Indexed OCR Text
Pages 381-400
٣٨١ ٥٣ - كِتَابُ الصَّلْحِ / باب (٢) إلى أن أتاهم رسول الله، عَ لّه، فأنزل الله هذه الآية، وأمر نبيه والمؤمنين أن يصلحوا بينهم. وقال السدي: كانت امرأة من الأنصار - يقال لها: أم زيد - تحت رجل، وكان بينها وبين زوجها شيء، قال: فرقى بها إلى علية وحبسها فيها، فبلغ ذلك قومها، فجاؤوا وجاء قومه فاقتتلوا بالأيدي والنعال، فأنزل الله تعالى: ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا﴾ [الحجرات: ٩]. ذكر ما يستفاد منه: فيه: بيان ما كان النبي، عَّ لِ، عليه من الصفح والحلم والصبر على الأذى والدعاء إلى الله تعالى، وتأليف القلوب على ذلك. وفيه: أن ركوب الحمار لا نقص فيه على الكبار، وكان ركوبه عَّلَّه على سبيل التشريع، ركب مرة فرساً لأبي طلحة في فزع كان بالمدينة، وركب يوم حنين بغلته ليثبت المسلمون إذا رأوه عليها، ووقف بعرفة على راحلته، وسار منها إلى مزدلفة وهو عليها ومن مزدلفة إلى منى وإلى مكة. وفيه: ما كان عليه الصحابة من تعظيم رسول الله، عَّ له، والأدب معه والمحبة الشديدة. وفيه: جواز المبالغة في المدح، لأن الصحابي أطلق على أن ريح الحمار أطيب من ريح عبد الله بن أبي، ولم ينكر عليه النبي، عَّ له، في ذلك. وفيه: إباحة مشي التلامذة والشيخ راكب. ٢ - بابٌ لَيْسَ الكاذِبُ الَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ أي: هذا باب يذكر فيه ليس الكاذب الذي يصلح بين الناس، لأن فيه دفع المفسدة، وقمع الشرور ومعناه: أن هذا الكذب لا يعد كذباً بسبب الإصلاح، مع أنه لم يخرج من حقيقته. فإن قلت: الذي فى الحديث: ((ليس الكذاب))، فلفظ الترجمة لا يطابقه قلت: في لفظ مسلم من رواية معمر عن ابن شهاب كلفظ الترجمة، فلا يضر هذا القدر من الاختلاف، وقال بعضهم: وكان حق السياق أن يقول: ليس من يصلح بين الناس كاذباً، لكنه ورد على طريق القلب، وهو سائغ، انتهى. قلت: الذي ذكره هو حق السياق، لأن الحديث هكذا، فراعى المطابقة، غير أن الاختلاف في لفظ الكذاب والكاذب، وكلاهما لفظ النبي عَ لّه، في حديث واحد، فلا يعد اختلافاً، ودعوى القلب لا دليل عليه، مع أن معنى قوله في الحديث: ((ليس الكذاب))، أنه من باب ذي كذا، أي: ليس بذي كذب، كما قيل في قوله تعالى: ﴿وما ربك بظلام للعبيد﴾ [فصلت: ٤٦]. أي: وما ربك بذي ظلم، لأن نفي الظلامية لا يستلزم نفي كونه ظالماً، فلذلك يقدر كذا، لأن الله تعالى لا يظلم مثقال ذرة، يعني ليس عنده ظلم أصلاً. ٢٦٩٢/٣ - حدّثنا عبْدُ العزِيزِ بنُ عَبْدِ الله قالِ حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ سَعْدٍ عنْ صالِحٍ عنِ ابنِ شِهَابٍ أَنَّ حُمَيْدَ بنَ عَبْدِ الرَّحْمِنِ أخبرَهُ أنَّ أُمَّهُ أُمَّ كَلْثُوم بنْتَ عُقْبَةَ أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا سَمِعَتْ رسولَ اللهِ، عَلَّهِ يَقُولُ لَيْسَ الكَذَّابُ الَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ فَيَنْمِي خَيْرَاً أَوْ يَقولُ خَيْراً. مطابقته للترجمة ظاهرة. ٣٨٢ ٥٣ - كِتَابُ الصَّلْحِ / باب (٢) ذكر رجاله: وهم ستة: الأول: عبد العزيز بن عبد الله بن يحيى بن عمرو بن أويس الأويسي، وفي بعض النسخ لفظ الأويسي مذكور، وهو نسبته إلى أحد أجداده. الثاني: إبراهيم بن سعد بن عبد الرحمن بن عوف. الثالث: صالح بن كيسان. الرابع: محمد بن مسلم بن شهاب الزهري. الخامس: حميد، بضم الحاء: ابن عبد الرحمن بن عوف بن عبد عوف. السادس: أمه، أم كلثوم، بنت عقبة، بضم العين وسكون القاف: ابن أبي معيط، كانت تحت زيد بن حارثة، ثم تزوجها عبد الرحمن بن عوف فولدت له إبراهيم وحميداً، ثم تزوجها الزبير بن العوام، ثم تزوجها عمرو بن العاص، وهي أخت الوليد بن عقبة وأخت عثمان بن عفان لأمه، أسلمت وهاجرت وبايعت وكانت هجرتها سنة سبع. ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: الإخبار بصيغة الإفراد في موضعين. وفيه: العنعنة في موضعين. وفيه: السماع. وفيه: أن شيخه من أفراده. وفيه: أن كلهم مدنيون. وفيه: ثلاثة من التابعين في نسق وهم: صالح وابن شهاب وحميد. وفيه: رواية الابن عن الأم. وفيه: رواية التابعي عن الصحابية. ذكر من أخرجه غيره: أخرجه مسلم في الأدب عن عمرو بن الناقد وعن حرملة. وأخرجه أبو داود فيه عن نصر بن علي، وعن مسدد وعن أحمد بن محمد وعن الربيع بن سليمان. وأخرجه الترمذي في البر عن أحمد بن منيع، وأخرجه النسائي في السير عن عبيد الله بن سعيد وفي عشرة النساء عن محمد بن زنبور وعن كثير بن عبيد وعن أبي الطاهر بن السرح. ذكر معناه: قوله: ((الذي يصلح بين الناس)) في محل النصب لأنه خبر: ليس، ويصلح، بضم الياء من الإصلاح. قوله: ((فينمي))، من: نمى الحديث إذا رفعه وبلغه على وجه الإصلاح، وأنماه إذا بلغه على وجه الإفساد، وكذلك: نماه، بالتشديد. وقال ابن فارس: نميت الحديث إذا أشعته. ونميت بالتخفيف: أسندته، وقال الزجاج في (فعلت وأفعلت) نميت الشيء وأنميته بمعنى، وفي (فصيح ثعلب): نمى ينمي أي: زاد، وكثر وحكى اللحياني: ينمو، بالواو قال: وهما لغتان فصيحتان، وفيه لغة أخرى حكاها ابن القطاع وغيره: نَّمُوَ، على وزن: شرف، وقال الكسائي: لم أسمعه بالواو إلا من أخوين من بني سليم. قال: ثم سألت عنه بني سليم فلم يعرفوه بالواو، وفي (الصحاح): ربما قالوا بالواو، وينمو، وفي (الواعي) وغيره: ينمى أفصح، وذكر أبو حاتم في (تقويم المفسد): لا يقال: ينمو. وعن الأصمعي: العامة يقولون ينمو، ولا أعرف ذلك يثبت، وذكر الليلي: أن بعض اللغويين فرق بين ينمي وينمو، فقال: ينمي بالياء للمال، وبالواو لغير المال، وقال الحربي: وأكثر المحدثين يقولون: نمى خيراً، بتخفيف الميم، وهذا لا يجوز في النحو، وسيدنا رسول الله، عَّ أفصح الناس، ومن خفف الميم يلزمه أن يقول: خير، بالرفع انتهى. لقائل أن يقول: يجوز أن ينتصب خيراً: بينمى، كما ينتصب: بقال، وذكر ابن قرقول عن القعنبي: ينمي، بضم الياء وكسر الميم، قال: وليس بشيء، ووقع في رواية: ينتهي، ذلك، ٣٨٣ ٥٣ - كِتَابُ الصَّلْحِ / باب (٢) بالهاء، وهو تصحيف. وقد يخرج على معنى أن يبلغ به من: أنهيت الأمر إلى كذا، أي: أوصلته إليه. وفي (المحكم): أنميته: أذعته على وجه النميمة. قوله: ((أو يقول خيراً)، شك من الراوي، وزاد مسلم في رواية يعقوب بن إبراهيم بن سعد عن أبيه عن صالح عن الزهري، قالت: ولم أسمعه يرخص في شيء مما يقول الناس إلاَّ في ثلاث: يعني: الحرب، والإصلاح بين الناس، وحديث الرجل امرأته وحديث المرأة زوجها، وجعل يونسٍ هذه الزيادة عن الزهري، فقال: لم أسمع يرخص في شيء مما يقول الناس: كذب إلاَّ في ثلاث، وعند الترمذي: لا يحل الكذب إلاَّ في ثلاث: يحدث الرجل امرأته ليرضيها، والكذب في الحرب، والكذب ليصلح بين الناس، وقال الطبري: اختلف العلماء في هذا الباب، فقالت طائفة: الكذب المرخص فيه في هذه هو جميع معاني الكذب، فحمله قوم على الإطلاق، وأجازوا قول ما لم يكن في ذلك لما فيه من المصلحة، فإن الكذب المذموم إنما هو فيما فيه مضرة للمسلمين، واحتجوا بما رواه عبد الملك بن ميسرة عن النزال بن سبرة، قال: كنا عند عثمان وعنده حذيفة، فقال له عثمان: بلغني عنك أنك قلت كذا وكذا، فقال حذيفة: والله ما قلته، قال: وقد سمعناه قال ذلك، فلما خرج قلنا له: أليس قد سمعناك تقوله؟ قال: بلى، قلنا: فَلِمَ حلفت؟ فقال: إني أستر ديني بعضه ببعض مخافة أن يذهب كله، وقال آخرون: لا يجوز الكذب في شيء من الأشياء، ولا الخبر عن شيء بخلاف ما هو عليه، وما جاء في هذا إنما هو على التورية وطريق المعاريض، تقول للظالم: فلان يدعو لك، وتنوي قوله: اللهم اغفر لجميع المسلمين، ويعد زوجته وبنته، ويريد في ذلك أن قدر الله تعالى أو إلى مدة. وكذلك الإصلاح بين الناس، وحديث المرأة زوجها يحتمل أنه مما يحدث أحدهما الآخر من وده له واغتباطه به، والكذب في الحرب هو أن يظهر من نفسه قوة ويتحدث بما يشحذ به بصيرة أصحابه ويكيد به عدوه، وقد قال سيدنا رسول الله، عَ لَّهِ: ((الحرب خدعة)) وقال المهلب: ليس لأحد أن يعتقد إباحة الكذب، وقد نهى النبي، عَِّ عن الكذب نهياً مطلقاً، وأخبر أنه مخالف للإيمان، فلا يجوز استباحة شيء منه، وإنما أطلق النبي، عَ ليه، للمصلح بين الناس أن يقول ما علم من الخير بين الفريقين ويسكت عما سمع من الشر بينهم، وبعد أن يسهل ما صعب ويقرب ما بعد، لا أنه يخبر بالشيء على خلاف ما هو عليه، لأن الله قد حرم ذلك ورسوله، وكذلك الرجل يعد المرأة ويمنيها وليس هذا من طريق الكذب، لأن حقيقته الإخبار عن الشيء على خلاف ما هو عليه، والوعد لا يكون حقيقة حتى ينجز، وإلانجاز مرجو في الاستقيال، فلا يصلح أن يكون كذباً، وكذلك في الحرب إنما يجوز فيها المعاريض والإبهام بألفاظ تحتمل وجهين، فيوري بها عن أحد المعنيين ليغتر السامع بأحدهما عن الآخر، وليس حقيقته الإخبار عن الشيء بخلافه وضده، ونحو ذلك ما روي عن رسول الله، عَّ أنه مازح عجوزاً، فقال: ((إن العُجَّز لا يدخلن الجنة)). فأوهمها في ظاهر الأمر أنهن لا يدخلن الجنة أصلاً، وإنما أراد: أنهن لا يدخلن الجنة إلاَّ شباباً، فهذا وشبهه من المعاريض التي فيها مندوحة عن الكذب، وأما صريح الكذب فليس بجائز لأحد. ٣٨٤ ٥٣ - كِتَابُ الصَّلْحِ / باب (٣) وأما قول حذيفة، رضي الله تعالى عنه، فإنه خارج من معاني الكذب الذي روي عن رسول الله، عَّلِ أنه أذن فيها، وإنما ذلك من جنس إحياء الرجل نفسه عند الخوف، كالذي يضطر إلى الميتة ولحم الخنزير فيأكل ليحيي نفسه، وكذلك الخائف، له أن يخلص نفسه ببعض ما حرم الله تعالى عليه، وله أن يحلف على ذلك ولا حرج عليه ولا إثم، قال عياض: وأما المخادعة في منع حق عليه أو عليها أو أخذ ما ليس له أو لها فهو حرام بالإجماع. ٣ - بابُ قَوْلِ الإِمام لأصْحَابِهِ اذْهَبُوا بِنَا نُصْلِخْ أي: هذا باب في بيان قول الإمام ... إلى آخره. قوله: ((نصلح))، مجزوم لأنه جواب الأمر. ٤/ ٢٦٩٣ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الله قال حدَّثنا عبْدُ العَزِيزِ بنُ عَبْدِ الله الأويسِيُّ وإِسْحَاقُ بنَ مُحَمَّدِ الفَرْوِيُّ قالا حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ جَعْفَرَ عنْ أَبِي حازِمٍ عِنْ سَهْلِ بنِ سَعْدٍ رضي الله تعالى عنه أنَّ أهْلَ قُباءٍ اقْتَتَلُوا حَتَّى تَرَاموا بالحِجَارَةِ فَأَخْبِرَ رَسُولُ اللهِ عَ لَّهِ بِذَلِكَ فقال اذْهَبُوا بِنا نُصْلِحُ بَيْتَهُمْ. [انظر الحديث ٦٨٤ وأطرافه]. مطابقته للترجمة ظاهرة، ومحمد بن عبد الله هو محمد بن يحيى بن عبد الله بن خالد بن فارس بن ذؤيب أبو عبد الله الذهلي النيسابوري، روى عنه البخاري في قريب من ثلاثين موضعاً، ولم يقل: حدثنا محمد بن يحيى الذهلي مصرحاً، ويقول: حدثنا محمد، ولا يزيد عليه، وربما يقول: محمد بن عبد الله، فينسبه إلى جده، ويقول أيضاً: محمد بن خالد، وينسبه إلى جد أبيه، والسبب في ذلك أن البخاري، لما دخل نيسابور شغب عليه محمد بن يحيى الذهلي في مسألة خلق اللفظ، وكان قد سمع منه، فلم يترك الرواية عنه ولم يصرح باسمه، مات بعد البخاري بيسير، سنة سبع وخمسين ومائتين، وأما عبد العزيز بن عبد الله الأويسي فهو أيضاً من مشايخ البخاري، وقد روى عنه بلا واسطة في الباب الذي قبله، وروى هنا بواسطة محمد بن يحيى، وهكذا وقع في رواية الأكثرين، ووقع في رواية النسفي وأبي أحمد الجرجاني بإسقاطه، وصار الحديث عندهما: عن البخاري عن عبد العزيز وإسحاق بن محمد بن إسماعيل بن عبد الله بن أبي فروة أبو يعقوب الفروي، وهو أيضاً من مشايخ البخاري، روى عنه وعن محمد غير منسوب عنه، وهو من أفراده، وعبد العزيز وإسحاق كلاهما رويا عن محمد بن جعفر بن أبي كثير عن أبي حازم: سلمة بن دينار عن سهل بن دينار عن سهل بن سعد الأنصاري، وهذا الحديث طرف من حديث سهل بن سعد الذي مضى في أول كتاب الصلح. قوله: ((نصلح))، يجوز بالجزم وبالرفع، أما الجزم: فلأنه جواب الأمر. وأما الرفع فعلى تقدير: نحن نصلح. وفيه: خروج الإمام مع أصحابه للإصلاح بين الناس عند تفاقم أمورهم وشدة تنازعهم. وفيه: ما كان عٍَّ من التواضع والخضوع والحرص على قطع الخلاف وحسم دواعي الفرقة ٣٨٥ ٥٣ - كِتَابُ الصَّلْحِ / باب (٤) عن أمته، كما وصفه الله تعالی. ٤ - بابُ قَوْلِ الله تعالى: ﴿أَنْ يَصَّالَحَا بِيْنَهُمَا صُلْحاً والصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء: ١٢٨]. أول الآية، قوله تعالى: ﴿وإن امرأة خافت من بعلها نشوزاً أو إعراضاً فلا جناح عليهما أن يصَّالحا بينهما صلحاً والصلح خير، وأحضرت الأنفس الشح، وإن تحسنوا وتتقوا فإن الله كان بما تعملون خبيراً﴾ [النساء: ١٢٨]. يقول الله تعالى مخبراً ومشرعاً عن حال الزوجين تارة في حال نفور الرجل عن المرأة، وتارة في حال اتفاقه منها، وتارة عند فراقه لها. فالحالة الأولى: ما إذا خافت المرأة من زوجها أن ينفر عنها أو يعرض عنها، فلها أن تسقط عنه حقها أو بعضه من نفقة أو كسوة أو مبيت أو غير ذلك من حقوقها عليه، وله أن يقبل ذلك منها، فلا جناح عليها في بذلها ذلك له، ولا عليه في قبوله منها، ولهذا قال الله تعالى: ﴿فلا جناح عليهما أن يصالحها بينهما صلحاً﴾ [النساء: ١٢٨]. ثم قال: ﴿والصلح خير﴾ [النساء: ١٢٨]. أي: من الفراق. وروى أبو داود الطيالسي: حدثنا سليمان بن معاذ عن سماك بن حرب عن عكرمة عن ابن عباس، قال: خشيت سودة أن يطلقها رسول الله، عَّ فقالت: يا رسول الله! لا تطلقني، واجعل يومي لعائشة، ففعل ونزلت هذه الآية: ﴿وإن امرأة خافت﴾ [النساء: ١٢٨]. الآية ورواه الترمذي عن محمد بن المثنى عن أبي داود الطيالسي. وقال: حسن غريب، وقيل: نزلت في رافع بن خديج طلق زوجته واحدة وتزوج شابة، فلما قارب انقضاء العدة قالت: أصالحك على بعض الأيام، ثم لم تسمح، فطلقها أخرى ثم سألته ذلك فراجعها، فنزلت هذه الآية، قوله: ﴿نشوزاً﴾ النشوز أصله الارتفاع، فإذا أساء عشرتها ومنعها نفسه والنفقة فهو نشوز، وقال ابن فارس: نشز بعلها إذا جفاها وضربها، وقال الزمخشري: النشوز أن يتجافى عنها، بأن يمنعها الرحمة التي بين الرجل والمرأة، وأن يؤذيها بسب أو ضرب، والإعراض أن يعرض عنها بأن يقل محادثتها ومؤانستها، وذلك لبعض الأسباب من طعن في سن أو دمامة أو شيء في خُلق أو خَلق أو ملال أو نحو ذلك. قوله: ﴿أن يصَّالحَا﴾ أصله: أن يتصالحا، فأبدلت التاء صاداً وأدغمت الصاد في الصاد، فصار: يصالحا، وقرىء: ((أن يصلحا)) أي: أن يصطلحا، وأصله: يصتلحا، فأبدلت التاء صاداً وأدغمت في الأخرى، وقرىء: أن يصلحا. وقوله: ﴿صلحا﴾ [النساء: ١٢٨]. في معنى مصدر كل واحد من الأفعال الثلاثة. قوله: ﴿والصلح خير﴾ [النساء: ١٢٨]. أي: من الفرقة أو من النشوز والإعراض وسوء العشرة. قال الزمخشري: هذه الجملة اعتراض، وكذلك قوله: ﴿وأحضرت الأنفس الشح﴾ [النساء: ١٢٨]. ومعنى إحضار الأنفس الشح: أن الشح جعل حاضراً لها لا يغيب عنها أبداً، ولا تنفك عنه، يعني أنها مطبوعة عليه، والغرض أن المرأة لا تكاد تسمح بقسمتها، والرجل لا يكاد نفسه تسمح بأن يقسم لها وأن يمسكها إذا القارى ١-٢٥٥/١٣ ٣٨٦ ٥٣ - كِتَابُ الصَّلْحِ / باب (٥) رغب عنها، وأحب غيرها. قوله: ﴿وإن تحسنوا﴾ [النساء: ١٢٨]. أي: بالإقامة على نسائكم وتتقوا النشوز والإعراض، وما يؤدي إلى الأذى والخصومة، ﴿فإن الله كان بما تعملون﴾ [النساء: ١٢٨]. من الإحسان والتقوى ﴿خبيراً﴾ [النساء: ١٢٨]. يثيبكم عليه. ٢٦٩٤/٥ - حدّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سعِيدٍ قال حدَّثنا سُفْيَانُ عنْ هِشَامٍ بنِ عُزْوَةَ عنْ أَبِيهِ عنْ عائِشَةَ رضي الله تعالى عنها ﴿وإنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً﴾ [النساء: ١٢٨]. قالَتْ هُوَ الرَّجُلُ يَرى منِ امْرَأْتِهِ ما لاَ يُعْجِبُهُ كِبَراً أوْ غَيْرُهُ فَيُرِيدُ فِرَاقَهَا فَتَقُولُ أَمْسِكْنِي واقْسِمْ لي ما شِئْتَ قالتْ فَلا بَأْسَ إذَا تَراضَيا. [انظر الحديث ٢٤٥٠ وطرفيه]. هذا الحديث تفسير عائشة، رضي الله تعالى عنها، هذه الآية، وسفيان هو ابن عيينة، قوله: كبراً، بالنصب بيان لقوله: ما لا يعجبه، أي: كبر السن أو غيره من سوء خلق أو خلق، ويروى وغيره، بالواو. قوله: ((فتقول))، أي المرأة تقول لزوجها: الرجل وامرأته، ودل هذا على أن ترك التسوية بين النساء وتفضيل بعضهم على بعض لا يجوز إلاّ بإذن المفضولة ورضاها، ويدخل في هذا المعنى جميع ما يقع بين الرجل والمرأة في: مال أو وطء أو غير ذلك، وكل ما تراضيا عليه من الصلح فهو حلال للرجل، من زوجته للآية المذكورة، ونقل الداودي عن مالك: أنها إذا رضيت بالبقاء بترك القسم لها أو الإنفاق عليها، ثم سألت العدل، كان ذلك لها، والذي قاله في المدونة، ذكره في القسم لها، وأما النفقة فيلزمها ذلك إذا تركته، والفرق أن الغيرة لا تملك بخلاف النفقة. ٥ - بابٌ إِذَا اصْطَلَحُوا على صُلْحِ جَوْرٍ فالصُّلْحُ مَرْدُودٌ أي: هذا باب يذكر فيه: إذا اصطلح قوم على صلح جور، الجور في الأصل الظلم، يقال: جار جوراً، أي: ظلماً، ولفظ: جور، يجوز أن يكون صفة لصلح، ويجوز أن يكون مضافاً إليه قوله ((فالصلح)) بالفاء جواب إذا المتضمنة معنى الشرط. ٢٦٩٥/٦ _ ٢٦٩٦ _ حدَّثنا آدَمُ قال حدَّثنا ابنُ أبي ذِئبٍ قال حدَّثنا الزُّهْرِيُّ عنْ عُبَيْدِ الله بنِ عِبْدِ الله عنْ أبِي هُرَيْرَةَ وَزَيْدِ بنِ خَالِدِ الجُهَنِيِّ رضي الله تعالى عنهُما قالا جاءَ أَعْرَابِيٌّ فقال يا رسولَ الله اقْضٍ بَيْنَنَا بِكتابِ الله فقامَ خَصْمُهُ فقال صدَقَ اقْضٍ بيْنَنَا بِكِتَابٍ الله فقال الأعْرَابِيُّ إنَّ ابني كانَ عَسِيفاً على هذَا فَزَنَى بامْرَأتِهِ فقالوا لي على ابْنِكَ الرَّجْمُ فَفَدَيْتُ ابْنِي مِنْهُ بِمَائَةٍ مِنَ الغَنَمِ ووَلِيدَةٍ ثُمَّ سألْتُ أهْلَ العِلْمِ فقالوا إَّمَا عَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مِائَةٍ وتَغْرِيبُ عامٍ فقال النبيُّ عَّمِ لأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللهِ أَمَّا الوَلِيدَةُ والغَنَمُ فَرَدِّ عَلَيْكَ وعلى ابْنِكَ جَلْد مِائَةٍ وتَغْرِيبُ عامٍ وأمَّا أَنْتَ يا أَنَيْسُ لرَجُلٍ فَأَغْدُ على امْرَأَةُ هُذَا فَارْجُمْهَا فَغَدَا عَلَيْهَا أُنَيْسٌ فَرَجَمَهَا. [انظر الحديثين ٢٣١٤ و٢٣١٥ وأطرافهما]. مطابقته للترجمة في قوله: ((أما الوليدة والغنم فرد عليك))، لأنه في معنى الصلح عما وجب على العسيف من الحد، ولم يكن ذلك جائزاً في الشرع فكان جوراً. ٣٨٧ ٥٣ - كِتَابُ الصَّلْحِ / باب (٥) وآدم هو ابن أبي إياس: واسمه عبد الرحمن، أصله من خراسان، سكن في عسقلان. وابن أبي ذئب هو محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب، والزهري هو محمد بن مسلم، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود. وبعض هذا الحديث مر في الوكالة في: باب الوكالة في الحدود، وقد مر الكلام فيما يتعلق به وبتعدد موضعه ومن أخرجه غيره، ولنتكلم بما يتعلق به هنا. ذكر معناه: قوله: ((بكتاب الله)) أي: بحكم كتاب الله تعالى. فإن قلت: هذا وخصمه كانا يعلمان أنه عَ لِّ لا يحكم إلاَّ بكتاب الله، فما معنى قولهما: إقض بيننا بكتاب الله تعالى؟ قلت: ليفصل بينهما بالحكم الصرف، لا بالصلح، إذ لحاكم أن يفعل ذلك لكن برضاهما. قوله: ((عسيفاً))، أي: أجيراً، ويجمع على: عسفاء، ذكره الأزهري وعسفة، على غير قياس، ذكره ابن سيده، وقيل: كل خادم عسيف، وقال ابن الأثير: وعسيف فعيل بمعنى مفعول كأسير، أو بمعنى: فاعل، كعليم من العسف الجور أو الكفاية. قوله: ((على هذا))، إنما قال: على هذا، ولم يقل: لهذا، ليعلم أنه أجير ثابت الأجرة عليه، وإنما يكون كذلك إذا لابس العمل وأتمه، ولو قال: لهذا، لم يلزم ذلك. قوله: ((ووليدة))، أي: قوله: ((ثم سألت أهل العلم))، أراد بهم الصحابة الذين كانوا يفتون في عصر النبي، عَّه، وهم الخلفاء الأربعة وثلاثة من الأنصار: أبي بن كعب ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت، رضي الله تعالى عنهم. قوله: ((وتغريب عام))، التغريب، بالغين المعجمة: النفي عن البلد الذي وقعت فيه الجناية، يقال: أغربته وغرّبته إذا نحيته وأبعدته، والغرب البعد. قوله: ((الأقضين بينكما بكتاب الله))، أي: بحكمه، إذ ليس في الكتاب ذكر الرجم، وقد جاء الكتاب بمعنى الفرض قال تعالى: ﴿كتب عليكم الصيام﴾ [البقرة: ١٨٣]. أي: فرض، ويحتمل أن يكون: فرض أولاً ثم نسخ لفظه دون حكمه، على ما روي عن عمر، رضي الله تعالى عنه، أنه قال: قرأناها فيما أنزل الله تعالى: ﴿الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة بما قضيا من اللذة﴾ [النساء: ١٦]. ويقال: الرجم، وإن لم يكن منصوصاً عليه في القرآن باسمه الخاص، فإنه مذكور فيه على سبيل الإجمال، وهو قوله عز وجل: ﴿فآذوهما﴾ [النساء: ١٦]. والأذى يتسع في معناه الرجم وغيره من العقوبة. قوله: ((فردٌّ عليك))، رد مصدر، ولهذا وقع خبراً، والتقدير: فهو رد، أي: مردود عليك، ويروى: ((فترد عليك))، على صيغة المجهول من المضارع. قوله: ((يا أنيس))، - تصغير أنس - قيل: هو ابن الضحاك الأسلمي يعد في الشاميين، ومخرج حديثه عليهم، وقد حدث عن النبي، عَ لَّه، وقال ابن التين: هو تصغير - أنس بن مالك - خادم رسول الله، عَِّ، وذهب ابن عبد البر إلى أنه الضحاك بن مرثد الغنوي والأول أشهر، قوله: («فاغدُ) أي: ائتها غدوة، قاله ابن التين، ثم قال: قيل فيه تأخير الحكم إلى الغد، وقال غيره: ليس معناه أمض إليا بكرة، بل معناه: إمش إليها، وكذا معنى قوله: فغدا عليها، أي: مشى إليها. قوله: ((فرجمها))، أي: بعد أن ثبت باعترافها، فإن قلت: ما الحكمة في تخصيص أنيس بهذا الحكم؟ قلت: لأنه عَ لَّ ما كان ٣٨٨ ٥٣ - كِتَابُ الصَّلْحِ / باب (٥) يأمر في القبيلة إلاَّ رجلاً منها لنفورهم من حكم غيرهم، وأنيساً كان أسلمياً، والمرأة كانت أسلمیة. ذكر ما يستفاد منه: من ذلك احتج به الأوزاعي والثوري وابن أبي ليلى والحسن بن أبي حي، والشافعي وأحمد وإسحاق، على أن الرجل إذا لم يكن محصناً وزنى فإنه يجلد مائة جلدة ويغرب عاماً. وقال أبو عمر: لا خلاف بين المسلمين إن البكر إذا زنى يجلد مائة جلدة. واختلفوا في التغريب، فقال مالك: ينفى الرجل ولا تنفى المرأة، ولا العبد، وقال الأوزاعي: ينفى الرجل ولا تنفى المرأة، وقال الثوري والشافعي والحسن بن حي: ينفى الزاني إذا مجلِدَ، امرأة كان أو رجلاً. واختلف قول الشافعي في العبد، فقال مرة: استحيى الله في تغريب العبد، وقال مرة: ينفى العبد نصف سنة، وقال مرة: ينفى سنة إلى غير بلده، وبه وقال الطبري، وقال الترمذي: وقد صح عن رسول الله، عَّ ل النفي والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي، عَّه، منهم أبو بكر وعمر وعلي وأبي بن كعب وعبد الله بن مسعود وأبو ذر وغيرهم، وكذلك روي عن غير واحد من التابعين، وهو قول سفيان الثوري، ومالك بن أنس وعبد الله بن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق، وقال إبراهيم النخعي وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر: البكر إذا زنى جلد مائة ولا ينفى، إلاَّ أن يرى الإمام أن ينفيه للدعارة التي كانت منه، فينفيه إلى حيث أحب، كما ينفي الدعارة غير الزناة. قلت: الدعر والدعارة الشر والفساد. ومدة نفي الدعار موكولة إلى رأي الإمام، وروي عن عمر، رضي الله تعالى عنه، أنه غرب في الخمر، وكان عمر إذا غضب على رجل نفاه إلى الشام، وروي عن علي ابن أبي طالب، رضي الله تعالى عنه، أنه قطع يد سارق ونفاه إلى زرارة، وهي قرية قريبة من الكوفة، وكذا جاء النفي في المخنثين على ما يجيء في الكتاب، إن شاء الله تعالى. واحتج أبو حنيفة ومن معه في ذلك بحديث أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني: أنَّ رسول الله، عَّ لِ سئل عن الأمة إذا زنت ولم تحصن فقال: ((إذا زنت ولم تحصن فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها، ثم بيعوها ولو بضفير ... )) الحديث، قالوا: فلما قال رسول الله، عَّه في الأمة: إذا زنت أن تجلد، ولم يأمر مع الجلد، نفي، وقال الله تعالى: ﴿فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب﴾ [النساء: ٢٥]. فأعلمنا بذلك أن ما يجب على الإماء إذا زنين هو نصف ما يجب على الحرائر إذا زنين، ثم ثبت أن لا نفي على الأمة إذا زنت، كذلك أيضاً لا نفي على الحرة إذا زنت، وقال الطحاوي: وقال الطحاوي: وقد رويناه عن رسول الله، عَّله، أنه نهى عن أن تسافر المرأة ثلاثة أيام إلاَّ مع محرم، فدل ذلك أن تسافر المرأة في حد الزنى ثلاثة أيام بغير محرم، فدل ذلك أن لا تسافر المرأة في حد الزنى ثلاثة أيام بغير محرم، وفي ذلك إبطال النفي عن النساء في الزنى. وانتفى ذلك عن الرجال أيضاً، لأن في درئه إياه عن الحرائر دليل على درئه عن الأحرار. فإن قلت: يلزم الحنفية على ما ذكروا أن لا يمنعوا من تغريب المرأة إلى ما دون ثلاثة أيام. قلت: ٣٨٩ ٦٠ - كِتابُ أَحَادِيثِ الأنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ / باب (٢١) من ذرية إبراهيم لقوله تعالى: ﴿ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ... ﴾ [الأنعام: ٨٤]. الآية، والمشهور أن الضمير عائد إلى إبراهيم دون نوح، عليهما الصلاة والسلام، وكانت أمه من ولد لوط بن هاران، وقال ابن الجوزي: وأمه بنت لوط، عليه الصلاة والسلام، وكان أيوب في زمن يعقوب وتزوج ابنة يعقوب واسمها رحمة، وقيل: دنيا، وقيل: ليا، وقيل: إنما تزوج أيوب رحمة بنت ميشا بن يوسف بن يعقوب. وقيل: رحمة بنت إفرائيم بن يوسف، وذكر ابن الجوزي في (التبصرة): أنه كان في زمن يعقوب ولكن لم يكن نبياً في زمانه ونبىء بعد يوسف، عليه السلام، وقيل: كان بعد سليمان، روي عن مقاتل، وكان أيوب رجلاً غنياً وكان له خمسمائة فدان يتبعها خمسمائة عبد، لكل عبد امرأة وولد وتحمل آلة كل فدان أتان، لكن أتان ولد من اثنين وثلاثة وأربعة وخمسة وفوق ذلك. وقيل: له ست مائة عبد ولكل عبد امرأة ومال، وكان له ثلاثة عشر ولداً وكان كثير الضيافة على مذهب إبراهيم، عليه الصلاة والسلام، وكان يكفل الأرامل واليتامى ويحمل المنقطعين وما كان يشبع حتى يشبع الجائع، ولا يكتسي حتى يكسو العاري. قوله: ((إذ نادى ربه)) أي: حين نادى ربه، أي: حين دعا ربه: إني مسني الضر، قرأ حمزة: مسني، بسكون الياء والباقون بفتحها، والضر، بالضم: الضرر في النفس من مرض وهزال، وبالفتح: الضرر في كل شيء. واختلفوا في معنى قوله: إني مسني الضر؟ فقيل: قال ذلك عند بيع امرأته قرناً من شعرها لشيء اشتهاه فلم يقدر عليه. وقيل: إنما قال ذلك لما سمع نفراً يقولون: إنما أصيب هذا لذنب عظيم فعله. وقيل: إنما قال ذلك عند انقطاع الوحي عنه أربعين يوماً، فخاف الهجران. وقيل: إنما قال ذلك عند أكل الدود جميع جسده، ثم أراد الدَّب إلى قلبه. وقيل: إنما قال ذلك عن تأخر زوجته عنه أياماً لمرض حصل لها فلم يبق من ينظر في أمره. وقال الحسن: أتى إبليس إلى امرأته بسخلة، فقال: قولي له ليذبحها لي حتى يبرأ، فجاءت وحكت بذلك، فقال: كدت أن تهلكيني. لئن فرج الله عني لأجلدنك مائة، تأمريني أن أذبح لغير الله ثم طردها عنه وبقي وحيداً ليس له معين، فقال: مسني الضر، وقيل غير ذلك. فإن قلت: فَلِمَ لَم يدعُ أول ما نزل به البلاء؟ قلت: لأنه علم أمر الله فيه، ولا تصرف للعبد مع مولاه، وأراد مضاعفة الثواب فلم يسأل كشف البلاء. قوله: ((وأنت أرحم الراحمين)) تعريض منه بسؤال الرحمة إذ أثنى عليه بأنه أرحم وألطف في السؤال حيث ذكر نفسه بما يوجب الرحمة، وذكر ربه بغاية الرحمة، ولم يصرح بالمطلوب، وقال بعضهم: لم يثبت عند البخاري في قصة أيوب شيء فاكتفى بهذا الحديث الذي على شرطه، قلت: إنه أراد به حديث الباب، وفيما قاله نظر لعدم الدليل على عدم ثبوت غير هذا الحديث عنده، ولا يلزم من عدم ذكره غير هذا الحديث أن لا يكون عنده شيء غير هذا الحديث على شرطه، ثم قال: وأصح ما ورد في قصته ما أخرجه ابن أبي حاتم وابن جرير وابن حبان والحاكم من طريق نافع بن يزيد عن عقيل عن الزهري عن أنس، أن ٣٩٠ ٦٠ - كِتابُ أَحَادِيثِ الأنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ / باب (٢١) أيوب عَّ الله ابتلي فلبث في بلائه ثلاث عشرة سنة فرفضه القريب والبعيد ... الحديث، وروى أحمد بن وهب عن عمه عبد الله بن وهب: أخبرنا نافع عن يزيد عن عقيل عن ابن شهاب عن أنس مرفوعاً: أن أيوب مكث في بلائه ثمان عشرة سنة، وعن خالد بن دريك: أصابه البلاء على رأس ثمانين سنة من عمره، وعن ابن عباس: مكث في البلاء سبع سنين وكان أصابه بعد السبعين من عمره، وعن ابن عباس: سبع سنين وسبعة أشهر وسبعة أيام وسبع ساعات، وقال الحسن: مكث أيوب مطروحاً على كناسة مزبلة لبني إسرائيل سبع سنين وأشهراً، وقال الطبري وابن الجوزي، رحمهم الله تعالى: كان عمره حين مات ثلاثاً وتسعين سنة، وقيل: عاش مائة وستاً وأربعين سنة، ودفن في الموضع الذي ذهب فيه بلاؤه، وهو بالبثنية بالشام، وقبره ظاهر بها. ارْكُضْ اضْرِبْ يَرْكُضُونَ يَعْدُونَ أشار به إلى ما في قوله تعالى في قصة أيوب عليه السلام: ﴿أركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب﴾ [ص: ٤٢]. المعنى: اضرب برجلك الأرض وحرك هذا مغتسل فيه إضمار معناه، فركض فنبعت عين، فقيل: هذا مغتسل أي: هذا ماء مغتسل بارد وشراب أي: يغتسل به ويشرب منه، ولما أمره الله بذلك ركض برجله الأرض فنبعت عين فاغتسل فيها فلم يبق عليه شيء من الداء وعاد إليه شبابه وجماله أحسن ما كان، ثم ضرب برجله فنبعت عين أخرى فشرب منها، فلم يبق في جوفه داء إلاَّ خرج فقام صحيحاً وكسي حلة. وقال السدي: جاء جبريل، عليه السلام، بحلة من الجنة فألبسها. فإن قلت: كان يكفيه ركضة واحدة؟ قلت: الركضة الأولى لزوال الضرر. والثانية: دليل الفرح والطرب بالعافية بشربة منها، وإنما خص الرّجل بالركض لأن العادة جارية بأن تنبع الماء من تحت الرّجل فكان ذلك معجزة له. قوله: ((يركضون)) أشار به إلى ما في قوله تعالى: ﴿إذا هم منها يركضون﴾ [الأنبياء: ١٢]. وفسره بقوله: يعدُون، وفسره الفراء بقوله: يهربون، ووجه ذكر هذا كون: أركض ويركضون، من مادة واحدة. ٦٠م/٣٣٩١ - حدَّثني عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدِ الجُعْفِيُّ حِدَّثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أخبرنا مَعْمَرٌ عِنْ هَمَّامٍ عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنه عنِ النَّبِيِّ عَّ ◌ُلّهِ قال بَيْتَمَا أَيُّوبُ يَغْتَسِلُ عُزِيَانَاً خَرَّ عَلَيْهِ رِجْلُ جَرَادٍ مِنْ ذَهَبٍ فَجَعَلَ يَخْشِي في ثَوْبِهِ فَتَادَي رَبُّهُ يا أيّوبُ أَلَمْ أَكُنْ أَغْنَيْتُكَ عَمَّا تَرَى قال بَلَى يا رَبِّ وَلَكِنْ لاَ غِنَى لِي عِنْ بَرَكَتِكَ. [انظر الحديث ٢٧٩ وطرفه]. مطابقته للترجمة ظاهرة من حيث إن عقيب قوله: ﴿ربي إني مسني الضر﴾ [الأنبياء: ٨٣]. جاء الوحي بقوله: ﴿اركض برجلك﴾ [ص: ٤٢]. فركض فنبع الماء فاغتسل فيه، وهو عريان، فنزل عليه رجل جراد، ورواة هذا قد مروا غير مرة. والحديث مر في الطهارة في: باب من اغتسل عرياناً، ومر الكلام فيه. وقد ذكرنا غير مرة أن أصل: بينا، بين، فأشبعت الفتحة بالألف ويضاف إلى جملة ٣٩١ ٦٠ - كِتابُ أَحَادِيثِ الأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ / باب (٢٢) وهي: أيوب مبتدأ، ويغتسل خبره، وعرياناً نصب على الحال. قوله: ((خر)) أي: سقط، وهو جواب: بينا، وقد ذكرنا أيضاً أن الأفصح في جوابه أن يكون بلا: إذ قوله: ((رجل))، بكسر الراء وسكون الجيم وهو جماعة من الجراد، كما يقال: سرب من الظباء، وعانة من الحمر، وهو من أسماء الجماعات التي لا واحد لها من لفظها. قوله: ((يحثي))، بالثاء المثلثة أي: يأخذ بيديه جميعاً في رواية بشير بن نهيك: يلتقط، وروى ابن أبي حاتم من حديث ابن عباس: فجعل أيوب ينشر طرف ثوبه فيأخذ الجراد فيجعله فيه، فكلما امتلأت ناحية نشر ناحية. قوله: ((فناداه ربه)) يحتمل: أن يكون بواسطة أو بلا واسطة أو بإلهام. قوله: ((بلى))، أي: أغنيتني. قوله: ((لا غنى لي))، بكسر الغين المعجمة مقصور بلا تنوين، وخبر: لا، يجوز أن يكون قوله: لي، أو قول: من بركته، ويروى: من فضلك، وقال وهب: تطاير الجراد من الماء الذي اغتسل فيه، وكان له أندران أحدهما: القمح، والآخر: الشعير، فبعث الله سحابتين، فأفرغت إحداهما على أندر القمح ذهباً، والأخرى فضة، وتطاير الجراد على الكل، وإنما خص الجراد لكثرته. وقال الخطابي: فيه: دلالة على أن من نثر عليه دراهم أو نحوها في إملاك ونحوه أنه أحق بما نثر عليه، وتعقبه ابن التين فقال: ليس كما ذكره لأنه شيء خص الله به نبيه أيوب، وإن ذلك شيء من فعل الآدمي فيكره فعله، لأنه من السرف وينازع في كونه خاصاً، وبأنه جاء من الشارع ولا سرف فيه. ٢٢ - بابُ قَوْلِ الله تعالى ﴿واذْكُرْ في الْكِتَابِ مُوسَى إنَّهُ كانَ مُخْلِصَاً وكانَ رسولاً نبِيَّاً ونادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُورِ الأَيَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم: ٥١]. كَلَّمَهُ ﴿وَوَهَبْنا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيَّا﴾ [: ٥١ - ٥٣]. أي: هذا باب يذكر فيه موسى وهارون وبيان ذلك في قول الله تعالى: ﴿واذكر في الكتاب﴾ إلى آخره، وهذا كله مذكور في رواية كريمة، وفي رواية أبي ذر إلى قوله: ﴿نجياً﴾ فحسب. قوله: ((واذكر)) خطاب للنبي عَّهِ. قوله: ((في الكتاب))، أي: القرآن. قوله: ((مخلصاً)، قرأ الكسائي وحمزة وحفص عن عاصم بفتح اللام أي: أخلصه الله وجعله خالصاً من الدنس مختاراً، وقرأ الباقون بكسر اللام أي: الذي وحد الله وجعل نفسه خالصة في طاعة الله تعالى غير دنسة. قوله: ((وناديناه))، أي: دعوناه وكلمناه ليلة الجمعة من جانب الطور وهو جبل بين مصر ومدين. قوله: ((الأيمن))، قيل: صفة للطور، وقيل: للجانب، وقيل: لموسى فإنه جاء النداء من يمين موسى. قوله: ((وقربناه نجيا)) مناجياً، قيل: حتى سمع صريف القلم حين كتب له في الألواح. قوله: ((من رحمتنا))، أي: من أجل رحمتنا له أو بعض رحمتنا، فعلى الأولى قوله: أخاه، مفعول: وهبنا وعلى الثاني: بدل وهارون، عطف بيان كقولك: رأيت رجلاً أخاك زيداً، وكان هارون أكبر من موسى بثلاث سنين، وقال مقاتل: ذكر الله تعالى موسى في القرآن في مائة وثمانية عشر موضعاً، وذكر الله هارون في أحد عشر موضعاً، وموسى، على وزن فعلى من الموس، وهو حلق الشعر والميم أصلية، وقال الليث: ٣٩٢ ٦٠ - كِتابُ أَحَادِيثِ الأنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ / باب (٢٢) اشتقاقه من الماء والشجر: فمو ماء وسا شجر، لحمال التابوت: والماء، وهو عبراني عرب، وهو ابن عمران ابن قاهث بن لاوي بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل عليهم الصلاة والسلام وذكر بعضهم عاذر بعد قاهث ونكح عمر أن تجيب بنت اشمويل بن بركيا بن يقشان ابن إبراهيم فولدت له هارون وموسى عليهما الصلاة والسلام، وقيل: اسم أمهما أناجيا، وقيل: أباذخت، وقال السهيلي: أبا ذخا، وقال ابن إسحاق: تجيب، وقال الثعلبي: يوخايذ، وهو المشهور، وولد موسى وقد مضى من عمر عمران سبعون سنة، وجميع عمر عمران مائة وسبع وثلاثون سنة. يقالُ لِلْوَاحِدِ ولِلاثْنَيْنِ والجَمْعِ نَجِيُّ وِيُقالُ خَلَصُوا نَجِيًّا اغْتَزَلُوا نَجِيًّا والجَمْعُ أَنْجِيَةٌ يَتَنَاجَوْنَ النجي: بفتح النون وكسر الجيم وتشديد الياء آخر الحروف، قال ابن الأثير: هو المناجي وهو المخاطب للإنسان المحدث له، وذكر البخاري: أنه يقال للواحد نجي وللاثنين نجي وللجمع نجي. وفي (المطالع): يقال رجل نجى ورجلان نجي ورجال نجي ومثله في رواية الأصيلي في قوله تعالى: ((خلصوا نجيا)) وأوله: ﴿فلما استيأسوا منه خلصوا نجيا﴾ [يوسف: ٨٠]. وفسره البخاري بقوله: ويقال خلصوا نجيا: اعتزلوا نجياً أي: فلما يئسوا من يوسف خلصوا نجياً، أي: اعتزلوا وانفردوا عن الناس خالصين لا يخالطهم سواهم. قال الزمخشري: ذوي نجوى أو فوجاً نجياً، أي: مناجياً بعضهم بعضاً، قال الزجاج: انفردوا متناجين فيما يعملون في ذهابهم إلى أبيهم من غير أخيهم، وذكر البخاري هذا تأكيداً لما قبله من أن النجي يطلق على الجمع، لأن نجياً في الآية بمعنى: المتناجين، ونصبه على الحال، وقال الزمخشري: النجي على معنيين، يكون بمعنى المناجي كالعشير والسمير بمعنى المعاشر والمسامر، ومنه قوله تعالى: ﴿وقربناه نجياً﴾ [مريم: ٥٢]. وبمعنى المصدر الذي هو التناجي كما قيل: النجوى بمعناه، ومنه قيل: قوم نجي، كما قيل: هم صديق لأنه بزنة المصادر. قوله: ((والجمع أنجية)) أراد به النجي إذا أريد به المفرد فقط يكون جمعه أنجية، كما في قول الشاعر: واضطرب اليوم اضطراب الأرشيه وإذا ما القوم كانوا أنجيه قوله: ((يتناجون)) أشار به إلى ما في قوله تعالى: ﴿ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى ثم يعودون لما نهوا عنه ويتناجون بالإثم والعدوان ... ﴾ [المجادلة: ٨]. الآية، نزلت في اليهود، وكانت بينهم وبين النبي عَّ الموادعة، فإذا مرَّ بهم رجل من أصحاب النبي عَّه جلسوا يتناجون فيما بينهم حتى يظن المؤمن أنهم يتناجون بقتله أو بما يكره، فيترك الطريق عليهم من المخافة فبلغ ذلك النبي عَ له، فنهاهم عن النجوى فلم ينتهوا فعادوا إلى النجوى، فأنزل الله هذه الآية. تَلَقَّفُ تَلَقَّمُ أشار به إلى ما في قوله تعالى: ﴿وأوحينا إلى موسى أن ألقِ عصاك فإذا هي تلقف ما ٣٩٣ ٦٠ - كِتَابُ أَحَادِيثِ الأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ / باب (٢٣) يأفكون﴾ [الأعراف: ١١٧]. وفسره بقوله: تلقم، وكذا فسره أبو عبيدة. ٦١ / ٣٣٩٢ - حدَّثنا عبدُ الله بنُّ يُوسُفَ حدَّثني عُقَيْلٌ عنِ ابن شِهابٍ سَمِعْتُ عُرْوَةً قال قالَتْ عَائِشَةُ رضي الله تعالى عنهَا فَرَجَعَ النبيُّ عَ لَّه إلى خَدِيجَةَ يَرْجُفُ فُؤَادُهُ فانْطَلَقَتْ بِهِ إلَى ورَقَّةَ بنِ نَوْفَلٍ وكانَ رَجُلاً تَنَصَّرَ يَقْرَأَ الإِنْجِيلَ بالعَرَبِيَّةِ فقال ورَقَةُ ماذَا تَرَى فَأَخْبَرَهُ فقال ورَقَةُ هذَا النَّامُوسُ الَّذِي أَنْزَلَ الله عَلَى مُوسى وإنْ أَدْرَكَنِي يَوْمُكَ أَنْصُرْكَ نَصْرَاً مُؤَزَّرَاً. النَّامُوسُ صاحِبُ السِّرِّ الَّذِي يُطْلِعُهُ بِمَا يَسْتُرُهُ عنْ غَيْرِهِ. [انظر الحديث ٣ وأطرافه]. مطابقته للترجمة في قوله: ((هذا الناموس الذي أنزل الله على موسى، عليه الصلاة والسلام)) وهذا قطعة من الحديث الذي رواه في أول الكتاب مطولاً عن يحيى بن بكير عن . الليث عن عقيل عن عروة بن الزبير عن عائشة أم المؤمنين، رضي الله تعالى عنها، وقد مر الكلام فيه مستوفىّ. قوله: ((والناموس ... )) إلى آخره من كلام البخاري، وقد مر تحقيقه هناك : فليرجع إليه من أراد أن يقف عليه. ٢٣ _ بابُ قَوْلِ الله عَزَّ وَجَلَّ ﴿وهَلْ أَتَاكَ حَديثُ مُوسَى إِذْ رَأى ناراً﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿بِالْوَادِي الْمُقَدَّسِ طُوّى﴾ [طه: ٩ - ١٢]. أي: هذا باب يذكر فيه قوله تعالى: ﴿وهل أتاك حديث موسى إذ رأى ناراً فقال لأهله امكثوا إني آنست ناراً لعلِّي آتيكم منها بقبس أو أجد على النار هدى » فلما أتاها نودي يا موسى إني أنا ربك فاخلع نعليك إنك بالوادي المقدس طوى﴾ [طه: ٩ - ١٢]. قوله: (وهل أتاك)) أي: قد أتاك، لأن: هل، هنا لا تليق أن تكون للاستفهام، لأنه لا يجوز على الله تعالى. قوله: ((إذ رأى) أي: حين رأى، عن وهب: استأذن موسى شعيباً في الرجوع إلى أمه فخرج إلى أهله فولد له في الطريق ابن في ليلة شاتية مظلمة مثلجة، فحاد موسى عن الطريق وقدح النار فلم تور المقدحة شيئاً، فبينا هو يزاول ذلك أبصر ناراً من بعيد عن يسار الطريق، قيل: كانت ليلة الجمعة، فقال موسى لأهله: امكثوا مكانكم إني آنست أي أبصرت ناراً لعلي آتيكم منها أي: من النار بقبس أي: بشعلة، القبس: النار المقتبسة في رأس عود أو فتيلة أو غيرهما. قوله: ((أو أجد على النار هدى))، يعني: من يدلني على الطريق، أو ينفعني بهداه في أبواب الدين. قوله: ((فلما أتاها))، أي: فلما أتى موسى النار رأى شجرة خضراء من أسفلها إلى أعلاها كأنها نار بيضاء تتقد، وسمع تسبيح الملائكة، ورأى نوراً عظيماً فخاف فألقيت عليه السكينة، ونودي: ﴿يا موسى إني أنا ربك فاخلع نعليك﴾، قيل: سبب أمره بخلع نعليه أنهما كانتا من جلد حمار ميت غير مذبوح، فخلع موسى نعليه وألقاهما من وراء الوادي. قوله: ((إنك بالوادي المقدس))، أي: المطهر، طوى إسم وادٍ، قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمر وبالتنوين منصرفاً بتأويل المكان، والباقون بغير تنوين غير منصرف بتأويل البقعة، وقيل للوادي المقدس: طوی طوى، مرتين أي: قدس، مرتین، وقيل: نودي نداءین. ٣٩٤ ٦٠ - كِتابُ أحَادِيثِ الأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ / باب (٢٣) آنَسْتُ أَبْصَرْتُ يعني: معنى آنست أبصرت من الإيناس، وهو الإبصار البين الذي لا شبهة فيه، ومنه إنسان العين: لأنه يتبين به الشيء، والإنس لظهورهم، وقيل: الإيناس: إبصار ما يؤنس به. قال ابنُ عَّاسِ المُقَدَّسُ الْمُبَارَكُ وقع هذا من قول ابن عباس إلى آخر ما ذكره من تفسير الألفاظ المذكورة في رواية أبي ذر عن المستملي والكشميهني خاصة، ولم يذكره جميع رواة البخاري هنا، وإنما ذكروا بعضه في تفسير سورة طه، وقال الكرماني: وذكر أمثال هذا في هذا الكتاب العظيم الشأن اشتغال بما لا يعنيه، وقول ابن عباس: وصله علي بن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عنه. طُوَى اسْمُ الوَادِي وقد ذكرناه، وروى الطبري من وجه آخر عن ابن عباس، رضي الله تعالى عنه: أنه سمي طوّى لأن موسى مَ له، طواه ليلاً. سِيرَتَها حالَتَهَا أشار به إلى ما في قوله تعالى: ﴿سنعيدها سيرتها الأولى﴾ [طه: ٢١]. وفسر السيرة بالحالة، وهكذا روي عن ابن عباس، وعن مجاهد وقتادة: سيرتها: هيئتها. والنُّهَى التَّقَى أشار به إلى ما في قوله تعالى: ﴿إن في ذلك لآيات لأولي النهى﴾ [طه: ٥٤ و١٢٨]. وفسر النهى: بالتقى، كذا رواه الطبري من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، في قوله: لأولي النهى، قال: لأولي التقى، وعن قتادة: لأولي الورع، وقال الطبري، خص أولي النهى لأنهم أهل التفكر والاعتبار. ◌ِلْكِنا بأمرِنَا أشار به إلى ما في قوله تعالى: ﴿ما أخلفنا موعدك بملكنا﴾ [طه: ٨٧]. وفسره بقوله: بأمرنا، وهكذا روى الطبري من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، ومن طريق سعيد عن قتادة: بملكنا، أي: بطاقتنا، وكذا قال السدي. هَوَى شَقِي أشار به إلى ما في قوله تعالى: ﴿ومن يحلل عليه غضبي فقد هوى﴾ [طه: ٨١]. وفسره بلفظ: شقي، وكلاهما ماضيان، وكذا روي عن الطبري وابن أبي حاتم. فارِغاً إلاَّ مِنْ ذِكْرٍ مُوسَى عَلِّ أشار به إلى ما في قوله تعالى: ﴿وأصبح فؤاد أم موسى فارغاً﴾ [القصص: ١٠]. ثم ٣٩٥ ٦٠ - كِتَابُ أَحَادِيثِ الأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ / باب (٢٣) فسره بقوله: إلاَّ من ذكر موسى، يعني: لم يخل قلبها عن ذكره، وهذا وصله سعيد بن عبد الرحمن المخزومي في تفسير ابن عيينة من طريق عكرمة عن ابن عباس، ولفظه: ﴿وأصبح فؤاد أم موسى فارغاً﴾ [القصص: ١٠]. من كل شيء إلاَّ من ذكر موسى، وكذا أخرجه الطبري من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس، وقال أبو عبيد: فارغاً من الحزن لعلمها أنه لم يغرق. رِذْءًا كَيْ يُصَدِّقَيِي أشار بقوله ((ردءاً) إلى ما في قوله تعالى: ﴿وأخي هارون هو أفصح مني لساناً فأرسله معي ردءًا يصدقني﴾ [القصص: ٣٤]. ثم أشار إلى أن التقدير في قوله: يصدقني، وروى الطبري من طريق السدي: كيما يصدقني، ومن طريق مجاهد وقتادة: ردءًا، أي: عوناً، وقال أبو عبيدة: أي: معيناً، يقال: أردأت فلاناً على عدوه أي: أكنفته وأعنته وصرت له كنفاً. ويُقَالُ مُغِيئاً أو مُعِينَاً أي: يقال في تفسير ردءاً مغيثاً، بالغين المعجمة والثاء المثلثة من الإغاثة. قوله: ((أو معيناً)) أي: أو يقال معيناً بالعين المهملة من الإعانة وهي المساعدة. يَبْطُشُ ويَنْطِشُ أشار به إلى أن لفظ ((يبطش)) فيه لغتان: إحداهما كسر الطاء، والأخرى ضمها. وهو في قوله: ﴿فلما أراد أن يبطش بالذي هو عدو لهما﴾ [القصص: ١٩]. والكسر هي: القراءة المشهورة هنا، وفي قوله تعالى: ﴿يوم نبطش البطشة الكبرى﴾ [الدخان: ١٦]. والضم قراءة الحسن وابن جعفر، رحمهم الله تعالى. يأَمِرُونَ يَتَشَاوَرُونَ أشار به إلى ما في قوله تعالى: ﴿إِن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك﴾ [القصص: ٢٠]. وفسره بقوله: يتشاورون، وكذا فسره أبو عبيدة، وقال ابن قتيبة: معناه يأمر بعضهم بعضاً. والجَذْوَةُ قِطْعَةٌ غَلِيظَةٌ مِنَ الخَشَبِ لَيْسَ فِيهَا لَهَبّ أشار به إلى ما في قوله تعالى: ﴿أو جذوة من النار﴾ [القصص: ٢٩]. ثم فسرها بما ذكره أبو عبيدة، والجذوة مثلثة الجيم. سَنَشُدُّ سَنُعِينُكَ أشار به إلى ما في قوله تعالى: ﴿سنشد عضدك بأخيك﴾ [القصص: ٣٥]. وفسره بقوله: سنعينك، وفسره أبو عبيدة بقوله: سنقويك به ونعينك، يقال: شد فلان عضد فلان إذا أعانه. كُلَّمَا عَزَّرْتَ شَيْئًاً فَقَدْ جَعَلْتَ لَهُ عَضُدَاً هذا من بقية تفسير: سنشد عضدك، وهو ظاهر. ٣٩٦ ٦٠ - كِتَابُ أحَادِيثِ الأنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ / باب (٢٣) وقال غَيْرُهُ كُلَّمَا لَمْ يَنْطِقْ بِحَرْفٍ أَوْ فِيهِ تَخْتَمَةٌ أَوْ فَأَفَأَةٌ فَهْيَ عُقْدَة أشار بهذا إلى تفسير: عقدة، في قوله تعالى: ﴿رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني﴾ [طه: ٢٥ - ٢٧]. وروى الطبري بإسناده من طريق السدي، قال: لما تحرك موسى أخذته آسية امرأة فرعون ترقصه ثم ناولته لفرعون فأخذ موسى بلحية فرعون فنتفها، فاستدعى فرعون بالذباحين، فقالت آسية: إنه صبي لا يعقل، فوضعت له جمراً وياقوتاً، وقالت: إن أخذ الياقوت فاذبحه، وإن أخذ الجمر فاعرف أنه لا يعقل، فجاء جبريل، عليهم الصلاة والسلام، فطرح في يده جمرة، فطرحها في فيه، فاحترقت لسانه، فصارت في لسانه عقدة من يومئذ، وقيل: لما وضع فرعون موسى في حجره تناول لحيته ومدها ونتف منها، وكانت لحيته طويلة سبعة أشبار، وكان هو قصيراً، ويقال: لطم وجهه وكان يلعب بين يديه، ويقال: كان بيده قضيب صغير يلعب به فضرب به رأسه فعند ذلك غضب غضباً شديداً وتطير منه، وقال: هذا عدوي المطلوب ثم جرى ما ذكرناه. فإن قلت: كيف لم تحرقه النار يوم التنور الذي ألقي فيها وأحرقت لسانه في هذا اليوم؟ قلت: لأنه قال يوماً لفرعون: يا بابا، فعوقب لسانه ولم تعاقب يده لأنها مدت لحية فرعون، ولهذا ظهرت المعجزة في اليد دون اللسان. ﴿تخرج بيضاء من غير سوء﴾ [طه: ٢٢، النمل: ١٢، القصص: ٣٢]. وقيل: لم يحترق في التنور ليدوم له الأنس بينه وبين النار ليلة التكليم، وقيل: إنما لم تحترق يده ليجاهد بها فرعون بحمل العصا. قوله: ((تمتمة)) هي التردد في النطق بالتاء المثناة من فوق، قوله: ((أو فأفأة)) هي التردد في النطق بالفاء. أزْرِي ظھرِي أشار به إلى ما في قوله تعالى: ﴿أُشدد به أزري وأشركه في أمري﴾ [طه: ٣١]. وفسر الأزر بالظهر، كذا روى الطبري عن ابن عباس. فَيُسْجِتَكُمْ فَيُھْلِگگُمْ أشار به إلى ما في قوله تعالى: ﴿فيسحتكم بعذاب وقد خاب من افترى﴾ [طه: ٦١]. وفسر: فيسحتكم، قوله: يهلككم، وهكذا روى الطيري عن ابن عباس، وقال أبو عبيدة: سحت وأسحت بمعنى، وقال الطبري: سحت أكثر من أسحت. الْمُعْلى تأنِيثُ الأمْثَلِ يَقُولُ بِدِيبِكُمْ يُقالُ خُذِ المُثْلَى خُذِ الأَمْثَلَ أشار به إلى ما في قوله تعالى: ﴿ويذهبا بطريقتكم المثلى﴾ [طه: ٦٣]. ومثلى، على وزن: فعلى، تأنيث الأمثل. قوله: ((تقول بدينكم))، تفسير لقوله: بطريقتكم المثلى، يعني: يريد موسى وهارون أن يذهبا بدينكم المستقيم، وقيل: بسنتكم ودينكم وما أنتم عليه، وقيل: أرادا أهل طريقتكم المثلى، وهم بنو إسرائيل لقول موسى: أرسل معي بني إسرائيل، وقيل: الطريقة ٣٩٧ ٦٠ - كِتَابُ أَحَادِيثِ الأنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلاَمُ / باب (٢٣) اسم لوجوه الناس وأشرافهم الذين هم قدوة لغيرهم. فيقال: هم طريقة قومهم، وقال الشعبي: معناه ويصرفا وجوه الناس إليهما. وقال الزجاج: يعني المثلى والأمثل ذو الفضل الذي به يستحق أن يقال: هذا مثل لقومه. ثُمَّ اثْتُوا صَفَّاً أشار به إلى ما في قوله تعالى: ﴿فاجمعوا كيدكم ثم ائتوا صفاً وقد أفلح اليوم من استعلى﴾ [طه: ٦٤]. الخطاب لقوم فرعون من السحرة يعني: ائتوا جميعاً، وقيل: صفوفاً لأنه أهيب في صدور الرائين، روي أن الحسرة كانوا سبعين ألفاً مع كل واحد منهم حبل وعصا، وقد أقبلوا قبالة واحدة. يُقالُ هَلْ أَتَيْتَ الصَّفَّ اليَوْمَ يَغْنِي الْمُصَلَّى الَّذِي يُصَلَّى فِيهِ قائل هذا التفسير أبو عبيدة، فإنه قال: المراد من قوله: صفاً، يعني: المصلى والمجتمع، وعن بعض العرب الفصحاء: ما استطعت أن آتي الصف أمس، يعني: المصلى، ووجه صحته أن يجعل صفاً علماً لمصلى بعينه فأمروا بأن يأتوه أو يراد ائتوا مصلى من المصليات. فَأَوْجَسَ أَضْمَرَ خَوْفاً فَذَهَبَتِ الوَاوُ مِنْ خِيفَةِ لِكَسْرَةِ الخَاءِ أشار به إلى ما في قوله تعالى: ﴿فأوجس منهم خيفة﴾ [طه: ٦٧]. وفسر أوجس بقوله: أضمر خوفاً. قوله: فذهبت الواو من خيفة لكسرة الخاء. قلت: اصطلاح أهل التصريف أن يقال: أصل خيفة خوفة، فقلبت الواو ياءً لسكونها وانكسار ما قبلها. في ◌ُذُوعِ النَّخْلِ علَى جُذُوعِ أشار به إلى ما في قوله تعالى: ﴿ولأصلبتَّكُم في جذوع النخل﴾ [طه: ٧١]. وأشار بقوله: على جذوع، أن كلمة: في، في قوله: ﴿في جذوع النخل﴾ [طه: ٧١]. بمعنى: على، للاستعلاء، وقال: هم صلبوا العبدي في جذوع نخلة. خَطْبُكَ بِالُكَ أشار به إلى ما في قوله تعالى: ﴿قال فما خطبك يا سامري﴾ [طه: ٩٥]. وفسر: خطبك بقوله: بالك، وقصته مشهورة ملخصها: أن موسى عَّ لّ أقبل على السامري، واسمه موسى بن ظفر، الذي ﴿أخرج لهم عجلاً جسداً له خوار فقال هذا إلهكم وإله موسى﴾ [طه: ٨٨]. قال له: ما خطبك؟ أي: ما شأنك وحالك الذي دعاك وحملك على ما صنعت؟. مِساسَ مَصْدَرُ ماسَّهُ مِساساً أشار به إلى ما في قوله تعالى: ﴿قال فاذهب فإن لك في الحياة أن تقول لا مساس﴾ [طه: ٩٧]. أي: قال موسى للسامري: فاذهب من بيننا فإن لك في الحياة، أي: ما دمت حياً ٣٩٨ ٦٠ - كِتابُ أحَادِيثِ الأنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلاَمُ / باب (٢٣) أن تقول: لا مساس، أي: لا أمِس ولا أَمَس، وهو مصدر: ماسه يماسه مماسة ومساساً، فعاقبه الله في الدنيا بالعقوبة التي لا شيء أشد منها، ولا أوحش وذلك أنه منع من مخالطة الناس منعاً كلياً، وحرم عليهم ملاقاته ومكالمته ومبايعته ومواجهته، وإذا اتفق أن يماس أحداً رجلاً أو امرأة، حم الماس والممسوس، فتحامى الناس وتحاموه وكان يصيح: لا مساس، وعن قتادة: أن بقاياهم اليوم يقولون: لا مساس. لَنَتْسِفَتَّهُ لَئُذْرِيَتَّهُ أشار به إلى ما في قوله تعالى: ﴿لنحرقنه ثم لننسفنه في اليم نسفاً﴾ [طه: ٩٧]. وفسر قوله: لننسفنه، بقوله: لنذرينه من التذرية في اليم، حكي أن موسى، عليه الصلاة والسلام أخذ العجل فذبحه فسال منه الدم لأنهُ كان قد صار لحماً ودماً، ثم أحرقه بالنار وذراه في اليم. الضَّحى الحَرّ أشار به إلى ما في قوله تعالى: ﴿وإنك لا تظمأ فيها ولا تضحى﴾ [طه: ١١٩]. وفسر الضحى بالحر، قال المفسرون: هذا خطاب لآدم، عليه الصلاة والسلام، ومعنى: لا تظمأً: لا تعطش فيها، أي: في الجنة ولا تضحى أي: ولا تشرق للشمس فيؤذيك حرها، وقيل: لا يصيبك حر الشمس إذ ليس فيها شمس، وذكر هذا هنا غير مناسب لأنه في قضية آدم، عليه الصلاة والسلام، ولا تعلق له بقصة موسى، عليه الصلاة والسلام. قُصِّيهِ اتَّبِعِي أَثَرَهُ وقَدْ يَكُونُ أنْ تَقُصَّ الكَلاَمَ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أشار به إلى ما في قوله تعالى: ﴿وقالت لأخته قصيه﴾ [القصص: ١١]. وفسر: قصيه، بقوله: اتبعي أثره، هكذا فسره أهل التفسير، ويقال: معناه استعلمي خبره، وهو خطاب لأخت موسى، عليه الصلاة والسلام، من أمها، واسم أخته: مريم بنت عمران، وافقها في ذلك: مريم بنت عمران أم عيسى عَّمِ قوله: ((وقد يكون ... )) إلى آخره من جهة البخاري، أي: قد يكون معنى القص من: قص الكلام، كما في قوله: ﴿نحن نقص عليك أحسن القصص﴾ [يوسف: ٣]. عنْ ◌ُنُبٍ عنْ بُعْد أشار به إلى ما في قوله تعالى: ﴿فبصرت به عن جنب وهم لا يشعرون﴾ [القصص: ١١]. وفسر قوله: عن جنب بقوله: عن بعد، أي: بصرت أخت موسى موسى عن بعد، والحال أن قوم فرعون لا يعلمون بها. وعَنْ جنابةٍ وعنِ اخْتِنابٍ واحِدٌ أشار به إلى أن معنى: عن جنب، وعن جنابة وعن اجتناب واحد، فيقال: ما يأتينا إلاَّ عن جنابة واجتناب، وأصل معنى هذه المادة يدل على البعد، ومنه سمي الجنب: لبعده عن الصلاة وعن قراءة القرآن. ٣٩٩ ٦٠ - كِتَابُ أَحَادِيثِ الأنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ / باب (٢٣) قال مُجاهِدٌ عَلى قَدَرٍ عَلى مَوْعِدٍ أشار به إلى ما في قوله تعالى: ﴿فلبثت سنين في أهل مدين ثم جئت على قدر يا موسى﴾ [طه: ٤٠]. وفسر قوله: على قدر، بقوله: على موعد، وقيل: على قدر: أي جئت لميقات قدرته لمجيئك قبل خلقك، وكان موسى عَ لِّ مكث عند شعيب، عليه الصلاة والسلام، في مدين ثمانياً وعشرين سنة، عشر سنين منها مهر امرأته صفورا بنت شعيب، ثم أقام بعده ثمانية عشر سنة عنده حتى ولد له في مدین، ثم جاء علی قدر. لاَ تَنِيَا لاَ تَضْعُفَا أشار به إلى ما في قوله تعالى: ﴿ولا تنيا في ذكري إذهبا إلى فرعون إنه طغى﴾ [طه: ٤٢]. وفسر قوله تعالى: لا تنيا، بقوله: لا تضعفا، يعني: لا تفترًّا، من: ونى يني ونياً، وهو الضعف والفتور، والخطاب فيه لموسى وهارون. مَكانَاً سِوىٌ مَنْصَفٌ بَيْتَهُمْ أشار به إلى ما في قوله تعالى: ﴿فاجعل بيننا وبينك موعداً لا نخلفه نحن ولا أنت مكاناً سوىٌ﴾ [طه: ٥٨]. وفسر قوله: مكاناً سوىّ، بقوله: منصف بينهم، قرأ ابن عامر وعاصم وحمزة بضم السين، والباقون بكسرها، قيل: معناه سوياً لا سافر فيه، وقيل: مكاناً عدلاً بيننا وبينك، وعن ابن عباس مثل ما فسره بقوله: منصف بينهم أي: بين الفريقين، أي: يستوي مسافته بين الفريقين فتكون مسافة كل فريق إليه كمسافة الفريق الآخر. يَساً ياپِساً أشار به إلى ما في قوله تعالى: ﴿فاضرب لهم طريقاً في البحر يبساً لا تخاف دركاً ولا تخشى﴾ [طه: ٧٧]. وفسر قوله: ببساً، بقوله: يابساً، وفي (تفسير النسفي) يبساً مصدر وصف به، يقال: ييس ببساً، ونحوهما العدم والعدم، ومن ثم وصف به المؤنث فقيل: شاتنا ییس، وناقتنا بيس، إذا جف لبنها. مِنْ زِينَةِ القَوْمِ الحُلِيِّ الَّذِي اسْتَعَارُوهُ مِنْ آلٍ فِرْعَوْنَ أشار به إلى ما في قوله تعالى: ﴿ولكنا حملنا أوزاراً من زينة القوم فقذفناها فكذلك ألقى السامري﴾ [طه: ٨٧]. وروى الطبري من طريق ابن زيد، قال: الأوزار الأثقال وهو الحلي الذي استعاروه من آل فرعون، وليس المراد بها الذنوب، وفي (تفسير النسفي) وقيل: أثاماً، أي: حملنا أثاماً من حلي القوم لأنهم استعاروه ليتزينوا في عيد كان لهم ثم لم يردوها عليهم عند خروجهم من مصر مخافة أن يعلموا بخروجهم فحملوها. فَقِذَفْتُهَا أَلْقَيْتُهَا أَلْقَى صَنَعَ فسر فقذفتها بقوله ألقيتها، وفي رواية الكشميهني: فقذفناها، والقرآن ﴿ولكنا حملنا أوزاراً من زينة القوم فقذفناها فكذلك ألقى السامري فأخرج لهم عجلاً جسداً له خوار﴾ [طه: ٤٠٠ ٦٠ - كِتابُ أحَادِيثِ الأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ / باب (٢٤) ٨٧]. قوله: ألقى أي: السامري، يعني: ألقى ما كان معه من الحلي، وقيل: ما كان معه من تراب حافر فرس جبريل عَّه، وأراد بقوله: صنع، أخرج لهم عجلاً جسداً له خوار. فَتَسِيَ مُوسَى هُمْ يَقُولُونَ أَخْطَأَ الرَّبُّ أَنْ لاَ يَرْجِعَ إلَيْهِمْ قَوْلاً في العِجْلِ أشار به إلى ما في قوله تعالى: ﴿فقالوا هذا إلهكم وإله موسى فنسي أفلا يرون أن لا يرجع إليهم قولاً ولا يملك لهم ضراً ولا نفعاً﴾ [طه: ٨٨ و٨٩]. قوله: فقالوا أي: السامري ومن وافقه. قوله: ((فنسي موسى)) أي: أن يخبركم أن هذا إلهه، وقيل: فنسي موسى الطريق إلى ربه، وقيل: فنسي موسى إلهه عندكم، وخالفه في طريق آخر. قوله: ((هم يقولون))، أي: السامري ومن معه يقولون: أخطأ موسى الرب حيث تركه هنا وذهب إلى الطور يطلبه. قوله: (أن لا يرجع إليهم) في العجل ((قولاً)) أي: أنه لا يرجع إليهم قولاً في العجل. ٦٢ / ٣٣٩٣ _ حدَّثنا هُدْبَةُ بنُ خَالِدِ حدَّثنا هَمَّاتٍ حدَّثنا قَتَادَةُ عنْ أَنَسِ بنِ مالِكِ عنْ مالِكَ بِنَ صَعْصَعَةً أن رسولَ الله عَِّ حدَّثَهُمْ عِنْ لَيْلَةٍ أَسَّرِيَ ه حَتَّى السَّمَاءَ الخَامِسَةَ فِإِذَا هارُونُ قال هَذَا هارُونُ فسلَّمَ عَلَيْهِ فسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَرَدَّ ثُمَّ قالَ مَرْحَبَاً بالأخِ الصَّالِحِ والنَّبِيِّ الصَّالِحِ. [انظر الحديث ٣٢٠٧ وطرفيه]. وجه ذكر هذه القطعة من حديث الإسراء المطول الماضي غير مرة من طريق قتادة عن أنس عن مالك بن صعصعة المذكورة تمامها في السيرة النبوية هو لأجل ذكر هارون في مواضع الألفاظ المتقدمة. تابَعَهُ ثابِتٌ وعَبَّادُ بنُ أَبِي عَلِيٍ عنْ أَنَسٍ عنِ النَّبِيِّ عَ لَّه أي: تابع قتادة ثابت البناني، وعباد، بتشديد الباء الموحدة: ابن أبي علي البصري في روايتهما عن أنس في ذكر هارون في السماء الخامسة لا في جميع الحديث ولا في الإسناد أيضاً، فإن رواية ثابت موصولة في (صحيح مسلم) من طريق شيبان عن حماد بن سلمة عنه وليس فيها ذكر مالك بن صعصعة، بل المذكور فيها ذكر هارون في السماء الخامسة، وأما متابعة عباد فرواها عنه هشام الدستوائي وحماد بن زيد وخليفة بن حسان ولم يذكروا مالك ابن صعصعة، وليس لعباد ذكر في البخاري إلاَّ في هذا الموضع. ٢٤ - بابٌ ﴿وقال رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلٍ فِرْعَوْنَ يَكْثُمْ إِيمَانَهُ﴾ إلى قولِهِ ﴿مُشْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ [غافر: ٢٨]. أي: هذا باب يذكر فيه: ﴿وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم وإن يك كاذباً فعليه كذبه وإن يك صادقاً يصبكم بعض الذي يعدكم إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب﴾ [غافر: ٢٨]. وقعت هذه الترجمة هكذا بغير حديث فكأنه أراد أن يذكر فيها حديثاً ولم يظفر به على شرطه فبقيت كذا والله أعلم. قوله: ((وقال رجل مؤمن)) في اسمه ستة أقوال: الأول: شمعان،