Indexed OCR Text
Pages 341-360
٣٤١ ٢٩ - كتاب فضائل المدينة / باب (٥) انتهى. قلت: من اسم يعرب بن قحطان بن عابر، وهو هود، فلذلك يقال أرض یمن، ذكره في كتاب (التيجان) وذكر البكري: إنما سمي اليمن يمناً لأنه عن يمين الكعبة، كما سمي الشام شاماً لأنه عن شمال الكعبة. وقيل: إنما سمي بذلك قبل أن تعرف الكعبة لأنه عن يمين الشمس، وقيل: سميت اليمن يمناً بيمن بن قحطان، وحكى الهمداني، قال: لما طغت العرب العاربة أقبلت بنو يقطن بن عابر فتيامنوا، فقالت العرب: تيامنت بنو يقطن، فسموا اليمن. وتشأم الآخرون فسموا شاماً. قوله: ((يبسون))، بفتح الياء آخر الحروف وضم الباء الموحدة وتشديد السين المهملة من: بس يبس بساً، والبس: سوق الإبل. تقول: بس يبس عند السوق وإرادة السرعة، وقال ابن عبد البر في رواية يحيى بن يحيى: يبسون، بكسر الباء الموحدة، وقيل: إن ابن القاسم رواه بضمها قلت: حاصله أنه من باب: نصر ينصر، ومن باب: ضرب يضرب، وفي (التلويح) أشار إلى أنه روي بضم الياء آخر الحروف وكسر الباء الموحدة، فعلى هذا يكون من الثلاثي المزيد فيه من أبس يبس على وزن أفعل. قال الحربي: ومعناه يتحملون بأهليهم، وقيل: معناه يدعون الناس إلى بلاد الخصب، وقال الداودي معناه: يزجرون دوابهم فيفتتون ما يطؤونه من الأرض من شدة السير فيصير غباراً من قوله تعالى: ﴿وبست الجبال بساً﴾ [الواقعة: ٥]. أي: سالت سيلاً. وقيل: معناه سارت سيراً. وقال ابن القاسم: البس المبالغة في الفت، ومنه قيل للدقيق المصنوع بالدهن: بسيس، وأنكر ذلك النووي، وقال: إنه ضعيف أو باطل. وقال ابن عبد البر: وقيل: معنى بيسون يسألون عن البلاد، وتستقر لأهلهم البلاد التي تفتح ويدعونهم إلى سكناها فيتحملون بسبب ذلك من المدينة راحلين إليها، ويشهد لهذا حديث أبي هريرة عند مسلم: ((يأتي على الناس زمان يدعو الرجل ابن عمه وقريبه إلى المجيء إليها لذلك، فيتحمل المدعو بأهله وأتباعه)). وقال النووي: الصواب أن معناه: الإخبار عمن خرج من المدينة متحملاً بأهله، باساً في سيره، مسرعاً إلى الرخاء والأمصار المفتتحة، ويؤيد هذا ما رواه ابن خزيمة من طريق أبي معاوية عن هشام بن عروة في هذا الحديث: ((تفتح الشام فيخرج الناس من المدينة يبسون، والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون)». وروى أحمد في (مسنده) من حديث جابر، سمع رسول الله عَّه يقول: ((ليأتينَّ على أهل المدينة زمان ينطلق الناس فيها إلى الأرياف يلتمسون الرخاء فيجدون رخاء، ثم يأتون فيتحملون بأهليهم إلى الرخاء والمدينة خير لو كانوا يعلمون)). وفي إسناده عبد الله ابن لهيعة وفيه مقال، ولكن أحمد قبله ورضي به، ولا بأس به في المتابعات. قوله: ((لو كانوا يعلمون)) أي: بفضلها من الصلاة في المسجد النبوي وثواب الإقامة فيها لأنها حرم الرسول ومهبط الوحي ومنزل البركات. فإن قلت: أين جواب: لو؟ قلت: محذوف، دل عليه ما قبله أي: لو كانوا من أهل العلم لعرفوا ذلك، ولما فارقوا المدينة. وإن كانت: لو، بمعنى: ليت، فلا جواب لها، وعلى التقديرين ففيه تجهيل لمن فارقها لتفويته على نفسه خيراً عظيماً، وفيه معجزات للنبي عَّللم لأنه أخبر بفتح هذه الأقاليم، وأن الناس يتحملون بأهاليهم ٣٤٢ ٢٩ - كتاب فضائل المدينة / باب (٦) ويفارقون المدينة، وأن هذه الأقاليم تفتح على هذا الترتيب المذكور في الحديث، ووجد جميع ذلك. قوله: ((ومن أطاعهم)) أي: ويتحملون بمن أطاع أهليهم من الناس. قوله: ((والمدينة خير لهم)) الواو فيه للحال، وقال الطيبي: نكر قوماً لتحقيرهم وتوهين أمرهم، ثم وصفهم بقوله: ((يبسون)) إشعاراً بركاكة عقولهم، وأنهم ممن ركنوا إلى الحظوظ البهيمية، وحطام الدنيا الفانية العاجلة وأعرضوا عن الإقامة في جوار الرسول عَ ﴾. ومهبط الوحي، ولذلك كرر قوماً ووصفه في كل قرينة بقوله: ((بيسون))، استحضاراً لتلك الهيئة البهيمية. وقال الطيبي أيضاً الذي يقتضي هذا المقام أن ينزل يعلمون منزلة اللازم لينتفي عنهم العلم والمعرفة بالكلية، ولو ذهب مع ذلك إلى معنى التمني لكان أبلغ، لأن التمني طلب ما لا يمكن حصوله أي: ليتهم كانوا من أهل العلم تغليظاً وتشديداً. انتهى. وقالوا: المراد به الخارجون من المدينة رغبة عنها كارهين لها، وأما من خرج لحاجة أو تجارة أو جهاد أو نحو ذلك فليس بداخل في معنى الحديث. ٦ - بابّ الإيمانُ يَأرِزُ إلَى المَدِينَةِ أي: هذا باب يذكر فيه الإيمان يأرز إلى المدينة. قوله: ((يأرز»، بالياء آخر الحروف وبالهمزة الساكنة بعد الألف ثم بالراء المكسورة. ثم بالزاي أي: ينضم ويجتمع بعضه إلى بعض فيها، وحكى صاحب (المطالع) عن أبي الحسن بن السراج ضم الراء، وعن القابسي فتح الراء، وقال ابن التين: الصواب الكسر. قلت: فعلى ما ذكروا تأتي هذه المادة من ثلاثة أبواب: من باب ضرب يضرب، ومن باب نصر ينصر، ومن باب علم يعلم. فافهم. ٤٤٨/ ١٨٧٦ - حدّثنا إبْرَاهِيمُ بنُّ المُنْذِرِ قال حدَّثنا أنَسُ بنُ عِياضٍ قال حدَّثني عُبَيْدُ الله عنْ خُبَيْبٍ بنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ عِنْ حَقْصِ بنِ عاصِمٍ عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ أنَّ رسولَ الله عَّهِ قال إنَّ الإِيمَانَ لَيَأْرِزُ إِلىَ المَدِينَةِ كُمَا تَأْرِزُ الحَيَّةُ إِلَى جُخرِهَا. الترجمة عين الحديث غير أنه ترك لام التأكيد في الأول. ذكر رجاله: وهم ستة: الأول: إبراهيم بن المنذر أبو إسحاق الخزامي وهو إبراهيم بن عبد الله بن المنذر بن المغيرة. الثاني: أنس بن عياض أبو ضمرة. الثالث: عبيد الله بن عمر العمري. الرابع: خبيب، بضم الخاء المعجمة وفتح الباء الموحدة الأولى وسكون الياء آخر الحروف: ابن عبد الرحمن خال عبيد الله، وقد مر في: باب الصلاة بعد الفجر. الخامس: حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه. السادس: أبو هريرة، رضي الله تعالى عنه. ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين وبصيغة الإفراد في موضع. وفيه: العنعنة في ثلاثة مواضع. وفيه: القول في موضع واحد. وفيه: أن شيخه من أفراده. وفيه: أن رجاله كلهم مدنيون. وفيه: رواية الراوي عن خاله وقد روى عبيد الله عن خاله خبيب بهذا الإسناد عدة أحاديث، وهذا الإسناد هكذا رواه أصحاب عبيد الله، وفي ٣٤٣ ٢٩ - كتاب فضائل المدينة / باب (٧) رواية يحيى بن سليم عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر: رواه ابن حبان والبزار، وقال البزار: يحيى بن سليم أخطأ فيه. والحديث أخرجه مسلم في الإيمان عن أبي بكر بن أبي شيبة وعن محمد بن عبد الله ابن نمير عن أبيه. وأخرجه ابن ماجه في الحج عن أبي بكر بن أبي شيبة به. قوله: ((إن الإِيمان)) أي: أهل الإيمان، واللام في: ليأرز، للتأكيد. وقال المهلب فيه: إن المدينة لا يأتيها إلاّ مؤمن، وإنما يسوقه إليها إيمانه ومحبته في النبي عَّه، فكأن الإيمان يرجع إليها كما خرج منها أولاً. ومنها ينتشر كانتشار الحية من جحرها، ثم إذا راعها شيء رجعت إلى جحرها. وقال الداودي: كان هذا في حياة النبي عَّهِ والقرن الذي كان منهم والذين يلونهم خاصة، لأنه كان الأمر مستقيماً. وقال القرطبي: وفيه تنبيه على صحة مذهبهم وسلامتهم من البدع، وأن عملهم حجة، كما رواه مالك، رحمه الله. قلت: هذا إنما كان في زمن النبي، عَّهِ، والخلفاء الراشدين إلى انقضاء القرون الثلاثة، وهي تسعون سنة، وأما بعد ذلك فقد تغيرت الأحوال وكثرت البدع خصوصاً في زماننا هذا على ما لا يخفى. ٧ - بابُ إِثْمٍ من كادَ أَهْلَ المَدِينَةِ أي: هذا باب في بيان إثم من كاد أهل المدينة أي: أراد بهم سوءاً، وكاد فعل ماضٍ من الكيد، وهو المكر. تقول: كاده يكيده كيداً ومكيدة. وكذلك المكايدة. ٤٤٩ / ١٨٧٧ - حدّثنا حُسَيْنُ بنُ حُرَيْثٍ قال أخبرنا الْفَضْلُ عنْ جُعَيْدٍ عنْ عَائِشَةَ قالَتْ سَمِعْتُ سَعْداً رضي الله تعالى عنهُ قال سَمِعْتُ النبيَّ عَّمِ يَقُولُ لاَ يَكِيدُ أَهْلَ المَدِينَةِ أحَدٌ إلاَّ أنْمَاعَ كَمَا يَنْماعُ الْمِلْحُ فِي المَاءِ. مطابقته للترجمة ظاهرة، بيانه أن الذي يكيد أهل المدينة يذيبه الله تعالى في النار ذوب الرصاص ولا يستحق هذا ذاك العذاب إلاَّ عن ارتكابه إثماً عظيماً، وهذا مأخوذ من حديث مسلم من طريق عامر بن سعد عن أبيه في أثناء حديث: ((ولا يريد أحد أهل المدينة بسوء إلاَّ أذابه الله في النار ذوب الرصاص، أو ذوب الملح في الماء)). وحسين بن حريث بن الحسن بن ثابت بن قطبة أبو عمار المروزي مولى عمران بن الحصين الخزاعي، قال السراج: مات بقصر اللصوص منصرفه عن الحج سنة أربع وأربعين ومائتين، والفضل هو ابن موسى السيناني، بكسر السين المهملة وسكون الياء آخر الحروف وبالنونين، وقد مر في: باب من توضأ من الجنابة، وجعيد، بضم الجيم وفتح العين المهملة مصغراً ومكبراً. ابن عبد الرحمن، وقد مر في الوضوء، وعائشة بنت سعد بن أبي وقاص، ماتت بالمدينة سنة سبع عشرة ومائة. وهذا الحديث من أفراد البخاري بهذا الطريق، وأخرجه مسلم من طرق. منها: من حديث أبي عبد الله القراظ أنه قال: أشهد على أبي هريرة أنه قال: قال أبو القاسم، عَّهِ. ((من أراد أهل هذه البلدة بسوء - يعني المدينة - أذابه الله كما يذوب الملح في الماء)). ومنها: من حديث عمرو بن يحيى بن عمارة أنه سمع القراظ، وكان من أصحاب أبي هريرة، ٣٤٤ ٢٩ - كتاب فضائل المدينة / باب (٨) يزعم أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله، عَّ له: ((من أراد أهلها بالسوء))، يريد: المدينة، ((أذابه الله كما يذوب الملح في الماء)). ومنها: من حديث عمر بن نبيه قال: أخبرني دينار القراظ، قال: سمعت سعد بن أبي وقاص، يقول: قال رسول الله، عٍَّ: ((من أراد أهل المدينة بسوء أذابه الله كما يذوب الملح في الماء)». ومنها: من حديث عمر بن نبيه الكعبي عن أبي عبد الله القراظ، أنه سمع سعد بن مالك يقول: قال رسول الله، عَّله، بمثله، غير أنه قال: بدهم أو بسوء. ومنها: من حديث أسامة بن زيد عن أبي عبد الله القراظ، قال: سمعته يقول: سمعت أبا هريرة وسعداً يقولان: ((قال رسول الله عَّل: اللهم بارك لأهل المدينة في مدهم .. )) وساق الحديث، وفيه: ((من أراد أهلها بسوء أذابه الله كما يذوب الملح في الماء .. )) وروى النسائي من حديث السائب بن خلاف رفعه: ((من أخاف أهل المدينة ظالماً لهم، أخافه الله وكانت عليه لعنة الله ... )) الحديث، وروى ابن حبان نحوه من حديث جابر، رضي الله تعالى عنه. قوله: ((سمعت سعداً) يعني: أباها سعد بن أبي وقاص، رضي الله تعالى عنه. قوله: ((إلاَّ أنماع)): أي: ذاب، وعلى وزن انفعل من الميعان، يقال: ماع الشيء يميع وانماع ينماع إذا ذاب، ويجوز بإدغام النون في الميم، قال الكرماني: ذاب وجرى على وجه الأرض مثلاً شيئاً. وقال النووي: يعني أراد الله المكر بهم لا يمهله الله ولم يمكن له كما انقضى شأن من حاربها أيام بني أمية مثل مسلم بن عقبة، فإنه هلك في منصرفه عنها، ثم هلك مرسله إليها يزيد بن معاوية على إثر ذلك، وغيرهما ممن صنع صنيعهما، وقيل: المراد من كادها اغتيالاً، وعلى غفلة من أهلها لا يتم له أمر، ويحتمل أن يكون المراد من أرادها في حياة النبي عَّهِ بسوء اضمحل أمره كما يضمحل الرصاص في النار. قوله: ((كما ينماع الملح في الماء)، وجه هذا التشبيه أنه شبه أهل المدينة مع وفور علمهم وصفاء قرائحهم بالماء، وشبه من يريد الكيد بهم بالملح لأن نكاية كيدهم لما كانت راجعة إليه شبهوا بالملح الذي يريد إفساد الماء فيذوب هو بنفسه. فإن قلت: يلزم على هذا كدورة أهل المدينة بسبب فنائهم؟ قلت: المراد مجرد الإفناء، ولا يلزم في وجه التشبيه أن يكون شاملاً جميع أوصاف المشبه به نحو قولهم: النحو في الكلام كالملح للطعام. ٨ - بابُ آطامِ المَدِينَةِ أي: هذا باب في بيان ما وقع من كلام النبي عَّلم من جهة إشرافه على آطام المدينة والآطام بالمد جمع أطم بضمتين، وهي الحصون التي تبنى بالحجارة، وقيل: هو كل بيت مربع مسطح والآطام جمع قلة لأنه على وزن أفعال وجمع الكثرة أطوم والواحدة: أطمة، کاکمة. ٤٥٠ / ١٨٧٨ - حدّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ اللهِ قال حدَّثنا سُفْيَانُ قال حدَّثنا ابنُ شِهَابٍ قال أخبرَنِي عُزْوَةُ سَمِعْتُ أَسَامَةَ رضي الله تعالى عنهُ قال أشْرَفَ النبيُّ عَّهِ عَلَى أَطُمٍ مِنْ آطامِ ٣٤٥ ٢٩ - كتاب فضائل المدينة / باب (٩) الْمَدِينَةِ فقال هَلْ تَرَوْنَ ما أَرَى إِنِّي لأَرَى مَوَاقِعَ الفِتَنْ خِلالَ بُيُوتِكُمْ كمَوَاقِعِ الْقَطْرِ. [الحديث ١٨٧٨ - أطرافه في: ٢٤٦٧، ٣٥٩٧، ٧٠٦٠]. مطابقته للترجمة ظاهرة وعلي هو ابن عبد الله المعروف بابن المديني، وسفيان هو ابن عيينة، وابن شهاب، هو محمد بن مسلم الزهري. والحديث أخرجه البخاري أيضاً في المظالم عن عبد الله بن محمد وفي علامات النبوة، وفي الفتن عن أبي نعيم، وفي الفتن عن محمود عن عبد الرزاق. وأخرجه مسلم في الفتن عن أبي بكر وعمرو الناقد وإسحاق وابن أبي عمر، أربعتهم عن ابن عيينة به، وعن محمد بن حميد عن عبد الرزاق به. قوله: ((أشرف)) أي: نظر من مكان مرتفع. قوله: ((مواقع الفتن)) أي: مواضع سقوط الفتن بكسر الفاء جمع فتنة، قوله: ((خلال بيوتكم)) أي: بينها ونواحيها، وهو جمع خلل، وهو الفرجة بين الشيئين. قوله: ((كمواقع القطر))، أي: المطر شبه سقوط الفتن وكثرتها بالمدينة بسقوط كثرة القطر وعمومه، قال المهلب: الرؤية هنا العلم، وهذا من علامات النبوة لإخباره بما سيكون، وقد ظهر مصداق ذلك من قتل عثمان، رضي الله تعالى عنه، وهلم جرّاً، ولا سيما يوم الحرة. وقال ابن التين: يحتمل أنها مثلت له حتى نظر إليها كما مثلت له الجنة والنار في القبلة حتى رآهما وهو يصلي .. تابَعَهُ مَعْمَرٌ وسُلَيْمَانُ بنُ كَثِيرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ أي: تابع سفيان معمر بن راشد وسليمان بن كثير العبدي الواسطي، أما متابعة معمر فوصلها البخاري في الفتن: عن محمود بن غيلان عن عبد الرزاق عن معمر عن الزهري، وأما متابعة سليمان فرواها مسلم: عن عبد بن حميد عن عبد الرزاق عن سليمان عنه. ٩ - بابٌ لا يَدْخُلُ الدَّجَالُ المَدِينَةَ أي: هذا باب يذكر فيه: لا يدخل الدجال المدينة. ١٨٧٩/٤٥١ - حدّثنا عَبْدُ العَزِيزِ بنُ عَبْدِ الله قال حدَّثني إبراهِيمُ بنُ سَعْدٍ عنْ أبيهِ عن جَدِّهِ عنْ أَبِي بَكْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ عنِ النبيِّ عَُّلِّ قال لاَ يَدْخُلُ المَدِينَةَ رُعْبُ المَسِيحِ الدَّجَّالِ لَهَا يَوْمَئِذٍ سَبْعَةُ أَبْوَابٍ عَلَى كُلِّ بابٍ مَلَكَانٍ. [الحديث ١٨٧٩ - طرفاه في: ٧١٢٥، ٧١٢٦]. مطابقته من حيث إن رعب الدجال إذا لم يدخل المدينة فعدم دخوله بنفسه بالطريق الأولى. ذكر رجاله: وهم خمسة: الأول: عبد العزيز بن عبد الله بن يحيى أبو القاسم القرشي العامري الأويسي. الثاني: إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف أبو إسحاق القرشي قاضي بغداد. الثالث: سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن أبو إسحاق الزهري القرشي. ٣٤٦ ٢٩ - كتاب فضائل المدينة / باب (٩) الرابع: جده إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف أبو محمد. الخامس: أبو بكرة، واسمه: نفيع، بضم النون وفتح الفاء: ابن الحارث بن كلدة الثقفي، وقد تقدم في كتاب الإيمان. ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضع وبصيغة الإفراد في موضع. وفيه: العنعنة في أربعة مواضع. وفيه: القول في موضع. وفيه: أن رواته كلهم مدنيون. وفيه: أن شيخه من أفراده. وفيه: رواية التابعي عن التابعي. والحديث أخرجه البخاري أيضاً عن علي بن عبد الله، وهذا الحديث من أفراده. ذكر معناه: قوله: ((رعب المسيح الدجال))، الرعب: بالضم الخوف وسمي المسيح مسيحاً لأنه يمسح الأرض، أو لأنه ممسوح العين لأنه أعور، أو لسياحته، وهو فعيل بمعنى فاعل، ويقال فيه: مسيخ. بالخاء المعجمة، لأنه مشوه مثل الممسوخ، ويقال فيه: مسيح، بكسر الميم وتشديد السين المهملة، للفرق بينه وبين المسيح ابن مريم، عليهما الصلاة والسلام. وأما معنى الدجال فكثير، واشتقاقه من الدجل وهو الكذب والخلط، وهو كذاب خلاط ويجمع الدجال على دجالين ودجاجلة في التكسير، وقيل: هو مأخوذ من الدجل وهو: طلي البعير بالقطران، سمي بذلك لأنه يغطي الحق بسحره وكذبه كما يغطي الرجل جرب بعيره بالدجالة، وهو القطران. وقيل: سمي به لضربه نواحي الأرض وقطعه لها، يقال: دجل الرجل إذا فعل ذلك. وقيل: هو من الدجل بمعنى التغطية. وقال ابن دريد: كل شيء غطيته فقد دجلته، ومنه سميت دجلة لانتشارها على الأرض وتغطيتها ما فاضت عليه. وقيل: معناه المموه، قاله ثعلب. وأما معنى المسيح بن مريم فعلى ثلاثة وعشرين وجهاً ذكرناها في كتابنا. قوله: ((على كل باب))، في رواية الكشميهني: ((لكل باب)). فإن قلت: حديث أنس: ((ترجف المدينة بأهلها ثلاث رجفات))، والرجف رعب، فهذا يعارض حديث الباب؟ قلت: لا يعارضه، لأن الرجفة تكون من أهل المدينة على من فيها من المنافقين والكافرين، فيخرجونهم من المدينة بإخافتهم إياهم تغليظاً عليهم وعلى الدجال، فيخرج المنافقون إلى الدجال فراراً من أهل المدينة. ٤٥٢/ ١٨٨٠ - حدّثنا إسماعيلُ قال حدَّثني مالِكٌ عنْ نُعَيْمِ بنِ عَبْدِ الله الْمُجْمِرِ عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ قال قال رسولُ الله عَ لّ عَلَى أَنَّقَابِ الْمَدِينَةِ مَلاَئِكَةٌ لاَ يَدْخُلُها الطَّاعُونُ ولاَ الدَّجَالُ. [الحديث ١٨٨٠ - طرفاه في: ٥٧٣١، ٧١٣٣]. مطابقته للترجمة ظاهرة، وإسماعيل هو ابن أبي أويس واسمه: عبد الله المدني ابن أخت مالك بن أنس، ونعيم، بضم النون، والمجمر بلفظ الفاعل من الإجمار، مر في أول الوضوء. ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في الفتن عن القعنبي، وفي الطب عن عبد الله بن يوسف. وأخرجه مسلم في الحج أيضاً عن يحيى بن يحيى. وأخرجه النسائي في الطب عن الحارث بن مسكين عن ابن القاسم، وفيه وفي الحج عن ٣٤٧ ٢٩ - كتاب فضائل المدينة / باب (٩) قتيبة، الكل عن نعيم المجمر به. ذكر معناه: قوله: ((على أنقاب المدينة))، الأنقاب جمع نقب، بفتح النون، وهو جمع قلة وجمع الكثرة: نقاب، وقال ابن وهب: الأنقاب مداخل المدينة، وقيل: هي أبوابها وفوهات طرقها التي يدخل إليها منها. وقال الداودي: هي الطرق التي يسلكها الناس، ومنه قوله عز وجل: ﴿فنقبوا في البلاد﴾ [ق: ٣٦]. وقال أبو المعاني: النقب الطريق في الجبل، وكذلك النقب والمنقب والمنقبة عن يعقوب، وقال ابن سيده: النقب والنقب في أي شيء كان نقبه ينقبه نقباً، وعن القزاز، ويقال أيضاً: نقب بكسر النون، وضبط ابن فارس بالسكون يقتضي أن لا يكون جمعه أنقاباً كما رواه أبو هريرة، وإنما يجمع على نقاب، كما رواه أبو سعيد، وفيه برهان عظيم ظهرت صحته ببركة دعائه للمدينة. قوله: ((الطاعون))، الموت من الوباء. وقوله: ((لا يدخلها الطاعون ولا الدجال)) جملة مستأنفة، بيان لموجب استقرار الملائكة على الأنقاب. ١٨٨١/٤٥٣ - حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ المُنْذِرِ قال حدَّثنا الوَلِيدُ قال حدَّثنا أَبُو عَمْرٍو قال حدَّثنا إِسْحَاقُ قال حدَّثني أَنَسُ بنُ مالِكِ رضي الله تعالى عنهُ عنِ النبيِّ عَ لّهِ قَال لَيْسَ مِنْ بَلَدٍ إِلاَّ سَيَطَؤُهُ الدَّجَالُ إلاَّ مَكّةَ وَالْمَدِينَةَ لَيْسَ لَهُ مِنْ نِقَائِهَا نَقْبٌ إِلاَّ عَلَيْهِ الْمَلائِكَةُ صافِينَ يخْرُسُونَهَا ثمَّ تَرْجُفُ المَدِينَةُ بِأهْلِهَا ثَلاثَ رَجَفَاتٍ فيُخْرِجُ الله كُلَّ كافِرٍ ومُنَافِقٍ. [الحديث ١٨٨١ - أطرافه في: ٧١٢٤، ٧١٣٤، ٧٤٧٣]. مطابقته للترجمة في قوله: ((والمدينة))، يعني: لا يدخلها الدجال، والوليد هو مسلم الدمشقي، وأبو عمرو هو عبد الرحمن الأوزاعي، وإسحاق هو ابن عبد الله بن أبي طلحة. والحديث أخرجه مسلم أيضاً في الفتن عن علي بن حجر عن الوليد، وأخرجه النسائي في الحج عن إسحاق بن إبراهيم عن عمر بن عبد الواحد. قوله: ((إلا سيطؤه)) مستثنى من المستثنى، وهو قوله: ((ليس من بلد))، وهو على ظاهره وعمومه عند الجمهور، وشذ ابن حزم فقال: المراد، لا يدخله بعثه وجنوده، وكأنه استبعد إمكان دخول الدجال جميع البلاد لقصر مدته، وغفل عما ثبت في (صحيح مسلم) أن بعض أيامه يكون قدر السنة، قاله بعضهم قلت: يحتمل أن يكون إطلاق قدر السنة على بعض أيامه ليس علىٍ حقيقته، بل لكون الشدة العظيمة الخارجة عن الحد أطلق عليه كأنه قدر السنة. قوله: ((إلاَّ مكة والمدينة)) يعني: لا يطؤهما الدجال، وذكر الطبري من حديث عبد الله بن عمرو: ((إلا الكعبة وبيت المقدس))، وزاد أبو جعفر الطحاوي: ((ومسجد الطور))، ورواه من حديث جنادة بن أبي أمية عن بعض أصحاب النبي عَّه، وفي بعض الروايات: فلا يبقى له موضع إلاَّ ويأخذه غير مكة والمدينة وبيت المقدس وجبل الطور، فإن الملائكة تطرده عن هذه المواضع. قوله: ((من نقابها))، أي: نقاب المدينة، والنقاب، بكسر النون: جمع نقب، وهو جمع الكثرة، وقد مضى الكلام فيه فى الحديث السابق. قوله: ((صافين))، حال من ٣٤٨ ٢٩ - كتاب فضائل المدينة / باب (٩) الملائكة وهو جمع: صاف من صف. قوله: ((يحرسونها)) من الأحوال المتداخلة. قوله: ((ثم ترجف المدينة)) أي: يحصل بها زلزلة بعد أخرى، ثم في الرجفة الثالثة يخرج الله منها من ليس مخلصاً في إيمانه، ويبقى بها المؤمن المخلص، فلا يسلط عليه الدجال. وفيه: أيضاً معجزة ظاهرة للنبي عَلَّمِ حيث أخبر عن أمر سيكون قطعاً. وفيه: بيان فضل المدينة وفضل أهلها المؤمنين الخالصين. ٤٥٤/ ١٨٨٢ - حدّثنا يَحْيِى بنُ بُكَيْرٍ قال حدَّثنا اللَّيْثُ عنْ عُقَيْلٍ عنِ ابنِ شِهَابٍ قال أخبرنِي عُبَيْدُ اللهِ بنُ عَبْدِ الله أنَّ أَبَا سَعِيدٍ الخذْرِي رضي الله تعالى عنه قال حدَّثنا رسولُ اللهِ عَّلِ حديثاً طويلاً عنِ الدَّجالِ فكانَ فِيما حدَّثْنَا بهِ أنْ قالَ يأْتِي الدَّجَالُ وهُوَ مُحَرَّمَ عليْهِ أنْ يَدْخُلَ نِقابَ المدِينَةِ يَنْزِلُ بَعْضَ السَّباخِ الَِّي بِالمَدِينَةِ فِيَخْرُجُ إِلَيْهِ يَوْمَئِذٍ رَجُلٌ هُوَ خَيْرُ النَّاسِ أوْ مِنْ خَيْرِ النَّاسِ فَيَقُولُ أَشْهَدُ أَنَّكَ الدَّجَالُ الَّذِي حدثنا عنْكَ رسولُ اللهِ عَلَه حَدِيثَهُ فِيَقُولُ الدَّجَالُ أرأيْتَ إِنْ قَتَلْتُ هذَا ثُمَّ أَحْيَيْتُهُ هَلْ تَشُكُّونَ فِيِ الأمرِ فَيَقُولُونَ لاَ فَيَقْتُلُهُ ثُمَّ يُحييِهِ فِيَقُولُ حِينَ يُخييهِ ما كُنْتُ قَطُّ أشَدَّ بَصِيرَةً مِنِّي الْيَوْمَ فيَقُولُ الدَّجَالُ أَقْتُلُهُ فَلا اسلَّطُ عَلَيْهِ. [الحديث ١٨٨٢ - طرفه في: ٧١٣٢]. مطابقته للترجمة من حيث إنه يدل على أن الدجال ينزل على سبخة من سباخ المدينة، ولا يقدر على الدخول إلى المدينة ورجاله قد ذكروا غير مرة، وعقيل، بضم العين: ابن خالد الأيلي. والحديث أخرجه البخاري أيضاً في الفتن عن أبي اليمان عن شعيب. وأخرجه مسلم أيضاً في الفتن عن عبد الله بن عبد الرحمن السمرقندي عن أبي اليمان به، وعن عمرو الناقد وحسن الحلواني وعبد بن حميد، ثلاثتهم عن يعقوب بن إبراهيم، وأخرجه النسائي في الحج عن أبي داود وسليمان بن سيف عن يعقوب بن إبراهيم به. ذكر معناه: قوله: ((حدثنا))، فعل ومفعول، ورسول الله عَ لِ فاعله، قوله: ((عن الدجال)) أي: عن حاله وفعله. قوله: ((أن قال))، كلمة: أن، مصدرية أي: قوله يأتي الدجال. قوله: ((وهو محرم عليه))، جملة حالية. ((ومحرم)) على صيغة المفعول من التحريم، قوله: ((أن يدخل)) كلمة: أن، مصدرية، أي: دخوله وهي في محل الرفع لأنه في تقدير الفاعل. قوله: ((ينزل)) جملة مستأنفة كان القائل يقول: إذا كان الدخول عليه حراماً فكيف يفعل؟ قال ينزل بعض السباخ، بكسر السين: جمع سبخة، وهي الأرض التي تعلوها الملوحة، معناه: ينزل خارج المدينة على أرض سبخة من سباخ المدينة. قوله: ((فيخرج إليه)) أي: إلى الدجال. قوله: ((رجل هو خير الناس)) قال أبو إسحاق السبيعي، يقال: إن هذا الرجل هو الخضر، عليه الصلاة والسلام. قوله: ((أو من خير الناس)) شك من الراوي. قوله: ((أرأيت؟))، أي: أخبرني. قوله: ((فيقولون))، القائلون به إما اليهود ومصدقوه من أهل الشقاوة، وإما أعم منهم، وقالوه خوفاً منه لا تصديقاً، أو قصدوا به عدم الشك في كفره، وكونه دجالاً. قوله: ((أشد بصيرة ٣٤٩ ٢٩ - كتاب فضائل المدينة / باب (١٠) مني اليوم)) لأن رسول الله عَّ للم أخبرني بأن علامة الدجال أنه يحيي المقتول، فزادت بصيرته بحصول تلك العلامة، ويروى: ((أشد مني بصيرة اليوم))، فالمفضل والمفضل عليه كلاهما هو نفس المتكلم لكنه مفضل باعتبار غيره. قوله: ((أقتله فلا أسلط عليه)) أي: أقتله فلا أسلط على قتله، وأسلط على صيغة المجهول، ولا بد من تقدير الهمزة الإنكارية. ويروى بظهور الهمزة لفظاً، وكأنه ينكر على إرادته القتل وعدم تسلطه عليه. ويروى ((فلا يسلط عليه)) أي: لا يقدر على قتله بأن يجعل الله بدنه كالنحاس لا يجري عليه السيف، أو بأمر آخر نحوه، وروى مسلم في (صحيحه) عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله عٍَّ: ((يخرج الدجال فيتوجه قبله رجل من المؤمنين فتلقاه المسايح مسايح الدجال فيقولون له: أين تعمد؟ فيقول: أعمد إلى هذا الذي خرج، قال: فيقولون له: أو ما تؤمن بربنا؟ فيقول: ما بربنا خفاء، فيقولون: اقتلوه! فيقول بعضهم لبعض: أليس قد نهاكم ربكم أن تقتلوا أحداً دونه؟ قال: فينطلقون به إلى الدجال، فإذا رآه المؤمن قال: يا أيها الناس هذا الدجال الذي ذكر رسول الله سَِّ، قال: فيأمر الدجال به فيشج، فيقول: خذوه فيوسع ظهره وبطنه ضرباً، قال: فيقول أو ما تؤمن بي؟ قال: فيقول: أنت المسيح الكذاب، قال: فينشر بالمنشار من مفرقه حتى يفرق بين رجليه، قال ثم يمشي الدجال بين القطعتين، ثم يقول له: قم، فيستوي قائماً، ثم يقول له أتؤمن بي؟ فيقول: ما ازددت فيك إلاَّ بصيرة. قال: ثم يقول: يا أيها الناس إنه لا يفعل بعدي بأحد من الناس، قال: فيأخذه الدجال حتى يذبحه، فيجعل ما بين رقبته إلى ترقوته نحاساً فلا يستطيع إليه سبيلاً، قال: فيأخذ يديه ورجليه فيقذف به، فيحسب الناس أنما قذفه إلى النار، وإنما ألقي في الجنة، فقال رسول الله عَ ليه: هذا أعظم الناس شهادة عند رب العالمين)). ١٠ - بابّ المَدِينَةُ تَنْفي الخَبَثَ أي: هذا باب يذكر فيه: المدينة تنفي الخبث أي: تطرده وتخرجه. ١٨٨٣/٤٥٥ - حدثنا عَمْرُو بنُ عَبَّاسٍ قال حدَّثنا عَبْدُ الرَّحْمنِ قال حدَّثنا سُفْيَانُ عنْ مُحَمَّدٍ بنِ المُنْكَدِرِ عنْ جابِرٍ رضي الله تعالى عنهُ قال جاءَ أعْرَابِيّ لِلنَّبِيِّ عَ لَه فَبَايَعَهُ عَلَى الإسلامِ فَجاءَ مِنَ الْغَدِ مَخْمُوماً فقال أَقِلْنِي فأبى ثَلاثَ مِرَارٍ فقال المَدِينَةُ كالْكِيرِ تَنْفِي خَبَثَهَا ويَنْصَحُ طِيبُها. [الحديث ١٨٨٣ - أطرافه في: ٧٢٠٩، ٧٢١١، ٧٢١٦، ٧٣٢٢]. مطابقته للترجمة في قوله: ((كالكير تنفي خبثها))، وعمرو بن عباس بالباء الموحدة وقد مر في فضل استقبال القبلة، وعبد الرحمن هو ابن المهدي، وسفيان هو الثوري. والحديث أخرجه البخاري أيضاً في الأحكام عن أبي نعيم، وأخرجه النسائي في الحج عن محمد بن بشار عن عبد الرحمن به. قوله: ((عن جابر))، وقع في الأحكام من وجه آخر عن ابن المنكدر، قال: سمعت جابراً. قوله: ((جاء أعرابي)) قال الزمخشري في (ربيع الأبرار): إنه قيس بن أبي حازم، قيل: هو مشكل لأنه تابعي كبير مشهور، صرحوا بأنه هاجر فوجد النبي عَ لَّه قد مات، وفي ٣٥٠ ٢٩ - كتاب فضائل المدينة / باب (١٠) (الذيل) لأبي موسى: في الصحابة قيس بن أبي حازم المنقري، فيحتمل أن يكون هو هذا، قوله: ((فبايعه على الإسلام))، من المبايعة، وهي عبارة عن المعاقدة على الإسلام والمعاهدة، كأن كل واحد منهما باع ما عنده من صاحبه وأعطاه خلاصة نفسه وطاعته ودخيلة أمره. قوله: ((محموماً)، نصب على الحال من: حم الرجل من الحمى، وأحمه الله فهو محموم، وهو من الشواذ. قوله: ((أقلني)) من الإقالة أي: أقلني من المبايعة على الإسلام. قوله: ((فأبى))، أي: امتنع، والضمير فيه يرجع إلى النبي عَّهِ. قوله: ((ثلاث مرار)) يتعلق بكل واحد من قوله: ((فقال))، وقوله: ((فأبى)) وهو من تنازع العاملين فيه. قوله: ((فقال: المدينة)) أي: فقال النبي عَّلِ إلى آخره. قوله: ((ينصع))، بفتح ياء المضارعة وسكون النون وفتح الصاد المهملة، وفي آخره عين مهملة من النصوع، وهو الخلوص، والناصع الخالص. قوله: ((طيبها))، بكسر الطاء وسكون الياء آخر الحروف، وهو مرفوع على أنه فاعل. لقوله: ((ينصع))، لأن النصوع لازم، وهو رواية الكشميهني، وفي رواية الأكثرين: ينصع، بضم الياء وفتح النون وتشديد الصاد من التنصيع، وقوله: ((طيبها))، بتشديد الياء مفعوله بالنصب، هكذا قال الكرماني: من التنصيع، ولكن الظاهر أنه من الإنصاع من: باب الإفعال، وسواء كان من التنصيع أو الإنصاع فهو متعد، فلذلك نصب: طيبها. فافهم. وقال القزاز: قوله: ((ينصع)) لم أجد له في الطيب وجهاً، وإنما الكلام: يتضوع طيبها أي: يفوح، وقال: ويروى: ((ينضخ)) بضاد وخاء معجمتين، قال: ويروى بحاء مهملة، وهو أقل من النضخ، يعني بالضاد المعجمة. وقال الزمخشري في (الفائق): يبضع، بضم الياء وسكون الباء الموحدة وكسر الضاد المعجمة: من أبضعة بضاعة إذا دفعها إليه، معناه: أن المدينة تعطي طيبها لمن سكنها. ورد عليه الصاغاني بأن قال: وقد خالف الزمخشري بهذا القول جميع الرواة، وقال ابن الأثير: المشهور بالنون والصاد المهملة. فإن قلت: لما قال الأعرابي أقلني لِمَ لَمْ يُقِلْهُ؟ قلت: لأنه لا يجوز لمن أسلم أن يترك الإسلام، ولا لمن هاجر إلى النبي، عَّ له، أن يترك الهجرة ويذهب إلى وطنه، وهذا الأعرابي كان ممن هاجر وبايع النبي، عَّهِ، على المقام عنده، قال عياض: ويحتمل أن بيعته كانت بعد الفتح وسقوط الهجرة إليه، وإنما بايع على الإسلام وطلب الإقالة فلم يقله، وقال ابن بطال: والدليل على أنه لم يرد الإرتداد عن الإسلام أنه لم يرد حل ما عقده إلاَّ بموافقة النبي عَِّ على ذلك، ولو كان خروجه عن المدينة خروجاً عن الإسلام لقتله حين ذاك، ولكنه خرج عاصياً. ورأى أنه معذور لما نزل به من الحمى، ولعله لم يعلم أن الهجرة فرض عليه، وكان من الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿وأجدر ألاَّ يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله﴾ [التوبة: ٩٧]. فإن قلت: إن المنافقين قد سكنوا المدينة وماتوا فيها ولم تنفهم؟ قلت: كانت المدينة دارهم أصلاً ولم يسكنوها بالإِسلام ولا حباله، وإنما سكنوها لما فيها من أصل معاشهم، ولم يرد عَِّ بضرب المثل إلاَّ من عقد الإسلام راغباً فيه ثم خبث قلبه. ٤٥٦/ ١٨٨٤ - حدّثنا سُلَيْمانُ بنُ حَرْبٍ قال حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ عدِيٍّ بنِ ثَابِتٍ عنْ ٣٥١ ٢٩ - كتاب فضائل المدينة / باب (١٠) عَبْدِ الله بنِ يَزِيدَ قال سَمِعْتُ زَيْدَ بنَ ثَابِتٍ رضي الله تعالى عنهُ يَقُولُ لَمَّا خَرَجَ النبيُّ عَّله إِلَى أُحُدٍ رَجَعَ ناسٌ منْ أصْحَابِهِ فقَالَتْ فِرقَةٌ نَقْتُلُهُمْ وقالَتْ فِرقةٌ لا نَفْتُلُهُمْ فَتَزَلَتْ ﴿فَمَا لَكُمْ فِي المُنَافِقِينَ فِّتَيْنِ﴾ [النساء: ٨٨]. وقال النبيُّ عَّهِ إِنَّهَا تَنْفِي الرِّجَالَ كَما تَنْفِي النَّارُ خَبَثَ الحَدِيدِ. [الحديث ١٨٨٤ - طرفاه في: ٤٠٥٠، ٤٥٨٩]. مطابقته للترجمة في قوله: ((كما تنفي النار خبث الحديد))، وهو ظاهر. ورجاله قد تقدموا، وعبد الله بن يزيد الخطمي الأنصاري الصحابي. وفيه رواية الصحابي عن الصحابي في نسق واحد وكلاهما أنصاريان. والحديث أخرجه في المغازي عن أبي الوليد، وفي التفسير عن محمد بن بشار، وأخرجه في المناسك وفي ذكر المنافقين عن عبدالله بن معاذ عن أبيه، وفي ذكر المنافقين عن زهير بن حرب، وعن أبي بكر بن نافع عن غندر الكل عن شعبة. وأخرجه الترمذي والنسائي جميعاً في التفسير عن محمد بن بشار عن غندر به. قوله: ((إلى أحد))، كانت غزوة أحد يوم السبت في منتصف شوال عام ثلاث من الهجرة، وقال البلاذري: لتسع خلون منه، والأول أشهر، وهو قول الزهري وقتادة وموسى بن عقبة. قوله: ((رجع ناس من أصحابه)) أي: من أصحاب النبي عَّهِ، وقال موسى بن عقبة: خرج رسول الله عَّم والمسلمون فسلكوا على البدائع، وهم ألف رجل، والمشركون ثلاثة آلاف، فمضى رسول الله عَّ حتى نزل بأحد، ورجع عنه عبد الله بن أبي بن سلول في ثلاثمائة، فبقي رسول الله عَّ له في سبع مائة. قال البيهقي: هذا هو المشهور عند أهل المغازي أنهم بقوا في سبعمائة، قال: والمشهور عن الزهري أنهم بقوا في أربعمائة مقاتل، وقال موسى بن عقبة: وكان على خيل المشركين خالد بن الوليد، رضي الله تعالى عنه، وكان معهم مائة فرس، وكان لواؤهم مع عثمان بن طلحة بن أبي طلحة، قال: ولم يكن مع المسلمين فرس واحد. وقال الواقدي: وعدة أصحاب رسول الله، سبعمائة ذراع، ولم يكن معهم من الخيل سوى فرسين فرس لرسول الله عَّةٍ وفرس لأبي بردة. قوله: ((قالت فرقة: نقتلهم))، أي: نقتل الراجعين ((وقالت فرقة: لا نقتلهم)) فلما اختلفوا أنزل الله تعالى: ﴿فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا أتريدون أن تهدوا من أضل الله ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلاً﴾ [النساء: ٨٨]. وهذه الآية الكريمة في النساء، واختلفوا في سبب نزولها، فقيل: في هؤلاء الذين رجعوا من غزوة أحد بعد أن خرجوا مع رسول الله عَّهِ، وقيل: في قوم استأذنوا رسول الله عَّله في الخروج إلى البدو معتلين باجتواء المدينة، فلما خرجوا لم يزالوا راحلين مرحلة حتى لحقوا بالمشركين، فاختلف المسلمون فيهم، فقال بعضهم: هم كفار، وقال بعضهم: هم مسلمون، وقيل: كانوا قوماً هاجروا من مكة ثم بدا لهم فرجعوا وكتبوا إلى رسول الله عَّم إنا على دينك، وما أخرجنا إلا اجتواء المدينة والاشتياق إلى بلدنا، وقيل: هم العرنيون الذين أغاروا على السرح، وقتلوا يساراً، وقيل: هم قوم أظهروا ٣٥٢ ٢٩ - كتاب فضائل المدينة / باب (١١) الإسلام وقعدوا عن الهجرة، وقال زيد بن أسلم عن ابن سعد بن معاذ: أنها نزلت في تقاول الأوس والخزرج في شأن عبد الله بن أبي حين استعذر منه رسول الله عَّهم على المنبر في قضية الإفك، وهذا غريب. قوله: ﴿فما لكم﴾ [النساء: ٨٨]. يعني: ما لكم اختلفتم في شأن قوم نافقوا نفاقاً ظاهراً وتفرقتم فيه فرقتين، وما لكم لم تثبتوا القول في كفرهم؟ وقال الزمخشري: فئتين، نصب على الحال كقولك: مالك، قائماً. قوله: ﴿والله أركسهم﴾ [النساء: ٨٨]. أي: ردهم في حكم المشركين، كما كانوا، قال ابن عباس، رضي الله تعالى عنهما: أي: أوقفهم وأوقعهم في الخطأ، وقال قتادة: أهلكهم. وقال السدي: أضلهم. قوله: ﴿بما كسبوا﴾ [النساء: ٨٨]. أي: بسبب عصيانهم ومخالفتهم الرسول واتباعهم الباطل: ﴿أتريدون أن تهدوا من أضل الله﴾ [النساء: ٨٨]. أي: من جعله من جملة الضلال، وقرىء: ركسهم. قوله: ﴿فلن تجد له سبيلاً﴾ [النساء: ٨٨]. أي: لا طريق له إلى الهدي، ولا مخلص له إليه. قوله: ((إنها)) أي: المدينة تنفي الرجال، جمع رجل، والألف واللام فيه للعهد عن شرارهم، وكذا هو في رواية الأكثرين، وفي رواية الكشميهني: الدجال، بالدال والجيم المشددة، قيل: هو تصحيف، والمقصود من النفي الإظهار والتمييز بقرينة المشبه به، وفيه من الفقه، أن من عقد على نفسه أو على غيره عهداً لله تعالى، فلا ينبغي له حله لأن في حله خروجاً عما عقد. وفيه: أن الارتداد عن الهجرة من أكبر الكبائر، ولذلك دعا لهم عَّ. فقال: ((أللهم أمض لأصحابي هجرتهم ولا تردهم على أعقابهم)). وفيه: جواز ضرب المثل. وفيه: أن النفي كالقتل. ١١ - بابٌ أي: هذا باب قد ذكرنا أن هذا بمعنى فصل، وقد ذكرنا أن الكتاب يجمع الأبواب، والأبواب تجمع الفصول، وهكذا باب بلا ترجمة في رواية الأكثرين، وسقط من رواية أبي ذر. فإن قلت: إذا ذكر باب، هكذا مجرداً بمعنى الفصل فينبغي أن يكون للمذكور بعده نوع تعلق بما قبله. قلت: المذكور فيه حديثان عن أنس، رضي الله تعالى عنه، فتعلق الحديث الأول من حيث أن الدعاء بتضعيف البركة وتكثيرها يقتضى تقليل ما يضادها، فناسب ذلك نفي الخبث، وتعلق الحديث الثاني من حيث أن حب الرسول معدّ لّم للمدينة يناسب طيب ذاتها وأهلها. ١٨٨٥/٤٥٧ - حدّثنا عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ قال حدَّثنا وهْبُ بنُ جَرِيرٍ قال حدَّثنا أبِي قال سَمِعْتُ يُونُسَ عن ابنِ شِهَابٍ عِنْ أنسٍ رضي الله تعالى عنهُ عنِ النبيِّ عَِّ قال اللَّهُمَّ اجْعَلْ بِالمَدِينَةِ ضِعْفَيْ ما جَعَلْتَ بِّكَّةَ مِنَ البَرَكَةِ. وجه المطابقة قد ذكرناه الآن، وأبو وهب هو جرير بن حازم، ويونس هو ابن يزيد الأيلي، وابن شهاب محمد بن مسلم الزهري. والحديث أخرجه مسلم أيضاً في الحج عن زهير بن حرب وإبراهيم بن محمد ٣٥٣ ٢٩ - كتاب فضائل المدينة / باب (١٢) كلاهما عن وهب. قوله: ((ضعفي ما جعلت))، تثنية ضعف بالكسر. قال الجوهري: ضعف الشيء مثله، وضعفاه مثلاه، وقال الفقهاء: ضعفه مثلاه، وضعفاه ثلاثة أمثاله. قوله: ((من البركة))، أي: كثرة الخير، والمراد بركة الدنيا بدليل قوله في الحديث الآخر: ((اللهم بارك لنا في صاعنا ومدنا)). فإن قلت: اللفظ أعم من ذلك، فيقتضي أن تكون الصلاة بالمدينة ضعفي ثواب الصلاة بمكة؟ قلت: ولئن سلمنا عموم اللفظ لكنه مجمل فبينه بقوله: ((اللهم بارك لنا في صاعنا ومدنا)). أن المراد البركة الدنيوية، وخص الصلاة ونحوها بالدليل الخارجي. فإن قلت: الاستدلال به على تفضيل المدينة على مكة ظاهر؟ قلت: نعم ظاهر من هذه الجهة، ولكن لا يلزم من حصول أفضلية المفضول في شيء من الأشياء ثبوت الأفضلية على الإطلاق، فإن قلت: فعلى هذا يلزم أن يكون الشام واليمن أفضل من مكة لقوله في الحديث الآخر: ((اللهم بارك لنا في شامنا، وأعادها ثلاثاً)؟ قلت: التأكيد لا يستلزم التكثير المصرح به في حديث الباب، وقال ابن حزم: لا حجة في حديث الباب لهم، لأن تكثير البركة بها لا يستلزم الفضل في أمور الآخرة، ورده القاضي عياض بأن البركة أعم من أن تكون في أمر الدين أو الدنيا لأنها بمعنى النماء والزيادة، فأما في الأمور الدينية فلما يتعلق بها من حق الله تعالى من الزكوات والكفارات، ولا سيما في وقوع البركة في الصاع والمد. وقال النووي: الظاهر أن البركة حصلت في نفس الكيل بحيث يكفي المد فيها من لا يكفيه في غيرها، وهذا أمر محسوس عند من سكنها، وقال القرطبي: إذا وجدت البركة فيها في وقت حصلت إجابة الدعوة، ولا يستلزم دوامها في كل حين. ولكل شخص؟ قلت: فيه ما فيه، وقولنا: أفضلية مكة على المدينة وغيرها تثبت بدلائل أخرى خارجية تغني عما ذكروه كله. فافهم. تابَعَهُ عُثْمَانُ بنُ عُمَرَ عنْ يُونُسَ أي: تابع جريراً أبا وهب عثمان بن عمر أبو محمد البصري عن يونس بن يزيد عن ابن شهاب، ووصل هذه المتابعة الذهلي في جمعه لحديث الزهري، ولقد أتى صاحب (التلويح) هنا بما لا يغني شيئاً. ١٨٨٦/٤٥٨ - حدّثنا قُتَيْبَةُ قال حدَّثنا إسْمَاعِيلُ بنُ جَعْفَرٍ عنْ حُمَيْدٍ عنْ أنَسٍ رضي الله تعالى عنه أنَّ النبيَّ عَّلِ كانَ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ فَتَظَرَ إِلَى جُدُرَاتِ المَدِينَةِ أَوْضَعَ راحِلَتَهُ وإنْ كانَ عَلى دَابَّةٍ حرَّكَها مِنْ حُبِّهَا. [انظر الحديث ١٨٠٢]. مطابقته للترجمة قد ذكرناها في أول الباب، والحديث مضى في: باب من أسرع ناقته إذا بلغ المدينة، وقد استوفينا الكلام فيه ((والجدرات)) بضمتين جمع: الجدر، جمع سلامة وهو جمع الجدار. قوله: ((أوضع)) أي: حملها على السير السريع. ١٢ - بابُ كَرَاهِيَةِ النبيِّ عَّلِ أَنْ تُغْرَى المَدِينَةُ أي: هذا باب في بيان كراهية النبي عَّلم أن تعرى، من العراء، وهو الخلو، يقال: عمدة القارىء / ج١٠ / م٢٣ ٣٥٤ ٢٩ - كتاب فضائل المدينة / باب (١٣) تركه عراء أي خالياً، والعراء بالمد هو الفضاء الذي لا سترة به، ومنه: أعريت المكان إذا جعلته خالياً. قوله: ((أن تعرى المدينة)) أي: يجعل حواليها خالية. ٤٥٩/ ١٨٨٧ - حدّثنا ابنُ سَلام قال أخبرنا الْفَزَارِيُّ عنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ عنْ أَنَسٍ رضي الله تعالى عنهُ قال أرَادَ بَنُو سَلِمَةَ أَنْ يَتَحَوَّلُوا إِلَى قُرْبِ المَسْجِدِ فَكَرِهَ رسولُ اللهِ عَلَّهِ أَنْ تُعْرَى المَدِينةُ وقال يا بَنِي سلِمَةً أَلاَ تَخْتَسِبُونَ آثَارَكُمْ فأقامُوا. [انظر الحدیث ٦٥٥ وطرفه]. مطابقته للترجمة في قوله: ((فكره رسول الله، عَّلّه، أن تعرى المدينة))، وابن سلام اسمه محمد وقد تكرر ذكره، والفزاري، بفتح الفاء وتخفيف الزاي وبعدها الراء: واسمه مروان بن معاوية، وقد مضى الحديث في: باب احتساب الآثار، في أوائل صلاة الجماعة فإنه أخرجه هناك عن ابن أبي مريم عن يحيى بن أيوب عن حميد عن أنس الحديث. قوله: ((بنو سلمة))، بفتح السين وكسر اللام. قوله: ((ألاَ تحتسبون))، كلمة: ألاَ، للتحضيض، ومعنى: تحتسبون، تعدون الأجر في خطاكم إلى المسجد فإن لكل خطوة أجراً، ويروى: ((ألا تحتسبوا))، بدون نون الجمع، وحذفه بدون الناصب والجازم فصيح شائع. ١٣ -- بابٌ أي: هذا باب، وقد مضى وجه الكلام فيه عن قريب، ووقع هذا هكذا في جميع النسخ بلا ترجمة. ٤٦٠ / ١٨٨٨ - حدّثنا مُسَدَّدٌ عنْ يَخْتَى عَنْ عُبَيْدِ الله بنِ عُمَرَ قال حدَّثني خُبَيْبُ بنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ عنْ خَفْصِ بنِ عاصِمٍ عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ عنِ النبيِّ عَّ له قال ما بَيْنَ بَيْتِي ومِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الجَنَّةِ ومِنْبَرِي عَلى حَوْضِي. [انظر الحديث ١١٩٦ وطرفيه]. وجه ذكر هذا الحديث هنا من حيث إن لفظ: باب، هذا مجرداً بمعنى فصل وله تعلق بالباب السابق من حيث إن فيه كراهة إعراء المدينة، وفي هذا ترغيب في سكناها، وهذا تعلق قوي مناسب، ويحيى هو ابن سعيد القطان، وخبيب، بضم الخاء المعجمة وفتح الباء الموحدة الأولى. والحديث مضى في أواخر كتاب الصلاة في: باب فضل ما بين القبر والمنبر، بهذا الإسناد والمتن عن مسدد عن يحيى إلى آخره. قوله: ((ما بين بيتي ومنبري)) كذا هو في رواية الأكثرين، ووقع في رواية ابن عساكر وحده: ((ما بين قبري ومنبري))، وقال بعضهم: إنه خطأ، واحتج على ذلك بأن في (مسند) مسدد شيخ البخاري بلفظ: ((بيتي)) وكذلك بلفظ ((بيتي)) في: باب فضل ما بين القبر والمنبر. قلت: نسبة هذا إلى الخطأ خطأ، لأنه وقع لفظ: قبري ومنبري، في حديث ابن عمر ٣٥٥ ٢٩ - كتاب فضائل المدينة / باب (١٣) أخرجه الطبراني بسند رجاله ثقات، وكذا وقع في حديث سعد بن أبي وقاص أخرجه البزار بسند صحيح، على أن المراد بقوله: بيتي، أحد بيوته لا كلها، وهو بيت عائشة الذي دفن عَّ اتٍ فيه فصار قبره، وقد ورد في حديث: ((ما بين المنبر وبيت عائشة روضة من رياض الجنة))، أخرجه الطبراني في (الأوسط). قوله: ((روضة)) أي: كروضة من رياض الجنة في نزول الرحمة وحصول السعادات، وحذف أداة التشبيه للمبالغة، وقيل: معناه أن العبادة فيها تؤدي إلى الجنة فيكون مجازاً، أو المراد أن ذلك الموضع بعينه ينتقل إلى الجنة، فعلى ما ذكروا إما تشبيه وإما مجاز وإما حقيقة. قوله: ((ومنبري على حوضي))، أكثر العلماء: المراد أن منبره بعينه الذي كان، وقيل: إن له هناك منبراً على حوضه، وقيل: معناه أن ملازمة منبره للأعمال الصالحة تورد صاحبها إلى الحوض ويشرب منه الماء، وهو الحوض المورود المسمى بالكوثر، وقيل: إن ذرع ما بين المنبر والبيت الذي فيه القبر الآن ثلاث وخمسون ذراعاً، وقيل: أربع وخمسون وسدس، وقيل: خمسون إلاّ ثنتي ذراع، وهو الآن كذلك، فكأنه نقص لما أدخل من الحجرة في الجدار. ١٨٨٩/٤٦١ - حدّثنا عُبَيْدُ بنُ إِسْمَاعِيلَ قال حدَّثنا أبُو أُسَامَةَ عنْ هِشَامِ عَنْ أبِيهِ عنْ عَائِشَةَ رضي الله تعالى عنها قالَتْ لَمَّا قَدِمَ رسولُ اللهِعَِّ الْمَدِينَةَ وُعِكَ أَبُو بَكْرٍ وبِلالٌ فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ إِذَا أَخَذَتْهُ الحمَّى يَقُولُ: كُلُّ امْرَىءٍ مُصَبَّحٌ فِي أَهلِهِ والْمَوْثُ أَدْنَى مِنْ شِرَاكِ وكانَ بِلاَلٌ إِذَا أُقْلِعَ عَنْهُ الحُمَّى يَرْفَعُ عَقِيرَتَّهُ يَقُولَ: بِوَادٍ وَحَوْلِي إِذْخِرٌ وَجَلِيلٌ ألاَ لَيْتَ شَغْرِي هَلْ أَبِيئَنَّ لَيْلَةٌ وهَلْ يَبْدُونَ لِي شَامَةٌ وطَفِيلُ وهَلْ أُرِدَنْ يَوْماً مِياهَ مَجَنَّةٍ قال اللَّهُمَّ الْعَنْ شَيْبَةَ بنَ رَبِيعَةَ وَعُثْبَةَ بنَ رَبِيعَةَ وأُمَيَّةَ بنَ خَلَفٍ كِمَا أُخْرَجُونَا مِنْ أَرْضِنَا إِلَى أرضِ الوَباءِ ثُمَّ قال رسولُ اللهِ عَِّ اللَّهُمَّ حَبِّبْ إلَيْنَا كَحُبِّنَا مَكَّةَ أَوْ أَشَدُ اللَّهُمَّ بارِْ لَنَا فِي صَاعِنَا وفِي مُدِّنا وصَحِّخها لَنا وانْقُلْ حُمَّاهَا إِلَى الجُحْفَةِ قَالَتْ وَقَدِمْنَا المَدِينَةَ وهيَ أوْبَأُ أَرْضِ الله قالَتْ فَكَانَ بُطْحَانُ يَجْرِي نَجْلاً تَعْنِي ماءً آجِناً. [الحديث ١٨٨٩ - أطرافه في: ٣٩٢٦، ٥٦٥٤، ٥٦٧٧، ٦٣٧٢]. مطابقته للترجمة من حيث إنه عٍَّ لما فهم من الذين قدموا المدينة القلق بسبب نزولهم فيها وهي وبيئة، دعا الله تعالى أن يحببهم المدينة كحبهم مكة، وأن يبارك في صاعهم وفي مدهم، وأن ينقل الحمى منها إلى الجحفة لئلا تعرى المدينة. ذكر رجاله: وهم خمسة: الأول: عبيد الله، بضم العين: ابن إسماعيل، واسمه في الأصل: عبيد الله، يكنى أبا محمد الهباري القرشي، قال البخاري: مات في شهر ربيع الأول يوم الجمعة سنة خمسين ومائتين. الثاني: أبو أسامة حماد بن أسامة. الثالث: هشام بن عروة. ٣٥٦ ٢٩ - كتاب فضائل المدينة / باب (١٣) الرابع: أبوه عروة بن الزبير بن العوام. الخامس: عائشة أم المؤمنين. ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: العنعنة في موضعين. وفيه: أن شيخه من أفراده وأمه وأبو أسامة كوفيان وهشام وأبوه مدنيان. وفيه: رواية الإبن عن الأب، وأخرج الحديث مسلم أيضاً في الحج. ذكر معناه: قوله: ((لما قدم رسول الله عَِّ المدينة))، كان قدومه عَّ المدينة يوم الإثنين قريباً من وقت الزوال، قال الواقدي، رحمه الله تعالى: لليلتين خلتا من شهر ربيع الأول. وقال ابن إسحاق: لثنتي عشرة ليلة خلت منه، وهذا هو المشهور الذي عليه الجمهور من السنة الأولى من التاريخ الإسلامي. قوله: ((وعك))، جواب: لما، وهو على صيغة المجهول، أي: أصابه الوعك وهو الحمى، وقال ابن سيده: رجل وعك ووعك موعوك، وهذه الصيغة على توهم فعل كألم، والوعك لم يجده الإنسان من شدة التعب، وفي (الجامع): وعك إذا أخذته الحمى، والواعك الشديد من الحمى، وقد وعكته الحمى تعكه إذا أدركته وفي (المجمل): الوعك الحمى، وقيل: هو مغث الحمى. قوله: ((كل امرىء .. )) إلى آخره رجز مسدس. قوله: ((مصبح))، بلفظ المفعول أي: يقال له: صبحك الله بالخير، وأنعم الله تعالى صباحك، والموت قد يفجؤه فلا يمسي حياً. قوله: ((أدنى)) أي: أقرب. ((من شراك نعله))، بكسر الشين: أحد سيور النعل التي تكون على وجهها. قوله: ((إذا أقلع)) بلفظ المعلوم من الإقلاع عن الأمر، وهو الكف عنه، ويروى بلفظ المجهول. قوله: ((عقيرته))، بفتح العين المهملة وكسر القاف: وهو الصوت إذا غنى به، أو بكى، ويقال: أصله أن رجلاً قطعت إحدى رجليه فرفعها وصرخ، فقيل لكل رافع صوته: قد رفع عقيرته، وعن أبي زيد يقال: رفع عقيرته إذا قرأ أو غنى، ولا يقال في غير ذلك. وفي (التهذيب) للأزهري: أصله أن رجلاً أصيب عضو من أعضائه وله إبل اعتاد حداءها، فانتشرت عليه إبله، فرفع صوته بالأنين لما أصابه من العقر في يده، فسمعت له إبله فحسبته يحدو بها فاجتمعت إليه، فقيل لكل من رفع صوته: رفع عقيرته. وفي (المحكم): عقيرة الرجل صوته إذا غنى أو قرأ أو بكى. قوله: ((ألا ليت شعري ... )) إلى آخره من البحر الطويل، وأصله: فعولن مفاعيلن، ثمان مرات، وفيه القبض، وكلمة: ألاَ، هنا للتمني ومعنى: ليت شعري، ليتني أشعر. قوله: ((وحولي)) الواو فيه للحال. قوله: ((إذخر))، بكسر الهمزة، وقد مر تفسيره في: باب لا ينفر صيد الحرم وفي غيره. قوله: ((وجليل))، بفتح الجيم وكسر اللام الأولى وهو: الثمام، وهو نبت ضعيف يحشى به حصاص البيت. قوله: ((وهل أردن)) بالنون الخفيفة، وكذلك قوله: ((وهل يبدُوَن)) قوله: ((مياه مجنة))، المياه جمع ماء، و: المجنة، بفتح الميم والجيم وتشديد النون: ماء عند عكاظ على أميال يسيرة من مكة بناحية مر الظهران، وقال الأزرقي: هي على بريد من مكة، وقال أبو الفتح: يحتمل أن تسمى مجنة ببساتين تتصل بها، وهي الجنان، وأن يكون وزنها: فعلة من مجن يمجن، سميت بذلك لأن ضرباً من المجون كان بها، وزعم ابن قرقول أن ميمها تكسر. قوله: ((وهل يبدُوَن)) أي: هل يظهرن لي: شامة، ٣٥٧ ٢٩ - كتاب فضائل المدينة / باب (١٣) بالشين المعجمة و: طفيل، بفتح الطاء وكسر الفاء. وقال الجوهري: هما جبلان، وقال غيره: طفيل جبل من حدود هرشي مشرف هو وشامة على مجنة. وقال الخطابي: كنت أحسب أنهما جبلان حتى أنبئت أنهما عينان، وذكر ابن الأثير والصاغاني: أن شابة بالباء الموحدة بعد الألف، وقيل: إن هذين البيتين اللذين أنشدهما بلال، رضي الله تعالى عنه، ليسا له، بل هما لبكر بن غالب بن عامر ابن الحارث بن مضاض الجرهمي، أنشدهما عندما نفتهم خزاعة من مكة، شرفها الله، وقيل لغيره. قوله: ((كما أخرجونا)) متعلق بقوله: ((اللهم)) فقوله: ((أللهم العن)) معناه: أللهم أبعدهم من رحمتك كما أبعدونا من مكة. قوله: ((إلى أرض الوباء))، هو مقصور يهمز ولا يهمز، وهو المرض العام، قاله بعضهم، وقال الجوهري: الوباء، يمد ويقصر، ويقال: الوباء الموت الذريع، وقال الأطباء: هو عفونة الهواء. قوله: ((حبب))، أمر من حبب يحبب. وقوله: ((المدينة)) مفعوله. قوله: ((أو أشد))، أي أو حباً أشد من حبنا لمكة. قوله: ((في صاعنا)) أي: في صاع المدينة، وهو كيل يسع أربعة أمداد، والمد رطل وثلث رطل عند أهل الحجاز، ورطلان عند أهل العراق، والأول قول الشافعي، والثاني قول أبي حنيفة. وقيل: إن أصل المد مقدر بأن يمد الرجل يديه فيملأ كفيه طعاماً. وفي رواية إبن إسحاق عن هشام عن أبيه ((عن عائشة، رضي الله تعالى عنها: اللهم إن إبراهيم عبدك وخليلك دعاك لأهل مكة، وأنا عبدك ورسولك أدعوك لأهل المدينة بمثل ما دعاك إبراهيم لأهل مكة: اللهم بارك لنا في مدينتنا ... )) الحديث. قوله: ((وصححها)) أي: صحح المدينة من الأمراض. وزاد في دعائه بقوله: ((وانقل حماها)) أي: حمى المدينة، وكانت وبيئة، وخصص بهذا في الدعاء لأن أصحابه حين قدموا المدينة وعكوا. قوله: ((إلى الجحفة))، بضم الجيم وسكون الحاء المهملة وبالفاء، وهي ميقات أهل مصر والشام والمغرب الآن. وذكر ابن الكلبي: أن العماليق أخرجوا بني عنبر وهم أخوة عاد من يثرب فنزلوا الجحفة، وكان اسمها: مهيعة، فجاءهم سيل فاجتحفهم فسميت الجحفة، ومعنى: اجتحفهم: سلب أموالهم وأخرب أبنيتهم ولم يبق شيئاً، وإنما خص الجحفة لأنها كانت يومئذ دار شرك. وقال الخطابي: وكان أهل الجحفة إذ ذاك يهوداً، وكان عَِّ كثيراً ما يدعو على من لم يجبهم إلى دار الإسلام إذا خاف منه معونة أهل الكفر، ويسأل الله أن يبتليهم بما يشغلهم عنه، وقد دعا على قومه أهل مكة حين يئس منهم. فقال: ((اللهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف))، ودعا على أهل الجحفة بالحمى ليشغلهم بها فلم تزل الجحفة من يومئذ أكثر بلاد الله حمَّى وأنه ليتقي شرب الماء من عينها الذي يقال له عين حم، فقل من شرب منه إلاَّ محمَّ، ولما دعا، عليه الصلاة والسلام، بذلك الدعاء لم يبق أحد من أهل الجحفة إلاَّ أخذته الحمى، ويحتمل أن يكون هذا هو السر في أن الطاعون لا يدخل المدينة، لأن الطاعون وباء، وسيدنا رسول الله عَ لِّ دعا بنقل الوباء عنها، فأجاب الله دعاءه إلى آخر الأبد. فإن قلت: نهى النبي عَّلِ عن القدوم على الطاعون، فكيف قدموا المدينة وهي وبيئة؟ ٣٥٨ ٢٩ - كتاب فضائل المدينة / باب (١٣) قلت: كان ذلك قبل النهي، أو أن النهي يختص بالطاعون ونحوه من الموت الذريع لا المرض، وإن عم. قوله: ((قالت))، يعني عائشة، وهو متصل بما قبله في رواية عروة عنها. قوله: ((هي)) أي: المدينة ((أوبأ أرض الله)، وأوبأ بالهمزة في آخره على وزن أفعل التفضيل من الوباء أي أكثر وباء وأشد من غيرها. قوله: ((يجري نجلاً)) خبر كان تعني ماءً آجناً، وهو من تفسير الراوي، ونجلاً، بفتح النون وسكون الجيم، وحكى ابن التين فيه نجلا بفتح الجيم أيضاً. وقال ابن فارس: النجل، بفتحتين سعة العين، وقال ابن السكيت: النجل النزّ حين يظهر وينبع عين الماء، وقال الحربن: نجلاً أي: واسعاً، ومنه: عين نجلاء، أي: واسعة. وقيل: هو الغدير الذي لا يزال فيه الماء، وغرض عائشة، رضي الله تعالى عنها، بذلك بيان السبب في كثرة الوباء بالمدينة، لأن الماء الذي هذه صفته يحدث عنده المرض. قوله: ((تعني ماءً آجناً)، هذا من كلام الراوي، أي: تعني عائشة من قولها: يجري ماء آجناً: الآجن بالمد الماء المتغير الطعم واللون، يقال فيه: أجن وأجن ياجن وياجن أجناً وأجوناً فهو آجن بالمد، وأجن. قال عياض: هذا تفسير خطأ ممن فسره، فليس المراد هنا الماء المتغير، ورد عليه بأنه ليس كما قال، فإن عائشة قالت: ((ذلك في مقام التعليل لكون المدينة كانت وبيئة، ولا شك أن النجل إذا فسر بكون الماء الحاصل من النز فهو بصدد أن يتغير، وإذا تغير كان استعماله مما يحدث الوباء في العادة. ذكر ما يستفاد منه: فيه: فضل أبي بكر، رضي الله تعالى عنه، بيانه أن الله لما ابتلى نبيه، عليه الصلاة والسلام، بالهجرة وفراق الوطن ابتلى أصحابه بالأمراض، فتكلم كل إنسان بما فيه، فأما أبو بكر فتكلم بأن الموت شامل للخلق في الصباح والمساء، وأما بلال فتمنى الرجوع إلى وطنه، فانظر إلى فضل أبي بكر على غيره. وفيه: في دعائه عَ لّه بأن يحبب الله لهم المدينة حجة واضحة على من كذب، بالقدر، لأن الله عز وجل هو المالك للنفوس يحبب إليها ما شاء، ويبغض، فأجاب الله دعوة نبيه عَ لَّه فأحبوا المدينة حباً دام في نفوسهم إلى أن ماتوا عليه. وفيه: رد على الصوفية إذ قالوا: إن الولي لا تتم له الولاية إلاّ إذا تم له الرضى بجميع ما نزل به، ولا يدعو الله في كشف ذلك عنه، فإن دعا فليس في الولاية كاملاً. وفيه: حجة على بعض المعتزلة القائلين بأن لا فائدة في الدعاء مع سابق القدر، والمذهب أن الدعاء عبادة مستقلة ولا يستجاب منه إلاَّ ما سبق به التقدير. وفيه: جواز هذا النوع من الغناء. وفيه مذاهب: فذهب أبو حنيفة ومالك وأحمد وعكرمة والشعبي والنخعي وحماد والثوري وجماعة من أهل الكوفة: إلى تحريم الغناء، وذهب آخرون إلى كراهته، نقل ذلك عن ابن عباس، ونص عليه الشافعي وجماعة من أصحابه، وحكي ذلك عن مالك وأحمد، وذهب آخرون إلى إباحته لكن بغير هذه الهيئة التي تعمل الآن، فمن الصحابة عمر، رضي الله تعالى عنه، ذكره أبو عمر في (التمهيد) وعثمان، ذكره الماوردي، وعبد الرحمن بن عوف، ذكره ابن أبي شيبة وسعد بن أبي وقاص وابن عمر ذكرهما ابن قتيبة، وأبو مسعود البدري وأسامة بن زيد، وبلال وخوات بن جبير ذكرهما البيهقي وعبد الله بن أرقم ذكره أبو ٣٥٩ ٢٩ - كتاب فضائل المدينة / باب (١٣) عمر، وجعفر بن أبي طالب ذكره السهروردي في (عوارفه) والبراء بن مالك ذكره أبو نعيم. وابن الزبير ذكره صاحب (القوت) وابن جعفر ومعاوية وعمرو بن العاص والنعمان بن بشير وحسان بن ثابت وخارجة بن زيد وعبد الرحمن بن حسان، ذكرهم أبو الفرج في (تاريخه)، وقطبة بن كعب ذكره الهروي، ورباح بن المغترف ذكره ابن طاهر. ومن التابعين جماعة ذكرهم ابن طاهر. وذهبت طائفة إلى التفرقة بين الغناء الكثير والقليل، ونقل ذلك عن الشافعي، وذهبت طائفة إلى التفرقة بين الرجال والنساء فحرموه من الأجانب وجوزوه من غيرهم، وقال ابن حزم: من نوى ترويح القلب ليقوى على الطاعة فهو مطيع، ومن نوى به التقوية على المعصية فهو عاص، وإن لم ينو شيئاً فهو لغو معفو عنه، وقال الأستاذ أبو منصور: إذا سلم من تضييع فرض ولم يترك حفظ حرمة المشايخ به فهو محمود، وربما أجر. وفيه: أن الله تعالى أباح للمؤمن أن يسأل ربه صحة جسمه وذهاب الآفات عنه إذا نزلت به كسؤاله إياه في الرزق، وليس في دعاء المؤمن ورغبته في ذلك إلى الله لوم ولا قدح في دينه. وفيه: تمثيل الصالحين والفضلاء بالشعر. ٤٦٢ /١٨٩٠ - حدّثنا يَحْيَى بنُّ بُكَيْرٍ قال حدَّثنا اللَّيْثُ عنْ خالِدِ بنِ يَزِيدَ عنْ سَعِيدٍ ابنِ أبِي هِلاَلٍ عنْ زَيْدِ بنِ أُسْلَمَ عنْ أَبِيهِ عنْ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهُ قال اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي شَهَادَةً فِي سَبِيلِكَ واجْعَلْ مَوْتِي فِي بَلَدِ رسولِكَ عَلَّهِ. هذا أثر عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه، ذكره هنا لمناسبة بينه وبين الحديث السابق، وذلك أنه لما سمع النبي، عَّهِ، أنه دعا بقوله: ((اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا لمكة))، سأل الله تعالى أن يجعل موته في المدينة إظهاراً لمحبته إياها كمحبته لمكة، وإعلاماً بصدقه في ذلك بسؤاله الموت فيها، وقيل: ذكر ابن سعد سبب دعائه بذلك، وهو ما أخرجه بإسناد صحيح عن عوف بن مالك أنه رأى رؤيا فيها أن عمر شهيد يستشهد، فقال لما قصها عليه أنَّى لي بالشهادة وأنا بين ظهراني جزيرة العرب لست أغزو والناس حولي؟ ثم قال: بلى وبلى يأتي بها الله إن شاء الله تعالى. ورجال هذا الأثر سبعة كما ترى، وخالد بن يزيد - من الزيادة - تقدم في أول الوضوء، وسعيد بن أبي هلال الليثي المدني، يكنى أبا العلاء، وزيد بن أسلم أبو أسامة مولى عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه، العدوي، وأبوه أسلم مولى عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه، يكنى أبا خالد وكان من سبي اليمن، وقال الواقدي: أبو زيد الحبشي البجاوي من بجاوة، وكان من سبي عين التمر، ابتاعه عمر بن الخطاب بمكة سنة إحدى عشرة لما بعثه أبو بكر الصديق ليقيم للناس الحج، مات قبل مروان بن الحكم، وهو الذي صلى عليه وهو ابن أربع عشرة ومائة سنة. قوله: ((شهادة في سبيلك))، فقبل الله دعاءه ورزق الشهادة، وقتله أبو لؤلؤة غلام ٣٦٠ ٢٩ - كتاب فضائل المدينة / باب (١٣) المغيرة بن شعبة، ضربه في خاصرته وهو في صلاة الصبح، وكان يوم الأربعاء لأربع بقين من ٠٠ ذي الحجة، وقيل: لثلاث بقين منه سنة ثلاث وعشرين، وهو ابن ثلاث وستين سنة، في سن النبي عَّهِ وسن أبي بكر رضي الله تعالى عنه. قوله: ((واجعل موتي في بلد رسولك)» ووقع كذا، ودفن عند أبي بكر، وأبو بكر عند النبي عَلَّهِ، فالثلاثة في بقعة واحدة هي أشرف البقاع. وقال ابنُ زُرَيْعٍ عنْ رَوْحِ بنِ القَاسِمِ عنْ زَيْدِ بنِ أُسْلَمَ عَنْ أُمِّهِ عنْ حَفْصَةَ بِئْتِ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما قالَتْ سَمِعْتُ عُمَرَ نَحْوَهُ وابن زريع هو يزيد بن زريع. قوله: ((عن أمه)) قال الكرماني: قال البخاري: كذا قال روح عن أمه، وغرضه أن المشهور أن زيداً يروي عن أبيه لا عن أمه، لكن روح أسند روايته إلى أمه. قلت: ذكر البخاري هذا لتعليق والتعليق الذي بعده لبيان الاختلاف فيه على زيد بن أسلم، فاتفق هشام بن سعد، وسعيد بن أبي هلال على أنه: عن زيد عن أبيه أسلم عن عمر، وقد تابعهما حفص بن ميسرة عن زيد عند عمر بن شبة، وانفرد روح بن القاسم عن زید بقوله: عن أمه، وتعليق ابن زريع وصله، فقال: حدثنا أبو علي الصواف حدثنا إبراهيم بن هاشم حدثنا أمية بن بسطام حدثنا يزيد بن زريع حدثنا روح بلفظ: سمعت عمر وهو يقول: أللهم قتلاً في سبيلك، ووفاة في بلد نبيك، عَّله. قال: قلت: وأنَّى يكون هذا؟ قال يأتي به عز وجل إذا شاء. وقال هِشَامٌ عنْ زَيْدِ عنْ أَبِيهِ عَنْ حَفْصَةَ سَمِعْتُ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهُ هشام هو ابن سعد القرشي المديني مولى لآل أبي لهب بن عبد المطلب، يتيم زيد ابن أسلم، يكنى أبا سعيد، ويقال أبو عبادة. وهذا التعليق وصله ابن سعد عن محمد بن إسماعيل بن أبي فديك عنه، ولفظه: عن حفصة أنها سمعت أباها يقول ... فذكر مثله، والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.