Indexed OCR Text

Pages 241-260

٢٤١
٣٤ - كِتَابُ الْبُوعِ / باب (٣)
واختلف الفقهاء في المرأة يطلقها زوجها من حين العقد عليها بحضرة الحاكم
والشهود، فتأتي بولد لستة أشهر فصاعداً من ذلك الوقت عقيب العقد، فقال مالك والشافعي:
لا يلحق به، لأنها ليست بفراش له، إذ لم يتمكن من الوطء في العصمة وهو كالصغير أو
الصغيرة اللذين لا يمكن منهما الولد. وقال أبو حنيفة وأصحابه: هي فراش له، ويلحق به
ولدها. واختلفوا في الأمة، فقال مالك: إذا أقر بوطئها صارت فراشاً إن لم يدع استبراء أُلحق
به ولدها، وإن ادعى استبراء حلفه وبرىء من ولدها، وقال العراقيون: لا تكون الأمة فراشاً
بالوطء إلاَّ بأن يدعي سيدها ولدها، وأما إن نفاه فلا يلحق به، سواء أقر بوطئها أو لم يقر،
وسواء استبرأ أو لم يستبرىء.
قوله: ((وللعاهر الحجر)) العاهر الزاني: وقد عهر يعهر عهراً وعهوراً إذا أتى المرأة ليلاً
للفجور بها، ثم غلب على الزنا مطلقاً، وقد عهر الرجل إلى المرأة ويعهر: إذا أتاها للفجور،
وقد عيهرت هي وتعيهر إذا زنت، والعهر الزنى، ومنه الحديث: ((أللهم أبدله بالعهر العفة)). ثم
معنى قوله: ((وللعاهر الحجر)) أن الزاني له الخيبة، ولا حظ له في الولد. والعرب تجعل هذا
مثلاً في الخيبة، كما يقال: له التراب، إذا أرادوا له الخيبة. وقيل: الولد لصاحب الفراش من
الزوج أو السيد، وللزاني الخيبة والحرمان، كقولك: ما لك عندي شيء غير التراب، وما بيدك
غير الحجر. وقال بعضهم: كنى بالحجر عن الرجم، وليس كذلك، لأنه ليس كل زان يرجم،
وإنما يرجم المحصن خاصة. قوله: ((احتجبي منه))، أشكل معناه قديماً على العلماء، فذهب
أكثر القائلين بأن الحرام لا يحرم الحلال، وأن الزنى لا تأثير له في التحريم، وهو قول عبد
الملك بن الماجشون، إلاّ أن قوله: كان ذلك منه على وجه الاختيار والتنزه، وأن للرجل أن
يمنع امرأته من رؤية أخيها، هذا قول الشافعي. وقالت طائفة: كان ذاك منه لقطع الذريعة بعد
حكمه بالظاهر، فكأنه حكم بحكمين: حكم ظاهر، وهو: الولد للفراش، وحكم باطن، وهو:
الاحتجاب من أجل الشبه، كأنه قال: ليس بأخ لك يا سودة إلاَّ في حكم الله تعالى، فأمرها
بالاحتجاب منه. قوله: ((لما رأى من شبهه بعتبة))، هو بفتح الشين والباء وبكسر الشين مع
سكون الباء.
ذكر ما يستفاد منه: أصل القضية فيه: أنهم كانت لهم في الجاهلية إماء يبغين أي:
يزنين، وكانت السادة تأتيهن في خلال ذلك، فإذا أتت إحداهن بولد فربما يدعيه السيد وربما
يدعيه الزاني، فإن مات السيد ولم يكن ادعاء ولا أنكره فادعاه ورثته به، ولحق إلاَّ أنه لا
يشارك مستلحقه في ميراثه إلاَّ أن يستلحقه قبل القسمة، وإن كان السيد أنكره لم يلحق به،
وكان لزمعة ابن قيس والد سودة زوج النبي، عَّةٍ، أمة على ما وصف من أن عليها ضريبة،
وهو يلم بها فظهر بها حمل كان يظن أنه من عتبة أخي سعد بن أبي وقاص، وهلك كافراً
فعهد إلى أخيه سعد قبل موته، فقال: استلحق الحمل الذي بأمة زمعة. فلما استلحقه سعد
خاصمه عبد بن زمعة، فقال سعد: هو ابن أخي يشير إلى ما كانوا عليه في الجاهلية. وقال
عبد بن زمعة: بل هو أخي، ولد على فراش أبي، يشير إلى ما استقر عليه الحكم في الإسلام،
عمدة القاري/ ج١١ م١٦

٢٤٢
٣٤ - كِتَابُ الْبُيُوع / باب (٣)
فقضى رسول الله، عَِّ، لعبد بن زمعة إبطالاً لحكم الجاهلية، ثم الذي يستفاد منها على
أنواع:
منها: أن أبا حنيفة أخذ من قوله: ((احتجبي منه)) أن من فجر بامرأة حرمت على
أولاده، وبه قال أحمد، وهو مذهب الأوزاعي والثوري. وقال مالك والشافعي وأبو ثور: لا
يحرم، والاحتجاب للتنزيه. وقال أصحابنا: الأمر للوجوب، والحديث حجة عليهم.
ومنها: ما قال أبو عمر: الحكم للظاهر، لأنه، عَّه، حكم للولد بالفراش ولم يلتفت
إلى الشبه، وكذلك حكم في اللعان بظاهر الحكم ولم يلتفت إلى ما جاءت به على النعت
المكروه، وحكم الحاكم لا يحل الأمر في الباطل، لأمره سودة بالاحتجاب.
ومنها: أن الشافعي تمسك بقول عبد: أخي، على أن الأخ يجوز أن يستلحق الوارث
نسباً للورثة بشرط أن يكون حائزاً للإرث، أو يستلحقه كل الورثة، وبشرط أن يمكن كون
المستلحق ولداً للميت، وبشرط أن لا يكون معروف النسب من غيره، وبشرط أن يصدقه
المستلحق إن كان بالغاً عاقلاً. وقال النووي: وهذه الشروط كلها موجودة في هذا الولد الذي
ألحقه النبي، عَّ له، بزمعة حين استلحقه عبد، قال: وتأول أصحابنا هذا بتأويلين: أحدهما: أن
سودة أخت عبد استلحقته معه ووافقته في ذلك حتى يكون كل الورثة مستلحقين. والتأويل
الثاني: أن زمعة مات كافراً فلم ترثه سودة لكونها مسلمة، وورثه عبد. وقال مالك: لا
يستلحق إلاَّ الأب خاصة، لأنه لا يترك غيره في تحقيق الإصابة منزلته.
ومنها: أن الشعبي ومحمد بن أبي ذئب وبعض أهل المدينة احتجوا بقوله: ((الولد
للفراش))، أن الرجل إذا نفى ولد امرأته لم ينتف به، ولم يلاعن به. قالوا: لأن الفراش يوجب
حق الولد في إثبات نسبه من الزوج، والمرأة، فليس لهما إخراجه منه بلعان ولا غيره، وقال
جماهير الفقهاء من التابعين ومن بعدهم منهم الأئمة الأربعة وأصحابهم: إذا نفى الرجل ولد
امرأته يلاعن وينتفي نسبه منه، ويلزم أمه. وفيه تفصيل يعرف في الفروع، واحتجوا في ذلك
بما رواه نافع عن ابن عمر: أن رسول الله عَّالله فرق بين المتلاعنين، وألزم الولد أمه، وهذا
أخرجه الجماعة على ما يأتي بيانه، إن شاء الله تعالى.
فائدة: حديث: ((الولد للفراش وللعاهر الحجر)) روي عن جماعة من الصحابة، رضي
الله تعالى عنهم. فعن عائشة، رضي الله تعالى عنها، رواه البخاري ومسلم والنسائي. وعن
عثمان بن عفان روى عنه الطحاوي أنه قال: ((إن رسول الله عَّ ◌ُلِ قضى أن الولد للفراش)).
وأخرجه أبو داود في حديث طويل. وعن أبي هريرة، أخرجه مسلم من حديث ابن المسيب
وأبي سلمة عنه: أن رسول الله، عَّ له، قال: ((الولد للفراش وللعاهر الحجر))، ورواه الترمذي
والطحاوي أيضاً. وعن أبي أمامة، أخرجه ابن ماجه عنه مثله، وأخرجه الطحاوي أيضاً. وعن
عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه، أخرجه الشافعي في (مسنده) وابن ماجه في (سننه)
من حديث عبيد الله بن أبي يزيد عن أبيه عن عمر: أن رسول الله عَ ◌ّم ((قضى بالولد

٢٤٣
٣٤ - كِتَابُ الْبُيُوعِ / باب (٤)
بالفراش)). وعن عمرو بن خارجه أخرجه الترمذي من حديث عبد الرحمن بن غنم عنه، أنه
قال: ((خطبنا رسول الله، عَ لَّه، بمنىّ .. )) الحديث. وفيه: ((ألا لا وصية لوارث، الولد للفراش
وللعاهر الحجر)). وعن عبد الله بن عمرو أخرجه أبو داود من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه
عن جده، قال: ((قام رجل فقال: يا رسول الله. إن فلاناً ابني، عاهرت بأمه في الجاهلية، فقال
رسول الله عَّهِ: لا دعوة في الإسلام، ذهب أمر الجاهلية، الولد للفراش وللعاهر الحجر)).
وعن البراء وزيد بن أرقم أخرجه الطبراني من حديث أبي إسحاق عنهما، قالا: ((كنا مع رسول
الله عٍَّ يوم غديم خم ... )) الحديث، وفي آخره: ((الولد لصاحب الفراش وللعاهر الحجر،
ليس لوارث وصية)). وعن عبد الله بن الزبير أخرجه النسائي وقد ذكرناه عن قريب. وعن عبد
الله بن مسعود أخرجه النسائي أيضاً من حديث أبي وائل عنه عن رسول الله، عَ له، قال:
((الولد للفراش وللعاهر الحجر)).
٨/ ٢٠٥٤ - حدّثنا أبُو الوَلِيدِ قال حدَّثنا شُعْبَةُ قال أخبرني عَبْدُ اللهِ بنُ أبِي السَّفَرِ
عنِ الشَّعْبِيِّ عنْ عَدِيٍّ بنِ حاتم رضي الله تعالى عنهُ قال سألتُ النبيَّ عَّ له عن المِعْرَاضِ
فَقال إذَا أصابَ بِحَدِّهِ فَكُلْ وإذًا أصابَ بِعَرْضِهِ فَقَتَلَ فَلاَ تَأْكُلْ فإنَّهُ وَقِيذٌ قُلْتُ يا رسولَ الله
أَرْسِلُ كَلْبِي واسَمِّي فأجِدُ مَعَهُ عَلَى الصَّيْدِ كَلْباً آخرَ لَمْ أُسَمِّ عَلَيْهِ ولاَ أَدْرِي أَيُّهُمَا أَخَذَ قال لا
تأكُلْ إنّمَا سَّمَّيْتَ عَلَى كَلْبِكَ وَلَمْ تُسَمٌّ عَلَى الآخَرِ. [انظر الحديث ١٧٥ وأطرافه].
مطابقته للترجمة من حيث إنه لا يدري حله أو حرمته، ويحتملان، فلما كان له شبهاً
بكل واحد منهما كان الأحسن التنزه، كما فعل الشارع في التمرة الساقطة، وقد مضى
الحديث في كتاب الوضوء في: باب الماء الذي يغسل به شعر الإنسان، فإنه أخرجه هناك:
عن حفص بن عمر عن شعبة عن ابن أبي السفر - ضد الحضر - وقد مر الكلام فيه هناك
مستوفى. والمعراض، بكسر الميم - ضد المطوال -: وهو سهم لا ريش عليه، وفيه خشبة.
وقيل: ثقيلة، أو عصىّ. وقيل: هو عود دقيق الطرفين غليظ الوسط، إذا رمى به ذهب مستوياً.
قوله: ((وقيذ))، فعيل بمعنى الموقوذ، بالذال المعجمة، وهو المقتول بالخشب. وقيل:
هو الذي يقتل بغير محدد من عصى أو حجر أو غيرهما، والله أعلم.
٤ - بابُ ما يُتَزَّهُ مِنَ الشُّبُهَاتِ
أي: هذا باب في بيان ما يتنزه، من التنزه، يقال: تنزه تنزهاً.، إذا بعد، وأصله من نزه
نزاهة، ومنه: تنزيه الله، وهو تبعيده عما لا يجوز عليه من النقائص. قوله: ((من الشبهات))،
بضم الشين والباء، وهو جمع: شبهة.
٩ /٢٠٥٥ - حدّثنا قَبِيصَةٌ قال حدثنا سُفْيانُ عنْ مَنْصُورٍ عنْ طَلْحَةَ عنْ أَنَسٍ رضي
الله تعالى عنهُ قال مرَّ النبيُّ عَلَّه بِثَمَرَةٍ مُسْقَطَةٍ فقال لَوْلا أُنْ تَكُونَ صَدَقَةً لِأَكَلْتُهَا.
[الحديث ٢٠٥٥ - طرفه في: ٢٤٣١].
مطابقته للترجمة من حيث أن فيه التنزه عن الشبهة، وذلك أنه عّ لّه كان يتنزه من أكل

٢٤٤
٣٤ - كِتَابُ الْبُيُوعِ / باب (٤)
مثل هذه التمرة الساقطة لأجل الشبهة، وهو احتمال كونها من الصدقة.
ورجاله خمسة: قبيصة، بفتح القاف وكسر الباء الموحدة وبالصاد المهملة: ابن عقبة
ابن عامر السوائي العامري الكوفي، وسفيان الثوري، ومنصور هو ابن المعتمر، وطلحة هو ابن
مصرف ـ على وزن اسم الفاعل من التصريف - اليامي، بالياء آخر الحروف: الكوفي، كان
يقال له: سيد القراء، مات سنة ثنتي عشرة ومائة.
وأخرجه البخاري أيضاً في المظالم عن محمد بن يوسف، وأخرجه مسلم في الزكاة
عن يحيى بن يحيى، وعن أبي كريب. وأخرجه النسائي في اللقطة عن محمود بن غيلان.
قوله: ((مسقطة)) على صيغة المفعول من الإسقاط، والقياس أن يقال: ساقطة. لكنه قد
يجعل اللازم كالمتعدي بتأويل، كقراءة من قوله: ﴿فعموا وصموا﴾ [المائدة: ٧١]. بلفظ
المجهول. وقال التيمي: هو كلمة غريبة، لأن المشهور أن: سقط، لازم، على أن العرب قد
تذكر الفاعل بلفظ المفعول، وبالعكس إذا كان المعنى مفهوماً، ويجوز أن يقال: جاء سقط،
متعدياً أيضاً بدليل قوله تعالى: ﴿سقط في أيديهم﴾ [الأعراف: ١٤٩]. وقال الخطابي: يأتي
المفعول بمعنى الفاعل، كقوله تعالى: ﴿كان وعده ماتياً﴾ [مريم: ٦١]. أي: آتياً. وقال
المهلب: إنما ترك النبي عَّ أكل التمرة تنزهاً عنها لجواز أن تكون من تمر الصدقة، وليس
على غيره بواجب أن يتبع الجوازات، لأن الأشياء مباحة حتى يقوم الدليل على الحظر، فالتنزه
عن الشبهات لا يكون إلاَّ فيما أشكل أمره ولا يدري أحلال هو أم حرام، واحتمل المعنيين؟
ولا دليل على أحدهما. ولا يجوز أن يحكم على من أخذ مثل ذلك أنه أخذ حراماً لاحتمال
أن يكون حلالاً، غير أنا نستحب، من باب الورع، أن نقتدي بسيدنا رسول الله عَ لّه فيما
فعل في التمرة، وقد قال عَّ ◌ُلّه لوابصة بن معبد: ((البر ما اطمأنت إليه نفسك، والإثم ما حاك
في الصدر)). وقال أبو عمر: لا يبلغ أحد حقيقة التقوى حتى يدع ما حاك في الصدر. وقال
أبو الحسن القابسي: إن قال قائل: إذا وجد التمرة في بيته فقد بلغت محلها، وليست من
الصدقة. قيل له: يحتمل أن يكون النبي عَ ◌ّه كان يقسم الصدقة ثم ينقلب إلى أهله، فربما
علقت تلك التمرة بثوبه، فسقطت على فراشه، فصارت شبهة انتهى.
وقيل في هذا الحديث تحريم قليل الصدقة وكثيرها على النبي عَِّ. وفيه: أن أموال
المسلمين لا يحرم منها إلاَّ ما له قيمة، ويتشاح في مثله، وأما التمرة واللبابة من الخبز أو التينة
أو الزبيبة وما أشبهها فقد أجمعوا على أخذها ورفعها من الأرض وإكرامها بالأكل دون تعريفها
استدلالاً بقوله: ((لأكلتها))، وأنها مخالفة لحكم اللقطة، وقال الخطابي: وفيه: أنه لا يجب
على آخذها التصدق بها، لأنه لو كان سبيلها التصدق لم يقل: لأكلتها، وفي (المدونة):
يتصدق بالطعام تافهاً كان أو غير تافه، أعجب إلي إذا خشي بالفساد بوطء أو شبهة، وعن
مطرف: إذا أكله غرمه وإن كان تافهاً. وهذا الحديث حجة عليه. قال: وإن تصدق به فلا
شيء عليه.

٢٤٥
٣٤ - كِتَابُ الْبُيُوعِ / باب (٥)
:
وقال هَمَّامٌ عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ عنِ النبيِّ عَّهِ قال
أجِدُ تَمْرَةً ساقِطَةً عَلَى فِرَاشِي
همام، على وزن فعال بالتشديد، هو ابن منبه بن كامل، يكنى أبا عتبة الأنباري
الصنعاني، أخو وهب بن منبه، وهذا التعليق ذكره البخاري مسنداً في كتاب اللقطة، عن
محمد بن مقاتل: أنبأنا عبد الله أنبأنا معمر عن همام عن أبي هريرة يرفعه: ((إني لأنقلب إلى
أهلي فأجد تمرة ساقطة على فراشي فأرفعها لآكلها ثم أخشى أن تكون صدقة، فألقيها)).
قوله: ((أجد)) ذكر بلفظ المضارع استحضاراً للصورة الماضية. وقال الكرماني: فإن
قلت: ما تعلقه بهذا الباب؟ قلت: تمام الحديث غير مذكور، وهو: ((لولا أن تكون صدقة
لأكلتها، ارتاب عَُّلَّه في تلك التمرة فتركها تنزهاً)) انتهى. قلت: لم يقف الكرماني على تمام
الحديث في اللقطة، ولو وقف لما احتاج إلى هذا التكلف، ولا ذكر بقية الحديث على غير
ما هي في رواية البخاري.
٥ - بابُ مَنْ لَمْ يَرَ الوَساوِسَ ونَحْوَها مِنَ المُشَبَّهاتِ
أي: هذا باب في بيان حال من لم ير الوسواس، وهو ما يلقيه الشيطان في القلب،
وكذلك الوسوسة والوسواس: الشيطان أيضاً، وأصله: الحركة الخفيفة ويقال: الوسواس
والوسوسة: الحديث الخفي لقوله تعالى: ﴿فوسوس إليه الشيطان﴾ [طه: ١٢٠]. وصوت
الحلي يسمى: وسواساً، والموسوس هو الذي يكثر الحديث في نفسه، ووسوسة الشيطان
تصل إلى القلب في خفاء، ووسواس الناس من نفسه، وهي وسوسته التي يحدث بها نفسه.
قوله: ((من الشبهات)) وفي بعض النسخ: ((من المشبهات)) وفي بعضها: ((من
المشتبهات)).
٢٠٥٦/١٠ _ حدَّثنا أَبُو نُعَيْمِ قال حدَّثنا ابنُ عُيَيْنَةَ عنِ الزُّهْرِيِّ عنْ عَبَّادِ بنِ تَمِيمٍ عنْ
عَمِّهِ قال شُكِيَ إِلَى النبيِّ عَّهِ الرَّجُلُ يَجِدُ فِي الصَّلاةِ شَيْئاً أَيَقْطَعُ الصَّلاةَ قال لا حَتَّى
يَسْمَعَ صَوْتاً أوْ يَجِدَ رِيحاً. [انظر الحديث ١٣٧ وأطرافه].
مطابقته للترجمة من حيث إنه يدل على أن الشخص إذا كان في شيء بيقين ثم
عرضت له وسوسة لا يرى تلك الوسوسة من الشبهات التي ترفع حكم ذلك الشيء، ألا يرى
أن البخاري ترجم على هذا الحديث في كتاب الوضوء بقوله: لا يتوضأ من الشك حتى
يستيقن، ثم أخرج هذا الحديث عن علي عن سفيان عن الزهري عن سعيد بن المسيب وعن
عباد بن تميم عن عمه أنه شكى ... الحديث، وقد مر الكلام فيه هناك. وأبو نعيم: هو الفضل
ابن دكين، وابن عيينة هو سفيان، وعباد - على وزن فعال بالتشديد - وعمه هو عبد الله بن
زيد بن عاصم المازني. قوله: ((شيئاً)) أي: وسوسة في بطلان الوضوء، وحاصله أن يقين
الطهارة لا يزول بالشك، بل يزول بيقين الحدث.

٢٤٦
٣٤ - كِتَابُ الْبُيُوعِ / باب (٥)
وقال ابنُ أَبِي حَفْصَةَ عنِ الزُّهْرِيِّ
لاَ وُضُوءَ إلاَّ فِيمَا وَجَدْتَ الرِّيحَ أَوْ سَمِعْتَ الصَّوْتَ
ابن أبي حفصة هذا هو أبو سلمة محمد بن أبي حفصة ميسرة البصري، وهو يروي
عن محمد بن مسلم الزهري. قوله: ((لا وضوء .. )) إلى آخره، والأصل في هذا الباب: أن
الوسواس لا يدخل في حكم الشبهات المأمور باحتنابها، لقوله، عَّ له: ((إن الله تجاوز لأمتي
عما حدثت به أنفسها ما لم تعمل به أو تتكلم)) فالوسوسة ملغاة مطرحة لا حكم لها ما لم
تستقر وتثبت.
١١/ ٢٠٥٧ - حدّثنا أحْمَدُ بنُ المِقْدَامِ الْعِجْلِيُّ قال حدثنا مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ
الطَّفَاوِيُّ قال حدَّثنا هِشامُ بنُ عُرْوَةَ عنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ رضي الله تعالى عنها أنَّ قَوْماً قالُوا يَا
رسولَ الله إنَّ قَوْماً يَأْتُونَنَا باللَّحْمِ لاَ نَذْرِي أَذَكَرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ أمْ لاَ فقال رسولُ الله عَ لَّه
سمُّوا الله عليْهِ وكُلُوه. [الحديثَ ٢٠٥٧ - طرفاه في: ٥٥٠٧، ٧٣٩٨].
مطابقته للترجمة تؤخذ من مطابقته الحديث السابق للترجمة. ورجاله خمسة: أحمد بن
المقدام، بكسر الميم، للمبالغة: العجلي، بكسر العين المهملة وسكون الجيم: البصري
الحافظ المجود، مات سنة ثلاث وخمسين ومائتين، والطفاوي، بضم الطاء المهملة وخفة
الفاء: نسبة إلى الطفاوة بُنّت جرم بن ريان بن ألحاف بن قضاعة، وقيل: الطفاوة، موضع
بالبصرة. قلت: يحتمل أن يكون هذا الموضع نزله بنو طفاوة فسمي بهم، وهذا كثير فيهم،
والطفاوي هذا مات في سنة سبع وثمانين ومائة.
والحديث انفرد به البخاري.
وقال الكرماني: قوله: ((سَمُّوا)) أي: اذكروا اسم الله عليه.
وفيه: دليل على أن التسمية عند الذبح غير واجبة، إذ هذه التسمية هي المأمور بها عند
أكل الطعام وشرب الشراب. انتهى. قلت: كيف غفل الكرماني عن هذه الآية: ﴿ولا تأكلوا
مما لم يذكر اسم الله عليه﴾ [الأنعام: ١٢١]. وهذا عام في كل ذبيح ترك عليه التسمية،
لكن المتروك سهواً صار مستثنىّ بالإجماع، فبقي الباقي تحت العموم، ولا يجوز حمل الآية
على تحريم الميتة لأنه صرف الكلام إلى مجازه مع إمكان الإجراء على حقيقته، كيف
وتحريم الميتة منصوص عليه في الآية؟ وقد قيل في معنى هذا الحديث: إن النبي عَّ ◌َّهِ، إنما
أمرهم بأكلها في أول الإسلام قبل أن ينزل عليه: ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه﴾
[الأنعام: ١٢١]. وقال ابن التين: وهذا القول ذكره مالك في الموطأ، وقد روي ذلك مبيناً
في حديث عائشة، من أن الذابحين كانوا حديثي عهد بالإسلام، ممن يصح أن لا يعلموا أن
مثل هذا شرع، وأما الآن فقد بان ذلك حتى لا تجد أحداً أنه لا يعلم أن التسمية مشروعة،
ولا يظن بالمسلمين تركها. وأما الساهي فليسم إذا ذكرها، ويسمي الآكل لما يخشى من
النسيان. فإن قلت: قال أبو عمر: مما يدل على بطلان قول من قال: إن ذلك كان قبل نزول:

٢٤٧
٣٤ - كِتَابُ الْبُوعِ / باب (٦)
﴿ولا تأكلوا﴾ [الأنعام: ١٢١]. إن هذا الحديث كان بالمدينة، وأن أهل باديتها هم الذين
أشير إليهم بالذكر في الحديث، ولا يختلف العلماء أن الآية نزلت في الأنعام بمكة. والأنعام
مكية. قلت: ذكر أبو العباس الضرير في كتابه (مقامات التنزيل) والثعلبي وغيرهما: أن في
الأنعام آيات ست مدنيات نزلن بها. فإطلاق أبي عمر كلامه بأن كلها مكية غير صحيح،
وقال ابن الجوزي، سموا أنتم وكلوا، ليس معنى أنه يجزىء عما لم يسم عليه، ولكن لأن
التسمية على الطعام سنة. وقال ابن التين: إقرار النبي ◌َّ على هذا السؤال وجوابه لهم بما
جاء بهم يدل على اعتبار التسمية في الذبائح، والله أعلم بحقيقة الحال.
٦ - بابُ قَوْلِ الله تعالى
﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ [الجمعة: ١١].
أي: هذا باب في بيان سبب نزول قول الله عز وجل: ﴿وإذا رأوا .. ﴾ [الجمعة: ١١].
الآية. وقد ذكر هذه الآية في أول كتاب البيوع في: باب ما جاء في قول الله عز وجل:
﴿فإذا قضيت الصلاة ... ﴾ [الجمعة: ١٠]. الآية. وقد مر الكلام فيه هناك مستوفىّ وكان
قصده من إعادتها هنا إشارة بأن التجارة، وإن كانت في نفسها ممدوحة باعتبار كونها من
المكاسب الحلال، فإنها قد تذم إذا ما قدمت على ما يجب تقديمه عليها، وكان من الواجب
المقدم عليها إثباتهم مع النبي، عَّ له، حين كان يخطب يوم الجمعة إلى أن يفرغ من الصلاة،
فلما تفرقوا حين أقبلت العير، ولم يبق معه غير اثني عشر رجلاً، أنزل الله تعالى هذه الآية،
وفيها عتب عليهم، وإنكار، وأخبر بأن كونهم مع النبي، عَّله، كان خيراً لهم من التجارة.
١٢/ ٢٠٥٨ - حدّثنا طَلْقُ بنُ غَنَّامٍ قال حدَّثنا زَائِدَةُ عنْ حُصَيْنِ عنْ سالِمٍ قال حدَّثني
جابر رضي الله تعالى عنه قال بَيْنَما نحْنُ نُصَلِّي مَعَ النِبِيِّ عَ لَّهِ إِذْ أقْبلَتْ مِنَ الشَّامِ عِيرٌ
تَحْمِلُ طَعَاماً فالْتَفَتُوا إليْهَا حَتَّى ما بَقِيَ مع النبيِّ عَّلِ إلَّ اثنا عَشَرَ رَجلاً فَزَّلَتْ ﴿وَإِذَا رَأَوْا
تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إليْهَا﴾. [الجمعة: ١١]. [انظر الحديث ٩٣٦ وطرفيه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((فنزلت ﴿وإذا رأوا تجارة .. ﴾ [الجمعة: ١١].)) الآية.
فإن قلت: ما وجه ذكر هذا الباب في كتاب البيوع؟ قلت: فيها ذكر التجارة، وهي من أنواع
البيوع.
والحديث قد مضى في كتاب الجمعة في: باب: إذا نفر الإمام في صلاة الجمعة،
فإنه أخرجه هناك: عن معاوية بن عمرو عن زائدة عن حصين عن سالم بن أبي الجعد عن
جابر ... إلى آخره، وهنا أخرجه: عن طلق بن غنام. على وزن فعال بالتشديد، وهو بالغين
المعجمة وبالنون، ابن طلق بن معاوية أبو محمد النخعي الكوفي، وهو من أفراده، وزائدة هو
ابن قدامة أبو الصلت الكوفي، وحصين، بضم الحاء المهملة وفتح الصاد المهملة: ابن عبد
الرحمن السلمي الكوفي، وسالم هو ابن أبي الجعد، واسمه: رافع الأشجعي الكوفي، وهؤلاء
كلهم کوفیون.

٢٤٨
٣٤ - كِتَابُ الْبُيُوعِ / باب (٧)
قوله: ((يصلي)) أي: صلاة الجمعة، قيل: كانت التفرقة في الخطبة. وأجيب بأن
المنتظر للصلاة كالمصلى، وقد مر الكلام فيه مستوفى. والله أعلم.
٧ - بابُ مَنْ لَمْ يَُالِ مِنْ حَيْثُ كَسَبَ المَالَ
أي: هذا باب في بيان حال من لم يبال من حيث كسب المال، وأشار بهذه الترجمة
إلى ذم من لم يبالِ في مكاسبه من أين يكسب.
٢٠٥٩/١٣ _ حدَّثنا آدمُ قال حدثنا ابنُ أَبِي ذِئبٍ قال حدثنا سَعِيدٌ المَقْبُرِيُّ عن أبي
هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهِ عنِ النبيِّ عَّهِ قال يأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمانٌ لاَ يُبَالِي المَرْءُ ما
أخذَ مِنْهُ أمِنَ الحَلالِ أُم مِنَ الحَرامِ. [الحديث ٢٠٥٩ - طرفه في: ٢٠٨٣].
مطابقته للترجمة في قوله: ((لا يبالي المرء ما أخذ منه: أمن الحلال أم من
الحرام؟» وآدم هو ابن إياس، وابن أبي ذئب هو محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب.
والحديث أخرجه النسائي أيضاً في البيوع عن القاسم بن زكريا بن دينار.
قوله: ((يأتي على الناس)) وفي رواية أحمد عن يزيد عن ابن أبي ذئب بسنده: ((ليأتين
على الناس زمان)). وفي رواية النسائي من وجه آخر: ((يأتي على الناس زمان ما يبالي الرجل
من أين أصابه المال، من حل أو حرام)). وروى الحاكم من حديث الحسن عن أبي هريرة
يرفعه: ((يأتي على الناس زمان لا يبقى فيه أحد إلاَّ أكل الربا، فإن لم يأكله أصابه من غباره)).
وقال: إن صح سماع الحسن عن أبي هريرة فهذا حديث صحيح. وقال ابن بطال: هذا يكون
لضعف الدين وعموم الفتن، وقد قال، عَّ: ((بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً). وروي عنه
أنه قال: ((من بات أَّالاً من عمل الحلال بات والله عنه راضٍ، وأصبح مغفوراً له. وطلب
الحلال فريضة على كل مؤمن)). ذكره ابن الجوزي في (كتاب الترغيب والترهيب) من
حديث داود بن علي بن عبد الله بن عباس عن أبيه عن جده عن ابن عباس مرفوعاً مختصراً.
وقال ابن التين: أخبر بهذا تحذيراً، لأن فتنة المال شديدة. وقد دعي أبو هريرة إلى طعام، فلما
أكل لم ير نكاحاً ولا ختاناً ولا مولوداً، قال: ما هذا؟ قيل خفضوا جارية. فقال: هذا طعام ما
كنا نعرفه، ثم قاءه، قال: يقال: أول ما ينتن من الإنسان بطنه، وروى أبان بن أبي عياش ((عن
أنس قال: قلت: يا رسول الله! إجعلني مستجاب الدعوة. قال: يا أنس أطب كسبك
تستجاب دعوتك. فإن الرجل ليرفع إلى فيه اللقمة من حرام فلا تستجاب له دعوته أربعين
يوماً.
٨ - بابُ التِّجَارَةِ فِي الْبَرِّ وَغَيْرِهِ
أي: هذا باب في بيان إباحة التجارة. قوله: ((في البر))، بفتح الباء الموحدة وتشديد
الراء، وقيل: بفتح الباء وبتشديد الزاي. قال ابن دريد: البز، متاع البيت من الثياب خاصة،
وعن الليث: ضرب من الثياب، وعن الجوهري: هو من الثياب أمتعة البزاز، والبزازة حرفته.

٢٤٩
٣٤ - كِتَابُ البُيُوع / باب (٨)
وقال محمد في (السير الكبير): البز عند أهل الكوفة ثياب الكتان والقطن لا ثياب الصوف
والخز. وقيل: هي السلاح والثياب، وقيل، بضم الباء وتشديد الراء، قيل: الأكثر على أنه
بالزاي، وليس في الحديث ما يدل عليه بخصوصه، وكذلك ليس في الحديث ما يقتضي
تعيين البر، بضم الباء وتشديد الراء. والأقرب أن يكون: بفتح الباء وتشديد الراء، لأنه أليق
بمؤاخاة الترجمة التي تأتي بعدها بباب، وهي قوله: باب التجارة في البحر، وإلى هذا مال ابن
عساكر. قوله: ((وغيره))، ليس هذا اللفظ بموجود في رواية الأكثر، وإنما هو عند الإسماعيلي
وكريمة. قلت: على تقدير وجود هذه اللفظة، الأصوب أن: البز، بالزاي، ويكون المعنى: وغير
البز من أنواع الأمتعة.
وقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ورِجَالٌ لاَ تُلْهِهِمْ تِجَارَةٌ ولاَ بَيْعٌ عنْ ذِكْرِ الله﴾ [النور: ٣٧].
وقوله، بالجر عطف على التجارة، تقديره: وفي تفسير قوله تعالى: ﴿رجال لا تلهيهم﴾
[النور: ٣٧]. وأول الآية: ﴿في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو
والآصال﴾ [النور: ٣٧]. قرأ ابن عامر وأبو بكر عن عاصم بفتح الباء على ما لم يسم فاعله،
ويسند إلى أحد الظروف الثلاثة، أعني: ﴿له فيها بالغدو والآصال﴾ [النور: ٣٧]. ورجال
مرفوع بما دل عليه: يسبح، وهو: يسبح له، والباقون بكسر الباء، جعلوا التسبيح فعلاً للرجال،
ورجال فاعل لقوله: يسبح فإن قيل: التجارة اسم يقع على البيع والشراء، فما معنى ضم: ذكر
البيع إلى التجارة؟ والجواب عنه: قيل: التجارة في السفر والبيع في الحضر، وقيل: التجارة
الشراء، وأيضاً البيع في الإلهاء أدخل لكثرته بالنسبة إلى التجارة.
وقال قَتَادَةُ كانَ الْقَوْمُ يَتَبَايَعُونَ وَيَتَّجِرُونَ ولَكِنَّهُمْ إِذَا نابَهُمْ حقٌّ مِنْ حُقُوقِ الله لَمْ
تُلْهِهِمْ تِجَارَةٌ ولاَ بَيْعٌ عنْ ذِكْرِ اللهِ حَتَّى يُؤَدُّوهُ إِلَى الله
أراد بالقوم: الصحابة، فإنهم كانوا في بيعهم وشرائهم إذا سمعوا إقامة الصلاة يتبادرون
إليها لأداء حقوق الله، ويؤيد هذا ما أخرجه عبد الرزاق من كلام ابن عمر، أنه كان في
السوق فأقيمت الصلاة، فأغلقوا حوانيتهم ودخلوا المسجد، فقال ابن عمر: فيهم نزلت،
فذكر الآية، وقال ابن بطال: ورأيت في تفسير الآية، قال: كانوا حدادين وخرازين، فكان
أحدهم إذا رفع المطرقة أو غرز الأشفى فسمع الأذان لم يخرج الأشفى من الغرزة ولم يوقع
المطرقة، ورمى بها، وقام إلى الصلاة. وفي الآية نعت تجار الأمة السالفة وما كانوا عليه من
مراعاة حقوق الله تعالى والمحافظة عليها والتزام ذكر الله في حال تجاراتهم وصبرهم على
أداء الفرائض وإقامتها، وخوفهم من سوء الحساب والسؤال يوم القيامة.
١٤ / ٢٠٦٠ _ ٢٠٦١ _ حدَّثنا أَبُو عَاصِمِ عنِ ابنِ مُجُرَيْجِ قال أخبرني عَمْرُو بنُ دِينارٍ
عنْ أَبِي المِنْهَالِ قال كنتُ أَنَّجِرُ في الصَّرْفِ فٌسألْتُ زَيْدَ بنَ أَرْقَمَ رضي الله تعالى عنهُ فقال
قال النبيُّ عَّهح وحدَّثني الفَضْلُ بنُ يَعْقُوبَ قال حدَّثنا الحَجَّاجُ بنُ مُحَمَّدٍ قال ابنُ جُرَيْجٍ
أخبرني عَمْرُو بنُ دِينَارٍ وعامِرُ بنُ مُصْعَبٍ أَنَّهُمَا سَمِعَا أَبَا المِنْهَالِ يَقُولُ سألْتُ الْبَرَاءَ بنَ

٢٥٠
٣٤ - كِتَابُ الْبُوعِ / باب (٨)
عازِبٍ وَزَيْدَ بنَ أرْقَمَ عنِ الصَّرْفِ فَقالاَ كُنَّا تَاجِرَيْنٍ عَلَى عَهْدِ رَسولِ اللهِ عَ لَّه فَسأَلْنَا رَسولَ
الله عَّهِ عنِ الصَّرْفِ فقال إنْ كانَ يَدأَ بِيَدٍ فَلاَ بَأْسَ وإنْ كانَ نَسَاءً فَلاَ يَصْلُحُ. [الحديث
٢٠٦٠ - أطرافه في: ٢١٨٠، ٢٤٩٧، ٣٩٣٩]. [الحديث ٢٠٦١ - أطرافه في: ٢١٨١،
٢٤٩٨، ٣٩٤٠].
مطابقته للترجمة في قوله: ((كنا تاجرين على عهد رسول الله عَ لٍ)).
ذكر رجاله: وهم تسعة، لأنه روي من طريقين: الأول: أبو عاصم النبيل الضحاك بن
مخلد. الثاني: عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج. الثالث: عمرو، بفتح العين: ابن دينار.
الرابع: أبو المنهال، بكسر الميم وسكون النون وفي آخره لام: اسمه عبد الرحمن بن مطعم،
ولهم أبو المنهال الآخر صاحب أبي برزة، واسمه: سيار بن سلامة. الخامس: الفضل بن
يعقوب الرخامي. السادس: الحجاج بن محمد الأعور. السابع: عامر بن مصعب، بضم الميم
وفتح العين المهملة. الثامن: البراء بن عازب الأنصاري. التاسع: زيد بن أرقم الأنصاري
الخزرجي.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وبصيغة الإفراد في
موضع. وفيه: الإخبار بصيغة الإفراد في موضعين. وفيه: العنعنة في موضعين. وفيه: السؤال.
وفيه: السماع في موضعين. وفيه: القول في أربعة مواضع. وفيه: أبو عاصم شيخه بصري وابن
جريج وعمرو بن دينار مكيان وأبو المنهال كوفي وفضل بن يعقوب شيخه بغدادي، وهو من
أفراده، والحجاج بن محمد أصله ترمذي سكن المصيصة.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في البيوع عن عمرو بن
علي وعن حفص بن عمر وفي هجرة النبي عَّلِّ عن علي بن عبد الله. وأخرجه مسلم في
البيوع أيضاً عن محمد بن حاتم وعن عبيد الله بن معاذ. وأخرجه النسائي فيه عن محمد بن
منصور، وعن إبراهيم بن الحسن وعن أحمد بن عبد الله وذكر كلهم في حديثهم زيد بن
أرقم سوى عمرو بن علي.
قوله: ((عن الصرف))، قال الداودي: يعني عن الذهب والفضة. وقال الخليل: الصرف
فضل الدرهم على الدرهم، ومنه اشتق اسم الصيرفي لتصريفه بعض ذلك في بعض. قلت:
الصرف من أنواع البيع، وهو بيع الثمن بالثمن. قوله: ((إن كان يداً بيد))، يعني: متقابضين
في المجلس. قوله: ((وإن كان نساء))، بفتح النون وبالمد، وهو رواية الكشميهني، وفي رواية
غيره: ((نسيئاً))، بفتح النون وكسر السين وسكون الياء آخر الحروف بعدها همزة. وفي
(المطالع): ((وإن كان نسيئاً)) على وزن: فعيل، وعند الأصيلي: ((نساء))، مثل: فعال، وكلاهما
صحيح بمعنى التأخر، والنسيء اسم وضع موضع المصدر الحقيقي، ومثله: ﴿إنما النسيء زيادة
في الكفر﴾ [التوبة: ٣٧]. يقال: أنسأت الشيء إنساءً ونساءً، وسيأتي الكلام في هذا الباب
مفصلاً، إن شاء الله تعالى.

٢٥١
٣٤ - كِتَابُ الْبُيُوعِ / باب (٩)
٩ - بابُ الخُرُوجِ فِي التِّجَارَةِ
أي: هذا باب في بيان إباحة الخروج في التجارة، وكلمة: في، هنا للتعليل، أي:
لأجل التجارة، كما في قوله تعالى: ﴿لمسَّكم فيما أفضتم﴾ [الأنفال: ٦٨]. وفي الحديث:
((إن امرأة دخلت النار في هرة حبستها)) أي: لأجل هرة.
وقَوْلِ اللهِ تعالى: ﴿فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وابْتَغُوا منْ فَضْلِ اللهِ﴾ [الجمعة: ١٠].
وقول الله، بالجر عطف على الخروج تقديره: وفي بيان المراد في قول الله، وهو
إباحة الانتشار في الأرض، والابتغاء من فضل الله وهو الرزق، والأمر فيه للإباحة كما في قول
الله تعالى: ﴿وإذا حللتم فاصطادوا﴾ [المائدة: ٢].
٢٠٦٢/١٥ _ حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ سَلاَمَ قال أخبرنا مَخْلَدُ بنُ يَزِيدَ قال أخبرنا ابنُ جرَيْجِ
قال أخبرني عَطاءٌ عنْ عُبَيْدِ بنِ عُمَيْرٍ أَنَّ أباً مُوسَى الأَشْعَرِيَّ اسْتَأْذَنَ عَلَى عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ
رضي الله تعالى عنهُ فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ وكأنَّهُ كانَ مَشْغُولاً فَرَجَعَ أَبُو مُوسَى ففرَغَ عُمرُ فقال أَلَمْ
أسْمَعْ صَوْتَ عَبْدِ اللهِ بنِ قَيْسٍ ائذِنُوا لَهُ قِيلَ قَدْ رَجَعَ فَدَعاهُ كُنَّا نُؤْمَرُ بِذَلِكَ فَقالَ تَأْتِيني
عَلى ذَلِكَ بِالْبَيَِّةِ فَانْطَلَقَ إِلَى مَجْلِسِ الأَنْصَارِ فسَأَلَهُمْ فِقَالُوا لاَ يَشْهَدُ لَكَ عَلى هَذَا إلّ
أَصْغَرْنَا أَبُو سَعِيدِ الخُدْرِيُّ فَذَهَبَ بأبِي سَعِيدِ الخُدْرِيِّ فقال عُمَرُ أَخْفَى عَلَيَّ مِنْ أَمْرِ رسولِ
الله عَِّ أَلْهَانِي الصَّفْقُ بِالأَسْوَاقِ يَعْنِي الخُرُوجَ إِلَى تِجارَةٍ. [الحديث ٢٠٦٢ - طرفاه في:
٦٢٤٥، ٧٣٥٣].
مطابقته للترجمة في قوله: ((ألهاني الصفق)). ومخلد، بفتح الميم وسكون الخاء
المعجمة وفتح اللام: ابن يزيد - من الزيادة - الحراني، مر في آخر الصلاة، وابن جريج عبد
الملك، وعطاء بن أبي رباح، وعبيد بن أبي عمير - مصغرين - ابن قتادة أبو عاصم قاضي
أهل مكة، فقال مسلم: ولد في زمن النبي عَّله. وقال البخاري: رأى النبي عَ ◌ّه، وابن جريج
وعطاء وعبيد مكيون، وأبو موسى الأشعري اسمه عبد الله بن قيس، وأبو سعيد الخدري اسمه
سعد بن مالك، مشهور باسمه وبكنيته.
وأخرجه البخاري أيضاً في الاعتصام عن مسدد. وأخرجه مسلم في الاستئذان من
طرق: أحدهما: عن ابن جريج عن عطاء: ((عن عبيد بن عمير: أن أبا موسى استأذن على
عمر، رضي الله تعالى عنه، ثلاثاً، فكأنه وجده مشغولاً فرجع، فقال عمر: ألم تسمع صوت
عبد الله بن قيس؟ إيذنوا له، فدعي فقال: ما حملك على ما صنعت؟ قال: إنا كنا نؤمر بهذا،
قال: لتقيمن على هذا بينة أو لأفعلن. فخرج فانطلق إلى مجلس من الأنصار، فقالوا: لا يشهد
لك على هذا إلاّ أصغرنا. فقام أبو سعيد، فقال: كنا نؤمر بهذا. فقال عمر: أخفي علي من أمر
رسول الله عَّله؟ ألهاني عنه الصفق بالأسواق)). وفي رواية له من حديث أبي بردة ((عن أبي
موسى الأشعري، قال: جاء أبو موسى إلى عمر بن الخطاب، فقال: السلام عليكم، هذا عبد
الله بن قيس فلم يؤذن له، فقال: السلام عليكم، هذا أبو موسى، السلام عليكم، هذا أبو

٢٥٢
٣٤ - كِتَابُ الْبُوعِ / باب (٩)
موسى الأشعري، ثم انصرف. فقال: ردوا علي، فقال: يا أبو موسى ما ردك؟ كنا في شغل.
قال: سمعت رسول الله، عَّله، يقول: الاستئذان ثلاثاً، فإن أذن لك، وإلاَّ فارجع. قال: لتأتيني
على هذا بينة وإلاَّ فعلت وفعلت ... )) الحديث. وفي لفظ له: ((قال عمر: أقم عليه البينة وإلاّ
أوجعتك)). وفي لفظ له: ((لأوجعن ظهرك وبطنك أو لتأتيني بمن قال يشهد لك على هذا)).
وأخرجه أبو داود أيضاً في الأدب عن يحيى بن حبيب وفي لفظة: ((فقال عمر لأبي موسى:
إني لم أتهمك، ولكني خشيت أن يتقول الناس على رسول الله عٍَّ)).
ذكر معناه: قوله: ((استأذن)) أي: طلب الإذن على الدخول على عمر. قوله: ((فلم
يؤذن له))، على صيغة المجهول. قوله: ((وكأنه)) أي: وكأن عمر كان مشغولاً بأمر من أمور
المسلمين. قوله: ((إيذنوا له)). أصله: إئذنوا له، بالهمزتين، فلما ثقلتا قلبت الثانية ياءً لكسرة ما
قبلها. قوله: ((قيل: قد رجع))، أي: أبو موسى. قوله: ((فدعاه)) أي: دعا عمر أبا موسى. قوله:
((فقال: كنا نؤمر ... )) فيه حذف تقديره: فبعث عمر وراءه فحضر، فقال له: لِمَ رجعت؟ فقال:
كنا نؤمر بذلك. أي: بالرجوع حين لم يؤذن للمستأذن. قوله: ((فقال)) أي: قال عمر تأتيني،
بدون لام التأكيد، وفي رواية مسلم: ((لتأتيني) بنون التأكيد ((على ذلك)) على الأمر بالرجوع.
قوله: ((فقالوا))، أي: الأنصار. قال النووي: إنما قال ذلك الأنصار إنكاراً على عمر، رضي الله
تعالى عنه، فيما قاله إنه حديث مشهور بيننا، معروف عندنا، حتى إن أصغرنا يحفظه وسمعه
من رسول الله عٍَّ. قوله: ((أخفي علي؟)) الهمزة للاستفهام. و: عليَّ، بتشديد الياء. قوله:
((ألهاني الصفق))، قال المهلب: ألهاني الصفق، من قوله تعالى: ﴿وإذا رأوا تجارة أو لهواً
انفضوا إليها﴾ [الجمعة: ١١]. فقرن التجارة باللهو فسماها عمر لهواً مجازاً، أراد شغلهم
بالبيع والشراء عن ملازمة النبي عٍَّ في كل أحيانه، حتى حضر من هو أصغر مني ما لم
أحضره من العلم.
ذكر ما يستفاد منه: فيه: أن الاستئذان لا بد منه عند الدخول على من أراد، قال الله
تعالى: ﴿لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها﴾ [النور: ٢٧].
الاستئناس: هو الاستئذان، وقال بعض أهل العلم: الاستئذان ثلاث مرات مأخوذ من قوله
تعالى: ﴿ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات﴾ [النور:
٥٨]. قال: يريد ثلاث دفعات، قال: فورد القرآن في المماليك والصبيان، وسنة رسول الله
عَّه في الجميع، وقال أبو عمر: هذا، وإن كان له وجه، ولكنه غير معروف عند العلماء في
تفسير الآية الكريمة، والذي عليه جمهورهم في قوله: ((ثلاث مرات)) أي: ثلاثة أوقات. ويدل
على صحة هذا القول ذكره فيها: ﴿من قبل صلاة الفجر وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة
ومن بعد صلاة العشاء﴾ [النور: ٥٨]. ثم السنة أن يسلم ويستأذن ثلاثاً ليجمع بينهما.
واختلفوا: هل يستحب تقديم السلام ثم الاستئذان، أو تقديم الاستئذان ثم السلام؟ وقد
صح حديثان في تقديم السلام، فذهب جماعة إلى قوله: السلام عليكم أدخل، وقيل: يقدم
الاستئذان.

٢٥٣
٣٤ - كِتَابُ الْبُيُوعِ / باب (١٠)
وفيه: أن الرجل العالم قد يوجد عند من هو دونه في العلم ما ليس عنده إذا كان
طريق ذلك العلم السمع، وإذا جاز ذلك على عمر فما ظنك بغيره بعده، قال ابن مسعود: لو
أن علم عمر وضع في كفة ووضع علم أحياء أهل الأرض في كفة لرجح علم عمر عليهم.
وفيه: دلالة على أن طلب الدنيا يمنع من استفادة العلم، وكلما ازداد المرء طلباً لها ازداد
جهلاً، وقل علماً. وفيه: طلب الدليل على ما يعكر من الأقوال حتى يثبت عنده. وفيه:
الدلالة على أن قول الصحابي: كنا نؤمر بكذا، محمول على الرفع.
ذكر الأسئلة والأجوبة: منها: أن طلب عمر البينة يدل على أنه لا يحتج بخبر الواحد،
وزعم قوم أن مذهب عمر هذا، والجواب عنه أن عمر قد ثبت عنده خبر الواحد، وقبوله
والحكم به، أليس هو الذي نشد الناس بمنى: من كان عنده علم عن رسول الله عَّ في
الدية فليخبرنا؟ وكان رأيه أن المرأة لا ترث من دية زوجها، لأنها ليست من عصبة الذين
يعقلون عنه، فقام الضحاك بن سفيان الكلابي فقال: كتب إلي رسول الله، عَِّ، أن ورِّث
امرأة أشيم من دية زوجها. وكذلك نشد الناس في دية الجنين، فقال حمل بن النابغة: إن
رسول الله عَّلِ قضى فيه بغرة عبد أو وليدة، فقضى به عمر، ولا يشك ذو لب ومن له أقل
منزلة من العلم أن موضع أبي موسى من الإسلام ومكانه من الفقه والدين أجل من أن يرد
خبره، ويقبل خبر الضحاك، وحمل وكلاهما لا يقاس به في حال، وقد قال له عمر في
(الموطأ): إني لم أتهمك، فدل ذلك على اعتماد كان من عمر، وطلب البينة في ذلك الوقت
لمعنى الله أعلم به. وقد يحتمل أن يكون عمر عنده في ذلك الحين من ليست له صحبة من
أهل العراق أو الشام ولم يتمكن الإيمان في قلوبهم لقرب عهدهم بالإسلام، فخشي عليهم أن
يختلقوا الكذب على رسول الله، عَ لّره، عند الرغبة أو الرهبة.
ومنها: أن قول عمر: ((ألهاني الصفق بالأسواق)) يدل على أنه كان يقل المجالسة مع
النبي عَّهِ، وهذا لم يكن لائقاً بحقه. والجواب: أن هذا القول من عمر على معنى الذم
لنفسه، وحاشاه أن يقل من مجالسته وملازمته، وقد كان عَّه كثيراً ما يقول: فعلت أنا وأبو
بكر وعمر، وكنت أنا وأبو بكر وعمر، ومكانهما منه عال، وكان خروجه في بعض الأوقات
إلى الأسواق للكفاف، وكان من أزهد الناس لأنه وجد فترك.
ومنها: ما قيل: إن عمر قال لأبي موسى: أقم البينة وإلاَّ أوجعتك. وفي رواية: ((فوالله
لأوجعن ظهرك وبطنك))، وفي رواية: ((لأجعلنك نكالاً))، فما معنى هذا؟ وأبو موسى كان عنده
أميناً. ولهذا استعمله وبعثه النبي عَّ أيضاً ساعياً وعاملاً على بعض الصدقات، وهذه منزلة
رفيعة في الثقة والأمانة؟ وأجيب: بأن هذا كله محمول على أن تقديره: لأفعلن بك هذا
الوعيد إن بان أنك تعمدت كذباً.
١٠ - بابُ التِّجارَةِ فِي البَخْرِ
أي: هذا باب في بيان إباحة التجارة في ركوب البحر.

٢٥٤
٣٤ - كِتَابُ الْبُوعِ / باب (١٠)
وقال مَطَرٌ لاَ بَأْسَ بِهِ ومَا ذَكَّرَهُ الله فِي القُرْآنِ إلاَّ بِحَقّ ثُمَّ تَلاَ ﴿وَتَرَي الفُلْكَ
مَوَاخِرَ فِيهِ ولِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النحل: ١٤].
مطر هذا هو الوراق البصري، وهو مطر بن طهمان أبو رجاء الخراساني، سكن البصرة
وكان يكتب المصاحف، فلذلك قيل له: روى عن أنس، ويقال: مرسل ضعفه يحيى بن سعيد
في حديثه عن عطاء، وكذا روى عن ابن معين، وعنه صالح، وذكره ابن حبان في الثقات،
روى له البخاري في كتاب (الأفعال) وروى له الباقون. وقال الكرماني: الظاهر أنه مطر بن
الفضل المروزي شيخ البخاري، ووصفه المزي والشيخ قطب الدين الحلبي وغيرهما بأنه
الوراق، ووقع في رواية الحموي وحده، مطرف، موضع: مطر، وليس بصحيح وهو محرف.
قوله: ((لا بأس به)) أي: بركوب البحر، يدل عليه لفظ التجارة في البحر لأنها لا تكون
إلاَّ بالركوب. قوله: ((وما ذكره الله)) أي: ما ذكر الله ركوب البحر في القرآن إلاَّ بحق،
والكلام في هذا الضمير مثل الكلام فيما قبله، ولما رأى مطر أن الآية سيقت في موضع
الامتنان استدل به على الإباحة، واستدلاله حسن لأنه تعالى جعل البحر لعباده لابتغاء فضله
من نعمه التي عددها لهم، وأراهم في ذلك عظيم قدرته، وسخر الرياح باختلافها لحملهم
وترددهم، وهذا من عظيم آياته، ونبههم على شكره عليها بقوله: ﴿من فضله لعلكم
تشكرون﴾ [فاطر: ١٢]. وهذه الآية في سورة فاطر، وأما التي في النحل وهي: ﴿وترى
الفلك مواخر فيه ولتبتغوا﴾ [النحل: ١٤]. بالواو، وهذا يرد قول من زعم منع ركوبه في أبان
ركوبه، وهو قول يروى عن عمر، رضي الله تعالى عنه، ولما كتب إلى عمرو بن العاص يسأله
عن البحر، فقال: خلق عظيم يركبه خلق ضعيف دود على عود، فكتب إليه عمر، رضي الله
تعالى عنه: أن لا يركبه أحد طول حياته، فلما كان بعد عمر لم يزل يركب حتى كان عمر
ابن عبد العزيز، فاتبع فيه رأي عمر، رضي الله تعالى عنه، وكان منع عمر لشدة شفقته على
المسلمين، وأما إذا كان أبان هيجانه وارتجاجه فالأمة مجمعة على أنه لا يجوز ركوبه، لأنه
تعرض للهلاك، وقد نهى الله عباده عن ذلك. بقوله تعالى: ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾
[البقرة: ١٩٥]. وقوله تعالى: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيماً﴾ [النساء: ٢٩].
والْفُلْكُ: السُّفُنُ، الوَاحِدُ والجَمْعُ سَوَاءٌ
الظاهر أنه من كلام البخاري: يعني: أن المراد من الفلك في الآية: السفن، أراد أنه
الجمع بدليل قوله: ﴿مواخر﴾ [النحل: ١٤]. والسفن بضم السين والفاء: جمع سفينة. قال
ابن سيده: سميت سفينة لأنها تسفن وجه الماء. أي: تقشره، فعيلة بمعنى فاعلة، والجمع:
سفائن وسفن وسفين. قوله: ((الواحد والجمع سواء) يعني: في الفلك، ويدل عليه قوله
تعالى: ﴿في الفلك المشحون﴾ [الشعراء: ١١٩، يس: ٤١]. وقوله: ﴿حتى إذا كنتم في
الفلك وجرين بهم﴾ [يونس: ٢٢]. فذكره في الإفراد والجمع بلفظ واحد. وقال بعضهم:
وقيل: إن الفلك بالضم والإسكان جمع فلك بفتحتين، مثل: أسد وأسد. قلت: هذا الوجه غير

٢٥٥
٣٤ - كِتَابُ الْبُوعِ / باب (١١)
صحيح، وإنما الذي يقال: إن ضمة فاء: فلك، إذا قوبلت بضم همزة أسد الذي هو جمع يقال
جمع، وإذا قوبلت بضم قاف: قفل، يكون مفرداً.
وقال مُجِاهِدٌ تَمْخُرُ السَّفُنُ الرِّيحَ ولاَ تَمْخُرُ الرِّيحَ مِنَ السَّفْنِ إِلاَّ الْفُلْكُ العِظَامُ
قال ابن التين: يريد أن السفن تمخر من الريح، إن صغرت. أي: تصوت، والريح لا
تمخر، أي: لا تصوت من كبار الفلك لأنها إذا كانت عظيمة صوتت الريح. وقال عياض:
ضبطه الأكثر بنصب السفن، وعكسه الأصيلي، وقيل: ضبط الأصيلي هو الصواب، وهو ظاهر
القرآن، إذ جعل الفعل للسفينة، فقال: مواخير فيه، وقيل: ضبط الأكثر هو الصواب بناء على
أن الريح الفاعل، وهي التي تصرف السفينة في الإقبال والإدبار. قوله: (تمخر))، بفتح الخاء
المعجمة، أي: تشق، يقال: مخرت السفينة إذا شقت الماء بصوت. وقيل: المخر الصوت
نفسه. قوله: ((من السفن)) صفة لشيء محذوف أي: لا تمخر الريح شيء من السفن إلا الفلك
العظام، وهو بالرفع بدل عن شيء، ويجوز فيه النصب، ومواخر جمع ماخرة، ومعنى مواخر:
جواري، وقال الزمخشري: سواق.
... / ٢٠٦٣ _ وقال اللَّيْثُ حدَّثني جَعْفَرُ بنُ رَبِيعَةَ عنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بنِ هُرْمُزَ عنْ
أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ عنْ رَسُولِ اللهِ عَّهِ أَنَّهُ ذَكَرَ رَجُلاً مِنْ بِنِي إِسْرَائِيلَ خَرَجَ فِي
البَحْرِ فَقَضَى حاجَتَهُ وساقَ الحَدِيثَ. [انظر الحديث ١٤٩٨ وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((خرج في البحر))، وأشار بهذا إلى أن ركوب البحر لم
يزل متعارفاً مألوفاً من قديم الزمان، وأيضاً إن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يقص الله على
إنكاره، وهذا الحديث طرف من حديث ساقه بتمامه في كتاب الكفالة على ما يأتي إن شاء
الله تعالى، ومضى أيضاً في كتاب الزكاة في: باب ما يستخرج من البحر، وذكره هناك
بقوله: وقال الليث: حدثني جعفر بن ربيعة ... إلى آخره، بصورة التعليق هناك، وقد مر الكلام
فيه هناك.
حدَّثني عَبْدُ الله بنُ صَالِحٍ قال حدَّثني اللَّيْثُ بِهذا
صرح بهذا وصل المعلق المذكور بقوله، وقال الليث: وهذا لم يقع في أكثر الروايات
في الصحيح، وإنما وقع ذكره في رواية أبي ذر، وأبي الوقت.
١١ - بابٌ ﴿وإذَا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إلَيْهَا﴾ [الجمعة: ١١]. وقَوْلُهُ جَلَّ
ذِكْرُهُ ﴿رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ ولاَ بَيْعٌ عنْ ذِكْرِ الله﴾ [النور: ٣٧].
أي: هذا باب يذكر فيه قوله تعالى: ﴿وإذا رأوا تجارة﴾ [الجمعة: ١١]. إلى قوله:
﴿عن ذكر الله﴾ [النور: ٣٧]. ثم ذكر حديث جابر، والآية الثانية ذكرها في أول باب
التجارة في البر، وإنما أعادهما في رواية المستملي لا غير. قيل: لم يدر ما فائدة الإعادة
وقيل: ذكرها هنا لمنطوقها، وهو الذم، وذكرها فيما مضى لمفهومها، وهو تخصيص ذمها

٢٥٦
٣٤ - كِتَابُ البُيُوع / باب (١٢)
بحالة اشتغل بها عن الصلاة والخطبة.
وقال قَتَادَةُ كانَ القَوْمُ يَتَّجِرُونَ ولَكِنَّهُمْ كانُوا إذا نابَهُمْ حقٌّ مِنْ حُقُوقِ الله لَمْ تُلْهِهِمْ
تِجارَةٌ ولاَ بَيْعٌ عنْ ذِكْرِ الله حتَّى يُؤَدُّوهُ إلى الله
هذا أيضاً ذكره في: باب تجارة البر، وأعاده هنا في رواية المستملي.
٢٠٦٤/١٦ _ حدَّثني مُحَمَّدٌ قال حدَّثني محَمَّدُ بنُ فُضَيْلٍ عنْ حُصَيْنٍ عنْ سالِمٍ بنِ
أبِي الجَعْدِ عنْ جابِرٍ رضي الله تعالى عنهُ قال أقْبلَتْ عِيرٌ ونَحْنُ نُصَلِّي مَعَ النبيِّمَ له
الجُمُعَةَ فانْفَضَّ النَّاسُ إلَّ اثنيْ عَشَرَ رَجُلاً فَتَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةٌ أَوْ لَهْواً انْفَضُوا
إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قائِماً [الجمعة: ١١]. [انظر الحديث ١٣٦ وطرفيه].
هذا أيضاً ذكره في: باب قول الله عز وجل: ﴿وإذا رأوا تجارة﴾ [الجمعة: ١١]. فإنه
أخرجه هناك: عن طلق بن غنام عن زائدة عن حصين عن سالم ... إلى آخره، وأخرجه هنا:
عن محمد - هو ابن سلام البيكندي، نص عليه الحافظان الدمياطي والمزي - عن محمد بن
فضيل - مصغر الفضل - بن غزوان الضبي الكوفي عن حصين، بضم الحاء المهملة. وتقدم
الكلام فيه هناك، وإنما أعاده هنا أيضاً في رواية المستملي لا غير. وفي رواية النسفي ذكر
هذه المقامات كلها ههنا، وحذفها فيما مضى.
١٢ - بابُ قَوْلِ الله تعالى ﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٦٧].
أي: هذا باب في بيان تفسير قوله تعالى: ﴿أنفقوا من طيبات ما كسبتم﴾ [البقرة:
٢٦٧]. من حلالات كسبكم، وعن مجاهد المراد بها التجارة، وقال ابن بطال: إنه وقع في
الأصل: كلوا، بدل: أنفقوا، وقال: إنه غلط. وفي (التلويح): وفي بعض النسخ: ﴿كلوا من
طيبات ما كسبتم﴾ فالأول التلاوة، وكان الثاني من طغيان القلم.
١٧/ ٢٠٦٥ _ حدَّثنا عُثْمَانُ بنُ أبِي شَيْبَةً قال حدَّثنا جَرِيرٌ عنْ مَنْصُورٍ عنْ أَبِي وَائِلٍ
عن مَسْرُوقٍ عن عائشةَ رضي الله تعالى عنها قَالَتْ قال النبيُّ عَّهِ إِذَا أَنْفَقَتِ المَرْأَةُ مِنْ
طَعَامٍ بَيْتِهَا غَيْرَ مِفْسِدَةٍ كَانَ لَهَا أَجْرُها بِمَا أَنْفَقَتْ ولِزَوْجِهَا بِمَا كَسَبَ ولِلْخَازِنِ مِثْلُ ذَلِكَ لاَ
يَنْقُصَّ بَعْضُهُمْ أَجْرَ بَعْضٍ شيئاً. [انظر الحديث ١٤٢٥ وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((بما كسب))، وقد مضى هذا الحديث في كتاب الزكاة
في: باب أجر المرأة إذا تصدقت، فإنه أخرجه هناك من ثلاث طرق. الأول: عن آدم عن
شعبة عن منصور والأعمش عن أبي وائل عن مسروق عن عائشة، رضي الله تعالى عنها.
الثاني: عن عمر بن حفص عن أبيه عن الأعمش عن شقيق عن مسروق عنها. والثالث: عن
يحيى بن يحيى عن جرير عن منصور عن شقيق عن مسروق عنها. وهنا أخرجه: عن عثمان
ابن أبي شيبة أخي أبي بكر بن أبي شيبة عن جرير بن عبد الحميد عن منصور بن المعتمر
عن أبي وائل عن شقيق عن مسروق بن الأجدع عنها، وقد مر الكلام فيه هناك. قوله: ((غير

٢٥٧
٣٤ - كِتَابُ الْبُيُوعِ / باب (١٣)
مفسدة)) أي: غير منفقة في وجه لا يحل.
٢٠٦٦/١٨ _ حدَّثني يَحْيَى بنُ جَعْفَرٍ قال حدَّثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عنْ مَعْمَرٍ عن هَمَّامٍ
قال سَمِعْتُ أبا هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ عنِ النبيِّ عَِّ قَال إِذَا أَنفَقَتِ المَرْأَةُ مِنْ كَسْبٍ
زَوْجِهَا عنْ غَيْرِ أَمْرِهِ فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِهِ. [الحديث ٢٠٦٦ - أطرافه في: ٥١٩٢، ٥١٩٥،
٥٣٦٠].
مطابقته للترجمة في قوله: ((من كسب زوجها))، فإن كسبه من التجارة وغيرها، وهو
مأمور بأن ينفق من طيبات ما كسب. ويحيى بن جعفر بن أعين أبو زكريا البخاري البيكندي،
وهو من أفراده، وعبد الرزاق بن همام الصنعاني اليماني، ومعمر، بفتح الميمين: ابن راشد،
وهمام بن منبه.
والحديث أخرجه البخاري أيضاً عن يحيى في النفقات. وأخرجه مسلم في الزكاة عن
محمد بن رافع، وأخرجه أبو داود فيه عن الحسن بن علي الخلال، كلهم عن عبد الرزاق به.
قوله: ((من غير أمره)) أي: من غير أمر الزوج. قال الكرماني: كيف يكون لها أجر وهو
بغير أمر الزوج؟ فأجاب: بقوله: قد يكون بإذنه ولا يكون بأمره، ثم قال: قد تقدم أنه لا ينقص
بعضهم أجر بعض فلم يكن له النصف؟ ثم أجاب بقوله: ذلك فيما كان يأمره أو أجرها هو
نصف الأجر ولا ينقص عما هو أجره الذي هو النصف. وقال ابن التين: الحديثان غير
متناقضين، وذلك أن قوله: ((لها نصف أجره))، يريد أن أجر الزوج وأجر مناولة الزوجة يجتمعان
فيكون للزوج النصف وللمرأة النصف، فذلك النصف هو أجرها كله، فكأنهما نصفان، وقيل:
يحتمل أن أجرهما مثلان، فأشبه الشيء المنقسم بنصفين.
١٣ - بابُ مَنْ أحَبَّ الْبَسْطَ فِي الرِّزْقِ
أي: هذا باب في بيان من أحب البسط، أي: التوسع في الرزق، وجواب: من،
محذوف، يعني: ماذا يفعل؟ وأوضحه في الحديث بأن من أحب هذا فليصل رحمه.
١٩/ ٢٠٦٧ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ أبِي يَعْقُوبَ الْكِرْمانيُ قال حدثنا حَسَانُ قال حدَّثنا
يُونُسُ قال حدَّثنا مُحَمَّدٌ عنْ أَنَسِ بنِ مالِكِ رضي الله تعالى عنهُ قال سَمِعْتُ رسولَ الله عَ له
يَقُولُ مِنْ سَرَّهُ أنْ يُبْسَطَ لَهُ رِزْقُهُ أَوْ يُنْسأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ. [الحديث ٢٠٦٧ -
طرفه في: ٥٩٦٨].
مطابقته للترجمة من حيث إنه يوضحها ويبين جوانبها.
ذكر رجاله وهم خمسة: الأول: محمد بن أبي يعقوب، واسمه إسحاق وكنية محمد
أبو عبد الله. الثاني: حسان، على وزن فعال بالتشديد: ابن إبراهيم أبو هشام العنزي، بالعين
المهملة والنون المفتوحتين، وبالزاي: قاضي كرمان، مات سنة ست وثمانين ومائة وله مائة
سنة. الثالث: يونس بن يزيد. الرابع: محمد بن مسلم الزهري. الخامس: أنس بن مالك.
عمدة القاري/ ج١١ م١٧

٢٥٨
٣٤ - كِتَابُ الْبُوعِ / باب (١٣)
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في أربعة مواضع. وفيه: العنعنة في
موضع واحد. وفيه: السماع والقول. وفيه: أن شيخه وحسان كرمانيان، وكرمان صقع كبير
بين فارس وسجستان ومكران، وقال النووي: كرمان إسم لتلك الديار التي قصبتها برد سير
وقد غلب على برد سير حتى كانت مقصد القوافل والملوك والعساكر. قلت: برد سير، بفتح
الباء الموحدة وسكون الراء وفتح الدال وكسر السين المهملات وسكون الياء آخر الحروف
وفي آخره راء. وقال النووي: كرمان، بفتح الكاف. وقال الكرماني الشارح بكسرها، قال: هو
بلدنا وأهل البلد أعلم باسم بلدهم من غيرهم، وهم متفقون على كسرها، وساعد بعضهم
النووي فقال: لعل الصواب فيها في الأصل الفتح ثم كثر استعمالها بالكسر تغييراً من العامة.
قلت: ضبط هذا بالوجهين، ولكن الذي ذكره الكرماني هو الأصوب لأنه ادعى اتفاق أهل
بلده على الكسر، ومع هذا ليس هذا محل المناقشة، ولا يبنى على الكسر ولا على الفتح.
ذكر من أخرجه غيره: أخرجه مسلم في الأدب عن حرملة بن يحيى. وأخرجه أبو
داود في الزكاة عن أحمد بن صالح ويعقوب بن كعب الأنطاكي. وأخرجه النسائي في
التفسير عن أحمد بن يحيى بن الوزير.
ذكر معناه: قوله: ((من سره)) أي: من أفرحه. قوله: ((أن يبسط)) كلمة: أن، مصدرية
في محل الرفع لأنه فاعل: سره، يبسط، على صيغة المجهول. قوله: ((أو ينسأ))، بضم الياء
وسكون النون بعدها سين مهملة ثم همزة، أي: يؤخر له، وهو من الإنساء وهو التأخير. قوله:
((في أثره)) أي: في بقية أثر عمره. قال زهير:
لا ينتهي العيش حتى ينتهى الأثر
والمرء ما عاش ممدود له أمل
أي: ما بقي له من العمر. قوله: ((فليصل رحمه))، جواب: من، فلذلك دخلته الفاء.
واختلفوا في الرحم، فقيل: كل ذي رحم محرم. وقيل: وارث. وقيل: هو القريب،
سواء كان محرماً أو غيره، ووصل الرحم تشريك ذوي القربى في الخيرات، وهو قد يكون
بالمال وبالخدمة وبالزيارة ونحوها. وقال عياض: لا خلاف أن صلة الرحم واجبة في الجملة،
وقطيعتها معصية كبيرة، والأحاديث تشهد لهذا، ولكن للصلة درجات بعضها أرفع من بعض،
وأدناها ترك المهاجرة وصلتها بالكلام ولو بالسلام، ويختلف ذلك باختلاف القدرة والحاجة،
فمنها واجب، ومنها مستحب. ولو وصل بعض الصلة ولم يصل غايتها لا يسمى قاطعاً، ولو
قصر عما يقدر عليه وينبغي له لم يسم واصلاً.
وفي كتاب (الترغيب والترهيب) للحافظ أبي موسى المديني: روى من حديث عبد
الرحمن بن سمرة: أن رسول الله، عَ لّه، قال: ((إني رأيت البارحة عجباً، رأيت رجلاً من
أمتي أتاه ملك الموت، عليه السلام، ليقبض روحه فجاءه بر والده فرد ملك الموت
عنه)). الحديث، وقال: هو حسن جداً. وروى من حديث داود ابن المحبر عن عباد عن سهل
عن أبيه عن أبي هريرة وأبي سعيد: أن النبي مَّل قال: ((ابن آدم! اتقٍ ربك، وبر والديك،

٢٥٩
٣٤ - كِتَابُ الْبُيُوع / باب (١٣)
وصل رحمك يمد لك في عمرك وييسر لك يسرك، ويجنب عسرك وييسر لك في
رزقك)). ومن حديث داود بن عدي بن علي عن أبيه عن ابن عباس، قال رسول الله عَ ليه:
((إن صلة الرحم تزيد في العمر)). ومن حديث عبد الله بن الجعد عن ثوبان قال رسول الله،
عٍَّ: ((لا يزيد في العمر إلاَّ بر الوالدين، ولا يزيد في الرزق إلاّ صلة الرحم)). ومن
حديث إبراهيم السامي عن الأوزاعي عن محمد بن علي بن الحسين، أخبرني أبي عن جدي
((عن علي أنه سأل النبي عَّه عن قوله: ﴿يمحو الله ما يشاء ويثبت﴾ [الرعد: ٣٩]. فقال:
هي الصدقة على وجهها وبر الوالدين واصطناع المعروف وصلة الرحم تحول الشقاء سعادة،
وتزيد في العمر وتقي مصارع السوء. زاد محمد بن إسحاق العكاشي عن الأوزاعي: ((يا علي!
من كانت فيه خصلة واحدة من هذه الأشياء أعطاه الله تعالى ثلاث خصال))، وروى عن
عمر وابن عباس وابن عمر وجابر بن عبد الله نحوه. ومن حديث عكرمة بن إبراهيم عن زائدة
ابن أبي الرقاد عن موسى بن الصباح عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي عَ لّه أنه قال:
((إن الإنسان ليصل رحمه وما بقي من عمره إلاَّ ثلاثة أيام فيزيد الله تعالى في عمره ثلاثين
سنة، وأن الرجل ليقطع رحمه وقد بقي من عمره ثلاثون سنة فينقص الله تعالى عمره حتى لا
يبقى فيه إلاَّ ثلاثة أيام)). ثم قال: هذا حديث لا أعرفه إلاّ بهذا الإسناد. ومن حديث إسماعيل
ابن عياش ((عن داود بن عيسى، قال: مكتوب في التوراة صلة الرحم وحسن الخلق وبر القرابة
تعمر الديار وتكثر الأموال وتزيد في الآجال وإن كان القوم كفاراً». قال أبو موسى: يروى هذا
من طريق أبي سعيد الخدري مرفوعاً عن التوراة.
وقال أبو الفرج فإن قيل: أليس قد فرغ من الأجل والرزق؟ فالجواب من خمسة أوجه:
أحدها: أن يكون المراد بالزيادة توسعة الرزق وصحة البدن، فإن الغنى يسمى حياة، والفقر
موتاً. الثاني: أن يكتب أجل العبد مائة سنة ويجعل تزكيته تعمير ثمانين سنة، فإذا وصل
رحمه زاده الله في تزكيته فعاش عشرين سنة أخرى، قالهما ابن قتيبة. الثالث: أن هذا التأخير
في الأصل مما قد فرغ منه لكنه علق الأنعام به بصلة الرحم، فكأنه كتب أن فلاناً يبقى
خمسين سنة، فإن وصل رحمه بقي ستين سنة. الرابع: أن تكون هذه الزيادة في المكتوب،
والمكتوب غير المعلوم فما علمه الله تعالى من نهاية العمر لا يتغير، وما كتبه قد يمحى
ويثبت، وقد كان عمر بن الخطاب يقول: إن كنت كتبتني شقياً فامحني، وما قال: إن كنت
علمتني، لأن ما علم وقوعه لا بد أن يقع. ويبقى على هذا الجواب إشكال، وهو أن يقال:
إذا كان المحتوم واقعاً فما الذي أفاده زيادة المكتوب ونقصانه؟ فالجواب: أن المعاملات
على الظواهر، والمعلوم الباطن خفي لا يعلق عليه حكم، فيجوز أن يكون المكتوب يزيد
وينقص ويمحى ويثبت ليبلغ ذلك على لسان الشرع إلى الآدمي، فيعلم فضيلة البر وشؤم
العقوق. ويجوز أن يكون هذا مما يتعلق بالملائكة، عليهم السلام، فتؤمر بالإثبات والمحو،
والعلم الحتم لا يطلعون عليه. ومن هذا إرسال الرسل إلى من لا يؤمن. الخامس: أن زيادة
الأجل تكون بالبركة فيه وتوفيق صاحبه لفعل الخيرات وبلوغ الأغراض، فنال في قصر العمر

٢٦٠
٣٤ - كِتَابُ الْبُيُوعِ / باب (١٤)
ما يناله غيره في طويله. وزعم عياض أن المراد بذلك: بقاء ذكره الجميل بعد الموت على
الألسنة، فكأنه لم يمت، وذكر الحكيم الترمذي: أن المراد بذلك قلة المقام في البرزخ.
١٤ - بابُ شِرَاءِ النبيِّ عَ لّه بِالنَّسِيئَةِ
أي: هذا باب في بيان شراء النبي معَ ◌ّه بالنسئة بفتح النون وسكون السين المهملة
وفتح الهمزة، وهو الأجل وفي (المغرب): يقال: بعثه بنساء ونسيء ونسئة، بمعنى.
٢٠ / ٢٠٦٨ _ حدَّثنا مُعَلَّى بنُ أَسَدٍ قال حدثنا عَبْدُ الوَاحِدِ قال حدَّثنا الأعْمَشُ قال
ذَكَرْنا عِنْدَ إِبْرَاهِيمَ الرَّهْنَ فِي السَّلَمِ فقال حدَّثني الأسْوَدُ عنْ عَائِشَةَ رضي الله تعالى عنها أنَّ
النبيَّ عَّهِ اشْتَرَى طَعاماً مِنْ يَهُودِيّ إلَى أَجَلٍ ورَهَنَهُ دِرْعاً مِنْ حَدِيدٍ. [الحديث ٢٠٦٨ -
أطرافه فى: ٢٠٩٦، ٢٢٠٠، ٢٢٥١، ٢٢٥٢، ٢٣٨٦، ٢٥٠٩، ٢٥١٣، ٢٩١٦،
٤٤٦٧].
مطابقته للترجمة ظاهرة.
ذكر رجاله: وهم ستة: الأول: معلى، بضم الميم وفتح العين المهملة وتشديد اللام
المفتوحة: ابن أسد أبو الهيثم. الثاني: عبد الواحد بن زياد. الثالث: سليمان الأعمش.
الرابع: إبراهيم النخعي. الخامس: الأسود بن يزيد. السادس: أم المؤمنين عائشة.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع وبصيغة الإفراد
في موضع. وفيه: العنعنة في موضع. وفيه: أن شيخه وعبد الواحد بصريان، والبقية كوفيون.
وفيه: ثلاثة من التابعين على نسق واحد، وهم الأعمش وإبراهيم والأسود. وفيه: رواية الراوي
عن خاله وهو إبراهيم يروي عن الأسود وهو خاله.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري في أحد عشر موضعاً في
البيوع وفي الاستقراض وفي الجهاد عن معلى بن أسد، وفي السلم عن محمد بن محبوب،
وفي الشركة عن مسدد وفي البيوع أيضاً عن يوسف بن عيسى وعن عمر بن حفص وفي
السلم أيضاً عن محمد عن يعلى بن عبيد وفي الرهن عن قتيبة وفي الجهاد أيضاً عن محمد
ابن كثير وفي المغازي عن قبيصة بن عقبة. وأخرجه مسلم في البيوع عن يحيى بن يحيى
وأبي بكر بن أبي شيبة وأبي كريب وعن إسحاق بن إبراهيم وعلي بن خشرم وعن أبي بكر
ابن أبي شيبة أيضاً وعن إسحاق بن إبراهيم أيضاً. وأخرجه النسائي فيه عن محمد بن آدم
وعن أحمد بن حرب. وأخرجه ابن ماجه في الأحكام عن أبي بكر بن أبي شيبة.
ذكر معناه: قوله: ((في السلم))، أي: السلف ولم يرد به السلم الذي هو بيع الدين
بالعين، وهو أن يعطي ذهباً أو فضة في سلعة معلومة إلى أمد معلوم. قوله: ((اشترى طعاماً من
يهودي))، واختلف في مقدار ما استدانه من الطعام، ففي البخاري من حديث عائشة: ((بثلاثين
صاعاً من شعير))، وفي أخرى: ((بعشرين))، وفي (مصنف) عبد الرزاق: ((بوسق شعير أخذه
لأهله))، وللبزار من طريق ابن عباس: ((أربعين صاعاً)). وعند الترمذي من حديث ابن عباس: