Indexed OCR Text

Pages 61-80

٦١
٤٧ - كِتَابُ الشَّرِكَةِ / باب (١)
ابن كيسان حدثنا عكرمة بن عمار عن إياس بن سلمة عن أبيه، قال: غزونا مع رسول الله،
عَ لِّ، هوازن فأصابنا جهد شديد حتى هممنا بنحر بعض ظهرنا، وفيه: فتطاولت له، يعني
للأزواد، أنظر كم هو؟ فإذا هو كربض الشاة، قال: فحشونا جربنا، ثم دعا رسول الله، عَلَّهِ،
بنطفة من ماء في أداة فأمر بها فصبت في قدح، فجعلنا نتطهر به حتى تطهرنا جميعاً. قوله:
(( كربض الشاة)) بفتح الراء والباء الموحدة وبالضاد المعجمة: وهو موضع الغنم الذي تربض
فيه، أي: تمكث فيه، من ربض في المكان يربض إذا لصق به وأقام ملازماً له. قوله جربنا
بضم الجيم وسكون الراء جمع جراب. قوله: ((بنطفة من ماء)) النطفة، يقال للماء الكثير
والقليل، وهو بالقليل أخص.
قوله: ((خفت أزواد القوم)) أي: قلَّت، وفي رواية المستملي: أزودة القوم. قوله:
((وأملقوا)) أي: افتقروا، يقال: أملق إذا افتقر. قوله: ((نطع))، فيه أربع لغات. قوله: ((وبرَّك))،
بتشديد الراء أي دعا بالبركة عليه. قوله: ((بأوعيتهم))، جمع وعاء. قوله: ((فاحتثى الناس))،
بسكون الحاء المهملة بعدها تاء مثناة من فوق ثم ثاء مثبتة: من الاحتثاء من حثا يحثو حثواً،
وحتى يحثي حثياً إذا حفن حفنة. قوله: ((ثم قال رسول الله، عَّةٍ ... )) إلى آخره، إنما قال
ذلك لأن هذا كان معجزة له، عَّه، وفي رواية البيهقي في (دلائله) من حديث عبد الرحمن
ابن أبي عمرة الأنصاري عن أبيه، وفيه: فما بقي في الجيش وعاء إلاّ ملؤه وبقي مثله،
فضحك حتى بدت نواجذه وقال: أشهد أن لا إله إلاَّ الله، وأني رسول الله، لا يلقى الله عبد
مؤمن بهما إلاَّ مُحجِبَ من النار.
٣ /٢٤٨٥ _ حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ يُوسفَ قال حدَّثنا الأوْزَاعِيُّ قال حدَّثنا أبو النَّجَاشِيِّ
قال سَمِعْتُ رافِعَ بنَ خَدِيج رضي الله تعالى عنهُ قال كُنَّا نُصَلِّي مِعَ النبيِّ عَ لَّه فَتَنْحَرُ جَزُوراً
فيُقْسَمُ عَشْرَ قِسْم فَأْكُلُ لَّحْمَا نَضِيجاً قَبْلَ أنْ تَغْرِبَ الشَّمْسُ.
مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: ((فيقسم عشر قسم)) فإن فيه جمع الأنصباء مما
يوزن مجازفة. ومحمد بن يوسف هو الفريابي، قاله الحافظ أبو نعيم، والأوزاعي هو عبد
الرحمن بن عمر، وأبو النجاشي، بفتح النون والجيم المخففة وبالشين المعجمة وتشديد الياء
وتخفيفها: واسمه عطاء بن صهيب، ورافع، بالفاء: ابن خديج، بفتح الخاء المعجمة وكسر
الدال المهملة وبالجيم.
والحديث مضى من هذا الوجه في كتاب مواقيت الصلاة في: باب وقت المغرب،
والمتن غير المتن.
قوله: ((عشر قسم)) بكسر القاف وفتح السين: جمع قسمة. قوله: ((لحماً نضيجاً))،
بفتح النون وكسر الضاد المعجمة وفي آخره جيم أي: مستوياً. وقال ابن الأثير: النضيج
:
المطبوخ، فعيل بمعنى مفعول.
وفيه: قسمة اللحم من غير ميزان لأنه من باب المعروف، وهو موضوع للأكل. وقال

٦٢
٤٧ - كِتابُ الشَّرِكَةِ / باب (١)
ابن التين: فيه: الحجة على من زعم أن أول وقت العصر مصير ظل الشيء مثليه. وقال
الكرماني: إن وقت العصر عند مصير الظل مثليه ليسع هذا المقدار. قلت: هذا مخالف لما
قاله ابن التين على ما لا يخفى.
٢٤٨٦/٤ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ العَلاَءِ قال حدَّثنا حَمَّادُ بنُ أُسَامَةً عنْ تُرَيْدٍ عِنْ أبِي
بُرْدَةَ عنْ أَبِي مُوسى قال قال النبيُّ عَّلَّهِ إِنَّ الأشْعَرِيِّينَ إِذَا أَرْمَلُوا في الغَزْوِ أَوْ قَلَّ طَعامُ
عِيَالِهِمْ بِالْمَدِينَةِ جَمَعُوا ما كانَ عِنْدَهُمْ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ ثُمَّ اقْتَسَموهُ بَيْتَهُمْ في إنَاءٍ واحدٍ
بالسّوِيَّةِ فَهُمْ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُمْ.
مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: ((جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد ثم اقتسموه
بينهم)) ولا يخفى على المتأمل ذلك، وهذا الإسناد بعينه مضى في: باب فضل من علم.
وبريد، بضم الباء الموحدة ابن عبد الله بن أبي بردة يروي عن جده أبي بردة واسمه
الحارث، وقيل: عامر، وقيل: اسمه كنيته، يروي عن أبيه أبي موسى الأشعري، واسمه عبد
الله بن قيس.
والحديث أخرجه مسلم في الفضائل عن أبي موسى الأشعري وأبي كريب. وأخرجه
النسائي في السير عن موسى بن هارون.
قوله: ((إن الأشعريين)) جمع أشعري، بتشديد الياء نسبة إلى الإشعر، قبيلة من اليمن،
ويروى: إن الأشعرين، بدون ياء النسبة، وتقول العرب: جاءك الأشعرون بحذف الياء. قوله:
((إذا أرملوا))، أي: إذا فني زادهم، من الإرمال، بكسر الهمزة وهو فناء الزاد وإعواز الطعام،
وأصله من الرمل، كأنهم لصقوا بالرمل من القلة كما في قوله تعالى: ﴿ذا متربة﴾ [البلد:
١٦]. قوله: ((فهم مني)) أي: متصلون بي، وكلمة: من، هذه تسمى اتصالية، نحو: لا أنا من
الدد ولا الدد مني. وقال النووي: معناه المبالغة في اتحاد طريقهما واتفاقهما في طاعة الله
تعالى. وقيل: المراد فعلوا فعلي في المواساة.
وفيه: منقبة عظيمة للأشعريين من إيثارهم ومواساتهم بشهادة سيدنا رسول الله، عَ له،
وأعظم ما شرفوا به كونه أضافهم إليه. وفيه: استحباب خلط الزاد في السفر والحضر أيضاً،
وليس المراد بالقسمة هنا القسمة المعروفة عند الفقهاء، وإنما المراد هنا إباحة بعضهم بعضاً
بموجوده. وفيه: فضيلة الإيثار والمواساة. وقال بعضهم: وفيه: جواز هبة المجهول. قلت:
ليس شيء في الحديث يدل على هذا، وليس فيه إلاَّ مواساة بعضهم بعضاً والإباحة، وهذا لا
يسمى هبة، لأن الهبة تمليك المال، والتمليك غير الإباحة، وأيضاً: الهبة لا تكون إلاَّ
بالإيجاب والقبول لقيام العقد بهما، ولا بد فيها من القبض عند جمهور العلماء من التابعين
وغيرهم، ولا يجوز فيما يقسم إلاَّ محوزة مقسومة كما عرف في موضعها.

٠
٦٣
٤٧ - كِتابُ الشَّرِكَةٍ / باب (٢ و٣)
٢ - بابُ ما كانَ مِنْ خَلِيَطَيْنِ فإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا بالسَّوِيَّةِ في الصَّدَقَّةِ
أي: هذا باب في بيان ما كان من خليطين، أي: مخالطين، وهما الشريكان إذا كان
من أحدهما تصرف من إنفاق مال الشركة أكثر مما أنفق صاحبه، فإنهما يتراجعان عند الربح
بقدر ما أنفق كل واحد منهما، فمن أنفق قليلاً يرجع على من أنفق أكثر منه، لأنه مَِّ، لما
أمر الخليطين في الغنم بالتراجع بينهما بالسوية، وهما شريكان، دل على أن كل شريك في
معناهما. قوله: ((في الصدقة))، قيد بها لورود الحديث في الصدقة، لأن التراجع لا يصح بين
الشريكين في الرقاب.
٢٤٨٧/٥ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ اللهِ بنِ الْمُثَنَّى قال حدَّثني أبي قال حدَّثني
ثُمَامَةُ بنُ عبدِ الله بنِ أنَسٍ أن أنَساً حدَّثَهُ أنَّ أبَا بَكْرِ الصِّدِّيقَ رضي الله تعالى عنهُ كتَبَ لَهُ
فِرِيضَةَ الصَّدَقَةِ الَّتِي فَرَضَ رسولُ اللهِ عَ لِّ قال وما كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ فَإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا
بالسّويَّةِ. [انظر الحديث ١٤٤٨ وأطرافه].
مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: ((وما كان من خليطين ... )) إلى آخره، وهذا الإسناد
كله بالتحديث، وهو غريب، والحديث بعين هذه الترجمة وعين هؤلاء الرواة مضى في كتاب
الزكاة في: باب ما كان من خليطين، فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية.
٣ - بابُ قِسْمَةِ الغَنَمِ
أي: هذا باب في بيان قسمة الغنم بالعدل، وفي بعض النسخ: باب قسم الغنم.
٢٤٨٨/٦ - حدَّثنا عِلِيُّ بنُ الْحَكَمِ الأنْصَارِيُّ قال حدَّثنا أَبُو عَوانَةَ عنْ سعِيدٍ بنِ
مَسْرُوقٍ عنْ عَبَايَةَ بنِ رَفَاعَةَ بنِ رافِعِ بنِ خَدِيجٍ عنْ جَدِّهِ قال كُنَّا معَ النبيِّ عَ لِّ بِذِي
الْحُلَيْفَةِ فأصَابَ النَّاسَ مُجُوعٌ فأصابُوا إِبلاً وغنماً قال وكانَ النبيُّ عَّهِ فِي أُخرَيَاتِ الْقَوْمِ
فعَجِلُوا وذبَحُوا ونصَبُوا الْقُدُورَ فَأمَرَ النّبِيُّ عَلِّ بالقدُورِ فَأَكْفِئَتْ ثُمَّ قسَمَ فَعَدَلَ عَشَرَةٌ مِنَ
الغَنَمِ بِبَعِيرٍ فَدَّ مِنْها بعيرٌ فطَلبُوهُ فَأَعْياهُمْ وكانَ في القَوْمِ خَيْلِ يَسِيرَةٌ فَأَهْوَى رَجُلٌ مِنْهُم
بِسَهْمِ فَحَبَسَهُ الله ثمَّ قال إنَّ لِهذِهِ الْبَهَائِم أوابِدَ كأوابِدِ الوَحْشِ فما غلبَكُمْ منْها فاصْنَعُوا بِهِ
لهكذاً فقال جدِّي إنَّا نَرْجُو أَوْ نخافُ العدُوَّ غداً وليستْ مَعَنا مُدَى أَفَتَذْبَحُ بالْقصبِ قال ما
أَنْهرَ الدَّمَ وذُكرَ اسمُ الله عَلَيْهِ فَكُلُوهُ لَيْسَ السِّنَّ والظُفْرَ فسأُحَدِّئُكُمْ عنْ ذُلِكَ أَمَّا السَّنَّ فَعَظْمٌ
وأمَّا الظُفْرَ فَمُدَي الحَبْشَةِ. [الحديث ٢٤٨٨ - أطرافه في: ٢٥٠٧، ٣٠٧٥، ٥٤٩٨،
٥٥٠٣، ٥٥٠٦، ٥٥٠٩، ٥٥٤٣، ٥٥٤٤].
مطابقته للترجمة في قوله: ((ثم قسم فعدل عشرة من الغنم ببعير)).
ذكر رجاله: وهم خمسة: الأول: علي بن الحكم، بفتح الحاء المهملة وفتح الكاف:
الأنصاري. الثاني: أبو عوانة، بفتح العين المهملة وبعد الألف نون: واسمه الوضاح بن عبد
الله اليشكري. الثالث: سعيد بن مسروق بن عدي الثوري والد سفيان الثوري. الرابع: عباية،

٦٤
٤٧ - كِتابُ الشَّرِكَةِ / باب (٣)
بفتح العين المهملة وتخفيف الباء الموحدة وبعد الألف ياء آخر الحروف مفتوحة: ابن رفاعة
ابن رافع بن خديج. الخامس: رافع بن خديج بن رافع بن عدي الأوسي الأنصاري الحارثي.
ذكر لطائف إسناده فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: العنعنة في ثلاثة
مواضع. وفيه: القول في موضع. وفيه: أن شيخه من أفراده وهو مروزي من قرية تدعى غزا.
وأن أبا عوانة واسطي وأن سعيد بن مسروق كوفي وأن عباية مدني. وفيه: رواية عباية عن
جده، وقال الدارقطني: ورواه أبو الأحوص عن سعيد بن مسروق عن عباية بن رفاعة عن أبيه
عن جده، وتابعه عبد الوارث بن سعيد عن ليث بن أبي سليم ومبارك بن سعيد بن مسروق،
فقالا: عن عباية عن أبيه عن جده، وسيجيء في الذبائح رواية البخاري أيضاً عن عباية بن
رفاعة عن أبيه عن جده. قلت: رافع بن خديج روى عنه ابنه رفاعة بن رافع وابن ابنه عباية بن
رفاعة بن رافع بن خديج، على خلاف فيه.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في الشركة عن محمد بن
وكيع وفي الجهاد والذبائح عن موسى بن إسماعيل وفي الذبائح أيضاً عن مسدد وعن عمرو
ابن علي وعن عبدان وعن محمد بن سلام بالقصة الثانية والثالثة، وعن قبيصة ببعض القصة
الثالثة. وأخرجه مسلم في الأضاحي عن إسحاق بن إبراهيم وعن القاسم بن زكرياء وعن
محمد بن المثنى وعن محمد بن الوليد وعن ابن أبي عمر. وأخرجه أبو داود في الذبائح عن
مسدد به. وأخرجه الترمذي في الصيد عن هناد عن بندار بالقصة الثالثة وعن محمود بن
غيلان بالقصة الأولى والثانية، وأعاده في السير عن هناد. وأخرجه النسائي في الحج عن
محمود بن غيلان بهما وعن هناد بهما، وفي الصيد عن أحمد بن سليمان وفي الذبائح عن
هناد بالقصة الثالثة وعن محمد بن منصور بالقصة الثالثة وعن عمرو بن علي بالقصة الثانية
والثالثة وعن إسماعيل بن مسعود بهما، وفي الأضاحي عن أحمد بن عبد الله بن الحكم
ببعض القصة الثانية. وأخرجه ابن ماجه في الأضاحي عن أبي كريب بالقصة الأولى وفي
الذبائح عن محمد بن عبد الله بن نمير مقطعاً في موضعين.
ذكر معناه: قوله: ((بذي الحليفة))، قال صاحب (التلويح)، رحمه الله: وذو الحليفة
هذه ليست الميقات إنما هي التي من تهامة عند ذات عرق، ذكره ياقوت وغيره. قلت: في
رواية مسلم هكذا عن رافع بن خديج، قال: كنا مع رسول الله، عَِّ، بذي الحليفة من
تهامة. وذكر القابسي أنها المهلَّ التي بقرب المدينة، وقاله أيضاً النووي، وفيه نظر من حيث
أن في الحديث رداً لقولهما، وقال ابن التين: وكانت سنة ثمان من الهجرة في قضية حنين.
قوله: ((في أخريات القوم))، أي: في أواخرهم وأعقابهم، وهي جمع أخرى، وكان يفعل ذلك
رفقاً لمن معه ولحمل المنقطع. قوله: ((فعجلوا))، بكسر الجيم. قوله: ((فأكفئت))، أي: قلبت
وأميلت وأريق ما فيها، وهو من الإكفاء، قال ثعلب: كفأت القدر إذا كببته، وكذلك قاله
الكسائي وأبو علي القالي وابن القوطية في آخرين، فعلى هذا إنما يقال: فكفئت وأكفئت إنما
قال على قول ابن السكيت في (الإصلاح): لأنه نقل عن ابن الأعرابي وأبي عبيد وآخرين،

٦٥
٤٧ - كِتابُ الشَّرِكَةِ / باب (٣)
يقال: أكفئت وقال ابن التين: صوابه كفئت بغير ألف من كفأت الإِناء مهموزاً، واختلف في
إمالة الإناء، فيقال فيها: كفأت وأكفأت، وكذلك اختلف في أكفأت الشيء لوجهه.
وقد اختلف في سبب أمره بإكفاء القدور، فقيل: إنهم انتهبوها مالكين لها من غير
غنيمة، ولا على وجه الحاجة إلى أكلها، يشهد له قوله في رواية: فانتهبناها. قلت: ولا على
وجه الحاجة إلى أكلها، فيه نظر، لأنه ذكر في باب النهبة: فأصابتنا مجاعة، فهو بيان لوجه
الحاجة. وقيل: إنما كان لتركهم الشارع في أخريات القوم واستعجالهم ولم يخافوا من مكيدة
الغدر فحرمهم الشارع ما استعجلوه عقوبة لهم بنقيضي قصدهم، كما منع القاتل من الميراث.
قاله القرطبي: ويؤيده رواية أبي داود: وتقدم سرعان الناس فتعجلوا فأصابوا الغنائم ورسول الله،
عَّهِ، في آخر الناس. وقال النووي: إنما أمرهم بذلك لأنهم كانوا قد انتهوا إلى دار الإسلام،
والمحل الذي لا يجوز الأكل فيه من مال الغنيمة المشتركة، فإن الأكل منها قبل القسم إنما
يباح في دار الحرب، والمأمور به من الإراقة إنما هو إتلاف المرق عقوبة لهم، وأما اللحم فلم
يتلفوه، بل يحمل على أنه جُمع ورُد إلى المغنم، ولا يظن أنه أمر بإتلافه لأنه مال الغانمين،
ولأنه، عَّه، نهى عن إضاعة المال. فإن قلت: لم ينقل أنهم حملوه إلى الغنيمة؟ قلت: ولا
نقل أيضاً أنهم أحرقوه ولا أتلفوه، فوجب تأويله على وفق القواعد الشرعية، بخلاف لحم
الحمر الأهلية يوم خيبر لأنها صارت نجسة.
قوله: ((فعدل)) هذا محمول على أنه كان يحسب قيمتها يومئذ، ولا يخالف قاعدة
الأضحية من إقامة بعير مقام سبع شياه، لأن هذا هو الغالب في قيمة الشاة والإبل المعتدلة.
قوله: ((فندًّ))، بفتح النون وتشديد الدال المهملة، أي: نفر، وذهب على وجهه شارداً، يقال:
ندَّ يندُّ نداً وندوداً. قوله: ((فأعياهم))، أي: أعجزهم، يقال: أعيى إذا أعجز، وعيى بأمره إذا لم
يهتد لوجهه، وأعياني هو، قوله: ((يسيرة))، أي: قليلة. قوله: ((فأهوى))، أي: قصد، قال
الأصمعي: أهويت بالشيء إذا أومأت إليه. قوله: ((أوبد))، جمع آبدة، بالمد وكسر الباء
الموحدة المخففة، يقال منه: أبدت تأبد، بضم الباء وتأبِد بكسرها، وهي التي نفرت من
الإنس وتوحشت. وقال القزاز: مأخوذة من الأبد، وهي الدهر لطول مقامها. وقال أبو عبيد:
أخذت من تأبدت الدار تأبداً، وأبدت تأبد أبوداً: إذا خلا منها أهلها. قوله: ((منها))، أي: من
الأوابد. قوله: ((فاصنعوا به هكذا)) أي: إرموه بالسهم. قوله: ((قال جدي إنا نرجو أو
نخاف))، قال الكرماني: نرجو بمعنى نخاف، ولفظ: أو نخاف، شك من الراوي. وقال ابن
التين: هما سواء. قال تعالى: ﴿فمن كان يرجو لقاء ربه﴾ [الكهف: ١١]. أي: يخافه. وقوله:
((جدي) هو جد عباية بن رفاعة بن رافع بن خديج، وعباية الذي هو أحد الرواة يحكي عن
جده رافع بن خديج أنه قال: نرجو، أو قال: إنا نخاف، والرجاء هنا بمعنى الخوف. قوله:
(مدي))، بضم الميم، جمع مدية وهي السكين. قوله: ((أفنذبح بالقصب؟)) وفي رواية لمسلم:
فنذكي بالليط، بكسر اللام وسكون الياء آخر الحروف وبالطاء المهملة: هي قطع القصب،
قاله القرطبي. وقال النووي: قشوره، الواحد ليطة. وفي (سنن أبي داود): أنذكي بالمروة. فإن
عمدة القاري /ج١٣ /م٥

٦٦
٤٧ - كِتَابُ الشَّرِكَةِ / باب (٣)
قلت: ما معنى هذا السؤال عند لقاء العدو؟ قلت: لأنهم كانوا عازمين على قتال العدو وصانوا
سيوفهم وأسنتهم وغيرها عن استعمالها، لأن ذلك يفسد الآلة، ولم يكن لهم سكاكين صغار
معدة للذبح. قوله: ((ما أنهر الدم))، أي: ما أسال وأجرى الدم، وكلمة: ما، شرطية وموصولة،
والحكمة في اشتراط الإنهار التنبيه على أن تحريم الميتة لبقاء دمها، ويقال: معنى أنهر الدم
أساله وصبه بكثرة، وهو مشبه بجري الماء في النهر، وعند الخشني: ما انهز، بالزاي، من
النهز، وهو الدفع وهو غريب. قوله: ((فكلوه)) الفاء جواب الشرط أو لتضمنه معناه. قوله:
((ليس السن والظفر))، كلمة: ليس، بمعنى إلاَّ، وإعراب ما بعده النصب. وقال صاحب
(التلويح): هما منصوبان على الاستثناء: بليس، وفيه ما فيه. قوله: ((فسأحدثكم))، أي: سأبين
لكم العلة في ذلك، وليست السين هنا للاستقبال بل للاستمرار، كما في قوله تعالى:
﴿ستجدون آخرين﴾ [النساء: ٩١]. وزعم الزمخشري أن السين إذا دخلت على فعل محبوب
أو مكروه أفادت أنه واقع لا محالة. قوله: ((أما السن فعظم))، قال التيمي: العظم غالباً لا
يقطع إنما يجرح ويدمي فتزهق النفس من غير أن يتيقن وقوع الذكاة، فلهذا نهى عنه، وقال
النووي: لا يجوز بالعظم لأنه يتنجس بالدم، وهو زاد إخواننا من الجن، ولهذا نهى عن
الاستنجاء به. وقال البيضاوي: هو قياس حذف عنه لا يتشبه بهم لأنهم كفار، وهو شعار
لهم. وفي الحديث: من تشبه بقوم فهو منهم، رواه أبو داود. وقال الخطابي: ظاهره يوهم أن
مدى الحبشة لا تقع بها الذكاة، ولا خلاف أن مسلماً لو ذكى بمدية حبشي كافر جاز،
فمعنى الكلام: أن أهل الحبشة يدمون مذابح الشاة بأظفارهم حتى تزهق النفس خنقاً وتعذيباً
ويحلونها محل الذكاة، فلذلك ضرب المثل به.
ذكر ما يستفاد منه: وهو على أنواع:
الأول: عدم جواز الأكل من الغنيمة قبل القسمة عند الانتهاء إلى دار الإسلام.
الثاني: فيه جواز قسم الغنم والبقر والإبل بغير تقويم، وبه قال مالك والكوفيون، وأبو
ثور إذا كان ذلك على التراضي. وقال الشافعي: لا يجوز قسم شيء من الحيوان بغير تقويم،
قال: إنما كان ذلك على طريق القيمة، أَلاَ ترى أنه عدل عشرة من الغنم ببعير، وهذا معنى
التقويم. وقال القرطبي: وهذه الغنيمة لم يكن فيها غير الإبل والغنم، ولو كان فيها غير ذلك
لقوم جميعاً وقسمه على القيمة.
الثالث: فيه أن ما ند من الحيوان الإنسي لم يقدر عليه جاز أن يذكي بما يذكى به
الصيد، وبه قال أبو حنيفة والشافعي، وهو قول علي وابن مسعود وابن عباس وابن عمر
وطاوس وعطاء والشعبي والأسود بن يزيد والنخعي والحكم وحماد والثوري وأحمد والمزني
وداود، وقال النووي: والجمهور ذهبوا إلى حديث أبي العشراء عن أبيه قال: قلت: يا رسول
الله! أما تكون الذكاة إلاَّ في اللبة والحلق؟ قال: لو طعنت في فخذها لأجزأ عنك. قلت:
حديث أبي العشراء رواه الأربعة، فأبو داود عن أحمد بن يونس عن حماد بن سلمة عن أبي
العشراء، والترمذي عن أحمد بن منيع عن يزيد بن هارون عن حماد بن سلمة، والنسائي عن

٦٧
٤٧ - كِتابُ الشَّرِكَةٍ / باب (٣)
يعقوب بن إبراهيم الدورقي عن عبد الرحمن بن مهدي عن حماد بن سلمة وابن ماجه عن
أبي بكر بن أبي شيبة عن وكيع عن حماد بن سلمة. وقال الترمذي بعد أن رواه: قال أحمد
ابن منيع: قال يزيد هذا في الضرورة، وقال أيضاً: هذا حديث غريب لا نعرفه إلاَّ من حديث
حماد بن سلمة، ولا نعرف لأبي العشراء عن أبيه غير هذا الحديث، واختلفوا في اسم أبي
العشراء، فقال بعضهم: اسمه أسامة بن قهطم، ويقال: يسار بن برز، ويقال: ابن بلز، ويقال:
اسمه عطارد، وقال أبو علي المديني: المشهور أن اسمه أسامة بن مالك بن قهطم، فنسب
إلى جده، وقهطم بكسر القاف وسكون الهاء والطاء المهملة، وقال ابن الصلاح فيما نقله من
خط البيهقي وغيره بكسر القاف، وقيل: قحطم بالحاء المهملة، وقال مالك وربيعة والليث:
لا يؤكل إلاّ بذكاة الإنسي بالنحر أو الذبح، استصحاباً لمشروعية أصل ذكاته، لأنه، وإن كان
قد لحق بالوحش في الامتناع فلم يلتحق بها لا في النوع ولا في الحكم، ألا يرى أن مملك
مالكه باقٍ عليه، وهو قول سعيد بن المسيب أيضاً، وقال مالك: ليس في الحديث أن السهم
قتله، وإنما قال: حبسه، ثم بعد أن حبسه صار مقدوراً عليه، فلا يؤكل إلاَّ بالذبح، ولا فرق
بين أن يكون وحشياً أو إنسياً. وقوله: ((فاصنعوا به هكذا))، قال مالك: نقول بموجبه، أي:
نرميه ونحبسه فإن أدركناه حياً ذكيناه، وإن تلف بالرمي فهل نأكله أو لا؟ وليس في الحديث
تعيين أحدهما، فلحق بالمجملات، فلا ينهض حجة. وقالوا: في حديث أبي العشراء ليس
بصحيح، لأن الترمذي قال فيه ما ذكرناه الآن. وقال أبو داود: لا يصلح هذا إلاَّ في المتردية
والمستوحشة، قالوا: ولئن سلمنا صحته لما كان فيه حجة، إذ مقتضاة جواز الذكاة في أي
عضو كان مطلقاً في المقدور على تذكيته وغيره، ولا قائل به في المقدور عليه، فظاهره
ليس بمراد قطعاً، وقال شيخنا، رحمه الله: ليس العمل على عموم هذا الحديث. ولعله خرج
جواباً بالسؤال عن المتوحش والمتردي الذي لا يقدر على ذبحه، وقد روى أبو الحسن
الميموني أنه سأل أحمد بن حنبل عن هذا الحديث، فقال: هو عندي غلط. قلت: فما تقول؟
قال: أما أنا فلا يعجبني ولا أذهب إليه إلاَّ في موضع ضرورة، كيف ما أمكنتك الذكاة لا
يكون إلاَّ في الحلق أو اللبة، قال: فينبغي للذي يذبح أن يقطع الحلق أو اللبة. قلت: روى
محمد بن الحسن عن أبي حنيفة عن سعيد بن مسروق عن عباية بن رفاعة بن رافع عن ابن
عمر: أن بعيراً تردى في بئر بالمدينة، فلم يقدر على منحره، فوجىء بسكين من قبل خاصرته،
فأخذ منه ابن عمر عشيراً بدرهمين. العشير: لغة في العشر: كالنصيف والنصف. وقيل: العشير
الأمعاء، ومع هذا قول الجماعة الذين ذكرناهم من الصحابة والتابعين فيه الكفاية في
الاحتجاج به.
الرابع: فيه: من شرط الذكاة إنهار الدم، ولم يخص بشيء من العروق في شيء من
الكتب الستة إلاَّ في رواية رواها ابن أبي شيبة في (مصنفه) من رواية من لم يسم عن رافع بنٍ
خديج، قال: سألت رسول الله عَ ليه، عن الذبيحة بالليطة، فقال: كل ما فرى الأوداج إلاّ
السن أو الظفر، ولا شك أن ذلك مخصوص بمكان الذبح والنحر لغلبة الدم فيه، ولكونه أسرع

٦٨
٤٧ - كِتابُ الشّرِكةِ / باب (٣)
إلى إزهاق نفس الحيوان وإراحته من التعذيب. واختلف العلماء فيما يجب قطعه في الذبح،
وهو أربعة: الحلقوم والمرىء والودجان فاشترط قطع الأربعة: الليث وداود وأبو ثور وابن
المنذر من أصحاب الشافعي ومالك في رواية، ولو اكتفى الشافعي وأحمد في المشهور عنه
بقطع الحلقوم والمريء فقط، واكتفى مالك بالحلقوم والودجين، واكتفى أبو حنيفة وأبو
يوسف في رواية بقطع ثلاثة من الأربعة، وعن أبي يوسف: اشتراط الحلقوم واثنين من الثلاثة
الباقية، وعنه أيضاً اشتراط الحلقوم والمريء وأحد الودجين، واشترط محمد بن الحسن أكل
كل واحد من الأربعة.
الخامس: فيه اشتراط التسمية لأنه قرنها بالذكاة وعلق الإباحة عليها، فقد صار كل
واحد منهما شرطاً وهو حجة على الشافعي في عدم اشتراط التسمية، فقال: لو ترك التسمية
عامداً أو ناسياً، تؤكل ذبيحته، وبه قال أحمد في رواية. وقال صاحب (الهداية): قال مالك:
لا يؤكل في الوجهين. قلت: ليس كذلك مذهبه، بل مذهبه ما ذكره ابن قدامة في (المغني):
أن عند مالك يحل إذا تركها ناسياً، ولا يحل إذا تركها عامداً. قلت: هذا هو مثل مذهبنا، فإن
عندنا إذا تركها عامداً فالذبيحة ميتة لا تؤكل، وإن تركها ناسياً أكل ما ذبحه، والمشهور عن
أحمد مثل قولنا، ومذهبنا مروي عن ابن عباس وطاوس وابن المسيب والحسن والثوري
وإسحاق وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وفي التفسير في سورة الأنعام وداود بن علي يحرم
متروك التسمية ناسياً، وقال في (النوازل): وفي قول بشر لا يؤكل إذا ترك التسمية عامداً أو
ناسياً. وقال القدوري في (شرحه لمختصر الكرخي): وقد اختلف الصحابة في النسيان، فقال
علي وابن عباس: إذا ترك التسمية أكل، وقال ابن عمر: لا يؤكل، والخلاف في النسيان يدل
على اتفاقهم في العمد.
فإن قلت: كيف صورة متروك التسمية عمداً؟ قلت: أن يعلم أن التسمية شرط وتركها
مع ذكرها، أما لو تركها من لم يعلم باشتراطها فهو في حكم الناسي، ذكره في (الحقائق)
وكذلك الحكم على الخلاف إذا تركها عمداً عند إرسال البازي والكلب والرمي، قال
صاحب (الهداية): وهذا القول من الشافعي مخالف للإجماع، لأنه لا خلاف فيمن كان قبله
في حرمة متروك التسمية عامداً، وإنما الخلاف بينهم في متروك التسمية ناسياً. والحديث
الذي رواه الدارقطني عن ابن عباس أن النبي عَّم قال: ((المسلم يكفيه اسمه، فإن نسي أن
يسمي حين يذبح فليسم وليذكر اسم الله ثم ليأكل)). حديث ضعيف لأن في سنده محمد
بن يزيد بن سنان، قالوا: كان صدوقاً، ولكن كان شديد الغفلة. وقال ابن القطان: وفي سنده
معقل بن عبد الله وهو - وإن كان من رجال مسلم - لكنه أخطأ في رفع هذا الحديث، وقد
رواه سعيد بن منصور وعبد الله بن الزبير الحميدي عن سفيان بن عيينة عن عمرو عن أبي
الشعثاء عن عكرمة عن ابن عباس.
قوله: وكذلك الحديث الذي رواه الدارقطني من حديث أبي سلمة عن أبي هريرة،
قال: سأل رجل النبي عَّه: الرجل منا يذبح وينسى أن يسمي الله؟ قال: ((اسم الله على كل

٦٩
٤٧ - كِتابُ الشَّرِكَةِ / باب (٤)
مسلم))، وفي لفظ: ((على فم كل مسلم)، ضعيف لأن في سنده مروان بن سالم، ضعفه
أحمد والنسائي والدارقطني أيضاً. فإن قلت: روى أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا عبد الله بن
داود عن ثور بن يزيد عن الصلت عن النبي عَّم قال: ((ذبيحة المسلم حلال، ذكر اسم الله
أو لم يذكر)) قلت: هذا مرسل، وهو ليس بحجة عنده، وقال ابن القطان: وفيه مع الإرسال أن
الصلت السدوسي لا يعرف له حال، ولا یعرف بغير هذا، ولا روی عنه غیر ثور بن یزید.
السادس: فيه: عدم جواز الذبح بالسن والظفر، ويدخل فيه ظفر الآدمي وغيره من كل
الحيوانات، وسواء المتصل والمنفصل بحسب ظاهر الحديث، وسواء الطاهر والنجس. وقال
النووي: ويلتحق به سائر العظام من كل حيوان المتصل والمنفصل. وقيل: كل ما صدق عليه
اسم العظم فلا تجوز الذكاة بشيء منه، وهو قول النخعي والحسن بن صالح والليث وأحمد
وإسحاق وأبي ثور وداود، وقال أبو حنيفة وصاحباه: لا يجوز بالسن والعظم المتصلين،
ويجوز بالمنفصلين، وعن مالك روايات أشهرها: جوازه بالعظم دون السن كيف كانا، والثانية
كمذهب الشافعي، والثالثة كمذهب أبي حنيفة، والرابعة: يجوز بكل شيء بالسن والظفر.
وعن ابن جريج جواز التذكية بعظم الحمار دون القرد، وقال صاحب (الهداية): ويجوز الذبح
بالظفر والقرن والسن إذا كان منزوعاً وينهر الدم ويفري الأوداج، وذكر في (الجامع الصغير):
محمد عن يعقوب عن أبي حنيفة أنه قال: أكره هذا الذبح وإن فعل فلا بأس بأكله، واحتج
أصحابنا في ذلك بما رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه عن سماك بن حرب عن مري ابن
قطري عن عدي بن حاتم، قال: قلت: يا رسول الله! أرأيت أحدنا أصاب صيداً وليس معه
سكين، أيذبح بالمروة وشقة العصا؟ فقال: ((أمرر الدم بما شئت واذكر اسم الله)). وفي لفظ
النسائي: أنهر الدم. وكذلك رواه أحمد في (مسنده) قال الخطابي: ويروى: أمره، قال:
والصواب: أمرر، بسكون الميم وتخفيف الراء. قلت: وبهذا اللفظ رواه ابن حبان في
(صحيحه) والحاكم في (المستدرك) وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، وقال
السهيلي في (الروض الأنف): أمر الدم، بكسر الميم، أي: أسله، يقال: دم مائر أي: سائل،
قال: هكذا رواه النقاش وفسره، ورواه أبو عبيد بسكون الميم، وجعله من: مريت الضرع
والأول أشبه بالمعنى، وجمع الطبراني بين الروايات الثلاث، وفيه رواية رابعة عند النسائي في
(سننه الكبرى): أهرق، فيكون الجميع برواية أبي عبيد خمس روايات. بيان ذلك: أن
الأولى: أمرر من الإمرار، والثانية: أمر من المير، أجوف يائي، والثالثة: أنهر، من الإنهار،
والرابعة: أهرق، من الإهراق. وأصله: أرق من الإراقة، والهاء زائدة. والخامسة: من المري،
ناقص يائي، والجواب عن قوله: ليس السن والظفر، أنه محمول على غير المنزوع، فإن
الحبشة كانوا يفعلون كذلك إظهاراً للجلادة، فإنهم لا يقلمون ظفراً ويحدون الأسنان بالمبرد
ويقاتلون بالخدش والعض، ولأنهما إذا ذكرا مطلقين يراد فيهما غير المنزوع، أما المنزوع
فيذكر مقيداً، يقال: سن منزوع وظفر منزوع، وقال ابن القطان في الحديث المذكور: شك
في موضعين: في اتصاله، وفي قوله: أما السن فعظم، هل هو من كلام النبي عَّهِ أو لا؟ ثم

٧٠
٤٧ - كِتَابُ الشَّرِكَةِ / باب (٤)
روى عن أبي داود هذا الحديث، وفيه: قال رافع: وسأحدثكم عن ذلك، أما السن فعظم،
وأما الظفر فمدي الحبشة، ولم يكن أيضاً في حديث مسلم. أما السن من كلام النبي عَّه
نصاً.
السابع: أن حكم الصيال حكم الندود، وفي (المنتقى): في البعير إذا صال على إنسان
فقتله وهو يريد الذكاة حل أكله.
الثامن: أن الذكاة لا بد فيها من آلة حادة تجري الدم، وأنه لا يكفي في ذلك الرض
والدفع بالشيء الثقيل الذي لا حد له، وإن أزال الحياة، وهذا مجمع عليه، وسواء في ذلك
الحديد والنحاس والزجاج والقصب والحجر، وكل ما له حد إلاّ ما يستثنى منه في الحديث
والله أعلم. التاسع: استدل بقوله ما أنهر الدم على أنه يجزىء فيما شرع ذبحه النحر، وفيما
شرع نحره الذبح، وهو قول كافة العلماء إلاَّ داود ومالكاً في إحدى الروايات عنه، وعن
مالك: الكراهة في رواية، وعنه في رواية: التفرقة، فيجزىء ذبح المنحور ولا يجزىء نحر
المذبوح.
العاشر: أجمعوا على أفضلية نحر الإبل وذبح الغنم، واختلفوا في البقر، والصحيح
إلحاقها بالغنم وهو قول الجمهور، وقيل: يتخير فيها بين الأمرين.
٤ - بابُ القِرَانِ في التَّمْرِ بَيْنَ الشُّرَكَاءِ حَتَّى يَسْتَأْذِنَ أَضْحَابَهُ
هذه الترجمة هكذا موجودة في النسخ المتداولة بين الناس، قيل: لعل، حتى، بمعنى:
حين، فتحرفت أو سقط من الترجمة شيء، أما لفظ النهي من أولها أو: لا يجوز، قبل: حتى.
قلت: لا يحتاج إلى ظن التحريف فيه، بلى فيه حذف، وباب الحذف شائع ذائع تقديره:
هذا في بيان حكم القِران الكائن في التمر الكائن بين الشركاء، لا ينبغي لأحد منهم أن يقرن
حتى يستأذن أصحابه، وذلك من باب حسن الأدب في الأكل، لأن القوم الذين وضع بين
أيديهم التمر كالمتساوين في أكله، فإن استأثر أحدهم بأكثر من صاحبه لم يجز له ذلك، ومن
هذا الباب جعل العلماء النهي عن النهبة في طعام الأعراس وغيرها، لما فيه من سوء الأدب
والاستئثار بما لا يطيب عليه نفس صاحب الطعام، وقال أهل الظاهر: إن النهي عنه على
الوجوب، وفاعله عاص إذا كان عالماً بالنهي، ولا نقول: إنه أكل حراماً، لأن أصله الإباحة،
ودليل الجمهور أنه إنما وضع بين أيدي الناس للأكل، فإنما سبيله سبيل المكارمة لا على
التشاح، لاختلاف الناس في الأكل، فبعضهم يكفيه اليسير، وبعضهم لا يكفيه أضعافه، ولو
كانت سهمانهم سواء لما ساغ لمن لا يشبعه اليسير أن يأكل أكثر من مثل نصيب من يشبعه
اليسير، ولما لم يتشاح الناس في هذا المقدار علم أن سبيل هذه المكارمة، لا على معنى
الوجوب.
٢٤٨٩/٧ - حدَّثنا خَلاَّدُ بنُ يَخْيَى قال حدَّثْنَا سُفْيانُ قال حدَّثنَا جَبَلَةُ بنُ سُحَيْم
قال سَمِعْتُ ابنَ عُمَرُ رضي الله تعالى عنهما يَقُولُ نهَى النبيُّ عَ لِّ أَنْ يَقْوُنَ الَمجُلُ بَيْنَ

٧١
٤٧ - كِتابُ الشّرِكَةِ / باب (٥)
التَّعْرَتَيْنِ جَمِيعاً حتَّى يَسْتَأْذِنَ أصْحابَهُ. [انظر الحديث ٢٤٥٥ وطرفيه].
مطابقته للترجمة ظاهرة، وخلاد بفتح الخاء المعجمة وتشديد اللام: ابن يحيى بن
صفوان أبو محمد السلمي الكوفي، سكن مكة. وهو من أفراده، وقد مر في الغسل، وسفيان
هو الثوري، وجبلة، بالجيم والباء الموحدة واللام المفتوحات: ابن سحيم، بضم السين
المهملة وفتح الحاء المهملة وسكون الياء آخر الحروف: التيمي، ويقال: الشيباني، مر في
كتاب الصوم في باب: إذا رأيتم الهلال. وهذا الحديث والذي بعده عن جبلة عن ابن عمر،
فالأول: عن سفيان عن جبلة، والثاني: عن شعبة عن جبلة، وقد ذكره في المظالم في: باب
إذا أذن إنسان لآخر شيئاً جاز، عن شعبة أيضاً عن جبلة، وقد مر الكلام فيه هناك.
٢٤٩٠/٨ - حدّثنا أَبُو الوَلِيدِ قال حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ جَبَلَةَ قال كُنَّا بِالْمَدِينَةِ فأصابَتْنَا
سَنَةٌ فَكَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ يَرْزُقنا الثَّمْرَ وكَانَ ابنُ عُمَرَ يَمُّ بِنَا فَيَقُولُ لا تَقْرُنُوا فَإِنَّ النبيَّ عَلِّ نَهَى
عَنِ الإِقْرَانِ إلاَّ أن يَسْتَأْذِنَ الرَّجُلُ مِنْكُم أخاهُ. [انظر الحديث ٢٤٥٥ وطرفيه].
أبو الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي. قوله: ((سنة))، أي جدب وغلاء. ((وابن
الزبير)) هو عبد الله بن الزبير بن العوام، رضي الله تعالى عنهما. قوله: ((يرزقنا التمر))، أي:
يقوتنا به يقال: رزقته رزقا فارتزق، كما يقال: قته فاقتات، والرزق اسم لكل ما ينتفع به حتى
الدار والعبد، وأصله في اللغة: الحظ والنصيب، وكل حيوان يستوفي رزقه حلالاً أو حراماً.
قوله: ((لا تقرنوا))، من قرن يقرن من باب ضرب يضرب، ويروى عن جبلة قال: كنا بالمدينة
في بعث العراق، فكان ابن الزبير يرزقنا التمر، وكان ابن عمر يمر ويقول: لا تقارنوا إلاَّ أن
يستأذن الرجل أخاه، هذا لأجل ما فيه من الغبن، ولأن ملكهم فيه سواء، ويروى نحوه عن
أبي هريرة في أصحاب الصفة. قوله: ((نهى عن الإقران))، ويروى: ((عن القِران))، والنهي فيه
للتنزيه، وقالت الظاهرية: للتحريم.
٥ - بابُ تَقْوِيمِ الأَشْيَاءِ بَيْنَ الشُّرَكَاءِ بِقِيمَةِ عَدْلٍ
أي: هذا باب في بيان حكم تقويم الأشياء نحو: الأمتعة والعروض بين الشركاء حال
كون التقويم بقيمة عدل، وحكمه أنه: يجوز بلا خلاف، وإنما الخلاف في قسمتها بغير تقويم،
فأجازه الأكثرون إذا كان على سبيل التراضي، ومنعه الشافعي.
٢٤٩١/٩ _ حدَّثْنا عِمْرَانُ بنُ مَيْسَرَةَ قال حدَّثنَا عَبْدُ الوَارِثِ قال حدَّثنا أَيُّوبُ عنْ
نافِعٍ عنِ ابنٍ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما قال قال رسول الله عَ لَّه من أعْتَقَ شِقْصاً لَهُ مِنْ
عَبْدٍ أوْ شِرْكَّاً أَوْ قال نَصِيباً وكانَ لَهُ ما يَبْلُغُ ثَمَنَهُ بِقِيمَةِ الْعَدْلِ فَهْوَ عَتِيقٌ وإلاَّ فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ
ما عتَقَ قال لاَ أُدْرِي قَوْلَهُ عتَقَ مِنْهُ ما عتَقَ قَوْلٌ مِنْ نافِعِ أوْ في الْحَدِيثِ عنِ النبيِّ عَ لِ.
[الحديث ٢٤٩١ - أطرافه في: ٢٥٠٣، ٢٥٢١، ٢٥٢٣،٢٥٢٢، ٢٥٢٤، ٢٥٢٥].
مطابقته للترجمة في قوله: ((بقيمة العدل)).

٧٢
٤٧ - كِتابُ الشَّرِكَةِ / باب (٥)
ذكر رجاله: وهم خمسة: الأول: عمران بن ميسرة - ضد الميمنة - مر في العلم.
الثاني: عبد الوارث بن سعيد التميمي العنبري. الثالث: أيوب بن أبي تميمة السختياني.
الرابع: نافع مولى ابن عمر. الخامس: عبد الله بن عمر.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع. وفيه: العنعنة في
موضعين. وفيه: أن شيخه من أفراده، وأن عبد الوارث وأيوب بصريان وأن نافعاً مدني.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في العتق عن أبي النعمان
عن حماد بن زيد. وأخرجه مسلم في النذور عن زهير بن حرب، وفيه وفي العتق عن أبي
الربيع الزهراني وأبي كامل الجحدري. وأخرجه أبو داود في العتق عن أبي الربيع به وعن
مؤمل بن هشام. وأخرجه الترمذي في الأحكام عن أحمد بن منيع عن إسماعيل به وأخرجه
النسائي في البيوع عن عمرو بن علي وفي العتق عن إسحاق بن إبراهيم وعن عمرو بن زرارة
وعن محمد بن يحيى.
ذكر معناه: قوله: ((شقصاً)) بكسر الشين المعجمة وسكون القاف وبالصاد المهملة:
وهو النصيب قليلاً أو كثيراً. ويقال له: الشقيص أيضاً، بزيادة الياء، مثل: نصف ونصيف،
ويقال له أيضاً: الشرك بكسر الشين أيضاً، وقال ابن دريد، الشقص هو القليل من كل شيء،
وقال القزاز: لا يكون إلاَّ القليل من الكثير، وقال في (الجامع): الشقص النصيب والسهم،
تقول لي في هذا المال شقص، أي: نصيب قليل، والجمع أشقاص، وقد شقصت الشيء إذا
جزأته، وقال ابن سيده: وقيل: هو الحظ وجمعه شقاص، وقال الداودي: الشقص والسهم
والنصيب والحظ كله واحد. قلت: وفيه تحرز الراوي عن مخالفة لفظ الحديث وإن أصاب
المعنى، لأن النصيب والشرك والشقص بمعنى واحد، ولما شك فيه الراوي أتى بهذه الألفاظ
تحرياً وتحرزاً عن المخالفة، وقد اختلف في وجوب ذلك واستحبابه، ولا خلاف في
الاستحباب، وذهب غير واحد إلى جواز الرواية بالمعنى للعالم بما يحيل الألفاظ دون غيره.
قوله: ((من عبد))، يتناول الذكر والأنثى، فأما الذكر فبالنص، وأما الأنثى، فقيل: إن اللفظ
يتناولها أيضاً بالنص، فإن إطلاق لفظ: العبد، يتناول كلاً منهما، قال ابن العربي: وذلك لأنها
صفة، فيقال: عبد وعبدة، فإذا أطلقت القول يتناول الذكر والأنثى وقيل: إنما يثبت ذلك في
الأنثى بالقياس الجلي، إذ المعنى الموجود في الذكر موجود في الأنثى، لأن وصف الذكورة
والأنوثة لا تأثير له في الوصف المقتضي للحكم، وقال إمام الحرمين: إدراك كون الأمة فيه
كالعبد حاصل للسامع قبل التفطن لوجه الجمع.
قلت: في (صحيح البخاري) التصريح بالأمة من رواية موسى بن عقبة عن نافع عن ابن
عمر أنه كان يفتي في العبد أو الأمة، يكون بين الشركاء فيعتق أحدهم نصيبه منه، وفي
آخره: يخبر ذلك عن ابن عمر عن النبي عَّه، وسيأتي في الحديث الثاني في الباب: من
أعتق شقيصاً من مملوك، وهذا شامل للعبد والأمة أيضاً، وحكى عن ابن إسحاق بن راهويه
تخصيص هذا الحكم بالعبيد دون الإماء، قال النووي: وهذا القول شاذ مخالف للعلماء كافة.

٧٣
٤٧ - كِتابُ الشَّرِكَةِ / باب (٥)
قوله: ((وكان له))، أي: للمعتق. قوله: ((ثمنه))، أي: ثمن العبد بتمامه. قوله: ((بقيمة العدل))،
وهو أن يقوّم على أن كله عبد، ولا يقوّم بعيب العتق. قاله أصبغ وغيره، وقيل: يقوم على أنه
مسه العتق، وفي لفظ: قوم عليه بأعلى القيمة، وعند الإسماعيلي: ولا وكس ولا شطط.
قوله: ((فهو عتيق))، أي: العبد كله عتيق، أي: معتوق بعضه بالإعتاق وبعضه بالسراية. قوله:
((وإلَّ) أي: وإن لم يكن له ما يبلغ ثمنه فقد عتق منه ما عتق، أي: ما عتقه، يعني: المقدار
الذي عتقه، والعين مفتوحة في: عتق الأول، وعتق، الثاني. وقال الداودي: يجوز ضم العين في
الثاني، وتعقبه ابن التين. فقال: هذا لم يقله غيره ولا يعرف عتق بالضم، لأن الفعل لازم
صحيح، لأنه يقال: عتق العبد عتقاً وعتاقة وعتاقاً فهو عتيق، وهم عتقاء، وأعتقه مولاه. وفي
(المغرب): وقد يقام العتق مقام الإعتاق، وقال ابن الأثير؛ يقال: أعتقت العبد أعتقه عتقاً
وعتاقة، فهو معتق وأنا معتِق، وعتق فهو عتيق أي: حررته وصار حراً. قوله: ((قال: لا أدري))
أي: قال أيوب، قاله الطرقي، وكذا في (صحيح الإسماعيلي): قال أيوب، فذكره، قال: وفي
رواية المعلى عن حماد عن أيوب، قاله نافع.
ذكر ما يستفاد منه: وهو على أنواع:
الأول: في بيان مسألة الترجمة، وهو التقويم في قسمة الرقيق، فعند أبي حنيفة
والشافعي: لا تجوز قسمته إلاّ بعد التقويم، واحتجا بهذا الحديث وبالحديث الذي بعده،
قالا: أجاز عَّلم تقويمه في البيع للعتق، فكذلك تقويمه في القسمة، وقال مالك وأبو يوسف
ومحمد: يجوز قسمته بغير تقويم إذا تراضوا على ذلك، وحجتهم أنه عَّ قسم غنائم حنين
وكان أكثرها السبي والماشية، ولا فرق بين الرقيق وسائر الحيوانات، ولم يذكر في شيء من
السبي تقويم. قلت: مذهب أبي حنيفة: أن الرقيق لا يقسم إلاّ إذا كان معه شيء آخر للتفاوت
فيه، والتفاوت في الآدمي فاحش لتفاوت المعاني الباطنة كالذهن والكياسة والأمانة والفروسية
والكتابة، فيعتذر التعديل إلاّ إذا كان معه شيء آخر، فحينئذ يقسم قسمة الجميع من غير رضا
الشركاء، فيجعل الرقيق تبعاً كبيع الشرب والطريق، ونحوهما، وقال أبو يوسف ومحمد:
يقسم الرقيق جبراً، وبه قال الشافعي ومالك وأحمد لاتحاد الجنس، وإنما التفاوت في القيمة
وذا لا يمنع صحة القسمة كما في الإبل والبقر ورقيق الغنم، والجواب من جهة أبي حنيفة:
أن التفاوت في الحيوانات يقل عند اتحاد الجنس، ألا يرى أن الذكر والأنثى من بني آدم
جنسان، ومن الحيوانات جنس واحد؟ ألا يرى أنه إذا اشترى شخصاً على أنه عبد فإذا هو
جارية لا ينعقد العقد، ولو اشترى غنماً أو إبلاً على أنه ذكر، فإذا هو انثى ينعقد العقد،
بخلاف المغانم، لأن حق المغانمين في المالية حتى كان للإمام بيعها وقسمة ثمنها بينهم،
وفي الرقيق شركة الملك يتعلق بالعين والمالية، فافترق حكمهما، فلا يجوز قياس أحدهما
على الآخر.
الثاني: احتج مالك والشافعي وأحمد بالحديث المذكور: أنه إذا كان عبد بين اثنين
فأعتق أحدهما نصيبه، فإن كان له مال غرم نصيب صاحبه وعتق العبد من ماله، وإن لم يكن

٧٤
٤٧ - كِتابُ الشَّرِكَةِ / باب (٥)
له مال عتق من العبد ما عتق ولا يستسعى. قال الترمذي: وهذا قول أهل المدينة، وعند أبي
حنيفة أن شريكه مخير، إما أنه يعتق نصيبه أو يستسعى العبد والولاء في الوجهين لهما، أو يضمن
المعتق قيمة نصيبه لو كان موسراً، أو يرجع بالذي ضمن على العبد، ويكون الولاء للمعتق،
وعند أبي يوسف ومحمد: ليس له إلاَّ الضمان مع اليسار، أو السعاية مع الإعسار، ولا يرجع
المعتق على العبد بشيء، والولاء للمعتق في الوجهين واحتج أبو حنيفة بما رواه البخاري أيضاً:
من أعتق شقصاً له في مملوك فخلاصه عليه في ماله إن كان له مال، وإلاّ قوم عليه واستسعى به
غير مشقوق، أي لا يشدد عليه. ورواه مسلمٍ أيضاً فثبت السعاية بذلك، وقال ابن حزم: على
ثبوت الاستسعاء ثلاثون صحابياً. وقوله: وإلاَّ فقد عتق منه ما عتق، لم تصح هذه الزيادة عن
الثقة أنه من قول النبي عَّه، حتى قال أيوب ويحيى بن سعيد الأنصاري: أهو شيء في الحديث
أو قاله نافع من قبله؟ وهما الراويان لهذا الحديث. وقال ابن حزم في (المحلى): هي مكذوبة.
واعلم أن ههنا أربعة عشر مذهباً. الأول: مذهب عروة ومحمد بن سيرين والأسود بن
يزيد وإبراهيم النخعي وزفر: أن من أعتق شركاً له في عبد ضمن قيمة حصة شريكه موسراً
كان أو معسراً، ورووا ذلك عن عبد الله بن مسعود وعمر بن الخطاب. الثاني: مذهب ربيع:
أن من أعتق حصة له من عبد بينه وبين آخر لم ينفذ عتقه، نقله أبو يوسف عنه. الثالث:
مذهب الزهري وعبد الرحمن بن يزيد وعطاء بن أبي رباح وعمرو بن دينار: أنه ينفذ عتق من
أعتق ويبقى من لم يعتق على نصيبه يفعل فيه ما شاء. الرابع: مذهب عثمان الليثي، فإنه ينفذ
عتقِ الذي أعتق في نصيبه ولا يلزمه شيء لشريكه إلاّ أن تكون جارية رائعة. إنما تلتمس
للوطء، فإنه يضمن للضرر الذي أدخل على شريكه. الخامس: مذهب الثوري والليث
والنخعي في قول، فإنهم قالوا: إن شريكه بالخيار إن شاء أعتق وإن شاء ضمن المعتق.
السادس: مذهب ابن جريج وعطاء بن أبي رباح في قول: إنه إن أعتق أحدُ الشريكين نصيبه
استسعى العبد سواء كان المعتق معسراً أو موسراً. السابع: مذهب عبد اللَّه بن أبي يزيد أنه إن
أعتق أحد شركاً له في عبد وهو مفلس، فأراد العبد أخذ نصيبه بقيمته فهو أولى بذلك إن نقد.
الثامن: مذهب ابن سيرين أنه: إذا أعتق نصيبه في عبد فباقيه يعتق من بيت مال المسلمين.
التاسع: مذهب مالك: أن المعتق إن كان موسراً قوم عليه حصص شركائه، وأغرمها لهم. وأعتق
كله بعد التقويم لا قبله، وإن شاء الشريك أن يعتق حصته فله ذلك، وليس له أن يمسكه رقيقاً، ولا
أن يكاتبه، ولا أن يبيعه، ولا أن يدبره وإن كان معسراً، فقد عتق ما أعتق والباقي رقيق يبيعه الذي
هو له إن شاء أو يمسكه رقيقاً أو يكاتبه أو يهبه أو يدبره، وسواء أيسر المعتق بعد عتقه أو لم يوسر.
العاشر: مذهب الشافعي في قول، وأحمد وإسحاق: أن الذي أعتق إن كان موسراً قوم عليه
حصة من شركه، وهو حر كله حين أعتق الذي أعتق نصيبه، وليس لمن يشركه أن يعتقه، ولا أن
يمسكه وإن كان معسراً. فقد عتق ما عتق وبقي سائره مملوكاً يتصرف فيه مالكه كيف شاء.
الحادي عشر: مذهب عبد الله بن شبرمة والأوزاعي والحسن بن حي وسعيد بن
المسيب وسليمان بن يسار والشعبي والحسن البصري وحماد بن أبي سليمان وقتادة

٧٥
٤٧ - كِتابُ الشَّرِكَةِ / باب (٥)
كمذهب أبي يوسف ومحمد، وقد ذكرناه. الثاني عشر: مذهب أبي حنيفة، وقد ذكرناه.
الثالث عشر: مذهب بكير بن الأشج فإنه قال في رجلين بينهما عبد فأراد أحدهما أن يعتق أو
يكاتب: فإنهما يتقاومانه. الرابع عشر: مذهب الظاهرية، أنه إذا أعتق أحد نصيبه من العبد
المشترك يعتق كله حين تلفظ بذلك، فإن كان له مال يفي بقيمة حصة شريكه على حسب
طاقته، ليس للشريك غير ذلك، ولا له أن يعتق، والولاء للذي أعتق أولاً، ولا يرجع العبد على
من أعتقه بشيء مما سعى فيه، حدث له مال أو لم يحدث.
النوع الثالث: فيه دليل على صحة عتق الموسر وتبرعاته من الصدقة ونحوها، وهو
قول جمهور العلماء، وذهب بعضهم إلى أنه إذا كان معسراً لا يصح عتق نصيبه ويبقى العبد
جميعه في الرق، وحكاه القاضي عياض، وقد ادعى ابن عبد البر الاتفاق على خلافه، فقال:
وقد أجمع العلماء على القول بنفوذ العتق من الشخص، سواء كان المعتق معسراً أو موسراً.
النوع الرابع: يستدل بعموم قوله: من أعتق، على أن الحكم فيه عام في جميع من
يصح منه العتق، سواء كان المعتق أو الشريك أو العبد المعتق مسلماً أو كافراً.
النوع الخامس: فيه أن المال الغائب كالحاضر، لأنه مالك عليه، فيعتق عليه حصة
شريكه بالسراية ويطالبه بقيمة حصته، وفيه خلاف للمالكية.
النوع السادس: قال شيخنا: في قوله: ما يبلغ ثمنه، حجة لأحد الوجهين لأصحاب
الشافعي أنه إذا ملك ما يبلغ بعض ثمن حصة شريكه أنه لا يعتق عليه.
النوع السابع: في أن المراد بقوله: فكان له من المال ما يبلغ ثمنه، وهو ما يفضل عن
قوت يومه وقوت من يلزمه نفقته، وسكنى يومه، ودست ثوب كما هو المعتبر في الديون،
وهو قول الجماهير من العلماء، وبه جزم الرافعي فإنه قال: وليس اليسار المعتبر في هذا الباب
كاليسار المعتبر في الكفارة المرتبة، وكذا قال ابن الماجشون من المالكية، وقال أشهب:
يباع عليه ثياب ظهره ولا يترك له إلاَّ ما يصلي فيه، وقال ابن القاسم: يباع عليه منزله الذي
يسكنه وشوار بيته، ولا يترك له إلاَّ كسوة ظهره، وعيشة الأيام.
النوع الثامن: في قوله: من أعتق، دليل على أنه لا فرق بين أن يكون من أعتق نصيبه
واحداً أو أكثر.
النوع التاسع: قال شيخنا: إذا وقع العتق من واحد فأكثر معا وكانوا موسرين فيقوم
عليهم على قدر الحصص أو على عدد الرؤوس، فيه خلاف عند الشافعية والمالكية، والأصح
عند أصحاب الشافعي أنه: على عدد الرؤوس كالشفعة، وصحح ابن العربي أن هذا على قدر
الحصص.
النوع العاشر: قال شيخنا أيضاً إن في قوله: ((من أعتق شقصاً له)) دليل أن تقدم كتابة
شريكه لعبده في حصته لا يمنع من سراية العتق في نصيب شريكه، لأن المكاتب عبد، وهو
الصحيح المشهور، كما قال الرافعي .. وعن صاحب (التقريب) رواية وجه أو قول: أنه لا

٧٦
٤٧ - كِتابُ الشَّرِكَةِ / باب (٥)
يسري إذ لا سبيل إلى إبطال الكتابة.
النوع الحادي عشر: قال شيخنا أيضاً: وفيه أيضاً أن تعلق الرهن بحصة الشريك لا
يمنع من السراية، وهو الصحيح كما قال الرافعي.
النوع الثاني عشر: قال شيخنا أيضاً: فيه أن تقدم تدبير الشريك بحصته على إعتاق
الشريك الموسر بحصته، لا يمنع السراية أيضاً، وفيه قولان للشافعي، والأقوى كما قال
الرافعي: أنه لا يمنع، والقول الثاني: أنه يمنع.
النوع الثالث عشر: فيه: أيضاً أن تقدم استيلاء الشريك وهو معسر لا يمنع سراية
إعتاق شریکه.
النوع الرابع عشر: استدل به ابن عبد البر لقول مالك وأصحابه: إن من أفسد شيئاً من
العروض التي لا تكال ولا توزن فإنما عليه قيمة ما استهلك من ذلك مثله، لأنه عَّةٍ لم
يوجب على من أعتق نصيبه نصف عبد مثله لشريكه، قال مالك: القسمة أعدل في ذلك،
وهذا قول أبي حنيفة أيضاً.
النوع الخامس عشر: قال شيخنا: الحديث محمول على ما إذا أعتق نصيبه في حالة
الصحة، فإذا أعتق في حصته المرض ومات فإنه لا ينفذ ولا يسري على الموسر إلاَّ ما احتمله
ثلث ماله، وكذلك لو أوصى بعتق نصيبه أو ببعض حصته فإنه لا يسري عليه شيء زائد على
ذلك، لا في حصته ولا في حصة شريكه، لأنه قد انقطع ملكه بالموت.
النوع السادس عشر: لم يسر ولم يقوم عليه نصيب شريكه، بخلاف ما إذا اشتراه أو
اتهبه، قاله الرافعي.
٢٤٩٢/١٠ - حدَّثنا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ قال أخبرنا عبْدُ الله قال أخبرنا سَعيدُ بنُ أبي
عُرُوبَةَ عنْ قَتَادَةَ عنِ النَّضْرِ بنِ أَنَسٍ عِنْ بَشيرِ بنِ نَهِيكٍ عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ
عنِ النبيِّ عَّ ◌ُلَّ قَالِ مَنْ أَعْتَقَ شَقِيصاً مِنْ مَمْلُوكِهِ فَعَلَيْهِ خَلاَصُهُ في مالِه فإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ
مَالٌ قُوْمَ الْمَمْلُوكُ قِيمَةَ عَدْلٍ ثُمَّ اسْتَسْعَى غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ. [الحديث ٢٤٩٢ - أطرافه
في: ٢٥٠٤، ٢٥٢٦، ٢٥٢٧].
مطابقته للترجمة في قوله: ((قوم المملوك قيمة عدل)).
ذكر رجاله: وهم سبعة: الأول: بشر، بكسر الباء الموحدة وسكون الشين المعجمة:
ابن محمد أبو محمد، مر في الوحي. الثاني: عبد الله بن المبارك. الثالث: سعيد بن أبي
عروبة، بفتح العين المهملة وضم الراء وبالباء الموحدة: واسمه مهران اليشكري. الرابع: قتادة
ابن دعامة. الخامس: النضر، بفتح النون وسكون الضاد المعجمة: ابن أنس بن مالك
النجاري الأنصاري. السادس: بشير، بفتح الباء الموحدة وكسر الشين المعجمة: ابن نهيك،
بفتح النون وكسرها وبالكاف: السلولي، ويقال: السدوسي. السابع: أبو هريرة، رضي الله
تعالى عنه.

٧٧
٤٧ - كِتابُ الشَّرِكَةِ / باب (٥)
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضع واحد. وفيه: الإخبار
كذلك في موضعين. وفيه: العنعنة في أربعة مواضع. وفيه: أن شيخه من أفراده وهو وشيخه
مروزيان والبقية بصريون، وقال الخطيب: رواه يزيد بن هارون عن سعيد عن قتادة عن النضر
ابن أنس بلفظ: من أعتق نصيباً له من عبد ولم يكن له مال استسعى العبد في ثمن رقبته غير
مشقوق عليه، هكذا رواه يزيد، قصر عن بعض الألفاظ التي ذكرها عبد الله بن بكر عن ابن
أبي عروبة، وقد رواه سعيد بن المبارك ويزيد بن زريع ومحمد بن بشر العبدي ويحيى القطان
ومحمد بن أبي عدي فأحسنوا سياقه، واستوفوا ألفاظه، وكذلك رواه أبان بن يزيد وجرير بن
حازم وموسى بن خلف عن قتادة، ورواه شعبة عن قتادة فلم يذكر استسعاء العبد، وكذلك
رواه روح بن عبادة ومعاذ بن هشام كلاهما عن هشام الدستوائي عن قتادة، إلاَّ أن معاذاً لم
يذكر في إسناده النضر، إنما قال: عن قتادة عن بشير بن نهيك، ورواه محمد بن كثير العبدي
عن همام عن قتادة. وروى أبو عبد الرحمن بن عبد الله بن يزيد المصري عن همام معنى
ذلك إلاَّ أنه زاد فيه ذكر الاستسعاء وجعله من قول قتادة، وميزه من كلام النبي عَ ◌ّةٍ فقال:
وكان قتادة يقول: إن لم يكن له مال استسعى. وفي لفظ عند الإسماعيلي: أن رجلاً أعتق
شقصاً من مملوكه فغرمه النبي عَّ بقية ثمنه، قال الإسماعيلي: إن كان الاستسعاء على ما
يذهب إليه الكوفي منه فقد جمع بين حديثي ابن عمر وأبي هريرة، وهما متدافعان وجعلهما
صحيحين، وهذا بعيد جداً، والقول في ذلك أحد قولين: أحدهما: إن قوله: استسعى العبد،
ليس في الخبر المسند، وإنما هو لقتادة، فدرج في الخبر على ما رواه همام عن قتادة، وأما أن
يكون استسعاء العبد السيد يستسعيه في قومه غير مشقوق عليه أن العتق لم يكمل فيه فإنه لم
يبين في الخبر من يستسعيه، وتبين أن العتق لم ينفذ فيه فصار سيده هو الذي يستسعيه.
قلت: أبو هريرة روى هذا الحديث كما رواه ابن عمر وزاد عليه شيئاً بيَّن به كيف حكم ما
بقي من العبد بعد نصيب المعتق، كما هو مشروح فيه، فكان هذا الحديث فيه ما في
حديث ابن عمر. وفيه: وجوب السعاية على العبد إذا كان معتقه معسراً، وسنزيد فيه عن
قريب إن شاء الله تعالى.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في العتق عن مسدد وعن
أحمد بن أبي رجاء وفي الشركة أيضاً عن أبي النعمان. وأخرجه مسلم في العتق وفي النذور
عن محمد بن موسى ومحمد بن بشار، وفي النذور أيضاً عن عبيد الله بن معاذ وفي العتق
أيضاً عن علي بن خشرم وفي النذور أيضاً عن إسحاق بن إبراهيم وعلي بن خشرم وفيهما
أيضاً عن عمرو الناقد وعن أبي بكر بن أبي شيبة وفي العتق أيضاً عن هارون بن عبد الله.
وأخرجه أبو داود في العتق عن مسلم بن إبراهيم وعن محمد بن المثنى وعن محمد بن كثير
وعن أحمد بن علي وعن محمد بن المثنى عن معاذ ولم يذكر النضر بن أنس في إسناده،
وعن نصر بن علي وعن علي بن عبد الله وعن محمد بن بشار وفي حديث أبان وابن أبي
عروبة ذكر الاستسعاء. وأخرجه الترمذي في الأحكام عن علي بن خشرم به وعن محمد بن

٧٨
٤٧ - كِتابُ الشَّرِكَةِ / باب (٥)
بشار وفيه ذكر الاستسعاء، قال: ورواه شعبة عن قتادة ولم يذكر فيه أمر السعاية. وأخرجه
النسائي في العتق عن محمد بن المثنى وعن محمد بن بشار وعن هناد وعن نصر بن علي
وعن المؤمل بن هشام وعن محمد بن عبد الله، وفيه ذكر السعاية وعن محمد بن المثنى
ومحمد بن إسماعيل ولم يذكر النضر بن أنس في إسناده ولا قصة الاستسعاء وأخرجه ابن
ماجه في الأحكام عن أبي بكر بن أبي شيبة به.
ذكر بيان ما في حديثي أبي هريرة وابن عمر المذكورين: قد ذكرنا عن قريب أن
في حديث أبي هريرة زيادة وهي: وجوب السعاية على العبد إذا كان المعتق معسراً. فإن
قلت: قال الخطابي: قوله: استسعى غير مشقوق عليه لا يثبته أهل النقل مسنداً عن النبي
عَّةٍ، ويزعمون أنه من قول قتادة، وقد تأوله بعض الناس فقال: معنى السعاية أن يستسعي
العبد لسيده أي: يستخدم، وكذلك معنى قوله: غير مشقوق عليه، أي: لا يحمل فوق ما
يلزمه من الخدمة إلاَّ بقدر ما فيه من الرق، ولا يطالب بأكثر منه، وأيضاً لم يذكر ابن أبي
عروبة بالسعاية في روايته عن قتادة، وفيه اضطراب، فدل على أنه ليس من متن الحديث
عنده، وإنما هو من كلام قتادة، ويدل على صحة ذلك حديث ابن عمر، وقال أبو عمر بن عبد
البر: روى أبو هريرة هذا الحديث على خلاف ما رواه ابن عمر، واختلف في حديثه، وهو
حديث يدور على قتادة عن النضر بن أنس عن بشير بن نهيك عن أبي هريرة، واختلف
أصحاب قتادة عليه في الاستسعاء، وهو الموضع المخالف لحديث ابن عمر من رواية مالك
وغيره، واتفق شعبة وهمام على ترك ذكر السعاية في هذا الحديث، والقول قولهم في قتادة
عند جميع أهل العلم بالحديث إذا خالفهم في قتادة غيرهم، وأصحاب قتادة الذين هم حجة
فيه هؤلاء الثلاثة، فإن اتفق هؤلاء الثلاثة لم يعرج على من خالفهم في قتادة، وإن اختلفوا
نظر، فإن اتفق منهم اثنان وانفرد واحد فالقول قول الإثنين، لا سيما إذا كان أحدهما شعبة،
وليس أحد بالجملة في قتادة مثل شعبة لأنه كان يوقفه على الإسناد والسماع، وقد اتفق شعبة
وهشام في هذا الحديث على سقوط ذكر الاستسعاء فيه، وتابعهما همام، وفي هذا تقوية
لحديث ابن عمر، وهو حديث مدني صحيح لا يقاس به غيره، وهو أولى ما قيل به في هذا
الباب.
وقال البيهقي: ضعف الشافعي السعاية بوجوه: منها: أن شعبة وهشاماً رواياه عن قتادة
وليس فيه استسعاء وهما أحفظ. ومنها: أنه سمع بعض أهل العلم يقول: لو كان حديث
سعيد منفرداً لا يخالفه غيره ما كان ثابتاً. قلت: تابع ابن أبي عروبة على روايته عن قتادة
يحيى بن أبي صبيح، رواه الحميدي عن سفيان بن عيينة عن ابن أبي عروبة ويحيى بن
صبيح عن قتادة على ما رواه الطحاوي عن محمد بن النعمان عن الحميدي، وهو شيخ
البخاري عن سفيان بن عيينة شيخ الشافعي عن سعيد بن أبي عروبة ويحيى بن صبيح، بفتح
الصاد: الخراساني المقري، كلاهما عن قتادة كذلك، وقد ذكر البيهقي أيضاً في (سنته): أن
الحجاج وأبان وموسى بن خلف وجرير بن حازم رووه عن قتادة كذلك، يعني: ذكروا فيه

٧٩
٤٧ - كِتَابُ الشَّرِكَةِ / باب (٦)
الاستسعاء، وإذا سكت شعبة وهشام عن الاستسعاء لم يكن ذلك حجة على ابن أبي عروبة،
لأنه ثقة قد زاد عليهما شيئاً، فالقول قوله، كيف وقد وافقه على ذلك جماعة؟ وقال ابن حزم:
هذا خبر في غاية الصحة، فلا يجوز الخروج عن الزيادة التي فيه، وقد رواه عنه يزيد بن
هارون وعيسى بن يونس وجماعة كثيرة، ذكرهم صاحب (التمهيد) ولم يختلفوا عليه في أمر
السعاية، منهم: عبدة بن سليمان وهو أثبت الناس سماعاً من ابن أبي عروبة، وقال صاحب
(الاستذكار)، وممن رواه عنه كذلك روح بن عبادة ويزيد بن زريع وعلي بن مسهر ویحیی
ابن سعيد ومحمد بن بكر ويحيى بن أبي عدي، ولو كان هذا الحديث غير ثابت كما زعمه
الشافعي لما أخرجه الشيخان في (صحيحيهما) وقال شارح (العمدة): الذين لم يقولوا
بالاستسعاء تعللوا في تضعيفه بتعللات على البعد، ولا يمكنهم الوفاء بمثلها في المواضع التي
يحتاجون إلى الاستدلال فيها بأحاديث يرد عليهم فيها مثل تلك التعللات.
ذكر معناه: قوله: ((شقيصاً))، بفتح الشين المعجمة وكسر القاف: بمعنى الشقص، وهو
النصيب، وقد ذكرنا أنهما لغتان بمعنى واحد كالنصيف والنصف. قوله: ((فعليه خلاصه))، أي:
فعليه أداء قيمة الباقي من ماله ليتخلص من الرق. قوله: ((قيمة عدل))، قد مضى تفسيره.
قوله: ((غير مشقوق))، أي: غير مكلف عليه في الاكتساب، حاصله: يكلف العبد بالاستسعاء
قدر نصيب الشريك الآخر بلا تشديد، فإذا دفعه إليه عتق، ومعنى هذا الحديث مثل معنى
حديث ابن عمر، غير أن فيه زيادة هي: الاستسعاء، وثبت هذا عند الشيخين والترمذي أيضاً،
وروى ابن عدي في (الكامل) من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن رسول الله
عَّهِ، قال: ((من أعتق شقصان من رقيق كان عليه أن يعتق نفسه، فإن لم يكن له مال
یستسعى العبد» والله أعلم.
٦ - بابٌّ هَلْ يُقْرَعُ في الْقِسْمَةِ والاسْتِهامِ فِيهِ
أي: هذا باب يذكر فيه: هل يقرع من القرعة بضم القاف، وهي معروفة. قوله:
((والاستهام)) أي: أخذ السهم، أي: النصيب، وليس المراد من الاستهام هنا الإقراع، وإن كان
معناهما في الأصل واحداً، لأنه لا معنى أن يقال: هل يقرع في الإقراع؟ قوله: ((فيه)) قال
الكرماني: الضمير عائد إلى القسم أو المال الذي يدل عليها القسمة، وقال بعضهم: الضمير
يعود إلى القسم بدلالة القسمة. قلت: كلاهما بمعزل عن نهج الصواب، ولم يذكر هنا قسم
ولا مال حتى يعود الضمير إليه، بل الضمير يعود إلى القسمة والتذكير باعتبار أن القسمة هنا
بمعنى القسم، وفي (المغرب): القسمة اسم من الاقتسام، وجواب: هل، محذوف تقديره: نعم
يقرع، قال ابن بطال: القرعة سنة لكل من أراد العدل في القسمة بين الشركاء، والفقهاء
متفقون على القول بها، وخالفهم بعض الكوفيين، وقالوا: لا معنى لها لأنها تشبه الأزلام التي
نهى الله عنها، وحكى ابن المنذر عن أبي حنيفة أنه جوزها. وقال: هي في القياس لا تسقيم،
ولكنا نترك القياس في ذلك للآثار والسنة، وفي حديث عائشة، رضي الله تعالى عنها، في

٨٠
٤٧ - كِتابُ الشَّرِكَةِ / باب (٦)
الإفك: كان إذا خرج أقرع بين نسائه، وفي حديث أم العلاء: أن عثمان بن مظعون طاولهم
سهمه في السكنى، حين أقرعت الأنصار سكنى المهاجرين، وفي حديث أبي هريرة: ((لو يعلم
الناس ما في النداء والصف الأول لاستهموا عليه)). وقال تعالى: ﴿فساهم فكان من
المدحضين﴾ [الصافات: ١٤١]. وقال إسماعيل القاضي: ليس في القرعة إبطال شيء من
الحق، وإذا وجبت القسمة بين الشركاء في أرض أو دار فعليهم أن يعدلوا ذلك بالقيمة
ويستهموا، ويصير لكل واحد منهم ما وقع له بالقرعة مجتمعاً مما كان له في الملك مشاعاً،
فيصير في موضع بعينه، ويكون ذلك بالعوض الذي صار لشريكه. وإنما منعت القرعة أن يختار
كل واحد منهم موضعاً بعينه.
٢٤٩٣/١١ - حدّثنا أبو نُعَيْمِ قال حدَّثني زَكَرِيَّاءُ قال سَمِعْتُ عامِراً يقُولُ سَمِعْتُ
الثُّعْمَانَ بنَ بَشِيرٍ رضي الله تعالى عنهُما عنِ النَّبِيِّ عَ لَّه قال مَثَلُ القائِم عَلَى حُدُودِ الله
وِالْوَاقِعِ فِيها كَمَثَلِ قَوْمِ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفينَةٍ فأصابَ بَعْضُهُمْ أَعْلاهَا وبَعْضُهُمْ أسْفَلَها فكانَ
الَّذِينَ في أَسْفَلِها إِذَا أَسْتَقَوْا مِنَ الْمَاءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ فقالوا لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا في نَصِيبِنَا
خَرْقاً ولَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنا فإِنْ يَتْرُكُوهُمْ وما أرَادُوا هَلَكُوا جَميعاً وإنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا
ونَجَوْا جَميعاً. [الحديث ٢٤٩٣ - طرفه في: ٢٦٨٦].
مطابقته للترجمة في قوله: ((استهموا على سفينة)). وأبو نعيم، بضم النون: الفضل بن
دكين الأحول الكوفي، وزكرياء هو ابن زائدة الهمداني الكوفي الأعمى، وعامر هو الشعبي،
والنعمان بن بشير، بفتح الباء الموحدة: الأنصاري، مر في كتاب الإيمان.
والحديث أخرجه البخاري أيضاً في الشهادات عن عمر بن حفص بن غياث عن أبيه
عن الأعمش عن الشعبي به. وأخرجه الترمذي في الفتن عن أحمد بن منيع عن أبي معاوية
عن الأعمش به، وقال: حسن صحيح.
قوله: ((مثل القائل على حدود الله تعالى)) أي: المستقيم على ما منع الله تعالى من
مجاوزتها، ويقال: القائم بأمر الله معناه: الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر. وقال الزجاج:
أصل الحد في اللغة المنع، ومنه حد الدار، وهو ما يمنع غيرها من الدخول فيها، والحداد
الحاجب والبواب، ولفظ الترمذي: مثل القائم على حدود الله تعالى والمدهن فيها أي: الغاش
فيها، ذكره ابن فارس، وقيل: هو كالمصانعة، ومنه قوله تعالى: ﴿ودوا لو تدهن فيدهنون﴾
[القلم: ٩]. وقيل: المدهن المتلين لمن لا ينبغي التلين له. قوله: ((والواقع فيها)) أي: في
الحدود، أي: التارك للمعروف المرتكب للمنكر. قوله: ((استهموا)) أي: اتخذ كل واحد
منهم سهماً، أي: نصيباً من السفينة بالقرعة. قوله: ((على من فوقهم))، أي: على الذين
فوقهم. قوله: ((ولم نؤذ))، من الأذى، وهو الضرر. قوله: ((من فوقنا)) أي: الذين سكنوا فوقنا.
قوله: ((فإن يتركوهم وما أرادوا)). أي: فإن يترك الذين سكنوا فوقهم إرادة الذين سكنوا
تحتهم من الخرق، والواو، بمعنى: مع، وكلمة: ما، مصدرية. قوله: ((هلكوا))، جواب الشرط