Indexed OCR Text

Pages 101-120

بسم الله الرحمن الرحيم
٣٦ - كِتابُ الشُّفْعَةِ
أي: هذا كتاب في بيان أحكام الشفعة، وهو بضم الشين المعجمة وسكون الفاء،
وغلط من حركها، قاله بعضهم. وقال صاحب (تثقيف اللسان): والفقهاء يضمون الفاء،
والصواب الإسكان. قلت: فعلى هذا لا ينبغي أن ينسب الفقهاء إلى الغلط صريحاً لرعاية
الأدب، وكان ينبغي أن يقال: والصواب الإسكان، كما قاله صاحب (تثقيف اللسان).
واختلف في اشتقاقها في اللغة على أقوال: إما من الضم أو الزيادة أو التقوية والإعانة، أو من
الشفاعة، وكل ذلك يوجد في حق الشفيع. وقال ابن حزم: وهي لفظة شرعية لم تعرف
العرب معناها قبل رسول الله عَّةٍ، كما لم يعرفوا معنى: الصلاة والزكاة ونحوهما، حتى بينها
الشارع، ويقال: شفعت كذا بكذا إذا جعلته شفعاً. وكان الشفيع يجعل نصيبه شفعاً بنصيب
صاحبه بأن ضمه إليه. وقال الكرماني: الشفعة في الاصطلاح: تملك قهري في العقار بعوض
يثبت على الشريك القديم للحادث، وقيل: هي تملك العقار على مشتريه جبراً بمثل ثمنه. وقال
أصحابنا: الشفعة تملك البقعة جبراً على المشتري بما قام عليه. وقيل: هي ضم بقعة مشتراة
إلى عقار الشفيع بسبب الشركة أو الجوار، وهذا أحسن، ولم يختلف العلماء في مشروعيتها
إلاَّ ما نقل عن أبي بكر الأصم من إنكارها.

بسم الله الرحمن الرحيم
٣٧ - كِتابُ السَّلَمِ في الشُّفْعَةِ
كذا في رواية المستملي، وفي رواية الباقين سقط ما سوى البسملة.
١ - بابُ الشُّفْعَةِ في ما لَمْ يُقْسَمْ فإذَا وقعَتِ الحُدُودِ فَلاَ شْفْعَةَ
أي: هذا باب في بيان حكم الشفعة في المكان الذي لم يقسم. قوله: ((فإذا وقعت
الحدود)) أي: إذا صرفت وعينت فلا شفعة، وهذا الباب بهذه الترجمة ثابت عند جميع
الرواة.
١/ ٢٢٥٧ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قال حدثنا عَبْدُ الوَاحِدٍ قال حدَّثنا مَعْمَرٌ عنِ الزُّهْرِيِّ عنْ
أبِي سَلَمَةَ بنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ عنْ جابِرِ بنِ عَبْدِ الله رضي الله تعالى عنهما قال قَضَى رسولُ
الله عَّهِ بِالشُّفْعَةِ في كُلِّ مَا لَمْ يُقْسَمْ فَإِذَا وقعَتِ الحُدُودُ وصُرِّفَتِ الطُّرْقُ فَلاَ شِفْعَةً. [انظر
الحديث ٢٢١٣ وأطرافه].
مطابقته للترجمة ظاهرة، وهذا الحديث مضى في كتاب البيوع في: باب بيع الشريك
من شريكه، فإنه أخرجه هناك: عن محمود عن عبد الرزاق عن معمر عن الزهري، وهنا: عن
مسدد عن عبد الواحد بن زياد عن معمر .. إلى آخره. وقد مضى الكلام فيه هناك مستقصىّ
واختلف على الزهري في هذا الإسناد، فقال مالك: عنه عن أبي سلمة وابن المسيب مرسلاً،
كذا رواه الشافعي وغيره، ورواه أبو عاصم والماجشون عنه فوصله بذكر أبي هريرة. أخرجه
البيهقي، ورواها ابن جريج عن الزهري كذلك لكن قال عنهما أو عن أحدهما أخرجه أبو
داود، قلت: هذا مما يضعف حجة من احتج به في اختصاص ثبوت الشفعة للشريك دون
الجار، وأيضاً قال ابن أبي حاتم عن أبيه: إن قوله: فإذا وقعت الحدود ... إلى آخره، مدرج من
كلام جابر. قال بعضهم: فيه نظر، لأن الأصل كل ما ذكر في الحديث فهو منه حتى يثبت
الإدراج بدليل. قلت: قوله: كل ما ... إلى آخره، غير مسلم، لأن أشياء كثيرة تقع في
الحديث وليست منه، وأبو حاتم إمام في هذا الفن، ولو لم يثبت عنده الإدراج فيه لما أقدم
على الحكم به.
وقال الكرماني: قال التيمي: قال الشافعي: الشفعة إنما هي للشريك، وأبو حنيفة:
للجار، وهذا الحديث حجة عليه. قلت: سبحان الله! هذا كلام عجيب، لأن أبا حنيفة لم
يقل: الشفعة للجار على الخصوص، بل قال: الشفعة للشريك في نفس المبيع، ثم في حق
المبيع ثم من بعدهما للجار، وكيف يقول: هو حجة عليه، وإنما يكون حجة عليه إذا ترك
العمل به، وهو عمل به أولاً ثم عمل بحديث الجار، ولم يهمل واحداً منهما، وهم عملوا
بأحدهما وأهملوا الآخر بتأويلات بعيدة فاسدة، وهو قولهم: أما حديث: ((الجار أحق بصقبه))،
فلا دلالة فيه، إذ لم يقل: أحق بشفعته، بل قال: أحق بصقبه، لأنه يحتمل أن يراد منه بما يليه
ويقرب منه، أي: أحق بأن يتعمد ويتصدق عليه، أو يراد بالجار الشريك. قلت: هذه مكابرة
١٠٢

١٠٣
٣٧ - كِتابُ السَّلَمِ في الشُّفْعَةِ / باب (٢)
وعناد من أريحية التعصب، وكيف يقول: إذا لم يقل: أحق بشفعته؟ وقد وقع في بعض ألفاظ
أحمد والطبراني وابن أبي شيبة: ((جار الدار أحق بشفعة الدار)). وكيف يقبل هذا التأويل
الصارف عن المعنى الوارد في الشفعة، ويصرف إلى معنى لا يدل عليه اللفظ؟ ويرد هذا
التأويل ما رواه أحمد وأبو داود والترمذي من حديث الحسن عن سمرة، قال: قال رسول الله،
عَّ الله: ((جار الدار أحق بالدار))، ذكره الترمذي في: باب ما جاء في الشفعة. وقال: حديث
حسن. ثم قال: وروى عيسى بن يونس عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس عن النبي
عَِّ مثله، وروى عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن الحسن عن سمرة عن النبي عَ ◌ّه،
والصحيح عند أهل العلم حديث الحسن عن سمرة، ولا يعرف حديث قتادة عن أنس إلاَّ من
حديث عيسى بن يونس، وحديث عبد الله بن عبد الرحمن الطائفي عن عمرو بن الشريد عن
أبيه عن النبي عَّ ◌ُلِّ في هذا الباب، هو حديث حسن، وروى إبراهيم بن ميسرة عن عمرو بن
الشريد عن أبي رافع: سمعت محمداً يقول: كلا الحديثين عندي صحيح.
وقال الكرماني - بعد أن قال: يراد بالجار الشريك - يجب الحمل عليه جمعاً بين
مقتضى الحديثين. قلت: لم يكتف الكرماني بصرف معنى الجار عن معناه الأصلي إلى
الشريك حتى يحكم بوجوب ذلك، وهذا يدل على أنه لم يطلع على ما ورد في هذا الباب
من الأحاديث الدالة بثبوت الشفعة للجار بعد الشريك. فإن قلت: قال ابن حبان: الحديث
ورد في الجار الذي يكون شريكاً دون الجار الذي ليس بشريك، يدل عليه ما أخبرنا، وأسند
عن عمرو بن الشريد، قال: كنت مع سعد بن أبي وقاص والمسور بن مخرمة، فجاء أبو رافع،
مولى رسول الله، عَّه، فقال لسعد بن مالك: إشتر مني بيتي الذي في دارك. فقال: لا إلاَّ
بأربعة آلاف منجمة. فقال: أما والله لولا أني سمعت رسول الله، عَّله، يقول: ((الجار أحق
بصقبه)) ما بعتكها، وقد أعطيتها بخمسمائة دينار. قلت: هذا معارض بما أخرجه النسائي وابن
ماجه عن حسين المعلم عن عمرو بن شعيب عن عمرو بن الشريد عن أبيه: ((أن رجلاً قال: يا
رسول الله: أرضي ليس فيها لأحد شرك ولا قسم إلاَّ الجوار! فقال: الجار أحق بصقبه)).
الصقب، بالصاد: ما قرب من الدار، ويقال: السقب أيضاً بالسين. وقال ابن دريد: سقبت الدار
سقوباً وأسقبت: لغتان فصيحتان، أي: قربت، وأبياتهم متساقبة أي: متدانية. وفي (الجامع): هو
بالصاد أكثر. وفي (المنتهى): الصقب، بالتحريك: التقرب. يقال: هذا أصقب الموضعين إليك،
أي: أقربهما، وفي (الزاهر) للأنباربي: الصقب: الملاصقة كأنه أراد بما يليه وما يقرب منه.
٢ - بابُ عَرْضِ الشُّفْعَةِ على صاحِبِهَا قِبِلَ الْبَيْعِ
أي: هذا باب في بيان: إن عرض الشريك فيما يشفع فيه الشفعة على من له الشفعة
قبل صدور البيع: هل يبطل الشفعة أم لا؟ وفيه خلاف على ما نذكره.
وقال الحَكَمُ إِذَا أُذِنَ لَهُ قَبْلَ الْبَيْعِ فِلاَ شُفْعَةً لَهُ
الحكم، بالحاء المهملة والكاف المفتوحتين: ابن عتيبة، بضم العين المهملة وفتح

١٠٤
٣٧ - كِتابُ السَّلَمِ في الشُّفْعَةِ / باب (٢)
التاء المثناة من فوق وسكون الياء آخر الحروف وفتح الباء الموحدة: أبو محمد، ويقال: أبو
عبد الله الكوفي التابعي. قوله: ((إذا أذن له)) أي: إذا أذن الشريك لصاحبه في البيع قبل البيع
سقط حقه في الشفعة، وهذا التعليق أخرجه ابن أبي شيبة بلفظ: ((إذا أذن المشتري في
المشترى فلا شفعة له)). ورواه وكيع عن سفيان عن أشعث عن الحكم: ((إذا أذن الشفيع
للمشتري في الشراء فلا شفعة له)). وقال ابن التين: قول الحكم بن عتيبة هذا قال به
سفيان، وخالفهما مالك، وقال: لا يلزمه إذنه بذلك، وقال ابن بطال: هذا العرض مندوب
إليه كما فعل أبو رافع - على ما يأتي حديثه عن قريب - وفي (التوضيح): وإذا أذن له
شريكه في بيع نصيبه ثم رجع فطالبه بالشفعة؟ فقالت طائفة: لا شفعة له، وهذا قول
الحسن والثوري وأبي عبيد وطائفة من أهل الحديث، وقالت طائفة: إن عرض عليه
الأخذ بالشفعة قبل البيع فأبى أن يأخذ، ثم باع فأراد أن يأخذ بشفعه، فذلك له، هذا
قول مالك والكوفيين، ورواية عن أحمد. وقال ابن بطال: ويشبه مذهب الشافعي. قال
صاحب (التوضيح): وهو مذهبه، وحكى أيضاً عن عثمان البتي وابن أبي ليلى، واحتج
أحمد، فقال: لا تجب له الشفعة حتى يقع البيع، فإن شاء أخذ وإن شاء ترك. وقد
احتج بمثله ابن أبي ليلى، وذكر الرافعي، قال مالك: إذا باع المشتري نصيبه من أجنبي
وشريكه حاضر يعلم بيعه فله المطالبة بالشفعة متى شاء، ولا تنقطع شفعته إلاَّ بمضي مدة
يعلم أنه في مثلها تارك، واختلف في المدة، فقيل: سنة، وقيل: فوقها، وقيل: فوق
ثلاث، وقيل: فوق خمس، حكاها ابن الحاجب. وقال أبو حنيفة: إذا وقع البيع فعلم
الشفيع به، فإن أشهد في مكانه أنه على شفعته، وبه قال الشافعي: إلاّ أن يكون له عذر
مانع من طلبها من حبس أو غيره فهو على شفعته.
وقال الشُّغِيُّ منْ بِيعَتْ شُفْعَتُهُ وهُوَ شاهِدٌ لاَ يُغَيِّرُها فَلاَ شُفْعَةً لَهُ
الشعبي: هو عامر بن شراحيل الكوفي التابعي الكبير، قال منصور بن عبد الرحمن
الفدائي عن الشعبي: إنه قال: أدركت خمسمائة من أصحاب رسول الله، عَّ له، يقولون: علي
وطلحة والزبير في الجنة، مات سنة ثلاث ومائة وهو ابن ثنتين وثمانين، وتعليق الشعبي وصله
ابن أبي شيبة عن وكيع حدثنا يونس بن أبي إسحاق، قال: سمعت الشعبي يقول به. وفيه: لا
ینکرها، بدل: لا يغيرها.
:
:
٢٢٥٨/٢ _ حدَّثنا المَكِّيُ بنُ إِبْرَاهِيمَ قال أخبرنا ابنُ مجرَيْجٍ قال أخبرني إنْرَاهِيمُ بنُ
مَيْسَرَةَ عنْ عَمْرٍو بنِ الشَّرِيدِ قال وقَفْتُ عَلَى سَعْدِ بنِ أبِي وقَّاصٍ فَجاءَ المِشْوَرُ بنُ مَحْرَمَةً
فَوَضَعَ يَدَهُ عَلى إحدَى مَنْكِبَيَّ إِذْ جَاءَ أَبُو رَافِعٍ مَوْلَى النبيِّ عَّهِ فقال يا سَعْدُ ابْتَعْ مِنِّي بَئِي
فِي دَارِكَ فقال سعدٌ والله ما أَبْتَاعُهُمَا فقال المِسْوَرُ والله لتَبْتَاعَنَّهُما فقال سَعْدٌ والله لا أزِيدُكَ
عَلى أَرْبَعَةِ آلافٍ مُنَجّمَةٍ أوْ مُقَطَّعَةٍ. قال أبُو رَافِعٍ لَقَدْ أَعْطَيْتُ بِها خَمْسَمِائَةِ دِينارٍ ولَوْلاً أَنِّي
سَمِعْتُ النبيَّ عَّلَّهِ يَقولُ الجارُ أحَقُّ بِسَقَبِهِ مَا أَعْطَيْتُكَها بأَرْبَعَةِ آلافٍ وأنا أَعْطَى بِها

١٠٥
٣٧ - كِتَابُ السَّلَمِ في الشُّفْعَةِ / باب (٢)
خَمْسَمائَةِ دِينَارٍ فأعْطَاها إِيَّاهُ. [الحديث ٢٢٥٨ - أطرافه في: ٦٩٧٧، ٦٩٧٨، ٦٩٨٠،
٦٩٨١].
مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: ((ابتع مني بيتي الذي في دارك)) ففي ذلك عرض
الشريك بالبيع شريكه لأجل شفعته قبل صدور البيع.
ذكر رجاله: وهم سبعة: الأول: المكي بن إبراهيم بن بشير بن فرقد أبو السكن
الحنظلي البلخي. الثاني: عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج. الثالث: إبراهيم بن ميسرة -
ضد الميمنة - وقد مر في: باب الدهن للجمعة. الرابع: عمرو بن الشريد، بفتح الشين
المعجمة وكسر الراء وسكون الياء آخر الحروف، وفي آخره دال مهملة: أبو الوليد، قال
العجلي: حجازي تابعي ثقة. وأبوه الشريد بن سويد الثقفي صحابي شهد الحديبية.
الخامس: سعد بن أبي وقاص، رضي الله تعالى عنه. السادس: المسور، بكسر الميم
وسكون السين المهملة: ابن مخرمة، بفتح الميم والراء وإسكان الخاء المعجمة بينهما، تقدم
في آخر كتاب الوضوء. السابع: أبو رافع، واسمه أسلم، بلفظ أفعل التفضيل: القبطي، كان
للعباس فوهبه لرسول الله عَ ليه، فلما بشر رسول الله عَّ له بإسلام العباس أعتقه، مات في أول
خلافة علي، رضي الله تعالى عنه.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضع. وفيه: الإخبار بصيغة
الجمع في موضع وبصيغة الإفراد في موضع. وفيه: العنعنة في موضع. وفيه: القول في
خمسة مواضع. وفيه: ثلاثة من الصحابة، رضي الله تعالى عنهم، واحدهم صحابي ابن
صحابي، وهو المسور بن مخرمة، فإن مخرمة: من مسلمة الفتح، ومن المؤلفة قلوبهم، وشهد
حنيناً مع النبي عَّلّه وهو ابن عم سعد بن أبي وقاص. وفيه: أن شيخه بلخي، كما ذكرنا،
وأن ابن جريج وإبراهيم مكيان وعمرو بن شريد طائفي وهو من أوساط التابعين وليس له في
البخاري غير هذا الحديث وفيه: إبراهيم عن عمرو، وفي رواية سفيان - على ما يأتي في ترك
الحيل - عن إبراهيم بن ميسرة سمعت عمرو بن الشريد.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في ترك الحيل عن علي
ابن عبد الله عن سفيان بن عيينة وعن محمد بن يوسف وأبي نعيم: كلاهما عن سفيان
الثوري، وعن مسدد عن يحيى عن الثوري. وأخرجه أبو داود في البيوع عن النفيلي عن
سفيان بن عيينة به، وعن محمود بن غيلان عن أبي نعيم به، وأخرجه ابن ماجه في الأحكام
عن أبي بكر بن أبي شيبة، وعلي بن محمد وعبد الله بن الجراح، ثلاثتهم عن سفيان بن
عيينة.
ذكر معناه: قوله: ((إحدى منكبي)) ذكره ابن التين هكذا بلفظ إحدى، وأنكره
بعضهم، وقال: المنكب مذكر، وبخط الحافظ الدمياطي: أحد منكبي. قوله: ((إذ جاء))
كلمة: إذ، للمفاجأة مضافة إلى الجملة، وجوابها قوله: فقال: يا سعد. قوله: ((إبتغ مني))
:

١٠٦
٣٧ - كِتَابُ السَّلَمِ في الشُّفْعَةِ / باب (٢)
أي: إشترِ مني. قوله: ((بيتي في دارك)) أي: بيتي الكائنين في دارك. وقال الكرماني: بيتي،
بلفظ المفرد والتثنية، ولهذا جاءت الضمائر التي بعده مثنى ومفرداً مؤنثاً بتأويل البيت بالبقعة.
قوله: ((ما أبتاعهما))، أي: ما أشتريهما. قوله: ((لتبتاعنهما))، اللام فيه مفتوحة للتأكيد وكذلك
نون التأكيد، إما مخففة وإما مثقلة. قوله: ((منجمة))، أي: موظفة، والنجم: الوقت المضروب.
قوله: ((- أو مقطعة -))، شك من الراوي والمراد: مؤجلة يعطي شيئاً فشيئاً. قوله: ((أربعة
آلاف))، وفي رواية سفيان: أربعمائة درهم، وفي رواية الثوري في ترك الحيل: أربعمائة مثقال،
وهو يدل على أن المثقال إذ ذاك عشرة دراهم. قوله: ((لقد أعطيت))، على صيغة المجهول،
وكذلك قوله: «وأنا أعطي بها)).
ذكر ما يستفاد منه: استدل به أبو حنيفة وأصحابه على إثبات الشفعة للجار، وأوله
الخصم على أن المراد به الشريك بناء على أن أبا رافع كان شريك سعد في البيتين، ولذلك
دعاه إلى الشراء منه، ورد هذا بأن ظاهر الحديث أن أبا رافع كان يملك بيتين من جملة دار
سعد لا شقصاً شائعاً من دار سعد، رضي الله تعالى عنه، وذكر عمر بن شبة أن سعداً كان
اتخذ دارين بالبلاط متقابلين بينهما عشرة أذرع، وكانت التي عن يمين المسجد منهما لأبي
رافع، فاشتراها سعد منه، ثم ساق حديث الباب، فاقتضى كلامه أن سعداً كان جاراً لأبي رافع
قبل أن يشتري منه داره لا شريكاً. وقيل: الجار، لما احتمل معاني كثيرة: منها: أن كل من
قارب بدنه بدن صاحبه قيل له جار في لسان العرب. ومنها: يقال لامرأة الرجل جارته لما
بينهما من الاختلاط بالزوجية. ومنها: أنه يسمى الشريك جاراً لما بينهما من الاختلاط
بالشركة وغير ذلك من المعاني، فإذا كان كذلك يكون لفظ الجار في الحديث مجملاً.
وقوله عَّ له: ((فإذا وقعت الحد فلا شفعة)) كان مفسراً فالعمل به أولى من العمل بالمجمل.
قلت: دعوى الإجمال هنا دعوى فاسدة لعدم الدليل على ذلك، وفي (مصنف) عبد
الرزاق: أخبرنا معمر عن أيوب عن ابن سيرين عن شريح: الخليط أحق من غيره. وفي
(مصنف) ابن أبي شبة: عن إبراهيم النخعي: الشريك أحق بالشفعة، فإن لم يكن شريك
فالجار، وهذا ينادي بأعلى صوته أن الشريك غير الجار، فإن المراد بالجار هو صاحب الدار
الملاصقة بدار غيره. وفيه: ثبوت الشفعة مطلقاً، سواء كان الذي له الشفعة حاضراً أو غائباً،
وسواء كان بدوياً أو قروياً، مسلماً أو ذمياً، صغيراً أو كبيراً أو مجنوناً إذا أفاق. وقال قوم من
السلف: لا شفعة لمن لم يسكن في المصر ولا للذمي، قاله الشعبي والحارث العكلي
والبتي، وزاد الشعبي: ولا لغائب، وقال ابن أبي ليلى: ولا شفعة لصغير، وقال الشعبي: لا
تباع الشفعة ولا توهب ولا تعار، هي لصاحبها الذي وقعت له. وقال إبراهيم - فيما نقله
الأثرم: لا تورث، وكذا روي عن ابن سيرين، وقال ابن حزم؛ قال عبد الرزاق: وهو قول
الثوري وأبي حنيفة وأحمد وإسحاق والحسن بن حي وأبي سليمان، وقال مالك والشافعي:
تورث. قلت: مذهب أبي حنيفة أن الشفعة تبطل بموت الشفيع قبل الأخذ بعد الطلب أو قبله،
فلا تورث عنه ولا تبطل بموت المشتري لوجود المستحق. وفيه: ما يدل على مكارم

١٠٧
٣٧ - كِتَابُ السَّلَمِ في الشّفْعَةِ / باب (٣)
الأخلاق لأن أبا رافع باع من سعد بأقل مما أعطاه غيره، فهو من باب الإحسان والكرم، وإذا
اختلف الشفيع والمشتري في مقدار الثمن فالقول للمشتري لأنه منكر، ولا يتحالفان، فإن
برهنا فالبينة بينة الشفيع عند أبي حنيفة ومحمد، وعند أبي يوسف: البينة بينة المشتري،
وعند الشافعي وأحمد: تهاترتا والقول للمشتري، وعنهما: يقرع، وعند مالك: يحكم للأعدل
وإلاَّ فباليمين.
٣ - بابٌ أَيُّ الِوَارِ اقْرَبُ
أي: هذا باب في بيان أي الجوار أقرب إذا كان ثمة جيران، وقد ذكرنا أن الجار
الذي يستحق الشفعة هو الجار الملاصق، وهو الذي داره على ظهر الدار المشفوعة، وسيأتي
مزيد الكلام فيه، والجوار بضم الجيم وكسرها.
٢٢٥٩/٣ - حدَّثنا حَجَّاجٌ قال حدثنا شُعْبَةُ ح وحدَّثني عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله قال حدثنا
شبَابَةُ قال حدثنا شُعْبَةُ قال حدَّثنا أَبُو عِمْرَانَ قال سَمِعْتُ طَلْحَةَ بنَ عَبْدِ اللهِ عنْ عَائِشَةَ رضي
الله تعالى عنها قُلْتُ يا رسولَ اللهِ إِنَّ لِي جارَيْنِ فإلَى أَيِّهِما أُهْدِي قال إلى أقرَبِهِما منْكِ باباً.
[الحديث ٢٢٥٩ - طرفاه في: ٢٥٩٥، ٦٠٢٠].
مطابقته للترجمة من حيث إنه أوضح أي الجوار أقرب.
ذكر رجاله: وهم سبعة: الأول: حجاج هو ابن منهال السلمي الأنماطي، وليس هو
حجاج بن محمد الأعور، وإن كان كل منهما قد روى عن شعبة، لأن البخاري سمع من
حجاج بن منهال ولم يسمع من حجاج بن محمد، ولكن روى له. الثاني: شعبة بن
الحجاج. الثالث: علي بن عبد الله، كذا وقع في النسبة في رواية ابن السكن وكريمة، وفي
رواية الأكثرين وقع غير منسوب حيث قال: حدثني علي فقط، وعن هذا اختلفوا فيه من هو؟
فقال أبو علي الجياني: هو علي بن سلمة اللبقي، بفتح اللام والباء الموحدة وبالقاف:
النيسابوري، وبه جزم الكلاباذي، وابن طاهر، وهو الذي ثبت في رواية المستملي، وقال ابن
شبويه: هو علي بن المديني، وهو الأظهر، لأن في كثير من المواضع يطلق البخاري الرواية
عن علي، وإنما يقصد به علي بن المديني، ولأن العادة أنه إذا أطلق ينصرف إلى من يكون
أشهر، ولا شك أن ابن المديني أشهر من اللبقي. الرابع: شبابة، بفتح الشين المعجمة
وتخفيف البائين الموحدتين بينهما ألف: ابن سوار الفزاري أبو عمرو، وقد مر في: باب
الصلاة على النفساء. الخامس: أبو عمران، واسمه: عبد الملك بن حبيب - ضد العدو -
الجوني، بفتح الجيم وسكون الواو وبالنون. السادس: طلحة بن عبد الله، قال الحافظ
المزي: هو طلحة بن عبد الله بن عثمان بن عبيد الله بن معمر التيمي، وقال بعضهم: هو
طلحة بن عبد الله الخزاعي، والأصح ما قاله المزي، لأن البخاري أخرج حديث الباب في
الهبة من طريق غندر عن شعبة، فقال: طلحة بن عبد الله رجل من بني تيم بن مرة، وقال
الدارقطني في رواية سليمان بن حرب: عن شعبة عن طلحة بن عبد الله الخزاعي، وقال

١٠٨
٣٧ - كِتَابُ السَّلَمِ في الشُّفْعَةِ / باب (٣)
الحارث بن عبد الله: عن أبي عمران الجوني عن طلحة، ولم ينسبه، وقال أبو داود وسليمان
ابن الأشعث: قال شعبة في هذا الحديث: عن طلحة، رجل من قريش. وقال الإسماعيلي:
قال يحيى بن يونس عن شعبة: أخبرني أبو عمران أنه سمع طلحة عن عائشة، قال شعبة:
وأظنه سمعه من عائشة ولم يقل سمعته منها. السابع: أم المؤمنين عائشة، رضي الله تعالى
عنها.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في خمسة مواضع وبصيغة الإفراد
في موضع واحد. وفيه: العنعنة في موضع واحد. وفيه: السماع. وفيه: القول في موضعين.
وفيه: أن شيخه بصري وأنه من أفراده، وأن شعبة واسطي وعلي بن عبد الله مديني وشبابة
مدائني، وأن أبا عمران بصري. وفيه: أنه ليس لطلحة بن عبد الله في البخاري سوى هذا
الحدیث.
وهذا الحديث من أفراده لم يخرجه مسلم، وأخرجه البخاري أيضاً في الأدب عن
حجاج، وفي الهبة عن ابن بشار. وأخرجه أبو داود في الأدب عن مسدد وسعيد بن منصور.
ذكر معناه: قوله: ((أهدي))، بضم الهمزة من الإهداء، وقال المهلب: وإنما أمر بالهدية
إلى من قرب بابه لأنه ينظر إلى ما يدخل دار جاره وما يخرج منها، فإذا رأى ذلك أحب أن
يشارك فيه، وأنه أسرع إجابة لجاره عندما ينوبه من حاجة إليه في أوقات الغفلة والغرة، فلذلك
بدأ به على من بعد باب داره وإن كانت داره أقرب، قال ابن المنذر: وهذا الحديث دال
على أن اسم الجار يقع على غير الملاصق، لأنه قد يكون له جار ملاصق وبابه من سكة غير
سكته، وله جار بينه وبين بابه قدر ذراعين وليس بملاصق، وهو أدناهما باباً. وقد خرج أبو
حنيفة عن ظاهر الحديث، فقال: إن الجار الملاصق إذا ترك الشفعة وطلبها الذي يليه وليس
له حد ولا طريق فلا شفعة له، وعوام العلماء يقولون: إذا أوصى رجل لجيرانه أعطى اللزيق
وغيره إلاَّ أبا حنيفة، فإنه قال: لا يعطى إلاَّ اللزيق وحده. انتهى.
قلت: الذي قال: خرج أبو حنيفة عن ظاهر الحديث، خرج عن ظاهر الأدب، ولا ينقل
عن إمام مثل أبي حنيفة شيء مما قاله إلاَّ بمراعاة الأدب، فإن الذي ينقل عنه شيئاً من بعده لا
يساوي مقداره ولا يدانيه لا في الدين ولا في العلم، وأبو حنيفة لا يذهب إلى شيء إلاَّ بعد
أن يحقق مدركه والسر فيه، والأصل في النصوص التعليل، ولا يدري هذا إلاّ من يقف على
مداركها، والسر في وجوب الشفعة دفع الأذى من الخارج، ولهذا قدم الشريك في نفس
المبيع، ثم من بعده الشريك في حق المبيع، ثم من بعدهما للجار، ولا يحصل الضرر في
منع الشفعة إلاَّ للجار الملاصق لاتصال الجدران، ووضع الأخشاب بينه وبين صاحب
الملك، ولا مناسبة بين الجار الذي له الشفعة وبين الجار الذي أوصى إليه بشيء، لأن أمر
الشفعة مبني على القهر، بخلاف الوصية. وإنما قال في الوصية لجيرانه الملاصقين لأنهم
الجيران تسمية وعرفاً، وفي مذهب عوام العلماء عسر عظيم، بل لا يحصل فيه فائدة على
قول من يقول: أهل المدينة كلهم جيران، وفي (مراسيل) أبي داود: عن ابن شهاب قال

١٠٩
٣٧ - كِتَابُ السَّلَمِ في الشُّفْعَةِ / باب (٣)
رسول الله عَّله: أربعون داراً جار. قال يونس: قلت لابن شهاب: وكيف أربعون داراً؟ قال
أربعون عن يمينه وعن يساره وخلفه وبين يديه. وعن الحسن أربعون من هنا وأربعون من
جوانبها الأربع أربعون أربعون أربعون، ولو فرضنا أن شخصاً من أهل مصر أوصى بثلث ماله
لجيرانه، فخرج ثلث ماله عشرة دراهم مثلاً، فعلى قول الحسن يعطى هذه العشرة لمائة
وعشرين نفساً، فيحصل لكل واحد ما ليس فيه فائدة ولا ينتفع به الموصى إليه، وأما على
قول: أهل المدينة كلهم جيران، فحكمه حكم العدم، فلا يحصل مقصود الموصي ولا
مقصود الموصى لهم. فإذا قلنا: الجيران هم الملاصقون لا يفوت شيء من ذلك ويحصل
مقصود الموصي من ذلك أيضاً. وقال ابن بطال: لا حجة في هذا الحديث لمن أوجب
الشفعة بالجوار، لأن عائشة إنما سألت عمن تبدأ به من جيرانها بالهدية، فأخبرها بأن من قرب
أولى من غيره. انتهى. قلت: إنما كان مراد ابن بطال من هذا الكلام التسميع للحنفية فهم ما
احتجوا به، ولئن سلمنا أنهم احتجوا به فلهم ذلك لأنه عَّةِ أشار إلى أن الأقرب أولى،
فالجار الملاصق أقرب من غيره فيكون أحق من غيره، ولا سيما بأنه باب الإكرام وباب
الإهداء على التعهد والتفضل والإحسان. قوله: ((قال إلى أقربهما منك باباً) أي: قال معَ له:
إلى أقرب الجارين من حيث الباب، وهنا استعمل أفعل التفضيل بوجهين، مع أنه لا يستعمل
إلاّ بأحد الوجوه الثلاثة، لأنه لم يستعمل إلاَّ بالإضافة. وأما كلمة: من، فهي من صلة القرب،
كما يقال: قرب من كذا.
وفيه: افتقاد الجيران بإرسال شيء إليهم، ولا سيما إذا كانوا فقراء وفيهم أغنياء، وقد
قال عَّ له: ((لا يؤمن أحدكم يبيت شبعان وجاره طاوٍ)) وقد أوصى الله تعالى بالجار. فقال:
﴿والجار ذي القربى والجار الجنب﴾ [النساء: ٣٦]. وقال، عَّم: ((ما زال جبريل، عليه
الصلاة والسلام، يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه)).

بسم الله الرحمن الرَّحيم
٣٨ - كِتَابُ الإِجَارَة
أي: هذا كتاب في بيان أحكام الإجارة وفي رواية المستملي: بسم الله الرحمن
الرحيم في الإجارات، وليس في رواية النسفي قوله: في الإجارات، وكذا ليس في رواية
الباقين لفظ: كتاب الإجارة، والإجارة على وزن فعالة، بالكسر في اللغة اسم للأجرة، وهو
كراء الأجير، وقد أجره إذا أعطاه أجرته من بابي طلب وضرب فهو آجر، وذاك مأجور، وفي
كتاب (العين): آجرت مملوكي أوجره إيجاراً فهو موجر، وفي (الأساس): أجرني داره
فاستأجرتها، وهو مؤجر، ولا تقل مؤاجر فإنه خطأ فاحش، وتقول: أجره إذا أعطاه أجرته، وإذا
نقلته إلى باب الإفعال تقول: آجر، بالمد لأن أصله: أوجر، بهمزتين إحداهما فاء الفعل
والأخرى همزة أفعل، فقلبت الهمزة الثانية ألفاً للتخفيف فصار: آجر، على وزن أفعل، فاسم
الفاعل من الأول: آجر، ومن الثاني: مؤجر، وفي الشرع: الإجارة عقد المنافع بعوض، وقيل:
تمليك المنافع بعوض، وقيل: بيع منفعة معلومة بأجر معلوم، وهذا أحسن.
١ - بابٌ في اسْتِجَارِ الرَّجُلِ الصَّالِحِ
أي: هذا باب في بيان استيجار الرجل الصالح، وأشار به إلى قصة موسى مع ابنة
شعيب، عليهما الصلاة والسلام.
وقَوْلِ اللهِ تعالى: ﴿إِنَّ خَيْرَ منِ اسْتَأْجَزْتَ القَوِيُّ الأُمِينُ﴾ [القصص: ٢٦].
وقوله الله، بالجر عطف على قوله: في استيجار الرجل الصالح، وفي رواية أبي ذر،
وقال الله تعالى: ﴿إِن خير من استأجرت .. ﴾ [القصص: ٢٦]. الآية. وقال مقاتل بن سليمان
في (تفسيره): هذا قول صفوراء ابنة شعيب، عليه الصلاة والسلام، وهي التي تزوجها موسى،
عليه الصلاة والسلام، وكانت توأمة عبوراء، ولدت صفوراء قبلها بنصف يوم، وكان بين
المكان الذي سقى فيه الغنم وبين شعيب ثلاثة أميال فمشى معها وأمرها أن تمشي خلفه وتدله
على الطريق، كراهية أن ينظر إليها وهما على غير جادة، فقال شعيب لابنته: من أين علمت
قوته وأمانته؟ فقالت: أزال الحجر عن رأس البئر، وكان لا يطيقه إلاَّ رجال، وقيل: أربعون
رجلاً. وذكرت أنه أمرها أن تمشي خلفه كراهة أن ينظر إليها، وسأوضح لك هذه القصة حتى
تقف على حقيقتها مع اختصار غير مخل.
لما قتل موسى القبطي كما أخبر الله تعالى في القرآن، فوكزه موسى فقضى عليه،
فأصبح في المدينة خائفاً يترقب الأخبار، وأمر فرعون الذباحين بقتل موسى، فجاءه رجل من
شيعته يقال له: خربيل، وكان قد آمن بإبراهيم، عليه الصلاة والسلام، وصدق موسى، عليه
الصلاة والسلام، وكان ابن عم فرعون، وقال له: إن الملأ يأتمرون بك، أي: يتشاورون في
قتلك فاخرج من هذه المدينة إني لك من الناصحين، فخرج ولم يدر أين يذهب، فجاءه ملك
ودله على الطريق، فهداه إلى مدين وبينها وبين مصر مسيرة ثمانية يام، وقيل: عشرة، وكان
١١٠

١١١
٣٨ - كِتَابُ الإِجَارَة / باب (١)
يأكل من ورق الشجر ويمشي حافياً حتى ورد ماء مدين ونزل عند البئر، وإذا بجنبه أمة من
الناس يسقون، ووجد من دونهم امرأتين تذودان أي: تمنعان أغنامهما عن الاختلاط بأغنام
الناس، فقال لهما: ﴿ما خطبكما قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء﴾ [القصص: ٢٣]. لأنا
ضعفاء لا نقدر على مزاحمتهم ﴿وأبونا شيخ كبير﴾ [القصص: ٢٥]. تعنيان شعيباً، عليه
الصلاة والسلام، والمشهور عند الجمهور أنه شعيب النبي،، وقيل: إنه ابن أخي شعيب، ذكره
أحمد في (تفسيره) وذكر السهيلي أن شعيباً هو شيرون بن ضيفون بن مدين بن إبراهيم، عليه
الصلاة والسلام، ويقال: شعيب بن ملكاين، وقيل: شيرون ابن أخي شعيب، وقيل: ابن عمر
شعيب، وقال وهب: اسم ابنته الكبرى صفوراء، واسم الصغرى عبوراء،، وقيل: اسم إحديهما
شرفا، وقيل: ليا، والمقصود: لما جاء إلى شعيب بعد أن فعل ما ذكرنا، قصَّ عليه القصص،
قال: ﴿لا تخف نجوت من القوم الظالمين﴾ [القصص: ٢٦]. و﴿قالت إحداهما﴾
[القصص: ٢٣]. وهي صفوراء ﴿يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين﴾
[القصص: ٢٦]. فقال لها شعيب، وما علمك بهذا؟ فأخبرت بالذي فعله موسى، عليه الصلاة
والسلام، فعند ذلك قال شعيب: ﴿إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين﴾ [القصص:
٢٧]. إلى آخر الآية، وكان في شرعهم: يجوز تزويج المرأة على رعي الغنم، وأما في شرعنا
ففيه خلاف مشهور، وقال موسى: ﴿ذلك بيني وبينك ... ﴾ [القصص: ٢٨]. الآية.
والخَازِنُ الأُمِينُ ومنْ لَمْ يَسْتَغْمِلْ مَنْ أَرَادَهُ
هذا أيضاً من الترجمة، ولها جزآن: أحدهما: قوله: والخازن الأمين. والآخر: قوله: ومن
لم يستعمل من أراده، وقد ذكر بعد لكل واحد حديثاً، فالحديث الأول للجوز الأول والثاني
للثاني، ومعنى: من لم يستعمل من أراده الإمام الذي لم يستعمل الذي أراد العمل، لأن الذي
يريده يكون طلبه لحرصه فلا يؤمن عليه.
٢٢٦٠/١ - حدَّثَنا مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ قال حدَّثنا سُفْيانُ عنْ أَبِي بُرْدَةً قال أخْبرنِي
جَدِّي أَبُو بُزْدَةَ عنْ أَبِيهِ أبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ رضي الله تعالى عنه قال قال النبيُّ عَلَّهِ الخَازِنُ
الأَمِينُ الَّذِي يُؤَدِّي ما أُمِرَ بِهِ طَيْبَةً نَفْسُهُ أَحَدُ المُتَصَدِّقِينِ. [انظر الحديث ١٤٣٨ وأطرافه].
مطابقته لقوله: ((والخازن الأمين))، وهي ظاهرة، لكن قيل: الحديث ليس فيه ذكر
الإجارة، فلا يكون من هذا الباب. وأجاب ابن التين بأن البخاري إنما أراد أن الخازن لا شيء
له في المال، وإنما هو أجير، وقال ابن بطال: إنما أدخله في هذا الباب لأن من استؤجر على
شيء فهو أمين وليس عليه في شيء منه ضمان إن فسد أو تلف إلاّ إن كان ذلك بتضييعه.
وقال الكرماني: دخول هذا الحديث في: باب الإجارة، للإشارة إلى أن خازن مال الغير
كالأجير لصاحب المال.
وهذا الحديث قد مضى في كتاب الزكاة في: باب أجر الخادم إذا تصدق، فإنه
أخرجه هناك: عن محمد بن العلاء عن يزيد بن عبد الله عن أبي بردة عن أبي موسى عن
1

١١٢
٣٨ - كِتَابُ الإجَارَة / باب (١)
النبي عَّةٍ ... إلى آخره بأثم منه، وهنا أخرجه: عن محمد بن يوسف بن واقد أبو عبد الله
الفريابي، سكن قيسارية الشام، عن سفيان الثوري عن أبي بردة، بضم الباء الموحدة وسكون
الراء، واسمه: بريد، بضم الباء الموحدة وفتح الراء وسكون الياء آخر الحروف: ابن عبد الله،
يروي عن جده أبي بردة واسمه: عامر على الأشهر عن أبيه أبي موسى الأشعري، واسمه: عبد
الله بن قيس، وقد مضى الكلام فيه هناك.
قوله: ((ما أمر به))، على صيغة المجهول. قوله: ((طيبة))، نصب على الحال. قوله:
((نفسه))، مرفوع بطيبة، ويروى: طيب نفسه، بإضافة: طيب، إلى: نفس، وإنما انتصب حالاً،
والحال لا يقع معرفة لكون الإضافة فيه لفظية فلا يفيد التعريف، ويروى: طيب نفسه، بالرفع
فيهما على أن: طيب، يكون خبر مبتدأ محذوف، و: نفسه، فاعله أو تأكيد. قوله: ((أحد
المتصدقين))، بلفظ التثنية.
٢٢٦١/٢ _ حدَّثنا مُسَدَّدٌ قال حدثنا يَحْيَى عن قرَّةَ بنِ خالِدٍ قال حدَّثني حُمَيْدُ بنُ
هِلال قال حدَّثنَا أَبُو بُزْدَةَ عنْ أَبِي مُوسَى رضي الله تعالى عنهُ قال أقْبَلْتُ إلى النبيِّ عَلَّه
ومَعِي رَجلانِ مِنَ الأَشْعَرِيِّينَ فَقُلْتُ ما عَلِمْتُ أَنَّهُمَا يَطْلُبَانِ العَمَلَ فقالَ لَنْ أَوْ لاَ نَسْتَعْمِلُ
عَلى عَمَلِنَا مَنْ أَرَادَهُ. [الحديث ٢٢٦١ - أطرافه في: ٣٠٣٨، ٤٣٤١، ٤٣٤٣، ٤٣٤٤،
٦١٢٤، ٦٩٢٣، ٧١٤٩، ٧١٥٦، ٧١٥٧، ٧١٧٢].
مطابقته لقوله: ومن لم يستعمل من أراده، ظاهرة وأما وجه دخوله في هذا الباب فلأن
الذي يطلب العمل إنما يطلبه غالباً لتحصيل الأجرة التي شرعت له، وهذا كان في ذلك
الزمان، وأما الذي يطلب العمل في زماننا هذا فلا يطلبه إلاّ لتحصيل أموال، سواء كان من
الحلال أو الحرام، وللأمر والنهي بغير طريق شرعي، بل غالب من يطلب العمل إنما يطلبه
بالبراطيل والرشوة، ولا سيما في مصر، فإن الأمر فاسد جداً في العمال فيها حتى إن أكثر
القضاة يتولون بالرشوة وهذا غير خاف على أحد، فنسأل الله العفو والعافية.
ويحيى هو ابن سعيد القطان، وقرة، بضم القاف وتشديد الراء: ابن خالد أبو محمد،
وأبو خالد السدوسي البصري، وحميد، بضم الحاء المهملة: ابن هلال بن هبيرة العدوي
الهلالي البصري مر في: باب يرد المصلي من بين يديه، وأبو بردة عامر، وقد مضى الآن.
والحديث أخرجه البخاري مختصراً ومطولاً في الإجارة والأحكام وفي استنابة
المرتدين عن مسدد عن يحيى وفي الأحكام أيضاً عن عبد الله بن الصباح. وأخرجه مسلم
في المغازي عن أبي قدامة ومحمد بن حاتم وأخرجه أبو داود في الحدود عن أحمد بن
حنبل ومسدد بتمامه وفي القضايا عن أحمد بن حنبل ببعضه. وأخرجه النسائي في الطهارة
وفي القضاء عن عمرو بن علي، خمستهم عن يحيى بن سعيد به.
ذكر معناه: قوله: ((ومعي) الواو فيه للحال. قوله: ((من الأشعريين)) أي: من الجماعة
الأشعریین، والأشعري نسبة إلى الأشعر وهو نبت بن أُدد بن یشحب بن عریب بن یزید بن

١١٣
٣٨ - كِتَابُ الإِجَارَة / باب (٢)
كهلان، وإنما قيل له: الأشعري، لأن أمه ولدته وهو أشعر. قوله: ((فقلت))، القائل هو أبو موسى
الأشعري أي: فقلت: يا رسول الله! ما علمت أنهما أي: أن الرجلين يطلبان العمل. وسيجيء
في استتابة المرتدين بهذا الإسناد بعينه، وفيه: معي رجلان من الأشعريين وكلاهما سألا، أي:
العمل، فقلت: والذي بعثك ما أطلعت على ما في أنفسهما ولا علمت أنهما يطلبان العمل ...
الحديث. قوله: ((فقال: لن - أو لا -)) أي: فقال النبي، عَّ: ((لن نستعمل على عملنا
من أراده)، وقوله: أوَ، لشك الراوي، أي: لا نولي من أراد العمل. وذكر ابن التين أنه ضبط
في بعض النسخ: لن أولي، بضم الهمزة وفتح الواو وكسر اللام المشددة، مضارع فعل من
التولية. وقال الشيخ قطب الدين الحلبي: فعلى هذه الرواية يكون لفظ: نستعمل، زائد، أو
يكون تقدير الكلام: لن أولي على عملنا، وقد وقع هذا الحديث في الأحكام من طريق
بريد بن عبدالله عن أبي بردة بلفظ: إنا لا نولي على عملنا، وهذا يؤيد ما ذكره الشيخ قطب
الدين، رحمه الله. وقال ابن بطال: لما كان طلب العمالة دلالة على الحرص وجب أن يحترز
من الحريص عليها، وقال القرطبي: هذا نهي، وظاهره التحريم، كما قال، عَّلِّ: ((لا تسأل
الإمارة وإنا والله لا نولي على عملنا هذا أحداً يسأله ويحرص عليه))، فلما أعرض عنهما ولم
يولهما لحرصهما، ولى أبا موسى الذي لا يحرص عليها والسائل الحريص يوكل إليها ولا
يعان عليها.
٢ - بابُ رَغْي الغَنمِ عَلى قَرَارِيطَ
أي: هذا باب في بيان رعي الغنم على قراريط، وهو جمع قيراط بتشديد الراء فأبدل
أحد حرفي التضعيف ياء، ومثل هذا كثير في لغة العرب، والقيراط نصف دائق، وقيل: هو
نصف عشر الدينار، وقيل: هو جزء من أربعة وعشرين جزءاً، وقال بعضهم: على، هنا بمعنى:
الباء، وهي للسببية أو المعاوضة، وقيل: إنها للظرفية. قلت: تجيء، على، بمعنى: الباء، نحو:
حقيق علي أن لا أقول، وقد قرأه أبي بالباء، ولكن كونها للسببية غير بعيد، وكذلك كونها
للمعاوضة، إلا أن كونها للظرفية بعيد أللهم إلاَّ أن يقال: إن القراريط، إسم موضع.
٢٢٦٢/٣ - حدَّثنا أحمَدُ بنُ مُحَمَّدِ المَكِّيُ قال حدَّثنا عَمْرُو بنُ يَخْتَى عنْ جَدِّهِ عنْ
أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ عنِ النبيِّ عَلَّلِ قال ما بَعَثَ الله نَبِيَّاً إلاَّ رَعَى الغَتَمَ فقال
أَصْحَابُهُ وأَنْتَ فقال نَعَمْ كُنْتُ أَزْعَاهَا عَلى قَرَارِيطَ لِأهْلِ مَكَّةَ.
مطابقته للترجمة في قوله: ((كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة)).
ذكر رجاله: وهم أربعة: الأول: أحمد بن محمد بن الوليد الأزرقي، ويقال: الزرقي.
الثاني: عمرو بن يحيى بن سعيد. الثالث: جده سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص الأموي.
الرابع: أبو هريرة.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: العنعنة في
ثلاثة مواضع. وفيه: أن شيخه وشيخ شيخه من أفراده، وهما مكيان، وأن سعيد بن عمرو جد
عمدة القاري/ ج١٢ م٨

١١٤
٣٨ - كِتَابُ الإِجَارَة / باب (٢)
عمرو بن يحيى مدني الأصل، كان مع أبيه إذ غلب على دمشق، فلما قتل أبوه سيره عبد
الملك بن مروان مع أهل بيته إلى الحجاز ثم سكن الكوفة، وهذا الإسناد بعينه مر في باب
الاستنجاء بالحجارة.
والحديث أخرجه ابن ماجه أيضاً في التجارات عن سويد بن سعيد.
ذكر معناه: قوله: ((إلاَّ راعي الغنم)) وفي رواية الكشميهني: إلاَّ راعي الغنم. قوله:
((وأنت))، أي: وأنت أيضاً رعيت الغنم، فقال: نعم. قوله: ((على قراريط))، واختلف في
القراريط، فقيل: هي قراريط النقط، والدليل عليه ما رواه ابن ماجه عن سويد بن سعيد عن
عمرو بن يحيى: كنت أرعاها لأهل مكة بالقراريط، وقال سويد: شيخ ابن ماجة، يعني: كل
شاة بقيراط، يعني: القيراط الذي هو جزء من الدينار أو الدرهم. وقال إبراهيم الحربي: قراريط
إسم موضع بمكة قرب جياد، ولم يرد القراريط من النقد، وقال ابن الجوزي: الذي قاله
الحربي أصح، وهو تبع في ذلك شيخه ابن ناصر، فإنه خطأ سويداً في تفسيره، وقال بعضهم:
لكن رجح الأول لأن أهل مكة لا يعرفون مكاناً يقال له: قراريط. قلت: وكذلك لا يعرفون
القيراط الذي هو من النقد ولذلك جاء في (الصحيح): ((ستفتحون أرضاً يذكر فيها القراط))،
ولكن لا يلزم من عدم معرفتهم القراريط الذي هو اسم موضع، والقراريط التي من النقد، أن لا
يكون للنبي، عَّهِ، بذلك علم، فالنبي، عَّهِ، لما أخبر بأنه رعى الغنم على قراريط، علموا
في ذلك الوقت انها اسم موضع ولم يكونوا علموا به قبل ذلك الوقت لكون هذا الاسم قد
هجر استعماله من قديم الزمان فظهره صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، ويدل على تأييد ذلك
شيئان أحدهما أن كلمة على في أصل وضعها للاستعلاء والاستعلاء حقيقة لا يكون إلا على
القراريط الذي هو اسم موضع وعلى القراريط من النقد يكون بطريق المجاز فلا يصار الى
المجاز إلا عند تعذر الحقيقة ولا تعذر هنا، والثاني جاء في رواية كنت أرعى غنم أهلي
بجياد وهو موضع بأسفل مكة فهذا يدل على أنه يرعى تارة بجياد وتارة بقراريط الذي هو
المكان وهذا يدل أيضاً أنه ما كان يرعى بأجرة، فإذا كان كذلك فلا دخل للقراريط من النقد
في هذا الموضع. فإن قلت متى كان هذا الرعي في عمره عَ له، قلت: علم بالاستقراء من
كلام ابن اسحاق والواقدي أنه كان وعمره نحو العشرين سنة فإن قلت: ما الحكمة فيه
قلت: التقدمة والتوطئة في تعريفه سياسة العباد وحصول التمرن على ما سيكلف من القيام بأمر
أمته. فإن قلت: ما وجه تخصيص الغنم فيه قلت: لأنها أضعف من غيرها وأسرع انقياداً وهي
من دواب الجنة. فإن قلت: ما الحكمة في ذكره عَّ لّهِ ذلك قلت: إظهار تواضعه لربه مع
كونه أكرم الخلق عليه وتنبيه أمته على ملازمة التواضع واجتناب الكبر ولو بلغ أقصى المنازل
الدنياوية. وفيه أيضاً اتباع لإخوته من الرسل الذين رعوا. وفي حديث للنسائي قال رسول الله
عَّ له ((بعث موسى وهو راعي غنم وبعث داود وهو راعي غنم عليهما وعليه صلوات الله
وسلامه دائماً أبداً».

١١٥
٣٨ - كِتَابُ الإِجَارَة / باب (٣)
٣ - باب اسْتِجار المُشرِكينَ عِنْدَ الضّرُورَةِ أَوْ إذَا لَمْ يُوجَدْ أَهْلُ الاسْلامِ
أي هذا باب في بيان حكم استئجار المسلمين أهل الشرك عند الضرورة وهذه
الترجمة تشعر بأنه لا يرى استئجار المشرك سواء كان من أهل الذمة أو من غيرهم عند
الضرورة إلا عند الاحتياج إلى أحد منهم لأجل الضرورة نحو عدم وجود أحد من أهل
الاسلام يكفي ذلك أو عند عدمه أصلاً وأشار إليه بقوله: ((وإذا لم يوجد أهل الاسلام))
وقوله: ((لم يوجد)) على صيغة المجهول وفي بعض النسخ ((وإذا لم يجد)) على صيغة
المعلوم أي وإذا لم يجد المسلم أحداً من أهل الاسلام لأن يستأجره وجواب إذا محذوف
يعلم مما قبله لأنه عطف عليه وقد قررناه.
وعامَلَ النبيُّ عَلّه يَهُودَ خَيْبِرَ
مطابقة هذا التعليق للترجمة من حيث أنه عَّ للم عامل يهود خيبر على العمل في
أرضها إذا لم يوجد من المسلمين من ينوب منابهم في عمل الأرض في ذلك الوقت ولما
قوي الاسلام استغنى عنهم حتى أجلاهم عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وسقط بذلك
قول بعضهم، وفي استشهاده بقصة معاملة النبي عَّهم يهود خيبر على أن يزرعوها نظر، لأنه
ليس فيها تصريح بالمقصود. قلت: كيف ينفي التصريح بالمقصود فيه فإن معاملته عن المه يهود
خيبر على الزراعه في معنى استئجاره إياهم صريحاً.
٤/ ٢٢٦٣ - حدثنا إنْرَاهِيمُ بنُ مؤسَى قال أخبرنا هِشامٌ عنْ مَعْمَرٍ عنِ الزُّهْرِيِّ عنْ
عُرْوَةَ بنِ الزُّبَيْرِ عنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها واسْتَأْجَرَ النبيُّ عَّهِ وَأَبُو بَكْرٍ رَجُلاً مِنْ بَنِي الدَّيلِ
ثُمَّ مِنْ بَنِي عَبْدٍ بِن عَدِيّ هادِياً خِرِّيتاً. الخُّرِيتُ المَاهِرُ بِالْهِدَايَةِ قَدْ غَمَسَ يَمِينَ حِلْفٍ في آلٍ
العاصِي بن وَائِلٍ وَهْوَ علَى دينٍ كُفَّارٍ قُرَيْشٍ فَأَمِناهُ فَدَفَعَ إِلَيْهِ رَاحِلَتَيْهِما ووَعَدَاهُ غارَ ثَوْرٍ بَعْدَ
ثَلاَثِ لَيالٍ فأتاهُما بِراحِلَتْهِمَا صَبِيحَةَ لَيَالٍ ثَلاَثٍ فَارْتحَلاَ وَانْطَلَقَ مَعَهُما عامِرٌ بِنُ فُهَيْرَةَ
والدَّلِيلُ الدِّيْلِيُّ فَأَخَذَ بِهِمْ وهْوَ عَلى طَريقُ السَّاحِلِ.
مطابقته للترجمة في ((واستأجر النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وأبا بكر
رجلاً من بني الديل)) وهذا صريح في أنه صلى الله عليه وآله وسلم وأبا بكر رضي الله تعالى
عنه استأجرا هذا الرجل وهو مشرك إذا لم يجد أحداً من أهل الاسلام وقول بعضهم وفي
استشهاده باستئجار الدليل المشرِك على ذلك نظر قول واه صدر من غير ترو ولا تأمل على
ما يخفى وهذا الحديث يأتي كاملاً في أواخر كتاب الإجارة. قوله: ((واستأجر)» بواو العطف
إنما وقع في رواية الأصيلي وأبي الوقت في رواية غيرهما وقع ((استأجر)) بدون حرف العطف
وهي ثابته في الأصل في نفس الحديث الطويل لأن القصة معطوفة على قصة قبلها وقال
الكرماني: واستأجر ذكر بالواو إشعاراً بأنه قد تقدم لها كلمات أُخر في حكاية هجرة رسول
الله عَّ فعطف عليها. قلت: نسب بعضهم الكرماني في قوله هذا إلى الوهم حيث قال
ووهم من زعم أن المصنف زاد الواو للتنبيه على أنه اقتطع هذا القدر من الحديث انتهى.

١١٦
٣٨ - كِتَابُ الإِجَارَة / باب (٣)
قلت: هذا القائل وهم في نقله كلام الكرماني على هذا الوجه لأنه لم يقل بأن
المصنف زاد الواو إلى آخره على هذا الوجه وما غر هذا القائل فيما قاله إلا قول الكرماني
إشعاراً يعني للإشعار بأنه واو العطف حيث قال قد تقدم لها كلمات أُخر يعني من المعطوف
عليه ومعنى قوله فعطف هذا عليها يعني اظهروا والعطف على الكلمات التي تقدمت لا لأنه
زاد المصنف من عنده واو العطف. قوله: ((رجلاً من بني الديل)» واسم هذا الرجل عبد الله
ابن أرقم فيما قاله ابن إسحق وقال ابن هشام عبد الله بن أريقط وقال مالك اسمه رقيط
والديلي بكسر الدال وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره لام وقال الرشاطي الديل في الأزد
الديلي بن هداء بن زيد وفي ثعلب الديل بن زيد وفي إياد الديل بن أمية وفي ضبة الديل ابن
ثعلبة وفي عبد القيس الديل بن عمرو والنسبة إلى ذلك كله الديل بكسر الدال وإسكان الياء
من دال يديل إذا تعلق الشيء وتحرك ويقال منه اندال يندال، وقال ابن هشام رجلاً من بني
الديلي بن بكر وكانت أمه من بني سهم بن عمرو وكان مشركاً. قوله: ((من بني
الديل) جملة في محل النصب على أنها صفة لقوله رجلاً. قوله: ((ثم من بني عبد بن عدي))
وعبد خلاف الحر وعدي بفتح العين المهملة وكسر الدال وتشديد الياء من بني بكر. قوله:
((هادياً)) صفة لرجلاً أيضاً من هداه الطريق إذا أرشده إليه. قوله: ((خريتا)) أيضاً صفة بعد صفة
والخريت بكسر الخاء المعجمة وتشديد الراء وسكون الياء آخر الحروف بعدها تاء مثناة من
فوق وهو الماهر الذي يهتدي لا خرات المفازة وهي طرقها الخفية ومضايقها وقيل أراد به أنه
يهتدي لمثل خرت الإبرة من الطريق أي ثقبها وحكى الكسائي خرتنا الأرض إذا عرفناها ولم
تخف علينا طرقها. قوله: (الخريت الماهر) بالهداية مدرج من قول الزهري. قوله: ((قد
غمس يمين حلف)) أي دخل في جملتهم وغمس نفسه في ذلك والحلف بكسر الحاء العهد
الذي يكون بين القوم وإنما قال غمس إما لأن عادتهم أنهم كانوا يغمسون أيديهم في الماء
ونحوه عند التحالف وإما أنه أراد بالغمس الشدة. قوله: ((العاص بن وائل)) بالهمزة بعد الألف
وباللام ويقال العاصي بالياء وبدونه وآل العاص هم بنو سهم رهط من قريش. قوله: ((فأمناه)»
أي فأمن النبي عَّ له وأبو بكر الرجل من أمنت فلاناً فهو آمن وذاك مأمون. قوله: ((راحلتيهما))
تثنية راحلة وهي من الإبل البعير القوي على الأسفار والأحمال والذكر والأنثى فيه سواء والتاء
فيها للمبالغة، وقال الواقدي كان أبو بكر رضي الله تعالى عنه اشتراهما بثمانمائة درهم وكان
حبسهما في داره يعلفهما إعداداً للسفر، قال ابن إسحاق لما قرب أبو بكر الراحلتين إلى
رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قدم له أفضلهما فقال اركب يا رسول الله فداك أبي
وأمي فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: ((إني لا أركب بعيراً ليس لي)) قال فهي
لك يا رسول الله بأبي أنت وأمي قال «ما الثمن الذي ابتعتهما به)) ((قال كذا وكذا قال
((أخذتهما بذلك)) قال فهي لك يا رسول الله، وروى الواقدي أنه أخذ القصوى وروى ابن
عساكر بإسناده عن عائشة أنها قالت هي الجدعاء فركبا وانطلقا وأردف أبو بكر عامر بن
فهيرة مولاه خلفه للخدمة في الطريق. قوله: ((غار ثور)) الغار بالغين المعجمة الكهف وثور

١١٧
٣٨ - كِتَابُ الإِجَارَة / باب (٤)
اسم الحيوان المشهور جبل بأسفل مكة وفيه الغار الذي بات فيه النبي عَ لَّه وأبو بكر لما
هاجرا. قوله: ((معهما)) أي مع النبي عَّهِ وأبي بكر رضي الله تعالى عنه. قوله: ((عامر بن
فهيرة)) بضم الفاء وفتح الهاء وسكون الياء آخر الحروف وفتح الراء الأزدي وكان أسود اللون
مملوكاً للطفيل بن عبد الله فاشتراه أبو بكر الصديق منه فأعتقه وكان دخوله في الإسلام قبل
دخول رسول الله عٍَّ دار الأرقم وكان حسن الإسلام وهاجر معهما إلى المدينة وكان
ثالثهما قتل يوم بئر معونة بفتح الميم وبالنون سنة أربع من الهجرة. قوله: ((فأخذ بهم)) أي
فأخذ الدليل الديلي بالنبي عَّه وأبي بكر وعامر بن فهيرة أي ملتبساً بهم قوله: وهو على
طريق الساحل)) أي طريق ساحل البحر ويروى فأخذ بهم طريق ساحل البحر.
ذكر ما يستفاد منه: فيه استئجار المسلم الكافر على هدايته الطريق قلت وعلى غيرها
أيضاً. وفيه استئجار الرجل على أن يدخل في العمل بعد أيام معلومة فيصح عقدهما قبل
العمل وقياسه أن يستأجر منزلاً مدة معلومة قبل مجيء السنة بأيام وأجاز مالك وأصحابه
استئجار الأجير على أن يعمل بعد يوم أو يومين أو ما قرب هذا إذا نقده الأجرة.
واختلفوا فيما إذا استأجره ليعمل بعد شهر أو سنة ولم ينقده فأجازه مالك وابن القاسم
وقال أشهب: لا يجوز ووجهه أنه لا يدري أيعيش المستأجر أو الدابة واتفقوا على أنه لا يجوز
في الراحلة المعينة والأجير المعين وأما إذا كان كراء مضموناً فيجوز فيه ضرب الأجل البعيد
وتقديم رأس المال ولا يجوز أن يتأخر رأس المال إلى اليومين والثلاثة لأنه إذا تأخر كان من
باب بيع الدين بالدين، وتفسير الكراء المضمون أن يستأجره على حمولة بعينها على غير دابة
معينة. والإجارة المضمونة أن يستأجره على بناء بيت لا يشترط عليه عمل يده ويصف له
طوله وعرضه وجميع آلته على أن المؤنة فيه كلها على العمل مضموناً عليه حتى يتمه فإن
مات قبل تمامه كان ذلك في ماله ولا يضره بعد الأجل.
وفيه ائتمان أهل الشرك على السر والمال إذا عهد منهم وفاء ومروءة كما استأمن
رسول الله عَ للِ هذا المشرك لما كانوا عليه من بقية دين إبراهيم عليه الصلاة والسلام وإن
كان من الأعداء لكنه علم منه مروءة وأتمنه من أجلها على سره في الخروج من مكة وعلى
الناقتين اللتين دفعهما إليه ليوافيهما بهما بعد ثلاث في غار ثور.
٤ - بابٌ إذا اسْتَأْجَرَ أَجِيِراً لِيَعْمَلَ لَهُ بَعْدَ ثَلاَثَة أيَّامٍ أَوْ بَعْدَ شَهْرٍ أُو بَعْدَ سِتَّة
أَشّهُرٍ أوْ بعدَ سَنَةٍ جازَ وهُمَا عَلى شَرْطِهِما الَّذِي اشْتَرَطَاهُ إِذَا جاءَ الأجَلُ.
أي هذا باب يذكر فيه اذا استأجر شخص أجيراً إلى آخره. قوله: ((جاز)) جواب إذا.
قوله: ((وهما)) أي المؤجر والمستأجر على شرطهما. قوله: ((إذا جاء الأجل)) أي الأجل
المضروب المذكور وقد ذكرنا خلاف مالك وأصحابه فيه.
٥/ ٢٢٦٤ - حدثنا يَحيْىَ بنُ بُكيَرٍ قال حدثنا اللَّيْثُ عنْ عُقَيْلٍ قال ابنُ شِهابٍ
فأخبرني عُرْوة بنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ رضي الله عنها زَوّجَ النبيِّ عَّهِ قَالَتْ وَاسْتَأْجَرَ رسولُ اللهِ

١١٨
٣٨ - كِتَابُ الإِجَارَة / باب (٥)
مَّهِ وأبو بَكْرٍ رَجلاً مِنْ بَنِي الدِّيلِ هادياً خِرِّيتاً وهوَ عَلى دينٍ كُفَّارٍ قُرَيْش فدَفَعَا إِلَيْهِ رَاحَلَتيْهما
وَوَاعَدَاهُ غارَ ثَوْرٍ بَعْدَ ثَلاَثِ لَيَالٍ بِرَاحِلَتَيْهْما صُبْحَ ثَلاَثٍ.
مطابقته للترجمة من حيث استئجار النبي عَّ له وأبي بكر رضي الله تعالى عنه الرجل
المذكور على أن ينظر في أمر راحلتيهما ثلاثة أيام وأن يحضرهما بعد ثلاثة أيام عند غار ثور
ثم يخدمهما بما قصدا من الدلالة على الطريق بعد تلك الثلاثة أيام فهذا بعينه ظاهر الترجمة،
ولكن فيها ابتداء العمل بعد الثلاثة وقاس عليها البخاري إذا كان ابتداء العمل بعد شهر أو بعد
سنة وقاس الأجل البعيد على الأجل القريب إذ لا قائل بالفصل فجعل الحديث دليلاً على
جواز الأجل مطلقاً وهذا هو التحقيق ههنا، فلا يرد اعتراض من قال أنه ليس في الخبر أنهما
استأجراه على أن يعمل بعد ثلاث على الراحلتين اللتين قام بأمرهما إلى ذلك الوقت انتهى.
قلت: هذا القائل صدر كلامه هذا أولاً بقوله ظن البخاري ظناً فعمل عليه، بل هو
الذي ظن ظناً فعمل عليه، لأنه ظن أن ابتداء الإجارة من أول ما تسلم الرجل الراحلتين،
وليس كذلك، بل أول الإجارة بعد الثلاث، ولم تكن إجارتهما إياه لخدمة الراحلتين، بل
كانت الإجارة لأجل الدلالة على الطريق، كما ذكرناه، وإنما كان تسليمهما الراحلتين إياه
لأجل مجرد النظر فيهما، ولأجل حفظهما إلى مضي الثلاث، فإن ادعى هذا المعترض
ببطلان الإجارة إذا لم يشرع في العمل من حين الإجارة فيحتاج إلى إقامة برهان، ولا يرد
أيضاً اعتراض من قال: إن الابتداء في العمل بعد شهر أو سنة غرر، فلا يدري هل يعيش
الرجل أم لا، واغتفر الأمد اليسير لأن العطب فيه نادر، والغالب السلامة. انتهى. قلت: يكون
الحكم في الأمد الكثير بعروض الموت مثل ما يكون في الأمد القصير بعروضه، لأن عدم
العروض فيه غير محقق، فلا غرر حينئذ في الفصلين، والحكم في الموت وجوب الضمان
فيهما، والله أعلم.
٥ - بابُ الأجِيرِ في الْغَزْوِ
أي: هذا باب في بيان حكم استئجار الأجير في الغزو، وقال ابن بطال: استئجار
الأجير للخدمة وكفاية مؤونة العمل في الغزو وغيره سواء، ويحتمل أن يكون أشار إلى أن
الجهاد، وإن كان القصدبه تحصيل الأجر، فلا ينافي ذلك الاستعانة بالخادم، خصوصاً لمن
لا يقدر على معاطاة الأمور بنفسه.
٦/ ٢٢٦٥ _ حدَّثنا يَعقُوبُ بنُ إِبْرَاهِيمَ قال حدَّثنا إسماعيلُ بنُ عُلَيَّةَ قال أخبرنا ابنُ
مُجُرَيْج قال أخبرني عطاءٌ عنْ صَفْوَانَ بنِ يَعْلَى عنْ يَعْلَى بنٍ أَمَيَّةَ رضي الله تعالى عنه قال
غَزَوْتُ مَعَ النّبِيِّ عَِّ جَيْشَ الْعُسْرَةِ فَكَانَ مِنْ أَوْثَقِ أعْمَالِي فِي نَفْسِي فَكَانَ لِي أجِيرٌ فقاتَلَ
إِنْسَاناً فَعَض أحَدُهُما إِصْبَعَ صاحِبِهِ فَانْتَزَعَ إِصْبَعَهُ فَأَنْدَرَ ثَنِيَتَهُ فَسَقَطَتْ فَانْطَلَقٍ إِلَى النبيِّ عََّّهِ
فَأَهْدَرَ ثَنِيَّتَهُ وقال أُفَيَدَعُ إِصْبَعَهُ فِي فِيكَ تَقْضِمُها قال أحْسِبُهُ قال كَمَا يَقْضَمُ الفَحْلُ. [انظر
الحديث ١٨٤٨ وأطرافه].

١١٩
٣٨ - كِتَابُ الإِجَارَة / باب (٥)
مطابقته للترجمة في قوله: ((فكان لي أَجِير)).
ذكر رجاله وهم ستة: الأول: يعقوب بن إبراهيم بن كثير الدورقي. الثاني: إسماعيل
بن علية، بضم العين المهملة وفتح اللام وتشديد الياء آخر الحروف، وعلية اسم أمه، وهو
إسماعيل بن إبراهيم بن سهم بن مقسم الأسدي، الثالث: عبد الملك بن عبد العزيز بن
جريج. الرابع: عطاء بن أبي رباح. الخامس: صفوان بن يعلى بن أمية التميمي - أو التيمي -
حليف لقريش. السادس: يعلى، بفتح الياء آخر الحروف وسكون العين المهملة وفتح اللام
مقصوراً: ابن أمية، بضم الهمزة وفتح الميم وتشديد الياء آخر الحروف، ويقال له: ابن منية،
بضم الميم وسكون النون وفتح الياء آخر الحروف، وهو اسم أمه، والأول اسم أبيه أبو
صفوان.
ذكر لطائف إسناده فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: الإخبار كذلك
في موضع وبصيغة الإفراد في موضع. وفيه: العنعنة في موضعين. وفيه: القول في موضعين
وفيه: أن شيخه بغدادي، وإنما قيل له الدورقي لأنه وأقاربه كانوا يلبسون قلانس تسمى
الدورقية، فنسبوا إليها من بلد دورق، وإسماعيل بصري والبقية كلهم مكيون. وفيه: رواية
التابعي عن التابعي عن الصحابي. وفيه: عن عطاء عن صفوان، في رواية همام الماضية في
الحج: حدثني صفوان بن يعلى.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في الجهاد عن عبد الله
ابن محمد عن سفيان بن عيينة وفي المغازي عن عبيد الله بن سعيد، وفي الديات مختصراً
عن أبي عاصم، أربعتهم عن ابن جريج عن عطاء عنه به، وأخرجه مسلم في الحدود عن
عمرو بن زرارة وعن أبي بكر بن أبي شيبة وعن شيبان بن فروخ وعن ابن المثنى وابن بشار
وعن أبي غسان. وأخرجه أبو داود في الديات عن مسدد عن يحيى بن سعيد عن ابن جريج.
أخرجه النسائي في القصاص وعن عبد الجبار وإسحاق بن إبراهيم، فرقهما وعن عبد الجبار
وعن إسحاق بن إبراهيم أيضاً وعن أبي بكر بن إسحاق.
ذكر معناه: قوله: ((جيش العسرة))، بضم العين المهملة وسكون السين المهملة، وهي
غزوة تبوك، وتعرف أيضاً بالفاضحة، وقيل لها: العسرة، لأن الحركان فيها شديداً والجدب
كثيراً وحين طابت الثمار وكان الناس يحبون المقام في ثمارهم وظلالهم، وكانت في رجب.
قال ابن سعد: يوم الخميس، وقال ابن التين: خرج في أول يوم من رجب ورجع في سلخ
شوال، وقيل: رمضان من سنة تسع من الهجرة. قوله: ((فكان من أوثق أعمالي في نفسي))
أي: مكان الغز من أحكم أعمالي في نفسي وأقواها اعتماداً عليه، ويؤخذ منه ذكر الرجل
الصالح لعمله. قوله: ((فكان لي أجير))، وهو الذي يخدم بالأجرة. قوله: ((فقاتل))، أي: الأجير
إنساناً ووقع في رواية مسلم: ((أن يعلى قاتل رجلاً))، قال مسلم: حدثنا محمد بن المثنى وابن
بشار، واللفظ لابن المثنى، قالا: حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن قتادة عن زرارة عن
عمران بن حصين، قال: قاتل - يعني ابن منية أو ابن أمية - رجلاً فعض أحدهما صاحبه

١٢٠
٣٨ - كِتَابُ الإِجَارَة / باب (٥)
فانتزع يده من فيه فنزع ثنيته، وقال ابن المثنى: ثنيته، فاختصما إلى النبي، عَ لَّهِ، فقال:
((يعض أحدكم كما يعض الفحل؟ لا دية لك)). وقال القرطبي ورواية البخاري: ((أن أجيراً
ليعلى))، وهو الأولى، إذ لا يليق بيعلى مع جلالته وفضله ذلك الفعل. وقال النووي: الصحيح
المعروف فيما قاله الحفاظ أنه أجير يعلى لا يعلى، ويحتمل أنهما قضيتان جرتا ليعلى
ولأجيره في وقت أو في وقتين. انتهى. قوله: ((يده)، ويروى: ((ذراعه)). قوله: ((إصبع
صاحبه))، في الاصبع تسع لغات والعاشر أصبوع، قوله: ((فأندر ثنيته)) أي: أسقطها بجذبه،
والثنية مقدم الأسنان، وللإنسان أربع ثنايا: ثنتان من فوق وثنتان من أسفل، قوله: ((أفيدع؟))
الهمزة فيه للاستفهام على سبيل الإنكار. قوله: ((فيقضمها))، بفتح الضاد المعجمة من
القضم، وهو الأكل بأطراف الأسنان، يقال: قضمت الدابة شعيرها بالكسر تقضمه، وفي
(الواعي): أصل القضم الدق والكسر، ولا يكون إلاَّ في الشيء الصلب، وماضيه على ما ذكره
ثعلب بكسر العين، وحكى ثابت وابن طلحة فتح العين، وقال ابن التين: القضم هو الأكل
بأدنى الأضراس. قوله: ((الفحل))، الذكر من الإبل ونحوه.
ذكر ما يستفاد منه: وبه احتج أبو حنيفة والشافعي في آخرين في: أن المعضوض إذا
جبذ يده فسقطت أسنان العاض أو فك لجبيه فلا ضمان عليه، وقال الشافعي: إذا صال
الفحل على رجل فدفعه، فأتى عليه، لم يلزمه قيمته، وعند مالك: يضمن المعضوض. قال
القرطبي: لم يقل أحد بالقصاص في ذلك فيما علمت، وإنما الخلاف في الضمان، فأسقطه
أبو حنيفة وبعض أصحابنا، وضمنه الشافعي، وهو مشهور مذهب مالك، قال: ونزل بعض
أصحابنا القول بالضمان على ما إذا أمكنه نزع يده برفق فانتزعها بعنف، وحمل بعض أصحابنا
الحديث على أنه كان متحرك الثنايا، وقال أبو عبد الملك: لم يصح الحديث عند مالك.
وفيه: استئجار الأجير للخدمة وكفاية مؤونة العمل في الغزو وغيره سواء، وأما القتال فلا
يستأخر عليه لأن على كل مسلم أن يقاتل حتى تكون كلمة الله هي العليا.
٢٢٦٦ _ قال ابنُ مجرَيْجٍ وحدَّثني عبدُ الله بنُ أبِي مُلَئِكَةَ عنْ جَدِّهِ بِمِثْلِ هَذِهِ الصِّفَةِ
أَنَّ رَجُلاً عَضَّ يَدَ رَجُلٍ فانْدَرَ ثَنْيَنَهُ فَأَهْدَرَهَا أَبُو بَكْرٍ رضي الله تعالى عنه.
ابن جريج هو عبد الملك بن عبدالعزيز بن جريج، وعبد الله بن أبي مليكة - تصغير
ملكة - منسوب إلى جده، وقيل: إلى جد أبيه، فإنه عبد الله بن عبيد الله بن أبي
مليكة، واسمه: زهير بن عبد الله بن جدعان، وله صحبة، ومنهم من زاد في نسبة عبد الله بين
عبد الله وزهير، وقال: إن الذي يكنى أبا مليكة هو عبد الله بن زهير، فعلى الأول، فالحديث
من رواية زهير بن عبد الله عن أبي بكر، رضي الله تعالى عنه، وعلى الثاني من رواية عبد الله
ابن زهير، فالضمير في جده على الأول يعود على عبد الله، فيكون الحديث متصلاً، وعلى
الثاني يعود على زهير فيكون منقطعاً. قال بعضهم: قوله قال ابن جريج ... إلى آخره، هو
بالإسناد المذكور إليه. وقال صاحب (التلويح): وهذا التعليق رواه الحاكم أبو أحمد في
الكنى عن أبي بكر بن أبي داود حدثنا عمرو بن علي حدثنا أبو عاصم عن ابن جريج عن ابن