Indexed OCR Text

Pages 321-340

٣٢١
٤٣ - كتَابٌ في الاسْتِقْرَاضِ وَأَدَاءِ الدُّئُونِ وَالْحَجْرِ والتَّفْلِيسِ / باب (٣)
القول، بمعنى الكلام، بل معناه: صرف أو فرق أو أعطى، ونحو ذلك، لأن العرب تجعل القول
عبارة عن جميع الأفعال وتطلقه على غير الكلام، واللسان، فتقول: قال بيده، أي: أخذه، وقال
برجله أي: مشى، وقال الشاعر:
وقالت له العينان سمعاً وطاعة
أي: أومأت. وقال بالماء على يده، أي: قلب، وقال بثوبه أي: رفعه، وكل ذلك على
المجاز والاتساع، كما روى في حديث السهو قال: ما يقول ذو اليدين؟ قالوا: صدق. روي
أنهم أومأوا برؤوسهم. أي: نعم، ولم يتكلموا. ويقال: قال، بمعنى: أقبل، وبمعنى: مال واستراح
وضرب وغلب، وغير ذلك. قوله: ((وأشار أبو شهاب))، هو عبد ربه الراوي المذكور في سند
الحديث. قوله: ((وقليل ما هم))، جملة إسمية لأن قوله: هم، مبتدأ وقوله: قليل، مقدماً خبره،
وكلمة: ما، زائدة أو صفة. قوله: ((مكانك))، بالنصب أي: إلزم مكانك. قوله: ((الذي
سمعت))، خبر مبتدأ محذوف تقديره ما هو الذي سمعت؟ قوله: ((أو قال))، شك من الراوي
أي: ما هو الصوت الذي سمعت؟ قوله: ((هل سمعت))، استفهام على سبيل الاستخبار. قوله:
((وإن فعل كذا وكذا))، أي: وإن زنى وسرق ونحوهما، والرواية التي في الرقاق تفسر هذا،
وهي قوله: وإن زنى وسرق، ووقع في رواية المستملي: ومن فعل كذا وكذا، عوض؛ وإن،
الشرطية.
ومما يستفاد من الحديث: الاهتمام بأمر الدين وتهيئته لأدائه، وصرف المال إلى
وجوه القربان عند القدرة عليه، والخوف من استغراق الدين لأن المديون إذا حدث كذب
وإذا وعد أخلف، والاحتراز من المطل عند القدرة لأنه في معنى الخيانة في الأمانة، وقد جاء
في: خيانة الأمانة من الوعيد، ما رواه إسماعيل بن إسحاق من حديث ذاذان عن عبد الله بن
مسعود، قال: إن القتل في سبيل الله يكفر كل ذنب إلاَّ الدين والأمانة. قال: وأعظم ذلك
الأمانة تكون عند الرجل فيخونها، فيقال له يوم القيامة: أدّ أمانتك، فيقول: من أين وقد ذهبت
الدنيا؟ فيقال: نحن نريكها، فيمثل له في قعر جهنم، فيقال له: إنزل فأخرجها، فينزل
فيحملها على عنقه حتى إذا كاد، زلت فهوت وهوى في إثرها أبداً. وفيه: ما يدل على فضل
أمة محمد عليه.
٢٣٨٩/٥ _ حدَّثنا أحمَدُ بنُ شَبِيبٍ بنِ سَعِيدٍ حدَّثنا أبي عنْ يُونُسَ قال ابنُ شِهابٍ
حدَّثني عُبَيْدُ الله بنُّ عَبْدِ الله بنِ عُثْبَةً قال قال أبُو هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ قال رسولُ اللهِ
عَلَِّ لَّوْ كانَ لِي مِثْلُ أُحُدٍ ذَهَبَاً ما يَسُرُّنِي أَنْ لاَ يَمُرَّ عَليَّ ثَلاَثٌ وعِنْدِي مِنْهُ شَيْءٌ إلاّ
شيءٌ أزصِدُهُ لِدَيْنٍ. [الحديث ٢٣٨٩ - طرفاه في: ٦٤٤٥، ٧٢٢٨].
وجه مطابقته للترجمة مثل الوجه المذكور في الحديث السابق. وأحمد بن شبيب،
بفتح الشين المعجمة وكسر الباء الموحدة الأولى: الحبطي البصري، وهو من أفراده، وأبوه
سعيد بن الحبطي، بفتح الحاء المهملة وفتح الباء الموحدة وبالطاء المهملة، نسبة إلى
عمدة القاري/ ج١٢ م٢١

٣٢٢
٤٣ - كتَابٌ في الاسْتِقْرَاضِ وأَدَاءِ الدُّيُونِ وَالْحَجْرِ والتَّفْلِيسِ / باب (٤)
الحبطات، من بني تميم، وهو الحارث بن عمرو، ويونس هو ابن يزيد الأيلي.
والحديث أخرجه البخاري أيضاً في الرقاق. قوله: ((ذهباً))، نصب على التمييز، ونظيره
قوله تعالى: ﴿ولو جئنا بمثله مدداً﴾ [الكهف: ١٠٩]. وقال ابن مالك: وقوع التمييز بعد:
مثل، قليل. قوله: ((ما يسرني))، جواب: لو، وقال ابن مالك: الأصل في وقوع جواب: لو، أن
يكون ماضياً مثبتاً، وهنا وقع مضارعاً منفياً، بما، فكأنه أوقع المضارع موضع الماشي، أو كأن
الأصل: ما كان يسرني، فحذف: كان، وهو جواب: لو، وفيه ضمير، وهو اسمه. وقوله:
ويسرني خبره. قوله: ((أن لا يمر))، في محل الرفع لأنه فاعل: ما يسرني. قوله: ((علي))،
بتشديد الياء. لأن كلمة: علي، دخلت على ياء المتكلم. قوله: ((ثلاث)) أي: ثلاث ليال،
وارتفاعه على أنه فاعل: يمر. قوله: ((وعندي))، الواو فيه للحال. قوله: (منه)) أي: من الذهب.
قوله: ((شيء))، مرفوع على أنه مبتدأ مقدماً خبره، هو قوله: منه. قوله: ((إلاّ شيء))، ارتفاع:
شيء، على أنه بدل من: شيء، الأول. قوله: ((أرصده))، في محل الرفع لأنها صفة لشيء،
ووقع للأصيلي وكريمة: ما يسرني أن لا يمكث وعندي منه شيء، وكلمة: لا، زائدة، قاله
بعضهم. قلت: إذا كانت كلمة: ما، في: ما يسرني، نافية فنعم، وأما إذا كانت موصولة فلا.
رَوَاهُ صالِحٌ وعُقَيلٌ عنِ الزُّهْرِيِّ
أي: روى صالح بن كيسان وعقيل، بضم العين: ابن خالد، كلاهما عن محمد بن
مسلم الزهري عن عبيد الله عن أبي هريرة في معنى حديث أبي ذر.
٤ - بابُ اسْتِقْرَاضِ الإِبِلِ
أي: هذا باب في بيان جواز استقراض الإبل، وهذه الترجمة على ما ذهب إليه من
جواز استقراض الحيوان، وهو مذهب الأوزاعي والليث بن سعد أيضاً. وبه قال مالك
والشافعي وأحمد وإسحاق. وقال الثوري والحسن بن صالح وأبو حنيفة وأصحابه: لا يجوز
استقراض الحيوان، واحتج المجوزون بحديث الباب، وقد مر الكلام فيه في الوكالة.
٢٣٩٠ _ حدَّثنا أبو الوَلِيدِ حدَّثنا شُعْبَةُ أخبرنا سَلَمَةُ بنُ كُهَيْلِ قال سَمِعْتُ أبًا سلَمَةً
بِبَيْتِنَا يُحَدِّثُ عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ أنَّ رَجُلاً تَقَاضَى رسولَ الله عَ لَّهِ فَأَعْلَظَ لَهُ
فَهَمَّ أَصْحَابُهُ فقال دَعُوهُ فإِنَّ لِصاحِبِ الْحَقِّ مقَالاً واشْتَرُوا لَهُ بَعِيراً فأعْطُوهُ إِيَّاهُ وقالوا لاَ
نَجِدُ إِلاَّ أَفْضَلَ مِنْ سِنِّهِ قالَ اشْتَرُوهُ فَاعْطُوهُ إِيَّاهُ فإنَّ خَيْرَكُمْ أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً. [انظر الحديث
٢٣٠٥ وأطرافه].
مطابقته للترجمة من حيث إن فيه دفع الحيوان عوض الحيوان. فإن قلت: ظاهر
الحديث لا يدل على أن النبي، عَّه، اقترض من الرجل سناً، ولم يبين في هذا بصورة
القرض صريحاً حتى يقال: إنه يدل على جواز استقراض الحيوان، ولهذا جاء في رواية مسلم
في هذا الحديث، قال أبو هريرة: كان لرجل على رسول الله، عَّ له، حق فأغلظ له الحديث،
والحق أعم من القرض؛ وكذلك في رواية الطحاوي في هذا الحديث: كان لرجل على النبي

٣٢٣
٤٣ - كتَابٌ في الاسْتِقْرَاضِ وأَدَاءِ الدُّيُونِ وَالْحَجْرِ والتَّفْلِيسِ / باب (٥)
عَ لٍ دين فتقاضاه ... الحديث، والدين يشمل القرض وغيره. قلت: صرح في رواية الترمذي
فيه، فقال أبو هريرة: استقرض رسول الله عَّ لله سناً فأعطاه سناً خيراً من سنه، وجاء في رواية
لمسلم من حديث أبي رافع: أن رسول الله عَ لِ استسلف من رجل بكراً ... الحديث، وفي
رواية النسائي عن أبي هريرة، قال: كان لرجل على النبي، عَّله، سن من الإبل ... الحديث،
والأحاديث يفسر بعضها بعضاً، فدل أن رسول الله، عَ لّه، اقترض بعيراً ثم أعطى عوضه بعيراً
أحسن منه، فدل على جواز الاستقراض في الحيوان، وقد أجاب المانعون من استقراض
الحيوان بما ذكرناه فيما مضى في: وكالة الشاهد والغائب جائزة، ذكره في الوكالة فإنه
أخرجه هناك: عن أبي نعيم عن سفيان عن سلمة عن أبي سلمة عن أبي هريرة، قال: كان
رجل ... الحديث، وهنا أخرجه: عن أبي الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي عن شعبة بن
الحجاج ... إلى آخره، ومضى الكلام فيه مستوفىّ هناك.
قوله: ((بينا يحدث))، قد ذكرنا غير مرة أن: بينا، وبينما، ظرفا زمان بمعنى المفاجأة
يضافان إلى جملة، ورأيت في نسخة صحيحة مقروءة: سمعت أبا سلمة بمنىّ يحدث، وعلى
هامشها: سمعت أبا سلمة ببيتنا يحدث، ولم ألتزم صحة هذين، والله أعلم. قوله: ((تقاضى))،
أي: طلب قضاء الدين من رسول الله عَّ له. قوله: ((فأغلظ له))، يحتمل إغلاظه في طلب حقه
وتشدده فيه، لا في كلام مؤذ يسمعه إياه، فإن ذلك كفر ممن فعله مع النبي عَ لّهِ، وقد
يكون القائل بهذا غير مسلم من اليهود، كما جاء مفسراً منهم في غير هذا الحديث، لكن
جاء في رواية عبد الرزاق: أنه كان أعرابياً فكأنه جرى على عادته من جفائه وغلظه في
الطلب. قوله: ((فهم به أصحابه))، أي: عزموا أن يوقعوا به فعلاً. قوله: ((دعوه)) أي: اتركوه،
وهو أمر من: يدع. قوله: ((اشتروا له بعيراً))، وفي رواية عبد الرزاق: التمسوا له مثل سن
بعيره. قوله: ((من سنه))، السن هي المعروفة، ثم سمى بها صاحبها. فإن قلت: في حديث
مسلم عن أبي رافع أن رسول الله، عَ لَّه، استسلف من رجل بكراً فقدمت عليه إبل من إبل
الصدقة، فأمر أبا رافع أن يقضي الرجل بكره، فرجع إليه أبو رافع فقال: لم أجد فيها إلاَّ جملاً
رباعياً. فقال: أعطه إياه، إن خيار الناس أحسنهم قضاء. انتهى. فكيف الجمع بين الروايتين؟
قلت: أمر بالشراء أولاً، ثم قدمت إبل الصدقة فأعطاه منها، أو أمره بالشراء من إبل الصدقة
ممن استحق منها شيئاً، ويؤيده رواية ابن خزيمة: استسلف من رجل بكراً، فقال: إذا جاءت
إبل الصدقة قضيناك. قوله: ((فإن خيركم)) أي: أخيركم، فالخير والشر يستعملان للتفضيل
على لفظهما، بمعنى الأخْيَر والأشرّ، والله أعلم.
٥ - بابُ محسنِ التَّقَاضِي
أي: هذا باب في بيان استحباب حسن التقاضي، أي: حسن المطالبة.
٢٣٩١/٧ _ حدَّثنا مُسْلِمٌ حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ عَبْدِ الْمَلِكِ عنْ رِبْعِيّ عَنْ حُذَيْفَةَ رضي
الله تعالى عنه قال سَمِعْتُ النبيَّ عَّلَّلِ يَقُولُ ماتَ رَجُلٌ فَقيلَ لَهُ قال كُنتُ أبايعُ النَّاسَ

٣٢٤
٤٣ - كتَابٌ في الاسْتِقْرَاضِ وأَدَاءِ الدُّنُونِ وَالْحَجْرِ والتَّفْلِيسِ / باب (٦)
فأَتَجَوَّزُ عَنِ الْمُوسِرٍ وَأُخَفِّفُ عنِ الْمُغْسِرِ فَغُفِرَ لَهُ. [انظر الحديث ٢٠٧٧ وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((كنت أبايع الناس ... )) إلى آخره، فإنه يتضمن حسن
التقاضي، ومسلم هو ابن إبراهيم الأزدي البصري القصاب، وعبد الملك هو ابن عمير القرشي
الكوفي، وربعي، بكسر الراء وسكون الباء الموحدة وكسر العين المهملة وتشديد الياء آخر
الحروف: ابن حراش، مر في: باب إثم من كذب على النبي، عَّهِ. والحديث قد مضى في
كتاب البيوع في: باب من أنظر معسراً، فإنه أخرجه هناك: عن أحمد بن يونس عن زهير عن
منصور أن ربعي بن حراش حدثه ... إلى آخره. قوله: ((فقيل له)): قال: فيه حذف تقديره:
فقيل له ما كنت تصنع؟ قال: كنت ... ووقع هنا في رواية المستملي: فقيل له: ما كنت
تقول؟
قال أبُو مَسْعُودٍ سَمِعْتُهُ مِنَ النبيِّ عَ لّه
أبو مسعود البدري اسمه عقبة بن عمرو. قوله: ((سمعته))، أي: سمعت هذا الحديث
من النبي عَّه، قيل: هذا موصول بالإسناد المذكور، ولكن صورته صورة التعليق. وأخرجه
مسلم، قال: حدثنا علي بن حجر وإسحاق بن إبراهيم، واللفظ لابن حجر، قال: حدثنا جرير
عن المغيرة عن نعيم بن أبي هند عن ربعي بن حراش، قال: اجتمع حذيفة وأبو مسعود، قال
حذيفة: لقي رجل ربه، فقال: ما عملت؟ قال: ما عملت من الخير إلاَّ أني كنت رجلاً ذا
مال، قال: فكنت أطالب به الناس، فكنت أقبل الميسور وأتجاوز عن المعسور، قال: تجاوزوا
عن عبدي. قال أبو مسعود: هكذا سمعت رسول الله، عَّله، يقول.
٦ - بابٌ هَلْ يُعطى أكْبَرَ مِنْ سِنِّهِ
أي: هذا باب يذكر فيه: هل يعطي المستقرض للمقرض أكبر من السن الذي اقترضه؟
وجواب هل، محذوف تقديره: نعم يعطي.
٨/ ٢٣٩٢ _ حدَّثنا مُسَدَّدٌ عنْ يَخيَى عنْ سُفْيَانَ قال حدَّثني سلَمَةُ بنُ كُهَيْلٍ عنْ
أبي سلَمَةَ عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهِ أنَّ رَجُلاً أَتَى النبيَّ عَّلِ يَتَقَاضَاهُ بَعيراً فقال
رسولُ اللهِ عَِّ اغْطُوهُ فقالوا ما نَجِدُ إلَّ سِنَّاً أَفْضَلَ مِنْ سِنِّهِ فقالَ الرَّجُلُ أَوْفَيْتَنِي أَوْفَاكَ الله
فقال رسولُ الله عَلَّ اغْطُوهُ فإنَّ مِنْ خِيارِ النَّاسِ أَحْسَنُهُمْ قَضَاءً. [انظر الحديث
٢٣٠٥ وأطرافه].
مطابقته للترجمة ظاهرة. ويحيى هو القطان، وسفيان هو الثوري، وقد مضى الحديث
في الباب الذي قبل هذا بباب. قوله: ((أوفيتني))، أي: أعطيت حقي وافياً كاملاً، والفرق بين
أوفاك الله، وأوفى بك الله، أن الأول: الإكمال، والثاني: بمعنى: ضد الغدر، يقال: وفى
بعهده وأوفى.

٣٢٥
٤٣ - كتَابٌ في الاسْتِقْرَاضِ وَأَدَاءِ الدُّيُونِ وَالْحَجْرِ والتَّفْلِيسِ / باب (٧ و٨)
٧ - بابُ محُسنِ الْقَضَاءِ
أي: هذا باب في بيان استحباب حسن القضاء، أي: قضاء الدين، أي: أدائه.
٩/ ٢٣٩٣ - حدَّثنا أبُو نُعَيْم قال حدَّثنا سُفيانُ عنْ سَلَمَة عنْ أبِي سلَمَةَ عنْ أبِي
هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ قال كانَّ لِرَجُلٍ عَلَى النّبِيِّ عَّهِ سِنِّ مِنَ الإِبِلِ فَجاءَهُ يَتَقاضاهُ
فقال النبيُّ عَّلَّهِ اغْطُوهُ فَطَلبوا سِنَّهُ فَلَمْ يَجِدُوا لَهُ إلَّ سِنّاً فوْقَهَا فقال اعْطُوهُ فقال أَوْفَيْتَنِي
وفَى الله بِكَ قال النبيُّ عَ لَّهِ إِنَّ خِيَارَكُمْ أَخسَنُكُمْ قَضاءً. [انظر الحديث ٢٣٠٥ وأطرافه].
مطابقته للترجمة ظاهرة. وأبو نعيم، بضم النون: الفضل بن دكين، وسفيان هو ابن
عيينة. قوله: ((فوقها)) أي: أغلى منها ثمناً من حيث الحسن والسن. قوله: ((إن خياركم)) وفي
رواية أبي الوليد التي مضت: فإن خيركم أحسنكم قضاء، وفي رواية تأتي في الهبة: فإن من
خيركم وفي رواية ابن المبارك: أفضلكم أحسنكم قضاء.
٢٣٩٤/١٠ _ حدَّثنا خَلاَّدٌ قال حدَّثنا مِسْعَرٌ قال حدَّثنا مُحارِبُ بنُ دِثار عنْ جابِرِ بنِ
عبدِ الله رضي الله تعالى عنهما قال أتيْتُ النبيَّ عَّ ◌ُلّهِ وَهْوَ في المشجِدِ قال مِسْعَرٌ أَرَاهُ قال
ضُحىّ فقال صَلِّ رَكْعَتَيْنِ وكانَ لِي عَلَيْهِ دَيْنٌ فَقَضَانِي وزَادني. [انظر الحديث ٤٤٣
وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((فقضاني وزادني)) لأن القضاء مع زيادة هو حسن
القضاء، وخلاد، بفتح الخاء المعجمة وتشديد اللام: ابن يحيى بن صفوان أبو محمد السلمي
الكوفي وهو من أفراد البخاري، وفي بعض النسخ مذكور بأبيه، ومسعر، بكسر الميم: ابن
كدام، ومحارب، بضم الميم وكسر الراء: ابن دثار، بكسر الدال وبالثاء المثلثة، مر في:
الصلاة إذا قدم من سفر، والحديث بعينه وبعين الإسناد المذكور قد مضى في كتاب الصلاة
في: باب الصلاة إذا قدم من سفر، ومضى الكلام فيه هناك مستقصىّ.
٨ - بابٌ إِذَا قَضَى دُونَ حَقِّهِ أوْ حَلَّلَهُ فَهْوَ جائِزٌ
أي: هذا باب يذكر فيه إذا قضى المديون دون حق صاحب الدين أو حلله فهو جائز،
وقال ابن بطال: وقع في الترجمة في النسخ كلها بكلمة: أو، والصواب الواو، لأنه لا يجوز
أن يقضي دون حقه، وتسقط مطالبته بالباقي إلاَّ أن يحلل منه، ولا خلاف فيه أنه لو حلله من
جميع الدين وأبرأه منه جاز ذلك، فكذلك إذا حلله من بعضه.
١١/ ٢٣٩٥ _ حدَّثنا عَبْدَانُ قال أخبرنا عبْدُ الله قال أخبرنا يونسُ عنِ الزُّهْرِيِّ قال
حدَّثنِي ابنُ كَعْبٍ بنِ مالِكِ أنَّ جابِرَ بنَ عبدِ الله رضي الله تعالى عنهما أخبَرَهُ أَنَّ أباهُ قُتِلَ
يَوْمَ أُحُدٍ شَهِيداً وعلَيْهِ دَيْنٌ فَاشْتَدَّ الغُرَماءُ فِي حُقُوقِهِمْ فَأَتَيْثُّ النبيَّ عَِّ فَسَأْلَهُمْ أَنْ يَقْبَلُوا تَمْرَ
حائِطِي وَيُحَلِّلُوا أَبِي فَأبَوْا فَلَمْ يُعْطِهِم النبيُّ عَّهِ حائِطي وقال سَنَعْدُو عَلَيْكَ فَغَدًا عَلَيْنا حينَ
أَصْبَحَ فَطافَ في النَّخْلِ ودعا في ثَمَرِها بالْبَرَكَّةِ فَجَدَدْتُها فَقَضَيْتُهُمْ وبَقِيَ لَنا مِنْ ثَمَرِهَا.

٣٢٦
٤٣ - كتَابٌ في الاسْتِقْرَاضِ وَأَدَاءِ الدُّيُونِ وَالْحَجْرِ والتَّفْلِيسِ / باب (٩)
[انظر الحديث ٢١٢٧ وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((فسألهم أن يقبلوا تمر حائطي ويحللوا أبي)) بيان ذلك أن
تمر حائط جابر كان أقل من دين أبيه، فسألهم أن يقضي دون حقهم ويحللوا أباه، فلما أبوا
أتى النبي عَ لَّه في صبيحة غد ذلك اليوم، وشاهد النخل ودعا في ثمرها بالبركة، فجذه
منالآهـ
جابر وقضى دينهم، وبقي من ذلك التمر شيء ببركة النبي عليه.
ذكر رجاله: وهم ستة: الأول: عبدان، وهو عبد الله بن عثمان، وعبدان لقبه. الثاني:
عبد الله بن المبارك. الثالث: يونس بن يزيد الأيلي. الرابع: محمد بن مسلم الزهري.
الخامس: ابن كعب بن مالك، واختلف فيه. فذكر أبو مسعود الدمشقي وخلف الواسطي
في (الأطراف)، والطرقي: أنه عيد الرحمن، وتبعهم الحميدي في ذلك، وذكر الحافظ
المزي: أنه عبد الله، وقال صاحب (التلويح): ولم يستدل على ذلك، وتبعه صاحب
(التوضيح) في ذلك. قلت: بل استدل بأن وهباً روى الحديث عن يونس بسند الباب، فسماه
عبد الله، وكذلك في رواية الإسماعيلي. السادس: جابر بن عبد الله.
ذَكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضع، وبصيغة الإفراد في
موضع. وفيه: الإخبار بصيغة الجمع في موضعين، وفي موضع بصيغة الإفراد. وفيه: أن شيخه
وشيخ شيخه مروزيان وأن يونس أيلي وابن كعب مدني. وفيه: رواية التابعي عن التابعي.
قوله: ((فاشتد الغرماء))، يعني: في الطلب. قوله: ((ويحللوا أبي))، يعني: يجعلونه في
حل ويبرؤونه عن الدين. قوله: ((فأبوا))، أي: امتنعوا عن أخذ ثمر الحائط، لأنه كان أقل من
الدين. قوله: ((فجددتها))، من الجداد، بالمهملتين، وهو صرام النخل، وهو قطع تمرتها، يقال:
جد التمرة يجدها جداً. قوله: ((من ثمرها ... )) أي: من ثمر النخل.
وفيه من الفوائد: تأخير الغريم إلى الغد ونحوه بالعذر، كما أخر جابر غرماءه رجاء
بركة النبي عَّ له لأنه كان وعده أن يمشي معه، فحقق الله رجاءه وظهرت بركته، عَ له، وثبت
ما هو من أعلام نبوته. وفيه: مشي الإمام في حوائج الناس لأجل استشفاعه في الديون.
1
٩ - بابٌ إذا قاصَّ أوْ جَازَفَهُ في الدَّيْنِ تَمْراً بِتَمْرٍ أوْ غَيْرِهِ
أي: هذا باب يذكر فيه: إذا قاصَّ، بتشديد الصاد، من: المقاصصة. وهي أن يقاص
كل واحد من الإثنين - أو أكثر - صاحبه فيما هم فيه من الأمر الذي بينهم، وههنا
المقاصصة في الدين. قوله: ((أو جازفه)) من المجازفة، وهي الحدس بلا كيل ولا وزن. قوله:
((في الدين))، يرجع إلى كل واحد من قوله: قاص، وقوله: أو جازفه، والضمير في: قاص،
يرجع إلى المديون بدلالة القرينة عليه، وكذلك الضمير المرفوع في: جازفه، يرجع إليه. وأما
الضمير المنصوب فيرجع إلى صاحب الدين. قوله: ((تمراً بتمر أو غيره))، أي: سواء كانت
المقاصصة أو المجازفة تمراً بتمر أو غير التمر، نحو: قمح بقمح أو شعير بشعير، ونحو ذلك،
وجواب: إذا، محذوف تقديره: فهو جائز ..

٣٢٧
٤٣ - كتّابٌ في الاسْتِقْرَاضِ وأدَاءِ الدُّيُونِ وَالْحَجْرِ والتّفْلِيسِ / باب (١٠)
٢٣٩٦/١٢ _ حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ الْمُنْذِرِ قال حدَّثنا أنَسْ عنْ هِشَامٍ عنْ وَهْبٍ بِنِ
كَيْسانَ عنْ جابر بنِ عبدِ الله رضي الله تعالى عنهما أنَّهُ أخبره أنَّ أبَاهُ تُؤُفِّيَ وتَرَكَ عَلَيْهِ
ثَلاثِينَ وسْقاً لِرَجُلٍ مِنَ الْيَهُودِ فَاسْتَنْظَرَهُ جابرٌ فأبى أن يُنْظِرَهُ فَكَلَّمَ جَابِرٌ رسولَ اللهِ عَلَّه
لِيَشْفَعَ لَهُ إِلَيْهِ فَجَاءَ رسولُ الله عَّلِ وكلَّمَ الْيَهُودِيَّ لِياخُذَ ثَمَرَ نَخْلِهِ بِالَّذِي لَهُ فأبى فدَخَلَ
رسولُ الله عَّهِ النَّخْلَ فَمَشَى فِيها ثُمَّ قال لِجَابِرٍ جَدَّ لَهُ فَأَوْفٍ لَهُ الَّذِي لَهُ فَجَدَّهُ بَعْدَما رَجعَ
رسولُ اللهِ عَّلِ فَأوفاةُ ثَلاثِينَ وسْقاً وفَضَلتْ لَهُ سَبْعةَ عَشرَ وسْقاً فجاءَ جَابِرٌ رَسولَ الله عَله
لِيُخْبِرَةُ بِالَّذِي كَانَ فَوَجَدَهُ يُصَلِّي العَصْرَ فَلَمَّا انْصَرَفَ أَخْبَرَهُ بِالْفَضْلِ فقال أُخْبِزْ ذلِكَ ابنَ
الخَطَّابِ فَذَهَبَ جابِرٌ إلى عُمَرَ فأخبرَهُ فقال لَهُ عُمَرُ لَقَدْ عَلِمْتُ حينَ مَشَى فيها رسول الله
عَِّ لَيُبَارَ كَنَّ فيها. [انظر الحديث ٢١٢٧ وأطرافه].
قال المهلب: لا يجوز عند أحد من العلماء أن يأخذ من له دين تمر من غريمه تمراً
مجازفة بدين، لما فيه من الجهل والغرر، وإنما يجوز أن يأخذ مجازف في حقه أقل من دينه
إذا علم الآخذ ذلك ورضي. انتهى. قلت: غرضه من ذلك إظهار عدم صحة هذه الترجمة.
وأجيب: عن هذا بأن مقصود البخاري أن الوفاء يجوز فيه ما لا يجوز في المعاوضات، فإن:
معاوضة الرطب بالتمر لا يجوز إلاَّ في العرايا، وقد جوزه عَّ له في الوفاء المحض.
وأنس هو ابن عياض، يكنى أبا ضمرة من أهل المدينة، وهشام هو ابن عروة بن الزبير،
ووهب بن كيسان أبو نعيم مولى عبد الله بن الزبير بن العوام المدني.
والحديث أخرجه البخاري أيضاً في الصلح عن بندار، وأخرجه أبو داود في الوصايا
عن أبي كريب. وأخرجه النسائي فيه عن محمد بن المثنى. وأخرجه ابن ماجه في (الأحكام)
عن عبد الرحمن بن إبراهيم.
ذكر معناه: قوله: ((وسقاً)، الوسق، بفتح الواو: ستون صاعاً. قوله: ((فأبى أن ينظره))،
أي: امتنع عن إنظاره، وكلمة: أن، مصدرية. قوله: ((ثمر نخله))، يروى بالمثلثثة وبالمثناة،
قاله الكرماني. قوله: ((جد له))، بضم الجيم أمر من: جد يجد، وقد مر عن قريب. قوله:
((سبعة عشر)) ويروى: تسعة عشر. قوله: ((بالذي كان)) أي: من البركة والفضل على الدين.
قوله: ((ابن الخطاب)) أي: عمر، رضي الله تعالى عنه. وفائدة الإخبار له زيادة الإيمان، لأنه
كان معجزة، إذ لم يكن يفي أولاً، وزاد آخراً، وتخصيصه عمر بذلك لأنه كان معتنياً بقضية
جابر مهتماً بها، أو كان حاضراً في أول القضية داخلاً فيها. قوله: ((ليباركن)) بصيغة
المجهول مؤكداً بالنون الثقيلة. قوله: ((فيها)) أي: في الثمر، وهو جمع: ثمرة.
١٠ - بابُ منِ اسْتَعاذَ مِنَ الدَّئْنِ
أي: هذا باب في بيان من استعاذ بالله من ارتكاب الدَّين، وفي بعض النسخ: باب
الاستعاذة من الدين ..
١٣/ ٢٣٩٧ _ حدَّثُنا أبو اليَمانِ قال أخبرنا شُعَيْبُ عنِ الزُّهْرِيِّ ح وحدَّثنا إِسْمَاعِيلُ

٣٢٨
٤٣ - كتَابٌ في الاسْتِقْرَاضِ وأَدَاءِ الدُّيُونِ وَالْحَجْرِ والتَّقْلِيسِ / باب (١١)
قال حدَّثني أُخي عنْ سُلَيْمانَ عنْ مُحَمَّدِ بنِ أبِي عَتيقٍ عنِ ابنِ شِهابٍ عنْ عُرْوَةَ أَنَّ عَائِشَةَ
رضي الله تعالى عنها أُخْبَرَتْهُ أَنَّ رسولَ الله عَ لَّهِ كانَ يَدْعُو في الصَّلاةِ ويقولُ اللَّهُمَّ إِنِّي
أعوذُ بِكَ مِنَ الْمَائَم والْمَغْرَمِ فقال لَهُ قائلٌ ما أكْثَرَ ما تَسْتَعِيذُ يا رسولَ الله مِنَ الْمَغْرَمِ قال
إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا غِرِمَ حَدَّثَ فَكَذَبَ ووَعَدَ فَأَخْلَفَ. [انظر الحديث ٨٣٢ وأطرافه].
مطابقته للترجمة ظاهرة، لأن المغرم هو الدين. وإسماعيل هو ابن أبي أويس، وأخوه
عبد الحميد أبو بكر وسليمان هو ابن بلال، وابن شهاب هو الزهري. والرجال كلهم مدنيون.
والحديث مضى بأتم منه في كتاب الصلاة في: باب الدعاء قبل السلام. فإنه أخرجه هناك:
عن أبي اليمان عن شعيب الزهري عن عروة .. إلى آخره. قوله: ((من المأثم))، مصدر ميمي
بمعنى: الإثم، وكذلك ((المغرم)) بمعنى الغرامة، وهي: لزوم الأداء. وأما الغريم فهو الذي عليه
الدين. قوله: ((ووعد)) يعني بالوفاء غداً أو بعد غد، مثلاً والوعد، وإن كان نوعاً من التحديث،
ولكن التحديث يختص بالماضي، والوعد بالمستقبل.
قال ابن بطال: فيه: وجوب قطع الذرائع، لأنه، عَّه، إنما استعاذ من الدين لأنه ذريعة
إلى الكذب والخلف في الوعد مع ما فيه من الذلة، وما لصاحب الدين عليه من المقال.
١١ - بابُ الصَّلاةِ عَلى من ترَكَ دَيْناً
أي: هذا باب في بيان حكم الصلاة على الميت الذي ترك ديناً، وأشار بهذه الترجمة:
إلى أن الدين لا يخل بالدين، وأن الاستعاذة منه ليس لذاته، بل لما رتب عليه من غوائله،
وأنه عٍَّ صار يصلي على من مات وعليه دين، بعد أن كان لا يصلي عليه، وعقدة هذه
الترجمة لبيان ذلك، على ما نبينه الآن.
١٤/ ٢٣٩٨ _ حدَّثنا أبو الوَلِيدِ قال حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ عَدِيٍّ بن ثابتٍ عنْ أَبِي حَازِمٍ
عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنه عن النبيِّ عَّ ◌ُلّه قال من ترَكَ مالا فَلِوَرَثَتِهِ ومَنْ ترَكَ كَلاً
فإِلَيْنا. [انظر الحديث ٢٢٩٨ وأطرافه].
مطابقته للترجمة من حيث إن هذا الحديث روي عن أبي هريرة من وجوه في آخر
كتاب الوكالة في: باب الدين، رواه أبو سلمة عنه، وفي الفرائض رواه أبو سلمة أيضاً عنه،
وفي سورة الأحزاب رواه عبد الرحمن بن أبي عمرة عنه، وفي هذا الباب، رواه أيضاً عبد
الرحمن عنه على ما يجيء عن قريب، وهنا أيضاً رواه أبو حازم عنه، وهنا أخرجه عن أبي
الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي عن شعبة عن عدي عن أبي حازم، بالحاء المهملة
والزاي: واسمه سلمان الأشجعي. وأخرجه مسلم أيضاً في الفرائض عن عبيد الله بن معاذ
وعن أبي بكر بن نافع وعن زهير بن حرب. وأخرجه أبو داود في الخراج عن حفص بن عمر،
كلهم عن شعبة، وفيه من جملة الألفاظ: من ترك ديناً فعلي، قال ابن بطال: هذا ناسخ لتركه
الصلاة على من مات وعليه دين. قلت: وذلك لأنه عٍَّ كان لا يصلي عليه قبل فتح
الفتوحات، فلما فتح الله منها ما فتح صار عَّلَّه يصلي عليه، فصار فعله هذا ناسخاً لفعله

:
٣٢٩
٤٣ - كتَابٌ في الاسْتِقْرَاضِ وأدَاءِ الدُّيُونِ وَالْحَجْرِ والتَّفْلِيسِ / باب (١١)
الأول، كما قاله ابن بطال. وأشار البخاري بهذه الترجمة إلى ذلك، فحصلت المطابقة بين
الترجمة وحديث الباب من هذه الحيثية.
قوله: ((كَلاَّ) بفتح الكاف وتشديد اللام، قال ابن الأثير: الكل الثقل من كل ما
يتكلف. والكل العيال. قلت: الدين من كل ما يتكلف. قوله: ((إلينا))، معناه يرجع أمر الكل
إلينا، فإن كان على الميت دين فعليه وفاؤه كما نصٍ عليه. بقوله: ((من ترك دينا فعلي)) وإن
لم يكن عليه دين وترك شيئاً فلورثته، إن كانوا، وإلاَّ فالأمر إليه عَ لَّ، وكذلك إذا ترك عيالاً
ولم يترك شيئاً، لأن أمور المسلمين كلها يرجع إليه في كل حال.
٢٣٩٩/١٥ _ حدَّثنا عبدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ قال حدَّثنا أبو عامِرٍ قال حدثنا فُلَيْخ عن
هِلاَلِ بنِ عَلِيّ عنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بنِ أَبِي عَمْرَةَ عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنه أنَّ النبيَّ
عَِّ قالَ ما مِنْ مُؤْمِنٍ إِلاَّ وَأنَا أَوْلَى بِهِ في الدُّنْيَا والآخِرَةِ اقْرَؤُوا إِنْ شِئْتُمْ ﴿النَّبِيّ أَوْلَى
بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦] فأيما مُؤْمِنٍ ماتَ وتَرَكَ مالاً فَلْيَرِتُهُ عُصْبَتُهُ مَنْ كانُوا
ومِنْ تَرَكَ دَيْناً أَوْ ضَياعاً فَلْيَأْتِنِي فَأنَا مَوْلاَهُ. [انظر الحديث ٢٢٩٨ وأطرافه].
مطابقته للترجمة من الحيثية المذكورة في الحديث السابق، ورجاله قد ذكروا على
نسق واحد في: باب كراء الأرض بالذهب والفضة: حدثنا عبد الله بن محمد حدثنا أبو عامر
حدثنا فليح عن هلال بن علي، لكن فيه عن هلال بن عطاء بن يسار، وهنا عن هلال عن
عبد الرحمن بن أبي عمرة، وعبد الله بن محمد هو المعروف بالمسندي وأبو عامر عبد
الملك بن عمرو، وفليح ابن سليمان، والحديث أخرجه البخاري أيضاً في التفسير عن إبراهيم
بن المنذر ... إلى آخره.
ذكر معناه: قوله: ((ما من مؤمن إلا وأنا أولى به في الدنيا والآخرة)) يعني: أحق
وأولى بالمؤمنين في كل شيء من أمور الدنيا والآخرة من أنفسهم، ولهذا أطلق ولم يعين،
فيجب عليهم امتثال أوامره والاجتناب عن نواهيه. قوله: ((اقرؤوا إن شئتم: ﴿النبي أولى
بالمؤمنين من أنفسهم﴾ [الأحزاب: ٦])) في معرض الاحتجاج لما قاله تنبيهاً لهم على أن
هذا الذي قاله وحي غير متلو، طابقه وحي متلو، وتكلم المفسرون في قوله تعالى: ﴿النبي
أولى بالمؤمنين من أنفسهم﴾ [الأحزاب: ٦]. وروي عن ابن عباس وعطاء يعني: إذا دعاهم
النبي إلى شيء ودعتهم أنفسهم إلى شيء كانت طاعة النبي، عَِّ، أولى بهم من طاعة
أنفسهم، وعن مقاتل: يعني طاعة النبي عَّ أولى من طاعة بعضكم لبعض، وقيل: إنه أولى
بهم في إمضاء الأحكام وإقامة الحدود عليهم لما فيه من مصلحة الخلق والبعد عن الفساد،
وقيل: لأن النبي عَّةٍ يدعوهم إلى ما فيه نجدتهم، وأنفسهم تدعوهم إلى ما فيه هلاكهم.
وقيل: لأن أنفسهم تحرسهم من نار الدنيا والنبي عَّ يحرسهم من نار العقبى. وقال ابن
التين: عن الداودي قوله: ((اقرؤوا إن شئتم)): أحسبه من كلام أبي هريرة، وليس كما ظن،
فقد روى جابر، رضي الله تعالى عنه، أن النبي عَِّ قال: أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم.

٣٣٠
٤٣ - كتَابٌ في الاسْتِقْرَاضِ وأَدَاءِ الدُّيُونِ وَالْحَجْرِ والتَّفْلِيسِ / باب (١٢ و١٣)
قوله: ((فليرثه عصبته))، العصبة عند أهل الفرائض اسم لمن يرث جميع المال إذا انفرد،
والفاضل بعد فرض ذوي السهام. وقيل: العصبة قرابة الرجل لأبيه، سموا بذلك من قولهم:
عصب القوم بفلان أي: أحاطوا به، وهم كل من يلتقي مع الميت في أب أو جد، ويكونون
معلومين. وأما المرأة فلا تسمى عصبة على الإطلاق، قال أبو المعاني: الواحد عاصب، قياس
غير مسموع، وكذا قاله الأزهري. قوله: ((من كانوا)) كلمة: من، موصولة، وإنما ذكرها ليتناول
أنواع العصبة، فإن العصبة له أنواع ثلاثة، لأنه: إن لم يتوقف على وجود غيره فهو عصبة
بنفسه، وإن توقف فإن كان توقفه على وجود ذكر أو أنثى، فالأول عصبة بغيره. والثاني:
عصبة مع غيره، على ما عرف في موضعه. فإن قلت: من أين العموم؟ قلت: العموم من
كلمة: من، لأن ألفاظ الموصولات عامات. وقال الكرماني: ويحتمل أن تكون: من، شرطية،
ولم يبين وجه ذلك. قوله: ((أو ضياعاً))، بفتح الضاد المعجمة مصدر ضاع يضيع، وقال ابن
الجوزي: معناه من ترك شيئاً ضائعاً كالأطفال ونحوهم فليأتني ذلك الضائع فأنا مولاه، أي
وليه، ورواه بعضهم: ضياعاً، بكسر الضاد، وهو جمع ضائع، كما يقال: جائع وجياع، قال:
والأول أصح. وقال الخطابي: الضياع في الأصل مصدر ثم جعل إسماً لكل ما هو بصدد أن
يضيع من ولد أو عيال.
١٢ - بابٌ مَطْلُ الغَنِيِّ ظلمٌ
أي: هذا باب يذكر فيه مطل الغني ظلم، فلفظ: باب، منون غير مضاف، ومطل الغني
كلام إضافي، وظلم خبره، وأصل المطل من مطلت الحديدة أمطلها مطلاً إذا ضربتها
ومددتها لتطول، وكل ممدود ممطول، ومنه اشتقاق المطل بالدين وهو الليان به، يقال: مطله
وماطله بحقه.
٢٤٠٠/١٦ _ حدَّثنا مُسَدَّدٌ قال حدَّثنا عبدُ الأَعْلَى عنْ مَعْمَرٍ عِنْ هَمَّامِ بنِ مُنَبِّهِ أَخِي
وَهْبِ بنِ مُنَبِّهِ أَنَّهُ سَمِعَ أبَا هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ يقولُ قال رسولُ اللهِ عَّ ◌َلَّهِ مَطْلُ الغنيّ
ظُلْمٌ. [انظر الحديث ٢٢٨٧ وأطرافه].
نفس الترجمة هو لفظ الحديث بعينه، وهو جزء من حديث أخرجه في الحوالة في:
باب إذا حال على مليء حدثنا عبد الله بن يوسف حدثنا سفيان عن ابن ذكوان عن الأعرج
عن أبي هريرة عن النبي، مَّ له، قال: مطل الغني ظلم ومن اتبع على مليء فليتبع، وقد مر
الكلام فيه هناك، وعبد الأعلى هو ابن عبد الأعلى البصري، ومعمر هو ابن راشد.
١٣ - بابٌّ لِصاحِبِ الْحَقِّ مَقالٌ
أي: هذا باب يذكر فيه لصاحب الحق مقال، يعني إذا طلب وكرر قوله فيه لا يلام.
ويُذْكَّرُ عنِ النبيِّ عَ لَِّ لَيُّ الْوَاجِدِ يُحِلُّ. عُقُوبَتَهُ وعِرْضُهُ قال سُفْيَانُ عِرْضُهُ يَقُولُ
مَطَلْتَتِي وَعُقُوبَتُهُ الْحَبْسُ

٣٣١
٤٣ - كتَابٌ في الاسْتِقْرَاضِ وأدَاءِ الدُّيُونِ وَالْحَجْرِ والتَّفْلِيسِ / باب (١٤)
ذكر الحديث المعلق، ثم ذكر عن سفيان تفسيره، ومطابقته للترجمة تؤخذ من قوله:
عرضه، لأن سفيان فسر العرض بقوله: مطلني حقي، وهو مقال على ما لا يخفى. أما المعلق
فوصله أبو داود وابن ماجه من رواية محمد بن ميمون بن مسيكة عن عمرو بن الشريد عن
أبيه، قال: قال النبي عَّهِ: لي الواجد يحل عرضه وعقوبته. والشريد، بفتح الشين المعجمة:
هو ابن سويد الثقفي، قيل: إنه من حضرموت فحالف ثقيفاً، شهد الحديبية، رضي الله تعالى
عنه. قوله: ((لي الواجد))، اللي، بفتح اللام وتشديد الياء: المطل، يقال: لواه غريمه بدينه يلويه
لياً، وأصله لوياً أدغمت الواو في الياء. والواجد: هو القادر على قضاء دينه. قوله: ((يحل))،
بضم الياء من الإحلال، وأما تفسير سفيان فوصله البيهقي من طريق الفريابي، وهو من شيوخ
البخاري، عن سفيان بلفظ؛ عرضه أن يقول مطلني حقي، وعقوبته أن يسجن. وقال إسحاق:
فسر سفيان عرضه: أذاه بلسانه، وعن وكيع: عرضه شكايته، واستدل به على مشروعية حبس
المديون، إذا كان قادراً على الوفاء تأديباً له، لأنه ظالم حينئذ، والظلم محرم وإن قل، وإن
ثبت إعساره وجب إنظاره وحرم حبسه، واختلف في ثابت العسرة، وأطلق من السجن، هل
يلازمه غريمه؟ فقال مالك والشافعي: لا، حتى يثبت له مال آخر. وقال أبو حنيفة، رضي الله
تعالى عنه: لا يمنع الحاكم الغرماء من لزومه.
٢٤٠١/١٧ _ حدَّثنا مُسَدَّدٌ قال حدَّثنا يَحْتَى عَنْ شُعْبَةَ عنْ سَلَمَةَ عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي
الله تعالى عنهُ أتَى النبيَّ عَِّ رَجُلٌ يَتَقَاضَاهُ فأغْلَظُ لَهُ فَهَمَّ بِهِ أَصْحَابُهُ فقال دَعُوهُ فإنَّ
لِصاحِبِ الْحَقِّ مقَالاً. [انظر الحديث ٢٣٠٥ وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((فإن لصاحب الحق مقالاً)) ويحيى هو ابن سعيد القطان:
والحديث مر في: باب استقراض الإبل بأتم منه، فإنه أخرجه هناك: عن أبي الوليد عن
شعبة ... إلى آخره، وعن مسدد عن يحيى عن سفيان عن سلمة .. إلى آخره، في: باب حسن
التقاضي، وعن أبي نعيم عن سفيان عن سلمة ... إلى آخره في: باب حسن القضاء.
١٤ - بابّ إذَا وجَدَ مالَهُ عِنْدَ مُفْلِسٍ في البَيْعِ والقَرْضِ والوَدِيعَةِ فَهْوَ أحَقُّ بِهِ
أي: هذا باب يذكر فيه: إذا وجد شخص مالاً عند مفلس، وهو الذي حكم الحاكم
بإفلاسه. قوله: ((في البيع))، يتعلق بقوله: وجد صورته: أن يبيع رجل متاعاً لرجل ثم أفلس
الرجل الذي اشتراه، ووجد البائع متاعه الذي باعه عنده، فهو أحق به من غيره من الغرماء،
وفيه خلاف نذكره عن قريب. قوله: ((والقرض))، صورته أن يقرض لرجل مما يصح فيه
القرض، ثم أفلس المستقرض، فوجد المقرض ما أقرضه عنده فهو أحق به من غيره، وفيه
الخلاف أيضاً. قوله: ((والوديعة))، صورته أن يودع رجل عند رجل وديعة ثم أفلس المودّع
فالمودع بكسر الدال أحق به من غيره بلا خلاف. وقيل: إدخال البخاري القرض والوديعة مع
الدين إما لأن الحديث مطلق، وإما أنه وارد في البيع، والحكم في القرض والوديعة أولى. أما
الوديعة فملك ربها لم ينتقل، وأما القرض فانتقال ملكه عنه معروف، وهو أضعف من تمليك

٣٣٢
٤٣ - كتَابٌ في الاسْتِقْرَاضِ وأدَاءِ الدُّيُونِ وَالْحَجْرِ والتَّفْلِيسِ / باب (١٤)
المعاوضة، فإذا أبطل التفليس ملك المعاوضة القوي بشرطه فالضعيف أولى. قلت: قوله:
والحكم في القرض والوديعة أولى، غير مسلَّم في القرض، لأنه انتقل من ملك المقرِض
ودخل في ملك المستقرض، فكيف يكون المقرض أولى من غيره، وليس له فيه ملك؟
واعترف هذا القائل أيضاً أن القرض انتقل من ملك المقرض. قوله: ((فهو أحق به))، جواب:
إذا، التي تضمنت معنى الشرط، فلذلك دخلت الفاء في جوابها، والضمير في: به، يرجع إلى
قوله: ماله، يعني: أحق به من غيره، من غرماء المفلس.
وقال الحسنُ إذَا أَفْلسَ وتِبَيَّنَ لَمْ يَجُزْ عِثْقُهُ ولاَ بَيْعُهُ ولاَ شِرَاؤهُ
الحسن هو البصري. قوله: ((إذا أفلس))، أي: رجل أو شخص، فالقرينة تدل عليه.
قوله: ((وتبين))، أي: ظهر إفلاسه عند الحاكم، فلا يجوز عتقه إلى آخره، وقيد به لأنه ما لم
يتبين إفلاسه عند الحاكم يجوز تصرفه في الأشياء كلها، وأما عند التبين ففيه خلاف، فعند
إبراهيم النخعي: بيع المحجور وابتياعه جائز، وعند أكثر العلماء: لا يجوز إلاَّ إذا وقع منه
البيع لوفاء الدين، وعند البعض يوقف، وبه قال الشافعي في قول: واختلفوا في إقراره،
فالجمهور على قبوله.
وقال سَعِيدُ بنُ المُسَيِّبِ قَضَى عُثْمَانُ مَنِ اقْتَضَى مِنْ حَقِّهِ قَبْلَ أنْ يُفْلِسَ فَهْوَ لَهُ ومَنْ
عَرَفَ مَتَاعَهُ بِعَتْنِهِ فَهْوَ أُحَقُّ بِهِ
عثمان هو ابن عفان. قوله: ((من اقتضى من حقه))، معناه: أن من كان له حق عند أحد
فأخذه قبل أن يفلسه الحاكم فهو له لا يتعرض إليه أحد من غرمائه خاصة، بل كل من أثبت
عليه حقاً يطالبه بخلاف ما إذا عرف أحد متاعه بعينه أنه عنده فإنه أحق به من غيره من سائر
الغرماء، وبه أخذ الشافعي ومالك وأحمد على ما يجيء بيانه، وهذا التعليق وصله أبو عبيد في
كتاب الأموال عن إسماعيل بن جعفر، قال: حدثنا محمد بن أبي حرملة عن سعيد بن
المسيب، قال: أفلس مولى لأم حبيبة فاختصم فيه إلى عثمان، رضي الله تعالى عنه، فقضى
أن من كان اقتضى من حقه شيئاً قبل أن يتبين إفلاسه فهو له، ومن عرف متاعه بعينه فهو له.
٢٤٠٢/١٨ - حدَّثنا أَحْمَدُ بنُ يونُسَ قال حدَّثنا زُهَيْرٌ قال حدَّثنا يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ قال
أخبرني أبو بَكْرِ بنُ مُحَمَّدٍ بنِ عَمْرِو بنِ حِزْمٍ أَنَّ عُمَرَ بنَ عَبْدِ العَزِيزِ أُخْبَرَهُ أَنَّ أَا بَكْرٍ بنَ
عبْدِ العَزِيزِ أخبره أنَّ أَبَا بَكْرِ بنَ عَبْدِ الرَّحْمنِ بنِ الحَرث بنِ هِشامٍ قال أخبره أنَّهُ سَمِعَ أبَا
هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ يقولُ قال رسولُ اللهِ عَ لَّهِ أَوْ قالَ سَمِعْتُ رسولَ الله عَ لّهِ يَقُولُ
مَنْ أَذْرَكَ مَالَهُ بِعَيْنِهِ عِنْدَ رَجُلٍ أوْ إِنْسَانٍ قَدْ أَفْلَسَ فَهْوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ.
مطابقته للترجمة لا تطابق إلاَّ بقوله في البيع، لأن أحاديث هذا الباب تدل على أن
حديث الباب وارد في البيع. منها: ما رواه مسلم من حديث أبي بكر بن عبد الرحمن عن
حديث أبي هريرة عن النبي، عَّه، في الرجل الذي يعدم إذا وجد عنده المتاع لم يعرفه أنه
لصاحبه الذي باعه. ومنها: ما رواه ابن خزيمة وابن حبان من رواية يحيى بن سعيد بإسناد

٣٣٣
٤٣ - كتَابٌ في الاسْتِقْرَاضِ وأَدَاءِ الدُّيُونِ وَالْحَجْرِ والتَّفْلِيسِ / باب (١٤)
حديث الباب بلفظ: ((إذا ابتاع الرجل سلعة ثم أفلس وهي عنده بعينها فهو أحق بها من
الغرماء)). ومنها: ما رواه ابن حبان من طريق هشام بن يحيى المخزومي عن أبي هريرة بلفظ:
(إذا أفلس الرجل فوجد البائع سلعته ... )) والباقي مثله. ومنها: ما رواه مالك عن ابن شهاب عن
أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث مرسلاً: ((أيما رجل باع سلعة فأفلس الذي ابتاعه ولم
يقبض البائع من ثمنه شيئاً، فوجده بعينه فهو أحق به)). قيل: يلتحق به القرض والوديعة. قلت:
قد ردينا هذا عن قريب بما فيه الكفاية.
ذكر رجاله: وهم سبعة: الأول: أحمد بن يونس، هو أحمد بن عبد الله بن يونس
التميمي اليربوعي. الثاني: زهير - مصغر الزهر - بن معاوية الجعفي، مر في الوضوء. الثالث:
يحيى بن سعيد الأنصاري. الرابع: أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، بفتح الحاء المهملة
وسكون الزاي، مر في الوحي. الخامس: عمر بن عبد العزيز بن مروان الخليفة العادل
القرشي الأموي. السادس: أبو بكر بن عبد الرحمن الذي يقال له: راهب قريش لكثرة صلاته.
السابع: أبو هريرة، رضي الله تعالى عنه.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع. وفيه: الإخبار
بصيغة الإفراد في ثلاثة مواضع. وفيه: السماع في موضعين. وفيه: القول في موضعين. وفيه:
أن شيخه مذكور بنسبته إلى جده وأنه وزهيراً كوفيان والبقية مدنيون. وفيه: أربعة من التابعين
يحيى وثلاثة بعده. وفيه: أن يحيى ومن بعده كلهم ولوا القضاء على المدينة. وفيه: أن يحيى
وأبا بكر بن محمد وعمر بن عبد العزيز من طبقة واحدة. وفيه: شك أحد الرواة بين قوله:
قال رسول الله عَّ له، وقوله: سمعت رسول الله عَ ليه، قال بعضهم: أظنه من زهير. قلت: الظن
لا يجدي شيئاً، لأن الاحتمال في غيره قائم.
ذكر من أخرجه غيره: أخرجه مسلم في البيوع عن أحمد بن يونس به وعن يحيى بن
يحيى وعن قتيبة ومحمد بن رمح وعن أبي الربيع الزهراني ويحيى بن حبيب وعن أبي بكر
ابن أبي شيبة وعن محمد بن المثنى وعن ابن أبي عمر وعن ابن أبي حسين. وأخرجه أبو
داود فيه عن النفيلي وعن محمد بن عوف وعن القعنبي عن مالك وعن سليمان بن داود.
وأخرجه الترمذي فيه عن قتيبة به. وأخرجه النسائي فيه عن قتيبة به وعن عبد الرحمن بن
خالد وإبراهيم بن الحسن، وأخرجه ابن ماجه في الأحكام عن أبي بكر بن أبي شيبة به وعن
محمد ابن رمح به وعن هشام بن عمار.
ذكر حكم هذا الحديث في الاحتجاج به: احتج به عطاء بن أبي رباح وعروة بن
الزبير وطاوس والشعبي والأوزاعي وعبيد الله بن الحسن ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق
وداود، فإنهم ذهبوا إلى ظاهر هذا الحديث وقالوا: إذا أفلس الرجل وعنده متاع قد اشتراه وهو
قائم بعينه فإن صاحبه أحق به من غيره من الغرماء. وقال أبو عمر: أجمع فقهاء الحجاز وأهل
الأثر على القول بجملته، أي بجملة الحديث المذكور، وإن اختلفوا في أشياء من فروعه. ثم
قال: واختلف مالك والشافعي في المفلس يأبى غرماؤه دفع السلعة إلى صاحبها، وقد وجدها
٠
:

٣٣٤
٤٣ - كتَابٌ في الاسْتِقْرَاضِ وأدَاءِ الدُُّونِ وَالْحَجْرِ والتَّفْلِيسِ / باب (١٤)
بعينها، ويريدون دفع الثمن إليه من قبل أنفسهم كما لهم في قبض السلعة من الفضل، فقال
مالك: لهم ذلك وليس لصاحبها أخذها إذا دفع إليه الغرماء الثمن. وقال الشافعي: ليس
للغرماء في هذا مقال. قال: وإذا لم يكن للمفلس ولا لورثته أخذ السلعة فالغرماء أبعد من
ذلك، وإنما الخيار لصاحب السلعة إن شاء أخذها وإن شاء تركها، وضرب مع الغرماء لأنه
عَّ الِ جعل صاحبها أحق بها منها، وبه قال أبو ثور وأحمد وجماعة، واختلف مالك والشافعي
أيضاً إذا اقتضى صاحب السلعة من ثمنها شيئاً. فقال ابن وهب وغيره عن مالك: إن أحب
صاحب السلعة أن يرد ما قبض من الثمن ويقبض سلعته كان ذلك له. وقال الشافعي: لو
كانت السلعة عبداً فأخذ نصف ثمنه ثم أفلس الغريم كان له نصف العبد لأنه بعينه، ويبيع
النصف الثاني الذي يبقى للغرماء ولا يرد شيئاً مما أخذ، لأنه مستوفٍ لما أخذ، وبه قال
أحمد. واختلف مالك والشافعي في المفلس يموت قبل الحكم عليه وقبل توقيفه، فقال مالك:
ليس حكم المفلس كحكم الميت، وبائع السلعة إذا وجدها بعينها أسوة للغرماء في الموت
بخلاف التفليس، وبه قال أحمد. وفي (التوضيح) مقتضى الحديث رجوعه أي: رجوع
صاحب السلعة ولو قبض بعض الثمن لإطلاق الحديث، وهو الجديد من قول الشافعي، رضي
الله تعالى عنه، وخالف في القديم، فقال: يضارب بباقي الثمن فقط، واستدلت الشافعية بقوله:
من أدرك ماله بعينه على أن شرط استحقاق صاحب المال دون غيره أن يجد ماله بعينه لم
يتغير ولم يتبدل، وإلاّ فإن تغيرت العين في ذاتها بالنقص مثلاً أو في صفة من صفاتها فهو
أسوة الغرماء.
وبسط بعض الشافعية الكلام هنا، وجعله على وجوه: الأول: لا بد في الحديث من
إضمار ولم يكن البائع قبض ثمنها لأنه إذا قبضه فلا رجوع له فيه إجماعاً. الثاني: خصص
مالك والشافعي في قول قديم له رجوعه في العين بما إذا لم يكن قبض من ثمنها شيئاً، فإن
قبض بعضه صار في بقيته أسوة الغرماء، وقد قلنا آنفاً: إن الشافعي لم يفرق في الجديد بين
قبض بعض الثمن وبين عدم قبضه لعموم الحديث. الثالث: استدل الشافعي وأحمد برواية
عمر بن خلدة عن أبي هريرة، رضي الله تعالى عنه، أن رسول الله عَ لَّم قال: ((من أفلس أو
مات فوجد رجل متاعه)) الحديث رواه أبو داود وغيره على التسوية بين حالتي الإفلاس حياً
وميتاً أن لصاحب السلعة الرجوع، وفرق مالك بينهما، وقال: هو في حالة الموت أسوة
الغرماء. الرابع: استدل بقوله: أدرك ماله بعينه، على أنها إذا هلكت أو أخرجها عن ملكه يبيع
أو هبة أو عتق أو نحوه أنه لا يرجع فيها، لأنها ليست على يد المشتري. الخامس: استدل
به على أن التصرف الذي لا يزيل الملك لا يبطل حق الرجوع للبائع كالتدبير، واستيلاد أم
الولد، وهو كذلك بالنسبة إلى المدبر عند من يجوز بيعه، وهو الصحيح، وأما بالنسبة إلى أم
الولد فليس له الرجوع فيها على الصواب. قال شيخنا: وأما ما وقع في فتاوي النووي من أنه
يرجع فهو غلط، وقد عبَّر هو في (تصحيح التنبيه) بأن الصواب أنه لا يرجع. السادس: ما
المراد بالمفلس المذكور في الحديث وفي قول الفقهاء؟ قال الرافعي نقلاً عن الأئمة: إن

٣٣٥
٤٣ - كتَابٌ في الاسْتِقْرَاضِ وأدَاءِ الدُّيُونِ وَالْحَجْرِ والتّفْلِيسِ / باب (١٤)
المفلس من عليه ديون لا تفي بماله، واعترض عليه بأمرين: أحدهما: أنه لا بد من تقييد ذلك
بضرب الحاكم الحجر عليه، فإن من هذه حاله ولم يضرب عليه الحجر يصح بيعه وشراؤه
بلا خلاف. والثاني: أنه تنقيد الديون بديون العباد، أما ديون الله تعالى كالزكاة ونحوها، فإنه
لا يضرب عليه الحجر بعجز ماله عنها إذا كان ماله يفي بديون العباد، كما جزم به الرافعي
في كتاب (الإيمان). السابع: قوله: ماله بعينه، وفي رواية الترمذي وغيره: فوجد الرجل سلعته
عنده بعينها، دليل على أنه لا يختص ذلك بالبيع، بل لو أقرضه دراهم ثم أفلس فوجد الرجل
الدراهم بعينها فهو أحق بها من بقية الغرماء، لأن السلعة لغةً المتاع. قاله الجوهري، وفي
بعض طرقه في (الصحيح) أيضاً: فوجد الرجل متاعه أو ماله. الثامن: لو أجره شيئاً بمعجل
وتفلس المستأجر قبل الأجرة أنه يفسخ الإجارة ويرجع بالعين المستأجرة، وقد صرح به
الرافعي، قال ابن دقيق العيد: وإدراجه تحت لفظ الحديث متوقف على المنافع، هل يطلق
عليها إسم المتاع والمال؟ قال: وإطلاق المال عليها أقوى. قلت: يطلق عليها اسم المتاع
لغة، قال الجوهري: المتاع السلعة، والمتاع المنفعة. التاسع: يدخل تحت ظاهر الحديث ما
التزم في ذمته نقل متاع من مكان إلى مكان، ثم أفلس، والأجرة بيده قائمة، فإنه يثبت حق
الفسخ والرجوع إلى الأجرة، قاله ابن دقيق العيد. العاشر: فيه حجة لأحد الوجهين أن
المفلس المضروب عليه الحجر يحل الديون المؤجلة عليه، والصحيح أنه لا يحل. الحادي
عشر: قد يستدل به لأصح الوجهين: أن الغرماء إذا قدموا صاحب العين القائمة بثمنها لم
يسقط حقه من الرجوع في العين.
الثاني عشر: قد يستدل به على أن لصاحب العين الاستبداد في الرجوع في عينه،
وهو أحد الوجهين، وقيل: ليس ذلك إلاَّ بالحاكم. الثالث عشر: قد يستدل به لأصح
الوجهين أنه: لو امتنع المشتري من تسليم الثمن أو هرب، أو امتنع الوارث من تسليم الثمن
وحجر الحاكم عليه أنه لصاحب العين الرجوع إلى حقه لقوله: أيما امرىء أفلس، فهذا مفهوم
شرط وصفة، فيقتضي أنه لا رجوع في حق غير المفلس. الرابع عشر: استدل به لأصح
الوجهين أنه إذا باعه عبدين فتلف أحدهما رجع في الباقي بحصته، وقيل: يرجع فيه بكل
الثمن. الخامس عشر: استدل به لأحد الوجهين أنه إذا وجد رب السلعة سلعته عند المفلس
بعد أن خرجت: ثم عادت إليه بغير عوض أنه يرجع كالميراث والهبة، وهو الذي صححه
الرافعي في (الشرح الصغير)، وصحح النووي من زياداته في (الروضة) عدم الرجوع لأنه تلقاه
من مالك آخر غير صاحب العين. السادس عشر: استدل به على رجوع البائع، وإن كان
للمفلس ضامن بالثمن، وقد فرق صاحب (التتمة) بين أن يضمن بإذن المشتري أو لا، فإن
ضمن بإذنه فليس له الفسخ، وإن ضمن بغير إذنه فوجهان. السابع عشر: استدل به من ذهب
إلى أن البائع يرجع فيه، وإن كان المبيع شخصاً مشفوعاً ولم يعلم الشفيع حتى حجر على
المشتري، وهو وجه، والصحيح أنه يأخذه الشفيع ويكون الثمن بين الغرماء، وقيل: يأخذه
«الشفيع ويخص البائع بالثمن جمعاً بين الحقين. الثامن عشر: فيه أنه يرجع، وإن وجده معيباً.

٣٣٫٦
٤٣ - كتَابٌ في الاسْتِقْرَاضِ وأدَاءِ الدُّيُونِ وَالْحَجْرِ والتَّفْلِيسِ / باب (١٤)
التاسع عشر: فيه أنه لا يرجع بالزوائد المنفصلة لأنها ليست متاعه. العشرون: استدل به
على أن البائع له الرجوع، وإن كان المشتري قد بنى وغرس فيها، وفيه خلاف وتفصيل
معروف في كتب الفقه. انتهى.
قلت: ذهب إبراهيم النخعي والحسن البصري والشعبي في رواية، ووكيع بن الجراح
وعبد الله بن شبرمة قاضي الكوفة. وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر: إلى أن بائع السلعة
أسوة للغرماء، وصح عن عمر بن عبد العزيز أن من اقتضى من ثمن سلعته شيئاً ثم أفلس فهو
والغرماء فيه سواء، وهو قول الزهري، وروي عن علي بن أبي طالب، رضي الله تعالى عنه،
نحو ما ذهب إليه هؤلاء، وروى قتادة عن خلاس بن عمرو عن علي، رضي الله تعالى عنه،
أنه قال: هو فيها أسوة الغرماء إذا وجدها بعينه، وبهذا يرد على ابن المنذر في قوله: ولا نعلم
لعثمان في هذا مخالفاً من الصحابة. وقول عثمان مر عن قريب في أوائل الباب. وروى
الثوري عن مغيرة عن إبراهيم، قال: هو والغرماء فيه شرعاً سواء، وروى ابن أبي شيبة في
(مصنفه): حدثنا ابن فضيل عن عطاء بن السائب عن الشعبي، وسأله رجل أنه وجد ماله
بعينه، فقال: ليست لك دون الغرماء.
وأجاب الطحاوي عن حديث الباب أن المذكور فيه: من أدرك ماله بعينه، والمبيع
ليس هو عين ماله، وإنما هو عين مال قد كان له، وإنما ماله بعينه يقع على المغصوب والعواري
والودائع وما أشبه ذلك، فذلك ماله بعينه فهو أحق به من سائر الغرماء، وفي ذلك جاء هذا
الحديث عن رسول الله عَّه، والذي يدل عليه ما روي عن رسول الله عَ ليه في حديث
سمرة، رضي الله تعالى عنه، فإنه حدثنا محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو معاوية عن حجاج
عن سعيد بن زيد بن عقبة عن أبيه عن سمرة بن جندب: أن رسول الله عَّ الله قال: ((من سرق
له متاع، أو ضاع له متاع فوجده عند رجل بعينه فهو أحق بعينه، ويرجع المشتري على
البائع بالثمن.)) وأخرجه الطبراني أيضاً، فهذا يبين أن المراد من حديث أبي هريرة أنه على
الودائع والعواري والمغصوب ونحوها، وأن صاحب المتاع أحق به إذا وجده في يد رجل
بعينه، وليس للغرماء فيه نصيب لأنه باق على ملكه، لأن يد الغاصب يد التعدي والظلم،
وكذلك السارق، فخلاف ما إذا باعه وسلمه إلى المشتري فإنه يخرج عن ملكه وإن لم
يقبض الثمن.
قلت: حديث سمرة هذا فيه الحجاج بن أرطأة والنخعي فيه مقال. قلت: ما للحجاج
وقد روى عنه مثل الإمام أبي حنيفة والثوري وشعبة وابن المبارك؟ وقال العجلي: كان فقيهاً.
وقال أحد مفتي الكوفة: وكان جائز الحديث، وقال أبو زرعة: صدوق مدلس، وقال ابن
حبان: صدوق يكتب حديثه، وقال الخطيب: أحد العلماء بالحدين والحفاظ له. وفي
(الميزان): أحد الأعلام. وأبو معاوية محمد بن خازم الضرير، وسعيد بن زيد وثقه ابن حبان،
وأبوه زيد بن عقبة وثقه العجلي والنسائي.
وقد تكلم جماعة ممن يلوح منهم لوائح التعصب بما فيه ترك مراعاة حسن الأدب،

٣٣٧
٤٣ - كتَابٌ في الاسْتِقْرَاضِ وأدَاءِ الدُّيُونِ وَالْحَجْرِ والتَّفْلِيسِ / باب (١٤)
فقال القرطبي في (المفهم)؛ تعسف بعض الحنفية في تأويل هذا الحديث بتأويلات لا تقوم
على أساس، وقال النووي: وتأولوه بتأويلات ضعيفة مردودة وقال ابن بطال: قال الحنفية:
البائع أسوة للغرماء، ودفعوا حديث التفليس بالقياس، وقالوا: السلعة مال المشتري وثمنها في
ذمته، والجواب: أنه لا مدخل للقياس إلاَّ إذا عدمت السنة، أما مع وجودها فهي حجة على
من خالفها، فإن قال الكوفيون: نؤوله بأنه محمول على المودع والمقرض دون البائع. قلنا:
هذا فاسد، لأنه، عَّه، جعل لصاحب المتاع الرجوع إذا وجده بعينه، والمودع أحق بعينه
سواء كان على صفته أو قد تغير عنها، فلم يجز حمل الخبر عليه، ووجب حمله على البائع
لأنه إنما يرجع بعينه إذا وجده بصفته لم يتغير، فإذا تغير فإنه لا يرجع.
وقال الكرماني: وقال بعضهم: هذا التأويل غير صحيح إذ لا خلاف أن صاحب الوديعة
أحق بها، سواء وجدها عند مفلس أو غيره، وقد شرط الإفلاس في الحديث، وقال صاحب
(التوضيح)؛ وحمل أبو حنيفة الحديث على الغصب والوديعة لأنه لم يذكر البيع فيه، وأوَّلَ
الحديث بتأويلات ضعيفة مردودة، وتعلق بشيء يروى عن علي وابن مسعود، وليس بثابت
عنهما، وتركوا الحديث بالقياس بأن يده قد زالت كيد الراهن.
قال بعض الشافعية: في الحديث المذكور حجة على أبي حنيفة حيث قال: هو أسوة
الغرماء، وأجابوا عن الحديث بأجوبة.
أحدها: أنهم قالوا: هذا الحديث مخالف للأصول الثابتة، فإن المبتاع قد ملك السلعة
وصارت في ضمانه فلا يجوز أن ينقض عليه ملكه، قالوا: والحديث إذا خالف القياس يشترط
فيه فقه الراوي، وأبو هريرة ليس كذلك. والثاني: أن المراد الغصوب والعواري والودائع
والبيوع الفاسدة ونحوها. والثالث: أنه محمول على البيع قبل القبض.
وهذه الأجوبة فاسدة. أما الأول: فإن كل حديث أصل برأسه، فلا يجوز أن يعترض
عليه بسائر الأصول المخالفة له، وقد ينقض ملك المالك في غير موضع: كالشفعة والطلاق
قبل الدخول بعد أن ملكت الصداق، وتقديم صاحب الرهن على الغرماء، واختلاف المتبايعين
وتعجيز المكاتب وغير ذلك، وقد أخذت الحنفية بحديث القهقهة في الصلاة مع كونه
مخالفاً للأصول وضعفه أيضاً. وأما الثاني: فيبطله قوله: أيما امرىء أفلس فإن المغصوب منه
ومن ذكر معه أحق بمتاعه من المفلس وغيره. وأما الثالث: فيبطله، ووجد الرجل سلعته عنده
وهي قبل القبض ليست عند المفلس، ولا يقال: وجدها صاحبها وأدركها، وهي عنده.
قلت: هؤلاء كلهم صدروا عن مكرع واحد، أما القرطبي والنووي فإنهما ادعيا: بأن
تأويل الحنفية ضعيف مردود، ولم يبينا وجه ذلك، وأما ابن بطال فإنه قال: الحنفية دفعوا
حديث المفلس بالقياس، ولا مدخل للقياس إلا إذا عدمت السنة، وليس كما قال، لأنهم ما
دفعوا الحديث بالقياس، بل عملوا بها. أما عملهم بالحديث فظاهر قطعاً، لأنه قال: من أدرك
ماله بعينه، وإدراك المال بعينه لا يتصور إلاّ فيما قالوا نحو الغصوب والعواري والودائع، ونحو
عمدة القاري/ ج١٢ م٢٢

٣٣٨
٤٣ - كتَابٌ في الاسْتِقْرَاضِ وأدَاءِ الدُّيُونِ وَالْحَجْرِ والتّفْلِيسِ / باب (١٤)
ذلك، لأن ماله في هذه الأشياء محقق ولم يخرج عن ملكه بوجه من الوجوه، فلا يشاركه
فيه أحد. وأما عملهم بالقياس فظاهر قطعاً أيضاً، لأن المبيع خرج عن ملك البائع ودخل في
ملك المشتري، فإن لم يكن الثمن مقبوضاً فكيف يجوز تخصيص البائع به ومنع تشريك غيره
من أصحاب الحقوق التي هي متعلقة بذمة المشتري؟ فهذا لا يقبله النقل والقياس، على أنه
نقل عن إمامه مالك بن أنس: أن القياس مقدم على خبر الواحد. حيث يقول: إن القياس
حجة بإجماع الصحابة. وفي اتصال خبر الواحد على القياس، وخبر الواحد حجة بالإجماع،
والشبهة بالقياس في الأصل وفي الخبر، في الاتصال، فيرجع الخبر عليه، ودعواه بأن تأويل
الكوفيين فاسد لأنه جعل لصاحب المتاع إذا وجده بعينه فاسدة لأنا لا نكرر جعله لصاحب
المتاع إذا وجده بعينه، فكل من كان صاحب المتاع فله الرجوع، والبائع هنا خرج عن كونه
صاحب المتاع، لأن المتاع خرج من ملكه، وتبدل الصفة هنا كتبدل الذات، فصار المبيع
غير ماله، وقد كان عين ماله أولاً.
فإن قلت: أنت ذكرت عقيب ذكر الحديث: أن أحاديث الباب تدل على أن حديث
الباب وارد في البيع، ثم ذكرت عن مسلم وغيره ما يدل على ذلك؟ قلت: إنما ذكرت ذلك
لأجل بيان ترجمة البخاري حيث قال: باب إذا وجد ماله عند مفلس في البيع ... إلى آخره،
وذلك أن مذهبه مثل مذهب من يجعل البائع أسوة الغرماء، فذكرت ما ذكرت لأجل بيان
ذلك، ولأجل المطابقة بين الترجمة والحديث.
وأما حديث أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث فإنه مضطرب، لأن مالكاً رواه في
(موطئه) عن الزهري عن أبي بكر بن عبد الرحمن عن النبي عَِّ مرسلاً، وقال أبو داود: هو
أصح ممن رواه عن مالك مسنداً، وقال الدارقطني: ولا يثبت هذا عن الزهري مسنداً، وإنما هو
مرسل. وقال أبو عمر: كذا هو مرسل في جميع (الموطآت) التي رأينا، وكذلك رواه جماعة
الرواة عن مالك فيما علمنا مرسلاً إلاَّ عبد الرزاق، فإنه رواه عن مالك: عن الزهري عن أبي
بكر عن أبي هريرة فأسنده، وقد اختلف في ذلك عن عبد الرزاق. قلت: المرسل حجة
عندكم؟ قلت: نعم، ولكن المسند أقوى لأن عدالة الراوي شرط قبول الحديث، وهي معلومة
في المسند بالتصريح، وفي المرسل مشكوكة أو معلومة بالدلالة، والصريح أقوى من الدلالة،
والعجب من هؤلاء أنهم لا يرون المرسل حجة ثم يعملون به في مواضع. وأما قول صاحب
(التوضيح)؛ تعلق أبو حنيفة بشيء يروى عن علي وابن مسعود وليس بثابت عنهما، ليس
كذلك، لأنا قد ذكرنا فيما مضى: أن قتادة روى عن خلاس بن عمرو عن علي، رضي الله
تعالى عنه، أنه أسوة الغرماء إذا وجدها بعينه، وصححه ابن حزم، وأما نقلهم عن الحنفية بأنهم
قالوا: والحديث إذا خالف القياس يشترط فقه الراوي، وأبو هريرة ليس كذلك، فهذا تشنيع
منهم عليهم، لأن الشيخ أبا الحسن الكرخي قال: ليس فقه الراوي شرطاً لتقديم خبره على
القياس، بل يقبل خبر كل عدل فقيهاً كان أو غيره، إذا لم يكن معارضاً بدليل أقوى منه،
وتبعه على ذلك جماعة من المشايخ، وقال صدر الإسلام: وإليه مال أكثر العلماء، والذي

٣٣٩
٤٣ - كتَابٌ في الاسْتِقْرَاضِ وأدَاءِ الدُّيُونِ وَالْحَجْرِ والتَّفْلِيسِ / باب (١٥)
ذكروه هو مذهب عيسى بن أبان وبعض المتأخرين، مع أن أحداً منهم لم يذكر أبا هريرة بما نسب
إليه من قلة الفقه، وكيف لم يكن فقيهاً وكان يفتي في زمن الصحابة ولم تكن الفتوى في زمانهم
إلاَّ للفقهاء؟ وقد دعا له النبي عَّ لهم بالحفظ فاستجاب الله دعاءه فيه، حتى انتشر في العالم ذكره.
وأما قولهم: كل حديث أصل برأسه، فسلمنا ذلك إذا كان كل واحد متعلقاً بأصل
غير الأصل الذي يتعلق به الآخر، وأما إذا كان حديثان أو أكثر ومخرجهما واحد فلا يفرق
حينئذ بينهما. وأما قولهم: وقد ينقض ملك المالك كالشفعة .. إلى آخره، غير صحيح، لأن
مشتري الدار لا يثبت له الملك مع وجود الشفيع، ولو قبضها فملكه على شرف السقوط،
ولا يتم له الملك إلاّ بترك الشفيع شفعته، والمرأة لا تملك الصداق قبل الدخول ملكاً تاماً،
وهو أيضاً على شرف السقوط، ولهذا لو قبضت صداقها وطلقها زوجها يرجع عليها بنصف
الصداق والملك في الصورتين غير تام، فكيف يقال: وقد ينقض ملك المالك. وأما الرهن
فإن يد المرتهن يد استيفاء لا يد ملك، ولهذا ليس له أن يتصرف فيه تصرف الملاك. وأما
عند اختلاف المتبايعين فلا يثبت الملك لأحدهما إلاَّ بعد الاتفاق على الإتمام أو على الفسخ،
وأما المكاتب فإنه عبد ولو بقي عليه درهم، فمتى يملك نفسه حتى يقال ينقض ملكه عند
العجز؟ وأما قولهم: وقد أخذت الحنفية بحديث القهقهة في الصلاة مع كونه مخالفاً
للأصول، وضعفه أيضاً، فإنما أخذوا به لكون راويه معروفاً بالعدالة، والمعروف بالعدالة يقبل
قوله، وإن لم يكن معروفاً بالفقه، سواء وافق خبره القياس أو خالفه. وأما تضعيفهم خبر
القهقهة فغير صحيح، لأنه رواه جماعة من الصحابة الفقهاء كأبي موسى الأشعري وجابر
وعمران وسلمة بن زيد، رضي الله تعالى عنهم، وقد أتقنا الكلام فيه في (شرحنا للهداية).
١٥ - بابُ مَنْ أَخَّرَ الْغَرِيمَ إلى الغَدِ أَوْ نَخوِهِ وَلَمْ يَرَ ذَلِكَ مَطْلاً
أي: هذا باب في بيان حكم من أخر من الحكام غريم شخص أي: أخر طلب حقه
من غريمه إلى الغد. قوله: ((أو نحوه)) مثلا إلى يومين أو ثلاثة، ونحو ذلك. قوله: ((ولم ير
ذلك)) أي: تأخيره إلى الغد ونحوه ((مطلاً)) أي: تسويفاً بالحق، وهذه الترجمة ساقطة في
رواية النسفي، وحديثها كذلك ولذلك لم يشرحها أكثر الشراح.
وقالَ جَابِرٌ اشْتَدَّ الغُرَمَاءُ في حُقوقِهِمْ فِي دَيْنِ أبِي فَسَأَلَهُمْ النبيُّ عَ لِّ أَنْ يَقْبَلُوا ثَمَرَ
حائِطِي فأبَوْا فَلَمْ يُعْطِهِمْ الحَائِطَ وَلَمْ يَكْسَرْهُ لَهُمْ وقال سأغْذُو عَلَيْكَ غِدَاً فَغَدَا
عَلَيْنَا حِينَ أَصْبَحَ فَدَعَا في ثَمَرِهَا بِالْبَرَكَةِ فَقَضَيْتُهُمْ
مطابقته للترجمة في قوله: ((سأغدو عليك غداً) وهذا التعليق قد أخرجه موصولاً فيما
مضى عن قريب في: باب إذا قضى دون حقه أو حلله، وفي الباب الذي يليه أيضاً. وفيه
زيادة، وهي قوله: ولم يكسره لهم، وذكرها في كتاب الهبة ومعناه ... (١).
(١) هنا بياض في جميع الأصول.

٣٤٠
٤٣ - كتَابٌ في الاسْتِقْرَاضِ وأَدَاءِ الدُّيُونِ وَالْحَجْرِ والتَّفْلِيسِ / باب (١٦)
١٦ - بابُ مَنْ باعَ مالَ الْمُفْلِسِ أوْ الْمُعْدِمِ فَقَسَمَهُ بيْنَ الغُرَماءِ أَوْ أَعْطَاهُ حتَّى
يُنْفِقَ عَلى نفْسِهِ
أي: هذا باب في بيان حكم من باع من الحكام مال المفلس أو المعدم، بكسر
الدال، وهو الفقير. قوله: ((أو أعطاه)) أي: أو أعطى مال المعدم له بعد أن باعه لينفق على
نفسه، وفيه اللف والنشر، قاله الكرماني: ووجهه ما ذكرته.
٢٤٠٣/١٩ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ حدَّثنا يَزِيدُ بنُ زُرَيْعِ حدَّثنا حُسَيْنٌ الْمُعَلِّمُ حدَّثنا عَطَاءُ بنُ
أبي رَبَّاحِ عِنْ جابِرِ بنِ عَبْدِ الله رضي الله تعالى عنهما قال أعْتَقَ رَجُلٌ غُلاماً لَهُ عنْ دُبُرٍ فقال
النبيُّ عَّهِ مَنْ يَشْتَرِيهِ مِنِّي فاشْتَراهُ نُعَيْمُ بنُ عَبْدِ الله فأُخَذَ ثَمَنَّهُ فَدَفَعَهُ إِلَيْهِ. [انظر الحديث
٢٣٤١ وأطرافه].
الترجمة جزآن: أحدهما: بيع مال المفلس وقسمته بين الغرماء. والثاني: بيع مال
المعدوم ودفعه إليه لينفقه على نفسه، فلا مطابقة بينهما وبين حديث الباب بحسب الظاهر،
كما قاله ابن بطال بكلام حاصله نفي المطابقة. وأجيب: بأنه يحتمل أن يكون باعه عليه
لكونه مدياناً، ومال المديان إما أن يقسمه الإمام بنفسه أو يسلمه إلى المديان ليقسمه، فلهذا
ترجم على التقديرين، مع أن أحد الأمرين يخرج من الآخر، لأنه إذا باعه عليه لحق نفسه،
فلأن يبيعه عليه لحق الغرماء أولى، وقال بعضهم: والذي يظهر لي أن في الترجمة لفاً ونشراً،
و: أو، في الموضعين للتنويع، ويخرج أحدهما من الآخر، قلت: أما قول المجيب الأول بأنه
يحتمل أن يكون باعه عليه، لكونه مدياناً، فليس بطائل أن يقال بالاحتمال، بل هو في نفس
الأمر إنما باعه لكونه مدياناً، كما ثبت ذلك في بعض طرق حديث جابر أنه كان عليه دين،
أخرجه النسائي، وقال: أخبرنا أبو داود، قال: حدثنا محاضر، قال: حدثنا الأعمش عن سلمة
ابن كهيل عن عطاء عن جابر، قال: أعتق رجل من الأنصار غلاماً له عن دبر، وكان محتاجاً
وكان عليه دين، فباعه رسول الله عَ لَّه بثمانمائة درهم، فأعطاه فقال: ((إقض دينك)). وأما قول
بعضهم: والذي يظهر لي أن في الترجمة لفاً ونشراً، فليس له وجه أن ينسب ذلك إلى نفسه،
لأنه مسبوق به، فإن الكرماني قال: والكلام يحتمل اللف والنشر، كما ذكرناه عن قريب،
وقوله أيضاً: ويخرج أحدهما من الآخر مسبوق به أيضاً، ومع هذا فيه نظر.
والتوجيه الحسن في ذكر المطابقة بين الترجمة والحديث أن يقال: إن حديث جابر
المذكور له طرق: منها: هذا الذي أخرجه النسائي، ((ففيه: أن الرجل كان مديوناً وباع النبي
عَّلِ الغلام الذي دبره، فدفعه إليه، وقال له: إقض دينك)) كما في حديثه، وهذا يطابق الجزء
الأول للترجمة، غاية ما في الباب اقتصر في حديث الباب على قوله: ((فدفعه إليه))، وفي
حديث النسائي: ((فأعطاه، فقال: إقض دينك)). فإن قلت: ليس في الترجمة أن المديون هو
الذي قسمه، فلا مطابقة. قلت: لما أمره بقضاء دينه من ثمن العبد فكأنه هو الذي تولى
قسمته بين غرمائه، لأن التدبير حق من الحقوق، فلما أبطله الشارع هنا احتاج إلى الحكم به،