Indexed OCR Text

Pages 301-320

٣٠١
٤٢ - كِتابُ المساقاةِ / باب (١٢)
المرفوع في قوله: فجعله، يرجع إلى ناقل هذه الرواية من أبي ذر وليس يرجع إلى ابن التين،
ولم يدر نسبة الظن إلى أي شارح من شراح البخاري، والحاصل أن رواية الأكثرين هي
الصحيحة، وأن الضمير في قوله: وقال: بلغنا، يرجع إلى الزهري، وأنه من البلاغ المنسوب
إليه. وذكر أبو داود أن القائل: وبلغنا ... إلى آخره ابن شهاب هو الزهري، رحمه الله، وروى
في (سننه) من طريق ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب، فذكر الموصول، والمرسل جميعاً.
أما الموصول فرواه عن سعيد بن منصور، قال: حدثنا عبد العزيز بن محمد عن عبد الرحمن
ابن الحارث عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس عن الصعب بن جثامة:
أن رسول الله عَ لِ حمى النقيع، وقال: لا حمى إلاَّ لله. وأما المرسل فهو، قال ابن شهاب:
وبلغني أن رسول الله عَّم حمى النقيع. قوله: ((النقيع))، بالنون، وقد مر تفسيره عن قريب.
قوله: ((وأن عمر، رضي الله تعالى عنه، حمى الشرف والربذة)) عطف على قوله: ((بلغنا أن
النبي عَّ ◌ُله))، وهو أيضاً من بلاغ الزهري، و: الشرف، بفتح الشين المعجمة والراء وفي آخره
فاء، وهو المشهور، وذكر عياض أنه عند البخاري بفتح السين المهملة وكسر الراء، والصواب
الأول، لأن الشرف بالمعجمة من عمل المدينة، وبالمهملة وكسر الراء من عمل مكة، ولا
تدخله الألف واللام، بينها وبين مكة ستة أميال، وقيل: سبعة، وقيل: تسعة، وقيل: اثني عشر،
والربذة، بفتح الراء والباء الموحدة والذال المعجمة المفتوحات: قرية قريبة من ذات عرق،
بينها وبين المدينة ثلاث مراحل، وقد مر تفسيره فيما مضى أيضاً. وروى ابن أبي شيبة بإسناد
صحيح عن نافع عن ابن عمر: أن عمر، رضي الله تعالى عنه، حمى الربذة لنعم الصدقة.
١٢ - بابُ شُرْبِ النَّاسِ وسَقْيٍ الدَّوَابٌ مِنَ الأَنْهَارِ
أي: هذا باب في بيان حال شرب الناس وسقي الدواب من الأنهار، مقصوده الإشارة
إلى أن ماء الأنهار الجارية غير مختص لأحد. وقام الإجماع على جواز الشرب منها دون
استئذان أحد، لأن الله تعالى خلقها للناس وللبهائم ولا مالك لها غير الله، فإذا أخذ أحد منها
شيئاً في وعائه صار ملكه فيتصرف فيه بالبيع والهبة والصدقة ونحوها، فقال أبو حنيفة
ومالك: لا بأس ببيع الماء بالماء متفاضلاً وإلى أجل، وقال محمد: هو مما يكال أو يوزن،
وقد صح أنه، عَُّلِّ، كان يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع، فعلى هذا لا يجوز عنده فيه التفاضل
ولا النسيئة لوجود علة الربا، وهي الكيل والوزن، وبه قال الشافعي، لأن العلة الطعم.
٢٣٧١/١٩ _ حدَّثنا عبدُ الله بنُ يُوسُفَ قال أخبرنا مالِكُ بنُ أنَسٍ عنْ زَيْدِ بنِ أسْلَمَ
عن أبِي صالِحِ السَّمَّانِ عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنه أنَّ رسولَ الله عَ لِّ قال الخَيْلُ
لِرَجُلٍ أخْرٌ وَلِّرَجُلٍ سِتْرٌ وعلَى رَجُلٍ وَزْرٌ فَأَمَّا الَّذِي لَهُ أَجْرٍ فَرَجُلٌ رَبَطَها في سَبِيلِ الله
فأطالُّ بِها في مَزْجَ أَوْ رَوْضَةٍ فَما أَصَابَتْ في طِيَلِها ذَلِكَ مِنَ المَرْجِ أُوِ الرَّوْضَةِ كانَتْ لَهُ
حَسَنَاتٍ ولوْ أَنَّهُ انْقُّطَعَ طِيْلُها فاستَنَّتْ شَرَفاً أَوْ شَرَفَيْنِ كانَتْ آثارُها وَأَزْوَاتُها حَسناتٍ لَهُ ولَوْ
أنَّها مَرَّت بِنَهْرٍ فَشَرِبَتْ مِنْهُ ولَم يُرِدْ أَنْ يَسْقِيَ كان ذلِكَ حَسناتٍ لَهُ فَهْيَ لِذَلِكَ أجرٌ

٣٠٢
٤٢ - كِتابُ المساقاةِ / باب (١٢)
ورجلٌ رَبَطَهَا تَغَنِّياً وتعَفَّفاً ثُمَّ لَمْ يَنْسَ حَقَّ اللهِ فِي رِقَابِهَا ولا ظُهُورِها فَهْيَ لِذَلِكَ سترٌ
ورجلٌ رَبَطَهَا فَخْراً ورِياءً ونِوَاءٌ لِأَهْلِ الإسْلاَمِ فَهْيَ عَلَّى ذَلِكَ وِزْرٌ وَسُئِلَ رسول الله عَّل
عن الحُمُرِ فقال ما أُنْزِلَ عَلَيَّ فِيها شَيءٌ إلاَّ هَذهِ الآيَةُ الجامِعَةُ الْفَاذةُ ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ
ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهْ ومَنْ يَعْمِلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهْ﴾ [الزلزلة: ٧، ٨]. [الحديث ٢٣٧١ - أطرافه
في: ٢٨٦٠، ٣٦٤٦، ٤٩٦٢، ٤٩٦٣، ٧٣٥٦].
مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: ((ولو أنها مرت بنهر فشربت منه)) وتوضيحه أن ماء
النهر لو كان مختصاً لأحد لاحتيج إلى إذنه، وحيث أطلقه الشارع يدل على أنه غير مختص
بأحد ولا في ملك أحد. وقال بعضهم: والمقصود منه، أي: من هذا الحديث، قوله فيه:
((ولو أنها مرت بنهر فشربت منه)) ولم يرد أن يسقي، فإنه يشعر بأن من شأن البهائم طلب
الماء ولو لم يرد ذلك صاحبها، فإذا أجر على ذلك من غير قصد فيؤجر بقصده من باب
الأولى. انتھی.
قلت: غرض هذا القائل من هذا الكلام بيان المطابقة بين الترجمة والحديث المذكور،
ولكن بمعزل من ذلك وبعد عظيم، لأن عقد الترجمة في بيان أن ماء الأنهار لا يختص بأحد
يشرب منها الناس والدواب، وليست بمعقودة في حصول الأجر بقصد صاحب الدابة وبغير
قصده إذا شربت منه.
ورجاله قد تکرر ذکرهم، وأبو صالح ذكوان.
والحديث أخرجه البخاري أيضاً في الجهاد، وفي علامات النبوة عن القعنبي وفي
التفسير وفي الاعتصام عن إسماعيل، كلاهما عن مالك عنه به وفي التفسير أيضاً عن يحيى
ابن سليمان عن ابن وهب عن مالك بقصة الحمر. وأخرجه مسلم في الزكاة عن سويد بن
سعيد وعن يونس عن ابن وهب. وأخرجه النسائي في الخيل عن محمد بن سلمة والحارث
ابن مسكين، كلاهما عن ابن القاسم عن مالك بقصة الخيل.
ذكر معناه: قوله: ((أجر)): أي: ثواب. قوله: ((ستر)) أي: ساتر لفقره ولحاله. قوله:
((وزر))، أي: إثم وثقل. قوله: ((ربطها في سبيل الله))، أي: أعدها للجهاد، وأصله من ربط
الشيء، ومنه المرابط، وهو الرجل الذي يحبس نفسه في الثغور، والرباط هو المكان الذي
يرابط فيه المجاهد ويعد الأهبة لذلك، وقيل: من ربط صاحبه عن المعاصي وعقله كمن ربط
وعقل. قوله: ((فأطال بها في مرج))، أي: شدها في طوله، الطول بكسر الطاء وفتح الواو وفي
آخره لام، وكذلك: الطيل، بالياء موضع الواو، وهو حبل طويل يشد أحد طرفيه في وتد أو
غيره والطرف الآخر في يد الفرس ليدور فيه ويرعى، ولا يذهب لوجهه. وقيل: هو الحبل
تشد به ويمسك صاحبه بطرفه ويرسلها ترعى، وقال ابن وهب: هو الرسن، والمرج: الأرض
الواسعة، قال أبو المعاني: يجمع الكلأ الكثير والماء تمرج فيها الدواب حيث شاءت،
والجمع: مروج. قوله: ((طيلها)) بكسر الطاء، وقد مر الآن، وأنكر يعقوب الياء، وقال: لا يقال

٣٠٣
٤٢ - كِتابُ المساقاةِ / باب (١٢)
إلاَّ بالواو. وعن الأخفش: هما سواء، وزعم الخضراوي: أن بعضهم أجاز فيه: طوال، كما
تقول العامة، وأنكر ذلك الزبيدي، وقال: لا أعرفه صحيحاً. وفي (الجامع): ومنهم من يشدد
فيقول طول، ومنه قول الراجز:
تعرضت لي في مكان حلي
تعرض المهرة في الطول
وقال الجوهري: لم يسمع في الطول الذي هو الحبل إلاَّ بكسر الأول وفتح الثاني
وشدده الراجز ضرورة، وقد يفعلون مثل ذلك للتكثير، ويزيدون في الحرف من بعض حروفه.
وفي (المطالع): وعند الجرجاني: في طولها، في موضع من البخاري، وكذا في مسلم.
قوله: ((فاستنت))، أي: أفلتت ومرحت، والاستنان: قال في (التلويح): الاستنان تفعل من
السنن وتبعه على ذلك صاحب (التوضيح). قلت: هذا غلط، بل هو افتعال، والسنن القصد،
وقيل: معنى استنت: لجت في عدوها إقبالاً وإدباراً، وقيل: الاستنان يختص بالجري إلى
فوق، وقيل: هو النشاط والمرح، وفي (البارع): هو كالرقص، وقيل: استنت رعت، وقيل:
الجري بغير فارس. قوله: ((شرفا))، بفتح الشين المعجمة والراء: ما أشرف من الأرض وارتفع،
وقيل: الشرف والشرفان الشوط والشوطان، سمي به لأن العادي به يشرف على ما يتوجه إليه.
قوله: ((آثارها) الآثار جمع أثر، وأثر كل شيء بقيته، والظاهر أن المراد به أثر خطواتها
في الأرض بحافرها. قوله: ((بنهر))، بسكون الهاء وفتحها لغتان فصيحتان ذكرهما ثعلب، وقال
الهروي: الفتح أفصح، وقال ابن خالويه: الأصل فيه التسكين، وإنما جاز فتحه لأن فيه حرفاً
من حروف الحلق. قال: وحروف الحلق إذا وقعت آخر الكلام فتح وسطها، وإذا وقعت
وسطاً فتحت نفسها، وقيل: لأنه حرف استعلاء ففتح لاستعلائه. وفي (الموعب): نهر ونهور
مثل جمع وجموع، وقال أبو حاتم: نهر وأنهار مثل جبل وأجبال. قوله: ((ولم يرد أن
يسقيها)) من باب التنبيه، لأنه إذا كان يحصل له هذه الحسنات من غير أن يقصد سقيها فإذا
قصدها فأولى بأضعاف الحسنات. قال القرطبي: لا يريد أن يسقيها أي: يمنعها من شرب
يضرها إذا احتبست للشرب لفوته ما يأمله أو إدراك ما يخافه، أو لأنه كره أن يشرب من ماء
غيره بغير إذنه. قوله: ((تغنيا))، نصب على التعليل أي: استغناء عن الناس بطلب نتاجها الغني
والعفة. قوله: ((وتعففاً))، عطف عليه أي: لأجل ذلك تعففه عن سؤالهم بما يعمله عليها
ويكتسبه على ظهورها ويتردد عليها إلى متاجره أو مزارعه ونحو ذلك فتكون ستراً له عن
الفاقة.
قوله: ((ثم لم ينس حق الله في رقابها))، فيؤدي زكاة تجارتها. قوله: ((ولا ظهورها)»،
أي: لا يحمل عليها ما لا تطيقه، وقيل: أن يغيث بها الملهوف ومن تجب معونته، وقيل: لا
ينسى حق الله في ظهورها فيركب عليها في سبيل الله، واستدل به أبو حنيفة على وجوب
الزكاة في الخيل السائمة، وقد مر في كتاب الزكاة. قوله: ((فخراً)) نصب على التعليل، أي:
لأجل التفاخر. قوله: ((ورياء» عطف عليه، أي: لأجل الرياء، ليقال: إنه يربي خيل كذا وكذا.

٣٠٤
٤٢ - كِتابُ المساقاةِ / باب (١٢)
قوله: ((ونواء))، عطف على ما قبله أيضاً أي: ولأجل النواء، بكسر النون وبالمد وهي المعاداة
وهي: أن ينوي إليك وتنوي إليه. أي: ينهض. وقال الداودي: بفتح النون والقصر، وقال: كذا
روي والمعروف الأول. وقال ابن قرقول: القصر وفتح النون وهم، وعند الإسماعيلي: قال ابن
أبي الحجاج عن أبي المصعب: بواء، بالباء الموحدة.
قوله: ((عن الحمر)) بضم الحاء والميم: جمع حمار. قوله: ((الفاذة))، بالذال المعجمة،
أي: المنفردة القليلة النظير في معناها. وقال الخطابي: سئل عن صدقة الحمر وأشار إلى الآية
بأنها جامعة لاشتمال اسم الخير على أنواع الطاعات، وجعلها فاذة لخلوها عن بيان ما تحتها
من تفصيل أنواعها، وجمعت على انفرادها حكم الحسنات والسيئات المتناولة لكل خير
ومعروف، ومعناه: أن من أحسن إليها أو أساء رآه في الآخرة. وقيل: إنما قيل: إنها فاذة إذ
ليس مثلها آية أخرى في قلة الألفاظ وكثرة المعاني لأنها جامعة بين أحكام كل الخيرات
والشرور، وكيفية دلالة الآية على الجواب هي أن سؤالهم أن الحمار له حكم الفرس أم لا؟
فأجاب: بأنه إن كان لخير فلا بد أن يجزي جزاءه، ويحصل له الأجر وإلاّ فبالعكس، وإنما لم
يسأل عَّ له عن البغال لقلتها عندهم، أو لأنها بمنزلة الحمار.
ذكر ما يستفاد منه: فيه: حجة من يحتج أن النبي، عَّلّهِ، لم يكن مجتهداً، وإنما كان
يحكم بالوحي، ورد بأنه، عَّهِ، لم يظهر له أو لم يفسر الله تعالى من أحكامها وأحوالها ما
قاله في الخيل وغيرها. وفيه: إشارة إلى التمسك بالعموم، وهو تنبيه للأمة على الاستنباط
والقياس، وكيف يفهم معنى التنزيل لأنه نبه بما لم يذكر الله في كتابه، وهي: الحمر، لما
ذكر من عمل مثقال ذرة خيراً يره، إذ كان معناهما واحداً، وهذا نفس القياس الذي ينكره من
لا تحصيل له. وفيه: الحث على اقتناء الخيل إذا ربطها في سبيل الله، ألا ترى أن أروائها
كانت حسنات يوم القيامة؟ وفيه: أن الرياء مذموم، وأنه وزر، ولا ينفعه العمل المشوب به يوم
القيامة.
٢٠/ ٢٣٧٢ _ حدَّثنا إسْمَاعِيلُ قال حدَّثنا مالِكٌ عنْ رَبِيعَةَ بنِ أبِي عَبْدِ الرَّحْمنِ عنْ
يَزِيدَ مولَى الْمُنْبَعِثِ عنْ يَزِيدِ بنِ خالِدٍ رضي الله تعالى عنهُ قال جاءَ رجلٌ إلى رسولِ اللهِ
عٍَّ فِسَأَلَهُ عنِ اللَّقَطَةِ فقالَ اغْرِفْ عِفَاصَها وَوِكَاءَهَا ثُمَّ عِرَّفْها سَنَةً فإن جاء صاحِبُها وإلاَّ
فشأَنَكَ بِهاقالَ فَضَلَّةُ الغَنَم قالَ هِيَ لَكَ أُوْ لاِءَخِيكَ أُوْ لِلذِّئْبِ قال فَضالَّةُ الإِبِلِ قال مالَكَ
ولَها مَعَهَا سِقَاؤُها وحِذَاؤُهَا تَرِدُ الْمَاءَ وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ حتَّى يَلْقَاها ربُّها. [انظر الحديث ٩١
وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((ترد الماء)) بيان ذلك أن النبي عَ لَّه منع عن التقاط الإبل
لأنه لا يخاف عليها من العطش والجوع، فترد ماء من المياه وتشرب لا يمنعها أحد، لأن الله
خلقه للناس وللبهائم، وليس له مالك غير الله تعالى، وإسماعيل هو ابن أبي أويس عبد الله
ابن أخت مالك بن أنس، وربيعة، بفتح الراء: هو المشهور بربيعة الرأي، ويزيد من الزيادة.

٣٠٥
٤٢ - كِتابُ المساقاةِ / باب (١٣)
ورجال الإسناد كلهم مدنيون. وفيه: رواية التابعي عن التابعي وهما ربيعة ويزيد.
والحديث مضى في كتاب العلم في: باب الغضب في الموعظة، فإنه أخرجه هناك:
عن عبد الله بن محمد عن أبي عامر عن سليمان بن بلال عن ربيعة عن يزيد عن زيد بن
خالد، وقد مر الكلام فيه هناك مستوفى، والعفاض، بكسر العين المهملة وبالفاء: هو الظرف
الذي فيه النفقة، والوكاء: الخيط الذي يربط به، والسقاء: القربة، والحذاء، بكسر الحاء
المهملة وبالذال المعجمة: ما وطىء عليه البعير من خفه، وأصله من حذاء النعال، فقيل لخف
الجمل حذاء من ذلك، وكذا يقال لحافر الخيل.
١٣ - باب بَيْعِ الخَطَبِ والْكَلِ
أي: هذا باب في بيان حكم بيع الحطب والكلا، بفتح الكاف واللام وفي آخره
همزة، وهو العشب سواء كان رطباً أو يابساً، وقد مر تفسيره غير مرة، وجه إدخال هذا الباب
في كتاب الشرب من حيث اشتراك الماء والحطب والكلا في جواز الانتفاع بها لأنها من
المباحات، فلا يختص بها أحد دون أحد، فمن سبقت يده إلى شيء من ذلك فقد ملكه.
وقال ابن بطال: إباحة الاحتطاب في المباحات والاختلاء من نبات الأرض متفق عليه، حتى
يقع ذلك في أرض مملوكة فترتفع الإباحة.
٢١/ ٢٣٧٣ _ حدَّثْنا مُعَلَّى بنُ أسَدٍ قال حدثنا وُهَيْبٌ عنْ هِشَامٍ عنْ أَبِيهِ عنِ الزُّبَيْرِ
بنِ العَوَّامِ رضي الله تعالى عنهُ عنِ النبيِّ عَُّلَّمِ قال لأنْ يَأْخُذَ أحدُكُمْ أَخْبُلاً فَياخُذَ حُزْمَةً مِنْ
خَطَبٍ فَيَبِيعَ فيَكُفَّ الله بِهِ وجْهَهُ خَيْرٌ مِنْ أَن يَسْألَ النَّاسَ أُعْطِيَ أْ مُنِعَ. [انظر الحديث
١٤٧١ وطرفه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((فيأخذ حزمة من حطب فيبيع)) ووهيب مصغر وهب بن
خالد البصري، وهشام بن عروة بن الزبير بن العوام. والحديث مضى في كتاب الزكاة في:
باب الاستعفاف في المسألة. فإنه أخرجه هناك: عن موسى عن وهب عن هشام عن أبيه عن
الزبير إلى آخره. وقد مر الكلام فيه هناك. قوله: ((وجهه))، أي: ماء وجهه، أي: عرضه. قوله:
((أعطي أم مُنع))، كلاهما على بناء المجهول.
٢٣٧٤/٢٢ _ حدَّثنا يَخْتِى بْنُ بُكَيْرِ قال حدَّثنا اللَّيْثُ عنْ عُقَيْلِ عنِ ابنِ شِهابٍ عنْ
أبِي عُبَيدٍ مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمنِ بنِ عَوْفٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ يَقُولُ قال
رسولُ اللهِ عَِّ لِأن يَخْتَطِبَ أحَدُكُمْ حُزْمَةً على ظَهْرِهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسألَ أحداً فَيُعْطِيَهُ
أُوْ يَمْنَعَهُ. [انظر الحديث ١٤٧٠ وأطرافه].
هذا الحديث مضى أيضاً في كتاب الزكاة في الباب المذكور، فإنه أخرجه هناك عن عبد
الله بن يوسف عن مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة، وأبو عبيد مصغر العبد، وقد مر.
٢٣/ ٢٣٧٥ _ حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ مُوسَى قال أخبرنا هِشامٌ أنَّ ابنَ جرَيْجٍ أُخْبَرَهُمْ قال
عمدة القاري/ ج١٢ م٢٠

٣٠٦
٤٢ - كِتابُ المساقاةِ / باب (١٣)
أُخبرَنِي ابنُ شِهَابٍ عنْ عَلِيٌّ بنُ حُسَيْنِ بنِ عَلِي عن أبيهِ حُسَيْنِ بنِ عَلِيّ بنِ أبي طالِبٍ
رضي الله تعالى عنهم أنَّهُ قال أصَبْتُ شارفاً مَعَ رسولِ الله عَ لَّهِ في مَغْنَمِ يَوْمَ بَدْرٍ قَال
وأعْطَانِي رسولُ اللهِ عَّهِ شَارِفاً أُخْرَى فَأَنَخْتُهُما يَوْماً عِنْدَ بابِ رجلٍ مِنَ الأَنْصارِ وأنا أُرِيدُ
أنْ أَحمِلَ عَلَيْهِمَا إِذْخِراً لأَبِيعَهُ ومَعِي صائِئٌ مِنْ بَنِي قَيْنُقَاعَ فأسْتَعِينَ بِهِ عَلَى وَلِيمَةٍ فاطِمَةً
وحَمْزَةُ بنُ عبدِ الْمُطَّلِبِ رضي الله تعالى عنهُ يَشْرَبُ فِي ذَلِكَ الْبَيْتِ ومَعَهُ قَيْنَةٌ فقالَتْ: ألا
يا حَمْزَ لِلْشُّرُفِ النِّوَاءِ. فَثَارَ إِلَيْهِمَا حَمْزَةُ بالسَّيْفِ فَجَب أَسْنِمَتَهُمَا وَبَقَرَ خَواصِرَهُما ثُمَّ أَخَذَ
مِنْ أَكْبَادِهِما قُلْتُ لابنِ شِهَابٍ ومِنَ السَّنامِ قال قَدْ جبَّ أُسْنِمَتَهُمَا فَذَهَبَ بِها قال ابنُ
شِهَابٍ قال عَلِيٍّ رضي الله تعالى عنه فَنَظَرْتُ إلى مَنْظَرٍ أَقْطَعَنِي فَأَتَيْتُ نَبِيَّ اللهِعَ لَّه وعِنْدَهُ
زَيْدُ بنُ حَارِثَةَ فَأَخْبَرْتُهُ الخَبرَ فخَرَجَ ومَعهُ زَيْدٌ فَانْطَلَفْتُ مَعه فَدخلَ على حَمْزَةَ فَتَغَيِّظَ عَلَيْهِ
فَرَفَعَ حَمْزَةُ بَصَرَهُ وقال هَلْ أَنْتُمْ إلَّ عَبِيدٌ لآبائِي فَرَجَعَ رسولُ اللهِ عَُّلَّهِ يُقَهْقِرُ حتَّى خَرَجَ
عَنْهُمْ وذَلِكَ قَبْلَ تَحْرِيمِ الخَمْرِ. [انظر الحديث ٢٠٨٩ وأطرافه].
مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: ((وأنا أريد أن أحمل عليهما إذخراً لأبيعه))، فإنه
يدل على ما ترجم به من جواز الاحتطاب، وقلع الإذخر وبيعه من نوع الاحتطاب وبيع
الحطب.
وإبراهيم بن موسى بن يزيد الفراء أبو إسحاق الراوي، يعرف بالصغير، وهشام هو ابن
يوسف الصنعاني اليماني قاضيها، وابن جريج هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكي.
والحديث أخرجه البخاري أيضاً في المغازي عن أحمد بن صالح وفيه وفي البيوع
وفي اللباس وفي الخمس عن عبدان. وأخرجه مسلم وأبو داود، ومضى بعض الحديث في
كتاب البيوع في: باب ما قيل في الصواغ، ومر تفسير ما ذكر هناك. ولنذكر ما بقي وإن
كان لا يخلو عن تكرار، لأن كل ما تكرر تقرر.
ذكر معناه: قوله: ((شارفاً))، بالشين المعجمة وبالفاء: وهي المسنة من النوق. قوله:
((يوم بدر)) كانت غزوة بدر في السنة الثانية من الهجرة. قوله: ((ومعي صائغ))، ويروى: ومعي
رجل صائغ، كذا هو في الأصول من الصوغ. وفي (التوضيح): وعند أبي ذر طالع، باللام،
أي: دال على الطريق، وفي (المطالع): ومعي طالع كذا لأكثرهم، فسروه بالدليل، يعني:
الطليعة، ووقع للمستملي وابن السكن: صايغ، وهو المعروف في غير هذا الموضع من هذا
الكتاب ومسلم وغيره، وقال الكرماني: وصائغ، بالمهملة وبالهمزة بعد الألف وبالمعجمة، و:
طابع، بالموحدة، و: طالع، باللام أي: من يدله عليه ويساعده وقد يقال أيضاً: إنه اسم الرجل.
قوله: ((من بني قينقاع))، بفتح القاف وكسر النون وفتحها وضمها، قوله: ((قينة))، بفتح
القاف: الأمة، وههنا المراد بها المغنية. قوله: ((ألا يا حمز للشرف النواء))، وهذه إشارة إلى
ما في قصيدة مطلعها:
ألا يا حمر للشرف النواء
وهن معقّلات بالفناء

٣٠٧
٤٢ - كِتابُ المساقاةِ / باب (١٣)
وضرِّجهن، حمزة، بالدماء
ضع السكين في اللَّبَات منها
قديراً من طبيخ أو شواء
وعجّل من أطايبها لشَرْبٍ
قوله: ((ألا))، كلمة تنبي قوله: ((يا حمز))، مرخم. قوله: ((للشرف))، بضمتين: جمع
شارف هي المسنة من النوق، وقد مر الآن. وقال الداودي: الشرف القوم المجتمعون على
الشراب. قوله: ((النواء))، بكسر النون: صفة للشرف، وهو جمع: ناوية، وهي السمينة وفي
(المطالع): النواء السمان و: النيّ، بكسر النون وفتحها وتشديد الياء: الشحم، ويقال بالفتح
الفعل وبالكسر الاسم، ويقال: نوت الناقة إذا سمنت فهي ناوية، والجمع: نواء، ووقع عند
الأصيلي في موضع وعند القابسي أيضاً: النوى، بكسر النون وبالقصر، وحكى الخطابي: أن
عوام الرواة يقولون: النوى، بفتح النون والقصر، وفسره محمد بن جرير الطبري، فقال: النوى
جمع نواة، يريد الحاجة. وقال الخطابي: هذا وهم وتصحيف، ثم فسر النوى بما تقدم، وفسره
الداودي بالحبا والكرامة، وهذا أبعد. قوله: ((وهن)، أي: الشرف المذكورة. معقلات أي:
مشدودات بالعقال، وهو الحبل الذي يعقل به البعير أي: يشد ويربد حتى لا يذهب، وإنما
شدد معقلات للتكثير. قوله: ((بالفناء،))، بكسر الفاء وهو المكان المتسع أمام الدار. قوله:
((في اللبات))، جمع لبة وهي المنحر قوله: وضرجهن، أمر من التضريج، بالضاد المعجمة
وبالجيم: التدمية. قوله: ((حمزة))، أي: يا حمزة، فحذف منه حرف النداء. قوله: ((من
أطايبها))، جمع أطيب، العرب تقول: أطايب الجزور السنام والكبد. قوله: ((لشرب))، بفتح
الشين وسكون الراء: وهو الجماعة يشربون الخمر. قوله: ((قديراً))، نصب على أنه مفعول
لقوله: وعجل، والقدير المطبوخ في القدر.
قوله: ((فثار إليهما))، أي: إلى الشارفين، وثار من ثار يثور إذا قام بنهضة. قوله:
((فجب))، بالجيم والباء الموحدة المشددة: أي قطع. قوله: ((أسنمتها))، الأسنمة جمع سنام،
ولكن المراد إثنان، وهذا من قبيل قوله تعالى: ﴿فقد صغت قلوبكما﴾ [التحريم: ٤].
والمراد: قلباكما قوله: ((وبقر)) بالباء الموحدة والقاف، أي: شق خواصرهما، والمراد:
خصراهما، والخاصرة الشاكلة. قوله: ((ثم أخذ من أكبادهما))، الأكباد جمع كبد، وإنما أخذ
من أكبادهما وأخذ السنامين لأنا قد ذكرنا الآن أن العرب تقول: أطايب الجزور السنام
والكبد. قوله: ((قلت لإبن شهاب))، القائل هو ابن جريج الراوي، وهو من قوله هذا إلى قوله:
قال علي، ليس من الحديث، وهو مدرج وقوله: ((قال علي))، هو ابن أبي طالب لا علي بن
الحسين المذكور فيه، وذكره ابن شهاب تعليقاً. قوله: ((أفظعني)) أي: خوفني. قال ابن
فارس: أفظع الأمر وفظع: اشتد وهو مفظع وفظيع ومادته: فاء وظاء معجمة وعين مهملة. قوله:
((وعنده زيد بن حارثة))، أي: عند النبي عَِّ، وزيد بن حارثة بن شراحيل القضاعي الكلبي،
حب رسول الله عَّه ومولاه، أصابه سباء فاشتري لخديجة، رضي الله تعالى عنها، فوهبته
لرسول الله عَ ليه وهو صبي فأعتقه وتبناه. قال ابن عمر: ما كنا ندعوه إلاّ زيد بن محمد حتى
نزلت ﴿ادعوهم لآبائهم﴾ [الأحزاب: ٥]. وآخى رسول الله عَّه بينه وبين حمزة، قتل بمؤتة،

٣٠٨
٤٢ - كِتابُ المساقاةِ / باب (١٣)
رضي الله تعالى عنه. ودخول علي، رضي الله تعالى عنه، على رسول الله عَّ له وزيد بن حارثة
عنده فيه خصوصية به، وكانوا يلجأون إليهم في نوائبهم.
قوله: ((فتغيظ عليه))، أي: أظهر الغيظ عليه. قوله: ((إلا عبيد لآبائي؟)) أراد به التفاخر
عليهم بأنه أقرب إلى عبد المطلب ومن فوقه. وقال الداودي: يعني أن عبد الله أبا النبي عَّه
وأبا طالب عمه كانا كالعبدين لعبد المطلب في الخضوع لحرمته وجواز تصرفه في مالهما،
وعبد المطلب جد النبي عَّةٍ، والجد كالسيد. قوله: ((يقهقر))، في محل النصب على
الحال، ومعناه: رجع إلى ورائه. قوله: ((وذلك قبل تحريم الخمر))، أي: المذكور من هذه
القضية كان قبل تحريم الخمر، لأن حمزة، رضي الله تعالى عنه، استشهد يوم أحد وكان يوم
أحد في السنة الثالثة من الهجرة يوم السبت منتصف شوال، وتحريم الخمر بعده، فلذلك
عذره النبي عَّلِ فيما قال وفعل ولم يؤاخذه.
ذكر ما يستفاد منه: فيه: أن للغانم قد يعطى من الغنيمة بوجهين: من الخمس، ومن
الأربعة أخماس، قاله التيمي. وفيه: أن مالك الناقة له الانتفاع بها بالحمل عليها. وفيه: جواز
الاحتشاش. وفيه: سنة الوليمة. وفيه: إناخة الناقة على باب غيره إذا لم يتضرر به. وفيه:
تبسط المرء في مال قريبه إذا كان يعلم أنه يحلله منه. وفيه: قبول خبر الواحد، لأن علياً،
رضي الله تعالى عنه، عمل على قول من أخبر بفعل حمزة حين استعدى عليه. وفيه: جواز
الاجتماع على شرب الشراب المباح. وفيه: جواز الغناء بالقول والمباح من القول وإنشاد
الشعر. وفيه: إباحة السماع من الأمة. وفيه: جواز النحر بالسيف. وفيه: جواز التخيير فيما
يأكله، كاختيار الكبد، وذلك ليس بإسراف. وفيه: أن من دل إنساناً على مال لقريبه ليس
ظالماً. وفيه: حل ذبيحة من ذبح ناقة غيره بغير إذنه. وفيه: جواز تسمية الإثنين باسم
الجماعة. وفيه: جواز الاستعداء على الخصم للسلطان. وفيه: أن للإنسان أن يستخدم غيره
في أموره، لأنه، عَِّ دعا زيداً وذهب به معه. وفيه: سنة الاستئذان في الدخول واستئذان
الواحد كاف عنه وعن الجماعة. وفيه: أن السكران يلام إذا كان يعقل اللوم. وفيه: أن الإمام
يلقى الخصم في كمال الهيئة، لأنه معَّلِ أخذ رداءه حين ذهب إلى حمزة. وفيه: جواز
إطلاق الكلام على التشبيه، كما قال حمزة: هل أنتم إلاَّ عبيد آبائي؟ أي: كعبيد آبائي؟ وفيه:
إشارة إلى شرف عبد المطلب. وفيه: علية تحريم الخمر من أجل ما جنى حمزة على الشارع
من هجر القول. وفيه: أن للإمام أن يمضي إلى أهل بيت إذا بلغه أنهم على منكر فيغيره.
وفيه: أن تضمين الجنايات من ذوي الأرحام العادم فيها أن يهدر من أجل القرابة، كما هدر
علي، رضي الله تعالى عنه، قيمة الناقتين مع تأكيد الحاجة إليهما، وإلى ما كان يستقبله من
الإنفاق في وليمة عرسه. وفيه: أن السكران إذا طلق أو افترى لا شيء عليه، وعورض أن
الشارع وعلياً تركا حقوقهما، وأيضاً فالخمر كانت حلالاً إذ ذاك، بخلاف الآن، فيلزم بذلك
لأنه أدخله على نفسه، هكذا ذكروا هذه الأشياء، وفي هذا الزمان لا يمشي بعض ذلك، بل
يقف عليه من له اعتناء بالفقه، والله أعلم.

٣٠٩
٤٢ - كِتابُ المساقاةِ / باب (١٤)
١٤ - بابُ القطائع
أي: هذا باب في بيان حكم القطائع، وهو جمع قطيعة من: أقطعه الإمام أرضاً يتملكه
ويستبد به وينفرد، والإقطاع يكون تمليكاً وغير تمليك، وإقطاع الإمام تسويفه من مال الله
تعالى لمن يراه أهلاً لذلك، وأكثر ما يستعمل في إقطاع الأرض، وهو أن يخرج منها شيئاً
يحوزه إما أن يملكه إياه فيعمره، أو يجعل له غلته مدة. قلت: في صورة التمليك يملك الذي
أقطع له، وهو الذي يسمى المقطع له رقبة الأرض فيصير ملكاً له يتصرف فيه تصرف الملاك
في أملاكهم، وفي صورة جعل الغلة له لا يملك إلاّ منفعة الأرض دون رقبتها، فعلى هذا يجوز
للجندي الذي يقطع له أن يؤجر ما أقطع له لأنه يملك منافعها، وأن لم يملك رقبته، وله نظائر
في الفقه. منها: أنه إذا وقعت المصالحة على خدمة عبد سنة كان للمصالح أن يؤجره،
ومعلوم أنه لا يملك رقبته، وإنما يملك منفعته. ومنها: أن المستؤجر يملك إجارة ما استأجره، وإن
كان لا يملك منه إلاَّ المنفعة. ومنها: أن الوقف بأن غلته لفلان صحيح، وله أن يؤجره في
الصحيح ذكره في (المحيط). ومنها: أن أم الوليد يجوز لسيدها أن يؤجرها، مع أنه لا يملك
منها سوى منفعتها، فإذا جازت له الإجارة تجوز لها المزارعة أيضاً، لأن القرى والأراضي في
الممالك الإسلامية لا يمكن أن ينتفع بها إلاَّ بالكراء والزراعة ومباشرة أعمال الفلاحة من
السقي والحصاد والدياس والتذرية وغير ذلك من الأمور التي يتوقف عليها الاستغلال، وذلك
لا يحصل إلاَّ بالمزارعة عليها، أو بإيجارها لمن يقوم بهذه الأعمال، فإن الجند لا يقدرون
على القيام بذلك بأنفسهم، إذ لو أمروا بذلك لصاروا أكرة وتعطل المعنى المطلوب منهم،
وهو القيام بما أعدوا له من مصالح المسلمين، وهي: قتال أعداء الإسلام، وردع المفسدين،
وقمع الخارجين، وصون الأموال والأنفس من السراق واللصوص وقطاع الطريق، وحفظ
مراصد الطرقات ومواطن المرابطات، فمتى اشتغل الجند بذلك تفوت تلك المصالح، كما
قال أصحابنا في رزق القاضي: إنه إذا كان فقيراً فالأفضل له، بل الواجب عليه، الأخذ لأنه
متى اشتغل بالكسب أقعد عن إقامته فرض القضاء، فإذا كان الأمر كذلك يجوز لهم الانتفاع
بالذي يقطع لهم بالإجارة أو المزارعة، فبأيهما تمكن الجندي فعل، أما المزارعة فعلى قول
الصاحبين، فإنها في معنى الإجارة، فليزارع الجند على قولهما بالشروط التي ذكرناها، كما
هي محررة في كتب الفقه، والله أعلم.
٢٣٧٦/٢٤ _ حدَّثنا سُلَيْمانُ بنُ حَوْبٍ قال حدَّثنا حَمَّادٌ عنْ يَحْيَى بنِ سَعِيدٍ قال
سَمِعْتُ أنساً رضي الله تعالى عنه قال أرادَ النبيُّ عَّ لّهِ أنْ يُقْطِعَ مِنَ البَحْرَيْنَ فقالَتْ الأَنصَارُ
حتَّى تُقْطِعَ لإِخْوَانِنا مِن المَهَاجِرِينَ مِثْلَ الَّذِي تُقْطِعُ لَنَا قال سَتَرَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً فاضِرُوا
حتَّى تَلْقَوْنِي. [الحديث ٢٣٧٦ - أطرافه في: ٢٣٧٧، ٣١٦٣، ٣٧٩٤].
مطابقته للترجمة ظاهرة، يعلم ذلك من قوله: ((أن يقطع من البحرين)) وحماد هو ابن
زيد، وفي بعض النسخ ذكر منسوباً، ويحيى بن سعيد هو الأنصاري.

٣١٠
٤٢ - كِتابُ المساقاةِ / باب (١٤)
والحديث أخرجه البخاري أيضاً في الجزية عن أحمد بن يونس، وفي فضل الأنصار
عن عبد الله بن محمد.
ذكر معناه: قوله: ((أن يقطع من البحرين)) يعني: أراد أن يقطع من البحرين للأنصار،
وفي رواية البيهقي: دعا الأنصار ليقطع لهم البحرين، وفي حديث الإسماعيلي: ليقطع لهم
البحرين أو طائفة منها، وكان الشك فيه من حماد. قلت: الظاهر أنه أراد أن يقطع لهم قطعة
منها، لأن كلمة: من، في قوله: من البحرين، تقتضي التبعيض، ولا ينافي أن تكون للبيان
أيضاً، ولكل من الصورتين وجه، والدليل على ذلك ما سيأتي في الجزية من طريق زهير عن
يحيى بلفظ: دعى الأنصار ليكتب لهم بالبحرين، لأن الظاهر أن معناه ليكتب لهم طائفة
بالبحرين، ويحتمل أن يكتب لهم البحرين كلها، ويؤيد هذا ما رواه في مناقب الأنصار من
رواية سفيان عن يحيى: إلى أن يقطع لهم البحرين. وقال الخطابي: يحتمل أن يكون عَ لَّه
أراد العامر من البحرين، لكن في حقه من الخمس، لأنه كان ترك أرضها فلم يقسمها. وقال
ابن قرقول: والذي في هذا الحديث ليس منها، فإن البحرين كانت صلحاً فلم يكن لهم في
أرضها شيء، وإنما هم أهل جزية، وإنما معناه عند علمائنا: إقطاع مال من جزيتهم يأخذونه،
يقال منه: أقطع، بالألف وأصله من القطع، كأنه قطعه له من جملة المال، وقد جاء في
حديث بلال بن الحارث، أخرجه أحمد من رواية كثير بن عبد الله عن عمرو بن عوف عن
أبيه عن جده، ومن حديث عكرمة عن ابن عباس عن النبي عَّ لِ أنه أقطعه معادن القبلية،
والقبلية: بفتح الباء الموحدة: نسبة إلى: قبل، بفتح القاف والباء، وهي ناحية من سواحل
البحر بينهما وبين المدينة خمسة أيام، وقيل: هي من ناحية الفرع، وهو موضع بين نخلة
والمدينة، هذا هو المحفوظ. وفي كتاب (الأمكنة): معادن القلبية، بكسر القاف وبعدها لام
مفتوحة ثم باء، و: البحرين، على صيغة التثنية للبحر، وهي من ناحية نجد على شطر بحر
فارس، وهي ديار القرامطة، ولها قرى كثيرة وهي كثيرة التمور. قوله: ((حتى تقطع))، غاية
لفعل مقدر أي: لا تقطع لنا حتى تقطع لإخواننا المهاجرين.
قوله: ((مثل الذي تقطع لنا))، وزاد في رواية البيهقي: فلم يكن ذلك عنده، يعني:
بسبب قلة الفتوح يومئذ، وقال ابن بطال: معناه أنه لم يرد فعل ذلك، لأنه كان أقطع
المهاجرين أرض بني النضير. قوله: ((أثرة))، بفتح الهمزة والثاء المثلثة، ويروى بضم الهمزة
وإسكان الثاء، وقال ابن قرقول: وبالوجهين قيده الجياني، والوجهان صحيحان، قال: ويقال
أيضاً: إِثرة، بكسر الهمزة وسكون الثاء، قال الأزهري: وهو الاستيثار أي: يستأثر عليكم بأمور
الدنيا ويفضل عليكم غيركم، وعن أبي علي القالي: الأثرة: الشدة. وفي الكتاب (الواعي) عن
ثعلب: الأثرة، بالضم خاصة: الحدب والحال غير المرضية، وعن غيره: التفضيل في العطاء،
وجمع الأثرة: أثر. وروى الإسماعيلي: ستلقون بعدي أثرة للأنصار، ورواها البخاري عن أسيد
بن حضير في مناقب الأنصار، وعن عبد الله بن زيد بن عاصم في غزوة الطائف، وعن أنس
بن مالك بزيادة: أثرة شديدة. فاصبروا حتى تلقوا الله ورسوله فإني على الحوض. وقالوا: هذا

٣١١
٤٢ - كِتابُ المساقاةِ / باب (١٥ و١٦)
يدل على أن الخلافة لا تكون فيهم، ألا ترى أنه جعلهم تحت الصبر إلى يوم القيامة؟ والصبر
لا يكون إلاَّ من مغلوب محكوم عليه.
ذكر ما يستفاد منه: فيه: جواز إقطاع الإمام من الأراضي التي تحت يده لمن شاء
من الناس ممن يراه أهلاً لذلك، قال الخطابي: وذهب أهل العلم إلى أن أهل العامر من
الأرض للحاضر النفع والأصول من الشجر كالنخل وغيرها، وأما المياه التي في العيون
والمعادن الظاهرة: كالملح والقير والنفط ونحوها، لا يجوز إقطاعها، وذلك أن الناس كلهم
شركاء في الملح والماء وما في معناهما مما يستحقه الأخذ له بالسبق إليه، فليس لأحد أن
يحتجرها لنفسه أو يحتظر منافعها على أحد من شركائه المسلمين، وأما المعادن التي لا يتوصل
إلى نيلها ونفعها إلاّ بكدوح واعتمال واستخراج لما في بطونها، فإن ذلك لا يوجب الملك
البات، ومن اقتطع شيئاً منها كان له ما دام يعمل فيه، فإذا قطع العمل عاد إلى أصله، فكان
للإمام إقطاعه غيره. وفيه: من أعلام نبوته، عَّله، حيث ما أخبره بقوله: ((سترون بعدي أثرة)).
١٥ - بابُ كِتَابَةِ الْقَطائِعِ
أي: هذا باب في بيان كتابة القطائع لمن أقطع الإمام أرضاً من الأراضي ليكون وثيقة
بيده حتى لا ينازعه أحد.
٢٥/ ٢٣٧٧ _ وقال اللَّيْثُ عنْ يَخيَى بنِ سَعِيدٍ عنْ أنَسٍ رضي الله تعالى عنهُ دعا
النبيُّ عَّهِ الأَنْصارَ لِيُقْطِعَ لَهُمْ بالبَحْرَيْنِ فقالوا يا رسولَ الله إن فَعَلْتَ فاكْتُبْ لإِخْوانِنا مِنْ
قُرَيْشٍ بِثْلِهَا فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عِنْدَ النبيِّ ◌َ له فقال إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً فاصْبِرُوا حتَّى
تَلْقَوْنِي. [انظر الحديث ٢٣٧٦ وطرفيه].
هذا تعليق علقه الليث بن سعيد عن يحيى بن سعيد الأنصاري، وقال أبو نعيم: ذكر
البخاري حديث الليث بلا رواية، قال: وأراه كأنه كان عنده عن عبد الله بن صالح، فلذلك
أرسله. قوله: (إن فعلت)) أي: إن فعلت الإقطاع. قوله: ((ذلك)) أي: المثل، وقيل: معناه فلم
يرد النبي، عَِّ، ذلك، وقد ذكرنا هذا عن ابن بطال في الباب الذي قبله.
١٦ - بابُ حَلَبِ الإِبِلِ عَلَى الْمَاءِ
أي: هذا باب في بيان حقية حلب الإبل على الماء، الحلب، بفتح اللام، يقال:
حلبت الناقة والشاة أحلبها حلباً، بفتح اللام. وقال الجوهري: الحلب بالتحريك اللبن
المحلب، والحلب أيضاً مصدر. قوله: ((على الماء))، قال بعضهم: أي: عند الماء. قلت:
لم يذكر أحد من أهل اللغة والعربية أن: على، تجىء بمعنى: عند، بل: على، ههنا بمعنى
الاستعلاء، بمعنى على ما يقرب منه، كما في قوله تعالى: ﴿أو أجد على النار هدى﴾ [طه:
١٠] معناه: على ما يقرب من النار، وهنا معناه: حلب الإبل على ما يقرب من الماء، يعني:
على مكان قريب من الماء الذي تورد إليه للسقي.
٢٦/ ٢٣٧٨ _ حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ الْمُنْذِرِ قال حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ فُلَيْحِ قال حدَّثني أبِي

٣١٢
٤٢ - كِتابُ المساقاةِ / باب (١٧)
عنْ هِلاَلِ بنِ عَلِيّ عنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بنِ أبِي عَمْرَةَ عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ عنِ
النبيِّ عَّله قال مِنْ حَقِّ الإبلِ أَنْ تُخْلَبَ عَلَى المَاءِ. [انظر الحديث ١٤٠٢ وأطرافه].
ورجاله ستة: إبراهيم بن المنذر بن عبد الله أبو إسحاق الحزامي المديني، وهو من
أفراده، ومحمد بن فليح، بضم الفاء وبالحاء المهملة: مر في أول العلم، وأبوه فليح بن
سليمان أبو يحيى الخزاعي، وكان اسمه عبد الملك فغلب عليه لقبه: فليح، وهلال بن علي
هو هلال بن أبي ميمونة، ويقال: هلال بن أبي هلال الفهري المديني، وعبد الرحمن بن أبي
عمرة، بفتح العين المهملة: الأنصاري الثقة المشهور.
قوله: ((من حق الإبل))، أراد به الحق المعهود المتعارف بين العرب من التصدق باللبن
على المياه، إذ كانت طوائف الضعفاء والمساكين تصدر يوم ورود الإبل على المياه لتنال من
رسلها وتشرب من لبنها، وهذا حق حلبها على الماء، لا أنه فرض لازم عليهم، وقد تأول
بعض السلف في قوله تعالى: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾ [الأنعام: ١٤١]. هو أنه: يعطي
المساكين عند الجذاذ والحصاد ما تيسر من غير الزكاة، وهذا مذهب ابن عمر وبه قال عطاء
ومجاهد وسعيد بن جبير وجمهور الفقهاء على أن المراد بالآية الزكاة المفروضة، وهذا تأويل
ابن عباس وغيره، وهذا كما نهى عن جذاذ النخل بالليل لأجل حضور المساكين بالنهار،
وأجازه مالك ليلاً. قوله: ((أن تحلب))، على صيغة المجهول، و: تحلب، بالحاء المهملة في
جميع الروايات، وعن الداودي أنه روى بالجيم، وقال: أراد أنها تجلب، أي: تساق إلى
موضع سقيها، ورد عليه بأنه لو كان كذلك لقال: أن تجلب إلى الماء، لا: على الماء،
والمقصود من حلبها على الماء حصول النفع لمن يحضر من المساكين هناك، ولأن ذلك
ينفع الإبل أيضاً. قوله: ((على الماء))، قد ذكرنا وجهه، وفي رواية أبي نعيم في (المستخرج)
من طريق المعافى بن سليمان عن فليح: يوم وردها والله أعلم بحقيقة الحال.
١٧ - بابُ الرَّجُلِ يَكُونُ لَهُ مَمَرٌّ أوْ شِرْبٌ فِي حائطٍ أَوْ فِي نَخْلٍ
أي: هذا باب في بيان أمر الرجل الذي يكون له ممر، أي حق المرور، أو يكون له
حق شرب بكسر الشين، وهو النصيب من الماء. قوله: ((في حائط))، يتعلق بقوله: ممر،
والحائط هو البستان. قوله: ((أو في نخل))، يتعلق بقوله: شرب، وذلك بطريق اللف والنشر،
وحكم هذا يعلم من أحاديث الباب، فإنه أورد فيه خمسة أحاديث كلها قد مضى. قيل: وجه
دخول هذه الترجمة في الفقه التنبيه على إمكان اجتماع الحقوق في العين الواحدة بأن يكون
لشخص ملك وللآخر الانتفاع فيه، مثلاً لرجل ثمرة في حائط رجل، فله حق الدخول فيه
لأخذ ثمرته، أو لرجل أرض ولآخر فيها حق الشرب، فله أخذ الشرب منها بالدخول فيها،
ويأتي بيان ذلك كله في أحاديث الباب.
قال النبيُّ عَ لَّه مَنْ باعَ نَخْلاً بَعْدَ أنْ تُؤَبَّرَ فَمَرَتُهَا لِلْبَائِعِ
هذا الحديث مضى موصولاً في كتاب البيوع في: باب من باع نخلاً قد أبرت، من

٣١٣
٤٢ - كِتابُ المساقاةِ / باب (١٧)
طريق مالك عن نافع عن ابن عمر، رضي الله تعالى عنهما، ومطابقته للترجمة في قوله:
((فثمرتها للبائع)) لأن الثمرة التي بيعت بعد التأبير لما كانت للبائع لم يكن له وصول إليها إلاّ
بالدخول في الحائط، فإذا كان كذلك يكون له حق الممر، ومعنى التأبير: الإصلاح
والإلقاح، وقد مضى هناك مستوفىّ.
فَلِلْبَائِعِ الْمَمَرُّ والسَّقْيُ حتَّى يَرْفَعَ وكَذَلِكَ رَبُّ العَرِيَّةِ
قوله: ((فللبائع ... )) إلى آخره من كلام البخاري، استنبطه من أحاديث الباب، وفيه أيضاً
لما في الترجمة من الإبهام، ولا يظن أحد أن قوله: ((فللبائع .. )) إلى آخره من الحديث، ومن
ظن هذا فقد أخطأ، والفاء في قوله: ((فللبائع)) تفسيرية، ويروى: وللبايع، بالواو. قوله:
((الممر))، أي: حق لأخذ الثمرة والسقي، أي: وسقي النخيل، لأنه ملكه. قوله: ((حتى
ترفع))، كلمة: حتى، للغاية أي: إلى أن ترفع الثمرة، أي: تقطع وذلك لأن الشارع لما جعل
الثمرة بعد التأبير للبائع كان له أن يدخل في الحائط لسقيها وتعهدها حتى تقطع الثمرة،
وليس لمشتري أصول النخيل أن يمنعه من الدخول والتطرق إليها. قوله: ((ترفع))، على صيغة
المجهول، ويجوز أن يكون على صيغة المعلوم على معنى: حتى يرفع البائع ثمرته. قوله:
((وكذلك رب العرية))، أي: كالحكم المذكور حكم صاحب العرية، وهي النخلة التي يعير
صاحبها ثمرتها لرجل محتاج عامها ذلك، وقد مر تفسيرها مستوفىّ في كتاب البيوع،
وصاحب العربية لا يمنع أن يدخل في حائط المعري لتعهد عريته بالإصلاح والسقي، ولا
خلاف في هذا بين الفقهاء، وأما من له طريق مملوكة في أرض غيره، فقال مالك: ليس له
أن يدخل في طريقه بماشيته وغنمه، لأنه يفسد زرع صاحبه. وقال الكوفيون والشافعي: ليس
لصاحب الأرض أن يزرع في موضع الطريق. وقال الكرماني: رب العربية صاحب النخلة الذي
باع ثمرتها له الممر والسقي، ويحتمل أن يراد به صاحب ثمرتها. قلت: إذا باع لا يسمى
عرية، وإنما العرية هي التي ذكرناها الآن، وعكس الكرماني في هذا فإنه جعل المعنى
المقصود محتملاً، والذي هو محتمل جعله أصلاً يفهم بالتأمل.
٢٣٧٩/٢٧ - أخبرنا عبدُ الله بنُ يُوسُفَ حدَّثنا اللَّيْثُ حدَّثني ابنُ شِهَابٍ عنْ سالِمٍ
بنِ عَبْدِ الله عن أبيهِ رضي الله تعالى عنهُ قال سَمِعْتُ رسولَ الله عَ لَّه يَقُولُ مَنِ ابْتاعَ نَخْلاً
بَعْدَ أنْ تُؤَيَّرَ فَتَمَرَتُهَا لِلْبَائِعِ إِلاَّ أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ ومَنِ ابْتَاعَ عَبْداً ولهُ مالٌ فَمَالُّهُ لِلَّذِي باعَهُ
إلاَّ أنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ. [انظر الحديث ٢٢٠٣ وأطرافه].
مطابقته للترجمة من حيث إنه يوضح الإبهام الذي فيها، بيان ذلك أن الذي اشترى
نخلاً بعد التأبير تكون ثمرتها للبائع، ثم ليس للمشتري أن يمنع البائع من الدخول في النخل،
لأن له حقاً لا يصل إليه إلاَّ بالدخول، وهو: سقي النخل وإصلاحها. قوله: ((إلاَّ أن يشترط
المبتاع))، أي: المشتري بأن تكون الثمرة له، فحينئذ لا يبقى للبائع حق أصلاً. والكلام مع
الحديث قد مضى في كتاب البيوع مفصلاً في: باب من باع نخلاً قد أبرت.

٣١٤
٤٢ - كِتابُ المساقاةِ / باب (١٧)
وعنْ مالِكِ عنْ نافِعٍ عنِ ابنِ عُمَرَ عنْ عُمَرَ في العَبْدِ
قال الكرماني: ولفظ: عن مالك، إما تعليق من البخاري، وإما عطف على: حدثنا
الليث، أي: روى عمرٍ الحديث في شأن العبد، أو قال عمر في العبد إن ماله لبائعه، أو أراد
لفظ: في العبد بعد إلاّ أن يشترط المبتاع، وقال بعضهم: وعن مالك، هو معطوف على قوله:
حدثنا الليث، فهو موصول، والتقدير: وحدثنا عبد الله بن يوسف عن مالك، وزعم بعض
الشراح أنه معلق، وليس كذلك، وقد وصله أبو داود من حديث مالك عن نافع عن ابن عمر
في النخل مرفوعاً، وعن نافع عن ابن عمر في العبد. قلت: إن أراد هذا القائل بقوله: وزعم
بعض الشراح أنه معلق، أنه الكرماني، والكرماني لم يزعم أنه معلق بل تردد فيه على ما
ذكرنا؟ ولئن سلمنا أنه زعم فزعمه بحسب الظاهر صحيح، لأن التقدير الذي قدره هذا القائل
خلاف الظاهر، ويؤكد زعمه بعد التسليم قول هذا القائل: وقد وصله أبو داود ... إلى آخره،
والكرماني لم ينف أصل الوصل في نفس الحديث، بل زعم بحسب الظاهر أن البخاري لم
يوصله، ووصل أبي داود هذا لا يستلزم وصل البخاري، ولئن سلمنا أنه موصول من جهة
البخاري فماذا يدل عليه ههنا؟ فهذا المقام مقام نظر وتأمل، وليس مقام المجازفة. وقال
صاحب (التوضيح): قال الداودي في حديث مالك عن نافع عن ابن عمر في الثمرة: إن ما
رواه عن عمرو هو وهم من نافع، والصحيح ما رواه ابن شهاب عن سالم عن أبيه عن رسول
الله عَّ في العبد والثمرة، واعترض ابن التين، فقال: لا أدري من أين أدخل الداودي الوهم
على نافع، وما المانع منه أن يكون عمر قال ما تقدم من قوله عَ لَّه؟
٢٨ /٢٣٨٠ _ حدَّثْنا مُحَمَّدُ بنُ يوسُفَ حدَّثنا سُفيانُ عنْ يَحْيِى بنِ سَعِيدٍ عنْ نَافِعٍ
عنِ ابنِ عُمرَ عن زَيْدِ بنِ ثابتٍ رضي الله تعالى عنهم قال رَخَّص النبيُّ عَ لِّ أن تُباعَ العَرَايَا
بِخَوْصِها تَمْراً. [انظر الحديث ٢١٧٣ وأطرافه].
مطابقته للترجمة من حيث إن المعرى ليس له أن يمنع المعري من دخوله في الحائط
لتعهد العرية. والحديث قد مضى في: باب تفسير العرايا، في كتاب البيوع، فإنه أخرجه
هناك: عن محمد بن مقاتل عن عبد الله عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر عن زيد بن
ثابت، وأخرجه هنا عن محمد بن يوسف أبي أحمد البخاري البيكندي عن سفيان بن عيينة
عن يحيى بن سعيد الأنصاري ... إلى آخره.
٢٣٨١/٢٩ _ حدَّثنا عبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ حدَّثنا ابنُ عُيَيْنَةَ عنِ ابنِ مُجُرَيْجٍ عنْ عَطَاءٍ
سَمِعَ جَابِرَ بنَ عَبْدِ الله رضي الله تعالى عنهما نَهى النبيُّ عَ لَّهِ عنِ الْمُخَابَرَةِ وَالْمُحَاقَلَةِ وعنٍ
الْمُرَابَنَةِ وعنْ بَيْعِ الثَّمَرِ حَتَّى يَبْدُو صَلاَحُهَا وأنْ لا تُبَاعَ إلا بالدِّينَارِ والدِّرْهَمِ إلَّ العَرَايَا. [انظر
الحديث ١٤٨٧ وأطرافه].
مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: ((إلاَّ العرايا))، وقد ذكرنا الآن أن المعرى ليس له أن
يمنع المعري عن الدخول في الحائط لتعهد العربية، والحديث قد مضى في: باب بيع الثمر

٣١٥
٤٢ - كِتابُ المساقاةِ / باب (١٧)
على رؤوس النخل بالذهب والفضة، ولكن ليس فيه ذكر المخابرة والمحاقلة والمزابنة،
وأخرجه هناك: عن يحيى بن سليمان عن ابن وهب عن ابن جريج عن عطاء وأبي الزبير عن
جابر، وهنا أخرجه: عن عبد الله بن محمد بن عبد الله البخاري المعروف بالمسندي عن
سفيان بن عيينة عن عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكي عن عطاء بن أبي رباح
المكي، وتفسير المخابرة قد مضى في كتاب المزارعة، وتفسير المحاقلة في حديث أنس،
رضي الله تعالى عنه، وتفسير المزابنة في حديث ابن عمر وابن عباس في: باب بيع المزابنة،
وتفسير بقية الحديث في: باب بيع التمر على رؤوس النخل.
:
٢٣٨٢/٣٠ _ حدَّثنا يحتى بنُ قَزَعَةَ أخبرنا مالِكٌ عنْ داود بنِ حُصيٍْ عن أبِي سِفْيانَ
مَوْلى أبِي أحمَد عن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ قال رَخَّصَ النِبِيُّ عَ لَه فِي بَيْعِ العَرَايا
بِخَرْصِهَا مِنَ القُّمْرِ فِيما دُونَ خَمْسَةِ أوْسُقٍ أَوْ فِي خَمْسَةٍ أَوْسُقِ شَكَّ داوُدُ فِي ذُلِكَ. [انظر
الحديث ٢١٩٠].
مطابقته للترجمة في قوله: ((في بيع العرايا)) وقد ذكرنا وجه ذلك في الحديث
السابق، والحديث قد مضى في: باب بيع التمر على رؤوس النخل، فإنه أخرجه هناك: عن
عبد الله بن عبد الوهاب عن مالك ... إلى آخره، وداود بن حصين، بضم الحاء المهملة وفتح
الصاد المهملة، وهنا أخرجه: عن يحيى بن قزعة، بفتح القاف والزاي، وقد مر الكلام فيما
يتعلق به في الباب المذكور.
٢٣٨٣/٣١ _ ٢٣٨٤ _ حدَّثنا زَكَرِيَّاءُ بنُ یَحتى أخبرنا أبو أُسَامَةَ قال أخبرني الوَلِیدُ
بنُ كَثِيرٍ قال أخبرني بُشَيْرُ بنُ يَسارٍ مَوْلَى بَنِي حَارِثَةَ أَنَّ رَافِعَ بِنَ خَدِيجٍ وسَهْلَ بنَ أَبِي حَثْمَةَ
حدَّثَاهُ أَنَّ رسولَ الله عَّهِ نهى عنِ الْمُزَابَنَةِ بَيْعِ الثَّمَرِ بِالَّْرِ إِلاَّ أَصْحَابَ العَرَايَا فإنَّهُ أَذِنَ لَهُمْ.
[انظر الحديث ٢١٩١].
مطابقته للترجمة في قوله: ((إلاَّ أصحاب العرايا)) وقد ذكرنا وجهه فيما سبق.
والحديث سبق أيضاً في: باب بيع الثمر على رؤوس النخل، فإنه أخرجه هناك: عن علي بن
عبد الله عن سفيان، قال: قال يحيى بن سعيد: سمعت بشيراً، قال: سمعت سهل بن أبي حثمة
إلى آخره، وهنا أخرجه: عن زكرياء بن يحيى الطائي الكوفي عن أبي أسامة حماد بن أسامة عن
الوليد بن كثير - ضد القليل - عن بشير، بضم الباء الموحدة وفتح الشين المعجمة: ابن يسار،
بفتح الياء آخر الحروف، وبالسين المهملة ... إلى آخره، وقد مر الكلام فيه هناك مستوفى.
قال أبُو عبدِ اللهِ وقال ابنُ إسحاق حدَّثني بُشَيْرٌ مِثْلَهُ
هكذا وقع في رواية الأصيلي وكريمة، وفي رواية أبي ذر وأبي الوقت: قال: وقال ابن
إسحاق، وأبو عبد الله هو البخاري نفسه، وابن إسحاق هو محمد بن إسحاق بن يسار
صاحب (المغازي)، وبشير هو المذكور آنفاً، وعلى رواية الأصيلي: وهو معلق.
:

بِسمِ الله الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
٤٣ _ كتَابٌ في الاسْتِقْرَاضِ وأدَاءِ الدُّيُونِ وَالْحَجْرِ والتَّفْلِيسِ
أي: هذا كتاب في بيان حكم الاستقراض، وهو طلب القرض. قوله: ((والحجر))،
وهو لغة: المنع، وشرعاً: منع عن التصرف، وأسبابه كثيرة محلها الفروع. قوله: ((والتفليس))،
من: فلسه الحاكم تفليساً يعني: يحكم بأنه يصير إلى أن يقال: ليس معه فلس، ويقال:
المفلس من تزيد ديونه على موجوده، سمي مفلساً لأنه صار ذا فلوس بعد أن كان ذا دراهم
ودنانير، وقيل: سمي بذلك لأنه يمنع التصرف إلاَّ في الشيء التافه، لأنهم لا يتعاملون به في
الأشياء الخطيرة، وهذه الترجمة هكذا في رواية أبي ذر، ولكن بلا بسملة في أولها، وعند
غيره البسملة في أولها، وفي رواية النسفي: باب، بدل: كتاب، ولكن عطف الترجمة التي
تليه عليه بغير باب.
١ - بابُ مَنِ اشْتَرِى بِالدَّيْنِ وَلَيْسَ عِنْدَهُ ثَمَنْهُ أَوْ لَيْسَ بِحَضْرَتِهِ
أي: هذا باب في بيان حكم من اشترى بالدين، والحال أنه ليس عنده ثمن الذي
اشتراه. قوله: ((أو ليس)) أي: الثمن بحضرته وقت الشراء، وهذا أخص من الأول لأن الأول:
يحتمل أن لا يكون الثمن عنده أصلاً، لا بحضرته ولا في منزله. والثاني: لا يستلزم نفي
الثمن إلاَّ بحضرته، فقط وجواب: من، محذوف تقديره: فهو جائز، وقد أجمعوا على أن
الشراء بالدين جائز لقوله تعالى: ﴿إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه﴾ [البقرة: ٢٨٢].
فإن قلت: روى أبو داود والحاكم من طريق سماك عن عكرمة عن ابن عباس مرفوعاً: ((لا
أشتري ما ليس عندي ثمنه)). فإن قلت: هذا الحديث ضعفوه، واختلف في وصله وإرساله،
ويحتمل أن البخاري أشار بهذه الترجمة إلى ضعف هذا الحديث المذكور.
٢٣٨٥/١ _ حدَّثنا مُحَمَّدٌ أخبرنا جَرِيرٌ عنِ المغيرَةِ عنِ الشّعْبِيِّ عن جابِ بنِ عَبْدِ الله
رضي الله تعالى عنهما قال غَزَوْتُ مَعَ النبيِّ عَُّلَّ قال كَيْفَ تَرِى بَعِيرَك أتَبِيعُنِيهِ قُلْتُ نَعَمْ
فَبِعْتُهُ إِيَّاهُ فَلَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ غَدَوْتُ إِلَيْهِ بِالْبَعِيرِ فَأعْطَانِي ثَمَنَهُ. [انظر الحديث ٤٤٣ وأطرافه].
مطابقته للترجمة ظاهرة، لأنه، عَّ، اشترى جمل جابر ولم يكن الثمن حاضراً، ولم
يعطه إلاَّ بالمدينة. ومحمد هو ابن سلام، وقال الغساني: وما وقع في بعض النسخ: محمد
ابن يوسف، فليس بشيء. قلت: قد وقع في رواية أبي ذر: محمد بن يوسف البيكندي،
وجرير هو ابن عبد الحميد، والمغيرة هو ابن مقسم، بكسر الميم، والشعبي هو عامر، والكل
قد ذكروا غير مرة، وهذا الحديث أخرجه هنا مختصراً، وقد أخرجه في البيوع في: باب شراء
الدواب، مطولاً، ومضى الكلام فيه مستوفىّ. قوله: ((أتبيعنيه؟)) بنون الوقاية، ويروى:
(أتبيعه؟)).
٢٣٨٦/٢ _ حدَّثنا مُعَلَّى بنُ أَسَدِ حدَّثنا عبْدُ الوَاحِد حدَّثنا الأعْمَشُ قال تَذَاكَرْنا
٣١٦

٣١٧
٤٣ - كتَابٌ في الاسْتِقْرَاضِ وأدَاءِ الدُّيُونِ وَالْحَجْرِ والتَّفْلِيسِ / باب (٢)
عِنْدَ إِبْرَاهِيمَ الرَّهْنَ في السَّلَمِ فقالِ حدَّثني الأسْوَدُ عنْ عَائِشَةَ رضي الله تعالى عنها أنَّ النبيَّ
عَ لَّهِ اشْتَرَى طَعَاماً مِنْ يَهُوَدِيّ إلى أجلٍ ورَهَنَهُ دِرْعاً مِنْ حَدِيدٍ. [انظر الحديث ٢٠٦٨
وأطرافه].
مطابقته للترجمة ظاهرة لأن فيه الشراء بالدين، وعبد الواحد هو ابن زياد البصري،
والأعمش هو سليمان، وإبراهيم هو النخعي. والحديث مضى في كتاب البيوع في: باب
شراء الطعام إلى أجل، واليهودي اسمه: أبو الشحم، والمراد من السلم: السلف، لا السلم
المصطلح، وقد مر الكلام فيه هناك، والله أعلم بحقيقة الحال.
٢ - بابُ مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أدَاءَهَا أَوْ إِثْلَافَهَا
أي: هذا باب في بيان حال من أخذ شيئاً من أموال الناس بطريق القرض، أو بوجه من
وجوه المعاملات، حال كونه يريد أداء هذه الأموال، أو حال كونه يريد إتلافها، يعني: قصده
مجرد الأخذ، ولا ينظر إلى الأداء وجواب: من، محذوف حذفه اكتفاء بما في نفس
الحديث، لكن تقديره: من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه، يعني: يسر له ما يؤديه
من فضله لحسن نيته، ومن أخذ أموال الناس يريد إتلافها على صاحبها أتلفه الله، يعني:
يذهبه من يده فلا ينتفع به لسوء نيته، ويبقى عليه الدين، ويعاقب به يوم القيامة. وروى
الحاكم مصححاً من حديث عائشة، رضي الله تعالى عنها: أنها كانت تدان، فقيل لها: ما
لك والدين وليس عندك قضاء؟ قالت: إني سمعت رسول الله، عَّ له، يقول: ((ما من عبد
كانت له نية في أداء دينه إلاَّ كان له من الله عز وجل عون، فأنا ألتمس ذلك العون)).
وعن أبي أمامة يرفعه: ((من تداين وفي نفسه وفاؤه، ثم مات، تجاوز الله عنه وأرضى غريمه بما
شاء، ومن تداين بدين وليس في نفسه وفاؤه، ثم مات، اقتص الله لغريمه منه يوم القيامة)). وعن
محمد بن جحش: صحيح الإسناد أن النبي عَّ له، قال: ((سبحان الله! ما أنزل الله من
التشديد، فسئل عن ذلك التشديد، قال: الدين، والذي نفس محمد بيده لو قتل رجل في
سبيل الله ثم عاش، وعليه دين ما دخل الجنة))، وعن ثوبان على شرطهما مرفوعاً ((من
مات وهو بريء من ثلاث: الكبر والغلول والدين، دخل الجنة)).
٢٣٨٧/٣ _ حدَّثنا عَبْدُ العَزِيزِ بنُ عَبْدِ الله الأُوَيْسِيُّ حدَّثنا سُلَيْمَانُ بنُ بِلاَلٍ عنْ ثَوْرِ
بنِ زَيْدَ عنْ أَبِي الْغَيْثِ عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنه عنِ النبيِّ عَلِّ قال مَنْ أَخَذَ
أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أدَّى اللّه عنهُ ومَنْ أَخَذَ يُرِيدُ إِثْلَافَها أَتْلَفَهُ الله.
مطابقته للترجمة ظاهرة لأنها سبكت منه.
ذكر رجاله: وهم خمسة: الأول: عبد العزيز بن عبد الله بن يحيى بن عمرو بن أُویس،
بضم الهمزة: ونسبته إليه. الثاني: سليمان بن بلال أبو أيوب القرشي التيمي. الثالث: ثور،
بفتح الثاء المثلثة: ابن زيد أخي عمرو الديلي، بكسر الدال، وهو غير ثور بن يزيد، بلفظ
الفعل، فإنه شامي كلاعي. الرابع: أبو الغيث، بفتح الغين المعجمة وسكون الياء آخر الحروف

٣١٨
٤٣ - كتَابٌ في الاسْتِقْرَاضِ وأدَاءِ الدُّيُونِ وَالْحَجْرِ والتَّفْلِيسِ / باب (٣)
وفي آخره ثاء مثلثة: مولى أبي عبد الله بن المطيع. الخامس: أبو هريرة.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: العنعنة في
أربعة مواضع ورواته كلهم مدنيون. وفيه: أن شيخه من أفراده.
والحديث أخرجه ابن ماجه في الأحكام عن يعقوب بن حميد عن عبد العزيز بن
محمد عن ثور ببعضه: ((من أخذ أموال الناس يريد إتلافها أتلفه الله)).
ذكر معناه: قوله: ((أداءها))، قال الكرماني: أي: ردها إلى المقرض. قلت: تخصيص
المقرض ليس بشيء، بل معناه: أدى أموال الناس التي أخذها، سواء كانت تلك الأموال من
جهة القرض أو من جهة معاملة من وجوه المعاملات. قوله: ((أدى الله عنه))، وفي رواية
الكشميهني: ((أداها الله عنه))، وروى ابن ماجه وابن حبان والحاكم من حديث ميمونة: ((ما
من مسلم يدان دينا يعلم الله أنه يريد أداءه إلاَّ أداه الله عنه في الدنيا)). قوله: ((أتلفه الله) أي:
في معاشه أو في نفسه، وقيل: المراد بالإتلاف: عذاب الآخرة، وقد ذكرنا معناه آنفاً بغير هذا
الوجه.
ذكر ما يستفاد منه: فيه: أن الثواب قد يكون من جنس الحسنة، وأن العقوبة قد
تكون من جنس الذنب، لأنه عّ لّ قد جعل مكان أداء الإنسان أداء الله عنه، ومكان إتلافه
إتلاف الله له. وفيه: الحض على ترك إستئكال أموال الناس، والترغيب في حسن التأدية إليهم
عند المداينة، لأن الأعمال بالنيات. وفيه: الترغيب في تحسين النية، لأن الأعمال بالنيات.
وفيه: أن من اشترى شيئاً بدين وتصرف فيه وأظهر أنه قادر على الوفاء، ثم تبين الأمر بخلافه،
أن البيع لا يرد بل ينتظر به حلول الأجل لاقتصاره عَّلِّ على الدعاء، ولم يلزمه برد البيع.
قيل: وفيه الترغيب في الدين لمن ينوي الوفاء، وروى ابن ماجه والحاكم من رواية محمد
ابن علي عن عبد الله بن جعفر أنه كان يستدين، فسئل، فقال: سمعت رسول الله عَ لَّه يقول:
إن الله مع الدائن حتى يقضي دينه، وإسناده حسن. وقال الداودي: وفيه: أن من عليه دين لا
يعتق ولا يتصدق، وإن فعل رد. قلت: الحديث لا يدل عليه بوجه من وجوه الدلالات.
٣ - بابُ أدَاءِ الدُّيُونِ
أي: هذا باب في بيان وجوب أداء الديون. قوله: ((الديون))، بلفظ الجمع هو في رواية
أبي ذر، وفي رواية غيره: باب أداء الدين، بالإفراد.
وقال الله تعَالى: ﴿إِنَّ الله يأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأماناتِ إِلَى أَهْلِها وإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أنْ
تَحْكُمُوا بِالْعَذَلِ إِنَّ الله نَعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللّه كانَ سَمِيعَاً بَصِيراً﴾ [النساء: ٥٨].
ساق الأصيلي وغيره الآية كلها، وأبو ذر اقتصر على قوله: ﴿إن الله يأمركم أن تؤدوا
الأمانات إلى أهلها﴾ [النساء: ٥٨]. واختلف المفسرون في سبب نزول هذه الآية الكريمة،
وأكثرهم على أنها نزلت في شأن عثمان بن طلحة الحجبي العبدري، سادن الكعبة حين أخذ
علي بن أبي طالب، رضي الله تعالى عنه، مفتاح الكعبة يوم الفتح، ذكره ابن سعد وغيره،

٣١٩
٤٣ - كتَابٌ في الاسْتِقْرَاضِ وأدَاءِ الدُّيُونِ وَالْحَجْرِ والتَّفْلِيسِ / باب (٣)
وقال محمد بن كعب وزيد بن أسلم وشهر بن حوشب: إنها نزلت في الأمراء، يعني الحكام
بين الناس. وفي الحديث: إن الله تعالى مع الحاكم ما لم يَجُزْ، فإذا جار وكله الله إلى
نفسه. وقيل: نزلت في السلطان يعظ النساء. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: ﴿إِن
الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها﴾ [النساء ٥٨]. قال: يدخل فيه وعظ السلطان النساء
يوم العيد، وقال شريح، رحمه الله لأحد الخصمين: أعط حقه، فإن الله تعالى قال: ﴿إن الله
يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها﴾ [النساء: ٥٨]. قال شريح: ﴿وإن كان ذو عسرة فنظرة
إلى ميسرة﴾ [البقرة: ٢٨٠]. إنما هذا في الربا خاصة، وربط المديان إلى سارية. ومذهب
الفقهاء: إن الآية عامة في الربا وغيره، وقال ابن عباس: الآية عامة، قالوا هذا يعم جميع
الأمانات الواجبة على الإنسان من حقوق الله، عز وجل، على عباده من الصلوات والزكوات
والكفارات والنذور والصيام وغير ذلك، فهو مؤتمن عليه، ولا يطلع عليه العباد، ومن حقوق
العباد بعضهم على بعض: كالودائع وغيرها، مما يأتمنون فيه بعضهم على بعض، فأمر الله
تعالى بأدائها، فمن لم يفعل ذلك في الدنيا أخذ منه ذلك يوم القيامة، كما ثبت في الحديث
الصحيح: أن رسول الله عَّه قال: لتؤدن الحقوق إلى أهلها حتى يقتض للشاة الجماء من
القرناء، ثم إن البخاري أدخل الدين في الأمانة لثبوت الأمر بأدائه، لأن الأمانة فسرت في الآية
بالأوامر والنواهي، فيدخل فيها جميع ما يتعلق بالذمة وما لا يتعلق.
قوله: ﴿أن تحكموا بالعدل﴾ [النساء: ٥٨]. أي: بأن تحكموا بالعدل. قوله: ﴿إِن
الله نعمًا يعظكم به﴾ [النساء: ٥٨]. قال الزمخشري: نعما يعظكم به، إما أن تكون منصوبة
موصوفة: بيعظكم به، وإما أن تكون مرفوعة موصولة، كأنه قيل: نعم شيئاً يعظكم به، أو: نعم
الشيء الذي يعظكم به، والمخصوص بالمدح محذوف أي: نعم ما يعظكم به ذاك، وهو
المأمور به من أداء الأمانات والعدل في الحكم، وقرىء: نعما، بفتح النون. قوله: ﴿إن الله
كان سميعاً بصيراً﴾ [النساء: ٥٨]. هما من أوصاف الذات، والسمع إدراك المسموعات
حال وجودها، وقيل: إنهما في حقه تعالى صفتان تكشف بهما المسموعات والمبصرات
انكشافاً تاماً، ولا يحتاج فيهما إلى آلة لأن صفاته مخالفة لصفات المخلوقين بالذات. فافهم.
٢٣٨٨/٤ - حدَّثنا أحمَدُ بنُ يُونُسَ حدَّثنا أبُو شِهَابٍ عنِ الأعْمَشِ عنْ زَيْدِ بنِ
وَهْبِ عنْ أَبِي ذَرّ رضي الله تعالى عنهُ قال كُنْتُ مَعَ النبيِّ عََّلِ فَلَمَّا أَبْصَرَ يَعْنِي أُحُداً قَالَ
ما أُحِبُ أنَّهُ تَحَوَّلَ لِي ذَهَباً يَمْكُثُ عِنْدِي مِنْهُ دِينارٌ فَوقَ ثَلاث إلاَّ دِيناراً أزْصِدُهُ لِدَيْنِ ثُمَّ
قال إنَّ الأَكْثَرِينَ هُمُ الأَقَلُّونَ إِلاَّ مَنْ قالَ بالْمَالِ هُكَذَا وَهُكَذَا وأشارَ أَبُو شِهَابٍ بيْنَ يَدَيْهِ
وعنْ يَمِينِهِ وعنْ شِمَالِهِ وقَلِيلٌ مَّ هُمْ وقالَ مَكَانَكَ وتَقَدَّمَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَسَمِعْتُ صَوْتاً فأرَدْتُ أنْ
آتِيَّهُ ثُمَّ ذَكَوْتُ قَوْلَهُ مَكَانَكَ حَتَّى آتِيكَ فَلَمَّا جاءَ قُلْتُ يا رسولَ الله الذِي سَمِعْتُ أو قالَ
الصَّوْتُ الَّذِي سَمِعْتُ قال وهَلْ سَمِعْتَ قَلْتُ نَعَمْ قال أَتَانِي جبريلُ عليهِ السَّلامُ فقال مَنْ
ماتَ مِنْ أُمَّتِكَ لاَ يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئاً دَخَلَ الْجَنَّةَ قُلْتُ وإِنْ فَعَلَ كَذا وكذا قال نَعَمْ. [انظر
الحديث ١٢٣٧ وأطرافه].
٠

٣٢٠
٤٣ - كتّابٌ في الاسْتِقْرَاضِ وَأَدَاءِ الدُّيُونِ وَالْحَجْرِ والتَّفْلِيسِ / باب (٣)
مطابقته للترجمة من حيث إن فيه ما يدل على الاهتمام بأداء الدين، وهو قوله: إلاّ
ديناراً أرصده لدين، وفيه ما يدل على شدة أمر الدين، والمديون إذا نوى أداءه يرزقه الله تعالى
ما يؤديه منه.
ذكر رجاله: وهم خمسة: الأول: أحمد بن يوسن، هو أحمد بن عبد الله بن يونس بن
عبد الله أبو عبد الله التميمي اليربوعي. الثاني: أبو شهاب، واسمه: عبد ربه الحناط، بالحاء
المهملة والنون المشهور: بالأصغر. الثالث: سليمان الأعمش. الرابع: زيد بن وهب أبو
سليمان الهمداني الجهني. الخامس: أبو ذر، واسمه: جندب بن جنادة في الأشهر.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: العنعنة في
ثلاثة مواضع. وفيه: القول في موضع. وفيه: أن شيخه مذكور باسم جده، وأنه والأعمش
وزيد بن وهب كوفيون، وأن أبا شهاب مدائني. وفيه: رواية التابعي عن التابعي عن الصحابي.
وفيه: راو مذكور بكنيته وآخر بلقبه.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في الاستئذان عن عمر بن
حفص، وفي الرفاق عن حسن بن الربيع، وفيه عن قتيبة، وفي بدء الخلق عن محمد بن
بشار. وأخرجه مسلم في الزكاة عن قتيبة به وعن يحيى بن يحيى ومحمد بن عبد الله وأبي
بكر وأبي كريب. وأخرجه الترمذي في الإيمان عن محمود بن غيلان. وأخرجه النسائي في
اليوم والليلة عن عبدة بن عبد الرحيم، وعن بشر بن خالد وعن يعقوب بن إبراهيم وعن
الحسين بن منصور، وعن عمران بن بطال، وعن أبي قدامة عن معاذ بن هشام.
ذكر معناه: قوله: ((إنه)) أي: أن أُحُداً. قوله: ((تحوَّل)) بفتح التاء المثناة من فوق على
وزن: تفعل، في رواية أبي ذر، هكذا وفي رواية غيره، بضم التاء آخر الحروف على صيغة
المجهول، من باب التفعيل. ومعنى تحول: صار، فيستدعي إسماً مرفوعاً وخبراً منصوباً،
فالإسم هو الضمير في تحول الذي يرجع إلى أحد أو الخبر هو قوله: ((ذهباً). قوله: ((يمكث))،
فعل وفاعله هو قوله: ((دينار)) أي: دينار واحد، وهو جملة في محل النصب، لأنها صفة
لقوله: ((ذهباً)). قوله: ((منه)) أي: من الذهب. قوله: ((فوق ثلاث))، أي: فوق ثلاث ليالٍ، وهي
ظرف، والعامل فيه يمكث. قوله: ((إلاَّ ديناراً)، مستثنى مما قبله. قوله: ((أرصده))، جملة في
محل النصب لأنها صفة لقوله ديناراً، وأرصده، بضم الهمزة، من الإرصاد يقال: أرصدته أي:
هيأته وأعددته، وحكى ابن التين أنه روى أَرصده، بفتح الهمزة من قولك: رصدته، أي: رقبته.
وقال ابن قرقول: قوله: ((إلاَّ ديناراً أرصده)) أي: أعده، بضم الهمزة وفتحها ثلاثيّ ورباعي،
يقال: أرصدته ورصدته أرصده بالخير والشر: أعددته له. وقيل: رصدته ترقبته، وأرصدته
أعددته. قال الله تعالى: ﴿وأرصاداً لمن حارب الله﴾ [التوبة: ١٠٧]. وقال تعالى: ﴿شهاباً
رصداً﴾ [الجن: ٩]. ومنه: من يرصد لي عير قريش، والرصد الطلب. قوله: ((إن الأكثرين
هم الأقلون)) أي: أن الأكثرين مالاً هم الأقلون ثواباً. قوله: ((إلا من قال بالمال هكذا
وهكذا))، معناه: إلاَّ من صرف المال على الناس يميناً وشمالاً، وأماماً. وقال هنا: ليس من