Indexed OCR Text

Pages 361-380

٣٦١
٣٤ - كِتَابُ الُوعِ / باب (٥٥)
الناس فيه، فمنه الطلع والبلح الصغير، ومنه التوابل كالفلفل والكزبرة وما في معناها من
الكمونين والزاريانج والأنيسون، ففي إلحاق كل واحد منها بالطعام قولان، ومنها الحلبة وفي
إلحاقها بالطعام ثلاثة أقوال مفرق في الثالث، فيلحق به الخضراء دون اليابسة، ومنها الماء
العذب قيل بإلحاقه بالطعام لما كان مما يتطعم، وبه قوام الأجسام. وقيل: يمنع إلحاقه لأنه
مشروب وليس بمطعوم. وأما العلة في تحريم الربا في النقدين الثمنية، وهل المعتبر في ذلك
كونهما ثمنين في كل الأمصار أو جلها وفي كل الأعصار؟ فتكون العلة بحسب ذلك قاصرة
عليها، أو المعتبر مطلق الثمنية، فتكون متعدية إلى غيرهما في ذلك خلاف يبنى عليه
الخلاف في جريان الربا في الفلوس إذا بيع بعضها ببعض أو بذهب أو بورق، وفي (الروضة):
والمراد بالمطعوم ما يعد للطعم غالباً تقوتاً أو تأدماً أو تفكهاً أو غيرها، فيدخل فيه الفواكه
والحبوب والبقول والتوابل وغيرها، وسواء ما أكل نادراً كالبلوط والطرثوب، وما أكل غالباً،
وما أكل وحده أو مع غيره، ويجري الربا في الزعفران على الأصح، وسواء أكل للتداوي
كالاهليلج والبليلج والسقمونيا وغيرها، وما أكل لغرض آخر. وفي (التتمة) وجه: أن ما يقتات
كثيره ويستعمل قليله في الأدوية كالسقمونيا لا ربا فيه، وهو ضعيف، والطين الخراساني
ليس ربوياً على الأصح، ودهن الكتاب والسمك وحب الكتان وماء الورد والعود ليس ربوياً
على الأصح، والزنجبيل والمصطكى ربوي على الأصح، والماء إذا صححنا بيعه ربوي على
الأصح، ولا ربا في الحيوان، لكن ما يباح أكله على هيئته كالسمك الصغير على وجه لا
يجري فيه الربا في الأصح، وأما الذهب والفضة فقيل: يثبت فيهما الربا لعينهما لا لعلة. وقال
الجمهور: العلة فيهما صلاحية الثمنية الغالية، وإن شئت قلت: جوهرية الأثمان غالباً،
والعبارتان تشملان التبر والمضروب والحلي والأواني منهما. وفي تعدي الحكم إلى الفلوس
إذا أرجأت وجه، والصحيح أنها لا ربا فيها لانتفاء الثمنية الغالبة، ولا يتعدى إلى غير الفلوس
من الحديد والرصاص والنحاس وغيرها قطعاً. انتهى.
٥٥ - بابُ بَيْعِ الطَّعامِ قَبْلَ أَنْ يُقْبَضَ وبَيْعِ ما لَيْسَ عِنْدَكَ
أي: هذا باب في بيان حكم بيع الطعام قبل القبض، وكلمة: أن، مصدرية. قوله:
((وبيع ما ليس عندك))، بالجر عطف على: بيع الطعام، وليس في حديثي الباب: بيع ما
ليس عندك، قاله ابن التين، واعترض به. ويمكن أن يجاب عنه بأنه استنبط من حديثي الباب:
أن بيع ما ليس عندك داخل في البيع قبل القبض ولا حاجة إلى ما قاله بعضهم، وكأن بيع ما
ليس عندك لم يثبت على شرطه، فلذلك استنبطه من النص عن البيع قبل القبض. وحديث:
ما ليس عندك، رواه أصحاب السنن الأربعة: فأبو داود أخرجه عن مسدد عن أبي عوانة.
وأخرجه الترمذي والنسائي عن قتيبة. وأخرجه ابن ماجه عن بندار، والكل أخرجوه عن حكيم
ابن حزام. فلفظ الترمذي: ((سألت رسول الله، عَّله، فقلت: يأتيني الرجل فيسألني من المبيع
ما ليس عندي، أبتاع له من السوق ثم أبيعه منه، قال: لا تبع ما ليس عندك))، وأخرجت
الأربعة أيضاً نحوه عن عبد الله بن عمرو.

٣٦٢
٣٤ - كِتَابُ الْبُوعِ / باب (٥٥)
٢١٣٥/٨٥ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ اللهِ قال حدَّثنا سُفْيَانُ قال الَّذِي حَفِظْنَاهُ مِنْ
عَمْرِو بنِ دِينارٍ قال سَمِعَ طاوساً يَقُولُ سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما يَقُولُ أمّا
الَّذِي نَهِى عنه النبيُّ عَُّلّهِ فَهْوَ الطَّعَامُ أَنْ يُباعَ حَتَّى يُقْبَضَ قال ابنُ عَبَّاسٍ ولاَ أَخْسِبُ كُلَّ
شَيْءٍ إِلاَّ مِثْلَهُ. [انظر الحديث ٢١٣٢ وأطرافه].
مطابقته للترجمة ظاهرة. وعلي بن عبد الله هو ابن المديني، وسفيان هو ابن عيينة.
قوله: ((الذي حفظناه .. )) إلى آخره، كان سفيان يشير بذلك إلى أن في رواية غير عمرو
ابن دينار عن طاوس زيادة على ما حدثهم به عمرو بن دينار عنه. قوله: «أما الذي نھی عنه»،
قد علم أن كلمة: أما، في مثلِ هذا تقتضي التقسيم، ويقدر هنا ما يدل عليه السياق وهو:
وأما غير ما نهى عنه فلا أظنه إلاَّ مثله في أنه لا يباع أيضاً قبل القبض. قوله: ((أن يباع))، قال
الكرماني: ما محل: أن يباع؟ فأجاب: رفع بأن يكون بدلاً من الطعام، ثم قال: فإذا أبدل
النكرة من المعرفة، فلا بد من النعت؟ فأجاب: بأن فعل المضارع مع: أن، معرفة موغلة في
التعريف. قوله: ((ولا أحسب كل شيء إلاَّ مثله))، أي: إلاَّ مثل الطعام، يدل عليه رواية مسلم
من طريق معمر عن ابن طاوس عن أبيه: ((وأحسب كل شيء بمنزلة الطعام)). وقال الترمذي:
والعمل على هذا الحديث عند أكثر أهل العلم، كرهوا أن يبيع الرجل ما ليس عنده.
وقال ابن المنذر: قوله: ((وبيع ما ليس عندك)، يحتمل معنيين: أحدهما: أن يقول:
أبيعك عبداً أو داراً وهو غائب في وقت البيع، فلا يجوز لاحتمال عدم رضى صاحبه، أو أن
يتلف، وهذا يشبه بيع الغرر، والثاني: أن يقول: أبيع هذه الدار بكذا على أن أشتريها لك من
صاحبها، أو على أن يسلمها إليك صاحبها، وهذا مفسوخ على كل حال، لأنه غرر، إذ قد
يجوز أن لا يقدر على شرائها أو لا يسلمها إليه مالكها، وهذا أصح القولين عندي.
وقال غيره: ومن بيع ما ليس عندك العينة، وهي دراهم بدراهم أكثر منها إلى أجل بأن
يقول: أبيعك بالدراهم التي سألتني سلعة وكذا ليست عندي ابتاعها لك، فبكم تشتريها مني؟
فوافقه على الثمن ثم يبتاعها ويسلمها إليه، فهذه العينة المكروهة، وهي بيع ما ليس عندك،
وبيع ما لم تقبضه، فإن وقع هذا البيع فسخ عند مالك في مشهور مذهبه، وعند جماعة من
العلماء: لو قيل للبائع: إن أعطيت السلعة أبتاعها منك بما أشتريتها، جاز ذلك، وكأنك إنما
أسلفته الثمن الذي ابتاعها. وقد روي عن مالك أنه: لا يفسخ البيع لأن المأمور كان ضامناً
للسلعة لو هلكت. وقال ابن القاسم: وأحب إلي أن يتورع عن أخذ ما زاده عليه. وقال عيسى
ابن دينار: بل يفسخ البيع إلاَّ أن يفوت السلعة فتكون فيها القيمة، وعلى هذا سائر العلماء
بالحجاز والعراق. وقال ابن الأثير: ابن عباس كره العينة، هو أن يبيع من رجل سلعة بثمن
معلوم إلى أجل مسمى، ثم يشتريها منه بأقل من الثمن الذي باعها منه، فإن اشترى بحضرة
طالب العينة سلعة من آخر بثمن معلوم وقبضها، ثم باعها المشتري من البائع الأول بالنقد،
بأقل من الثمن فهذه أيضاً عينة، وهي أهون من الأولى، وسميت عينة لحصول النقد لصاحب
العينة، لأن العين هو المال الحاضر من النقد، والمشتري إنما يشتري بها ليبيعها بعين حاضرة

٣٦٣
٣٤ - كِتَابُ الْبُوعِ / باب (٥٦)
تصل إليه معجلة.
٢١٣٦/٨٦ _ حدَّثنا عَبْدُ اللهِ بنُ مَسْلَمَةَ قال حدَّثنا مالِكٌ عنْ نافِعِ عنِ ابنِ عُمرَ
رضي الله تعالى عنهما أنَّ النبيَّ عَ لَّهِ قال منِ ابتاعَ طعاماً فلاَ يَبيعُهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ. [انظر
الحديث ٢١٢٤ وطرفيه].
مطابقته للترجمة ظاهرة. والحديث مضى في: باب الكيل على البائع، فإنه أخرجه
هناك: عن عبد الله بن يوسف عن مالك إلى آخره، وهنا: عن عبد الله بن مسلمة القعنبي.
قوله: ((من ابتاع)) أي: من اشترى. قوله: ((فلا يبيعه))، أي: ويروى: ((فلا يبعه))، بالجزم. قوله:
((حتى يستوفيه)) أي: حتى يقبضه.
زَادَ إِسْمَاعِيلُ منِ ابْتَاعَ طَعاماً فَلاَ يَبيعُهُ حتَّى يَقْبِضَهُ
أي: زاد إسماعيل بن أبي أويس في روايته عن مالك عن نافع عن ابن عمر: أن النبي
عَّ الله قال: من ابتاع ... إلى آخره، قال بعضهم يريد به الزيادة في المعنى، لأن في قوله:
((حتى يقبضه)) زيادة في المعنى على قوله: ((حتى يستوفيه))، لأنه قد يستوفيه بالكيل، بأن
يكيله البائع ولا يقبضه المشتري، بل يحبسه عنده لينقده الثمن مثلاً، انتهى. قلت: الأمر
الذي ذكره بالعكس، لأن لفظ الاستيفاء يشعر بأن له زيادة في المعنى على لفظ الإقباض من
حيث إنه إذا أقبض بعضه وحبس بعضه لأجل الثمن يطلق عليه معنى الإقباض في الجملة،
ولا يقال له: استوفاه حتى يقبض الكل، بل المراد بهذه الزيادة زيادة رواية أخرى، وهو:
يقبضه، لأن الرواية المشهورة: حتى يستوفيه.
٥٦ - بابُ مَنْ رَأَى إِذَا اشْتَرَى طَعاماً جِزَافاً أنْ لاَ يَبِيعَهُ حتَّى يُؤْوِيهِ إلَى رَحْلِهِ
والأُدَبِ فِي ذَلِكَ
أي: هذا باب في بيان من إذا اشترى طعاماً جزافاً إلى آخره. قوله: ((جزافاً)، قد مر
تفسيره عن قريب، ويقال: هذا لفظ معرب عن كذا فقوله: ((حتى يؤويه)) من الإيواء، والمراد
منه النقل والتحويل إلى المنزل، وثلاثيه: أوى، يأوي وآويت غيري وآويته بالقصر أيضاً. وأنكر
بعضهم المقصور المتعدي. وقال الأزهري: هي اللغة الفصيحة. قوله: ((إلى رحله))، أي:
منزله. قوله: ((والأدب))، بالجر أي: وفيه بيان الأدب، عطفاً على قوله: ((فيه بيان من اشترى)).
قوله: ((في ذلك)) أي: في ترك الإيواء، ومراده من يبيعه قبل أن يؤويه إلى رحله.
٨٧/ ٢١٣٧ _ حدَّثنا يَخْيَى بنُ بُكَيْرٍ قال حدثنا اللَّيْثُ عنْ يُونُسَ عنِ ابنِ شِھابٍ
قال أخْبَرَنِي سالِمُ بنُ عَبْدِ اللهِ أنَّ ابنَ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما قال لَقَدْ رَأَيْتُ النَّاسَ فِي
عَهْدِ رسولِ اللهِ عَم ◌َلِ يَتْتَاعُونَ جِزَافاً يَعْنِي الطَّعَامَ يُضْرَبُونَ أَنْ يَبِيعُوهُ فِي مَكَانِهِمُ حتَّى يُؤْؤُوهُ
إِلَى رِحالِهِمْ. [انظر الحديث ٢١٢٣ وأطرافه].
مطابقته للترجمة ظاهرة، وقد مضى هذا الحديث في: باب ما يذكر في بيع الطعام
:

٣٦٤
٣٤ - كِتَابُ الْبُيُوعِ / باب (٥٧)
بالطعام، فإنه أخرجه هناك: عن إسحاق بن إبراهيم عن الليث بن مسلم عن الأوزاعي عن
الزهري عن سالم. وهنا أخرجه: عن يحيى بن بكير المخزومي المصري عن الليث بن سعد
المصري عن يونس بن يزيد الأيلي عن محمد بن محمد بن شهاب الزهري عن سالم. قوله:
«یبتاعون)، ویروی: ((یتبايعون)).
٥٧ - بابٌ إذا اشْتَرَى مَتاعاً أو دَابَّةً فوَضَعَهُ عِنْدَ الْبَائِعِ أَوْ ماتَ قَبلَ أنْ يُقْبَضَ
أي: هذا باب يذكر فيه إذا اشترى شخص متاعاً أو اشترى دابةً فوضعه عند المتاع أي
البائع، أو مات البائع قبل أن يقبض المبيع، وجواب: إذا، محذوف، ولم يذكره لمكان
الاختلاف فيه. قال ابن بطال: اختلف العلماء في هلاك المبيع قبل القبض، فذهب أبو حنيفة
والشافعي: إلى أن ضمانه إن تلف من البائع، وقال أحمد وإسحاق وأبو ثور: من المشتري،
وأما مالك ففرق بين الثياب والحيوان، فقال: ما كان من الثياب والطعام فهلك قبل القبض
فضمانه من البائع، وقال ابن القاسم: لأنه لا يعرف هلاكه ولا بينة عليه، وأما الدواب
والحيوان والعقار فمصيبته من المشتري. وقال ابن حبيب: اختلف العلماء فيمن باع عبداً
واحتبسه بالثمن وهلك في يده قبل أن يأتي المشتري بالثمن، فكان سعيد بن المسيب وربيعة
والليث يقولون: هو من البائع، وأخذه ابن وهب وكان مالك قد أخذ به أيضاً، وقال سليمان
بن يسار: مصيبته من المشتري سواء حبسه البائع بالثمن أم لا، ورجع مالك إلى قول سليمان.
وقالَ ابنُ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما ما أدْرَكَتِ الصَّفْقَةُ حَيَّاً مَجْمُوعاً فَهْوَ مِنَ
المُجْتَاع
أي: قال عبد الله بن عمر، رضي الله تعالى عنهما: كلمة ما، شرطية، فلذلك دخلت
الفاء في جوابها. وهو قوله: ((فهو من المبتاع)) وإسناد الإدراك إلى الصفقة مجاز، أي: ما
كان عند العقد غير ميت. قوله: ((مجموعاً)) صفة لقوله: ((حياً))، وأراد به: لم يتغير عن حالته.
قوله: ((من المبتاع))، أي: من المشتري، وهذا تعليق وصله الطحاوي والدارقطني من طريق
الأوزاعي عن الزهري عن حمزة بن عبد الله بن عمر عن أبيه، قال: ((ما أدركت الصفقة حياً
فهو من مال المبتاع)) وليس فيه لفظ: مجموعاً، وهذا رواه الطحاوي جواباً عما قالوا: إن ابن
عمر روى عنه حديث: ((البيعان بالخيار ما لم يتفرقا)، وأنه كان يرى التفرق بالأبدان، والدليل
عليه أنه كان إذا بايع رجلاً شيئاً فأراد أن لا يقبله قام فمشى هنيهة، قالوا: فهذا يدل على أنه
كان يرى التفرق بالأبدان، وأجاب عنه الطحاوي فقال: وقد روي عنه ما يدل على أن رأيه
كان في الفرقة بالأقوال، وأن المبيع ينتقل بتلك الأقوال من ملك البائع إلى ملك المشتري
حتى يهلك من ما له إن هلك، وروى حديث حمزة بن عبد الله هذا، واعترض عليه بعضهم
بقوله: وما قاله ليس بلازم، وكيف يحتج بأمر محتمل في معارضة أمر مصرح به؟ فابن عمر
قد تقدم عنه التصريح بأنه كان يرى الفرقة بالأبدان، والمنقول عنه هنا يحتمل أن يكون قبل
التفرق بالأبدان، ويحتمل أن يكون بعده، فحمله على ما بعده أولى جمعاً بين حديثيه. انتهى.

٣٦٥
٣٤ - كِتَابُ الْبُيُوعِ / باب (٥٧)
قلت: هذا ما هو بأول من تصرف بهذا الاعتراض، فإن ابن حزم سبقه بهذا، ولكن الجواب
عن هذا بما يقطع شغبهما هو: أن قوله هذا يعارض فعله ذاك صريحاً، والاحتمال الذي ذكره
هذا القائل هنا يحتمل أن يكون هناك أيضاً، فسقط العمل بالاحتمالات فبقي الفعل والقول،
والأخذ بالقول أولى لأنه أقوى.
٨٨/ ٢١٣٨ - حدّثنا فَزْوَةُ بنُ أبي الْمُغْرَاءِ قال أخبرنا عَلِيُّ بنُ مُسْهِرٍ عنْ هِشامٍ عنْ
أبِيهِ عنْ عَائِشَةَ رضي الله تعالى عنهَا قَالَتْ لَقَلَّ يَوْمٌ كَانَ يَأْتِي عَلَى النبيِّ عَلَّهِ إِلَّ يأْتِي فِيهِ
بَيْتَ أبِي بَكْرٍ أَحَدَ طَرَفَيِ النَّهَارِ فَلَمَّا أُذِنَ لَهُ فِي الخُرُوجِ إلى المَدِينَةِ لَمْ يَرْعْنَا إلَّ وقَدْ أتانَا
ظُهْراً فَخُيِّرَ بِهِ أَبُو بَكْرٍ فَقَال ما جاءَنَا النبيُّ عَِّ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ إلَّ لِأَمْرٍ حَدَثَ فَلَمَّا دَخَلَ
عَلَيْهِ قال لأبِي بَكْرٍ أُخْرِج مَنْ عِنْدَكَ قال يا رسولَ الله إَّا هُمَا ابْنَتَايَ يَغْنِي عَائِشَةَ وأسْمَاءَ
قال أَشَعَرْتَ أنَّهُ قَدْ اذنَ لي في الخُرُوجِ قال الصُّخْبَةَ يا رسولَ اللهِ قال الصُّخْبَةَ قال يا رسول
اللهِ إنَّ عِنْدِي ناقَتَيْنِ أَعْدَدْتُهُمَا لِلْخُرُوجَ فَخُذ إحْدَاهُما قالَ قَدْ أَخَذْتُها بالثَّمَنِ. [انظر الحديث
٤٧٦ وأطرافه].
مطابقته للترجمة من حيث إن لها جزأين: أما دلالته على الجزء الأول فظاهرة، لأنه،
عَّطله، لما أخذ الناقة من أبي بكر بقوله: قد أخذتها بالثمن الذي هو كناية عن البيع، ترك عند
أبي بكر، فهذا يطابق قوله: فتركه عند البائع. وأما دلالته على الجزء الثاني، وهو قوله: أو
مات قبل أن يقبض، فبطريق الإعلام أن حكم الموت قبل القبض حكم الوضع عند البائع
قياساً عليه، ولكن البخاري لم يجزم بالحكم كما ذكرنا، لمكان الاختلاف فيه، ولكن
تصدير الترجمة بأثر ابن عمر يدل على أن اختياره ما ذهب إليه ابن عمر، وهو أن الهالك في
الصورة المذكورة من مال المبتاع.
ذكر رجاله: وهم خمسة: الأول: فروة، بفتح الفاء وسكون الراء، ابن أبي المغراء،
بفتح الميم وسكون الغين المعجمة وبالراء والمد، واسم أبي المغراء: معديكرب الكندي.
الثاني: علي بن مسهر، بضم الميم وسكون السين المهملة وكسر الهاء وبالراء: قاضي
الموصل. الثالث: هشام بن عروة. الرابع: أبوه عروة بن الزبير بن العوام. الخامس: أم
المؤمنين عائشة، رضي الله تعالى عنها.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضع واحد. وبصيغة الإخبار
كذلك في موضع. وفيه: العنعنة في ثلاثة مواضع، وفيه: أن شيخه من أفراده، وأنه وعلي
کوفیان وهشام وأبوه مدنيان.
وهذا الحديث من أفراده، وسيأتي في أول الهجرة مطولاً، إن شاء الله تعالى.
ذكر معناه: قوله: ((لقل يوم))، اللام جواب قسم محذوف، وقوله: ((قَلَّ))، فعل ماض،
وفيه معنى النفي أي: ما يأتي يوم عليه إلاَّ يأتي فيه بيت أبي بكر، رضي الله تعالى عنه.
قوله: (بيت أبي بكر))، منصوب على المفعولية. قوله: ((أحد))، نصب على الظرفية بتقدير

٣٦٦
٣٤ - كِتَابُ البُيُوعِ / باب (٥٨)
في قوله: ((لم يرعنا))، بفتح الياء وضم الراء وسكون العين المهملة: من الروع، وهو الفزع
يعني: أتانا بغتة وقت الظهر. قوله: ((فخبر به))، على صيغة المجهول، أي: خبر بالنبي عَ لَّهِ،
أبو بكر، يعني: أخبره مخبر بأنه جاء. قوله: ((حدث)) بفتح الدال. قوله: ((أخرج))، بفتح الهمزة
أمر من الإخراج. قوله: ((من عندك))، بفتح الميم مفعول أخرج، ويروى: ((ما عندك))، وكلمة:
ما، عامة تتناول العقلاء وغيرهم. قوله: ((الصحبة))، بالنصب أي: أنا أريد أو أطلب الصحبة
معك عند الخروج، ويجوز الرفع أي: مرادي الصحبة الثانية، بالنصب أي: أنا أريد أو أطلب
الصحبة أيضاً أو ألزم صحبتك، ويجوز بالرفع أي: مطلوبي أيضاً الصحبة أو الصحبة مبذولة.
قوله: ((أعددتهما؟)) قال ابن التين: وقع في رواية للبخاري: ((عددتهما للخروج))، يعني: بدون
الهمزة. قال: صوابه: أعددتهما، لأنه رباعي. قلت: قوله: رباعي، بالنسبة إلى عدد حروفه، ولا
يقال في مصطلح الصرفيين إلّ: ثلاثي مزيد فيه.
ذكر ما يستفاد منه: قال المهلب: وجه استدلال البخاري في هذا الباب بحديث
عائشة أن قول الرسول عَّه لأبي بكر، رضي الله تعالى عنه، في الناقة: قد أخذتها، لم يكن
أخذاً باليد ولا بحيازة شخصها، وإنما كان التزامه لابتياعها بالثمن، وإخراجها من ملك أبي
بكر، لأن قوله: قد أخذتها، يوجب أخذاً صحيحاً وإخراجاً واجباً للناقة من ملك أبي بكر إلى
ملك النبيٍ عَّه بالثمن الذي يكون عوضاً منها، فهل يكون التصرف بالمبيع قبل القبض أو
الضياع إلاّ لصاحب الذمة الضامنة لها؟ انتهى. قلت: وقال بعضهم: وليس ما قاله بواضح،
لأن القصة ما سيقت لبيان ذلك، فلذلك اختصر فيها قدر الثمن وصفة العقد، فيحمل كل
ذلك على أن الراوي اختصره لأنه ليس من غرضه في سياقه، وكذلك اختصر صفة القبض،
فلا يكون فيه حجة في عدم اشتراط القبض. انتهى. قلت: الذي قاله المهلب أوضح ما
يكون، لأن ترك سوق القصة لبيان ذلك لا يستلزم نفي صحة ما قاله المهلب ولا الاختصار
فيها قدر الثمن وصفة العقد، ولا الأمر فيه مبني على غرض الراوي في اختصاره الحديث
وتقطيعه، والعمل على متن الحديث وصحة الاستدلال بألفاظه، وقد صرح في الحديث
بالأخذ الصحيح لاشترائه بالثمن، وهو يوجب الإخراج من ملك البائع إلى ملك المشتري،
وقد استدل به أبو حنيفة وغيره بأن الافتراق بالكلام لا بالأبدان، لأن النبي عَ لّه قال: قد
أخذتها بالثمن، قبل أن يفترقا، وتم البيع بينهما. فافهم.
٥٨ - بابٌ لا يَبِيغُ عَلى بَيْعِ أَخِيهِ ولاَ يَسُومُ علَى سَوْمٍ أُخِيهِ
حتَّى يأَذَنَ لَهُ أَوْ يَتْرُكَ
أي: هذا باب يذكر فيه: لا يبيع على بيع أخيه، وهو أن يقول في زمن الخيار: إفسخ
بيعك وأنا أبيعك مثله، بأقل منه، ويحرك أيضاً الشراء بأن يقول للبائع: إفسخ وأنا أشتري بأكثر
منه. قوله: ((ولا يسوم على سوم أخيه))، وهو السوم على السوم، وهو أن يتفق صاحب السلعة
والراغب فيها على البيع ولم يعقدان، فيقول آخر لصاحبها: أنا أشتريها بأكثر، أو للراغب: أنا

٣٦٧
٣٤ - كِتَابُ الْبُيُوع / باب (٥٨)
أبيعك خيراً منها بأرخص، وهذا حرام بعد استقرار الثمن، بخلاف ما يباع فيمن يزيد، فإنه قبل
الاستقرار. وقوله: ((لا يبيع))، نفي، وكذلك: ((لا يسوم)) ويروى: ((لا يبع ولا يسم))، بصورة
النهي. قوله: ((حتى يأذن له)) أي: حتى يأذن أخوه للبائع بذلك، أو يترك أخوه اتفاقه مع
البائع، وتقييده بالإذن أو الترك يرجع إلى البيع والسوم جميعاً. فإن قلت: لم يقع ذكر السوم
في حديثي الباب؟ قلت: قد وقع في بعض طرق هذا الحديث، وأن يستام الرجل على سوم
أخيه، أخرجه في الشروط من حديث أبي هريرة، فكأنه أشار بذلك إليه، وهذا له وجه لأنه
في كتابه أخرجه فيه. فإن قلت: لم يذكر أيضاً شيئاً لقوله: ((حتى يأذن له أو يترك؟)) قلت:
ذكر هذا القيد في بعض طرق هذا الحديث، وهو ما رواه مسلم من طريق عبيد الله بن عمر
عن نافع في هذا الحديث بلفظ: ((لا يبيع الرجل على بيع أخيه، ولا يخطب على خطبة أخيه
إلاَّ أن يأذن له)). فكأنه أشار إليه، واكتفى به، كذا قيل: ولكن هذا بعيد من وجهين: أحدهما:
أنه غير مذكور في كتابه، والإشارة إلى ما ذكر في كتاب غيره بعيد. والآخر: أن الاستثناء
في الحديث المذكور يختص بقوله: ولا يخطب على خطبة أخيه، وإن كان يحتمل أن يكون
استثناء من الحكمين.
٢١٣٩/٨٩ - حدّثنا إِسْمَاعِيلُ قال حدَّثني مالِكٌ عِنْ نافِعِ عنْ عَبْدِ اللهِ بنِ عُمَرَ
رضي الله تعالى عنهما أنَّ رسولَ الله عَلِّ قال لاَ يَبِيعُ بَعْضُكُمْ عَلَىَ بَيْعِ أخِيهِ. [الحديث
٢١٣٩ - طرفاه في: ٣١٦٥، ٥١٤٢].
مطابقته للجزء الأول للترجمة ظاهرة. وإسماعيل هو ابن أبي أويس.
والحديث أخرجه البخاري أيضاً في البيوع عن عبد الله بن يوسف عن مالك فرقهما.
وأخرجه مسلم فيه عن يحيى بن يحيى عن مالك به، وعن محمد بن حاتم وإسحاق بن
منصور في النهي عن تلقي السلع. وأخرجه أبو داود فيه عن القعنبي عن مالك. وأخرجه
النسائي فيه عن قتيبة عن مالك، وأخرجه ابن ماجه في التجارات عن سويد بن سعيد. قوله:
((لا يبيع))، كذا بإثبات الياء عند الأكثرين بصورة النفي، وفي رواية الكشميهني: ((لا يبع))،
بصيغة النهي. قوله: ((على بيع أخيه))، وفي رواية عبد الله بن يوسف عن مالك بلفظ: ((على
بيع بعضه))، وتقييده بأخيه يدل عى أن ذلك يختص بالمسلم، وبه قال الأوزاعي وأبو عبيد بن
جويرية من الشافعية، وأصرح من ذلك ما رواه مسلم من طريق العلاء عن أبيه عن أبي هريرة
بلفظ: ((لا يسوم المسلم على المسلم))، وعند الجمهور: لا فرق في ذلك بين المسلم
والكافر، وذكر الأخ خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له. وقام الإجماع على كراهة سوم الذمي
على مثله، وإنما حرم بيع البعض على بعض لأنه يوغر الصدور ويورث الشحناء، ولهذا لو أذن
له في ذلك ارتفع على الأصح.
٩٠/ ٢١٤٠ _ حدّثنا عَلِيُّ بنُ عَبدِ الله قال حدثنا سُفْيانُ قال حدَّثنا الزُّهْرِيُّ عنْ سَعِيدٍ
ابنِ الْمُسَيَّبِ عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنه قال نَهَى رسولُ الله عَ لَّهِ أن يَبِيعَ حاضِرٌ

٣٦٨
٣٤ - كِتَابُ الُوعِ / باب (٥٨)
لبادٍ ولاَ تَناجَشُوا ولاَ يَبِيعِ الرَّجلُ عَلى بَيْعِ أخيهِ ولاَ يَخْطُبُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ ولاَ تَسْألُ
المَوْأَةُ طَلاقَ أُخْتِهَا لِتَكْفأُ ما فِي إِنَائِهَا. [الحديث ٢١٤٠ - أطرافه في: ٢١٤٨، ٢١٥٠،
٢١٥١، ٢١٦٠، ٢١٦٢، ٢٧٢٣، ٢٧٢٧، ٥١٤٤، ٥١٥٢، ٦٦٠١].
مطابقته للترجمة في قوله: ((ولا يبيع الرجل على بيع أخيه)). وعلي بن عبد الله هو
ابن المديني، وسفيان هو ابن عيينة، والزهري هو محمد بن مسلم.
والحديث أخرجه مسلم في النكاح عن عمرو الناقد وزهير بن حرب وابن أبي عمر
وفي البيوع عن أبي بكر بن أبي شيبة. وأخرجه أبو داود عن أبي الطاهر بن السرح في البيوع
ببعضه: ((لا تناجشوا))، وفي النكاح ببعضه: ((لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه). وأخرجه
الترمذي عن قتيبة بن سعيد وأحمد بن منيع في البيوع ببعضه: ((لا يبيع حاضر لباد»، وفي
موضع آخر منه ببعضه: ((لا تناجشوا)) وفي النكاح ببعضه: ((لا يخطب الرجل على خطبة أخيه
ولا يبيع الرجل على بيع أخيه)»، وفيه عن قتيبة وحده ببعضه: ((لا تسأل المرأة طلاق أختها
لتكفأ ما في إنائها)). وأخرجه النسائي في النكاح عن محمد بن منصور وسعيد بن عبد
الرحمن بتمامه، ولم يذكر السوم. وأخرجه ابن ماجه عن هشام بن عمار وسهل بن أبي سهل
في النكاح ببعضه: ((لا يخطب الرجل على خطبة أخيه)) وفي التجارات ببعضه: ((لا تناجشوا))،
وفيه عن هشام بن عمار وحده ببعضه: ((لا يبيع الرجل على بيع أخيه ولا يسوم على سوم
أخيه)). وفيه عن أبي بكر بن أبي شيبة ببعضه: ((لا يبيع حاضر لباد)).
ذكر معناه: قوله: ((لبادٍ))، البادي: هو الذي يكون في البادية مسكنه المضارب
والخيام، وصورة البيع للبادي أن يقدم غريب من البادية بمتاع ليبيعه بسعر يومه، فيقول له
بلدي: اتركه عندي لأبيعه لك على التدريج بأغلى منه، وهذا فعل حرام، لكن يصح بيعه لأن
النهي راجع إلى أمر خارج عن نفس العقد. وقيل: أن لا يكون الحاضر سمساراً للبدوي،
وحينئذ يصير أعم ويتناول البيع والشراء. قوله: ((ولا تناجشوا))، هذا عطف على مقدر، لأنه لا
يصح عطفه على قوله: ((نهى))، ولا على قوله: ((أن يبيع))، والتقدير: نهى وقال: لا تناجشوا،
و: النجش، بفتح النون والجيم وفي آخره شين معجمة، وفي (المغرب): النجش بفتحتين،
ويروى بسكون الجيم، ويقال: نجش ينجش نجشاً من باب نصر ينصر، وفي (الزاهر): أصل
النجش مدح الشيء وإطراؤه، وفي (الغريبين): النجش: تنفير الناس من الشيء إلى غيره.
وفي (الجامع): أصله من الختل، يقال: نجش الرجل إذا ختل، ويقال: أصل النجش الإثارة،
وسمي الناجش ناجشاً لأنه يثير الرغبة في السلعة ويرفع ثمنها.
قوله: ((ولا يبيع الرجل على بيع أخيه))، قد فسرناه عن قريب. وقال ابن قرقول: يأتي
كثير من الأحاديث على لفظ الخبر، وقد أتى بلفظ النهي وكلاهما صحيح، وقال ابن الأثير:
كثير من روايات هذا الحديث: لا يبيع، بإثبات الياء والفعل غير مجزوم، وذلك لحن، وإن
صحت الرواية فتكون: لا، نافية وقد أعطاها معنى النهي، لأنه إذا نفى هذا البيع فكأنه استمر
عدمه، والمراد من النهي عن الفعل إنما هو طلب إعدامه أو استبقاء عدمه، فكان النهي الوارد

٣٦٩
٣٤ - كِتَابُ الْبُيُوعِ / باب (٥٨)
من الواجب صدقه يفيد ما يراد من النهي. قوله: ((ولا يخطب على خطبة أخيه))، الخطبة
بالكسر: اسم من خطب يخطب من باب نصر ينصر، فهو خاطب، وأما الخطبة بالضم فهو
من القول، والكلام وصورته أن يخطب الرجل المرأة فتركن هي إليه ويتفقا على صداق معلوم
ويتراضيا، ولم يبق إلاّ العقد فيجيء آخر ويخطب ويزيد في الصداق، ويأتي الكلام فيه عن
قريب. قوله: ((ولا تسأل))، بالرفع خبر بمعنى النهي، وبالكسر نهي حقيقي، ومعناه: نهي المرأة
الأجنبية أن تسأل الزوج طلاق زوجته لينكحها ويصير لها من نفقته ومعاشرته ما كان
للمطلقة، فعبر عن ذلك بإكفاء ما في الإناء إذا كبته وكفأته، وأكفأته، إذا أملته. وقال التيمي:
هذا مثل لإمالة الضرة حق صاحبتها من زوجها إلى نفسها. قوله: ((لتكفأ)) بفتح الفاء، كذا
في رواية أبي الحسن، وقال ابن التين: وهو ما سمعناه، ووقع في بعض رواياته كسر الفاء،
وقال ابن قرقول: ويروى، ((لتكفىء وتستكفيء ما في صحفتها))، أي: تقلبه لتفرغه من خير
زوجها لطلاقه إياها، وقد تسهل الهمزة، وذكر الهروي الحديث لتكتفي: تفتعل من كفأت،
الإناء إذا كببته ليفرغ ما فيها، وقيل: صورته أن يخطب الرجل المرأة وله امرأة، فتشترط عليه
طلاق الأولى لتنفرد به. قال النووي: المراد بأختها غيرهما، سواء كانت أختها في النسب أو
الإسلام أو كافرة.
ذكر ما يستفاد منه وهو على وجوه:
الأول: بيع الحاضر للبادي إنما نهى عنه لأن فيه التضييق على الناس، وأهل الحاضرة
أفضل لإقامتهم الجماعات وعلمهم وغير ذلك. واختلف في أهل القرى: هل هم مرادون بهذا
الحديث؟ فقال مالك: إن كانوا يعرفون الأثمان فلا بأس به، وإن كانوا يشبهون أهل البادية فلا
يباع ولا يشار عليهم، وقال شيخنا: لا يلزم من النهي عن البيع تحريم الإشارة عليه إذا
استشاره، وهو قول الأوزاعي، قال: وقد أمر بنصحه في بعض طرق هذا الحديث: وهو قوله:
((إذا استنصح أحدكم أخاه فلينصح له))، وحكى الرافعي عن أبي الطيب وأبي إسحاق
المروزي: أنه يجب عليه إرشاده إليه بذلاً للنصيحة. وعن أبي حفص بن الوكيل: أنه لا
يرشده توسعاً على الناس، ونقل مثله عن مالك، بل حكى ابن العربي عنه أنه: لو سأله عن
السعر لا يخبره به لحق أهل الحضر، ثم ظاهر الحديث تحريم بيع الحاضر للبادي، سواء
كان الحضري هو الذي التمس ذلك من البدوي أو كان البدوي هو الذي سأله الحضري في
ذلك، وجزم الرافعي: بأنه إنما يحرم إذا ابتدأ الحضري لسؤال ذلك، وفيه ذلك لخروجه عن
ظاهر الحديث، وخصص بعض أصحاب الشافعي تحريم بيع الحاضر للبادي بما إذا تربص
الحاضر بسلعة البادي ليغالي في ثمنها، فأما إذا باعها الحضري للبادي بسعر يومه فلا بأس
به.
قلت: في التقييد بذلك مخالفة لظاهر الحديث ولفهم راوي الحديث - وهو ابن
عباس - إذا سئل عن ذلك، فقال: لا يكون له سمساراً، فلم يفرق بين أن يبيع له في ذلك
اليوم بسعر يومه أو يتربص به ليزداد ثمنه، وظاهر الحديث أيضاً تحريم بيع الحاضر للبادي
عمدة القاري/ج١١ م٢٤

٣٧٠
٣٤ - كِتَابُ الْبُوعِ / باب (٥٨)
سواء كان البادي يريد بيعه في يومه أو يريد الإقامة والتربص بسلعته، وحمل الرافعي النهي
على الصورة الأولى فقال: فيما إذا قصد البدوي الإقامة في البلد ليبيعه على التدريج، فسأله
تفويضه إليه فلا بأس به، لأنه لم يضر بالناس ولا سبيل إلى منع المالك عنه، لما فيه من
الإضرار له. وفي الحديث حجة لمن ذهب إلى تحريم بيع الحاضر للبادي، وهو قول أكثر
أهل العلم من الصحابة والتابعين، ومن بعدهم، وهو قول مالك والليث والشافعي وأحمد
وإسحاق. وحكى مجاهد جوازه، وهو قول أبي حنيفة وآخرين، وقالوا: إن النهي منسوخ، ثم
اختلفوا: هل يقتضي النهي الفساد أم لا؟ فذهب مالك وأحمد إلى أنه لا يصح بيع الحاضر
للبادي، وذهب الشافعي والجمهور إلى أنه يصح وإن حرم تعاطيه. وفيه: حجة لمن ذهب إلى
تعيمم التحريم في بيع الحاضر للبادي، سواء كان البلد كبيراً بحيث لا يظهر لنا خير
الحضري متاع البدوي فيه تأثير أو صغير، أو سواء كان متاع البادي كثيراً أو قليلاً لا يوسع
على أهل البلد لو باعه البادي بنفسه، وسواء كان ذلك المتاع يعم وجوده أم يعز، وسواء
رخص سعر ذلك المتاع أم غلى، وحمل البغوي في (التهذيب) النهي فيه على ما تعم الحاجة
إليه، سواء فيه المطعومات وغيرها كالصوف وغيره، أما ما لا تعم الحاجة إليه كالأشياء
النادرة فلا يدخل تحت النهي، وفيه نظر لا يخفى، وفي (التوضيح) فإن فعل وباع هل
يؤدب؟ قال ابن القاسم: نعم إن اعتاده، وقال ابن وهب: يزجر عالماً أو جاهلاً ولا يؤدب.
الثاني: من الوجوه في النجش: ولا خيار فيه إذا وقع خلافاً لمالك وابن حبيب، وعن
مالك إنما له الخيار إذا علم. وهو عيب من العيوب كما في المصراة وعن ابن حبيب: لا
خيار إذا لم يكن للبائع مواطأة. وقال أهل الظاهر: البيع باطل مردود على بائعه إذا ثبت ذلك
علیه.
الثالث: البيع على بيع أخيه، وقد بينا صورته في أول الباب، وهذا محله عند التراكن
والاقتراب. فأما البيع والشراء فيمن يزيد فلا بأس فيه في الزيادة على زيادة أخيه، وذلك لما
رواه الترمذي من حديث أنس: ((أن رسول الله، عَ لغيره، باع حلساً وقدحاً، وقال: من يشتري
هذا الحلس والقدح؟ فقال رجل: أخذتهما بدرهم، فقال النبي، عَّله، من يزيد على درهم؟
فأعطاه رجل درهمين، فباعهما منه)). وأخرجه بقية الأربعة، وهو قول مالك والشافعي وجمهور
أهل العلم، وكره بعض أهل العلم الزيادة على زيادة أخيه، ولم يروا صحة هذا الحديث،
وضعفه الأزدي بالأخضر بن عجلان في سنده، وحجة الجمهور على تقدير عدم الثبوت أنه لو
ساوم وأراد شراء سلعته وأعطى فيها ثمناً لم يرض به صاحب السلعة ولم يركن إليه ليبيعه فإنه
يجوز لغيره طلب شرائها قطعاً، ولا يقول أحد إنه يحرم السوم بعد ذلك قطعاً، كالخطبة على
خطبة أخيه إذا رد الخاطب الأول، لأنه لا فرق بين الموضعين، وذكر الترمذي عن بعض أهل
العلم جواز ذلك، يعني: بيع من يزيد في الغنائم والمواريث، قال ابن العربي: الباب واحد
والمعنى مشترك لا تختص به غنيمة ولا ميراث. قلت: روى الدارقطني من رواية ابن لهيعة،
قال: حدثنا عبد الله بن أبي جعفر عن زيد بن أسلم عن ابن عمر، قال: ((نهى رسول الله،

٣٧١
٣٤ - كِتَابُ الْبُيُوعِ / باب (٥٩)
عَّةٍ، عن بيع المزايدة، ولا يبع أحدكم على بيع أخيه إلاّ الغنائم والمواريث)). ثم رواه من
طريقين آخرين: أحدهما عن الواقدي بمثله، وقال شيخنا، رحمه الله: والظاهر أن الحديث
خرج على الغالب وعلى ما كانوا يعتادون فيه مزايدة، فالمعنى واحد، كما قاله ابن العربي.
الرابع: لا يخطب على خطبة أخيه، هذا إنما يحرم إذا حصل التراضي صريحاً، فإن لم
يصرح ولكن جرى ما يدل على التراضي: كالمشاورة والسكوت عند الخطبة، فالأصح أن لا
تحريم. وقال بعض المالكية: لا يحرم حتى يرضوا بالزوج ويسمى المهر، واستدل بفاطمة بنت
قيس: خطبني أبو جهم ومعاوية، فلم ينكر الشارع ذلك، بل خطبها لأسامة. وقد يقال: لعل
الثاني لم يعلم بخطبة الأول، وأما الشارع فأشار لأسامة لأنه خطب ولم يعلم أنها رضيت
بواحد منهما، ولو أخبرته لم يشر عليها، وقال القرطبي: اختلف أصحابنا في التراكن، فقيل:
هو مجرد الرضى بالزوج والميل إليه، وقيل: تسمية الصداق. وزعم الطبري أن النهي فيها
منسوخ بخطبته، عليه الصلاة والسلام، فاطمة بنت قيس لأسامة.
الخامس: لا تسأل المرأة ... إلى آخره، وقد ذكرناه.
٥٩ - بابُ بَيْعِ المُزَايَدَةِ
أي: هذا باب في بيان حكم بيع المزايدة، وهي على وزن مفاعلة، تقتضي التشارك
في أصل الفعل بين اثنين، ولم يصرح بالحكم اكتفاء بما ذكره في الباب.
وقال عَطَاءٌ أَذْرَكْتُ النَّاسَ لاَ يَرَوْنَ بأساً فِيمَنْ يَزِيدُ بِبَيْعِ المَغَانِمَ
هذا يوضح ما في الترجمة من الإبهام، وهو وجه مطابقة الأثر بالترجمة أيضاً، وقد
وصل هذا التعليق أبو بكر بن أبي شيبة عن وكيع عن سفيان عمن سمع مجاهداً وعطاء قالا:
لا بأس ببيع من يزيد، وهذا أعم من تقييد البخاري يبيع المغانم، وقد ذكرنا في الباب السابق
ما فيه الكفاية.
٢١٤١/٩١ - حدَّثنا بِشْرُ بنُ مُحَمَّدٍ قال أخبرنا عَبْدُ الله قال أخبرنا الحُسَيْنُ المَكْتِبُ
عنْ عَطَاءِ بنِ أبِي رباحٍ عنْ جابِرِ بنِ عَبْدِ الله رضي الله تعالى عنهما أنَّ رجُلاً أَعْتَقَ غلاَمَاً لَهُ
عنْ دُبُرٍ فاحْتاجَ فأخذَةُ النبيُّ عَّلِ فقال مَنْ يَشْتَرِيهِ مِنِّي فاشْتَراهُ نُعَيْمُ بنُ عَبْدِ الله بِكَذَا وَكَذَا
فدَفَعَهُ إِلَيْهِ. [الحديث ٢١٤١ - أطرافه فى: ٢٢٣٠، ٢٣٢١، ٢٤٠٣، ٢٤١٥، ٢٥٣٤،
٦٧١٦، ٦٩٤٧، ٧١٨٦].
مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: ((من يشتريه مني؟)) فعرضه للزيادة ليستقصي فيه
للمفلس الذي باعه عليه، وبهذا يرد على الإسماعيلي في قوله: ليس في قصة المدبر بيع
المزايدة، فإن بيع المزايدة أن يعطي به واحد ثمناً؟ ثم يعطي به غيره زيادة عليها.
ذكر رجاله: وهم خمسة: الأول: بشر، بكسر الباء الموحدة: ابن محمد أبو محمد،
الثاني: عبد الله بن المبارك، الثالث: الحسين بن ذكوان المعلم المكتب، بلفظ اسم الفاعل
.:
٠

٣٧٢
٣٤ - كِتَابُ البُيُوع / باب (٥٩)
من التكتيب، وقال الكرماني: من الإكتاب، وليس كذلك. الرابع: عطاء. الخامس: جابر بن
عبد الله.
!
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضع واحد وبصيغة الإخبار
كذلك في موضعين. وفيه: العنعنة في موضعين. وفيه: أن شيخه من أفراده وأنه وعبد الله
مروزيان وأن الحسين بصري وعطاء مكي.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في الاستقراض عن
مسدد. وأخرجه مسلم من طرق كثيرة، وأخرج من حديث عمرو بن دينار عن جابر بن عبد
الله أن رجلاً من الأنصار أعتق غلاماً له عن دبر لم يكن له مال غيره، فبلغ ذلك النبيَّ، عَ ليهِ،
فقال: ((من يشتريه مني؟ فاشتراه نعيم بن عبد الله بثمانمائة درهم، فدفعها إليه)). قال عمرو:
سمعت جابر بن عبدالله يقول: عبداً قبطياً، مات عام أول، وفي لفظ له: في إمارة ابن الزبير.
وأخرجه أبو داود حدثنا أحمد بن حنبل حدثنا هشيم عن عبدالملك بن أبي سليمان عن عطاء
وإسماعيل بن أبي خالد عن سلمة بن كهيل عن عطاء عن جابر بن عبد الله: أن رجلاً أعتق
غلاماً له عن دبر منه ولم يكن له مال غيره، فأمر به رسول الله، عَّهِ، فبيع بسبعمائة أو
تسعمائة. وفي لفظ له، قال، يعني النبي، عَّله: ((أنت أحق بثمنه والله أغنى عنه)). وأخرجه
الترمذي من حديث عمرو بن دينار عن جابر: أن رجلاً من الأنصار دبر غلاماً له فمات ولم
يترك مالاً غيره، فباعه النبي عَّه، فاشتراه نعيم بن النحام ... الحديث. وأخرجه النسائي من
طرق كثيرة، فمن طريق أبي الزبير عن جابر: أن رجلاً من الأنصار - يقال له: أبو مذكور -
أعتق غلاماً له عن دبر - يقال له يعقوب - لم يكن له مال غيره، فدعا به رسول الله عَ ليه،
فقال: من يشتريه؟ فاشتراه نعيم بن عبد الله بثمانمائة درهم، فدفعها إليه، وأخرجه ابن ماجه من
حديث عمرو بن دينار عن جابر بن عبد الله قال: دبر رجل منا غلاماً، ولم يكن له مال غيره،
فباعه النبي، عَِّ، فاشتراه ابن النحام، رجل من بني عدي.
ذكر معناه: قوله: ((أن رجلاً)، هذا الرجل من الأنصار، كما قال في رواية لمسلم:
((أعتق رجل من بني عذرة يقال له: أبو مذكور))، وكذا وقع بكنيته عند مسلم وأبي داود
والنسائي، وقال الذهبي في (تجريد الصحابة): في باب الكنى: أبو مذكور الصحابي أعتق
غلاماً له عن دبر. قوله: ((غلاماً له))، واسمه يعقوب، كما ذكرناه عن النسائي الآن، وكذا
ذكره في رواية لمسلم وأبي داود. قوله: ((عن دبر))، بأن قال: أنت حر بعد موتي. قوله:
((نعيم بن عبد الله))، نعيم، بضم النون - تصغير النعم ــ ابن عبد الله النحام، بفتح النون
وتشديد الحاء المهملة: العدوي القرشي، ووصف بالنحام لأن النبي، عَ لٍّ، قال: ((دخلت
الجنة فسمعت نحمة نعيم فيها)). والنَّحمة: السعلة، أسلم قديماً وأقام بمكة إلى قُبيل الفتح،
وكان يمنعه قومه من الهجرة لشرفه فيهم، لأنه كان ينفق عليهم، فقالوا: أقم عندنا على أي
دين شئت، ولما قدم المدينة اعتنقه رسول الله عَ لٍّ وقبله، واستشهد يوم اليرموك سنة خمس
عشرة، وقيل: استشهد يوم أجنادين في خلافة أبي بكر، رضي الله تعالى عنه، سنة ثلاث

٣٧٣
٣٤ - كِتَابُ الْبُيُوعِ / باب (٥٩)
عشرة، وعرفت مما ذكرناه أن النحام صفة لنعيم، ووقع للبخاري في: باب من رد أمر السفيه
والضعيف العقل، عقيب: باب الاستقراض، فابتاعه منه نعيم بن النحام، وكذا في رواية
الترمذي: فاشتراه نعيم بن النحام، وكذا وقع في (مسند) أحمد: والصواب: نعيم بن عبد الله،
كما وقع ههنا، وفي رواية مسلم، وزيادة ابن، خطأ من بعض الرواة، فإن النحام صفة لنعيم لا
لأبيه، كما ذكرنا وفي رواية الترمذي ((فمات ولم يترك ما لا غيره))، وهذا مما نسب به سفيان
ابن عيينة إلى الخطأ، أعني: قوله: فمات، ولم يكن سيده مات، كما هو مصرح به في
الأحاديث الصحيحة، وقد بين الشافعي خطأ ابن عيينة فيها بعد أن رواه عنه، وقال البيهقي
من طريق شريك عن سلمة بن كهيل عن عطاء وأبي الزبير عن جابر: أن رجلاً مات وترك
مدبراً وديناً، ثم قال البيهقي: وقد أجمعوا على خطأ شريك في ذلك. وقال شيخنا: وقد رواه
الأوزاعي وحسين المعلم وعبد المجيد بن سهيل، كلهم عن عطاء، لم يذكر أحد منهم هذه
اللفظة، بل صرحوا بخلافها، قوله: ((بكذا وكذا))، وقد بينه مسلم في روايته: ((بثمانمائة
درهم))، وفي رواية أبي داود: ((بسبعمائة أو تسعمائة)). قوله: ((فدفعه إليه))، أي: إلى النبي
عَّ الثمن الذي بيع به المدبر المذكور إليه، أي: إلى الرجل المذكور، وهو نعيم بن عبد
الله.
ذكر ما يستفاد منه: ولما روى الترمذي حديث جابر، قال: والعمل على هذا الحديث
عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي عَّ له وغيرهم: لم يروا ببيع المدبر بأساً، وهو قول
الشافعي وأحمد وإسحاق، وكره قوم من أهل العلم من أصحاب النبي، مَ ◌ّم، بيع المدبر،
وهو قول سفيان الثوري ومالك والأوزاعي. وفي (التلويح): اختلف العلماء هل المدبر يباع أم
لا؟ فذهب أبو حنيفة ومالك وجماعة من أهل الكوفة إلى أنه ليس للسيد أن يبيع مدبره،
وأجازه الشافعي وأحمد وأبو ثور وإسحاق وأهل الظاهر، وهو قول عائشة ومجاهد والحسن
وطاووس، وكرهه ابن عمر وزيد بن ثابت، ومحمد بن سيرين وابن المسيب والزهري
والشعبي والنخعي وابن أبي ليلى والليث بن سعد، وعن الأوزاعي لا يباع إلاَّ من رجل يريد
عتقه، وجوز أحمد بيعه بشرط أن يكون على السيد دين، وعن مالك يجوز بيعه عند الموت،
ولا يجوز في حال الحياة، وكذا ذكره ابن الجوزي عنه، وحكى مالك إجماع أهل المدينة
على بيع المدبر أو هبته.
وعند أئمتنا الحنفية: المدير على نوعين: مدبر مطلق: نحو ما إذا قال لعبده: إذا مت
فأنت حر أو أنت حر يوم أموت. وأو أنت حر عن دبر مني، أو أنت مدبر، أو دبرتك، فحكم
هذا أنه: لا يباع ولا يوهب ويستخدم ويؤجر وتوطؤ المدبرة وتنكح، وبموت المولى يعتق
المدبر من ثلث ماله، ويسعى في ثلثيه أي: ثلثي قيمته إن كان المولى فقيراً، ولم يكن له
مال غيره، ويسعى في كل قيمته لو كان مديوناً بدين مستغرق جميع ماله.
النوع الثاني: مدبر مقيد نحو قوله: إن مت من مرضي هذا، أو سفري هذا، فأنت
حر، أو قال: إن مت إلى عشر سنين أو بعد موت فلان، ويعتق إن وجد الشرط، وإلاَّ فيجوز

٣٧٤
٣٤ - كِتَابُ الْبُيُوعِ / باب (٦٠)
بيعه.
واحتجوا في عدم جواز بيع المدبر المطلق بما رواه الدارقطني من رواية عبيدة بن
حسان، رضي الله تعالى عنهما، عن أيوب عن نافع عن ابن عمر، رضي الله تعالى عنه، قال:
قال رسول الله، عَّةِ: ((المدبر لا يباع ولا يوهب وهو حر من الثلث))، فإن قلت: قال
الدارقطني: لم يسنده غير عبيدة بن حسان، وهو ضعيف، وإنما هو عن ابن عمر من قوله.
وروى الدارقطني أيضاً عن علي بن ظبيان، حدثنا عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر
مرفوعاً، وغير ابن ظبيان يرويه موقوفاً، وعلي بن ظبيان ضعيف. قلت: احتج بهذا الحديث
الكرخي والطحاوي والرازي وغيرهم، وهم أساطين في الحديث. وقال أبو الوليد الباجي: إن
عمر، رضي الله تعالى عنه، رد بيع المدبرة في ملأ خير القرون، وهم حضور متوافرون، وهو
إجماع منهم: أن بيع المدبر لا يجوز.
والجواب عن حديث جابر من وجوه. الأول: قال ابن بطال: لا حجة فيه، لأن في
الحديث أن سيده كان عليه دين فثبت أن بيعه كان لذلك. الثاني: أنها قضية عين تحتمل
التأويل، وتأوله بعض المالكية على أنه لم يكن له مال غيره، فرد تصرفه. الثالث: أنه يحتمل
أنه باع منفعته بأن أجره، والإجارة تسمى بيعاً بلغة أهل اليمن، لأن فيها بيع المنفعة. ويؤيده
ما ذكره ابن حزم، فقال: وروي عن أبي جعفر محمد بن علي عن النبي عَّ له مرسلاً، أنه باع
خدمة المدبر، وقال ابن سيرين: لا بأس ببيع خدمة المدبر، وكذا قاله ابن المسيب، وذكر أبو
الوليد عن جابر أنه، عَّ له، باع خدمة المدبر. الرابع: أن سيد المدير الذي باعه النبي، عَ له،
كان سفيهاً، فلهذا تولى النبي، عَّهِ، بيعه بنفسه. وبيع المدبر عند من يجوزه لا يفتقر فيه
إلى بيع الإمام. الخامس: يحتمل أنه باعه في وقت كان يباع الحر المديون، كما روي أنه،
عَ لَّهِ، باع حراً بدينه، ثم نسخ بقوله تعالى: ﴿وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة﴾ [البقرة:
٢٨٠].
٦٠ - بابُ النَّجْشِ
أي: هذا باب في بيان حكم النجش، بفتح النون وسكون الجيم وفتحها، وقد مر
الكلام فيه في قوله: ((ولا تتناجشوا)) في: باب لا يبيع على بيع أخيه.
ومَنْ قال لاَ يَجُوزُ ذَلِكَ الْبَيْخُ
أي: وباب في بيان من قال: لا يجوز، عطفاً على: باب النجش وقوله: ((ذلك)) إشارة
إلى البيع الذي وقع بالنجش، واختلفوا فيه، فنقل ابن المنذر عن طائفة من أهل الحديث
فساد ذلك البيع، وهو قول أهل الظاهر، ورواية عن مالك، وهو المشهور عند الحنابلة:
إذا كان ذلك بمواطأة البائع وصنيعه، والمشهور عند المالكية في مثل ذلك ثبوت الخيار،
وهو وجه للشافعي قياساً على المصراة، والأصح عندهم صحة البيع مع الإثم، وهو قول
الحنفية

٣٧٥
٣٤ - كِتَابُ الْبُيُوعِ / باب (٦٠)
وقال ابنُ أبِي أَوْفَى النَّاحِشُ آكِلُ رِباً خائِنٌ
ابن أبي أوفى هو عبد الله بن أبي أوفى، واسم أبي أوفى: علقمة بن خالد بن الحارث
أبو إبراهيم، وقيل: أبو محمد، وقيل: أبو معاوية، أخو زيد بن أبي أوفى، لهما ولأبيهما
صحبة، وهو من جملة من رآه أبو حنيفة، وهو آخر من مات من الصحابة بالكوفة، وهذا
طرف من حديث أورده البخاري في الشهادات في: باب قول الله تعالى: ﴿إن الذين يشترون
بعهد الله وأيمانهم ثمناً قليلاً﴾ [آل عمران: ٧٧]. ثم ساق فيه من طريق يزيد بن هارون عن
السكسكي عن عبد الله بن أبي أوفى، قال: أقام رجل سلعته فحلف بالله لقد أعطي بها ما لم
يعط، فنزلت. قال ابن أبي أوفى: الناجش آكل ربا خائن، وأخرجه الطبراني من وجه آخر عن
ابن أبي أوفى مرفوعاً، لكن قال: ملعون، بدل: خائن. قوله: ((الناجش))، اسم فاعل من نجش،
وقد مر تفسيره. قوله: ((آكل رباً)). قال الكرماني: أي كآكل الربا، قلت: مراده المبالغة في
كونه عاصياً مع علمه بالنهي، كما أن آكل الربا عاصٍ مع علمه بحرمة الربا، ويروى: آكل
الربا بالألف واللام. قوله: ((خائن))، خبر بعد خبر، وخيانته في كونه غاشاً خادعاً.
وهُوَ خِدَاعٌ باطِلٌ لاَ يَحِلُ
هذا من كلام البخاري أي: النجش خداع أي: مخادعة لأنه مشارك لمن يزيد في
السلعة، وهو لا يريد أن يشتريها بغرور الغير وخداعه. قوله: ((باطل)) غير حق لا يفيد شيئاً
أصلاً لا يحل فعله.
قال النبيُّ عَّلَّهِ الحَدِيعَةُ فِي النَّارِ
هذا التعليق رواه ابن عدي في (الكامل) من حديث قيس بن سعد بن عبادة: لولا أني
سمعت رسول الله عَّ لم يقول: ((المكر والخديعة في النار لكنت من أمكر الناس))، ورواه أبو
داود بسند لا بأس به. قوله: ((الخديعة في النار)) أي: صاحب الخديعة في النار، ويحتمل أن
يكون فعيلاً بمعنى الفاعل، والتاء للمبالغة نحو: رجل علامة.
ومنْ عَمَلَ عَمَلاً لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنا فَهْوَ رَدّ
أي: قال عَّ الِ: ((من عمل ... )) الحديث، وهذا يأتي موصولاً من حديث عائشة في
كتاب الصلح. قوله: ((أمرنا))، أي: شرعنا الذي نحن عليه. قوله: ((فهو رد)) أي: مردود عليه
فلا يقبل منه.
٢١٤٢/٩٢ _ حدّثنا عبدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ قال حدثنا مالِكٌ عنْ نافِعِ عنِ ابنِ عُمرَ رضي
الله تعالى عنهما قال نَهَى النبيُّ عَّهِ عنِ النَّْشِ. [الحديث ٢١٤٢ - طرفه في: ٦٩٦٣].
قد مر تفسير النجش وما فيه من أقوال العلماء، والحديث أخرجه البخاري أيضاً في
ترك الحيل عن قتيبة، وأخرجه مسلم في البيوع عن يحيى بن يحيى. وأخرجه النسائي فيه عن
قتيبة. وأخرجه ابن ماجه في التجارات عن مصعب بن عبد الله الزبيري وأبي حذافة أحمد بن

٣٧٦
٣٤ - كِتَابُ الْبُيُوعِ / باب (٦١)
إسماعيل، قال أبو عمر: رواه أبو سعيد إسماعيل بن محمد قاضي المدائن عن يحيى بن
موسى البلخي أنبأنا عبد الله بن نافع عن مالك عن نافع عن ابن عمر، نهى رسول الله عَ لّه
عن التخيير، والتخيير أن يمدح الرجل السلعة بما ليس فيها، هكذا قال التخيير، وفسره، ولم
يتابع على هذا اللفظ، والمعروف النجش.
٦١ - بابُ بَيْعِ الْغَرَرِ وحَبْلِ الْحَبَلَةِ
1
أي: هذا باب في بيان حكم بيع الغرر، وبيان حكم بيع حبل الحبلة. ((الغرر))، بفتح
الغين المعجمة وبراءين أولاهما مفتوحة وهو في الأصل الخطر، من: غر يغر، بالكسر، والخطر
هو الذي لا يدري أيكون أم لا. وقال ابن عرقة: الغرر هو ما كان ظاهره يغر وباطنه مجهول،
ومنه سمي الشيطان: غروراً، لأنه يحمل على محاب النفس، ووراء ذلك ما يسوء، قال:
والغرور ما رأيت له ظاهراً تحبه وباطنه مكروه أو مجهول. وقال الأزهري: بيع الغرر ما يكون
على غير عهدة ولائقة. قال: ويدخل فيها البيوع التى لا يحيط بكنهها المتبايعان. وقال
صاحب (المشارق): بيع الغرر بيع المخاطرة، وهو الجهل بالثمن أو المثمن أو سلامته أو
أجله.
وقال أبو عمر: بيع يجمع وجوهاً كثيرة. منها: المجهول كله في الثمن أو المثمن إذا
لم يوقف على حقيقة جملته. ومنها: بيع الآبق والجمل الشارد والحيتان في الآجام والطائر
غير الداجن، قال: والقمار كله من بيع الغرر، وحكى الترمذي عن الشافعي أن بيع السمك في
الماء من بيوع الغرر وبيع الطير في السماء والعبد الآبق. وقال شيخنا ما حكاه الترمذي عن
الشافعي من أن بيع السمك في الماء من بيوع الغرر، وهو فيما إذا كان السمك في ماء كثير
بحيث لا يمكن تحصيله منه، وكذا إذا كان يمكن تحصيله، ولكن بمشقة شديدة. وأما إذا
كان في ماء يسير بحيث يمكن تحصيله منه بغير مشقة فإنه يصح، لأنه مقدور على تحصيله
وتسليمه، وهذا كله إذا كان مرئياً في الماء القليل بأن يكون الماء صافياً، فأما إذا لم يكن
مرئياً بأن يكون كدراً فإنه لا يصح بلا خلاف، كما قاله النووي والرافعي، قلت: بيع الآبق
يصح إذا كان البائع والمشتري يعرفان موضعه، كذا قاله أصحابنا. وقال شيخنا: يدخل في
بيع الطير في السماء بيع حمام البرج في حال طيرانه، وإن جرت عادته بالرجوع لأنه يجوز أن
لا يرجع، وذهب بعض أصحاب الشافعي إلى صحة البيع لجريان العادة برجوعه. وأما إذا كان
في البرج فحكمه حكم بيع السمك في الماء اليسير، فإن كان فيه كوىّ مفتوحة لا يؤمن
خروجه لم يصح، وإن لم يمكنه الخروج، ولكن كان البرج كبيراً بحيث يحصل التعب
والمشقة في تحصيله لم يصح أيضاً. قال: وفرق الأصحاب بين بيع الحمام في حال غيبته
عن البرج، وبين بيع النحل في حال غيبته عن الكوارة، فصححوا المنع في حمام البرج
وصححوا الصحة في بيع النحل، والفرق بينهما أن الطير تعترضه الجوارح في خروجه
بخلاف النحل، وقيد ابن الرفعة في المطلب صحة بيع النحل فيما إذا كانت أم النحل في
الكوارة، فإذا لم تكن لا يصح.

٣٧٧
٣٤ - كِتَابُ الْبُيُوع / باب (٦١)
فإن قلت: لم يذكر في الباب بيع الغرر صريحاً وذكره في الترجمة لماذا؟ قلت: لما
كان في حديث الباب النهي عن بيع حبل الحبلة، وهو نوع من أنواع بيع الغرر، ذكر الغرر
الذي هو عام، ثم عطف عليه حبل الحبلة من عطف الخاص على العام، لينبه بذلك على أن
أنواع الغرر كثيرة، وإن لم يذكر منها إلاَّ حبل الحبلة من باب التنبيه بنوع ممنوع مخصوص
معلول بعلة على كل نوع توجد فيه تلك العلة.
وقد وردت أحاديث كثيرة في النهي عن بيع الغرر. منها: ما رواه مسلم في (صحيحه)
من حديث أبي هريرة، رضي الله تعالى عنه، قال: ((نهى رسول الله، عَّله، عن بيع الحصاة،
وعن بيع الغرر))، وأخرجه الأربعة أيضاً. ومنها: حديث ابن عمر رواه البيهقي من حديث نافع
عنه، قال: ((نهى رسول الله، عَّله، عن بيع الغرر)). ومنها: حديث ابن عباس، رضي الله تعالى
عنهما، أخرجه ابن ماجه من حديث عطاء عنه، قال: ((نهى رسول الله عَ له عن بيع الغرر)).
ومنها: حديث أبي سعيد، أخرجه ابن ماجه أيضاً من حديث شهر بن حوشب عنه، قال: ((نهى
رسول الله عَّ عن شراء ما في بطون الأنعام حتى تضع، وعما في ضروعها إلاَّ بكيل، وعن
شراء العبد وهو آبق، وعن شراء المغانم حتى تقسم، وعن شراء الصدقات حتى تقبض، وعن
ضربة القانص)). ومنها: حديث علي، رضي الله تعالى عنه، أخرجه أبو داود وفيه قد نهى النبي
عَ ◌ّ عن بيع المضطر وبيع الغرر وبيع التمرة قبل أن تدرك. ومنها: حديث ابن مسعود أخرجه
أحمد عنه. قال: قال رسول الله، عَّ: ((لا تشتروا السمك في الماء فإنه غرر)). ومنها:
حديث عمران بن الحصين، رضي الله تعالى عنه، أخرجه ابن أبي عاصم في كتاب البيوع:
أن النبي، عَّ: ((نهى عن بيع ما في ضروع الماشية قبل أن تحلب، وعن بيع الجنين في
بطون الأنعام، وعن بيع السمك في الماء، وعن المضامين والملاقيح وحبل الحبلة وعن بيع
الغرر)).
٩٣/ ٢١٤٣ - حدَّثنا عَبْدُ اللهِ بنُ يُوسُفَ قال أخبرنا مالِكٌ عنْ نافِعِ عنْ عَبْدِ اللهِ بنِ
عُمَرَ رضي الله تعالى عنهُما أَنَّ رسولَ الله عَ لَّه نَهِىَ عنْ بَيْعِ حَبلِ الحَبَلَةِ. [الحديث ٢١٤٣
- طرفاه في: ٢٢٥٦، ٤٨٤٣].
مطابقته للجزء الثاني للترجمة ظاهرة، بل هي جزء من الحديث.
والحديث أخرجه أبو داود في البيوع أيضاً عن القعنبي عن مالك. وأخرجه النسائي فيه
عن محمد بن سلمة والحارث بن مسكين كلاهما عن ابن القاسم عن مالك، وليس التفسير
في حديث القعنبي.
قوله: ((حبل الحبلة))، بفتح الباء الموحدة فيهما، وحكى النووي إسكان الباء في
الأول، وهو غلط، والصواب الفتح. وحبل الحبلة أن تنتج الناقة ما في بطنها وينتج الذي في
بطنها، فسر ذلك نافع، وذكر ابن السكيت وأبو عبيد: أن الحبل مختص بالآدميات، وإنما يقال
في غيرهن: الحمل، قال ابن السكيت: إلاّ في حديث نهي عن بيع حبل الحبلة، وذلك أن

٣٧٨
٣٤ - كِتَابُ الْبُيُوعِ / باب (٦١)
تكون الإبل حوامل، فيبيع حبل ذلك الحبل. وفي (المحكم): كل ذات ظفر حبلى قال
الشاعر:
أو ذيخة حبلى مجح مقرب
قلت: الذيخ، بكسر الذال المعجمة وسكون الياء آخر الحروف: ذكر الضباع، والأنثى:
ذيخة، قوله: ذيخة، قوله: مجح، بضم الميم وكسر الجيم وفي آخره حاء مهملة مشددة، قال
أبو زيد: قيس كلها تقول لكل سبعة إذا حملت فأقربت وعظم بطنها قد أجحت، فهي مجح،
والمقرب، بكسر الراء: إذا قربت ولادتها، وقال ابن دريد: يقال لكل أنثى من الإنس وغيرهم:
حبلت، وكذا ذكره الهروي والأخفش في (نوادرهما) وفي (الجامع): امرأة حبلى وسنور
حبلى، وأنشد:
فوددنا لو قد وضعن جميعاً
إن في دارنا ثلاث حبالى
فإذا ما وضعن كنَّ ربيعا
جارتي ثم هرتي ثم شاتي
جارتي للمخيض، والهر للغأر
وشاتي إذا اشتهيت مجيعا
وحكاه في (الموعب) عن صاحب (العين) والكسائي، وهذا يرد قول النووي: اتفق
أهل اللغة أن الحبل مختص بالآدميات، وفي (الغريبين): أن الحبل يراد به ما في بطون النوق
أدخلت فيها الهاء للمبالغة كما تقول: نكحة وسخرة، وقال صاحب (مجمع الغرائب): ليس
الهاء في الحبلة على قياس نكحة، ولا مبالغة ههنا في المعنى، ولعل الهروي طلب لزيادة
الهاء وجهاً، فأطلق ذلك من غير تثبت. وفي (المغرب): حبل الحبلة مصدر حبلت المرأة،
وإنما أدخلت التاء لإشعار الأنوثة لأن معناه أن يبيع ما سوف تحمله الجنين إن كان أنثى.
وقال بعضهم: الحبلة جمع حابل، مثل: ظلمة وظالم، وكتبة وكاتب، والهاء للمبالغة. قلت:
ليس كذلك، وقد قال ابن الأثير: الحبلة، بالتحريك مصدر سمي به المحمول، كما سمي
بالحمل، وإنما دخلت عليه التاء للإشعار بمعنى الأنوثة فيه، فالحبل الأول يرد به ما في بطون
النوق من الحمل، والثاني حبل الذي في بطون النوق.
ويستفاد منه: أنه من بيع الغرر، فلا يجوز، قال النووي: النهي عن بيع الغرر أصل من
أصول البيع، فيدخل تحته مسائل كثيرة جداً. قلت: وقد ذكرنا أنواعاً من ذلك عن قريب.
قال: ومن بيوع الغرر ما اعتاده الناس من الاستجرار من الأسواق بالأوراق مثلاً، فإنه لا يصح
: لأن الثمن ليس حاضراً فيكون من المعاطاة، ولم توجد صيغة يصح بها العقد. قلت: هذا
الذي ذكره لا يعمل به، لأن فيه مشقة كثيرة على الناس، وحضور الثمن ليس بشرط لصحة
العقد، وبيع المعاطاة صحيح، وجميع الناس اليوم في الأسواق بالمعاطاة، يأتي رجل إلى بايع
فيشتري منه جملة قماش بثمن معين، فيدفع الثمن ويأخذ المبيع من غير أن يوجد لفظ:
((بعت واشتريت))، فإذا حكمنا بفساد هذا العقد يحصل فساد كثير في معاملات الناس، وروى
الطبري عن ابن سيرين بإسناد صحيح، قال: لا أعلم ببيع الغرر بأساً، وقال ابن بطال: لعله لم

:
٣٧٩
٣٤ - كِتَابُ الْبُيُوعِ / باب (٦١)
يبلغه النهي، وإلاَّ فكل ما يمكن أن يوجد - وإن لا يوجد - لم يصح، وكذلك إذا كان لا
يصح غالباً، فإن كان يصح غالباً كالثمرة في أول بدوّ صلاحها أو كان يسيراً تبعاً كالحمل مع
الحامل جاز لقلة الغرر، ولعل هذا هو الذي أراد ابن سيرين، لكن يمنع من ذلك ما رواه ابن
المنذر عنه أنه قال: لا بأس ببيع العبد الآبق إذا كان علمهما فيه واحداً، فهذا يدل على أنه
بيع الغرر إن سلم في المآل.
وكانَ بَيْعاً يَتَبَايَعُهُ أهْلُ الجَاهِلِيَّةِ كانَ الرَّجُلُ يَبْتَاعُ الجَزُورَ إِلَى أَنْ تُنْتِجَ النَّاقَةُ ثُمَّ
تُنْتِجُ الَّتِي فِي بَطْنِهَا
أي: كان بيع حبل الحبلة بيعاً يتبايعه أهل الجاهلية. قوله: ((كان الرجل)) إلى آخره،
بيان لقوله: وكان بيعاً. قوله: ((يبتاع الجزور)) بفتح الجيم، وهو واحد الإبل يقع على الذكر
والأنثى. فإن قلت: ذكر الجزور قيد أم لا؟ قلت: لا، لأن حكم غير الجزور مثل حكمه، وإنما
هو مثال، وقال بعضهم: يحتمل أن يكون قيداً. قلت: هذا احتمال غير ناشىء عن دليل، فلا
يعتبر به وإنما مثل به لكثرة الجزور عندهم. قوله: ((إلى أن تنتج الناقة)) بضم أوله وفتح ثالثه،
أي: تلد ولداً، وهو على صيغة المجهول، والناقة مرفوع بإسناد تنتج إليها. قال الجوهري:
نتجت الناقة على ما لم يسم فاعله تنتج نتاجاً، وقد نتجها أهلها نتجاً إذا تولوا نتاجها بمنزلة
القابلة للمرأة فهي منتوجة، ونتجت الفرس إذا حان نتاجها. وقال يعقوب: إذا حان نتاجها.
وقال يعقوب: إذا استبان حملها، وكذلك الناقة فهي نتوج، ولا يقال: منتج. وأتت الناقة على
منتجها، أي: الوقت الذي تنتج فيه، وهو مفعل بكسر العين ويقال للشاتين إذا كانتا سناً
واحداً: هما نتيجة، وغنم فلان نتايج أي: في سن واحدة، وحكى الأخفش: نتج وأنتج بمعنى،
وجاء في الحديث، فأنتج هذان وولد هذا، وقد أنكره بعضهم: يعني: أن الصواب كونه
ثلاثياً. قلت: هذا في حديث الأقرع والأبرص. قوله: ((ثم تنتج التي في بطنها)) أي: ثم
تعيش المولودة حتى تكبر ثم تلد، قيل: هذا زائد على رواية عبد الله بن عمر، فإنه اقتصر
على قوله: ثم تحمل التي في بطنها، ورواية جويرية أخصر منها، ولفظه: أن تنتج الناقة، ما
في بطنها، وبظاهر هذه الرواية قال سعيد بن المسيب فيما رواه عنه مالك، وقال به مالك
والشافعي وجماعة، وهو أن يبيع بثمن إلى أن تلد الناقة. وقال أخرون إن يبيع بثمن إلى أن
تحمل الدابة وتلد وتحمل ولدها، ولم يشترطوا وضع حمل الولد. وقال أبو عبيدة. وأبو عبيد
وأحمد وإسحاق وابن حبيب المالكي وأكثر أهل اللغة: هو بيع ولد نتاج الدابة، والمنع في
هذا أنه بيع معدوم ومجهول وغير مقدور على تسليمه.
ثم اعلم أن قوله: ((وكان بيعاً ... )) إلى آخره هكذا وقع في (الموطأ) تفسيراً متصلاً
بالحديث. وقال الإسماعيلي: هو مدرج، يعني أن التفسير من كلام نافع. وقال الخطيب:
تفسير حبل الحبلة ليس من كلام عبد الله بن عمر، إنما هو من كلام نافع، أدرج في
الحديث، ثم رواه من طريق أبي سلمة التبوذكي: حدثنا جويرية عن نافع عن عبد الله أن أهل
الجاهلية كانوا يبتاعون الجزور إلى حبل الحبلة، وأن رسول الله عَ ◌ّ نهى عن ذلك. وقد

٣٨٠
٣٤ - كِتَابُ الْبُوعِ / باب (٦٢)
أخرجه مسلم من رواية الليث، والترمذي والنسائي من رواية أيوب كلاهما عن نافع بدون
التفسير. وأخرجه أحمد والنسائي وابن ماجه من طريق سعيد بن جبير عن ابن عمر، بدون
التفسير أيضاً. والله أعلم.
٦٢ - بابُ بَيْعِ المُلامَسَةِ
أي: هذا باب في بيان حكم بيع الملامسة، وهي مفاعلة من اللمس، وقد علم أن
باب المفاعلة لمشاركة اثنين في أصل الفعل. وفي (المغرب): الملامسة واللماس أن يقول
لصاحبه: إذا لمست ثوبك ولمست ثوبي فقد وجب البيع. وعن أبي حنيفة: هي أن يقول:
أبيعك هذا المتاع بكذا، فإذا لمستك وجب البيع، أو يقول المشتري كذلك، ويقال:
الملامسة أن يلمس ثوباً مطوياً ثم يشتريه على أن لا خيار له إذا رآه، أو يقول: إذا لمسته فقد
بعتكه أو يبيعه شيئاً على أنه متى لمسه فقد لزم البيع، وعن الزهري: الملامسة لمس الرجل
ثوب الآخر بيده بالليل، أو النهار، ولا يقلبه إلاّ بذلك، وروى النسائي من حديث أبي هريرة:
الملامسة أن يقول الرجل للرجل: أبيعك ثوبي بثوبك، ولا ينظر واحد منهما ثوب الآخر،
ولكن بلمسه لمساً. ويقال: اختلف العلماء في تفسير الملامسة على ثلاث صور هي أوجه
للشافعية. أصحها: أن يأتي بثوب مطوي أو في ظلمة فيلمسه المستام، فيقول له صاحب
الثوب، بعتكه بكذا بشرط أن يقوم لمسك مقام نظرك، ولا خيار لك إذا رأيته. الثاني: أن
يجعلا نفس اللمس بيعاً بغير صيغة زائدة. الثالث: أن يجعلا للمس شرطاً في قطع خيار
المجلس، وغيره والبيع على التأويلات كلها باطل.
وقال أنسّ نَھَى عنهُ النبيُّ ◌َلام
أي: نهى عن بيع الملامسة، وبهذا اتضح حكم الترجمة لأنها على إطلاقها تحتمل
المنع، وتحتمل الجواز، وهو تعليق وصله البخاري في: باب بيع المخاصرة، عن أنس: نهى
رسول الله عَ له عن المحاقلة والمخاصرة والملامسة والمنابذة والمزابنة. والمخاصرة: بيع
الثمار خصراً لم يبد صلاحها.
٩٤ / ٢١٤٤ _ حدَّثنا سَعِيدُ بنُ عفَيْرٍ قال حدَّثني اللَّيْثُ قال حدَّثني عُقَيْلٌ عنِ ابنِ
شِهَابٍ قال أخبرني عامِرُ بنُ سعدٍ أنَّ أَبًا سَعِيدٍ رضي الله تعالى عنهُ أَخْبَرَهُ أنَّ رسولَ الله عَ لَه
نَهَى عَنِ المُنَابَذَةِ وهِيَ طَرْحُ الرَّجُلِ ثَوْبَهُ بالْبَيْعِ إلى الرَّجُلِ قَبْلَ أنْ يُقَلِّبَهُ أَوْ يَنْظُرَ إِلَيْهِ ونَهَى
عَنِ المُلاَمَسَةِ والمُلاَمَسَةُ لَمْسُ الثَّوْبِ لا يَنْظُرُ إِلَيْهِ. [انظر الحديث ٣٦٧ وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((ونهى عن الملامسة))، ورجاله قد ذكروا غير مرة، وسعيد
ابن عفير: هو سعيد بن كثير بن عفير، بضم العين المهملة وفتح الفاء: المصري، وعقيل:
بضم العين ابن خالد الأيلي، وابن شهاب محمد بن مسلم الزهري، وعامر بن سعد بن أبي
وقاص، مر في الإيمان، وأبو سعيد الخدري اسمه سعد بن مالك.
والحديث أخرجه البخاري أيضاً في اللباس عن يحيى بن بكير عن الليث، وأخرجه