكر البخاري هذا الحديث
معلقاً، والذي ألفيناه في أصل الدمياطي مسنداً، يعني: قال البخاري: حدثنا إسماعيل، فبهذا
يتعين أنه إسماعيل بن أبي أويس، وعبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون، واسم أبي
سلمة: دينار. قال الواقدي: مات ببغداد سنة أربع وستين ومائة، وصلى عليه المهدي ودفنه
في مقابر قريش، وإسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة زيد بن سهل الأنصاري، ابن أخي أنس
بن مالك، مات سنة أربع وثلاثين ومائة.
والحديث مر في كتاب الزكاة في: باب الزكاة على الأقارب، ومضى الكلام فيه،
ولنتكلم أيضاً فيما لم يقع هناك.
قوله: ((لا أعلمه إلاَّ عن أنس))، قيل: الظاهر أنه من كلام البخاري، لأن ابن عبد البر
رواه في التمهيد بطوله بالجزم، ولم يذكر فيه هذا اللفظ. قوله: ((لما نزلت ﴿لن تنالوا البر
حتى تنفقوا مما تحبون﴾ [آل عمران: ٩٢] جاء أبو طلحة)) وزاد ابن عبد البر في روايته:
ورسول الله عَّه، على المنبر. قوله: ((وباع حسان حصته من معاوية))، هذا يدل على أن أبا
طلحة ملكهم الحديقة المذكورة ولم يقفها عليهم، إذ لو وقفها ما ساغ لحسان أن يبيعها،

٧٥
٥٥ _ كِتَابُ الوَصَايا / باب (١٨)
كذا قال بعضهم، إلاّ أنه يعكر عليه احتجاج الفقهاء بقصة أبي طلحة في مسائل الوقف،
ويمكن أن يجاب عن هذا بأن أبا طلحة حين وقفها عليهم شرط جواز بيعهم عند الاحتياج
إليه، فإن الوقف بهذا الشرط يجوز عند بعضهم. قال الكرماني: فإن قلت: كيف جاز بيع
الوقف؟ قلت: التصدق على المعين تمليك له؟ قلت: فيه نظر لا يخفى. قوله: ((بصاع من
دراهم))، وذكر في (أخبار المدينة) لمحمد بن الحسن المخزومي من طريق أبي بكر بن
حزم: أن ثمن حصة حسان مائة ألف درهم، قبضها من معاوية بن أبي سفيان. قوله: ((بني
حديلة))، بضم الحاء المهملة، وأخطأ من قال: بالجيم، وهم بطن من الأنصار، وهم بنو
معاوية بن عمرو بن مالك بن النجار. قوله: ((الذي بناه معاوية))، قال الكرماني: أي: ابن عمرو
ابن مالك بن النجار، ورد عليه بأن الذي بناه معاوية بن أبي سفيان، وكان الذي بناه له
الطفيل بن أبي بن كعب.
١٨ - بابُ قَوْلِ الله تعالى: ﴿وإِذَا حَضَرَ القِسْمَةَ أُولُوا القُرْبَى واليَتَامَى والمَسَاكِينُ
فازْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ [النساء: ٨].
أي: هذا باب في بيان حكم قول الله تعالى: ﴿وإذا حضر القسمة﴾ [النساء: ٨]. الآية
وتمامها ﴿وقولوا لهم قولاً معروفاً﴾ [النساء: ٨]. قوله: ﴿القسمة﴾ [النساء: ٨]. أي: القسمة:
الميراث. قوله: ﴿أولوا القربى﴾ [النساء: ٨]. أي: ذوو القربى ممن ليس بوارث ﴿واليتامى
والمساكين فارزقوهم منه﴾ [النساء: ٨]. أي: فارضخوا لهم من التركة نصيباً، وكان ذلك
واجباً في ابتداء الإسلام، وقيل: كان مستحباً. قال الزمخشري: والضمير في: منه، لما ترك
الوالدان والأقربون.
ثم اختلفوا: هل هو منسوخ أم لا؟ على قولين: فقالت طائفة: وليست بمنسوخة، منهم:
مجاهد وأبو العالية والشعبى والحسن وابن سيرين وسعيد بن جبير ومكحول وإبراهيم النخعي
وعطاء بن أبي رباح والزهري ويحيى بن يعمر قالوا: إنها واجبة. وقال الثوري: عن ابن أبي
نجيح عن مجاهد في هذه الآية، قال: هي واجبة على أهل الميراث ما طابت به أنفسهم،
وهكذا روي عن ابن مسعود وأبي موسى وعبد الرحمن بن أبي بكر، وقال ابن جرير: حدثنا
القاسم حدثنا الحسين حدثنا عباد بن العوام عن الحجاج عن الحكم عن مقسم عن ابن
عباس، قال: هي قائمة يعمل بها. قال الزهري: وهي محكمة. وقالت طائفة هي منسوخة، وبه
قال سعيد بن المسيب، وروى ابن مردويه، وقال: حدثنا أسيد بن عاصم حدثنا سعيد بن عامر
عن همام حدثنا قتادة عن سعيد بن المسيب أنه قال: إنها منسوخة، كانت قبل الفرائض كان
ما ترك الرجل من مال أعطي منه اليتيم والفقير والمسكين وذوو القربى إذا حضروا القسمة،
ثم نسخ بعد ذلك، نسختها المواريث، فألحق الله بكل ذي حق حقه، وصارت الوصية من
ماله يوصي بها لذوي قرابته حيث يشاء، وهكذا روي عن عكرمة وأبي الشعثاء والقاسم بن
محمد وأبي صالح وأبي مالك وزيد بن أسلم والضحاك وعطاء الخراساني ومقال بن حيان
وربيعة بن أبي عبد الرحمن، وهذا مذهب جمهور الفقهاء الأئمة الأربعة وأصحابهم. قوله:

٧٦
٥٥ - كِتَابُ الوَصَايا / باب (١٩)
﴿وقولوا لهم قولاً معروفاً﴾ [النساء: ٨]. المراد بالمعروف هنا، أن يقول: خذ بارك الله لك،
هذا عند من يقول: إنها محكمة، وأما عند من يقول: إنها منسوخة، فهو أن يقول: إنه مال
يتيم ومالي فيه شيء، أو: لست أملكه، إنما هو للصغار.
٢٧٥٩/٢١ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ الفَضْلِ أَبُو النُّعْمَانِ قال حدَّثنا أبو عَوَانَةَ عنْ أَبِي بِشْرٍ
عنْ سَعِيدٍ بنِ مجبَيْرِ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما قال إنَّ ناساً يَزْعَمُونَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ
نُسِخَتْ ولا والله ما نُسِخَتْ ولَكِنَّهَا مِمَّا تَهَاوَنَ النَّاسُ هُمَا وَالِيَانِ والٍ يرِثُ وذَاكَ الَّذِي يَرْزُقُ
ووَالٍ لاَ يَرِثُ فَذَاكَ الَّذِي يَقولُ بالمَعْرُوفِ يَقولُ لاَ أَمْلِكُ لَكَ أَنْ أَعْطِيكَ. [الحديث ٢٧٥٩
- طرفه في: ٤٥٧٦].
مطابقته للترجمة من حيث إن حديث الباب لابن عباس، والآية التي هي الترجمة غير
منسوخة عنده، وأبو عوانة، بفتح العين المهملة: الوضاح اليشكري، وأبو بشر، بكسر الباء
الموحدة وسكون الشين المعجمة: واسمه جعفر بن أبي وحشية، واسمه: إياس اليشكري
البصري.
وهذا الحديث من أفراده، وذكره في التفسير من حديث عكرمة، ثم قال: تابعه سعيد
عن ابن عباس يعني هذا بزيادة، قال: هي محكمة، وليست بمنسوخة، وادعى أبو مسعود في
أطرافه إرساله يريد: مرسل صحابي، وليس كذلك، وإنما هو موقوف على صحابي لا مرسل،
لأن الإرسال لا بد فيه من ذكر سيدنا رسول الله، عَّ ل قوله: والله ما نسخت، يقتضي إعطاء
شيء من التركة للحاضرين في قوله: ﴿وإذا حضر القسمة أولو القربى﴾ [النساء: ٨].
قوله: ((وذاك الذي يرزق))، إشارة إلى الوالي الذي يتصرف ويرث هو الذي يرزق
الحاضرين القسمة من أولي القربى واليتامى والمساكين، ومعنى: يرزق، يرضخ لهم ما طابت
أنفسهم ولم يعين فيه شيئاً مقدراً. قوله: ((فذاك الذي يقول ... ) إلى آخره، إشارة إلى الوالي
الذي يتصرف ولا يرث، فإنه يقول: لا أملك لك أن أعطيك شيئاً. وهو الذي خوطب بقوله:
﴿وقولوا لهم قولاً معروفاً﴾ [النساء: ٨]. قال الزمخشري: الخطاب للورثة وحدهم بأن يجمعوا
بين الأمرين: الإعطاء والاعتذار عنهم عن القلة، ونحوها. وروى قتادة عن يحيى بن يعمر قال:
ثلاث آيات في كتاب الله تعالى محكمات مبينات قد ضيعهن الناس، فذكر هذه الآية، وآية
الاستئذان ﴿والذين لم يبلغوا الحلم منكم﴾ [النور: ٥٨]. في العورات الثلاث، وهذه الآية:
﴿يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى﴾ [الحجرات: ١٣].
١٩ - بابُ ما يُسْتَحَبُّ لِمَنْ يُتَوَفَّى فَجْأةً أنْ يَتَصَدَّقُوا عنْهُ
وقَضاءِ التُّذُورِ عنِ المَيِّتِ
أي: هذا باب في بيان ما يستحب لمن يموت فجاءة، أي: بغتة، وهو بضم الفاء
وتخفيف الجيم ممدودة، ويجوز فتح الفاء وسكون الجيم بغير مد. قوله: ((أن يتصدقوا))
كلمة: أن، مصدرية والضمير في: أن يتصدقوا، لأهل الميت، أو لأصحابه بقرينة الحال.

٧٧
٥٥ _ كِتابُ الوَصَايا / باب (١٩)
قوله: ((وقضاء النذور))، بالجر عطف على قوله: ((لمن يتوفى))، والتقدير: وفي بيان
استحباب قضاء النذور عن الميت الذي مات وعليه نذر.
٢٧٦٠/٢٢ - حدّثنا إسْمَاعِيلُ قال حدَّثني مالكٌ عنْ هِشَامٍ عنْ أَبِيهِ عِنْ عَائِشَةَ رضي
الله تعالى عنها أنَّ رَجُلاً قال للنبيِّ عَ لَه إِنَّ أُمِّي افْتُلِتَتْ نَفْسَها وَأَرَاها لوْ تَكلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ
أَفَأْتَصَدَّقُ عنْهَا قال: نَعَمْ تَصَدَّقْ عَنْها. [انظر الحديث ١٣٨٨].
مطابقته للجزء الأول للترجمة ظاهرة. وإسماعيل هو ابن أبي أويس، وهشام هو ابن
عروة بن الزبير بن العوام يروي عن أبيه عروة بن الزبير عن عائشة.
والحديث أخرجه النسائي أيضاً في الوصايا عن محمد بن سلمة عن ابن القاسم عن
مالك به.
:
قوله: ((افتلتت))، بلفظ المجهول من الافتلات، أي: ماتت بغتة، وكل شيء عوجل
مبادرة فهو فلتة. قوله: ((نفسها))، بالنصب على أنه مفعول ثان، وبالرفع على أنه مفعول أقيم
مقام الفاعل، والنفس مؤنثة، وهي هنا: الروح، وقد تكون النفس بمعنى الذات. وقال بعضهم:
كأن البخاري رمز إلى أن المبهم في حديث عائشة هو سعد بن عبادة الذي تقدم في حديث
ابن عباس في قصة سعد بن عبادة بلفظ آخر، ولا تنافي بين قوله: إن أمي ماتت وعليها نذر،
وبين قوله: إن أمي توفيت وأنا غائب عنها، فهل ينفعها شيء إن تصدقت به عنها؟ لاحتمال
أن يكون سأل عن النذر وعن الصدقة عنها. انتهى. قلت: المنافاة بين حديث عائشة وبين
حديث ابن عباس ظاهرة بلا شك إن قرىء قوله: أراها، بفتح الهمزة، وإن قرىء بضمها
فكذلك، لأن الرجل يخبر عن حال أمه مشاهدة. فإن قلت: يحتمل أن الرجل سأل عن النذر
وعن الصدقة جميعاً. قلت: هذا هنا احتمال، ومثل هذا الاحتمال لا يقطع به فالمنافاة حاصلة.
فإن قلت: الحديث قد مضى في كتاب الجنائز في: باب موت الفجاءة، ولفظه: ((إن أمي
افتلتت نفسها، وأظنها لو تكلمت تصدقت .. )) الحديث، فهذا يدل قطعاً على أن الهمزة في
أراها مضمومة وأنه بمعنى: وأظنها، لو تكلمت فهذا بوجه دعوى عدم المنافاة.
قلت: في رواية النسائي عن ابن القاسم عن مالك بلفظ: ((وأنها لو تكلمت تصدقت))،
فهذا صريح في أن هذا الرجل في حديث عائشة غير سعد بن عبادة، وأنه سأل عن الصدقة
عن أمه، وأن سعداً سأل عن الصدقة، في رواية ابن عباس، وفي رواية أخرى عنه: أنه سأل عن
النذر، وعدم المنافاة يتأتى في رواية سعد فقط، وأما المنافاة بين حديث عائشة هنا وبين
حديث ابن عباس فظاهره برواية النسائي. والله أعلم. قوله: ((أفأتصدق عنها؟))، قال: وفي
الرواية التي مرت في الجنائز: ((فهل لها أجر إن تصدقت عنها؟ قال: نعم)). قوله: ((نعم))، يدل
على أن الصدقة تنفع الميت، وكذلك قوله، عَّ له: ((إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلاَّ من
ثلاث: صدقة جارية ... )) الحديث يدل على ذلك. وحديث سعد بن عبادة، لما أمره، عَ لَّه،
بالتصدق عن أمه، قال: ((أي الصدقة أفضل؟ قال: سقي الماء))، فهذه الأحاديث عن رسول

٧٨
٥٥ _ كِتَابُ الوَصَايا / باب (٢٠)
الله، عٍَّ، دلت على أن تأويل قوله تعالى: ﴿وأن ليس للإنسان إلاّ ما سعى﴾ [النجم: ٣٩].
على الخصوص.
وقال ابن المنذر: أما العتق عن الميت فلا أعلم فيه خيراً ثبت عن رسول الله، عَ لَّهِ،
وقد ثبت عن عائشة، رضي الله تعالى عنها، أنها أعتقت عبداً عن أخيها عبد الرحمن، وكان
مات ولم يوص، وأجاز ذلك الشافعي، قال بعض أصحابه: لما جاز أن يتطوع بالنفقة، وهي
مال، فكذا العتق. وفرق غيره بينهما، فقال: إنما أجزناها للأخبار الثابتة، والعتق لا خير فيه، بل
في قوله: ((الولاء لمن أعتق))، دلالة على منعه، لأن الحي هو المعتق بغير أمر الميت، فله
الولاء إذا ثبت له الولاء، فليس للميت منه شيء، وهذا ليس بصحيح، لأنه قد روي في
حديث سعد ابن عبادة أنه قال للنبي عَّةِ: ((إن أمي هلكت فهل ينفعها أن أعتق عنها؟ قال:
نعم)). فدل على أن العتق ينفع الميت، ويشهد لذلك فعل عائشة الذي سبق.
٢٧٦١/٢٣ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ يُوسُفَ قال أخبرنا مالِكٌ عنِ ابنِ شِهَابٍ عنْ عُبَيْدِ
الله بنِ عبدِ الله عنِ ابنِ عبّاسٍ رضي الله تعالى عنهما أنَّ سَعْدَ بنَ عُبَادَةَ رضي الله تعالى عنه
اسْتَفْتَى رسولَ الله عَّهِ فقالَ إِنَّ أمِّي ماتَتْ وعَلَيْهَا نَذْرٌ فقَالَ اقْضهِ عَنْها. [الحديث ٢٧٦١
- طرفاه في: ٦٦٩٨، ٦٩٥٩].
مطابقته للجزء الثاني للترجمة ظاهرة، وعبيد الله بن عبد الله العمري. قوله: ((عن ابن
عباس ان سعد بن عبادة))، كذا هو فى رواية مالك، وتابعه الليث وبكر بن وائل وغيرهما عن
الزهري، وقال سليمان بن كثير عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس عن سعد
ابن عبادة: أنه استفتى، فجعله من مسند سعد، أخرجه النسائي قيل: هذا أرجح، لأن ابن
عباس لم يدرك القصة. كما ذكرنا عن قريب، ويكون ابن عباس قد أخذه عنه. قلت: يحتمل
أن يكون أخذه عن غيره، كما هو عادته في أحاديث كثيرة. قوله: ((وعليها نذر»، قد
اختلفت الآثار في النذر الذي على أم سعد، فقيل: كان العتق، وقد مر الآن، وقيل: كان
الصيام. فروي في ذلك عن ابن عباس أن رجلاً، قال: يا رسول الله: ((إن أمي ماتت وعليها
صوم))، وقيل: كان النذر بالصدقة. والله أعلم.
٢٠٠ - بابُ الإِشْهَادِ في الوَقْفِ والصَّدَقَةِ
أي: هذا باب في بيان حكم شهادة الإشهاد في الوقف والصدقة.
٢٤ / ٢٧٦٢ - حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ مُوسَى قال أخبرنا هِشامُ بِنُ يُوسُفَ أَنَّ ابْنَ جُرَيْجِ
أَخْبَرَهُمْ قَال أُخْبَرَنِي يَعْلَى أَنَّهُ سَمِعَ عِكْرَمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَّاسٍ يَقُولُ أَنْبَأَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ سَعْدَ بنَ
عُبَادَة رضي الله تعالى عنهُمْ أَخَا بَنِي ساعِدَةَ تُؤُفِّيَتْ أُمُّهُ وَهْوَ غَائِبٌ فَأَتَّى النبيَّ عَلَّهِ فقال يا
رسولَ اللهِ إِنَّ أُمّي تُؤُفِّيَتْ وأنا غَائِبٌ عنها فَهَلْ يَنْفَعُها إِنْ تَصَدَّقْتُ بِهِ عَنْهَا قال نَعَمْ قال فإِنِّي
أُشْهِدُكَ أنَّ حائِطِي المِخْرَافَ صَدَقَةٌ عَلَيْهَا. [انظر الحديث ٢٧٥٦ وطرفه].
مطابقته للترجمة التي هي قوله: والصدقة ظاهرة ((صورة))، وكذلك يطابق قوله في

٧٩
٥٥ _ كِتَابُ الوَصَايا / باب (٢١)
الوقف معنيّ، لأن الصدقة عليها تكون بطريق الوقف، وقد تكلم الشراح فيه بالتعسف ما لا
یفید.
والحديث مضى قبله بثلاثة أبواب، ومضى الكلام فيه.
قوله: ((أخا بني ساعدة)) أي: واحداً منهم، والغرض أنه أيضاً أنصاري ساعدي.
وفيه: مطلوبية الإشهاد، وإذا أمر بالإشهاد في البيع وهو خروج ملك من ملك بعوَض،
فالوقف أولى بذلك، لأن الخروج عنه بغير عوض. وقال ابن بطال الإشهاد واجب في الوقف،
ولا يتم إلاّ به، وقال المهلب: إذا لم يبين الحدود في الوقف، إنما يجوز إذا كانت الأرض
معلومة يقع عليها، ويتعين به كما كان بيرحاء وكالمخراف معيناً عند من أشهده، وعلى هذا
الوجه تصح الترجمة، وأما إذا لم يكن الوقف معيناً، وكانت له مخاريف وأموال كثيرة فلا
يجوز الوقف إلاَّ بالتحديد والتعيين، ولا خلاف في هذا.
٢١ - بابُ قَوْلِ الله تعالى: ﴿وَآتُوا اليَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَتَبَدَّلُوا الخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ
ولا تأكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كانَ حُوباً كَبِيراً وإنْ خِفْتُمْ أنْ لاَ تُقْسِطُوا في
اليَتَامَى فانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ﴾ [النساء: ١٣،١٢].
هذا الباب، وثلاثة أبواب بعده مترجمة بآيات من القرآن أدخلها بين أبواب الوقف
المذكورة في كتاب الوصايا، وليس لذكرها فيها وجه كما ينبغي، ولكن من حيث إن الأمر
في الأوقاف والنظر فيها جعل إلى من يليها، كما جعل أموال اليتامى إلى من يلي أمرهم
وينظر فيهم، فالنظر في الأوقاف كالنظر لليتامى في رعاية المصالح، والمباشرة بالأمانات،
وإباحة تناول الجعالة لنظار بالمعروف كإباحتها للأوصياء بالمعروف، وهذا مما فتح لي من
الفيض الإلهي زادنا الله بصيرة في الأمور الدينية والدنيوية. قوله: عز وجل ﴿وآتوا اليتامى﴾
[النساء: ١٢ - ١٣]. أي: أعطوا أموال اليتامى إليهم إذا بلغوا الحلم كاملة موفرة. قوله:
﴿ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب﴾ [النساء: ١٢ - ١٣]. أي: الحرام بالحلال، ولا تجعلوا
الزيف بدل الجيد والمهزول بدل السمين، وقال سعيد بن جبير والزهري: لا تعط مهزولاً ولا
تأخذ سميناً. وقال السدي: كان أحدهم يأخذ الشاة السمينة من غنم اليتيم ويجعل فيها
مكانها الشاة المهزولة، يقول: شاة بشاة، ويأخذ الدرهم الجيد ويطرح مكانه الزيف، ويقول:
درهم بدرهم. وقال سفيان الثوري، عن أبي صالح: لا تعجل بالرزق الحرام قبل أن يأتيك
الرزق الحلال. وقال سعيد بن جبير: لا تبدل الحرام من أموال الناس بالحلال من أموالكم.
قوله: ﴿لا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم﴾ [النساء: ١٢ - ١٣]. قال سعيد بن جبير
ومجاهد ومقاتل بن حيان والسدي وسفيان بن حسين، أي: لا تخلطوها فتأكلوها جميعاً.
وقيل: إلى، بمعنى: مع، والأجود أن يكون موضعها، ويكون المعنى: ولا تضموا أموالهم إلى
أموالكم. قوله: إنه كان حوباً كبيراً﴾ [النساء: ١٢ - ١٣]. قال ابن عباس أي: إثماً كبيراً
عظيماً. وهكذا روي عن مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير والحسن وابن سيرين وقتادة

٨٠
٥٥ - كِتَابُ الوَصَايا / باب (٢١)
والضحاك وآخرين، وروى ابن مردويه بإسناده إلى واصل مولى ابن عيينة عن ابن سيرين عن
ابن عباس أن أبا أيوب طلق امرأته، فقال له النبي عَّهِ ((يا أبا أيوب! إن طلاق أم أيوب كان
حوباً). وقال ابن سيرين: الحوب الإثم. قوله: ﴿وإن خفتم أن لا تقسطوا﴾ [النساء: ١٢ -
١٣]. أي: إن خفتم أن لا تعدلوا في نكاح اليتامى، فحذف لفظ: النكاح، وقال ابن عباس:
كما خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى فخافوا مثل ذلك في سائر النساء، وانكحوا ما طاب لكم
منهن، وقيل: معناه: إذا كانت تحت حجر أحدكم يتيمة وخاف أن لا يعطيها مهر مثلها
فليعدل إلى ما سواها من النساء فإنهن كثير، ولم يضيق الله عليه، وقيل: كانت قريش في
الجاهلية يكثرون التزويج بلا حصر، فإذا كثرت عليهم المؤن وقل ما بأيديهم أكلوا ما عندهم
من أموال اليتامى، فقيل لهم: إن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى فانكحوا إلى الأربع. قوله:
﴿ما طاب لكم﴾ أي: من طاب لكم.
٢٥/ ٢٧٦٣ - حدَّثنا أبو اليمان قال أخبرنا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قال كانَ عُرْوةُ بنُ
الزُّبَيْرِ يُحَدِّثُ أنَّهُ سألَ عائِشَةَ رضي الله تعالى عنها ﴿وإنْ خِفْتُمْ أنْ لا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى
فانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ١٢ - ١٣]. قال هِيَ لِلْيَتِيمَة في حِجْرِ ولِيِّها
فيَرْغَبُ في جَمالِهَا ومالِها ويُرِيدُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا بأدنى مِنْ سُنَّةِ نِسائِها فنُهُوا عنْ نِكَاحِهِنَّ إلاَّ أنْ
يُقُسِطُوا لَهُنَّ في إِكْمَالِ الصَّدَّاق وأُمِرُوا بِنِكَاحِ مَنْ سِوَاهُنَّ مِنَ النِّساءِ قالَتْ عَائِشَةُ ثُمَّ اسْتَفْتَى
الناسُ رسولَ اللهِ، عَّهِ بِعْدُ فَأَنْزَلَ الله عزَّ وَّجلَّ ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ في النِّسَاءِ قُلِ اللهِ يُفْتِيكُمْ
فِيهِنَّ﴾ [النساء: ١٢٧]. قالَتْ فبَيَّنَ الله في هَذِهِ الآيَةِ أَنَّ اليَتِيمَةَ إِذَا كانَتْ ذَاتَ جَمالٍ ومالٍ
رغِبُوا في نِكَاحِهَا ولَمْ يُلْحِقُوها بِسُنَّتِها بإْمَالِ الصَّدَّاقِ فَإِذَا كانَتْ مَرْغُوبَةً عنْها في قِلَّةِ
المالِ والجَمَالِ تَرَكُوهَا والْتَمَسُوا غَيْرَهَا منَ النِّسَاءِ قال فَكَمَا يَتْرُكونها حِينَ يَرْغَبُونَ عَنْها
فَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَنْكِحُوها إذَا رَغِبُوا فيهَا إلاَّ أنْ يُقُسِطُوا لَها الأُوْفى مِنَ الصَّدَاقِ وَيُعْطُوهَا حَقَّها.
[انظر الحديث ٢٤٩٤ وأطرافه].
هذا السند بعين هؤلاء الرجال قد مر غير مرة، وأبو اليمان الحكم بن نافع.
والحديث مضى في: باب شركة اليتيم وأهل الميراث بأتم منه، ومضى الكلام فيه.
قوله: ((بأدنى من سنة نسائها)) أي: بأقل من مهر مثلها من قراباتها. قوله: ((ثم استفتى
الناس، رسول الله، عَّله، بعد))، أي: بعد نزول قوله تعالى: ﴿وإن خفتم أن لا تقسطوا في
اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء﴾ [النساء: ١٣]. وقال ابن أبي حاتم: قرأت على
محمد بن عبد الحكم: أخبرنا ابن وهب أخبرني يونس عن ابن شهاب أخبرني عروة بن
الزبير، قالت عائشة: ثم إن الناس استفتوا رسول الله، عَّله، بعد هذه الآية فيهن، فأنزل الله:
﴿ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب﴾ [النساء: ١٢٧].
الآية. قالت: والذي ذكر الله أنه يتلى عليهم في الكتاب الآية الأولى التي هي قول الله تعالى
﴿وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء﴾ [النساء: ١٢٧].