Indexed OCR Text

Pages 21-40

٢١
٥٤ - كِتَابُ الشُّرُوطِ / باب (١٥)
وهي القافلة. قوله: ((فأرسلت قريش)) وفي رواية أبي الأسود عن عروة: فأرسلوا أبا سفيان بن
حرب إلى رسول الله، عَّهِ، يسألونه ويتضرعون إليه أن يبعث إلى أبي جندل ومن معه، قالوا:
ومن خرج منا إليك فهو لك. قوله: ((يناشده)) أي: يناشد رسول الله، عَّه ((بالله والرحم)) أي:
يسألونه بالله وبحق القرابة.
قوله: ((لما أرسل)) كلمة: لما، بتشديد الميم هنا بمعنى إلاَّ، أي: إلاَّ أرسل، كقوله
تعالى: ﴿إِن كل نفس لمَّا عليها حافظ﴾ [الطارق: ٤]. أي: إلاّ عليها حافظ، والمعنى هنا:
لم تسأل قريش من رسول الله، عَِّ إلاّ إرساله إلى أبي بصير وأصحابه بالامتناع عن إيذاء
قريش. قوله: ((فمن أتاه)) أي: من أتى الكفار مسلماً إلى رسول الله، عَّةِ ((فهو آمن)) من الرد
إلى قريش، فكتب رسول الله، عَّهِ إلى أبي بصير أن يقدم عليه، فقدم الكتاب وأبو بصير في
النزع، فمات وكتاب رسول الله، عَّله، في يده: يقرؤه، فدفنه أبو جندل مكانه، وجعل عند
قبره مسجداً. قوله: ((فأنزل الله تعالى ﴿وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن
مكة بعد أن أظفركم عليهم﴾ [الفتح: ٢٤]. حتى بلغ: ﴿الحمية حمية الجاهلية﴾
[الفتح: ٢٦]. وتمام الآية المذكورة ﴿وكان الله بما تعملون بصيراً﴾ [الفتح: ٢٤]. وبعد هذه
الآية هو قوله: ﴿هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام والهدي معكوفاً أن يبلغ
محله ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطؤهم فتصيبكم منهم معرة بغير
علم ليدخل الله في رحمته من يشاء لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذاباً أليماً﴾ [الفتح:
٢٥]. وبعد هذه الآية هو قوله: ﴿إِذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية
الجاهلية﴾ [الفتح: ٢٦]. وهو معنى قوله حتى بلغ ﴿الحمية حمية الجاهلية﴾ [الفتح:
٢٦].
وتمام هذه الآية هو قوله: ﴿فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وألزمهم
كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها وكان الله بكل شيء عليماً﴾ [الفتح: ٢٦]. قوله: ﴿وهو
الذي كف أيديهم﴾ أي: أيدي أهل مكة، أي: قضى بينهم وبينكم المكافأة والمحاجزة بعد
ما خولكم الظفر عليهم والغلبة، وظاهره: أنها نزلت في شأن أبي بصير، وفيه نظر، لأن نزولها
في غيرها، وعن أنس، رضي الله تعالى عنه: ((أن ثمانين رجلاً من أهل مكة هبطوا على النبي
عَطٍّ من جبل التنعيم متسلحين يريدون غرة النبي عَ له وأصحابه، فأخذهم واستحباهم))، فأنزل
الله هذه الآية. وعن عبد الله بن مغفل المزني: كنا مع رسول الله، عَّهِ في الحديبية في
أصل الشجرة التي ذكر الله تعالى في القرآن، فبينا نحن كذلك إذ خرج علينا ثلاثون شاباً
عليهم السلاح، فثاروا في وجوهنا، فدعا رسول الله، عَّم فأخذ الله بأبصارهم، فقمنا إليهم
فأخذناهم، فقال لهم رسول الله، عَّله: ((هل كنتم في عهد أحد؟ أو جعل لكم أحد أماناً؟))
فقالوا: ((اللهم لا))، فخلى سبيلهم، فأنزل الله هذه الآية. وقيل: ((كف أيديكم))، بأن أمركم أن
لا تحاربوا المشركين، وكف أيديهم عنكم بإلقاء الرعب في قلوبهم، وقيل: بالصلح من
الجانبين، وعن ابن عباس: أظهر الله المسلمين عليهم بالحجارة حتى أدخلوهم البيوت ((ببطن

٢٢
٥٤ - كِتابُ الشُّرُوطِ / باب (١٥)
مكة من بعد أن أظفركم عليهم﴾ [الفتح: ٢٤]. أي: كف أيديكم عن القتال ببطن مكة فهو
ظرف للقتال، وبطن مكة هو الحديبية لأنها من أرض الحرم، وقيل: إظفاره دخوله بلادهم
بغير إذنهم به، وقيل: أظفركم عليهم بفتح مكة، وقيل: بقضاء العمرة، وقيل: نزلت هذه الآية
بعد فتح مكة.
قوله: ﴿هم الذين كفروا﴾ [الفتح: ٢٥]. يعني: قريشاً، وصدوكم عام الحديبية عن
المسجد الحرام أن تطوفوا به للعمرة. قوله: ﴿والهدي﴾ [الفتح: ٢٥]. أي: وصدوا الهدي.
قوله: ﴿معكوفاً﴾ [الفتح: ٢٥]. حال أي: ممنوعاً: وقيل: موقوفاً ﴿أن يبلغ محله﴾ [الفتح:
٢٥]. أي: منحره، وهذا دليل لأبي حنيفة على أن المحصر محل هديه الحرم. فإن قلت:
كيف حل لرسول الله، عَّم ومن معه أن ينحروا هديهم بالحديبية؟ قلت: بعض الحديبية من
الحرم، وروي: أن مضارب رسول الله، عَ لّ كانت في الحل ومصلاه في الحرم. فإن قلت:
قد نحر في الحرم، فلم قيل: ﴿معكوفاً أن يبلغ محله﴾ [الفتح: ٢٥]. قلت: المراد: المحل
المعهود وهو منىّ. قوله: ﴿لم تعلموهم﴾ صفة للرجال والنساء جميعاً، أي: لم تعرفوهم
بأعيانهم أنهم مؤمنون. قوله: ﴿أن تطؤهم﴾ بدل اشتمال من الرجال والنساء، وقيل: من
الضمير المنصوب في ﴿تعلموهم﴾ أي: أن توقعوا بهم وتقتلوهم، والوطء، والدوس عبارة عن
الإيقاع والإبادة. قوله: ﴿معرة﴾ [الفتح: ٢٥]. أي: عيب، مفعلة من: عره إذا دهاه ما يكرهه
ويشق عليه، وعن ابن زيد: إثم، وعن ابن إسحاق: غرم الدية، وقيل: الكفارة. قوله:
﴿ليدخل الله﴾ [الفتح: ٢٥]. تعليل لما دلت عليه الآية من كف الأيدي عن أهل مكة
والمنع من قتلهم صوناً لمن بين أظهرهم من المؤمنين.
قوله: ﴿لو تزيلوا﴾ [الفتح: ٢٥]. تميزوا أي: تميز بعضهم من بعض، من زاله يزيله،
وقيل: تفرقوا: ﴿لعذبنا الذين كفروا﴾ [الفتح: ٢٥]. من أهل مكة، فيكون: من، للتبعيض
وقيل: هم الصادقون، فيكون: من، زائدة. قوله: ﴿عذاباً أليماً﴾ [الفتح: ٢٥]. أي: بالقتل
والسيف، ويجوز: أن يكون ﴿لوتزيلوا﴾ [الفتح: ٢٥]. كالتكرير: للولا رجال مؤمنون،
المرجعهما إلى معنى واحد، ويكون: لعذبنا، جواباً لهما. قوله: ﴿إِذ جعل الذين كفروا﴾ أي:
أذكر حين ﴿جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية﴾ [الفتح: ٢٦]. أي: الأنفة حمية الجاهلية
حين صدوا رسول الله، عَّم وأصحابه عن البيت، ولم يقروا ببسم الله الرحمن الرحيم ولا
برسالة النبي، عٍَّ، والحمية على وزن: فعيلة من قول القائل: فلان أنفة يحمي حمية
ومحمية، أي: يمتنع. قوله: ﴿فأنزل الله سكينته﴾ [الفتح: ٢٦]. أي: وقاره ﴿على رسوله
وعلى المؤمنين﴾ [الفتح: ٢٥]. فتوقروا وصبروا. قوله: ﴿وألزمهم كلمة التقوى﴾ [الفتح:
٢٥]. أي: الإخلاص، وقيل: كلمة التقوى: بسم الله الرحمن الرحيم، ومحمد رسول الله)).
وقيل: ((لا إله إلاَّ الله، وقيل: لا إله إلاَّ الله محمد رسول الله)). وعن الحسن: الوفاء بالعهد،
ومعنى: ((لزمهم: أوجب عليهم))، وقيل: ألزمهم الثبات عليها، وكانوا أحق بها وأهلها من
غيرهم.

٢٣
٥٤ - كِتَابُ الشُّرُوطِ / باب (١٥)
قال أبُو عَبْدِ الله مَعَرَّةٌ الْعُرّ الجَرَبُ تَزَيَّلُوا إِنْمَازُوا الحَمِيَّةُ حَمَيْتُ أَنْفِي حَمِيَّةً ومَخْمِيَّةً
وحَمَيْتُ المَرِيضَ حِمْيَةً وَحَمَيْتُ القَوْمَ مَنَعْتُهُمْ حِمايَةً وأحْمَيْتُ الْحِمَى جَعَلْتُهُ حمَّى
لاَ يُدْخَلُ وأُخْمَيْتُ الحَدِيدَ وأُخْمَيْتُ الرَّجُلَ إِذَا أَغْضَبْتَهُ إحْمَاءً
أبو عبد الله هو البخاري، هذا في رواية المستملي وحده، وقد فسر هنا ثلاثة ألفاظ
التي وقعت في الآيات المذكورة، أحدها: هو قوله: ((العر)) أشار بهذا إلى أن لفظ: المعرة،
التي في الآية الكريمة مشتقة من: العر، بفتح العين المهملة. وتشديد الراء، ثم فسر: العر،
بالجرب، بالجيم: وقال ابن الأثير: ((المعرة الأمر القبيح المكروه، والأذى، وهي مفعلة من
العر)). وقال الجوهري: ((العر، بالفتح: الجرب، تقول منه: عرت الإبل تعر فهي عارة، والعر،
بالضم: قروح مثل القوباء تخرج بالإبل متفرقة في مشافرها وقوائمها، يسيل منها مثل الماء
الأصفر، فتكوى الصحاح لئلا تعديها المراض، تقول منه: عرَّت الإبل فهي معرورة)). الثاني:
هو قوله: ((تزيلوا))، وفسره بقوله: إنمازوا وهو من: الميز، يقال: مزت الشيء من الشيء: إذا
فرقت بينهما فانماز، وامتاز وميزته فتميز. الثالث: هو قوله: ((الحمية)) إلى آخره، وقد ذكر فيه
ستة معاني. الأول: حميت أنفي حمية، وهذا يستعمل في شيء تأنف منه، وداخلك عار
ومصدره حمية ومحمية. فالأول بتشديد الياء آخر الحروف، يقال: حمى من ذلك أنفاً أي:
أخذته الحمية، وهي الأنفة والغيرة. الثاني: حميت المريض أي: الطعام، ومصدره: حمية،
بكسر الحاء وسكون الميم وفتح الياء وجاء: حموه، أيضاً. والثالث: حميت القوم: منعتهم
من حصول الشر والأذى إليهم، ومصدره: حماية، على وزن فعالة بالكسر. والرابع: أحميت
الحمى، بكسر الحاء وفتح الميم مقصور لا يدخل فيه ولا يقرب منه، وهذا حمى على وزن
فعل، بكسر الفاء وفتح العين أي: محظور لا يقرب. والخامس: أحميت الحديد في النار،
فهو محمي ولا يقال: حميته. والسادس: أحميت الرجل إذا أغضبته، وحميت عليه غضبت
ومصدر الأول إحماء بكسر الهمزة. وله معنىّ سابع: حمى النهار بالكسر، وحمى التنور حمياً،
فيهما أي: اشتد حره. وحكى الكسائي: اشتد حمى الشمس وحموها بمعنى. ومعنى ثامن:
حاميت على ضيفي إذا احتفلت له. ومعنى تاسع: احتميت من الطعام احتماء.
٢٧٣٣ _ وقالَ عُقَيْلٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قال عُزْوَةُ فأخْبَرَتْنِي عَائِشَةُ أَنَّ رسولَ الله عَلَّه
كَانَ يَمْتَحِنُهُنَّ وبَلَغَنَا أَنَّهُ لَمَّا أَنزَلَ الله تَعَالَى أنْ يَرُدُّوا إلى الْمُشْرِكِينَ ما أَنفَقُوا عَلى مِنْ هَاجَرَ
مِنْ أَزْواجِهِمْ وحَكَمَ عَلى الْمُسْلِمِينَ أَنْ لا يُمَسِّكُوا بِعِصَم الْكَوَافِرِ أنَّ عُمَرَ طَلَّقَ امْرَأْتَيْنِ قَرِيبَةَ
بِنْتَ أبي أَمَيَّةَ وابْنَةً جَزْوَلِ الخُزَاعِيِّ فَتَزَوَّجَ قَرِيبَة مُعَاوِيَةُ وَتَزَوَّجَ الأُخْرَى أَبُو جَهْمٍ فَلَمَّا أَتَى
الكُفَّارُ أنْ يُقِرُّوا بِأَدَاءِ ما أَنْفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَنْزَلَ الله تَعَالَى ﴿وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ
أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الكُفَّارِ فَعاقَبْتُمْ﴾ [الممتحنة: ١١]. والعَقْبُ ما يُؤَدِي الْمُسْلِمُونَ إلى منْ
هاجَرَتِ امْرَأَتُهُ مِنَ الكُفَّارِ فأمَرَ أَنْ يُعطَى مَنْ ذَهَبَ لَهُ زَوْجٌ مِنَ المُسْلِمِينَ ما أَنْفَقَ مِنْ صَدَاقٍ
نِساءِ الْكُفَّارِ الَّلاتي هاجَرْنَ وما نَعْلَمُ أَحَداً مِنَ الْمُهَاجِرَاتِ ارْتَدَّتْ بَعْدَ إِيمانِهَا وَبَلَغَنا أنَّ أبا
بَصِيرٍ بِنَّ أَسِيدِ النَّقَفِيَّ قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ عَلَّهِ مُؤْمِنَاً مُهَاجِراً في الْمُدَّةِّ فَكَتَبَ الأُخْتَسُ بنُ شرِيق

٢٤
٥٤ - كِتابُ الشُّرُوطِ / باب (١٥)
إِلى النَّبِيّ عَ لِ يَسْأَلُهُ أَا بَصِيرٍ فَذَكَّرَ الحَدِيثَ. [انظر الحديث ٢٦١٣ وأطرافه].
قوله: قال ((عقيل))، بضم العين عن محمد بن مسلم الزهري ... إلى آخره تقدم
موصولاً بتمامه في أول الشروط، ومضى الكلام فيه مستوفىّ، وإنما أورده هنا لبيان ما وقع في
رواية معمر بن راشد من الإدراج. قوله: ((كان يمتحنهن)) أي: يختبرهن بالحلف والنظر في
الأمارات. قوله: ((وبلغنا)) هو مقول الزهري، وكذا قوله: ((وبلغنا أن أبا بصير ... )) إلى آخره،
والمراد به: أن قصة أبي بصير في رواية عقيل من مرسل الزهري، وفي رواية معمر موصولة
إلى المسور، لكن قد تابع معمراً على وصلها ابن إسحاق، وتابع عقيلاً الأوزاعي على
إرسالها، والظاهر أن الزهري كان يرسلها تارة ويوصلها أخرى. قوله: ((من أزواجهم)) ويروى
من أزواجهن، وتأويله: أن الإضافة بيانية أي: أزواج هي هن، وفيه تعسف. وضبط ((قريبة)) قد
تقدم في الشروط، وابنة جرول، بفتح الجيم وسكون الراء وفتح الواو وباللام الخزاعي أم عبد
الله بن عمر، قيل: إسمها كلثوم، وأبو جهم، بفتح الجيم وسكون الهاء: عامر بن حذيفة
الأموي، وقد تقدم أن ابنة جرول تزوجها صفوان بن أمية، وهنا يقول: تزوجها أبو جهم،
ووجهه: أن الأول رواية عقيل عن الزهري، والثاني رواية معمر عنه. قوله: ((وإن فاتكم)) أي:
سبقكم. قوله: ﴿فعاقبتم﴾ قال الزمخشري: من العقبة وهي النوبة، شبه ما حكم به على
المسلمين والمشركين من أداء المهور بأمر يتعاقبون فيه، ومعناه: فجاءت عقبتكم من أداء
المهور. قوله: ((أن يعطى)) على صيغة المجهول، وقوله: ((من صداق)) يتعلق به. وقوله: ((ومن
ذهب)) هو مفعول ما لم يسم فاعله. وقوله: ((وما أنفق)) هو المفعول. قوله: ((مؤمناً)) حال،
ووقع في رواية السرخسي والمستملي: قدم من منى، وهو تصحيف، قوله: ((مهاجراً) حال،
إما من الأحوال المترادفة أو من المتداخلة. قوله: ((في المدة))، أي: في مدة المصالحة.
قوله: ((يسأله)) جملة وقعت حالاً.
ذكر ما يستفاد من هذا الحديث: الذي ما وقع في البخاري حديث أطول منه. فيه:
المصالحة مع أهل الحرب على مدة معينة واختلفوا في المدة. فقيل: لا تجاوز عشر سنين،
على ما في الحديث المذكور، وبه قال الشافعي والجمهور، وقيل: تجوز الزيادة، وقيل: لا
تجاوز أربع سنين، وقيل: ثلاث سنين، وقيل: سنتين. وقال أصحابنا يجوز الصلح مع الكفار
بمال يؤخذ منهم أو يدفع إليهم إذا كان الصلح خيراً في حق المسلمين، والذي يؤخذ منهم
بالصلح يصرف مصارف الجزية. وفيه: كتابة الشروط التي تنعقد بين المسلمين والمشركين
والإشهاد عليها ليكون ذلك شاهداً على من رام نقض ذلك والرجوع منه. وفيه: الاستتار عن
طلائع المشركين ومفاجأتهم بالجيش وطلب غرتهم إذا بلغتهم الدعوة. وفيه: جواز التنكب
عن الطريق بالجيوش، وإن كان في ذلك مشقة. وفيه: بركة التيامن في الأمور كلها. وفيه:
أن ما عرض للسلطان وقواد الجيوش وجميع الناس مما هو خارج عن العادة يجب عليهم أن
يتأملوه وينظروا السنة في قضاء الله تعالى في الأمم الخالية، ويمتثلوا ويعلموا أن ذلك مثل
ضرب لهم، ونيهوا عليه، كما امتثله الشارع عَّ له في أمر ناقته وبروكها في قصة الفيل، لأنها

٢٥
٥٤ - كِتَابُ الشُّرُوطِ / باب (١٥)
كانت إذا وجهت إلى مكة بركت، وإذا صرفت عنها مشت، كما كان دأب الفيل، وهذا
خارج عن العادة، فعلم أن الله صرفها عن مكة كالفيل. وفيه: علامات النبوة وبركته معَّه.
وفيه: بركة السلاح المحمولة في سبيل الله. وفيه: التفاؤل من الاسم كما سلف. وفيه: أن
أصحاب السلطان يجب عليهم مراعاة أمره وعونه.
وفيه: أن من صالح أو عاقد على شيء بالكلام ثم لم يوف له به أنه بالخيار في
النقض. وفيه: جواز المعارضة في العلم حتى تتبين المعاني. وفيه: أن الكلام محمول على
العموم حتى يقوم عليه دليل الخصوص، ألا يرى أن عمر، رضي الله تعالى عنه، جمل كلامه
على الخصوص، لأنه طالبه بدخول البيت في ذلك العام، فأخبره أنه لم يعده بذلك في ذلك
العام، بل وعده وعداً مطلقاً في الدهر، حتى وقع ذلك، فدل على أن الكلام محمول على
العموم، حتى يأتي دليل الخصوص. وفيه: أن من حلف على فعل ولم يوقت وقتاً أن وقته أيام
حياته. وقال ابن المنذر: فإن حلف بالطلاق على فعل ولم يوقت وقتاً. أن وقته أيام حياته،
وإن حلف بالطلاق ليفعلن كذا إلى وقت غير معلوم، فقالت طائفة: لا يطأها حتى يفعل الذي
حلف عليه، فأيهما مات لم يرثه صاحبه، هذا قول سعيد بن المسيب والحسن والشعبي
والنخعي وأبي عبيد. وقالت طائفة: إن مات ورثته وله وطؤها، روي هذا عن عطاء، وقال
يحيى بن سعيد: ترثه إن مات، وقال مالك: إن ماتت امرأته يرثها. وقال الثوري: إنما يقع
الحنث بعد الموت، وبه قال أبو ثور، وقال أبو ثور أيضاً: إذا حلف ولم يوقت فهو على يمينه
حتى يموت، ولا يقع حنث بعد الموت، فإذا مات لم يكن عليه شيء. وقالت طائفة: يضرب
لهما أجل المولى: أربعة أشهر، روي هذا عن القاسم وسالم، وهو قول ربيعة والأوزاعي، وقال
أبو حنيفة: إن قال: أنت طالق إن لم آت البصرة، فماتت امرأته قبل أن يأتي البصرة فله
الميراث، ولا يضره أن لا يأتي البصرة بعد، لأن امرأته ماتت قبل أن يحنث، ولو مات قبلها
حنث وكان لها الميراث، لأنه فار، ولو قال لها: أنت طالق إن لم تأت البصرة، فمات، فليس
لها ميراث، وإن مات قبلها حنث، وكان لها الميراث لأنه فار.
وفيه قول سادس: حكاه أبو عبيد عن بعض أهل النظر، قال: إن أخذ الحالف في
التأهب لما حلف عليه والسعي فيه حين تكلم باليمين حتى يكون متصلاً بالبر وإلاَّ فهو
حانث عند ترك ذلك. وقال ابن المنذر: في هذا الحديث دليل على أن من لم يحدَّ ليمينه
أجلاً أنه على يمينه، ولا يحنث إن وقف عن الفعل الذي حلف بفعله. وفيه: جواز مشاورة
النساء ذوات الفضل والرأي. وفيه: أن من جاء إلى غير بلد الإمام ليس على الإمام رده. وفيه:
جواز قيام الناس على رأس الإمام بالسيف مخافة العدو، وأن الإمام إذا جفا عليه أحد لزم ذلك
القائم تغييره بما أمكنه. وفيه: فضل أبي بكر على عمر، رضي الله تعالى عنهما، في جوابه له
بما أجاب به سيدنا رسول الله، عَّهِ سواء. وفيه: جواز السفر وحده للحاجة. وفيه: جواز
الحكم على الشيء بما عرف من عادته. وفيه: جواز التصرف في ملك الغير بالمصلحة بغير
إذنه الصريح إذا كان سبق منه ما يدل على الرضا بذلك. وفيه: تأكيد القول باليمين ليكون

٢٦
٥٤ - كِتابُ الشُّرُوطِ / باب (١٦)
أدعى إلى القبول. وقال ابن القيم في (الهدي): وقد حفظ عن النبي، عَّهِ ((الحلف في أكثر
من ثمانين موضعاً). وفيه: استنصاح بعض المعاهدين وأهل الذمة إذا دلت القرائن على
نصحهم وشهدت التجربة بإيثارهم أهل الإسلام على غيرهم، ولو كانوا من أهل دينهم. وفيه:
جواز استنصاح بعض ملوك العدو استظهاراً على غيرهم، ولا يعد ذلك من موالاة الكفار ولا
من موادة أعداء الله تعالى. بل من قبيل استخدامهم وتقليل شوكة جمعهم وإنكار بعضهم
ببعض، ولا يلزم من ذلك جواز الاستعانة بالمشركين على الإطلاق.
وفيه: أن الحربي إذا أتلف مال الحربي لم يكن عليه ضمانه، وهو وجه للشافعية.
وفيه: طهارة النخامة والشعر المنفصل، والشافعية يحكمون بنجاسة الشعر المنفصل، ومنهم
من بالغ حتى كاد أن يخرج من الإسلام، فقال: وفي شعر النبي عَّم وجهان، نعوذ بالله تعالى
من هذا الضلال. وفيه: التبرك بآثار الصالحين من الأشياء الطاهرة. وفيه: جواز المخادعة في
الحرب وإظهار إرادة الشيء والمقصود غيره. وفيه: أن كثيراً من المشركين كانوا يعظمون
حرمات الإحرام والحرم، وينكرون من يصد عن ذلك، تمسكاً منهم بيقايا من دين إبراهيم،
عَّ لهُ. وفيه: فضل المشورة، وأن الفعل إذا انضم إلى القول كان أبلغ من القول المجرد،
وليس فيه أن الفعل مطلقاً أبلغ من القول. وفيه: أن للمسلم الذي يجيء من دار الحرب في
زمن الهدنة قتل من جاء في طلب رده إذا شرط لهم ذلك، لأن النبي ◌َ ◌ّهِ لم ينكر على أبي
بصير قتله العامري، ولا أمر فيه بقود ولا دية.
١٦ - بابُ الشِّرُوطِ في الْقَرْضِ
أي: هذا باب في بيان حكم الشروط في القروض.
٢٧٣٤/١٩ _ وقال اللَّيْثُ حدَّثني جعْفَرُ بنُ رَبِيعَةَ عنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بنِ هُرْمُزَ عنْ أبِي
هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ عنْ رَسُولِ اللهِ عَ لَّهِ أنَّهُ ذَكَرَ رَبجلاٍ سأل بَعْضَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ
يُسْلِفَهُ أَلْفَ دِينارِ فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ إلى أَجَلٍ مُسَمَّى. [انظر الحديث ١٤٩٨ وأطرافه].
مضى هذا الحديث بتمامه في: باب الكفالة في القرض، ومضى الكلام فيه هناك،
وذكر هنا طرفاً منه لأجل الترجمة المذكورة، وسقط جميع ذلك في رواية النسفي، ولكن زاد
في الترجمة التي تليه: باب الشروط في القرض والمكاتب ... إلى آخره.
وقال ابنُ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهُما وعَطاءٌ إِذَا أَجَلَهُ فِي القَرْضِ جازَ
مضى هذا الحديث أيضاً في القرض في: باب إذا أقرضه إلى أجل مسمى، ومضى
الكلام فيه مع بيان الخلاف فيه.
١٧ - بابُ المَكاتب وما لا يحِلُّ مِنَ الشُّرُوطِ الَّتِي تُخَالِفُ كِتَابَ اللهِ تعَالى
أي: هذا باب في بيان حكم المكاتب، وقد تقدم في كتاب الشروط: باب ما يجوز
من شروط المكاتب، وقوله هنا: باب المكاتب، أعم من ذلك، وقد تقدم أيضاً في كتاب

٢٧
٥٤ - كِتَابُ الشُّرُوطِ / باب (١٨)
العتق: باب ما يجوز من شروط المكاتب، ومن اشترط شرطاً ليس في كتاب الله. وحديث
الأبواب الثلاثة واحد، وتكرار التراجم لا يدل على زيادة فائدة إلاّ في شيء واحد، وهو أنه
فسر قوله: ليس في كتاب الله، بقوله: ((التي تخالف كتاب الله)) لأن المراد بكتاب الله
حكمه، وحكمه تارة يكون بطريق النص وتارة يكون بطريق الاستنباط منه، وكل ما لم يكن
من ذلك فهو مخالف لما في كتاب الله.
وقال جابِرُ بنُ عَبْدِ الله رضي الله تعالى عنهما في المُكَاتَبِ شُرُوطُهُمْ بَيْتَهُمْ
هذا التعليق وصله سفيان الثوري في كتاب الفرائض له من طريق مجاهد عن جابر،
والمعنى: شروط المكاتبين وساداتهم معتبرة بينهم.
وقال ابنُ عُمَرَ أَوْ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهُما كُلُّ شَرْطٍ خالَفَ كِتَابَ اللهِ فَهْوَ باطلٌ
وإنْ اشْتَرَطَ مِائَةَ شَرْطٍ
هكذا وقع لأكثر الرواة، وفي رواية النسفي: وقال ابن عمر، فقط. ولم يقل: أو عمر،
ووقع في رواية كريمة.
وقال أبو عَبْدِ الله يُقالُ عنْ كِلَيْهِمَا عنْ عُمَرَ وابنٍ عُمَرَ
أبو عبد الله هو البخاري. قوله: ((عن كليهما)) أي: عن عمر وعن ابنه عبد الله، وقد
تقدم فيما مضى في حديث عائشة، رضي الله تعالى عنها، في قصة بريرة عن النبي عَ لّه أنه
قال: ((كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط، قضاء الله أحق، وشرط
الله أوثق)). ويأتي الآن أيضاً في حديث الباب، والمعنى: كل شرط ليس في حكم الله
وقضائه في كتابه أو سنة رسوله، عَّةِ، فهو باطل.
٢٧٣٥/٢٠ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عبْدِ الله قال حدَّثنا سُفْيانُ عنْ يَحْيى عنْ عَمْرَةَ عنْ
عائِشَةَ رضي الله تعالى عنها قالَتْ أَتَتْهَا بَرِيرَةُ تَسْألُهَا فِي كِتَابَتِهَا فقالَتْ إِنْ شِئْتِ أعْطَيْتُ
أَهْلَكِ ويَكُونُ الوَلاءُ لي فلَمَّا جاءَ رسولُ اللهِ عَلِّ ذَكَّرْتُهُ ذلِكَ قال النبيُّ عَ لَّلِ ابْتَاعِيهَا
فأعْتِقِيهَا فإِنَّا الوَلاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ ثُمَّ قَامَ رسولُ الله عَلَّهِ عَلَى المِنْبَرِ فقال ما بالُ أقْوام
يَشْتَرِطُونَ شُرُوطاً لَيْسَتْ في كِتَابِ اللهِ مَنِ اشْتَرَطَ شَرْطاً لَيْسَ في كِتَابِ الله فَيْسَ لَّةً
وإنْ اشْتَرَطَ مِائَةَ شَرْطٍ. [انظر الحديث ٤٥ وأطرافه].
قد تقدم هذا الحديث غير مرة، وعلي بن عبد الله هو ابن المديني، وسفيان هو ابن
عيينة، ويحيى هو ابن سعيد الأنصاري، وآخر ما ذكر في أواخر كتاب العتق.
١٨ - بابُ ما يَجُوزُ مِنَ الاشْتِرَاطَ والُّنْيا في الإِقْرَارِ والشُّرُوطِ الَّتِي يتَعَارَفها
النَّاسُ بَيْنَهُمْ وإِذَا قال مائَةً إلاَّ واحِدَةً أَوْ ثِنْتَيْنِ
أي: هذا باب في بيان ما يجوز من الاشتراط. وقال ابن بطال: وقع في بعض النسخ:
باب ما لا يجوز في الاشتراط والثنيا، قال: وهو خطأ، والصواب: باب ما يجوز، والحديث

٢٨
٥٤ - كِتابُ الشَّرُوطِ / باب (١٨)
الذي ذكره البخاري بعد يدل على صحته. قوله: ((والثنيا))، بضم الثاء المثلثة وسكون النون
بعدها ياء آخر الحروف مقصور أي: الاستثناء في الإقرار سواء كان استثناء قليل من كثير، أو
بالعكس، فالأول لا خلاف فيه أنه يجوز، والثاني مختلف فيه. وحديث الباب يدل على جواز
استثناء القليل من الكثير، وهذا جائز عند أهل اللغة والفقه والحديث قال الداودي: أجمعوا
على من استثنى في إقراره ما بقي بعده بقية ما أقر به أن له ثنياه، فإذا قال له: علي ألف إلاّ
تسعمائة وتسعة وتسعين، صح ولزمه واحد. قال: وكذلك لو قال: أنت طالق ثلاثة إلاَّ ثنتين،
لقوله تعالى: ﴿فلبث فيهم ألف سنة إلاَّ خمسين عاماً﴾ [العنكبوت: ١٤]. قال ابن التين:
وهذا الذي ذكره الداودي أنه إجماع ليس كذلك، ولكن هو مشهور مذهب مالك، وذكر
الشيخ أبو الحسن قولاً ثالثاً: في قوله: أنت طالق ثلاثاً إلاَّ ثنتين، أنه يلزمه ثلاث، وذكر
القاضي في معونته عن عبد الملك وغيره أنه يقول. لا يصح استثناء الأكثر، واحتجاج
الداودي بهذه الآية غير بين، وإنما الحجة في ذلك قوله تعالى: ﴿إِلاّ من اتبعك من الغاوين﴾
[الحجر: ٤٢]. وقوله: ﴿إِلاَّ عبادك منهم المخلصين﴾ [الحجر: ١٥، وص: ٨٣]. فإن
جعلت: المخلصين، الأكثر فقد استثناهم، وإن جعلت: الغاوين الأكثر فقد استئناهم أيضاً،
ولأن الاستثناء إخراج، فإذا جاز إخراج الأقل جاز إخراج الأكثر، ومذهب البصريين من أهل
اللغة وابن الماجشون: المنع، وإليه ذهب البخاري حيث أدخل هذا الحديث هنا باستثناء
القليل من الكثير. قوله: ((والشروط))، أي: وفي بيان الشروط التي يتعارفها الناس بينهم، نحو:
أن يشتري نعلاً أو شراكاً بشرط أن يحذوه البائع، أو اشترى أديماً بشرط أن يخرز له خفاً، أو
اشترى قلنسوة بشرط أن يبطنه البائع، فإن هذه الشروط كلها جائزة، لأنه متعارف متعامل بين
الناس، وفيه خلاف زفر، وكذا لو اشترى شيئاً وشرط أن يرهنه بالثمن رهناً، وسماه أو يعطيه
كفيلاً وسماه والكفيل حاضر وقبله، وكذلك: الحوالة، جاز استحساناً خلافاً لزفر، وأما
الشروط التي لا يتعارفها الناس فباطلة، نحو ما إذا اشترى حنطة وشرط على البائع طحنها أو
حملانها إلى منزله، أو اشترى داراً على أن يسكنها شهراً، فإن ذلك كله لا يصح لعدم
التعارف والتعامل. قوله: ((وإذا قال مائة إلاَّ واحدة أو اثنتين))، أشار بهذا إلى أن اختياره جواز
استثناء القليل من الكثير، وعدم جواز عكسه، وذكر بهذا صورة استثناء القليل من الكثير،
نحو ما إذا قال: لفلان علي مائة درهم، مثلاً، إلاَّ واحدة أو اثنتين، فإنه يصح، ويلزمه في
قوله: إلاَّ واحدة، تسعة وتسعون درهماً. وفي قوله إلا اثنتين: يلزمه ثمانية وتسعون درهماً.
وقال ابنُ عَوْنٍ عنِ ابنِ سِيرينَ قال: قال رجلٌ لَكَرِيِّهِ أدخِلْ رِكَابَكَ فإنْ لَمْ أرْحَلْ
معَكَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا فَلَكَ مائَةُ دِزْهَمْ فَلَمْ يَخْرُجْ فَقَال شُرَيْحٌ مِنْ شَرَطَ عَلَى نَفْسِهِ
طائِعاً غَيْرَ مُكْرَهٍ فَهْوَ عَلَيْهِ
ابن عون هو: عبد الله بن عون بن أرطبان البصري، وابن سيرين هو محمد بن سيرين،
وشريح هو القاضي. قوله: ((لكريه)) بفتح الكاف وكسر الراء وتشديد الياء آخر الحروف، على
وزن فعيل هو المكاري، قوله: ((أدخل)) من الإدخال وركابك منصوب به، والركاب، بكسر

٢٩
٥٤ _ كِتابُ الشُّرُوطِ / باب (١٨)
الراء: الإبل التي يسار عليها والواحدة: راحلة ولا واحد لها من لفظها. قوله: ((فلم يخرج»،
أي: لم يرحل معه، يلزمه مائة درهم عند شريح، وهو معنى قوله: قال شريح: من شرط على
نفسه طائعاً، أيَّ حال كونه طائعاً مختاراً غير مكره عليه، فهو أي الشرط الذي شرط عليه أي
يلزمه، وفي هذا خالف الناس شريحاً، يعني: لا يلزمه شيء، لأنه عدة، وهذا التعليق وصله
سعيد بن منصور عن هشيم عن ابن عون ... إلى آخره.
وقال أيُّوبُ عنِ ابنِ سِيرِينَ إِنَّ رجلاً باعَ طعَاماً وقال إنْ لَمْ آتِكَ الأَزْبِعاءَ فَلَيْسَ
بَيْنِي وبْنَكَ بَيْعٌ فَلَمْ يَجيءْ فقال شُرَيْحٌ لِلْمُشْتَرِي أَنْتَ أُخْلَفْتَ فَقضَى عَلَيْهِ
أيوب هو السختياني. قوله: ((الأربعاء)) أي: يوم الأربعاء، وهذا الشرط جائز أيضاً عند
شريح لأنه قال للمشتري عند التحاكم إليه: أنت أخلفت الميعاد، فقضي عليه برفع البيع،
وهذا أيضاً مذهب أبي حنيفة وأحمد وإسحاق، وقال مالك والشافعي وآخرون: يصح البيع
ويبطل الشرط، وهذا التعليق أيضاً وصله سعيد بن منصور عن سفيان عن أيوب عن ابن سيرين
فذكره.
٢١/ ٢٧٣٦ - حدّثنا أبُو اليَمانِ قال أخبرنا شُعَيْبٌ قال حدَّثنا أبُو الزِّنادِ عنِ الأعْرَجِ
عن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنه أنَّ رسولَ الله، عَ لَّمِ قال إنَّ الله تَسْعَةً وتِسْعِينَ إِسْماً مائَةً
إلاَّ واحِداً مَنْ أَخْصَاهَا دَخَلَ الجَنَّةَ. [الحديث ٢٧٣٦ - طرفاه في: ٦٤١٠، ٧٣٩٢].
مطابقته للترجمة في موضعين. أحدهما: في قوله: ((والثنيا)) من غير قيد بالإقرار، لأن
الثنيا في نفسه أعم من أن يكون في الإقرار أو في غيره، كما في الحديث المذكور.
والآخر: في قوله: ((مائة إلاَّ واحدة)).
ورجاله قد تكرر ذكرهم، وأبو اليمان الحكم بن نافع الحمصي، وشعيب هو ابن أبي
حمزة الحمصي، وأبو الزناد، بالزاي والنون: عبد الله بن ذكوان، والأعرج عبد الرحمن بن
هرمز.
والحديث أخرجه البخاري أيضاً في التوحيد عن أبي اليمان أيضاً وقال المزني:
وأخرجه الترمذي في الدعوات عن إبراهيم بن يعقوب. وأخرجه النسائي في النعوت عن
عمران بن بكار. قلت: أخرجه ابن ماجه من حديث موسى بن عقبة: حدثني الأعرج عن أبي
هريرة أن رسول الله، عَّ له قال: ((إن لله تسعة وتسعين إسماً، مائة إلاَّ واحداً، إنه وتر يحب
الوتر، من حفظها دخل الجنة)) فذكرها مفصلة إسماً بعد إسم. وقال في آخره، قال زهير:
فبلغنا عن غير واحد من أهل العلم أن أولها يفتتح بقوله: ((لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له
الملك وله الحمد بيده الخير وهو على كل شيء قدير، لا إله إلاَّ الله له الأسماء الحسنى)).
وقال الترمذي: وقد روي هذا الحديث من غير وجه عن أبي هريرة عن النبي عَِّ، ولا يعلم
في كثير شيء من الروايات ذكر الأسماء إلاَّ في هذا الحديث. وقد روى آدم بن أبي إياس
هذا الحديث بإسناد غير هذا عن أبي هريرة عن النبي، عَّلّه، وذكر فيه الأسماء، وليس له

٣٠
٥٤ - كِتابُ الشُّرُوطِ / باب (١٨)
إسناد صحيح. وأخرجه الحاكم في (مستدركه): وقال: هذا حديث صحيح قد خرجاه في
الصحيحين بأسانيد صحيحة، دون ذكر الأسامي فيه، والعلة فيه عندهما أن الوليد بن مسلم
أوثق وأحفظ وأعلم وأجل من أبي اليمان وبشر بن شعيب وعلي بن عياش وأقرانهم من
أصحاب شعيب. وأخرجه ابن حبان أيضاً في (صحيحه).
ذكر معناه: قوله: ((إن الله تسعة وتسعين إسماً)) ليس فيه نفي غيرها، والدليل عليه
حديث ابن مسعود يرفعه: ((أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتبك أو
علمته أحداً من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك)) .. الحديث، وحديث عائشة،
رضي الله تعالى عنها: ((اللهم إني أسألك بجميع أسمائك الحسنى كلها، ما علمنا منها وما
لم نعلم، وأسألك باسمك العظيم الأعظم الكبير الأكبر من دعاك به أجبته)). قالت: فقال
رسول الله، عَّلل أصبتيه أصبتيه)). وأما وجه التخصيص بذكرها فلأنها أشهر الأسماء وأبينها
معاني. قوله: ((مائة إلا واحداً)) أي: إلاَّ إسماً واحداً. ويروى: ((واحدة)) أنثها ذهاباً إلى معنى
التسمية أو الصفة أو الكلمة. فإن قلت: ما فائدة هذا التأكيد. قلت: قيل: إن معرفة أسماء الله
تعالى وصفاته توقيفية تعلم من طريق الوحي والسنة، ولم يكن لنا أن نتصرف فيها بما لم يهتد
إليه مبلغ علمنا ومنتهى عقولنا، وقد منعنا عن إطلاق ما لم يرد به التوقيف في ذلك، وإن
جوزه العقل وحكم به القياس كان الخطأ في ذلك غير هين، والمخطىء فيه غير معذور،
والنقصان عنه كالزيادة فيه غير مرضي، وكان الاحتمال في رسم الخط واقعاً باشتباه تسعة
وتسعين في زلة الكاتب وهفوة القلم بسبعة وتسعين أو سبعة وسبعين أو تسعة وسبعين، فينشأ
الاختلاف في المسموع من المسطور، فأكده به حسماً لمادة الخلاف، وإرشاداً إلى
الاحتياط في هذا الباب. قال الكرماني: فإن قلت: ما الحكمة في الاستثناء؟ قلت: قيل: الفرد
أفضل من الزوج، ولذلك ((جاء: أن الله وتر يحب الوتر))، ومنتهى الإفراد من المراتب من غير
تكرار تسعة وتسعون، لأن مائة وواحدة يتكرر فيه الواحد، وقيل: الكمال في العدد من المائة،
لأن الأعداد كلها ثلاثة أجناس: آحاد وعشرات ومآت، لأن الألوف ابتداء آحاد آخر بدل
عشرات الألوف وآحادها، فأسماء الله تعالى مائة، وقد استأثر الله منها بواحد، وهو الاسم
الأعظم لم يطلع عليه غيره، فكأنه قال: مائة، لكن واحد منها عند الله.
قوله: ((من أحصاها))، قال الخطابي: الإحصاء يحتمل وجوها: أظهرها: العدّ لها حتى
يستوفيها، أي: لا يقتصر على بعضها، بل يثني على الله تعالى بجميعها. وثانيها: الإطاقة،
أي: من أطاق القيام بحقها والعمل بمقتضاها، وهو أن يعتبر معانيها ويلزم نفسه بواجبها، فإذا
قال: الرزاق ألم ووثق بالرزق، وهلم جراً. وثالثها: العقل، أي: من عقلها وأحاط علماً بمعانيها
من قولهم: فلان ذو حصاة، أي: ذو عقل، وقيل: أحصاها، أي: عرفها، لأن العارف بها لا
يكون إلاَّ مؤمناً، والمؤمن يدخل الجنة لا محالة. وقال ابن الجوزي: لعله يكون المراد بقوله:
((من أحصاها)) من قرأ القرآن حتى يختمه فيستوفي، أي: من حفظ القرآن العزيز دخل الجنة،
لأن جميع الأسماء فيه. وقيل: من أحصاها، أي: حفظها، هكذا فسره البخاري والأكثرون،

٣١
٥٤ - كِتَابُ الشُّرُوطِ / باب (١٨)
ويؤيده أنه ورد في رواية في (الصحيح): من حفظها دخل الجنة. وقال الطيبي: أراد بالحفظ:
القراءة بظهر القلب، فيكون كناية، لأن الحفظ يستلزم التكرار، فالمراد بالإحصاء تكرار
مجموعها. فإن قلت: لم ذكر الجزاء بلفظ الماضي؟ قلت: تحقيقاً لوقوعه كأنه قد وجد.
فوائد: أسماء الله تعالى ما يصح أن يطلق عليه، سبحانه وتعالى، بالنظر إلى ذاته:
كالله، أو باعتبار صفة من صفاته السلبية: كالقدوس والأول، أو الحقيقية: كالعليم والقادر، أو
الإضافية: كالحميد والملك؛ أو باعتبار فعل من أفعاله: كالخالق والرزاق وقالت المعتزلة:
الاسم هو التسمية دون المسمى، وقال الغزالي: الاسم هو اللفظ الدال على المعنى بالوضع
لغة، والمسمى هو المعنى الموضوع له الاسم، والتسمية وضع اللفظ له أو إطلاقه عليه. وقال
الطيبي: قال مشايخنا: التسمية هو اللفظ الدال على المسمى، والاسم هو المعنى المسمى به،
كما أن الوصف هو لفظ الواصف، والصفة مدلوله، وهو المعنى القائم بالموصوف، وقد يطلق
ويراد به اللفظ، كما تطلق الصفة ويراد الوصف إطلاقاً لاسم المدلول على الدال، وعليه
اصطلحت النحاة. وقيل: الفرق بين الاسم والمسمى إنما يظهر من قولك: رأيت زيداً، فإن
المراد بالاسم المسمى لأن المرئي ليس (زي د) فإذا قلت: سميته زيداً، فالمراد غير
المسمى، لأن معناه سميته بما يتركب من هذه الحروف، وفي قولك: زيد حسن، لفظ
مشترك أن تعني به هذا اللفظ حسن، وأن تعني به المسمى حسن، وأما قول من قال: لو كان
الاسم هو المسمى لكان من قال: نار، احترق فمه، فهو بعيد. لأن العاقل لا يقول إن زيداً
الذي هو: زاي وياء ودال، هو الشخص. وقال محيي السنة في (معالم التنزيل): الإلحاد في
أسمائه تسميته بما لا ينطق به كتاب ولا سنة. وقال أبو القاسم القشيري في كتابه (مفاتيح
الحجج): أسماء الله تؤخذ توقيفاً ويراعى فيها الكتاب والسنة والإجماع، فكل اسم ورد في
هذه الأصول وجب إطلاقه في وصفه تعالى، وما لم يرد فيه لا يجوز إطلاقه في وصفه، وإن
صح معناه. وقال الراغب: ذهبت المعتزلة إلى أنه يصح أن يطلق على الله تعالى كل اسم
يصح معناه فيه، والأفهام الصحيحة البشرية لها سعة ومجال في اختيار الصفات. قال: وما
ذهب إليه أهل الحديث هو الصحيح، ولو ترك الإنسان وعقله لما جسر أن يطلق عليه عامة
هذه الأسماء التي ورد الشرع بها، إذ كان أكثرها على حسب تعارفنا يقتضي أعراضاً، إما
كمية نحو: العظيم والكبير، وإما كيفية نحو الحي والقادر، أو زماناً نحو: القديم والباقي، أو
مكاناً نحو: العلي والمتعالي، أو انفعالاً نحو: الرحيم والودود، وهذه معانٍ لا تصح عليه
سبحانه وتعالى على حسب ما هو متعارف بيننا، وإن كان لها معانٍ معقولة عند أهل الحقائق،
من أجلها صح إطلاقها عليه، عز وجل.
وقال الزجاج: لا ينبغي لأحد أن يدعوه لما لم يصف به نفسه، فيقول: يا رحيم لا يا
رقيق، ويقول: يا قوي لا يا خليل، وذكر الحاكم أبو عبد الله الحسن بن الحسن الحليمي:
أن أسماء الله التي ورد بها الكتاب والسنة وإجماع العلماء على تسميته بها منقسمة بين عقائد
خمس: الأول: إثبات الباري لتقع به مفارقة التعطيل. الثاني: إثبات وحدانيته لتقع به البراءة

٣٢
٥٤ - كِتابُ الشُّروطِ / باب (١٩)
من الشرك. الثالث: إثبات أنه ليس بجوهر ولا عرض لتقع به البراءة من التشبيه. الرابع: إثبات
إن وجود كل ما سواه كان من قبل إبداعه واختراعه إياه لتقع البراءة من قول من يقول بالعلة
والمعلول. الخامس: إثبات أنه مدبر ما أبدع ومصرفه على ما يشاء، لتقع به البراءة من قول
القائلين بالطبائع أو بتدبير الكواكب، أو بتدبير الملائكة، عليهم السلام. وزعم ابن حزم أن
من زاد شيئاً في الأسماء على التسعة والتسعين من عند نفسه فقد ألحد في أسمائه، لأنه،
عليه الصلاة والسلام، قال: مائة إلاَّ واحداً، فلو جاز أن يكون له إسم زائد لكانت مائة.
١٩ - بابُ الشُّرُوطِ في الوَقْفِ
أي: هذا باب في بيان حكم الشروط في الوقف.
٢٢/ ٢٧٣٧ - حدّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ قال حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ عبْدِ الله الأنْصَارِيُّ قال
حدَّثنا ابنُ عَوْنِ قال أَنْبَأْنِي نافِعٌ عن ابنٍ ثُمَرَ رضي الله تعالى عنهما أنَّ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ
أصابَ أَرْضاً بِخَيْبَرَ فأتى النبيُّ عَّلَّهِ يَسْتَأْمِرُهُ فِيها فقال يا رسولَ الله إنِّي أَصَبْتُ أرضاً بِخَيْبَرَ
لَمْ أُصَبْ مالاً قَطُ أَنْفَسَ عِنْدِي مِنْهُ فَما تَأْمُرُنِي بِهِ قال إنْ شِئْتَ حَبَّسْتَ أَضْلَهَا وَتَصَدَّقْتَ
بِهَا قال فتَصَدَّقَ بِهَا عُمَرُ أَنَّهُ لاَ يُبَاعُ ولاَ يُوهَبُ ولا يُورَثُ وتَصَدَّقَ بِهَا في الفُقَرَاءِ وفي القُرْبى
وفي الرَّقَابِ وفي سَبِيلِ الله وابنِ السَّبِيلِ والصَّيْفِ لاَ جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيهَا أنْ يَأْكُلَ مِنْها
بِالْمَعْرُوفِ وَيُطْعمَ غَيْرَ مُتَمَوَّل قال فَحَدَّثْتُ بِهِ ابنِ سِيرِينَ فقال غَيْرَ مُتأثِّل مالاً. [انظر الحديث
٢٣١٣ وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قول عمر، رضي الله تعالى عنه: ((أنه لا يباع ... )) إلى آخره.
ومحمد بن عبد الله ... وابن عون هو عبد الله بن عون البصري. قوله: ((أنبأني نافع))، أي:
أخبرني، وقيل: الإنباء يطلق على الإجازة أيضاً.
والحديث أخرجه البخاري في الوصايا أيضاً عن قتيبة عن حماد، وأخرجه مسلم في
الوصايا عن إسحاق بن إبراهيم به. وأخرجه النسائي في الأحباس عن إسحاق بن إبراهيم به،
وعن هارون بن عبد الله وعن محمد بن المصفى بن بهلول.
قوله: ((يستأمره)، أي: يستشيره. قوله: ((أصبت أرضاً بخيير))، واسم تلك الأرض: ثمخ،
بفتح الثاء المثلثة وسكون الميم وبالغين المعجمة. قوله: ((أنفس عندي منه)) أي: أجود
وأعجب منه. قوله: ((وفي القربى))، القرابة في الرحم. وهو في الأصل مصدر تقول: بيني
وبينه قرابة وقرب وقربى ومقربة وقربة وقربة، بضم الراء وسكونها. قوله: ((وفي الرقاب))، أي:
في فك الرقاب، وهم المكاتبون يدفع إليهم شيء من الوقف تفك به رقابهم، وكذلك لهم
نصيب في الزكاة. قوله: ((وفي سبل الله))، هو منقطع الحاج ومنقطع الغزاة. قوله: ((وابن
السبيل))، وهو الذي له مال في بلد لا يصل إليها وهو فقير. قوله: ((والضيف))، من عطف
الخاص على العام، قوله: ((لا مجناح)) أي: لا إثم. («على من وليها))، أي: من ولي التحدث
عن تلك الأرض ((أن يأكل منها)) أي: من ريعها ((بالمعروف)) أي: بحسب ما يحتمل ريع

٣٣
٥٤ - كِتَابُ الشُّرُوطِ / باب (١٩)
الوقف على الوجه المعتاد. قوله: ((ويطعم) بالنصب عطف على: أن يأكل. قوله: ((غير متمول))
حال من قوله: من وليها، أي: أكله وإطعامه لا يكون على وجه التمول، بل لا يتجاوز
المعتاد. قوله: «فحدثت به ابن سيرين)).
أي: قال ابن عون: فحدثت بهذا الحديث محمد بن سيرين: ((فقال: غير متأثل مالاً»
أي: غير جامع مالاً، يقال: مال مؤثل، بالثاء المثلثة المشددة، أي: مجموع ذو أصل، وأثلة
الشيء: أصله.
ذكر ما يستفاد منه: احتج به الجمهور وأبو يوسف ومحمد على جواز الوقف، ولا
خلاف بينهم في جواز الوقف في حق وجوب التصدق بما يحصل من الوقف ما دام الواقف
حياً، حتى أن من وقف داره أو أرضه يلزمه التصدق بغلَّة الدار والأرض، ويكون ذلك بمنزلة
النذر بالغلة، ولا خلاف أيضاً في جوازه في حق زوال ملك الرقبة إذا اتصل به قضاء القاضي،
أو أضافه إلى ما بعد الموت بأن قال: إذا مت فقد جعلت داري - أو أرضي - وقفاً على كذا،
أو قال: هو وقف في حياتي، صدقة بعد وفاتي. واختلفوا في جوازه مزيلاً لملك الرقبة إذا لم
توجد الإضافة إلى ما بعد الموت، ولا اتصل به حكم حاكم، فقال أبو حنيفة: لا يجوز حتى
كان للواقف بيع الموقوف وهبته، وإذا مات يصير ميراثاً لورثته. وقال أبو يوسف ومحمد
والجمهور: يجوز حتى لا يباع ولا يوهب ولا يورث. وفيه: أن الوقف مشروع خلافاً للقاضي
شريح. وفيه: أن الوقف لا يجوز بيعه ولا هبته ولا يصير ميراثاً، لأنه صار لله تعالى، وخرج
عن ملك الواقف: واختلفوا، هل يدخل في ملك الموقوف عليه أم لا؟ فقال أصحابنا: لا
يدخل، لكنه ينتفع بغلته بالتصدق عليه، لأن الوقف حبس الأصل وتصدق بالفرع، والحبس لا
يوجب ملك المحبوس، وعن الشافعي ومالك وأحمد: ينتقل إلى ملك الموقوف عليه لو كان
أهلاً له. وعن الشافعي، في قول: ينتقل إلى الله تعالى، وهو رواية عن أصحابنا، وعن الشافعي:
أن الملك في رقبة الوقف لله تعالى، وذكر صاحب (التحرير): أنه إذا كان الوقف على
شخص، وقلنا: الملك للموقوف عليه، افتقر إلى قبضه كالهبة، وقال النووي في (الروضة):
هذا غلط ظاهر.
وفيه: أن الوقف بلفظ: حبست، بل الأصل هذه اللفظة، لأن الوقف في اللغة:
الحبس، وفي (الروضة): لا يصح الوقف إلا بلفظ، فلو بني على هيئة المساجد أو على غير
هيئتها، وأذن في الصلاة فيه لم يصر مسجداً، وألفاظه على مراتب: إحداها قوله: وقفت كذا،
أو حبست، أو سبلت، أو أرضي موقوفة أو محبسة أو مسبلة. فكل لفظ من هذا صريح، هذا
هو الصحيح الذي قطع به الجمهور، وفي وجه هذا كله كناية، وفي وجه: الوقفُ صريح
والباقي كناية. الثانية: قوله: حرمت هذه البقعة للمساكين. أو أبَّدتها أو داري محرمة، أو
مؤبَّدة، كناية على المذهب. الثالثة: تصدقت بهذه البقعة ليس بصريح، فإن زاد معه: صدقة
محرمة أو محبسة أو موقوفة التحق بالصريح، وقيل: لا بد من التقييد بأنه: لا يباع ولا
يوهب. وقالت الحنابلة: يصح الوقف بالقول، وفي الفعل الدال عليه روايتان، وإن كان الوقف
عمدة القاري/ ج١٤ م٣

٣٤
٥٤ - كِتابُ الشُّرُوطِ / باب (١٩)
على آدمي معين افتقر إلى قبوله كالوصية والهبة، وقال القاضي منهم: لا يفتقر إلى قبوله
كالعتق. وفيه: أن قيم الوقف له أن يتناول من غلة الوقف بالمعروف ولا يأخذ أكثر من
حاجته، هذا إذا لم يعين الواقف له شيئاً معيناً. فإذا عينه، له أن يأخذ ذلك قليلاً أو كثيراً.
وفيه: صحة شروط الوقف. وفيه: فضيلة ظاهرة لعمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه.
وفيه: مشاورة أهل الفضل والصلاح في الأمور وطرق الخير. وفيه: أن خيبر فتحت عنوة، وأن
الغانمين ملكوها واقتسموها واستقرت أملاكهم على حصصهم ونفذت تصرفاتهم فيها. وفيه:
فضيلة صلة الأرحام والوقف عليهم. وفيه: أن الواقف إذا أخرجه من يده إلى متولي النظر فيه
يجعله في صنف أو أصناف مختلفة، إلاَّ إذا عين الواقف الأصناف.
وفيه: ما كان نظير الأرض التي حبسها عمر، رضي الله تعالى عنه، كالدور والعقارات
يجوز وقفها، واحتج أبو حنيفة فيما ذهب إليه بقول شريح: لا حبس عن فرائض الله تعالى،
أخرجه الطحاوي عن سليمان بن شعيب عن أبيه عن أبي يوسف عن عطاء بن السائب عنه،
ورجاله ثقات، وأخرجه البيهقي في (سننه) بأتم منه، ومعناه: لا يوقف مال ولا يزوى عن ورثته
ولا يمنع عن القسمة بينهم، ويؤيد هذا ما رواه الطحاوي أيضاً من حديث عكرمة عن ابن
عباس، قال: سمعت رسول الله، عَّله يقول: بعدما أنزلت سورة النساء وأنزل فيها الفرائض،
نهى عن الحبس. وأخرجه البيهقي أيضاً، وقال: وفي سنده ابن لهيعة وأخوه عيسى وهما
ضعيفان. قلت: ما لابن لهيعة؟ وقد قال ابن وهب: كان ابن لهيعة صادقاً، وقال في موضع
آخر: وحدثني الصادق البار والله ابن لهيعة؟ وقال أبو داود: سمعت أحمد بن حنبل يقول: ما
كان محدث مصر إلاَّ ابن لهيعة؟ وعنه: مَن مثل ابن لهيعة بمصر في كثرة حديثه وضبطه
وإتقانه؟ ولهذا حدث عنه أحمد في (مسنده) بحديث كثير. وأما أخوه عيسى فإن ابن حبان
ذكره في (الثقات)، وقال الطحاوي: هذا شريح، وهو قاضي عمر وعثمان وعلي الخلفاء
الراشدين، رضي الله تعالى عنهم، قد روى عنه هذا، ووافق أبا حنيفة في هذا عطاء بن
السائب وأبو بكر بن محمد وزفر بن الهذيل.
فإن قلت: ما تقول في وقف رسول الله، عَّلَّه وفي أوقاف الصحابة بعد موت رسول
الله، عَّالله؟ قلت: أما وقف رسول الله، عَّ له فإنما جاز، لأن المانع وقوعه حبساً عن فرائض
الله، ووقفه، عليه الصلاة والسلام، لم يقع حبساً عن فرائض الله تعالى، لقوله عَّهِ: ((إنا معشر
الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة)). وأما أوقاف الصحابة بعد موته عَّ له فاحتمل أن ورثتهم
أمضوها بالإجازة، هذا هو الظاهر. فإن قلت: قال البيهقي: ولو صح هذا الخبر لكان منسوخاً.
قلت: النسخ لا يثبت إلّ بدليل، ولم يبين دليله في ذلك، فمجرد الدعوى غير صحيح.
والجواب عن حديث الباب: أن قوله عَّ له: ((إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها))، لا
يستلزم إخراجها عن ملكه، ولكنها تكون جارية على ما أجراها عليه من ذلك ما تركها،
ويكون له فسخ ذلك متى شاء، ويؤيد هذا ما رواه الطحاوي. وقال: حدثنا يونس، قال: أخبرنا
ابن وهب أن مالكاً أخبره عن زياد بن سعد عن ابن شهاب: أن عمر بن الخطاب، رضي الله

٣٥
٥٤ - كِتَابُ الشُّرُوطِ / باب (١٩)
تعالى عنه، ((قال: إني لولا ذكرت صدقتي لرسول الله، عَّهِ أو نحو هذا لرددتها))، فلما قال
عمر هذا دل أن نفس الإيقاف للأرض لم يكن يمنعه من الرجوع فيها، وإنما منعه من الرجوع
فيها أن رسول الله، عَّلِ أمره فيها بشيء وفارقه على الوفاء به، فكره أن يرجع عن ذلك، كما
كره عبد الله ابن عمرو أن يرجع بعد موت رسول الله، عٍَّ عن الصوم الذي كان فارقه عليه
أنه يفعله، وقد كان له أن لا يصوم. فإن قلت: قال ابن حزم: هذا الخبر منكر وبلية من البلايا
وكذب بلا شك. قلت: قوله: هذا بلية وكذب وتهافت عظيم، وكيف يقول هذا القول
السخيف، والحال أن رجاله علماء ثقات، فيونس من رجال مسلم، والبقية من رجال
(الصحيح) على ما لا يخفى، والله أعلم بحقيقة الحال.
٠

بسمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
٥٥ _ كِتَابُ الوَصَايا
أي: هذا كتاب في بيان أحكام الوصايا، وهو جمع وصية من: أوصى يوصي إيصاء،
ووصية ووصى يوصي توصية، وذلك موصى إليه، وأوصى لفلان بكذا أي: جعل له من ماله،
وذلك موصى له، والوصاية، بفتح الواو بمعنى الوصية، وبكسرها مصدر وأوصى إلى فلان بكذا
أي جعله وصياً وذلك موصى إليه. قال الجوهري: أوصيت له بشيء وأوصيت إليه إذا جعلته
وصيك. والاسم الوصاية بفتح الواو وكسرها، وأوصيته ووصيته إيصاء ووصية وتوصية بمعنى،
والإسم الوصاءة. قلت: الوصية في الشرع تمليك مضاف إلى ما بعد الموت. وقال الأزهري:
الوصية من وصيت الشيء بالتخفيف أصيه، إذا وصلته، وسميت: وصية لأن الميت يصل بها
ما كان في حياته بما بعد مماته، ويقال: وصَّاه ووصَاه بالتخفيف بغير همز، ويطلق شرعاً أيضاً
على ما يقع به الزجر عن المنهيات، والحث على المأمورات.
١ - بأُبُ الوَصايَا وَقَوْلِ النَّبِيِّ عَّالِ وصِيَّةُ الرَّجُلِ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ
أي: هذا باب في بيان ما ورد من قول النبي عَ لَّهِ: ((وصية الرجل مكتوبة عنده))،
ووقع في بعض النسخ، هكذا: كتاب الوصايا: بسم الله الرحمن الرحيم: ((باب الوصايا وقول
النبي، عَّمِ وصية الرجل مكتوبة عنده))، ووقع للنسفي: ((بسم الله الرحمن الرحيم كتاب
صَلى الله
الوصايا))، ولم يقع في بعض النسخ لفظ: باب، ووقع كذا: ((كتاب الوصايا، وقول النبي
وصية الرجل مكتوبة عنده، وهذا تعليق أسنده بعد، وهو قوله: ((ما حق امرىء مسلم له شيء
يوصي فيه يبيت ليلتين إلاَّ ووصيته مكتوبة عنده))، فكأنه نقله معلقاً بالمعنى. وقوله:
((وصية الرجل) مبتدأ، وقوله: ((مكتوبة عنده))، خبره، والمعنى: وصية الرجل ينبغي أن تكون
مكتوبة عنده، وإنما ذكره بهذه الصورة قصداً للمبالغة وحثاً على كتابة الوصية.
وقَوْلِ اللهِ تعَالى ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ إِنْ تَرَكَ خيراً الوَصِيَّةَ
لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بالمَعْرُوفِ حقًّاً علَى المُتَّقِينَ، فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ فِنَّمَا إِثْمُهُ
على الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهِ إِنَّ الله سَمِيعٌ عَلِيمٌ فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جِئْفاً أوْ إِثْماً فأصْلَحَ
بَيْتَهُمْ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ الله غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٨٠، ١٨٢].
وقول الله، بالجر عطف على قوله: قول النبي، عَِّ، وفي بعض النسخ: ((وقال الله
تعالى: ﴿كتب عليكم .. ﴾ [البقرة: ١٨٠، ١٨٢]. إلى آخره، وهذه الآيات الثلاث مذكورة
هكذا عند الأكثرين، وعند النسفي الآية الأولى. فقط. وقوله: ﴿كتب عليكم﴾ [البقرة:
١٨٠، ١٨٢]. الآية، اشتملت على الأمر بالوصية للوالدين والأقربين، وقد كان ذلك واجباً
على أصح القولين قبل نزول آية المواريث، فلما نزلت آية المواريث نسخت هذه وصارت
المواريث المقررة فريضة من الله تعالى يأخذها أهلوها حتماً من غير وصية، ولا تحمل أمانة
الوصي، ولهذا جاء في الحديث في (السنن) وغيرها، عن عمرو بن خارجة، قال: سمعت
٣٦

٣٧
٥٥ ـ كِتابُ الوَصَايا / باب (١)
رسول الله، عَ لَه، يخطب وهو يقول: ((إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية
لوارث)). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح، حدثنا حجاج بن محمد
أخبرنا ابن جريج وعثمان بن عطاء عن عطاء عن ابن عباس في قوله: الوصية للوالدين
والأقربين، نسختها هذه الآية: ﴿للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب
مما ترك الوالدان والأقربون مما قل منه أو كثر نصيباً مفروضاً﴾ [النساء: ٧]. ثم قال ابن أبي
حاتم: وروي عن ابن عمرو وأبي موسى وسعيد بن المسيب والحسن ومجاهد وعطاء وسعيد
ابن جبير ومحمد بن سيرين وعكرمة وزيد بن أسلم والربيع بن أنس وقتادة والسدي ومقاتل
ابن حيان وطاوس وإبراهيم النخعي وشريح والضحاك والزهري: أن هذه الآية منسوخة،
نسختها آية المواريث، والعجب من الرازي كيف حكى في (تفسيره الكبير) عن أبي مسلم
الأصفهاني: أن هذه الآية غير منسوخة، وإنما هي مفسرة بآية المواريث، ومعناه: كتب عليكم
ما أوصى الله به من توريث الوالدين والأقربين، من قوله: ﴿يوصيكم الله في أولادكم﴾
[النساء: ١١]. قال: وهو قول أكثر المفسرين والمعتبرين من الفقهاء، قال: ومنهم من قال:
إنها منسوخة فيمن يرث، ثابتة فيمن لا يرث، وهو مذهب ابن عباس والحسن ومسروق
والضحاك ومسلم بن يسار والعلاء بن زياد، قال ابن كثير: وبه قال أيضاً سعيد بن جبير
والربيع بن أنس ومقاتل بن حيان، ولكن على قول هؤلاء لا يسمى نسخاً في اصطلاحنا
المتأخر، لأن آية المواريث إنما رفعت حكم بعض أفراد ما دل عليه عموم آية الوصية، لأن
الأقربين أعم ممن يرث ومن لا يرث، فرفع حكم من يرث بما عين له وبقي الآخر على ما
دلت عليه الآية الأولى، وهذا إنما يتأتى على قول بعضهم: إن الوصاية في ابتداء الإسلام إنما
کانت ندباً حتی نسخت.
فأما من قال: إنها كانت واجبة، وهو الظاهر من سياق الآية فتعين أن تكون منسوخة
بآية الميراث، كما قاله أكثر المفسرين، والمعتبرون من الفقهاء، فإن وجوب الوصية للوالدين
والأقربين الوارثين منسوخ بالإجماع، بل منهي عنه للحديث المتقدم: ((إن الله أعطى كل ذي
حق حقه فلا وصية لوارث))، فآية المواريث حكم مستقل، ووجوب من عند الله لأهل
الفروض والعصبات، رفع بها حكم هذه بالكلية بقي الأقارب الذين لا ميراث لهم، يستحب
له أن يوصي لهم من الثلث استئناساً بآية الوصية وشمولها، والآيات والأحاديث بالأمر ببر
الأقارب والإحسان إليهم كثيرة جداً. قوله: ﴿إِن ترك خيراً﴾ [البقرة: ١٨٠]. أي: مالاً، قاله
ابن عباس ومجاهد وعطاء وسعيد بن جبير وأبو العالية وعطية العوفي والضحاك والسدي
والربيع بن أنس ومقاتل بن حيان وقتادة وغيرهم، ثم منهم من قال: الوصية مشروعة، سواء قل
المال أو كثر، كالوراثة. ومنهم من قال: إنما يوصي إذا ترك مالاً جزيلاً ثم اختلفوا في مقداره،
فقال ابن أبي حاتم، بإسناده إلى عروة، قال: قيل لعلي، رضي الله تعالى عنه: إن رجلاً من
قريش قد مات وترك ثلاثمائة ديناراً، أو أربعمائة دينار، ولم يوصٍ! قال: ليس بشيء، إنما قال
الله: ﴿إِن ترك خيراً﴾ [البقرة: ١٨٠]. وقال الحاكم بن أبان: حدثني عكرمة عن ابن عباس:

٣٨
٥٥ ـ كِتَابُ الوَصَايا / باب (١)
إن ترك خيراً، قال ابن عباس: من لم يترك ستين ديناراً لم يترك خيراً. وقال الحكم: قال
طاوس: لم يترك خيراً من لم يترك ثمانين ديناراً. وقال قتادة: كان يقال: ألفاً، فما فوقها. قوله:
﴿بالمعروف﴾ [البقرة: ١٨٠]. أي: بالرفق والإحسان، وقال الحسن: المعروف أن يوصي
لأقربائه وصية لا يجحف ورثته من غير إسراف ولا تقتير. قوله: ﴿حقاً﴾ [البقرة: ١٨٠]. أي:
واجباً على المتقين الذي يتقون الشرك. قوله: ﴿فمن بدله﴾ [البقرة: ١٨١]. أي: فمن بدل
ما ذكر من الوصية بعدما سمعه، والتبديل يكون بالتحريف وتغيير الحكم، وبالزيادة وبالنقصان
أو بالكتمان. وقال ابن عباس وغير واحد: قد وقع أجر الميت على الله وتعلق الإثم بالذين
بدلوا ﴿إِن الله سميع عليم﴾ [البقرة: ١٨١]. أي: قد اطلع على ما أوصى به الميت، وهو
عليم بذلك، وبما بدله الموصى إليهم. قوله: ﴿فمن خاف من موص﴾ [البقرة: ١٨٢]. أي:
فمن خشي، وقيل: علم، لأن الخوف يستعمل بمعنى العلم، كما في قوله تعالى: ﴿وانذر به
الذين يخافون﴾ [الأنعام: ٥١]. ﴿إلاَّ أن يخافا أن لا يقيما حدود الله﴾ [البقرة: ٢٢٩].
﴿وإن خفتم شقاق بينهما﴾ [النساء: ٣٥]. قرىء بالتشديد والتخفيف، والجنف الميل على
ما نذكره عن قريب، وقرأ علي، رضي الله تعالى عنه: ((حيفاً)) بالحاء المهملة وسكون الياء
آخر الحروف. قوله: ﴿فَأصلح بينهم﴾ [البقرة: ١٨٢]. أي: بين الورثة والمختلفين في
الوصية. ﴿فلا إثم عليه﴾ [البقرة: ١٨٢]. لأنه متوسط، وليس بمبدل ﴿إن الله غفور رحيم﴾
[البقرة: ١٨٢]. حيث لم يجعل على عباده حرجاً في الدين.
جَنَفَاً مَيْلاً مُتَجانِفٌ مَائِلٌ
هذا من تفسير البخاري، وهو منقول عن عطاء، رواه الطبري عنه كذا بإسناد صحيح.
قوله: ((متجانف مائل)) كذا هو في رواية أبي ذر، وفي رواية غيره: متمايل، وقال أبو عبيد:
غير متجانف لإثم أي: غير متعوج مائل: للإثم، ونقل الطبري عن ابن عباس وغيره أن معناه
غير متعمد لإثم.
١/ ٢٧٣٨ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قال أخبرنا مالِكٌ عنْ نافِعٍ عِنْ عَبْدِ الله بنٍ
عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما أنَّ رسولَ الله عَ لِّ قال ما حقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُوصِي
فيه يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إِلاَّ وَوَصِيَتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ.
مطابقته للترجمة أباب قول النبي، عَّم ظاهرة، والحديث رواه عبد الله بن نمير وعبيدة
ابن سليمان عن عبيد الله بن عمر عن نافع، کما رواه مالك. ورواه يونس بن یزید عن نافع
أيضاً كذلك، وكذا رواه ابن وهب عن عمرو بن الحارث عن سالم بن عبد الله عن أبيه.
ورواه مسلم من حديث عبيد الله عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله، عَّله، قال: ((ما حق
امرىء مسلم له شيء يريد أن يوصي فيه يبيت ليلتين إلاَّ ووصيته مكتوبة عنده))، ورواه
من حديث ابن شهاب عن سالم عن أبيه أنه سمع رسول الله، عَ لّم قال: ((ما حق امرىء
مسلم له شيء يوصي فيه ببيت ثلاث ليال إلاَّ ووصيته عنده مكتوبة)).

٣٩
٥٥ _ كِتابُ الوَصَايا / باب (١)
وأخرجه الترمذي من حديث أيوب عن نافع عن ابن عمر، قال: قال النبي، عَ له: ((ما
حق امرىء مسلم يبيت ليلتين وله ما يوصي فيه إلاَّ ووصيته عنده مكتوبة))، وأخرجه
النسائي عن محمد بن سلمة عن أبي القاسم عن مالك به. وأخرجه ابن ماجه من حديث
عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر نحو رواية مسلم.
ذكر معناه: قوله: ((ما حق امرىء مسلم)) كلمة: ما، بمعنى: ليس، هكذا وقع في أكثر
الروايات بلفظ مسلم، وليست هذه اللفظة في رواية أحمد عن إسحاق بن عيسى عن مالك،
والوصف بالمسلم هنا خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له، وذكر للتهييج لتقع المبادرة لامتثاله
لما يشعر به من نفي الإسلام عن تارك ذلك، وعن قريب نحرر ذلك. قوله: ((له شيء)). جملة
وقعت صفة. لامرىء. قوله: ((يوصي فيه)) جملة فعلية وقعت صفة لقوله: شيء. قوله: ((يبيت
ليلتين))، جملة فعلية وقعت صفة أخرى لامرىء، وقال بعضهم: يبيت، كان فيه حذفاً،
تقديره: أن يبيت، هو كقوله: ﴿ومن آياته يريكم البرق﴾ [الروم: ٢٤]. انتهى. قلت: وهذا
قياس فاسد وفيه تغيير المعنى أيضاً، وإنما قدر أن في قوله: يريكم، لأنه في موضع الابتداء،
لأن قوله: ومن آياته، في موضع الخبر، والفعل لا يقع مبتدأ فيقدر: أن، فيه حتى يكون في
معنى المصدر فيصح حينئذ وقوعه مبتدأ، فمن له ذوق من العربية يفهم هذا ويعلم تغيير
المعنى فيما قال.
قوله: ((إلاَّ ووصيته))، مستثنى، وهو خبر: ليس، والواو فيه للحال. وقال صاحب
(المظهر): قيد ليلتين تأكيد وليس بتحديد، يعني لا ينبغي له أن يمضي عليه زمان وإن كان
قليلاً إلاَّ ووصيته مكتوبة، وقال الطيبي: في تخصيص ليلتين تسامح في إرادة المبالغة، أي: لا
ينبغي أن يبيت ليلة، وقد سامحناه في هذا المقدار، فلا ينبغي أن يتجاوز عنه. وقال النووي
في (شرح مسلم): وفي رواية: ثلاث ليال. قلت: هو رواية مسلم والنسائي من طريق الزهري
عن سالم عن أبيه: يبيت ثلاث ليال، والحاصل أن ذكر الليلتين أو الثلاث لرفع الحرج
لتزاحم أشغال المرء التي يحتاج إلى ذكرها، ففسح له هذا المقدار ليتذكر ما يحتاج إليه،
واعلم أن لفظ مالك في هذا الحديث لم تختلف الرواة فيه عنه، وفي رواية أحمد عن سفيان
عن أيوب بلفظ: ((حق على كل مسلم أن لا يبيت ليلتين وله ما يوصي فيه .. )) الحديث ورواه
الشافعي، رحمه الله، عن سفيان بلفظ: (((ما حق امرىء يؤمن بالوصية ... )) الحديث، قال ابن
عبد البر: فسره ابن عيينة: أي يؤمن بأنها حق. وأخرجه أبو عوانة من طريق هشام بن الغاز عن
نافع بلفظ: ((لا ينبغي لمسلم أن يبيت ليلتين ... )) الحديث، وأخرجه الإسماعيلي من طريق
روح بن عبادة عن مالك وابن عون جميعاً عن نافع بلفظ: ((ما حق امرىء مسلم له مال یرید
أن يوصي فيه ... )) وذكره ابن عبد البر من طريق ابن عوف بلفظ: ((لا يحل لامرىء مسلم له
مال)) وأخرجه الطحاوي أيضاً، والله أعلم.
ذكر ما يستفاد منه: فيه: حث على الوصية، واحتجت به الظاهرية أنها واجبة، وقال
الزهري: جعل الله الوصية حقاً مما قل أو كثر، قيل لأبي مجلز: على كل مثر وصية؟ قال:
:

٤٠
٥٥ - كِتَابُ الوَصَايا / باب (١)
كل من ترك خيراً، وقال ابن حزم: وروينا من طريق عبد الرزاق عن الحسن بن عبد الله، قال:
كان طلحة بن عبيد الله والزبير يشددان في الوصية، وهو قول عبد الله بن أبي أوفى وطلحة
ابن مصرف والشعبي وطاوس وغيرهم. قال: وهو قول أبي سليمان وجميع أصحابنا، وقالت:
طائفة ليست الوصية بواجبة. كان الموصي موسراً أو فقيراً، وهو قول النخعي والشعبي
والثوري ومالك والشافعي، وقال ابن العربي: أما السلف الأول فلا نعلم أحداً قال بوجوبها.
وقال النخعي والشعبي: الوصية للوالدين والأقربين على الندب، وقال الضحاك وطاوس:
الوصية للوالدين والأقربين واجبة بنص القرآن إذا كانوا لا يرثون: وقال طاوس: من أوصى
لأجانب وله أقرباء انتزعت الوصية فردت للأقرباء. وقال الضحاك: من مات وله شيء ولم
يوصٍ لأقربائه فقد مات عن معصية لله، عز وجل، وقال الحسن وجابر بن زيد وعبد الملك
ابن يعلى، فيما ذكره الطبري: إذا أوصى رجل لقوم غرباء بثلثه وله أقرباء، أعطي الغرباء ثلث
المال ورد الباقي على الأقرباء.
وقال الطبري: وحكي عن طاوس أن جميع ذلك ينتزع من الموصى لهم، ويدفع لقرابته
لأن آية البقرة عندهم محكمة. وقال أصحابنا الحنفية: الوصية مستحبة لأنها إثبات حق في
ماله فلم تكن واجبة كالهبة والعارية، وليس الاستدلال على وجوب الوصية بحديث الباب
بصحيح، لأن ابن عمر - راوي الحديث - لم يوصٍ، ومحال أن يخالف ما رواه لو كان
واجباً، وردّ ذلك بأنه إن ثبت فالعبرة لما روي لا بما رأى. وأجيب عنه: بأن في ذلك نسبته
إلى مخالفة النبي، عَّله، وحاشاه من ذلك، فإذا روي عنه أنه لم يوصٍ على أن الحديث لم
يدل على الوجوب لمانع عن ذلك ظهر عنده لآن أمور المسلمين محمولة على الصلاح
والسداد، ولا سيما مثل هذا الصحابي الجليل المقدار.
فإن قلت: ثبت في (صحيح مسلم) أنه قال: ((لم أبت ليلة إلاَّ ووصيتي مكتوبة
عندي)). قلت: يعارضه ما أخرجه ابن المنذر وغيره: عن حماد بن زيد عن أيوب عن نافع،
قال: قيل لابن عمر في مرض موته: ألا توصي؟ قال: أما ما لي فالله يعلم ما كنت أصنع فيه،
وأما رباعي فلا أحب أن يشارك ولدي فيها أحد، فإذا جمعنا بينهما بالحمل على أنه كان
يكتب وصيته ويتعاهدها، ثم صار ينجز ما كان يوصي به معلقاً، وإليه الإشارة بقوله: الله يعلم
ما كنت أصنع في مالي، ولعل الحامل له على ذلك حديث: ((إذا أمسيت فلا تنتظر
الصباح ... )) الحديث، سيأتي في الرقاق، فصار ينجز ما يريد التصدق به، فلم يحتج إلى
تعليق. ونقل ابن المنذر عن أبي ثور أن المراد بوجوب الوصية في الآية والحديث يختص بمن
عليه حق شرعي يخشى أن يضيع على صاحبه إن لم يوصٍ به: كوديعة ودين لله أو الآدمي،
قال: ويدل على ذلك تقييده بقوله: له شيء يريد أن يوصي فيه، لأن فيه إشارة إلى قدرته
على تنجيزه، ولو كان مؤجلاً فإنه إذا أراد ذلك ساغ له، وإن أراد أن يوصي به ساغ له.
وفيه: جواز الاعتماد على الكتابة والخط ولو لم تقترن ذلك بالشهادة، وبه قال أحمد
ومحمد بن نصر من الشافعية وقال الشافعي: معنى هذا الحديث ما الحزم والاحتياط للمسلم