Indexed OCR Text
Pages 201-220
- ٢٠١ ٥١ - كتابُ الهِيَّةِ وَفَضْلِها والتَّخْرِيضِ عَلَيْها / باب (١٢) والغلام لصاحبه، والرجل لامرأته ومن فوقه، وهو أحد قولي الشافعي، وقال أبو حنيفة: لا يكون له إذا لم يشرطه، وهو قول الشافعي الثاني، واحتج مالك بحديث الباب، والاقتداء به. واجب، قال الله تعالى: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾ [الأحزاب: ٢١]. وروى أحمد في (مسنده) وابن حبان في (صحيحه) من حديث ابن عباس: أن أعرابيا وهب للنبي عَّ له فأثابه عليها. وقال: رضيت؟ فقال: لا، فزاده، قال: رضيت؟ قال: لا، فزاده. قال: رضيت؟ قال: نعم. قال النبي عَّله: إني لا أتهب هبة إلاَّ من قريشي أو أنصاري أو ثقفي، وعن أبي هريرة نحوه، رواه أبو داود والترمذي والنسائي، وقال: حسن. وقال الحاكم: صحِيحِ على شرط مسلم وهو دال على الثواب فيها، وإن لم يشرط، لأنه عَِّ أثابه وزاده فيه حتى بلغ رضاه، واحتج به من أوجبه، قال: ولو لم يكن واجباً لم يثبه ولم يزده، ولو أثاب تطوعاً لم تلزمه الزيادة، وكان ينكر على الأعرابي طلبها. قلت: طمع في مكارم أخلافه وعادته في الإثابة. وقال ابن التين: إذا شرط الثواب أجازه الجماعة إلاَّ عبد الملك، وله عند الجماعة أن يردها ما لم يتغير إلاَّ عند مالك، فألزمه الثواب بنفس القبول، وعبارة ابن الحاجب: وإذا صرح بالثواب فإن عيّنه فبيع، وإن لم يعينه فصححه ابن القاسم ومنعه بعضهم للجهل بالثمن، قال: ولا يلزم الموهوب له إلاّ قيمتها قائمة أو فائتة، وقال مطرف: للواهب أن يأبى إن كانت قائمة. لم يَذْكُرْ وكِيعٌ ومحاضِرٌ عنْ هشامٍ عن أبِيهِ عنْ عَائِشَةَ أشار البخاري بهذا إلى أن عيسى بن يونس تفرد بوصل هذا الحديث عن هشام، وأنه لم يذكر وكيع بن الجراح، ومحاضر، بضم الميم وكسر الضاد المعجمة: ابن المورع، بتشديد الراء المكسورة وبالعين المهملة: الكوفي، عن هشام عن أبيه عن عائشة يعني: لم يسندا إلى هشام عن أبيه عن عائشة، بل أرسلاه. وقال الترمذي: لا نعرف هذا الحديث مرفوعاً إلاَّ من حديث عيسى بن يونس، وكذا قال البزار، وقال الآجري: سألت أبا داود عنه، فقال: تفرد بوصله عیسی بن یونس، وهو عند الناس مرسل. ١٢ - بابُ الهِبَةِ لِلْولدِ وإذا أعْطَى بَعْضَ ولَدِه لم يَجُزْ حتَّى يَعْدِلَ بَيْتَهُمْ وَيُعْطِيَ الآخَرِينَ مِثْلَهُ ولا يُشْهَدُ عَلَيْهِ أي: هذا باب في بيان حكم هبة الوالد لولده، وإذا أعطى - أي: الأب - بعض ولده شيئاً لم يجز حتى يعدل، يعني: في العطاء للكل ويعطي الآخرين، أي: الأولاد الآخرين، وهذه رواية الكشميهني، وفي رواية غيره: ويعطى الآخر، بصيغة الإفراد. وصدر الترجمة بالهبة للولد لدفع إشكال من يأخذ بظاهر حديث: أنت ومالك لأبيك، فإن المال إذا كان للأب فلو وهب منه شيئاً لولده كان كأنه وهب مال نفسه لنفسه، وقال بعضهم: ففي الترجمة إشارة إلى ضعف هذا الحديث أو إلى تأويله. قلت: بأي وجه تدل هذه الترجمة على ضعف هذا الحديث؟ فلا وجه لذلك أصلاً على أن الحديث المذكور صحيح، ورواه ابن ماجه في ٢٠٢ ٥١ - كتابُ الهِبَةِ وفَضْلِها والتَّخْرِيضِ عَلَيْها / باب (١٢) (سننه): حدثنا هشام بن عمار حدثنا عيسى بن يونس حدثنا يوسف بن إسحاق بن أبي إسحاق السبيعي عن محمد بن المنكدر عن جابر: أن رجلاً قال: يا رسول الله! إن لي مالاً وولداً. وإن أبي يريد أن يجتاح مالي. قال: ((أنت ومالك لأبيك)). قال ابن القطان: إسناده صحيح. وقال المنذري: رجاله ثقات، وقال في (التنقيح): ويوسف بن إسحاق من الثقات المخرج لهم في (الصحيحين) قال: وقول الدارقطني فيه: غريب، تفرد به عيسى عن يوسف، لا يضره، فإن غرابة الحديث والتفرد به لا يخرجه عن الصحة. وطريق آخر أخرجه الطبراني في (الصغير) والبيهقي في (دلائل النبوة) في حديث جابر، قال: جاء رجل إلى النبي عَّمِ فقال: يا رسول الله! إن أبيه يريد أن يأخذ ماليه ... الحديث، بطوله، وفي آخره: قال: بكى رسول الله عٍَّ، ثم أخذ بتلابيب ابنه، وقال له: ((إذهب، فأنت ومالك لأبيك)). وفيه: عن عائشة أيضاً، رواه ابن حبان في (صحيحه): أن رجلاً أتى النبي عَِّ يخاصم أباه في دين له عليه، فقال له عَّ له: ((أنت ومالك لأبيك)). وعن سمرة بن جندب أخرجه البزار في (مسنده) والطبراني في (معجمه)، فذكره بلفظ ابن ماجه. وعن عمر، رضي الله تعالى عنه، أخرجه البزار في (مسنده) عنه مرفوعاً بلفظ ابن ماجه، وفي سنده مقال. وعن ابن مسعود أخرجه الطبراني في (معجمه): أن النبي عَ لَّه قال الرجل: ((أنت ومالك لأبيك)»، وفيه مقال، وعن ابن عمر أخرجه أبو يعلى في (مسنده) عنه مرفوعاً بلفظ ابن مسعود. قوله: ((وإذا أعطى بعض ولده)) إلى قوله: ((مثله)). واختلف العلماء من التابعين وغيرهم فيه، فقال طاوس وعطاء بن أبي رباح ومجاهد وعروة وابن جريج والنخعي والشعبي وابن شبرمة وأحمد وإسحاق وسائر الظاهرية: أن الرجل إذا نحل بعض بنيه دون بعض فهو باطل. وقال أبو عمر: اختلف في ذلك عن أحمد، وأصح شيء عنه في ذلك ما ذكره الخرفي في (مختصره) عنه، قال: وإذا فضل بعض ولده في العطية أمر برده، فإن مات ولم يرده فقد ثبت لمن وهب له، إذا كان ذلك في صحته، واحتجوا في ذلك بحديث النعمان بن بشير، يقول: نحلني أبي غلاماً، فأمرتني أمي أن أذهب إلى رسول الله عَ لَّهِ لأشهده على ذلك، فقال: أكل ولدك أعطيته؟ فقال: لا. قال: فاردده، أخرجه الجماعة غير أبي داود، وقال الثوري والليث بن سعد والقاسم بن عبد الرحمن ومحمد بن المنكدر وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد والشافعي في رواية: يجوز أن ينحل لبعض ولده دون بعض، وسيأتي الكلام فيه مفصلاً. قوله: ((ولا يشهد عليه))، أي: على الأب، و: لا يشهد، على صيغة المجهول. قال الكرماني: هو عطف على قوله: لم يجز، وقال أيضاً: وفي بعض الروايات: و: يشهد، بدون كلمة: لا، والأولى هي المناسبة لحديث عمر، وقال ابن بطال: معناه الرد لفعل الأب إذا فضل بعض بنيه، وأنه لا يسع الشهود أن يشهدوا على ذلك. ٢٠٣ ٥١ - كتابُ الهِيَّةِ وفَضْلِها والتَّخرِيضِ عَلَيْها / باب (١٢) وقال النبيُّ عَ لِ اعْدِلُوا بَيْنَ أوْلاَدِكُمْ في العطِيَّةِ هذا التعليق يأتي موصولاً في الباب الثاني من حديث النعمان بن بشير، رضي الله تعالى عنه، بدون قوله: في العطية، وروى الطحاوي، قال: حدثنا ابن أبي داود، قال: حدثنا آدم، قال: حدثنا ورقاء عن المغيرة عن الشعبي، قال: سمعت النعمان على منبرنا هذا يقول: قال رسول الله عَّله: ((سووا بين أولادكم في العطية كما تحبون أن يسووا بينكم في البر)). وهَلْ لِلْوالِدِ أنْ يَرْجِعَ في عَطِيَتِهِ وما يأْكُلُ مِنْ مالٍ ولدِهِ بِالْمَعْرُوفِ ولا يتَعَدَّى هذا الذي ذكره مسألتان: الأول: أن الأب إذا وهب لابنه، هل له أن يرجع؟ فيه خلاف، فعند طاوس وعكرمة والشافعي وأحمد وإسحاق: ليس للواهب أن يرجع فيما وهب، إلاَّ الذي ينحله الأب لابنه، وغير الأب من الأصول كالأب، عند الشافعي في الأصح. وفي (التوضيح): لا رجوع في الهبة إلاَّ للأصول، أباً كان أو أماً أو جداً، وليس لغير الأب الرجوع عند مالك وأكثر أهل المدينة، إلاَّ أن عندهم أن الأم لها الرجوع أيضاً مما وهبت لولدها إذا كان أبوه حياً، هذا هو الأشهر عند مالك، وروي عنه المنع، ولا يجوز عند أهل المدينة أن ترجع الأم ما وهبت ليتيم من ولدها، كما لا يجوز الرجوع في العتق والوقف وأشباهه. انتهى. وعند أصحابنا الحنفية: لا رجوع فيما يهبه لكل ذي رحم محرم بالنسب، كالابن والأخ والأخت والعم والعمة. وكل من لو كان امرأة لا يحل له أن يتزوجها، وبه قال طاوس والحسن وأحمد وأبو ثور. المسألة الثانية: أكل الوالد من مال الولد بالمعروف يجوز. وروى الحاكم مرفوعاً من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن أطيب ما أكل الرجل من كسبه، وأن ولده من كسبه، فكلوا من مال أولادكم، وأخرجه الترمذي أيضاً من حديث عائشة، رضي الله تعالى عنها، وقال: حديث حسن، وعند أبي حنيفة: يجوز للأب الفقير أن يبيع عَرَضَ ابنه الغائب لأجل النفقة، لأن له تملك مال الابن عند الحاجة، ولا يصح بيع عقاره لأجل النفقة. وقال أبو يوسف ومحمد: لا يجوز فيهما، وأجمعوا أن الأم لا تبيع مال ولدها الصغير والكبير، كذا في (شرح الطحاوي). وَاشْتَرَى النبيُّ عَلَّهِ مِنْ عُمَرَ بَعِيراً ثُمَّ أعْطَاهُ ابنَ عُمَرَ وقال اصْنَعْ بِهِ مَا شِئْتَ هذا قطعة من حديث مضى في كتاب البيوع في: باب إذا اشترى شيئاً فوهب من ساعته، فأرجع فراجع إليه تقف عليه. وقال ابن بطال: مناسبة حديث ابن عمر للترجمة أنه، عَّهِ، لو سأل عمر، رضي الله تعالى عنه، أن يهب البعير لابنه عبد الله لبادر إلى ذلك، ولكنه لو فعل لم يكن عدلاً بين بني عمر، فلذلك اشتراه النبي عٍَّ من عمر ثم وهبه لعبد الله، وهذا يدل على ما بوب له البخاري من التسوية بين الأبناء في الهبة. واختلف الفقهاء في معنى التسوية: هل هو على الوجوب أو على الندب؟ فأما مالك ٢٠٤ ٥١ - كتابُ الهِبَةِ وفَضْلِها والتَّخرِيضِ عَلَيْها / باب (١٢) والليث والثوري والشافعي وأبو حنيفة وأصحابه فأجازوا أن يخص بعض بنيه دون بعض بالنحلة والعطية، على كراهية من بعضهم، والتسوية أحب إلى جميعهم. وقال الشافعي: ترك التفضيل في عطية الأبناء فيه حسن الأدب، ويجوز له ذلك في الحكم، وكره الثوري وابن المبارك وأحمد أن يفضل بعض ولده على بعض في العطايا، وكان إسحاق يقول مثل هذا، ثم رجع إلى مثل قول الشافعي. وقال المهلب: وفي الحديث دلالة على أنه لا تلزم المعدلة فيما يهبه غير الأب لولد غيره. ٢٠ / ٢٥٨٦ - حدّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قال أخبرنا مالكٌ عنِ ابنِ شِهابٍ عنْ حُمَيْدِ بنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ ومُحَمَّدِ بنِ النُّعْمَانِ بنَ بَشِيرٍ أَنَّهُما حدَّثاه عنِ النُّغْمانِ بنَ بَشِيرٍ أَنَّ أَبَاهُ أَتَّى بِهِ إلى رسول الله عَّمِ فقال إنِّي نَحَلْتُ ابني هذَا غُلاماً فقالَ أكُلَّ وَلَدِكَ نَحَلَّتَ مِثْلَهُ قال لا قال فازجِعْهُ. [الحديث ٢٥٨٦ - طرفاه في: ٢٥٨٧، ٢٦٥٠]. مطابقته للترجمة ظاهرة، لأن الترجمة فيما إذا أعطى لبعض ولده لم يجز حتى يعدل ويعطي الآخرين مثله، والحديث يتضمن هذا على ما لا يخفى. ذكر رجاله: عبد الله بن يوسف التنيسي، وهو من أفراده، وقد تكرر ذكره، ومالك بن أنس وابن شهاب هو محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، وحميد، بضم الحاء المهملة: ابن عبد الرحمن بن عوف، وقد مر في الإيمان، ومحمد بن النعمان بن بشير الأنصاري، ذكره ابن حبان في الثقات التابعين، وقال العجلي: هو تابعي ثقة، روى له الجماعة إلاَّ أبا داود، والنعمان، بضم النون: ابن بشير - ضد النذير - ابن سعد بن ثعلبة بن الجلاس، بضم الجيم وتخفيف اللام: الأنصاري الخزرجي، وأبوه بشير من البدريين، قيل: إنه أول من بايع أبا بكر، رضي الله تعالى عنه، من الأنصار بالخلافة، وقتل يوم عين التمر مع خالد بن الوليد، رضي الله تعالى عنه، سنة ثنتي عشرة بعد انصرافه من اليمامة. ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضع، وبصيغة التثنية في موضع. وفيه: الإخبار بصيغة الجمع في موضع. وفيه: العنعنة في ثلاثة مواضع. وفيه: رواية التابعي عن التابعين عن الصحابي. وفيه: رواية الابن عن الأب. وفيه: أن رواته كلهم مدنيون إلاَّ شيخه فإنه في الأصل من دمشق وسكن تنيس. وفيه: عن النعمان بن بشير، كذا هو لأكثر أصحاب الزهري. وأخرجه النسائي من طريق الأوزاعي عن ابن شهاب: أن محمد بن النعمان وحميد بن عبد الرحمن حدثناه عن بشير بن سعلة، فجعله من مسند بشير، فشذ بذلك، والمحفوظ أنه عنهما عن النعمان بن بشير، وروى هذا الحديث عن النعمان عدد كثير من التابعين، منهم: عروة بن الزبير عند مسلم، وأبي داود والنسائي، وأبو الضحى عند النسائي وابن حبان وأحمد والطحاوي، والمفضل بن المهلب عند أحمد وأبي داود والنسائي، وعبد الله بن عتبة بن مسعود عند أحمد، وعون بن عبد الله عند أبي عوانة، والشعبي في (الصحيحين) وأبي داود والنسائي وابن ماجه وابن حبان وغيرهم، ورواه عن الشعبي عدد كثير أيضاً. ٢٠٥ ٥١ - كتابُ الهِبَةِ وفَضْلِها والتَّخْرِيضِ عَلَيْها / باب (١٢) ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في الهبة من رواية الشعبي عن النعمان عن حامد ابن عمر، وفي الشهادات عن عبدان عن ابن المبارك. وأخرجه مسلم من حديث مالك في الفرائض عن يحيى بن يحيى عنه وعن أبي بكر بن أبي شيبة. وإسحاق ابن إبراهيم وابن أبي عمر وعن قتيبة ومحمد بن رمح وعن حرملة وعن إسحاق بن إبراهيم وعن عبد بن حميد. وأخرجه الترمذي في الأحكام عن نصر بن علي وسعيد بن عبد الرحمن وأخرجه النسائي في النحل عن محمد بن منصور عن سفيان به وعن محمد بن سلمة والحارث بن مسكين، كلاهما عن عبد الرحمن بن القاسم عن مالك به، وعن محمد بن هاشم عن الوليد بن مسلم وعن قتيبة عن سفيان وعن عمرو بن عثمان. وأخرجه ابن ماجه في الأحكام عن هشام بن عمار، ومن طريق الشعبي أخرجه مسلم في الفرائض عن أبي بكر ابن أبي شيبة وعن يحيى بن يحيى وعن أبي بكر عن علي وعن محمد بن عبد الله وعن إسحاق بن إبراهيم ويعقوب بن إبراهيم وعن محمد بن المثنى وعن أحمد بن عثمان. وأخرجه أبو داود في البيوع عن أحمد بن حنبل. وأخرجه النسائي في النحل عن محمد بن المثنى وعن محمد بن عبد الملك وعن موسى بن عبد الرحمن. وعن أبي داود الحراني وفي القضاء عن محمد بن قدامة. وأخرجه ابن ماجه في الأحكام عن بكر بن خلف. ذكر معناه: قوله: ((أن أباه)) هو: بشير بن سعد. قوله: ((إني نحلت))، بالنون والحاء المهملة، يقال: نحله أنحله نحلاً، بضم النون، أي: أعطيته، ونحلت للمرأة مهرها أنحلها نحلة، بكسر النون، هكذا اقتصر في النحلة على الكسر، وحكى غيره فيها الوجهين: الضم والكسر، والنحلى، بالضم على وزن: فعلى: العطية. قوله: ((هذا غلاماً)). قوله: ((أكل ولدك؟)) الهمزة فيه للاستفهام على سبيل الاستخبار، و: كل، منصوب بقوله: نحلت، وفي رواية ابن حبان: ألك ولد سواه؟ قال: نعم. وفي رواية لمسلم: أكل بنيك؟. فإن قلت: ما التوفيق بين الروايتين؟ قلت: لا منافاة بينهما، لأن لفظ: الولد، يشمل ما لو كانوا ذكوراً أو إناثاً وذكورا، وأما لفظ: البنين، فالذكور فيهم ظاهر، وإن كان فيهم إناث فيكون على سبيل التغليب، ولم يذكر محمد بن سعد لبشير بن سعد والد النعمان ولداً غير النعمان، وذكر له بنتاً اسمها: أبية، مصغر أبي. والله أعلم. قوله: ((قال: فأرجعه))، أي: قال النبي عَ لّ أرجع ما نحلته لابنك. اختلف في هذا اللفظ، ففي بعض الروايات: فاردده، وفي رواية: فرده، وفي رواية: فرد عطيته، وفي رواية: اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم، وفي رواية: قاربوا بين أولاد كم، روى: قاربوا بالباء الموحدة وبالنون. ذكر ما يستفاد منه: احتج به جماعة على أن من نحل بعض بنيه دون بعض فهو باطل، فعليه أن يرجع حتى يعدل بين أولاده، وقد مر الكلام فيه مستقصىّ وبقي الكلام في تحقيق هذا الحديث، فقال الترمذي: وقد روي هذا الحديث من غير وجه عن النعمان بن بشير، ورواه الطحاوي من طريق الزهري عن محمد بن النعمان، وحميد بن عبد الرحمن عن النعمان مثل حديث الباب ثم قال: واحتج به قوم على أن الرجل إذا نحل بعض بنيه دون ٢٠٦ ٥١ - كتابُ الهِيَةِ وفَضْلِها والتَّخْرِيضِ عَلَيْها / باب (١٣) بعض أنه باطل، ثم قال: وخالفهم في ذلك آخرون، وحاصل كلامه أنهم جوزوا ذلك، ثم قال ما ملخصه: إن الحديث المذكور ليس فيه أن النعمان كان صغيراً حينئذ، ولعله كان كبيراً، ولم يكن قبضه. وقد روى أيضاً على معنى غير ما في الحديث المذكور، وهو أن النعمان قال: انطلق بي أبي إلى النبي عَّله ونحلني نحلاً ليشهده على ذلك، فقال: ((أو كل ولدك نحلته مثل هذا؟ فقال: لا. قال: أيسرك أن يكونوا إليك في البر كلهم سواء؟ قال: بلى. قال: فأشهد على هذا غيري)). فهذا لا يدل على فساد العقد الذي كان عقده للنعمان، وأما امتناعه عن الشهادة فلأنه كان متوقياً عن مثل ذلك، ولأنه كان إماماً، والإمام ليس من شأنه أن يشهد، وإنما من شأنه أن يحكم. وقد اعترض عليه بأنه لا يلزم من كون الإمام ليس من شأنه أن يشهد أن يمتنع من تحمل الشهادة، ولا من أدائها إذا تعينت عليه. قلت: لا يلزم أيضاً أن لا يمتنع من تحمل الشهادة، فإن التحمل ليس بمتعين، لا سيما في حق النبي عَّهِ، لأن مقامه أجل من ذلك، وكلامنا في التحمل لا في الأداء، إذا تحمل. فافهم. ثم روى الطحاوي حديث النعمان المذكور من رواية الشعبي عنه كما رواه البخاري، على ما يأتي، وليس فيه أنه عَّ أمره برد الشيء، وإنما فيه الأمر بالتسوية. فإن قلت: في رواية البخاري: ((فرجع فرد عطيته؟)) قلت: رده عطيته في هذه الروايات باختياره هو لا بأمر النبي عَّ لّ لما سمع عنه عَّ له: ((فاتقوا الله واعدلوا بين أولادكم)). فإن قلت: في حديث الباب الأمر بالرجوع صريحاً حيث قال: ((فارجعه) قلت: ليس الأمر على الإيجاب، وإنما هو من باب الفضل والإحسان، ألا ترى إلى حديث أنس رواه البزار في (مسنده) عنه: ((أن رجلاً كان عند رسول الله عَّله، فجاء ابن له فقبله وأجلسه على فخذه، وجاءته بنية له فأجلسها بين سويت بينهما؟)) انتهى. وليس هذا من باب الوجوب، وإنما يديه، فقال رسول الله عبلة: ((ألا هو من باب الإنصاف والإحسان. ١٣ - بابُ الإِشْهَادِ في الهِبَةِ أي: هذا باب في بيان الإشهاد في الهبة. ٢١ / ٢٥٨٧ - حدّثنا حامِدُ بنُ عُمَرَ قال حدَّثنا أبُو عَوَانَةَ عنْ حُصَيْنٍ عنْ عامِرٍ قال سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بنَ بَشيرٍ رضي الله تعالى عنهُما وهْوَ علَى المِنْبَرِ يقُولُ أعْطَانِي أَبِي عَطِيَّةً فقالت عَمْرَةُ بِنْتُ رَوَاحَةَ لا أَرْضُى حتَّى تُشْهِدَ رسولَ اللهِ عَ لِّ فأتى رسولَ الله عَ لَّم فقال إِنِّي أَعْطَيْتُ ابْنِي مِنْ عَمْرَةَ بِنْتِ رَواحَةَ عَطِيئَةٌ فأمَرَتْنِي أَنْ أَشْهِدَكَ يا رسولَ الله قال أعْطَيْت سائرَ ولَدِكَ مِثْلَ هُذَا قال لا قال فاتَّقُوا الله واعْدِلُوا بَيْنَ أوْلادِكُمْ قال فرَجَعَ فَرَدَّ عَطِيَتَهُ. [انظر الحديث ٢٥٨٦ وطرفه]. مطابقته للترجمة تؤخذ من معنى الحديث، وهو ظاهر، وقال الكرماني: قال شارح التراجم: فإن قيل: ليس في حديث النعمان ما يدل على أكل الرجل مال ولده، قلنا: إذا جاز للوالد انتزاع ملك ولده الثابت بالهبة لغير حاجة، فلأن يجوز عند الحاجة أولى. ٢٠٧ ٥١ - كتابُ الهِيَةِ وفَضْلِها والتَّخْرِيضِ عَلَيْها / باب (١٣) ذكر رجاله: وهم خمسة: الأول: حامد بن عمر بن حفص بن عبيد الله الثقفي. الثاني: أبو عوانة، بفتح العين المهملة: الوضاح بن عبد الله اليشكري. الثالث: حصين، بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين: ابن عبد الرحمن السلمي. الرابع: عامر بن شرحبيل الشعبي. الخامس: النعمان بن بشير. ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: العنعنة في موضعين. وفيه: القول في موضعين. وفيه: أن شيخه بصري وأبو عوانة واسطي وحصين وعامر كوفيان. وفيه: رواية التابعي عن التابعي عن الصحابي. ذكر معناه: قوله: ((وهو على المنبر))، جملة حالية، وكذا قوله: ((يقول)). قوله: (أعطاني أبي عطية))، وكان العطية غلاماً صرح به مسلم في رواية هشام بن عروة عن أبيه، قال: حدثنا النعمان بن بشير، قال وقد أعطاه أبوه غلاماً، فقال له النبي عَّ له: ((ما هذا الغلام؟)) فقال أعطانيه أبي. قال: فكل أخوته أعطيته كما أعطيت هذا؟ قال: لا. قال: فرده. وكذا صرح به في حديث جابر رواه مسلم عنه، قال: قالت امرأة بشير: إنحل ابني غلامك وأشهد لي رسول الله عَّلِ الحديث. فإن قلت: روى ابن حبان من رواية ابن حريز، بفتح الحاء المهملة وكسر الراء وفي آخره زاي، على وزن كريم، والطبراني أيضاً عن الشعبي: أن النعمان خطب بالكوفة، فقال: إن والدي بشير بن سعد أتى النبي عَّه، فقال: إن عمرة بنت رواحة نفست بغلام، وإني سميته النعمان، وأنها أبت أن تربيه حتى جعلت له حديقة من أفضل مال هو لي، فإنها قالت: أشهد على ذلك رسول الله عَّ له ... وفيه قوله عَّ ◌ُله: ((لا أشهد على جور)) قلت: وفق ابن حبان بين الروايتين بالحمل على واقعتين: إحداهما: عند ولادة النعمان، وكانت العطية حديثة، والأخرى: بعد أن كبر النعمان، وكانت العطية عبداً. وقال بعضهم: يعكر عليه أنه يبعد أن ينسى بشير بن سعد، مع جلالته، الحكم في المسألة حتى يعود إلى رسول الله عَ لم يستشهد على العطية الثانية بعد أن قال له في الأولى: لا أشهد على جور. قلت: لا بُعد في هذا أصلاً، فإن الإنسان مأخوذ من النسيان، وهموم أحوال الدنيا وغم أحوال الآخرة تنسي أي نسيان، والنسيان غالب، حتى قيل: إن الإنسان مأخوذ من النسيان. قوله: ((عمرة بنت رواحة))، بفتح الراء: الأنصارية زوجة بشير أم النعمان، وهي أخت عبد الله بن رواحة. قوله: ((حتى تُشهِد)) من الإشهاد، وسيأتي في الشهادات من حديث الشعبي سبب سؤال شهادة رسول الله عَّ له، ولفظه: عن النعمان، قال: سألت أمي أبي بعض الموهبة لي من ماله، ولفظ مسلم عن الشعبي: حدثني النعمان بن بشير أن أمه - ابنة رواحة - سألت أباه بعض الموهبة من ماله، فالتوى بها سنة - أي: مطلها - ثم بدا له. وفي رواية ابن حبان من هذا الوجه: بعد حولين، والتوفيق بين الروايتين، بأن يقال: إن المدة كانت سنة وشيئاً، فجبر الكسر تارة وألغى أخرى، ثم في رواية مسلم: فأخذ أبي بيدي، وأنا يومئذ غلام، فأتى رسول الله عَّةِ. وفي رواية أخرى له، قال: انطلق بي أبي يحملني إلى رسول الله عَّةٍ، والتوفيق ٢٠٨ ٥١ - كتابُ الهِيَّةِ وفَضْلِها والتَّخْرِيضِ عَلَيْها / باب (١٣) بين الروايتين بأن يقال: إنه أخذ بيده فمشى معه بعض الطريق، وحمله في بعضها لصغر سنه. قوله: ((فرجع فرد عليه عطيته))،، وفي رواية لمسلم: فرجع أبي فرد تلك الصدقة. وسيأتي في الشهادات. قال: لا تشهدني على جور. وفي رواية لمسلم: ولا تشهدني إذاً فإني لا أشهد على جور، وفي رواية له: وإني لا أشهد إلاّ على حق. وفي رواية الطحاوي: فأشهد على هذا غيري، وكذا في رواية النسائي، وفي رواية عبد الرزاق من طريق طاوس مرسلاً: لا أشهد إلاَّ على الحق، لا أشهد بهذه. وفي رواية عروة عند النسائي: فكره أن يشهد له، وقد ذكرنا وجه امتناعه عن الشهادة عن قريب، واختلاف الألفاظ في هذه القصة الواحدة يرجع إلى معنى واحد. ذكر ما يستفاد منه: احتج به من أوجب التسوية في عطية الأولاد، وبه صرح البخاري، وهو قول طاوس والثوري وأحمد وإسحاق، كما ذكرناه، وقال به بعض المالكية. ثم المشهور عند هؤلاء: أنها باطلة، وعن أحمد: يصح ويجب عليه أن يرجع، وعنه: يجوز التفاضل إن كان له سبب، كاحتياح الولد لزمانته أو دينه أو نحو ذلك. وقال أبو يوسف: تجب التسوية إن قصد بالتفضيل الإضرار، وذهب الجمهور إلى أن التسوية مستحبة، فإن فضل بعضاً صح وكره، وحملوا الأمر على الندب والنهي على التنزيه. ثم اختلفوا في صفة التسوية، فقال محمد بن الحسن وأحمد وإسحاق وبعض الشافعية وبعض المالكية: العدل أن يعطي الذكر حظين كالميراث، وقال غيرهم: لا يفرق بين الذكر والأنثى، وظاهر الأمر بالتسوية يشهد لهم، واستأنسوا بحديث أخرجه سعيد بن منصور والبيهقي من طريقه عن ابن عباس مرفوعاً: ((سووا بين أولادكم في العطية، فلو كنت مفضلاً أحداً لفضلت النساء)). وأجاب عن حديث النعمان من حمل الأمر بالتسوية على الندب بوجوه: الأول: أن الموهوب للنعمان كان جميع مال والده، فلذلك منعه، ورد هذا بأن كثيراً من طرق حديث النعمان صريح بالبعضية، وقال القرطبي: ومن أبعد التأويلات أن النهي إنما يتناول من وهب جميع ماله لبعض ولده، كما ذهب إليه سحنون، وكأنه لم يسمع في نفس هذا الحديث أن الموهوب كان غلاماً، وأنه وهبه له لما سألته الأم الهبة من بعض ماله، قال: وهذا يعلم منه على القطع أنه كان له مال غيره. الثاني: أن العطية المذكورة لم تتنجز، وإنما جاء بشير والد النعمان يستشير النبي عَ له. فأشار إليه بأن لا يفعل، فترك، حكاه الطحاوي. وقال بعضهم: وفي أكثر طرق الحديث ما ينابذه. قلت: هذا كلام من لا إنصاف له، لأنه يقصد بهذا تضعيف ما قاله، مع أنه لم يقل هذا إلاَّ بحديث شعيب، يرويه شيخ البخاري عنه، وهو شعيب بن أبي ضمرة، فإنه رواه حيث قال: حدثنا فهد، قال: حدثنا أبو اليمان، قال: حدثنا شعيب عن الزهري، قال: حدثني حميد ابن عبد الرحمن ومحمد بن النعمان أنهما سمعا النعمان بن بشير، يقول: نحلني أبي غلاماً ثم مشى أبي حتى إذا أدخلني على رسول الله عَّلّه، فقال: يا رسول الله! إني نحلت إبني ہے ٢٠٩ ٥١ - كتابُ الهِبَةِ وفَضْلِها والتَّخرِيضِ عَلَيْها / باب (١٣) غلاماً فإن أذنت أن أجيزه له أجزت، ثم ذكر الحديث، فهذا ينادي بأعلى صوته أن بشيراً نحل ابنه غلاماً، ولكنه لم ينجزه حتى استشار النبي عَّه في ذلك، فلم يأذن له به فتركه. الثالث: أن النعمان كان كبيراً ولم يكن قبض الموهوب، فجاز لأبيه الرجوع. ذكره الطحاوي أيضاً. وقال بعضهم: وهو خلاف ما في أكثر طرق الحديث أيضاً، قوله: أرجعه، فإنه يدل على تقدم وقوع القبض. انتهى. قلت: هذا أيضاً طعن في كلام الطحاوي من غير وجه ومن غير إنصاف، لأنه لم يقل هذا أيضاً إلاَّ وقد أخذه من حديث يونس بن عبد الأعلى شيخ مسلم عن سفيان بن عيينة شيخ الشافعي عن محمد بن مسلم الزهري عن محمد بن النعمان وحميد بن عبد الرحمن أخبراه أنهما سمعا النعمان بن بشير يقول: نحلني أبي غلاماً، فأمرتني أمي أن أذهب إلى رسول الله عَّهِ لِأَشهدَه على ذلك ... الحديث، فهذا يدل على أن النعمان كان كبيراً، إذ لو كان صغيراً كيف كانت أمه تقول له: إذهب إلى رسول الله عَّه؟ وقول هذا القائل: إرجعه، يدل على تقدم القبض، غير دال على القبض حقيقة، لأنه يحتمل أنه قال لبشير: إرجع عما قلت بنحل ابنك النعمان دون إخوته. الرابع: أن قوله: أشهِد، في رواية النسائي وغيره، ولا يدل على أن الأمر بالتسوية يدل على الوجوب، لأن أمر التوبيخ يدل عليه ألفاظ كثيرة في الحديث يعرف بالتأمل. الخامس: أن عمل الخليفتين أبي بكر وعمر، رضي الله تعالى عنهما، بعد النبي عَّ على عدم التسوية قرينة ظاهرة في أن الأمر للندب. أما أثر أبي بكر فأخرجه الطحاوي: حدثنا يونس، قال: حدثنا ابن وهب أن مالكاً حدثه عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن عائشة، زوج النبي، عَّهِ، أنها قالت أن أبا بكر الصديق نحلها جداد عشرين وسقاً من ماله بالغابة، فلما حضرته الوفاة قال: والله يا بنية! ما من أحد من الناس أحب إلي غنىّ بعدي منك، ولا أعز علي فقراً بعدي منك، وإني كنت نحلتك جداد عشرين وسقاً، فلو كنت جددته وأحرزته كان لك، وإنما هو اليوم مال الوارث، وإنما هما أخواك وأختاك، فاقتسموه على بيان كتاب الله تعالى. فقالت عائشة: والله يا أبتِ! لو كان كذا وكذا لتركته، إنما هي أسماء، فمن الأخرى؟ فقال: ذو بطن بنت خارجة، أراها جارية. وأخرجه البيهقي أيضاً في (سننه) من حديث شعيب عن الزهري عن عروة بن الزبير، أن عائشة، قالت: كان أبو بكر، رضي الله تعالى عنه، نحلني جداد عشرين وسقاً من ماله، فلما حضرته الوفاة جلس فاحتبى، ثم تشهد ثم قال: أما بعد! أي بنية ... إن أحب الناس إلي غنىّ بعدي لأُنتِ، وإني كنت نحلتك جداد عشرين وسقاً من مالي، فوددت - والله - لو أنك كنت خزنته وجددته، ولكن إنما هو اليوم مال الوارث، وإنما هما أخواك وأختاك. فقلت: يا أبتاه هذه أسماء، فمن الأخرى؟ قال: ذو بطن ابنة خارجة، أراها جارية، فقلت لو أعطيتني ما هو كذا إلى كذا لرددته إليك. قال الشافعي: وفضل عمر، رضي الله تعالى عنه عاصماً بشيء، وفضل ابن عوف ولد أم كلثوم. وأما أثر عمر، رضي الله تعالى عنه، فذكره الطحاوي أيضاً كما ذكره البيهقي عن الشافعي، رحمه الله، وأخرج عبد الله بن وهب في (مسنده)، وقال: بلغني عن عمرو بن دينار أن عبد الرحمن بن عوف نحل ابنته من ے ٢١٠ ٥١ - كتابُ الهِبَةِ وفَضْلِها والتَّحْرِيضِ عَلَيْها / باب (١٤) أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط أربعة آلاف درهم، وله ولد من غيرها. قلت: هذا منقطع. السادس: هو الجواب القاطع أن الإجماع انعقد على جواز إعطاء الرجل ماله لغير ولده، فإذا جاز له أن يخرج جميع ولده من ماله جاز له أن يخرج عن ذلك لبعضهم، ذكره ابن عبد البر، قيل: فيه نظر، لأنه قياس مع وجود النص. قلت: إنما يمنع ذلك ابتداء، وأما إذا عمل بالنص على وجه من الوجوه، ثم إذا قيس ذلك الوجه إلى وجه آخر، لا يقال: إنه عمل بالقياس مع وجود النص. فافهم. وفي الحديث من الفوائد: الندب إلى التأليف بين الأخوة وترك ما يوقع بينهم الشحناء ويورث العقوق للآباء. وفيه: إن العطية إذا كانت من الأب لصغير لا يحتاج إلى القبض، فيكفي قبوله له. وفيه: كراهة تحمل الشهادة فيما ليس بمباح. وفيه: أن الإشهاد في الهبة مشروع، وليس بواجب. وفيه: جواز الميل إلى بعض الأولاد والزوجات دون بعض، لأن هذا أمر قلبي وليس باختياري. وفيه: مشروعية استفسار الحاكم والمفتي عما يحتمل ذلك، كقوله، عَّهِ: ((ألك ولد غيره؟ وأفكلهم أعطيته؟)). وفيه: جواز تسمية الهبة صدقة. وفيه: أن للأم كلاماً في مصلحة الولد. وفيه: المبادرة إلى قبول قول الحق وأمرَ الحاكم والمفتي بتقوى الله كل حال. وفيه: إشارة إلى سوء عاقبة الحرص أن عمرة لو رضيت بما وهبه زوجها لولدها لما رجع فيه، فلما اشتد حرصها في تثبيت ذلك أفضى إلى بطلانه. ١٤ - بابُ هِبَةِ الرَّجُلِ لامْرَأتِهِ والمَرْأةِ لِزَوْجِها أي: هذا باب في بيان حكم هبة الرجل لامرأته، وحكم هبة المرأة لزوجها، وحكمها أنه يجوز، فإذا جاز هل لأحدهما أن يرجع على الآخر؟ فلا يجوز على ما يجيء بيانه، إن شاء الله تعالى. قال إبْرَاهِيمُ جَائِزَةٌ إبراهيم هو ابن يزيد النخعي، أي: هبة الرجل لامرأته، وهبة المرأة لزوجها جائزة. وهذا تعليق وصله عبد الرزاق عن الثوري عن منصور عن إبراهيم، قال: إذا وهبت له أو وهب لها فلكل واحد منهما عطيته. ووصله الطحاوي من طريق أبي عوانة عن منصور، قال: قال إبراهيم: إذا وهبت امرأة لزوجها، أو وهب الزوج لامرأته، فالهبة جائزة وليس لواحد منهما أن يرجع في هبته. ومن طريق أبي حنيفة: عن حماد عن إبراهيم الزوج والمرأة بمنزلة ذي الرحم، إذا وهب أحدهما لصاحبه لم یکن له أن يرجع. وقال عُمَرُ بنُ عَبْدِ العَزِيزِ: لاَ يَرْجِعَانِ عمر بن عبد العزيز أحد الخلفاء الراشدين، وأحد الزهاد العابدين. قوله: ((لا يرجعان))، يعني: لا يرجع الزوج على الزوجة ولا الزوجة على الزوج فيما إذا وهب أحدهما للآخر، وهذا وصله أيضاً عبد الرزاق عن الثوري عن عبد الرحمن بن زياد: أن عمر بن عبد العزيز قال مثل ٢١١ ٥١ - كتابُ الهِيَّةِ وفَضْلِها والتَّخْرِيضِ عَلَيْها / باب (١٤) قول إبراهيم، وقال ابن بطال: قال بعضهم: لها أن ترجع فيما أعطته، وليس له أن يرجع فيما أعطاها، روى هذا عن شريح والزهري والشعبي، وذكر عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن أبن سيرين، كان شريح إذا جاءته امرأة وهبت لزوجها هبة ثم رجعت فيها يقول له: بينتك: أنها وهبتك طيبة نفسها من غير كره ولا هوان، وإلاّ فيمينها: ما وهبت بطيب نفسها إلاَّ بعد كره، وهو إن انتهى فهذا يقتضي أنها ليس لها الرجوع إلاَّ بهذا الشرط. واسْتَأْذَنَ النبيُّ عَِّ نِسَاءَهُ في أَنْ يُمَرَّضَ في بَيْتِ عَائِشَةَ، رضي الله تعالى عنها مطابقته للترجمة من حيث إن أزواج النبي، عَّه، وهبن له ما استحقين من الأيام، ولم يكن لهن رجوع فيما مضى، وهذا على حمل الهبة على معناها اللغوي، وهذا التعليق وصله البخاري في هذا الباب على ما يجيء عن قريب، ووصله أيضاً في آخر المغازي على ما يجيء، إن شاء الله تعالى. قوله: ((أن يمرض))، على صيغة المجهول، من التمريض وهو القيام على المريض في مرضه. وقال النبيُّ عَّهِ العَائِدُ في هِبَتِهِ كالْكَلْبٍ في قَتِهِ مطابقته للترجمة من حيث إن عموم العائد في هبته المذموم يدخل فيه الزوج والزوجة، وهذا التعليق وصله البخاري أيضاً في: باب لا يحل لأحد أن يرجع في هبته، وسيأتي بعد خمسة عشر باباً، وهذا الذي علقه أخرجه الستة إلاّ الترمذي، أخرجوه عن ابن عباس، قال: قال رسول الله عَّ لة: ((العائد في هبته كالعائد في قيئه))، زاد أبو داود: قال قتادة، ولا نعلم القيء إلاَّ حراماً، واحتج بهذا طاوس وعكرمة والشافعي وأحمد وإسحاق على أنه: ليس للواهب أن يرجع فيما وهبه إلاَّ الذي ينحله الأب لابنه، وعند مالك: له أن يرجع في الأجنبي الذي قصد منه الثواب ولم يثبه، وبه قال أحمد في رواية. وقال أبو حنيفة وأصحابه: للواحد الرجوع في هبته من الأجنبي ما دامت قائمة ولم يعوض منها، وهو قول سعيد بن المسيب وعمر بن عبد العزيز وشريح القاضي والأسود بن يزيد، والحسن البصري والنخعي والشعبي، وروي ذلك عن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن عمر وأبي هريرة وفضالة ابن عبيد، وأجابوا عن الحديث بأنه، عَِّ، جعل العائد في هبته كالعائد في قيئه، بالتشبيه من حيث إنه ظاهر القبح مروءة وخلقاً، لا شرعاً، والكلب غير متعبد بالحلال والحرام، فيكون العائد في هبته عائداً في أمر قذر كالقذر الذي يعود فيه الكلب، فلا يثبت بذلك منع الرجوع في الهبة، ولكنه يوصف بالقبح وبه نقول، فلذلك نقول بكراهة الرجوع. وقال الزُّهْرِيُّ فِيمَنْ قال لاِمْرَأْتِهِ هَبِي لِي بَعْضَ صَدَاقِكٍ أوْ كُلَّهُ ثُمَّ لَمْ يَمْكُثْ إِلاَّ يَسِيراً حتَّى طَلَّقَهَا فَرَجَعَتْ فِيهِ قال يَرُدُّ إِلَيْهَا إِنْ كَانَ خَلَبَها وإنْ كانَتْ أَعْطَتْهُ عِنْ طِيبٍ نَفْسٍ لَيْسَ في شَيْءٍ مِنْ أمْرِهِ خَدِيعَةٌ جازَ قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عِنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً﴾ [النساء: ٤]. فَكُلُوهُ ٢١٢ ٥١ - كتابُ الهِبَةِ وفَضْلِها والتَّخْرِيضِ عَلَيْها / باب (١٤) الزهري: هو محمد بن مسلم بن شهاب، وهذا التعليق وصله عبد الله عن يونس بن يزيد عنه. قوله: ((هبي))، أمر للمؤنث من: وهب يهب، وأصله: أوهبي، حذفت الواو منه تبعاً لفعله، لأن أصل: يهب يوهب، فلما حذفت الواو استغنى عن الهمزة فحذفت فصار: هبي، على وزن: علي. قوله: ((أوكله)) أي: أو قال: هبي لي كل الصداق، قوله: ((يرد إليها))، أي: يرد الزوج الصداق إليها. قوله: ((إن كان خلبها))، بفتح الخاء المعجمة واللام والباء الموحدة أي: إن كان خدعها، ومنه في الحديث: إذا بعت فقل: ((لا خلابة))، أي: لا خداع. فإن قلت: روى عبد الرزاق عن معمر عن الزهري، قال: رأيت القضاة يقبلون المرأة فيما وهبت لزوجها ولا يقبلون الزوج فيما وهب لامرأته؟ قلت: التوفيق بينهما أن رواية معمر عنه هو منقول، ورواية يونس عنه هو اختياره، وهو التفصيل المذكور بين أن يكون خدعها، فلها أن ترجع أو لا فلا، وهو قول المالكية إن أقاما البينة على ذلك، وقيل: يقبل قوله في ذلك مطلقاً. وإلى عدم الرجوع من الجانبين مطلقاً ذهب الجمهور، وإلى التفصيل الذي نقل عن الزهري ذهب شريح القاضي، وإذا وهب أحد الزوجين للآخر لا بد في ذلك من القبض، وهو قول ابن سيرين وشريح والشعبي ومسروق والثوري وأبي حنيفة والشافعي، وهو رواية أشهب عن مالك، وقال ابن أبي ليلى والحسن: لا يحتاج إلى القبض. قوله: ﴿فإن طبن لكم﴾ [النساء: ٤]. الآية: احتج بهذه الزهري فيما ذهب إليه، وقبلها: ﴿وأتوا النساء صدقاتهن نحلة فإن طبن لكم عن شيء منه نفساً فكلوه هنيئاً مريئاً﴾ [النساء: ٤]. الخطاب في قوله: ﴿وآتوا النساء﴾ [النساء: ٤]. للناكحين، وقال مقاتل: كان الرجل يتزوج ثم يقول: أرثك وترثيني، فتقول المرأة: نعم، فنزلت. وقيل: إن الرجل كان يعطي الرجل أخته ويأخذ أخته مكانها من غير مهر، فنهوا عن ذلك بهذ الآية. قوله: ﴿صدقاتهن﴾ [النساء: ٤]. أي: مهورهن، واحدها صدقة، بفتح الصاد وضم الدال، وهي لغة أهل الحجاز، وتميم تقول: صدقة، بضم الصاد وسكون الدال، فإذا جمعوا قالوا: صدقات، بضم الصاد وسكون الدال وبضم الدال أيضاً مثل: ظلمات. قوله: ﴿نحلات﴾ [النساء: ٤]. أي: فريضة مسماة، قاله قتادة وابن جريج ومقاتل، وعن ابن عباس: النحلة: المهر، وقال ابن زيد: النحلة في كلام العرب الواجب، تقول: لا ينكحها إلاَّ بشيء واجب لها، وليس ينبغي لأحد بعد النبي عَِّ أن ينكح امرأة إلاَّ بصداق واجب، ولا ينبغي أن تكون تسمية الصداق كذباً بغير حق، وقيل: النحلة الديانة والملة، والتقدير: وآتوهن صدقاتهن ديانة، وفيه لغتان: كسر الصاد وضمها وانتصابها على المصدر، أو على الحال. وقال الزمخشري: المعنى: آتوهن مهورهن ديانة، على أنه مفعول له، ويجوز أن يكون حالاً من المخاطبين، أي: ناحلين طيبي النفوس بالإعطاء، أو من الصدقات، أي: منحولة معطاة عن طيبة الأنفس، والخطاب للأزواج. وقيل: للأولياء لأنهم كانوا يأخذون مهور بناتهم، وكانوا يقولون: هنيئاً لك النافجة، لمن يولد له بنت، يعنون: تأخذ مهرها فتنفج به مالك، أي: تعظمه. قوله: ﴿فإن طبن لكم﴾ [النساء: ٤]. يعني: النساء المنكوحات أيها الأزواج. ﴿عن شيء منه﴾ [النساء: ٤]. أي: من الصداق، وقال الزمخشري: الضمير في: ٢١٣ ٥١ - كتابُ الهِبَةِ وفَضْلِها والتَّخْرِيضِ عَلَيْها / باب (١٤) منه، جار مجرى اسم الإشارة، كأنه قيل: عن شيء من ذلك. قوله: ((نفساً)نصب على التمييز، وإنما وحد لأن الغرض بيان الجنس، والواحد يدل عليه، والمعنى: فإن وهبن لكم شيئاً من الصداق ونحلت عن نفوس طيبات غير مخبثات بما يضطرهن إلى الهبة من شكاية أخلاقكم وسوء معاشرتكم، فكلوه فأنفقوه. قال الفقهاء: فإن وهبت له ثم طلبت منه بعد الهبة، علم أنها لم تطب منه نفساً. قوله: ﴿هنيئاً مريئاً﴾ [النساء: ٤]. نعت لمصدر محذوف أي: أكلاً هنيئاً. وقيل: هو مصدر في موضع الحال، أي: أكلاً هنيئاً، والهنيء ما يؤمن عاقبته، وقيل: ما أورث نفعاً وشفاءً، وقيل: الطيب المساغ الذي لا ينغصه شيء، وهو مأخوذ من هنأت البعير: إذا عالجته بالقطران من الجرب، والمعنى: فكلوه دواءً شافياً، والمريء: المحمود العاقبة التام الهضم الذي لا يضر ولا يؤذي، وقيل: الهنيء: ما يلذ الآكل، والمريء ما يحمد عاقبته، وقيل لمدخل الطعام من الحلقوم إلى فم المعدة: المريء، لمرء الطعام فيه، وهو انسياغه، وفي (تفسير مقاتل): هنيئاً يعني: حلاً مريئاً يعني: طيباً. ٢٢/ ٢٥٨٨ - حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ مُوسى قال أخبرنا هِشامٌ عنْ مَعْمَرِ عنِ الزُّهْرِيِّ قال أخبرَني عُبَيْدُ اللهِ بنُ عَبْدِ الله قال قالَتْ عَائِشَةُ رضي الله تعالى عنها لَمَّا ثَقُلَ النِبِيُّ عَلَّهِ فاشْتَدَّ وجعُهُ اسْتَأْذَنَ أَزْوَاجَهُ أنْ يُمَرَّضَ في بَيْتي فأذِنَّ لَهُ فخَرَجَ بَيْنَ رَجُلَيْنِ تَخُطُ رِجْلاهُ الأَرْضَ وكانَ بَيْنَ العَبَّاسِ وبَيْنَ رَجِلٍ آخَرَ فقال عُبَيْدُ الله فَذَكَرْتُ لابْنِ عَبَّاسٍ ما قالَتْ عَائِشَةُ فقال لِي وهَلْ تَدْري مَنِ الرَّجُلُ الَّذِي لَمْ تُسَمّ عائِشَةُ قُلْتُ لاَ قالَ هُوَ عَلِيُّ بنُ أبِي طالِبٍ. [انظر الحديث ١٩٨ وأطرافه]. مطابقته للترجمة هو الوجه الذي ذكرناه في أوائل الباب عند قوله: ((واستأذن النبي عَّ. نساءه في أن يمرض في بيت عائشة))، وقد مضى هذا الحديث في كتاب الطهارة في: باب الغسل والوضوء في المخضب والقدح، فإنه أخرجه هناك: عن أبي اليمان الحكم بن نافع عن شعيب عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن عائشة بأتم منه، وهنا أخرجه: عن إبراهيم بن موسى الفراء أبي إسحاق الرازي المعروف بالصغير عن هشام بن يوسف الصنعاني اليماني عن معمر، بفتح الميمين: ابن راشد عن محمد بن مسلم الزهري عن عبيد الله، بضم العين: ابن عبد الله بفتح العين: ابن عتبة ... إلى آخره، وقد مر الكلام فيه هناك مستقصىّ. ٢٥٨٩/٢٣ - حدَّثنا مُسْلِمُ بنُ إبْرَاهِيمُ قال حدَّثنا وُهَيْبٌ قال حدثنا ابنُ طاؤُسٍ عنْ أبِيهِ عِنِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما قال قال النبيُّ عَِّ العائدُ في هِبَتِهِ كالْكَلْبِ يَعودُ في قَيْئِهِ. [الحديث ٢٥٨٩ - أطرافه في: ٢٦٢١، ٢٦٢٢، ٦٩٧٥]. مطابقته للترجمة هو الوجه الذي ذكرناه عن قريب عند قوله: ((وقال النبي عَ لّم: العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه)) ووهيب هو ابن خالد البصري، وابن طاوس هو عبد الله يروي عن أبيه. قوله: ((كالكلب يعود في قيئه)) ويروى: كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه، وقد مر الكلام فيه عن قريب. ٢١٤ ٥١ - كتابُ الهِيَةِ وفَضْلِها والتَّخْرِيضِ عَلَيْها / باب (١٥) ١٥ - بابُ هِبَةِ الْمَزْأَةِ لِغَيْرِ زَوْجِها وعِثْقِهَا إذَا كانَ لَها زَوْجٌ فَهْوَ جَائِزٌ إِذَا لَمْ تَكِنْ سَفِيهَةً فإِذَا كانتْ سَفِيهَةٌ لَمْ يَجُزْ قال الله تعالى: ﴿وَلاَ تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أُهْوَالَكُمْ﴾ [النساء: أي: هذا باب في بيان حكم هبة المرأة لغير زوجها إن وهبت شيئاً لغير زوجها. قوله: ((وعتقها))، عطف على قوله: هبة المرأة، أي: حكم عتق المرأة جاريتها. قوله: ((إذا كان لها زوج))، ليست للشرط بل ظرف لما تقدم، لأن الكلام فيما إذا كان لها زوج وقت الهبة أو العتق، أما إذا لم يكن لها زوج فلا نزاع في جوازه. قوله: ((فهو))، أي: المذكور من الهبة والعتق جائز إذا لم تكن المرأة سُفيهة، وهي - ضد الرشيدة - والرشيدة: من صلح دينها ودنياها. قوله: ((وقال الله تعالى: ﴿ولا تؤتوا السفهاء أموالكم﴾)) [النساء: ٥]. ذكر هذا في معرض الاستدلال. وقال سعيد بن جبير ومجاهد والحكم: السفهاء الذين ذكرهم الله، عز وجل، هنا اليتامى والنساء، وعن الحسن: المرأة والصبي، وفي لفظ: الصغار والنساء أسفه السفهاء، وفي لفظ: ابنك السفيه وامرأتك السفيهة، وقد ذكر أن رسول الله عَ ليه، قال: اتقوا الله في الضعيفين: اليتيم والمرأة. وقال ابن مسعود: النساء والصبيان، وقال السدي: الولد والمرأة. وقال الضحاك: الوّد والنساء أسفه السفهاء، فيكونوا عليكم أرباباً. وعن ابن عباس: امرأتك وبنتك قال: وأسفه السفهاء الولدان والنساء. قال الطبري: وقال غير هؤلاء: إنهم الصبيان خاصة، قاله ابن جبير والحسن، وقال آخرون: بل عنى بذلك السفهاء من ولد الرجل، منهم أبو مالك وابن عباس وأبو موسى وابن زيد بن أسلم. وقال آخرون: بل عنى بذلك النساء خاصة، فذكر المعتمر بن سليمان عن أبيه، قال: زعم حضرمي أن رجلاً عمد فدفع ماله إلى امرأته فوضعته في غير الحق، فقال الله عز وجل: ﴿ولا تؤتوا السفهاء أموالكم﴾ [النساء: ٥]. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا هشام بن عمار حدثنا صدقة بن خالد حدثنا عثمان بن أبي العاتكة عن علي بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة، قال: قال رسول الله، عَّ له: إن النساء السفهاء إلاَّ التي أطاعت قيمها)). ورواه ابن مردويه مطولاً. وقال ابن أبي حاتم: ذكره عن مسلم بن إبراهيم. حدثنا حرب بن شريح عن معاوية بن قرة عن أبي هريرة: ﴿ولا تؤتوا السفهاء أموالكم﴾ [النساء: ٥]. قال: الخدم، وهم شياطين الإنس وهم الخدم. وفي (التوضيح): من قال عنى بالسفهاء النساء خاصة فإنه حمل اللفظ على غير وجهه، وذلك لأن العرب لا تكاد تجمع: فعيلاً، على: فعلاء، إلاَّ في جمع الذكور أو الذكور والإناث، فأما إذا أرادوا جمع الإناث خاصة لا ذكور معهن جمعوه على: فعائل وفعيلات. مثل: غريبة تجمع على: غرائب وغريبات، فأما الغرباء فهو جمع غريب. قال: وكأن البخاري أراد بالتبويب وما فيه من الأحاديث الرد على من خالف ذلك ((روى حبيب المعلم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن النبي عَّه، قال، لما فتح مكة: لا يجوز عطية امرأة في مالها إلاَّ بإذن زوجها)). أخرجه النسائي. ٢١٥ ٥١ - كتابُ الهِيَّةِ وفَضْلِها والتَّخْرِيضِ عَلَيْها / باب (١٥) وقد اختلف العلماء في المرأة المالكة لنفسها الرشيدة ذات الزوج على قولين: أجدهما: أنه لا فرق بينها وبين البالغ الرشيد في التصرف، وهو قول الثوري والشافعي وأبي ثور وأصحاب الرأي. والقول الآخر: لا يجوز لها أن تعطي من مالها شيئاً بغير إذن زوجها، روي ذلك عن أنس وطاوس والحسن البصري. وقال الليث: لا يجوز عتق المزوجة وصدقتها إلاّ في الشيء اليسير الذي لا بد منه من صلة الرحم، أو ما يتقرب به إلى الله تعالى، وقال مالك: لا يجوز عطاؤها بغير إذن زوجها إلاَّ من ثلث مالها خاصة، قياساً على الوصية. ٢٤ / ٢٥٩٠ - حدّثنا أبو عاصِمٍ عنِ ابنِ جرَيْجِ عنِ ابنِ أبِي مُلَيكَةَ عِنْ عَبَّادِ بنِ عَبْدِ الله عن أسماءَ رضي الله تعالى عنها قَالَتْ قُلْتُ يا رَسُولَ الله مالِي مالٌ إلَّ ما أدْخَلَ الزُّبَيْرُ عَلي أفأتَصَدَّقُ قال تَصَدَّقِي ولا تُوعي فيُوعَى الله عَلَيْكِ. [انظر الحديث ١٤٣٣ وطرفيه]. مطابقته للترجمة في قوله: ((تصدقي)) فإنه يدل على أن للمرأة التي لها زوج أن تتصدق بغير إذن زوجها. فإن قلت: الترجمة هبة المرأة، ولفظ الحديث بالصدقة؟ قلت: المراد من الهبة معناها اللغوي، وهو يتناول الصدقة. ذكر رجاله: وهم خمسة: الأول: أبو عاصم الضحاك بن مخلد. الثاني: عبد الملك ابن عبد العزيز بن جريج. الثالث: عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة، بضم الميم. الرابع: عباد، بفتح العين المهملة وتشديد الباء الموحدة: ابن عبد الله بن الزبير بن العوام. الخامس: أسماء بنت أبي بكر الصديق، رضي الله تعالى عنهما. ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضع. وفيه: العنعنة في أربعة مواضع. وفيه: القول في موضعين. وفيه: أن شيخه مصري وابن جريج وابن أبي مليكة مكيان وعباد بن عبد الله مدني. وفيه: رواية الراوي عن جدته. وفيه: رواية التابعي عن التابعي عن الصحابية. وبعض الحديث مضى في كتاب الزكاة في: باب الصدقة فيما استطاع، وفيه: عن عباد بن عبد الله بن الزبير أخبره عن أسماء، وقد روى أيوب هذا الحديث عن ابن أبي مليكة عن عائشة بغير واسطة، أخرجه أبو داود والترمذي وصححه، والنسائي، وصرح أيوب عن ابن أبي مليكة بتحديث عائشة له بذلك، فيحمل على أنه سمعه من عباد عنها، ثم حدثته به. قوله: ((إلاَّ ما أدخل الزبير علي))، بتشديد الياء، معناه: ما صيَّر ملكاً لها، فأمرها، عٍَّ، أن تتصدق، ولم يأمرها باستئذان الزبير، رضي الله تعالى عنه. قوله: ((أفأتصدق؟)) بهمزة الاستفهام في رواية المستملي، وفي رواية غيره بدون حرف الاستفهام. قوله: ((ولا توعي)) من الإيعاء، أي: لا تجعليه في الوعاء، وهو الظرف محفوظاً لا تخرجينه منه، فيعمل الله بك مثل ذلك، وهو معنى قوله: ((فيوعى الله عليك))، قوله: ((فيوعى))، بالنصب لكونه جواب النهي، وإسناد الإيعاء إلى الله تعالى من باب المشاكلة. وقال الخطابي: أي: لا تخبىء الشيء في الوعاء، ومنه قوله تعالى: ﴿وجمع فأوعى﴾ [المعارج: ١٨]. أي: مادة الرزق متصلة باتصاف ٢١٦ ٥١ - كتابُ الهِيَةِ وفَضْلِها والتَّخْرِيضِ عَلَيْها / باب (١٥) النفقة منقطعة بانقطاعها، فلا تمنعي فضلها فتحرمي مادتها، وقد مر الكلام مبسوطاً في كتاب الزكاة. ٢٥٩١/٢٥ - حدّثنا عُبَيْدُ الله بنُ سَعِيدٍ قال حدَّثنا عبْدُ الله بنُ ثُمَيَّر قال حدَّثنا هشامُ · ابنُ عُزْوَةَ عنْ فاطِمَةَ عنْ أسْماءَ أنَّ رسولَ الله عَلِّ قال أنْفِقِي ولاَ تُخصِي فَيُخصِيَ الله عَلَيْكِ ولاَ تُوعِي فَيوعِيَ الله عَلَيْكِ. [انظر الحديث ١٤٣٣ وطرفيه]. مطابقته للترجمة مثل مطابقة الحديث الماضي لها، وعبيد الله بن سعيد بن يحيى أبو قدامة اليشكري السرخسي، وفاطمة بنت المنذر بن الزبير بن العوام، وهي بنت عم هشام بن عروة وزوجته، وأسماء هي بنت أبي بكر، جدتهما جميعاً لأبويهما. قوله: ((أنفقي))، أمر من الإنفاق. قوله: ((ولا تحصى)) من الإحصاء، نهى عنه لأنه إنما يحصى لأجل التبقية، والذخر فيحصي الله عليها بقطع البركة ومنع الزيادة، وقد يكون مرجع الإحصاء إلى المحاسبة عليه والمناقشة في الآخرة، ونسبة الإحصاء إلى الله من باب المشاكلة. وقوله: ((فيحصى))، بالنصب لأنه جواب النهي، وهنا أمر عَّةٍ بالإنفاق، ولم يقل: بالمعروف، لعلمها بمراده لاحتمال أن يراد بالذي تحت يدها من مال الزبير، فإن كان كذلك تنفق بما كان يخفي الزبير إنفاقه من إغاثة ملهوف وإعطاء سائل. ٣٦/ ٢٥٩٢ - حدّثنا يَحْيِى بنُ بُكَيْرِ عنِ اللَّيْثِ عنْ تَزِيدَ عنْ بُكَيْرِ عنْ كُرِئْبٍ مَوْلى ابنِ عَبَّاسٍ أَنَّ مَيْمُونَةَ بِنْتَ الحَارِثِ رضي الله تعالى عنها أنها أعْتَقَتْ ولِيدَة ولم تَسْتَأذِنِ النّبِيَّ عَِّ فِلَمَّا كَانَ يَوْمَهَا الَّذِي يَدُورُ عَلَيْها فيهِ قالَتْ أَشَعَرْتَ يا رسولَ اللهِ أَنِّي أَعْتَقْتُ ولِيدَتي قال أُوَ فَعَلْتِ قالَتْ نَعَمْ قال أمَّا أنَّكِ لوْ أعْطَيْتِهَا أَخْوَالَكِ كانَ أَعْظَمَ لأجْرِكِ. [الحديث ٢٥٩٢ - طرفه في: ٢٥٩٤]. مطابقته للترجمة من حيث إن ميمونة كانت رشيدة، وأعتقت وليدتها من غير استئذان من النبي، عَّله، فلو لم يكن تصرف الرشيدة في مالها نافذاً لأبطله النبي، عَّهِ. ذکر رجاله: وهم ستة: الأول: یحیی بن بکیر هو یحیی بن عبد الله بن بکیر أبو زكريا المخزومي. الثاني: الليث بن سعد. الثالث: يزيد - من الزيادة - ابن أبي حبيبٍ. الرابع: بكير، بضم الباء الموحدة: ابن عبد الله الأشج. الخامس: کريب مولى ابن عباس أبو رشد، بكسر الراء. السادس: ميمونة بنت الحارث الهلالية، زوج النبي، عَل﴾. ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضع. وفيه: الإخبار بصيغة الإفراد في موضع. وفيه: العنعنة في أربعة مواضع. وفيه: أن النصف الأول من الإسناد بصريون والنصف الثاني مدنيون. وفيه: أن شيخه منسوب إلى جده. وفيه: ثلاثة من التابعين على نسق واحد وهم: يزيد وبكير وكريب. وفيه: أن بكيراً وكريباً متحدان في الحروف الأربعة. ذكر من أخرجه غيره: أخرجه مسلم في الزكاة عن هارون بن سعيد الأيلي. وأخرجه النسائي في العتق عن أحمد بن یحیی بن الوزير. ٢١٧ ٥١ - كتابُ الهِيَّةِ وفَضْلِها والتَّخْرِيضِ عَلَيْها / باب (١٥) ذكر معناه: قوله: ((وليدة))، أي: أمة، وفي رواية النسائي من طريق عطاء بن يسار عن ميمونة: أنها كانت لها جارية سوداء. قوله: ((أشعرت؟))، أي: أعلمت؟ قوله: ((قال: أو فعلت؟))، أي: قال النبي، عَّلِ: أو فعلت العتق؟ قوله: ((أما))، بفتح الهمزة وتخفيف الميم، وهو هنا بمعنى: حقاً، أو أحقاً، على خلاف فيه، وتفتح كلمة: أن بعدها وهي قوله: أنك، وأما: أما، التي تكون حرف الاستفتاح التي بمعنى ألاَ، فكلمة: أن، بعدها مكسورة كما تكسر بعد ألاَ، الإستفتاحية. قوله: ((أخوالك))، أخوالها كانوا من بني هلال أيضاً واسم أمها: هند بنت عوف بن زهير بن الحارث، ووقع في رواية الأصيلي: ((إخواتك))، بالتاء. قال عياض: ولعله أصح من رواية أخوالك، بدليل رواية مالك في (الموطأ) ((فلو أعطيتها أختيك)). وقال النووي: الجميع وصحيح لا تعارض، ويكون النبي، عَِّ، قال ذلك كله. قوله: ((كان أعظم لأجرك)). قال ابن بطال: فيه: أن هبة ذي الرحم أفضل من العتق، ويؤيده ما رواه الترمذي والنسائي وأحمد من حديث سليمان بن عامر الضبي مرفوعاً: ((الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي الرحم صدقة وصلة)). ورواه أيضاً ابن خزيمة وابن حبان وصححاه. قلت: ينبغي أن يكون أفضلية هبة ذي الرحم من العتق إذا كان فقيراً لا مطلقاً، وقد جاء في العتق أنه: يعتق بكل عضو منه عضواً منه من النار؟ وبه تجاز العقبة يوم القيامة؟ ونقل عن مالك: أن الصدقة على الأقارب أفضل من العتق، والحق أن هذا يختلف باختلاف الأحوال. وقال بَكْرُ بنُ مُضَرَ عنْ عَمْرٍو عنْ بُكَيْرٍ عنْ كُرَيْبٍ: أنَّ مَيْمُونَةَ أَعْتَقَتْ هذا صورة تعليق، وفي نسخة صاحب (التلويح): بخطه بعد قوله: كان أعظم لأجرك: تابعه بكر بن مضر عن عمرو ... إلى آخره. ثم قال: أراد البخاري بهذه المتابعة الليث بن سعد، وأن بكراً تابعه، وأن عمراً تابع يزيد بن أبي حبيب، وهو مروي عند الإسماعيلي عن الحسن: حدثنا أحمد بن عيسى حدثنا ابن وهب أخبرني عمرو بن الحارث عن بكير بن عبد الله عن كريب، فذكره، وكذا ذكره صاحب (التوضيح) لأنه أخذه عن صاحب (التلويح) وذكره المزي في (الأطراف) بصورة التعليق كما هو في نسختنا حيث قال: أخرجه البخاري في الهبة عن يحيى بن بكير عن الليث عن يزيد بن أبي حبيب عن بكير بن الأشج عن كريب به، قال: وقال بكر بن مضر عن عمرو بن الحارث عن بكير عن كريب: أن ميمونة ... فذ کره. انتهى. وقيل: أراد البخاري بهذا التعليق شيئين: أحدهما: موافقة عمرو بن الحارث ليزيد بن أبي حبيب على قوله: عن كريب، وقد خالفهما محمد بن إسحاق فرواه، عن بكر، فقال: عن سليمان بن يسار بدل: بكير، أخرجه أبو داود والنسائي من طريقه، وقال الدارقطني: رواية يزيد وعمرو أصح. والآخر: أنه: عن بكر بن مضر عن عمرو بصورة الإرسال، فذكر قصة ما أدركها، لكن قد رواه ابن وهب عن عمرو بن الحارث، فقال فيه: عن كريب عن ميمونة، أخرجه مسلم والنسائي من طريقه. ٢١٨ ٥١ - كتابُ الهِبَةِ وفَضْلِها والتَّخْرِيضِ عَلَيْها / باب (١٦) ٢٧ / ٢٥٩٣ - حدَّثنا حِبَّانُ بنُ مُوسَى قال أَخْبَرَنا عبْدُ الله قال أخبرنا يُونُسُ عنٍ الزُّهْرِيِّ عنْ عُرْوَةَ عن عائِشَةَ رضي الله تعالى عنها كانَ رسولُ الله عَ لَّ إِذَا أَرَادَ سَفَراً أَقْرَعَ بَيْنَ نِسائِهِ فَأَيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا خَرَجَ بِها مَعَهُ وكانَ يَقْسِمُ لِكُلِّ امْرَأَةٍ مِنْهُنَّ يَوْمَها وَلَيْلَتها غَيْرَ أنَّ سَوْدَةَ بنْتَ زَمْعَةَ وهَبَتْ يَوْمَها وَلَيْلَتَهَا لِعَائِشَةَ زَوْجِ النبيِّ عَ لّهِ تَبْتَغِي بِذْلِكَ رِضاءَ رسولٍ الله عَّ. [الحديث ٢٥٩٣ - أطرافه في: ٢٦٣٧، ٢٦٦١، ٢٦٨٨، ٢٨٧٩، ٤٠٢٥، ٤١٤١، ٤٦٩٠، ٤٧٤٩، ٤٧٥٠، ٤٧٥٧، ٥٢١٢، ٦٦٦٢، ٦٦٧٩، ٧٣٦٩، ٧٣٧٠، ٧٥٠٠، ٧٥٤٥]. مطابقته للترجمة في قوله: ((وهبت يومها وليلتها لعائشة))، فإن الترجمة هبة المرأة لغير زوجها، فلا توجد المطابقة إلا إذا قلنا: إن هذا هبة المرأة لغير زوجها، وهو عائشة، فلو قلنا: إن الهبة كانت لرسول الله عَ لّه، لا يطابق الترجمة، وللعلماء قولان في هذا: هل الهبة للزوج أو للضرة؟ والمطابقة تأتي على قول من يقول: للضرة، على ما قلناه. وحبان، بكسر الحاء المهملة وتشديد الباء الموحدة: ابن موسى المروزي، مر في الصلاة، وعبد الله هو ابن المبارك المروزي، ويونس هو ابن يزيد، والزهري هو محمد بن مسلم بن شهاب، وعروة هو ابن الزبير بن العوام. والحديث أخرجه البخاري أيضاً في الشهادات عن محمد بن مقاتل. وأخرجه أبو داود في النكاح عن أحمد بن عمرو بن السرح. وأخرجه النسائي في عشرة النساء عن ابن السرح وعن محمد بن آدم عن ابن المبارك إلى قوله: ((خرج بها معه)). قوله: ((أقرع))، من: أقرعت بينهم من القرعة، ومنه يقال: تقارعوا واقترعوا، والقرعة هي: السهام التي توضع على الحظوظ، فمن خرجت قرعته - وهي: سهمه الذي وضع على النصيب، فهو له. قوله: ((فأيتهن)) أي: أية امرأة خرج منهن خرج سهمها الذي باسمها ((خرج بها معه)) أي: خرج رسول الله عٍَّ، بتلك المرأة التي خرج سهمها معه أي: في صحبة رسول الله عَّهِ. قوله: ((تبتغي))، أي: تطلب بذلك، أي: بالمذكور، وهو ما وهبت يومها وليلتها لعائشة، وأصل القرعة لتطييب النفس. ثم اختلفوا أن القرعة في كل الأسفار أو في سفر مخصوص؟ فقال مالك في (المدونة): يخرج من شاء منهن في أي الأسفار شاء. وقال ابن الجلاب: إن أراد سفر تجارة ففيه روايتان: إحداهما: كالحج والغزو، والأخرى: لا إقراع. وقال: وإن أراد سفر حج أو غزو فأقرع بينهن، ثم إذا انقضى سفره قضى لهن وبدأ بها، أو بمن شاء غيرها. وقال صاحب (التوضيح): لم ينقل القضاء، والبداءة بغيرها أحب. ١٦ - بابٌ بِمَنْ يُنْدَأُ بِالْهَدِيَّةِ أي: هذا باب يذكر فيه حكم من يبدأ بالهدية عند التعارض في الاستحقاق. ٢١٩ ٥١ - كتابُ الهِيَّةِ وفَضْلِها والتَّخْرِيضِ عَلَيْها / باب (١٧) ٢٨/ ٢٥٩٤ _ وقال بَكرٌ عنْ عَرٍو عنْ بُكَيْرٍ عنْ كُرَيْبٍ مَولَى ابنِ عَبَّاسِ أنَّ مَيْمُونَةَ زَوْجَ النبيِّ عَلَّمِ أعْتَقَتْ وَلِيدَةٌ لَها فقالَ لهَا لَو وصَلْتِ بَغْضَ أُخْوالِكِ كَانَ أَعْظَمُ لِأَجْرِكِ. [انظر الحديث ٢٥٩٢]. مطابقته للترجمة تؤخذ من معنى الحديث، لأن فيه شيئين: عتق الوليدة وصلة بعض أخوالها. فقال، عليه السلام، ما معناه: أن صلتها لبعض أخوالها كانت أولى وأكثر للأجر، ويؤيد هذا ما رواه النسائي من حديث عطاء بن السائب عن ميمونة، قالت: كانت لي جارية سوداء، فقلت: يا رسول الله! إني أردت أن أعتق هذه. فقال رسول الله، عَّ له: ((أفلا تفدين بها بنت أختك أو بنت أخيك من رعاية الغنم؟)). فإن قلت: الترجمة بلفظ الهدية، والحديث بلفظ الصلة، فكيف المطابقة؟ قلت: الهدية فيها معنى الصلة، وملاحظة هذا المقدار في وجه المطابقة تكفي. قوله: ((فقال لها)) أي: فقال رسول الله عٍَّ لميمونة، وفي بعض النسخ: فقال لها رسول الله عَّه، وقد مر هذا الحديث الذي ذكره معلقاً في الباب السابق، والكلام فيه أيضاً. ٢٩/ ٢٥٩٥ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنَ بَشَّارٍ قال حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ جَعْفَرٍ قال حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ أبِي عِمْرَانَ الجونيّ عنْ طَلْحَةَ بنِ عبدِ الله رَجُلٍ مِنْ بَنِي تَيْمٍ بِنِ مُرَّةَ عنْ عَائِشَةٍ رضي الله تعالى عنها قالَتْ قُلْتُ يا رسولَ الله إنَّ لي جَارَيْنٍ فإلَى أَيُّهمَا أَهْدِي قال إلى أقْرَبِهِما مِنْكَ باباً. [انظر الحديث ٢٢٥٩ وطرفه]. مطابقته للترجمة ظاهرة، وأبو عمران الجوني، بفتح الجيم وسكون الواو وبالنون: اسمه عبد الملك بن حبيب البصري، وطلحة بن عبد الله بن عثمان بن عبيد الله بن معمر التيمي القرشي، تقدم في الشفعة. والحديث قد مضى في الشفعة في: باب أي جوار أقرب، وقد مر الكلام فيه هناك. ١٧ - بابُ مَنْ لَمْ يَقْبَلِ الْهَدِيَّةَ لِعِلَّةٍ أي: هذا باب في بيان حكم من لم يقبل هدية شخص لعلة أي: لأجل علة فيها، مثل: هدية المستقرض إلى المقرض، أو هدية شخص لرجل يقضي حاجته عند أحد أو يشفع له في أمر. وقال عُمَرُ بنُ عَبْدِ العَزِيزِ كانَتِ الْهَدِيَّةُ في زَمَنِ رسولِ اللهِ عَّهِ هَدِيَّةً وَالْيَوْمَ رِشْوَةٌ هذا التعليق وصله ابن سعيد بقصة فيه، فروي من طريق فرات بن مسلم، قال: اشتهى عمر بن عبد العزيز التفاح فلم يجد في بيته شيئاً بشتري به، فركبنا معه، فتلقاه غلمان الدير بأطباق تفاح، فتناول واحدة فشمها، ثم رد الأطباق. فقلت له في ذلك، فقال: لا حاجة لي فيه. فقلت: ألم يكن رسول الله عَ ليه، وأبو بكر وعمر، رضي الله تعالى عنهما، يقبلون الهدية؟ فقال: إنها لأولئك هدية، وهي للعمال بعدهم رشوة، والرشوة، بضم الراء وكسرها وفتحها: ما ٢٢٠ ٥١ - كتابُ الهِيَةِ وفَضْلِها والتَّحْرِيضِ عَلَيْها / باب (١٧) تؤخذ بغير عوض، ويذم آخذه. ٢٥٩٦/٣٠ - حدّثنا أبُو اليَمَانِ قال أخبرنا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قال أخبرني عُبَيْدُ الله ابنُّ عَبْدِ الله بنِ عُثْبَةَ أَنَّ عَبْدَ الله بنَ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما أخْبَرَهُ أنَّهُ سَمِع الصَّغْبَ ابنَ جَثَّامَةَ اللَّيْثِيَّ وكانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ عَ لَّهِ يُخْبِرُ أَنَّهُ أَهْدَي لِرَسُولِ اللهِ عَ ◌ّه ◌ِمَارَ وخشٍ وهْوَ بالأبْوَاءِ أَوْ بِوَدَّنَ وَهْوَ مُخْرِمٌ فَرَدَّهُ قال صَعْبٌ فَلَمَّا عَرَفَ في وجْهِي رَدَّهُ هَدِيَّتِي قال لَّيْسَ بنا رَدٌّ عَلَيْكَ ولَكِنَّا محُرُمٌ. [انظر الحديث ١٨٢٥ وطرفه]. مطابقته للترجمة في قوله: ((فرده))، أي: رد حمار وحش الذي أهداه صعب، ولم يقبله لعلة، وهي كونه محرماً، وأبو اليمان الحكم بن نافع، وقد تكرر هذا الإسناد بهؤلاء الرواة غير مرة. والحديث مضى في كتاب الحج في: باب إذا أهدى للمحرم حماراً وحشياً، فإنه أخرجه هناك: عن عبد الله بن يوسف عن مالك عن ابن شهاب وهو الزهري، وقد مر الكلام فيه هناك. قوله: ((وكان من أصحاب النبي، عَّلَّه))، جملة معترضة، قوله: ((رده))، مصدر مفعول: عرف، أي: عرف أثر الرد، وهو كراهتي لذلك. قوله: ((حرم)) بضمتين. جمع حرام، بمعنى: محرم، نحو: قذال وقذل. ٣١/ ٢٥٩٧ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ قال حدَّثنا سُفْيَانُ عنِ الزُّهْرِيِّ عنْ عُرْوَةَ بنِ الزُّبَيْرِ عنْ أَبِيِ حُمَيْدِ السَّاعِدِيِّ رضي الله تعالى عنهُ قال اسْتَعْمَلَ النبيُّ عَ لَّهِ رَجُلاً مِنَ الأَزْدِ يُقالُ لهُ ابنُ الأَثْبِيَّةِ عِلَى الصَّدَقَةِ فَلَمَّا قَدِمَ قال هَذَا لَكُمْ وَهَذَا أُهْدِيَ لِي قال فَهَلاَّ جلَسَ فيِ بَيْتِ أَبِيهِ أوْ بَيْتِ أُمِّهِ فَيَنْظُرِ أَيُهْدَى لَهُ أُمْ لاَ والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لا يَأْخُذُ أحَدٌ مِنْهُ شَيْئاً إلاّ جاءَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَحْمِلُهُ عَلَى رَقَبَتِهِ إِنْ كانَ بَعِيراً لَهُ رُغَاءٌ أَوْ بَقَرَةً لَهَا خُوَارٌ أَوْ شاةً تَيْعَرُ ثُمَّ رَفَعَ بِيَدِهِ حتَّى رَأَيْنَا عُفْرَةَ إِبْطَيْهِ اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ اللَّهُمَّ هلْ بَلَّغْتُ ثلاثاً. [انظر الحديث ٩٢٥ وأطرافه]. مطابقته للترجمة تؤخذ من معنى الحديث، لأن رسول الله عَّ الله أنكر على عامله المذكور على أخذه الهدية لأنها هدية تهدى لأجل علة، وهو ظاهر، وعبد الله بن محمد بن عبد الله أبو جعفر الجعفي البخاري المعروف بالمسندي، وسفيان هو ابن عيينة وأبو حميد، بضم الحاء المهملة: اسمه عبد الرحمن، وقيل: المنذر، وقيل غير ذلك: الساعدي الأنصاري. والحديث أخرجه البخاري في أواخر كتاب الزكاة في: باب قول الله تعالى ﴿والعاملين عليها﴾ [التوبة: ٦٠]. أخرجه أيضاً في الأحكام عن علي بن عبد الله عن سفيان بن عيينة في النذور عن أبي اليمان وفي ترك الحيل عن عبيد بن إسماعيل. وأخرجه مسلم في المغازي عن أبي بكر بن أبي شيبة وعن جماعة غيره، وأخرجه أبو داود في الجراح عن أبي الطاهر بن السرح ومحمد بن أحمد بن أبي خلف عن سفيان. قوله: ((من الأزد))، بفتح الهمزة وسكون الزاي، وفي آخره دال مهملة: هو الأزد بن الغوث بن نبت بن ملكان بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان؟ يقال