Indexed OCR Text
Pages 321-340
٣٢١ ٢٨ - كتاب جزاء الصيد / باب (٢٧) واحتج أهل الظاهر بهذا الحديث وبحديث عقبة الآتي فيه، فقالوا: من عجز عن المشي فلا هدي عليه ولا يثبت في ذمته إلاّ بيقين، وليس المشي مما يوجب نذراً، ولأن فيه تعب الأبدان، وليس الماشي في حال مشيه في حرمة إحرامه فلم يجب عليه المشي، ولا بدل منه. وسائر الفقهاء لهم في هذه المسألة أقوال غير هذا القول: الأول: روي عن علي وابن عمر رضي الله تعالى عنهم: ((من نذر المشي إلى بيت الله تعالى فعجز عنه أنه يمشي ما استطاع، فإذا عجز ركب وأهدى شاة)). وهو قول عطاء والحسن، وبه قال أبو حنيفة والشافعي. وقال أبو حنيفة: وكذا إن ركب وهو غير عاجز، ويكفر عن يمينه لحنثه، حكاه الطحاوي. وقال الشافعي: الهدي في هذه احتياط من قبل أنه: من لم يطق شيئاً سقط عنه، وحجتهم قوله: ((فلتركب ولتهد)). والقول الثاني: يعود ثم يحج مرة أخرى، ثم يمشي ما ركب، ولا هدي عليه، وهو قول ابن عمر، ذكره مالك في (الموطأ) وروي عن ابن عباس وابن الزبير والنخعي وابن جبير. والقول الثالث: يعود فيمشي ما ركب وعليه الهدي، وهو مروي عن ابن عباس أيضاً، وروي عن النخعي وابن المسيب، وهو قول مالك: جمع عليه الأمرين المشي والهدي احتياطاً. ٤٣٧ /١٨٦٦ - حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ مُوسَى قال أخبرنا هِشَامُ بنُ يُوسُفَ أنَّ ابنَ جرَيْج أخبرَهُمْ قال أخبرَنِي سَعِيدُ بنُ أبي أَيُّوبَ أنَّ يَزِيدَ بنَ أَبِي حَبيبٍ أخبرَهُ أنَّ أَا الخَيْرِ حدَّثَهُ عنْ عُقْبَةَ ابنِ عامِر قال نَذَرَتْ أُخْتِي أنْ تَمْشِيَ إِلَى بَيْتِ الله وأمَرَتْنِي أنْ أَسْتَفْتِيَ لَهَا النبيَّ عَ لِّ فَاسْتَفْتَتُهُ فقالَ عَلَّ لِتَمْشِ وَلْتَرْكَبْ. مطابقته للترجمة مثل ما ذكرنا في الحديث السابق. ذكر رجاله: وهم سبعة: الأول: إبراهيم بن موسى بن يزيد التميمي الفراء أبو إسحاق. الثاني: هشام بن يوسف بن عبد الرحمن، من الأبناء. الثالث: عبد الملك بن جريج. الرابع: سعيد بن أبي أيوب الخزاعي، واسم أبي أيوب مقلاص. الخامس: يزيد - من الزيادة - ابن أبي حبيب أبو رجاء واسم أبي حبيب: سويد. السادس: أبو الخير واسمه: مرثد بن عبد الله. السابع: عقبة بن عامر الجهني، رضي الله تعالى عنه. ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضع واحد وبصيغة الإفراد في موضع. وفيه: الإخبار بصيغة الجمع في موضع واحد وبصيغة الإفراد في ثلاثة مواضع. وفيه: العنعنة في موضع واحد. وفيه: القول في موضعين. وفيه: عن عقبة بن عامر، ووقع عند مسلم وأحمد وغيرهما: عن عقبة بن عامر هو الجهني. وفيه: أن شيخه رازي وأن هشاماً يماني قاضي اليمن وأن ابن جريج مكي وأن سعيد بن أبي أيوب ويزيد بن أبي حبيب وأبا الخير مصريون. ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في النذور: عن أبي عاصم عمدة القارىء / ج ١٠ / م٢١ ٣٢٢ ٢٨ - كتاب جزاء الصيد / باب (٢٧) عن ابن جريج، وأخرجه مسلم فيه عن زكريا بن يحيى المصري وعن محمد بن رافع وعن محمد بن حاتم وعن محمد بن أحمد. وأخرجه أبو داود فيه عن مخلد بن خالد السعيدي عن عبد الرزاق. ذكر معناه: قوله: ((نذرت أختي))، قال المنذري وابن القسطلاني والشيخ قطب الدين الحلبي وآخرون: هي أم حبان، بكسر الحاء المهملة وتشديد الباء الموحدة بنت عامر الأنصارية، قال بعضهم: نسبوا ذلك لابن ماكولا، فوهموا، وقال: وقد كنت تبعت من ذكرت. يعني: هؤلاء الذين ذكرناهم. ثم رجعت. قلت: ليس ذاك بوهم، فإن الذهبي قال في (تجريد الصحابة): أم حبان بنت عامر الأنصارية أخت عقبة، حديثها في النذر، وقوله: حديثها في النذر، يدل على أنها أخت عقبة بن عامر الجهني، وأما قوله: الأنصارية، وهي ليست بأنصارية في زعم هذا القائل فيحتمل أن تكون هي من جهة الأم الأنصارية، ومن جهة الأب جهنية، وإطلاق نسبتها إلى الأنصار يكون من هذه الجهة، ولا مانع من ذلك. قوله: ((أن تمشي إلى بيت الله)، وفي رواية مسلم: ((أن تمشي إلى بيت الله حافية)). وفي رواية أحمد وأصحاب السنن، من طريق عبد الله بن مالك ((عن عقبة بن عامر الجهنى: أن أخته نذرت أن تمشي حافية غير مختمرة))، وفي رواية الطحاوي: ((نذرت أن تمشي إلى الكعبة حافية حاسرة)). وفي رواية الطبراني: ((حافية متحسرة))، وفي رواية الطبري من طريق إسحاق بن سالم ((عن عقبة بن عامر: وهي امرأة ثقيلة والمشي يشق عليها)). وفي رواية أبي داود من طريق قتادة عن عكرمة ((عن ابن عباس: أن عقبة بن عامر سأل النبي عَّه، فقال: إن أختي نذرت أن تمشي إلى البيت، وشكا إليه ضعفها)). قوله: ((لتمش ولتركب))، وفي رواية عبد الله ابن مالك: ((مرها فلتختمر ولتركب ولتصم ثلاثة أيام)). وفي رواية الطبراني: ((مروها فلتختمر ولتركب ولتحج)). وفي رواية عكرمة عن ابن عباس المذكورة: ((فلتركب ولتهد بدنة)). قال: وكانَ أَبُو الخَيْرِ لاَ يُفَارِقُ عُقْبَةَ أي: قال يزيد بن أبي حبيب: وكان أبو الخير، وهو مرثد بن عبد الله، وأراد بذلك أن سماع أبي الخير له من عقبة، رضي الله تعالى عنه. ٤٣٨ - حدَّثنا أبُو عَاصِمٍ عنِ ابنِ مجرَنْجٍ عنْ يَخِى بنِ أَيُّوبَ عنْ يَزِيدَ عنْ أَبِي الخَيْرِ عنْ عُقْبَةَ فذَكَرَ الحَدِيثَ أبو عبد الله هو البخاري وأبو عاصم النبيل الضحاك بن مخلد، وابن جريج عبد الملك، ويحيى بن أيوب أبو العباس الغافقي المصري، مر في آخر الوضوء، ويزيد هو ابن حبيب المذكور في الحديث السابق، كذا رواه أبو عاصم عن ابن جريج عن يحيى بن أيوب، ووافقه روح بن عبادة في رواية مسلم، قال: وحدثنيه محمد بن حاتم وابن أبي خلف، قالا: حدثنا روح بن عبادة حدثنا ابن جريج أخبرنا يحيى بن أيوب أن يزيد بن أبي حبيب أخبره بهذا الإسناد، وكذلك في رواية الإسماعيلي، وكلاهما جعلا شيخ ابن جريج في هذا ٣٢٣ ٢٨ - كتاب جزاء الصيد / باب (٢٧) الحديث يحيى بن أيوب، وخالفهما هشام بن يوسف حيث جعل شيخ ابن جريج فيه سعيد ابن أبي أيوب والإسماعيلي رجح الأول لاتفاق أبي عاصم وروح على خلاف ما قال هشام، قيل: يعكر عليه أن عبد الرزاق وافق هشاماً، وهو عند مسلم، قال: حدثنا محمد بن رافع، حدثنا عبد الرزاق أخبرنا ابن جريج أخبرنا سعيد بن أبي أيوب أن يزيد بن أبي حبيب أخبره أن أبا الخير حدثه الحديث، وكذلك أخرجه أحمد، ووافقهما محمد بن بكر عن ابن جريج وحجاج بن محمد عند النسائي، فهؤلاء أربعة حفاظ، رووه عن ابن جريج عن سعيد بن أبي أيوب، فإن كان الترجيح بالأكثرية فروايتهم أولى، وقد عرفت بذلك أن البخاري أشار إلى أن لابن جريج فيه شيخين وهما: يحيى بن أيوب وسعيد بن أبي أيوب. ٣٢٤ ٢٩ - كتاب فضائل المدينة / باب (١) بِسْمِ الله الرحمنِ الرَّحِيمِ ٢٩ - كتاب فضائل المدينة أي: هذا باب في بيان فضائل مدينة النبي عَّهِ لأن المدينة إذا أطلقت يتبادر إلى الفهم أنها المدينة التي هاجر إليها النبي عَّلم ودفن بها، وإذا أريد غيرها فلا بد من قيد للتمييز، وذلك كالبيت إذا أطلق يراد به الكعبة، والنجم إذا أطلق يراد به الثريا، واشتقاقها من مَدَنَ بالمكان إذا أقام به، وهي في مستوٍ من الأرض لها نخيل كثير والغالب على أرضها السباخ، وعليها سور من لبن وكان اسمها قبل ذلك: يثرب، قال الله تعالى: ﴿وإذ قالت طائفة منهم يا أهل يثرب﴾ [الأحزاب: ١٣]. ويثرب اسم لموضع منها سميت كلها به، وقيل: سميت بيثرب بن قانية من ولد إرم بن سام بن نوح، لأنه أول من نزلها، حكاه أبو عبيد البكري، وقال هشام بن الكلبي: لما أهلك الله قوم عاد تفرقت القبائل، فنزل قوم بمكة وقوم بالطائف وسار يثرب بن هذيل بن إرم وقومه فنزلوا موضع المدينة، فاستخرجوا العيون وغرسوا النخيل وأقاموا زماناً فأفسدوا فأهلكهم الله تعالى، ويبست النخيل وغارت العيون حتى مر بها تبع فبناها، واختلفوا فيها، فمنهم من يقول: إنها من بلاد اليمن، ومنهم من يقول: إنها من بلاد الشام، وقيل: إنها عراقية، وبينها وبين العراق أربعون يوماً، والأصح أنها من بلاد اليمن، وذلك لأنها بناها تبع الأكبر حين بشر بمبعث النبي عَ لّه، وأخبر أنه إنما يكون في مدينة يثرب، وكانت يثرب يومئذ صحراء فيناها لأجل النبي عَّهِ، وكتب بذلك عهداً. وقال ابن إسحاق: لما نزل تبع المدينة نزل بوادي قناة وحفر فيه بئراً فهي إلى اليوم تدعى ببئر الملك، وذكر أيضاً أن الدار التي نزلها رسول الله عَّه هي الدار التي بناها تبع لرسول الله عَ ليه، وقال: ومن يوم مات تبع إلى مولد نبينا عَّم ألف سنة، وقال الثعلبي بإسناده إلى سهل بن سعد، رضي الله تعالى عنه، قال: سمعت النبي عَِّ يقول: لا تسبوا تبعاً فإنه كان قد أسلم، ويقال: كان سكان المدينة العماليق، ثم نزلها طائفة من بني إسرائيل قيل: أرسلهم موسى، عليه السلام، كما ذكره الزبير بن بكار، ثم نزلها الأوس والخزرج لما تفرق أهل سبأ بسبب سيل العرم، والأوس والخزرج أخوان، وأمهما: قيلة بنت الأرقم بن عمرو بن جفنة، وهما الأنصار، منهم الأوسيون ومنهم الخزرجيون، وقد ذكرنا أن اسم المدينة كان يثرب، فسماها النبي عَ له: طيبة وطابة، ومن أسمائها: العذراء، وجابرة، ومجبورة، والمحبة، والمحبوبة، والقاصمة، قصمت الجبابرة. ولم تزل عزيزة في الجاهلية، وأعزها الله بمهاجرة رسول الله، عَ له، فمنعت على الملوك من التبابعة وغيرهم. ١ - بابُ حَرَمِ المَدِينَةِ أي: هذا باب فى بيان فضل حرم المدينة، وفي بعض النسخ: باب ما جاء في حرم المدينة، وهو رواية أبي علي الشبوي، ولم يذكر في رواية الأكثرين إلاّ باب حرم المدينة ليس إلاَّ، ووقع في رواية أبي ذر: باب فضائل المدينة، ثم: باب حرم المدينة، والحرم ٣٢٥ ٢٩ - كتاب فضائل المدينة / باب (١) والحرام واحد، كزمن وزمان، والحرام: الممنوع منه إما بتسخير إلهي، أو بمنع شرعي. أو بمنع من جهة العقل، أو من جهة من يرتسم أمره، وسمي الحرم حرماً لتحريم كثير فيه مما ليس بمحرم في غيره من المواضع، ومنه الشهر الحرام وهو مأخوذ من الحرمة، وهو ما لا يحل انتها که. ٤٣٩ / ١٨٦٧ - حدّثنا أبُو النُّعْمَانِ قال حدَّثنا ثابتُ بنُ يَزِيدَ قال حدثنا عاصمٌ أبُو عَبدِ الرَّحمنِ الأخوّلُ عنْ أَنَسٍ رضي الله تعالى عنهُ عنِ النبيِّ عَّ ◌ُلِ قال المَدِينَةُ حَرَمٌ مِنْ كَذَا إِلَى كَذَا لاَّ يُقْطَعُ شَجَرُهَا وَلاَ يُخدَثُ فِيها حَدَثٌ مَنْ أَحدَثَ فِيهَا حدثاً فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ الله والمَلاَئِكَةِ والنَّاسِ أَجْمَعِينَ. مطابقته للترجمة في قوله: ((المدينة حرم من كذا إلى كذا)). ذكر رجاله: وهم أربعة: الأول: أبو النعمان محمد بن الفضل السدوسي. الثاني: ثابت، بالثاء المثلثة في أوله: ابن يزيد - من الزيادة - مر في: باب ميمنة المسجد. الثالث: عاصم بن سليمان الأحول، أبو عبد الله، ويقال: أبو عبد الرحمن، وقد مر في: باب الأذان. الرابع: أنس بن مالك، رضي الله تعالى عنه. ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع. وفيه: العنعنة في موضعين. وفيه: أن رواته كلهم بصريون. وفيه: أن ثابتاً يقال له الأحول، وكذلك عاصم بن سليمان الأحول. وفيه: عن أنس وفي رواية عبد الواحد عن عاصم: قلت لأنس، وفي الاعتصام: سألت أنساً، وكذلك في رواية مسلم. وفيه: أنه من الرباعيات. والحديث أخرجه البخاري أيضاً في الاعتصام عن موسى بن إسماعيل عن عبد الواحد ابن زياد، وأخرجه مسلم في المناسك عن عامر بن عمر وعن زهير بن حرب. ذكر معناه: قوله: ((المدينة حرم))، أي: محرمة لا تنتهك حرمتها. قوله: ((من كذا إلى كذا))، هكذا جاء من غير بيان، وسيأتي في هذا الباب عن علي: ما بين عائر إلى كذا، وذكره في الجزية وغيرها بلفظ: عير وهو جبل بالمدينة. وقال ابن المنير: قوله: من عير إلى كذا، سكت عن النهاية، وقد جاء في طريق آخر: ((ما بين عير إلى ثور)). وقال: والظاهر أن البخاري أسقطها عمداً لأن أهل المدينة ينكرون أن يكون بها جبل يسمى ثوراً، وإنما ثور بمكة، فلما تحقق عند البخاري أنه وهم أسقطه، وذكر بقية الحديث، وهو مقيد يعني بقوله: (من عير إلى كذا))، إذ البداءة يتعلق بها حكم فلا يترك الإشكال سنح في حكم النهاية. انتھی. وقد أنكر مصعب الزهري وغيره هاتين الكلمتين أعني: عيراً وثوراً، وقالوا: ليس بالمدينة عير ولا ثور، وقال مصعب: عير بمكة، ومنهم من ترك مكانه بياضاً إذا اعتقدوا الخطأ في ذكره، وقال أبو عبيد: كان الحديث: من عير إلى أحد. قلت: اتفقت روايات البخاري كلها على إبهام الثاني، ووقع عند مسلم: إلى ثور، وقال أبو عبيد. قوله: ((ما بين عير إلى ٣٢٦ ٢٩ - كتاب فضائل المدينة / باب (١) ثور))، هذه رواية أهل العراق، وأما أهل المدينة فلا يعرفون جبلاً عندهم يقال له ثور، وإنما ثور بمكة، ونرى أن أصل الحديث: ما بين عير إلى أحد، وقد وقع ذلك في حديث عبد الله بن سلام عند أحمد والطبراني، وقال عياض: لا معنى لإنكار عير بالمدينة، فإنه معروف. وفي (المحكم) و(المثلث): عير اسم جبل بقرب المدينة معروف، وقال المحب الطبري في (الأحكام). بعد حكاية كلام أبي عبيد ومن تبعه: قد أخبرني الثقة العالم أبو محمد عبد السلام البصري أن حذاء أحد عن يساره جانحاً إلى ورائه جبل صغير يقال له ثور، وأخبر أنه تكرر سؤاله عنه لطوائف من العرب العارفين بتلك الأرض وما فيها من الجبال، فكل أخبر أن ذلك الجبل اسمه ثور، وتواردوا على ذلك، قال: فعلمنا أن ذكر ثور في الحديث صحيح، وأن عدم علم أكابر العلماء به لعدم شهرته وعدم بحثهم عنه، وذكر الشيخ قطب الدين الحلبي، رحمه الله، في (شرحه): "حكى لنا شيخنا الإمام أبو محمد عبد السلام بن مزروع البصري، أنه خرج رسولاً إلى العراق، فلما رجع إلى المدينة كان معه دليل فكان يذكر له الأماكن والجبال، قال: فلما وصلنا إلى أحد إذا بقربه جبيل صغير، فسألته عنه، فقال: هذا يسمى ثوراً. قال: فعلمت صحة الرواية، وقال ابن قدامة: يحتمل أن يكون مراد النبي عَّه. مقدار ما بين عير وثور، لا أنهما بعينهما في المدينة، أو سمى النبي عَِّ الجبلين اللذين نظر في المدينة عيراً وثوراً تجوزاً وارتجالاً. قلت: العير، بفتح العين المهملة وسكون الياء آخر الحروف. وثور، بفتح الثاء المثلثة وسكون الواو، ويروى ما بين: عائر إلى كذا، بألف بعد العين. قوله: ((لا يقطع شجرها»، وفي رواية يزيد بن هارون: ((لا يختلى خلاها))، وفي حديث جابر عند مسلم: ((لا يقطع عضاهها ولا يصاد صيدها)). قوله: ((ولا يحدث)) بلفظ المعلوم والمجهول: أي: لا يعمل فيها عمل مخالف للكتاب والسنة، وزاد شعبة فيه عن عاصم عند أبي عوانة: ((أو آوى محدثاً)). وهذه الزيادة صحيحة إلاَّ أن عاصماً لم يسمعها من أنس. قوله: ((حدثا)) هو الأمر الحادث المنكر الذي ليس بمعتاد ولا معروف في السنة، والمحدث يروى بكسر الدال وفتحها على الفاعل والمفعول، فمعنى الكسر من: نصر جانياً وآواه وأجاره من خصمه وحال بينه وبين أن يقتص منه، والفتح هو الأمر المبتدع نفسه. قوله: ((فعليه لعنة الله .. )) إلى آخره، هذا وعيد شديد لمن ارتكب هذا، قالوا: المراد باللعن هنا العذاب الذي يستحقه على ذنبه والطرد عن الجنة، لأن اللعن في اللغة هو الطرق والإبعاد، وليس هي كلعنة الكفار الذين يبعدون من رحمة الله تعالى كل الإبعاد. ذكر ما يستفاد منه: احتج بهذا الحديث محمد بن أبي ذئب والزهري والشافعي ومالك وأحمد وإسحاق، وقالوا: المدينة لها حرم فلا يجوز قطع شجرها ولا أخذ صيدها، ولكنه لا يجب الجزاء فيه عندهم، خلافاً لابن أبي ذئب، فإنه قال: يجب الجزاء، وكذلك لا يحل سلب من يفعل ذلك عندهم إلاّ الشافعي، وقال في القديم: من اصطاد في المدينة صيداً أخذ سلب، ويروي فيه أثراً عن سعيد، وقال في الجديد بخلافه، وقال ابن نافع: سئل مالك ٣٢٧ ٢٩ - كتاب فضائل المدينة / باب (١) عن قطع سدر المدينة وما جاء فيه من النهي؟ فقال: إنما نهى عن قطع سدر المدينة لئلا توحش وليبقى فيها شجرها ويستأنس بذلك ويستظل به من هاجر إليها. وقال ابن حزم: من احتطب في حرم المدينة فحلال سلبه كل ما معه في حاله تلك، وتجريده إلاَّ ما يستر عورته فقط، لما روى مسلم: حدثنا إسحاق بن إبراهيم وعبد بن حميد جميعاً عن العقدي قال عبد: أخبرنا عبد الملك بن عمر، وقال: حدثنا عبد الله بن جعفر عن إسماعيل بن محمد عن عامر ابن سعد أن سعداً ركب إلى قصره بالعقيق، فوجد عبداً يقطع شجراً ويخبطه، فسلبه، فلما رجع سعد جاءه أهل العبد فكلموه أن يرد على غلامهم أو عليهم ما أخذ من غلامهم، فقال: معاذ الله أن أرد شيئاً نفلنيه رسول الله عَ ليه، وأبى أن يرده عليهم، وقال الثوري وعبد الله بن المبارك وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد: ليس للمدينة حرم كما كان لمكة، فلا يمنع أحد من أخذ صيدها وقطع شجرها، وأجابوا عن الحديث المذكور بأنه عَِّ إنما قال ذلك لا لأنه لما ذكروه من تحريم صيد المدينة وشجرها، بل إنما أراد بذلك بقاء زينة المدينة ليستطيبوها ويألفوها، كما ذكرنا عن قريب عن ابن نافع: سئل مالك عن قطع سدر المدينة إلى آخره، وذلك كمنعه عَّله من هدم آطام المدينة. وقال: إنها زينة المدينة على ما رواه الطحاوي، عن علي بن عبد الرحمن، قال: حدثنا يحيى بن معين، قال: حدثنا وهب بن جرير عن العمري عن نافع عن ابن عمر، قال: ((نهى رسول الله عَّ عن آطام المدينة أن تهدم)). وفي رواية: ((لا تهدموا الآطام فإنها زينة المدينة)). وهذا إسناد صحيح، ورواه البزار في (مسنده) والآطام جمع أطم، بضم الهمزة والطاء، وهو بناء مرتفع، وأراد بآطام المدينة أبنيتها المرتفعة كالحصون، ثم ذكر الطحاوي دليلاً على ذلك من حديث حميد الطويل عن أنس، قال: ((كان لآل أبي طلحة ابن من أم سليم يقال له: أبو عمير، وكان رسول الله عَ لّه يضاحكه إذا دخل، وكان له نغير، فدخل رسول الله عَّالله فرأى أبا عمير حزيناً فقال: ما شأن أبي عمير؟ فقيل: يا رسول الله! مات نغيره. فقال رسول الله عَّله: يا أبا عمير ما فعل النغير؟)). وأخرجه من أربع طرق. وأخرجه مسلم أيضاً: حدثنا شيبان بن فروخ، قال: حدثنا عبد الوارث عن أبي التياح ((عن أنس بن مالك قال: كان رسول الله عَّ أحسن الناس خلقاً، وكان لي أخ يقال له أبو عمير، قال: وأحسبه قال: فطيماً، قال: فكان إذا جاء رسول الله عَ له فرآه قال: أبا عمير ما فعل النغير؟ قال: فكان يلعب به)). وأخرجه النسائي أيضاً في اليوم والليلة، والبزار في (مسنده). واسم أبي طلحة زيد بن أبي سهل الأنصاري وأم سليم بنت ملحان أم أنس بن مالك، واسمها سهلة أو رميلة أو مليكة. ونغير، بضم النون وفتح الغين المعجمة وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره راء: مصغر نغر، وهو طائر يشبه العصفور أحمر المنقار، ويجمع على: نغران، قال الطحاوي: فهذا قد كان بالمدينة ولو كان حكم صيدها كحكم صيد مكة إذا لما أطلق له رسول الله عَّ لم حبس النغير ولا اللعب به كما لا يطلق ذلك بمكة، وقال بعضهم: احتج الطحاوي بحديث أنس في قصة أبي عمير. ونقل عنه ما ذكرناه، ثم قال: : ٣٢٨ ٢٩ - كتاب فضائل المدينة / باب (١) وأجيب: باحتمال أن يكون من صيد الحل، انتهى. قلت: لا تقوم الحجة بالاحتمال الذي لا ينشأ عن دليل، واعترضوا أيضاً بأنه يجوز أن يكون من صيد الحل ثم أدخله المدينة، وردًّ بأن صيد الحل إذا أدخل الحرم يجب عليه إرساله فلا يرد علينا، ثم قال الطحاوي، فقال قائل: فقد يجوز أن يكون هذا الحديث بقناة، وذلك الموضع غير موضع الحرم فلا حجة لكم في هذا الحديث، فنظرنا هل نجد مما سوى هذا الحديث ما يدل على شيء من حكم صيد المدينة؟ فإذا عبد الرحمن بن عمرو الدمشقي وفهد قد حدثانا، قالا: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا يونس بن أبي إسحاق ((عن مجاهد، قال: قالت عائشة، رضي الله تعالى عنها: كان لآل رسول الله عَّه وحش فإذا خرج لعب واشتد وأقبل وأدبر، فإذا أحس برسول الله عَ لِّ قد دخل ربض فلم يترمرم كراهة أن يؤذيه)). فهذا بالمدينة في موضع قد دخل فيما حرم منها، وقد كانوا يؤوون فيه الوحوش ويتخذونها ويغلقون دونها الأبواب، وقد دل هذا أيضاً على أن حكم المدينة في ذلك بخلاف حكم من الربوض وربوض الغنم والبقر والفرس والكلب كبروك الجمل وحشوم الطير. قوله: ((لم يترمرم))، من ترمرم إذا حرك فاه للكلام، وهي بالراءين المهملتين. وروى الطحاوي أيضاً من حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن ((عن سلمة بن الأكوع أنه كان يصيد ويأتي النبي، عَّله، من صيده فأبطأ عليه ثم جاء، فقال رسول الله عَ له: ما الذي حبسك؟ فقال: يا رسول الله انتفى عنا الصيد فصرنا نصيد ما بين تيت إلى قناة، فقال رسول الله، عَّ له: أما أنك لو كنت تصيد بالعقيق لشيَّعتُك، إذا ذهبت. وتلقَيْتُك إذا جئت، فإني أحب العقيق)). وأخرجه من ثلاث طرق وأخرجه من ثلاث طرق وأخرجه الطبراني أيضاً، ثم قال الطحاوي: ففي هذا الحديث ما يدل على إباحة صيد المدينة، ألا ترى أن رسول الله عَّ له قد دل سلمة وهوبها على موضع الصيد وذلك لا يحل بمكة، فثبت أن حكم صيد المدينة خلاف حكم صيد مكة. قوله: (تيت))، بكسر التاء المثناة من فوق وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره تاء مثناة أخرى، ويقال: تيِّت، على وزن سيد، وقال الصاغاني: هو جبل قرب المدينة على بريد منها. وأما الجواب عن حديث سعد بن أبي وقاص في أمر السلب فهو أنه كان في وقت ما كانت العقوبات التي تجب بالمعاصي في الأموال، فمن ذلك ما روي عن النبي، عَّ له، في الزكاة أنه قال: من أداها طائعاً له أجرها ومن لا، أخذناها منه وشطر ماله، ثم نسخ ذلك في وقت نسخ الرّبا، وقال ابن بطال: حديث سعد بن أبي وقاص في السلب لم يصح عند مالك، ولا رأى العمل عليه بالمدينة. ومن فوائد الحديث ما قاله القاضي عياض فإنهم استدلوا بقوله عَّ له: ((لعنة الله))، على أن ذلك من الكبائر، لأن اللعنة لا تكون إلاَّ في كبيرة. وفيه: أن المحدث والمروي له في الإثم سواء. ٣٢٩ ٢٩ - كتاب فضائل المدينة / باب (١) ٤٤٠ /١٨٦٨ - حدّثنا أبُو مَعْمَرٍ قال حدَّثنا عَبْدُ الوَارِثِ عنْ أَبِي النَّيَّاحِ عنْ أنَسٍ رضي الله تعالى عنه قال قَدِمَ النبيُّ عَّهِ المَدِينَةَ وأمَرَ بِيِنَاءِ المَسْجِدِ فقال يا بِنِي النَّجَّارِ ثامِنُونِي فقالُوا لاَ نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إلَّ إلى الله فأمرَ بِقُبُورِ الْمُشْرِكِينَ فَتُبِشَتْ ثُمَّ بالخِرَبِ فَسُوِّيَتْ وبالنَّخْلِ فَقُطِعَ فصَفُوا النَّخْلَ قِثْلَةَ الْمَسْجِدِ. [انظر الحديث ٢٣٤ وأطرافه]. قيل: لا مناسبة في إيراد هذا الحديث في هذا الباب. قلت: له مناسبة جيدة ومطابقته واضحة بينه وبين الترجمة، بيانه أن في الحديث السابق: لا يقطع شجرها. وفي هذا الحديث وبالنخل، فقطع، فدل على أن شجر المدينة لم يكن مثل شجر مكة، إذ لو كان مثلها لمنع من قطعها، فدل على أن المدينة ليس لها حرم كما لمكة. فإن قلت: شجر المدينة كانت ملكاً لأربابها ولهذا طلبها عَِّ بالشراء بثمنها، فلا دلالة فيه على عدم كون الحرم للمدينة. قلت: يحتمل أن لا يعرف غارسها لقدمها وبنو النجار كانوا قد وضعوا أيديهم عليها لعدم العلم بأربابها، فإذا كان كذلك فقطعها يدل على المدعي وهو نفي كون الحرم للمدينة. فإن قلت: ولئن سلمنا ذلك فنقول: إن القطع كان في المدينة للبناء وفيه مصلحة للمسلمين. قلت: يلزمك أن تقول به في مكة أيضاً ولا قائل به، وهذا الحديث قد تقدم بأتم منه في كتاب الصلاة في: باب هل تنبش قبور مشركي الجاهلية، وقد مضى الكلام فيه مستوفىّ. وأبو معمر، بفتح الميمين: اسمه عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج المنقري المقعد، وعبد الوارث بن سعيد العنبري البصري، وأبو التياح، بفتح التاء المثناة من فوق وتشديد الياء آخر الحروف وفي آخره حاء مهملة: واسمه يزيد بن حميد الضبعي. قوله: ((ثامنوني))، أي: بايعوني بالثمن. قوله: ((بالخرب))، بفتح الخاء المعجمة وكسر الراء: جمع الخربة، وفي بعض الرواية بكسر الخاء وفتح الراء. ٤٤١ / ١٨٦٩ - حدّثنا إسْمَاعِيلُ بنُ عَبْدِ الله قال حدَّثني أخِي عنْ سُلَيْمانَ عَنْ عُبَيْدِ الله عنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ أنَّ النبيَّ عَ لَّهِ قال حُرِّمَ ما بَيْنَ لاَبَتَي المَدِينَةِ عَلَى لِسَانِي قال وأَتَّى النبيُّ عَِّ بَنِي حَارِثَةَ فقال أَرَاكُمْ يا بَنِي حَارِثَةَ قَدْ خَرَجْتُمْ مِنَ الحَرَمِ ثُمَّ الْتَغَتَ فقال بَلْ أنْتُمْ فِيهِ. مطابقته للترجمة في قوله: ((محُرِّم بين لابتي المدينة))، وفيه بيان لإبهام الترجمة. ذكر رجاله: وهم ستة: الأول: إسماعيل بن عبد الله بن أبي أويس. الثاني: أخوه عبد الحميد بن عبد الله بن أبي أويس. الثالث: سليمان بن بلال أبو أيوب. الرابع: عبيد الله بن عمر العمري. الخامس: سعيد بن أبي سعيد المقبري واسم أبي سعيد كيسان. السادس: أبو هريرة. ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضع وبصيغة الإفراد في موضع. وفيه: العنعنة في أربعة مواضع. وفيه: القول في موضع. وفيه: أن رواته كلهم مدنيون. وفيه: رواية الراوي عن أخيه. وفيه: عن سعيد المقبري عن أبي هريرة. قال الإسماعيلي، رواه ٣٣٠ ٢٩ - كتاب فضائل المدينة / باب (١) جماعة عن عبيد الله هكذا، وقال عبدة بن سليمان عن عبيد الله عن سعيد عن أبيه عن أبي هريرة، رضي الله تعالى عنه، وزاد فيه: عن أبيه. ذكر معناه: قوله: ((محُرِّمَ))، على صيغة المجهول من التحريم، وهو رواية الأكثرين، وفي رواية المستملي: ((حرَم)). بفتحتين فارتفاعه على أنه خبر عن مبتدأ مؤخر، وهو قوله: ((ما بين لابتي المدينة))، وفي رواية أحمد من حديث ابن عمر: ((إن الله تعالى حرم على لساني ما بين لابتي المدينة))، وللبخاري عن أبي هريرة: ((ما بين لابتيها حرام))، وسيأتي، إن شاء الله تعالى. وفي الباب عن جماعة عن الصحابة. فعن جابر رواه مسلم قال: قال رسول الله عَ ليه: ((إن إبراهيم حرم مكة وإني حرمت المدينة ما بين لابتيها لا يقطع عضاهها ولا يصاد صيدها)). وعن رافع بن خديج أخرجه مسلم قال: قال رسول الله عَ لّه: ((إن إبراهيم حرم مكة وأنا أحرم ما بين لابتيها)). يريد المدينة. وعن سعد بن أبي وقاص أخرجه مسلم أيضاً قال: قال رسول الله عَّه: ((إني أحرم ما بين لابتي المدينة أن يقطع عضاهها ويقتل صيدها)) الحديث. وعن أبي سعيد الخدري أخرجه الطحاوي قال: ((إن رسول الله، عَّ له، حرم ما بين لا بتي المدينة)) وأخرجه أحمد في مسنده عن كعب بن مالك، أخرجه الطبراني في (الأوسط) عن خارجة بن عبد الله بن كعب عن أبيه عن جده ((أن رسول الله، عَ ◌ّم، حرم ما بين لا بتي المدينة أن يصاد وحشها)). وعن عبادة أخرجه البيهقي عنه قال: إن رسول الله عَّ حرم ما بين لابتيها كما حرم إبراهيم، عليه الصلاة والسلام. وعن عبد الرحمن بن عوف أخرجه الطحاوي عن صالح بن إبراهيم عن أبيه، وفيه قال، يعني عبد الرحمن بن عوف: ((حرم رسول الله عَ لّ صيد ما بين لابتيها))، وأخرجه البيهقي أيضاً. وعن زيد بن ثابت، رضي الله تعالى عنه، أخرجه الطحاوي من حديث شرحبيل بن سعد، قال: ((أتانا زيد بن ثابت ونحن ننصب فخا خالنا بالمدينة، فرمى بها، وقال: ألم تعلموا أن رسول الله عَُّله حرم صيدها؟ وأخرجه الطبراني أيضاً في (الكبير). وعن سهل بن حنيف أخرجه الطحاوي عنه، قال: ((سمعت رسول الله عٍَّ، وأهوى بيده إلى المدينة، يقول: إنه حرام آمن)). وأخرجه مسلم أيضاً. وعن أبي أيوب الأنصاري أخرجه الطحاوي من حديث مالك عنه أنه وجد غلماناً ألجأوا ثعلباً إلى زاوية، فطردهم. قال مالك: لا أعلم إلاَّ أنه قال: أفي حرم رسول الله عَّ لَه يصنع هذا؟)) وأخرجه مالك رحمه الله في (موطئه). وعن علي بن أبي طالب وسيجيء عن قريب. وعن عدي بن زيد أخرجه أبو داود عنه. قال: ((حمى رسول الله عَ ليه كل ناحية من المدينة بريداً بريداً لا يخبط شجره ولا يعضد إلاَّ ما يساق به الحمل)). وفي حديث أبي هريرة أخرجه مسلم وجعل اثني عشر ميلاً حول المدينة حمى. وعن عبد الله بن زيد بن عاصم المازني الأنصاري أخرجه البخاري ومسلم: أن إبراهيم حرم مكة ودعا لها، وإني حرمت المدينة، وسیجيء في البيوع إن شاء الله تعالى. قوله: ((لابتي المدينة)) اللبتان تثنية: لابة، واللابة، الحرة، ذكره الأزهري عن الأصمعين وجمعها: لاب ولوب، وفي (الجامع): اللابة الحرة السوداء، والجمع لابات. وفي ٣٣١ ٢٩ - كتاب فضائل المدينة / باب (١) (المحكم): اللابة واللوبة: الحرة. وقال الجوهري: اللابة أرض ألبستها حجارة سود، والمدينة بين حرتين يكتنفانها إحداهما شرقية والأخرى غربية، وقيل: المراد به أنه حرم المدينة ولا بتيها جميعاً. قوله: ((وأتى النبي عَّه بني حارثة))، وفي رواية الإسماعيلي («ثم جاء بني حارثة وهم في سند الحرة)). أي: في الجانب المرتفع منها، وبنو حارثة بالحاء المهملة وبالثاء المثلثة بطن مشهور من الأوس وهو حارثة بن الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس، وكان بنو حارثة في الجاهلية وبنو عبد الأشهل في دار واحدة، ثم وقعت بينهم الحرم فانهزمت بنو حارثة إلى خيبر فسكنوها، ثم اصطلحوا فرجع بنو حارثة فلم ينزلوا في دار بني عبد الأشهل وسكنوا في دارهم هذه، وهي غربية مشهد حمزة، رضي الله تعالى عنه، وكان عَّ ظن أنهم خارجون من الحرم، فلما تأمل مواضعهم رآهم داخلين فيه، وهذا معنى قوله: ((ثم التفت فقال بل أنتم فيه)) أي: في الحرم، وزاد الإسماعيلي: ((بل أنتم فيه)) أعادها تأكيداً. وفيه من الفائدة: جواز الجزم بما يغلب على الظن وإذا تبين أن اليقين على خلافه رجع عنه. ٤٤٢ / ١٨٧٠ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ قال حَدَّثنا عَبْدُ الرَّحْمنِ قال حدَّثنا سُفْيَانُ عنٍ الأعْمَشِ عنْ إبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ عن أبِيهِ عنْ عَلِيّ رضي الله تعالى عنه قال ما عِنْدَنَا شَيئٌ إلاّ كِتابُ الله وهَذِهِ الصَّحِيفَةُ عنِ النبيِّ عَّهِ المَدِينَةُ حَرَمٌ ما بَيْنَ عائِرٍ إلَى كَذا منْ أَحْدَثَ فِيها حدَثاً أو آوَى مُخدِثاً فَعَلَيْهِ لَغْنَةُ اللهِ والمَلائِكَةِ والنَّاسِ أَجْمَعِينَ لاَ يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ ولاَ عَدْلٌ وقال ذِمَّةُ المُسْلِمِينَ واحِدَةٌ فَمَنْ أَخْفَرَ مُسْلِماً فَعَلَيْهِ لَغْنَة الله والمَلائِكَةِ والنَّاسِ أَجْمَعِينَ لاَ يَقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ ولاَ عَدْلٌ ومَنْ تَوَلَّى قَوْماً بِغَيْرِ إِذْنِ مَوَالِيهِ فعلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ والمَلاَئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ لا يُقْبَلُ مِنْهُ صرفٌ ولاَ عَدْلٌ. [انظر الحديث ١١١ وأطرافه]. مطابقته للترجمة في قوله: ((المدينة حرم ما بين عائر إلى كذا)). ذكر رجاله: وهم سبعة: الأول: محمد بن بشار، بفتح الباء الموحدة وتشديد الشين المعجمة، وقد تكرر ذكره. الثاني: عبد الرحمن بن مهدي بن حسان العنبري. الثالث: سفيان الثوري. الرابع: سليمان الأعمش. الخامس: إبراهيم بن يزيد بن شريك التيمي. السادس: أبوه يزيد. السابع: علي بن أبي طالب، رضي الله تعالى عنه. ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع. وفيه: العنعنة في أربعة مواضع. وفيه: أن شيخه بصري ويلقب ببندار، وكذلك شيخ شيخه بصري، والبقية كوفيون. وفيه: ثلاثة من التابعين في نسق واحد، وهم: الأعمش وإبراهيم وأبوه يزيد، وهذه رواية أكثر أصحاب الأعمش عنه، وخالفهم شعبة فرواه عن الأعمش عن إبراهيم التيمي عن الحارث بن سويد عن علي. أخرجه النسائي قال: أخبرنا بشر بن خالد العسكري، قال: أخبرنا غندر عن شعبة عن ٣٣٢ ٢٩ - كتاب فضائل المدينة / باب (١) سليمان عن إبراهيم التيمي ((عن الحارث بن سويد، قال: قيل لعلي، رضي الله تعالى عنه، إن رسول الله عَّم خصكم بشيء دون الناس عامة، قال: ما خصنا رسول الله عَّه بشيء لم يخص الناس ليس شيئاً في قراب سيفي هذا، فأخذ صحيفة فيها شيء من أسنان الإبل وفيها، أن المدينة حرم ما بين ثور إلى عير، فمن أحدث فيها حدثاً وآوى محدثاً فإن عليه لعنة الله، والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه يوم القيامة صرف ولا عدل وذمة المسلمين واحدة فمن أخفر مسلماً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه صرف ولا عدل، انتهى. وقال الدارقطني في (العلل): والصواب رواية الثوري ومن تبعه. ذكر معناه: قوله: ((ما عندنا شيء))، أي: شيء مكتوب من أحكام الشريعة، وإلاَّ فكان عندهم أشياء من السنة سوى الكتاب، لأن السنن لم تكن مكتوبة في الكتب في ذلك الوقت، ولا مدونة في الدواوين. وقال الكرماني: فإن قلت: تقدم في باب في كتاب العلم أنه كان في الصحيفة العقل وفكاك الأسير، وههنا قال: المدينة حرم ... إلى آخره؟ قلت: لا منافاة بينهما لجواز كون الكل فيها. فإن قلت: ما سبب قول علي، رضي الله تعالى عنه، هذا؟ قلت: يظهر ذلك بما رواه أحمد من طريق قتادة ((عن أبي حسان الأعرج أن علياً، رضي الله تعالى عنه، كان يأمر بالأمر فيقال له: قد فعلنا، فيقول: صدق الله ورسوله. فقال له الأشتر: هذا الذي تقول شيء عهده إليك رسول الله عَ لّهِ؟ قال: ما عهد إليَّ شيئاً خاصاً دون الناس إلاَّ شيئاً سمعته منه، فهو في صحيفة في قراب سيفي فلم يزالوا به حتى أخرج الصحيفة فإذا فيها ... )) فذكر الحديث وزاد فيه: ((المؤمنون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم، ألا لا يقتل مؤمن بكافرٍ، ولا ذو عهد في عهده، وقال فيه: إن إبراهيم حرَّم، وإني أحرم ما بين حرتيها، وحماها كله لا يختلى خلاها، ولا ينفر صيدها ولا تلتقط لقطتها، ولا تقطع منها شجرة إلاَّ أن يعلف رجل بعيره، ولا يحمل فيها السلاح لقتال». والباقي نحوه. وأخرجه الدارقطني من وجه آخر عن قتادة عن أبي حسان عن الأشتر عن علي، رضي الله تعالى عنه، وفي رواية أحمد وأبي داود والنسائي من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن الحسن ((عن قيس بن عباد، قال: انطلقت أنا والأشتر إلى علي، رضي الله تعالى عنه، فقلنا: هل عهد إليك رسول الله عَّمِ شيئاً لم يعهده إلى الناس عامة؟ قال: لا، إلاّ ما في كتابي هذا. قال: وكتاب في قراب سيفه، فإذا فيه: المؤمنون تتكافأ دماؤهم))، فذكر مثل ما تقدم إلى قوله: ((في عهده: من أحدث حدثاً)) إلى قوله: ((أجمعين))، ولم يذكر بقية الحديث، وروى مسلم من طريق أبي الطفيل: ((كنت عند علي فأتاه رجل، فقال: ما كان النبي عَّه يسر إليك؟ فغضب، ثم قال: ما كان يسر إليَّ شيئاً يكتمه عن الناس، غير أنه حدثني بِكلمات أربع ... )) وفي رواية له: ((ما خصنا رسول الله عَ ليه، بشيء لم يعم به الناس كافة، إلاَّ ما كان في قراب سيفي هذا، فأخرج صحيفة مكتوب فيها: لعن الله من ذبح لغير الله، ولعن الله من سرق منار الأرض، ولعن الله من لعن والده، ولعن الله من آوى محدثاً). وقد تقدم في كتاب ٣٣٣ ٢٩ - كتاب فضائل المدينة / باب (١) العلم من طريق أبي جحيفة. ((قلت لعلي، رضي الله تعالى عنه: هل عندكم كتاب؟ قال: لا، إلاَّ كتاب الله .. ) الحديث. فإن قلت: كيف وجه الجمع بين هذه الأخبار؟ قلت: وجه ذلك أن الصحيفة المذكورة كانت مشتملة على مجموع ما ذكر، فنقل كل من الرواة بعضها، وأتمها سياقاً طريق أبي حسان كما ترى. والله أعلم. قوله: ((المدينة حرم))، بفتحتين أي: محرمة لا تنتهك حرمتها. قوله: ((ما بين عائر إلى كذا))، وعائر بالعين المهملة والألف والهمزة والراء، وهو جبل بالمدينة، ويروى: ((ما بين عير))، بدون الألف. وقال القاضي عياض أكثر رواة البخاري ذكروا ((عيراً)، وأما ثور فمنهم من كنى عنه بلفظ كذا، ومنهم من ترك مكانه بياضاً. وقد مر الكلام فيه مستقصىّ في أول: باب حرم المدينة. قوله: ((من أحدث فيها))، أي: في المدينة، ورواية قيس بن عباد التي تقدمت تفيد بهذا لأن ذلك مختص بالمدينة لفضلها وشرفها. قوله: ((أو آوى)) بالقصر والمد في الفعل اللازم والمتعدي جميعاً، لكن القصر في اللازم والمد في المتعدي أشهر. قوله: ((محدثاً)) قد ذكرنا أن فيه فتح الدال وكسرها، فالمعنى بالفتح أي: المحدث في أمر الدين والسنة، ومعنى الكسر صاحبه الذي أحدثه أو جاء ببدعة في الدين أو بدل سنة. وقال التيمي: يعني من ظلم فيها أو أعان ظالماً. قوله: ((صرف)) أي: فريضة. ((وعدل)) أي: نافلة. وقال الحسن: الصرف النافلة، والعدل الفريضة، عكس قول الجمهور. وقال الأصمعي: الصرف التوبة والعدل الفدية. قالوا: معناه لا تقبل قبول رضىّ، وإن قبلت قبول جزاء، وعن أبي عبيدة الصرف الاكتساب والعدل الحيلة، وقيل: الصرف الدية والعدل الزيادة عليها، وقيل بالعكس، وفي (المحكم): الصرف الوزن والعدل الكيل، وقيل: الصرف القيمة والعدل الاستقامة، وقيل: الصرف الشفاعة والعدل الفدية، وبه جزم البيضاوي، وقيل: القبول بمعنى تكفير الذنب بهما، وقال عياض: وقد يكون معنى الفدية هنا لأنه لا يجد في القيامة فداءً يفتدى به، بخلاف غيره من المذنبين الذين يتفضل الله عز وجل على من يشاء منهم بأنه يفديه من النار بيهودي أو نصراني كما ثبت في (الصحيح). قوله: ((ذمة المسلمين)) أي: عهدهم وأمانهم صحيح، فإذا آمن الكافر واحد من المسلمين حرم على غيره التعرض له، ونقض ذمته، وللأمان شروط مذكورة في كتب الفقه. قوله: ((فمن أخفر مسلماً)) أي: نقض عهده، يقال: خفرت الرجل بغير ألف إذا آمنته، وأخفرته إذا نقضت عهده، فالهمزة للإزالة، وقد علم في علم الصرف أن الهمزة في: أفعل تأتي لمعان: منها: أنها تأتي للسلب، يعني لسلب الفاعل من المفعول أصل الفعل نحو أشكيته؟ أي: أزلت شكايته، والهمزة في: أخفر، من هذا القبيل. قوله: ((ومن تولى قوماً)) أي: من اتخذهم أولياء. قوله: ((بغير إذن مواليه))، ليس بشرط، لتقييد الحكم بعدم الإذن وقصره عليه، وإنما هو إيراد الكلام على ما هو الغالب، وقال الخطابي: لم يجعل إذن الموالي شرطاً في ادعاء نسب أو ولاء، ليس هو منه، وإليه، وإنما ذكر الإذن في هذا تأكيداً للتحريم لأنه إذا استأذنهم في ذلك منعوه وحالوا بينه وبين ما يفعل من ذلك، وفي رواية مسلم: ((وذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم، ومن ادعى إلى غير أبيه أو انتمى إلى غير مواليه فعليه ٣٣٤ ٢٩ - كتاب فضائل المدينة / باب (٢) لعنة الله)). الحديث. قوله: ((يسعى بها)) يعني: أن ذمة المسلمين سواء صدرت من واحد أو أكثر شريف أو وضيع، فإذا آمن أحد من المسلمين كافراً وأعطاه ذمته لم يكن لأحد نقضه، فيستوي في ذلك الرجل والمرأة، والحر والعبد، لأن المسلمين كنفس واحدة. والله أعلم. ذكر ما يستفاد منه: فيه: رد على الشيعة فيما يدعونه من أن علياً، رضي الله تعالى عنه، عنده وصية من سيدنا رسول الله، عَّله، له بأمور كثيرة من أسرار العلم وقواعد الدين. وفيه: جواز كتابة العلم. وفيه: المحدث والمروي له في الإثم سواء. وفيه: حجة لمن أجاز أمان المرأة والعبد، وهو مذهب مالك والشافعي، وعند أبي حنيفة: لا يجوز إلاَّ إذا أذن المولى لعبده بالقتال. وفيه: أن نقض العهد حرام. وفيه: ذم انتماء الإنسان إلى غير أبيه، أو انتماء العتيق إلى غير معتقه لما فيه من كفر النعمة وتضييع الحقوق والولاء والعقل، وغير ذلك، مع ما فيه من قطيعة الرحم والعقوق. قال أبُو عَبْدِ الله عَدْلٌ فِدَاءٌ أبو عبد الله هو البخاري نفسه، وأشار بهذا إلى أن تفسير العدل عنده بمعنى الفداء، وهذا موافق لتفسير الأصمعي، وقد ذكرناه عن قريب، وهذا: أعني قوله: قال عبد الله ... إلى آخره، وقع في رواية المستملي. ٢ - بابُ فَضْلِ المَدِينَةِ وَأنَّها تَنْفِي النَّاسَ أي: هذا باب في بيان فضل المدينة، وفي بيان أنها تنفي الناس، قالوا: يعني شرارهم؟ قلت: جعلوا لفظ تنفي من النفي، فلذلك قدروا هذا التقدير، والأحسن عندي أن تكون هذه اللفظة من التنقية بالقاف، والمعنى: أن المدينة تنقي الناس فتبقي خيارهم وتطرد شرارهم، ويناسب هذا المعنى قوله، عَّ له: ((إن المدينة كالكير تنقي خبثها وتنصع طببها))، وإنما قلنا يناسب هذا المعنى قوله عَّم من حيث إن حاصل المعنى يؤول إلى ما ذكرنا، وإن كان لفظ الحديث من النفي بالفاء. ١٨٧١/٤٤٣ - حدّثنا عَبْدُ اللهِ بنُ يُوسُفَ قال أخبرنا مالِكٌ عنْ يَحْتَى بنِ سَعِيدٍ قال سَمِعْتُ أَبَا الحُبابِ سَعِيدَ بنَ يَسارٍ يَقُولُ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنه يقُولُ قال رسولُ اللهِ عَّهِ أُمِرْتُ بِقَرْيَةٍ تَأْكُلُ الْقُرى يَقُولُونَ يَثْرِبُ وهْيَ المَدِينَةُ تَنْفي النَّاسَ كَمَا يَنْفِي الكِيرُ خَبَثَ الحَدِيدِ. مطابقته للترجمة ظاهرة، ورجاله قد تقدموا، وأبو الحباب، بضم الحاء المهملة وتخفيف الباء الموحدة الأولى، ويسار - ضد اليمين - وقال بعضهم: رجال الإسناد كلهم مدنيون. قلت: ليس كذلك، فإن عبد الله بن يوسف تنيسي وأصله من دمشق، وقال أبو عمر: اتفق الرواة عن مالك على إسناده إلاَّ إسحاق بن عيسى الطباع، فقال: عن مالك عن يحيى عن سعيد بن المسيب، بدل: سعيد بن يسار، وهو خطأ قلت: لم ينفرد الطباع بهذا، لأن الدارقطني ذكر في كتاب (غرائب مالك) كما رواه الطباع من حديث أحمد بن بكر بن خالد ٣٣٥ ٢٩ - كتاب فضائل المدينة / باب (٢) السلمي عن مالك. والحديث أخرجه مسلم في الحج أيضاً عن قتيبة عن مالك وعن عمرو الناقد وابن أبي عمرو عن أبي موسى محمد بن المثنى، وأخرجه النسائي فيه وفي التفسير عن قتيبة. ذكر معناه: قوله: ((أمرت بقرية))، أي: أمرت بالهجرة إليها والنزول بها، فإن كان قال ذلك بمكة فهو بالهجرة إليها، وإن كان قاله بالمدينة فبسكناها. قوله: ((تأكل القرى)) أي: يغلب أهلها سائر البلاد، وهو كناية عن الغلبة لأن الآكل غالب على المأكول، وقال النووي: معنى الأكل أنها مركز جيوش الإسلام في أول الأمر فمنها فتحت البلاد فغنمت أموالها. أو أن أكلها يكون من القرى المفتتحة وإليها تساق غنائمها، ووقع في (موطأ ابن وهب): قلت المالك: ما تأكل القرى؟ قال: تفتح القرى. وقيل: يحتمل أن يكون المراد بأكلها القرى غلبة فضلها على فضل غيرها، فمعناه: أن الفضائل تضمحل في جنب عظيم فضلها حتى يكاد تكون عدماً، وقد سميت مكة أم القرى، قيل: المذكور للمدينة أبلغ منه. انتهى. قلت: الذي يظهر من كلامه أنه ممن يرجح المدينة على مكة. قوله: ((يقولون: يثرب)) أراد أن بعض المنافقين يقولون للمدينة: يثرب، يعني يسمونها بهذا الإسم، واسمها الذي يليق بها: المدينة، وقد كره بعضهم من هذا تسمية المدينة يثرب، وقالوا: ما وقع في القرآن إنما هو حكاية عن قول غير المؤمنين، وروى أحمد من حديث البراء بن عازب، رضي الله تعالى عنه، رفعه: ((من سمَّى المدينة يثرب فليستغفر الله تعالى: هي طابة)). وروى عمر بن شبة من حديث أبي أيوب ((أن رسول الله عَّ نهى أن يقال للمدينة: يثرب))، ولهذا قال عيسى بن دينار، من المالكية: من سمى المدينة يثرب كتبت عليه خطيئة، قالوا: وسبب هذه الكراهة لأن يثرب من التثريب الذي هو التوبيخ والملامة، أو من الثرب وهو الفساد، وكلاهما مستقبح، وكان عَّهِ، يحب الاسم الحسن ويكره الاسم القبيح، قوله: ((تنفي الناس))، قال أبو عمر: أي: تنفي شرار الناس، ألا يرى أنه مثل ذلك وشبهه بما يصنع الكير في الحديد، والكير إنما ينفي رديء الحديد وخبثه، ولا ينفي جيده؟ قال وهذا عندي، والله أعلم، إنما كان في حياته عَّ لِ، فحينئذ لم يكن يخرج من المدينة رغبة عن جواره فيها إلاَّ من لا خير فيه. وأما بعد وفاته فقد خرج منها الخيار والفضلاء والأبرار، وقال عياض: وكان هذا يختص بزمنه لأنه لم يكن يصبر على الهجرة والمقام معه بها إلاّ من ثبت إيمانه، وقال النووي: وليس هذا بظاهر، لأن عند مسلم: ((لا تقوم الساعة حتى تنفي المدينة شرارها كما ينفي الكير خبث الحديد»، وهذا، والله أعلم، زمن الدجال. قوله: ((كما ينفي الكير))، بكسر الكاف وسكون الياء آخر الحروف، وفي (التلويح): الكير هو دار الحديد والصائغ وليس الجلد الذي تسميه العامة كيراً، كذا قال أهل اللغة، ومنه حديث أبي أمامة وأبي ريحانة عن النبي عَّهِ: ((الحمى كير من جهنم، وهو نصيب المؤمن من النار)). وقيل: في الكير لغة أخرى: كور، بضم الكاف، والمشهور بين الناس أنه: الزق الذي ينفخ فيه، لكن أكثر أهل اللغة على أن المراد بالكير: حانوت الحداد والصائغ، وقال ابن ٣٣٦ ٢٩ - كتاب فضائل المدينة / باب (٣) التين: وقيل: الكير هو الزق، والحانوت هو الكور. وفي (المحكم): الكير الزق الذي ينفخ فيه الحداد، ويؤيد الأول ما رواه عمر بن شبة في (أخبار المدينة) بإسناده إلى أبي مردود، قال: رأى عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه، كير حداد في السوق، فضربه برجله حتى هدمه، وفي (المحكم) والجمع أكيار وكيرة، وعن ثعلب: كيران، وليس ذلك بمعروف في كتب اللغة، إنما الكيران جمع كور، وهو المرجل. وفي (الصحاح): المنجل، وعن أبي عمرو: كير الحداد وهو زق أو جلد غليظ ذو حافات. قوله: ((خبث الحديد)) بفتح الخاء المعجمة والباء الموحدة، وفي آخره ثاء مثلثة، وهو وسخ الحديد الذي تخرجه النار. وقال الكرماني: ويروى، بضم الخاء وسكون الباء، وفيه نظر، والمراد أنها لا ينزل فيها من في قلبه دغل، بل يميزه عن القلوب الصادقة ويخرجه، كما يميز الحداد رديء الحديد من جيده، ونسب التمييز للكير لكونه السبب الأكبر في إشعال النار التي يقع بها التمييز. ذكر ما يستفاد منه: قال المهلب بن أبي صفرة: هذا الحديث حجة لمن فضل المدينة على مكة، لأنها هي التي أدخلت مكة وسائر القرى في الإسلام، فصارت القرى ومكة في صحائف أهل المدينة، وإليه ذهب مالك وأهل المدينة، وروي عن أحمد خلافاً لأبي حنيفة والشافعي، وقال ابن حزم: روى القطع بتفضيل مكة على المدينة عن سيدنا رسول الله، عَّه، جابر وأبو هريرة وابن عمر وابن الزبير وعبيد الله بن عدي، منهم ثلاثة مدنيون بأسانيد في غاية الصحة، قال: وهو قول جميع الصحابة وجمهور العلماء، واحتج مقلد ومالك بأخبار ثابتة منها، قوله، عَّةِ: ((إن إبراهيم حرم مكة ودعا لها، وإني حرمت المدينة كما حرم إبراهيم، عليه الصلاة والسلام)). قال: ولا حجة لهم فيه، إنما فيه أنه حرمها كما حرمها إبراهيم، وبقوله: ((اللهم بارك لنا في تمرنا ومدنا))، وبقوله: ((اللهم اجعل بالمدينة ضعفي ما جعلت بمكة من البركة))، قال: ولا حجة لهم فيهما، إنما فيهما الدعاء للمدينة وليس من باب الفضل في شيء، وبقوله: ((المدينة كالكير))، ولا حجة لهم، لأن هذا إنما هو في وقت دون وقت، وفي قوم دون قوم، وفي خاص دون عام، انتهى. واحتج بعضهم على تفضيل المدينة على مكة بقوله: ((كما ينفي الكير خبث الحديد))، ولا حجة في ذلك، لأن هذا في خاص من الناس ومن الزمان بدليل قوله تعالى: ﴿ومن أهل المدينة مردوا على النفاق﴾ [التوبة: ١٠١]. والمنافق خبيث بلا شك، وقد خرج من المدينة بعد النبي معَ ◌ّه معاذ وأبو عبيدة وابن مسعود وطائفة، ثم علي وطلحة والزبير وعمار وآخرون، وهم من أطيب الخلق، فدل على أن المراد بالحديث تخصيص ناس دون ناس، ووقت دون وقت. ٣ - بابّ المَدِينةُ طابَةٌ أي: هذا باب يذكر فيه المدينة: طابة، أي: من أسمائها: طابة، وليس فيه ما يدل على أنها لا تسمى بغير ذلك، وأصل طابة طيبة لأنها من الطيب، فقلبت الياء ألفاً لتحركها، وانفتاح ما قبلها، فوزنها: فالة، لا: فاعة. ٣٣٧ ٢٩ - كتاب فضائل المدينة / باب (٤) ٤٤٤ /١٨٧٢ - حدّثنا خالِدُ بنُ مَخْلَدٍ قال حدَّثنا سُلَيْمَانُ قال حدَّثني عَمْرُو بنُ يَحْيَى عنْ عَبَّاسٍ بِنِ سَهْلٍ بنِ سَعْدٍ عنْ أبِي محُمَيْدٍ رضي الله تعالى عنهُ قال أَقْبَلْنَا مَعَ النبيّ عَ لَّهِ مِنْ تَبُوكَ حَتَّى أَشْرَفْنَا عَلَى المَدِينَةِ فقال لهذِهِ طابَةٌ. [انظر الحديث ١٤٨١ وأطرافه]. الترجمة متن الحديث، وخالد بن مخلد البجلي الكوفي، وسليمان هو ابن بلال أبو أيوب التيمي القرشي، وعمرو بن يحيى بن عمارة الأنصاري المدني، وأبو حميد، بضم الحاء: عبد الرحمن الساعدي. وهذا الحديث طرف من حديث طويل وقد مضى في أواخر الزكاة في: باب خرص التمر، وقد مضى الكلام فيه مستقصىّ. قوله: ((طابة))، وفي بعض طرقه: ((طيبة))، وروى مسلم من حديث جابر بن سمرة مرفوعاً: ((إن الله سمى المدينة طابة)). وروى أبو داود الطيالسي في (مسنده) عن شعبة عن سماك بلفظ: ((كانوا يسمون المدينة يثرب، فسماها النبي عَّ لٍ: طابة)). ورواه أبو عوانة، وسميت طابة لطيبها لساكنها. وقيل: من طيب العيش بها، وقيل: من أقام بها يجد من تربتها وحيطانها رائحة طيبة لا تكاد توجد في غيرها. قلت: وأي طيب يجده المقيم بها أطيب من مشاهدة قبره عَّ له؟ فهل طيب أطيب من تربته؟ وكيف لا وبين قبره ومنبره روضة من رياض الجنة؟ فاعتبر بهذا طيب التربة التي ضمت جسده الكريم، وللمدينة أسامي كثيرة، وقد ذكرنا بعضها عن قريب. وروى الزبير في (أخبار المدينة) من طريق عبد العزيز الدراوردي، قال: بلغني أن لها أربعين اسماً، وروي من طريق أبي سهيل بن مالك عن كعب الأحبار، قال: نجد في كتاب الله تعالى، الذي أنزل على موسى صعَّهِ: أن الله قال للمدينة: يا طيبة، يا طابة، يا مسكينة، لا تقبلي الكنوز أرفع أجاجيرك على القرى. ٤ - بابُ لاَبَتَيْ المَدِينَةِ أي: هذا باب في بيان ذكر لابتي المدينة في الحديث، وقد مر تفسير الآية. ٤٤٥/ ١٨٧٣ - حدّثنا عَبْدُ اللهِ بنُ يُوسُفَ قال أخبرنا مالِكٌ عنِ ابنِ شِهابٍ عنْ سَعِيدٍ بنِ الْمُسَيَّبِ عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنه أنَّهُ كانَ يَقُولُ لَوْ رَأيْتُ الطِّبَاءَ بِالمَدِينَةِ تَرْتَعُ ما ذَعَرْتُهَا قال رسولُ اللهِ عَلَِّ مَا بَيْنَ لاَبَتَيْهَا حَرَامٌ. [انظر الحديث ١٨٦٩]. مطابقته للترجمة ظاهرة، وهذا الإسناد بعينه قد مر غير مرة، والحديث أخرجه مسلم في الحج أيضاً عن يحيى بن يحيى، وأخرجه الترمذي في المناقب عن قتيبة وعن إسحاق بن موسى، وأخرجه النسائي في الحج عن قتيبة. قوله: ((الظباء)) جمع ظبي. قوله: ((ترتع)، أي: ترعى، وقيل: تنبسط. قوله: ((ما ذعرتها)) أي: ما أخفتها وما نفّرتها، وهو بالذال المعجمة والعين المهملة، يقال: ذعرته أذعره ذعراً: أفزعته، والاسم: الذعر، بالضم وقد ذعر فهو مذعور، وكني بذلك عن عدم صيدها لأنه ممن يقول بأن للمدينة حرماً وممن يروي في ذلك بقوله: ﴿قال رسول الله، عَّ له: ما بين لابتيها)) أي: لابتي المدينة، وهي: بين لابتين شرقية وغربية، ولها لابتان أيضاً من الجانبين عمدة القارىء / ج١٠ / م٢٢ ٣٣٨ ٢٩ - كتاب فضائل المدينة / باب (٥) الآخرين إلاَّ أنهما يرجعان إلى الأوليين لاتصالهما بهما، والحاصل أن جميع دورها كلها داخل ذلك، وفي رواية لمسلم: ((اللهم إني أحرم ما بين جبليها))، ووقع عند أحمد: ((ما بين حرتيها))، وفي رواية: ما بين مأزميها))، وعن هذا قال بعض الحنفية: هذا حديث مضطرب، والمأزمان تثنية مأزم، بهمزة بعد ميم وبكسر الزاي، هو الجبل، وقيل: المضيق بين الجبلين ونحوه، والأول هو الصواب هنا، ومعناه: ما بين جبليها. ٥ - بابُ مَنْ رَغِبَ عنِ المَدِينَةِ أي: هذا باب في بيان حال من رغب أي أعرض عن المدينة، وجواب: من، محذوف تقديره: فهو مذموم، ونحوه. ٤٤٦ /١٨٧٤ - حدَّثنا أَبُو اليَمَانِ قال أخبرنا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قال أخبرني سَعِيدُ ابنُّ المُسَيَّبِ عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ قال سَمِعْتُ رسولَ الله يَقولُ تَتْرُكُونَ المَدِينَةَ عَلَى خيْرِ ما كانَتْ لاَ يَغْشَاهَا إِلاَّ العَوَافِ يُريدُ عَوَافِيَ السِّبَاعِ والطَّيْرِ وَآخِرُ منْ يُحْشَرُ رَاعِيَانِ مِنْ مُزَيْنَةَ يُرِيدَانِ المَدِينَةِ يَنْعِقَانِ بِغَنَمِهِما فيَجِدَانِهَا وخشاً حَتَّى إِذَا بَلَغَا ثَنِيَّةَ الوَدَاعِ خَرًّا عَلَى وُجِوهِهِمَا. مطابقته للترجمة في قوله: ((تتركون المدينة))، فإن تركهم رغبة عنها. ورجاله قد ذكروا غير مرة، وأبو اليمان الحكم بن نافع، وشعيب بن حمزة الحمصي والزهري محمد بن مسلم. والحديث أخرجه مسلم من طريق يونس عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله عَ لَّه للمدينة: ((ليتركنها أهلها على خير ما كانت مذللة للعواف))، يعني: السباع، والطير، ومن رواية عقيل بن خالد عن ابن شهاب أنه قال: أخبرني سعيد بن المسيب أن أبا هريرة قال: سمعت رسول الله عٍَّ يقول: ((تتركون المدينة ... )) إلى آخره نحو رواية البخاري، غير أنها في روايته: ((ثم يخرج راعيان من مزينة ينعقان بغنمها)). قوله: ((تتركون)) بتاء المخاطب في رواية الأكثرين، والمراد بذلك غير المخاطبين، لكنهم من أهل البلد ومن نسل المخاطبين، وقيل: نوع المخاطبين من أهل المدينة، ويروى: يتركون، بياء الغيبة ورجحه القرطبي. قوله: ((على خير ما كانت))، أي: على أحسن حالة كانت عليه من قبل، يعني: أعمرها وأكثرها ثماراً. قوله: ((لا يغشاها)، أي: لا يقربها ولا يأتيها إلاّ العواف، جمع عافية، وهي طلاب الرزق من الدواب والطير. وقال ابن سيده: العافية والعفاة والعفاء: الأضياف وطلاب المعروف، وقيل: هم الذين يعفونك أي يأتونك يطلبون ما عندك، والعافي أيضاً: الرائد والوارد، لأن ذلك كله طلب. قوله: ((يريد عوافي الطير والسباع))، تفسير لقوله: العواف، وقال ابن الجوزي: اجتمع في العوافي شيئان: أحدهما: أنها طالبة لأقواتها من قولك: عفوت فلاناً أعفوه فأنا عافٍ، والجمع: عفاة أي: أتيت أطلب معروفه. والثاني: من العفاء، وهو الموضع الخالي الذي لا أنيس به، فإن الطير والوحش تقصده لأمنها ٣٣٩ ٢٩ - كتاب فضائل المدينة / باب (٥) على نفسها فيه. وقال عياض: وقد وجد ذلك حيث صارت، - أي: المدينة - معدن الخلافة ومقصد الناس وملجأهم، وحملت إليها خيرات الأرض وصارت من أعمر البلاد، فلما انتقلت الخلافة منها إلى الشام ثم إلى العراق وتغلبت عليها الأعراب وتعاورتها الفتن، وخلت من أهلها فقصدتها عوافي الطير والسباع، وذكر الإخباريون أنها خلت من أهلها في بعض الفتن التي جرت بالمدينة، وبقيت ثمارها للعوافي، كما قال عٍَّ: وخلت مدة ثم تراجع الناس إليها، وفي حال خلوها عَدَت الكلاب على سواري المسجد، وعن مالك: حتى يدخل الكلب أو الذئب فيعوي على بعض سواري المسجد، وقال عياض: هذا مما جرى في العصر الأول وانقضى، وهذا من معجزاته عٍَّ، وقال النووي: المختار أن هذا الترك يكون في آخر الزمان عند قيام الساعة، ويوضحه قصة الراعيين، فقد وقع عند مسلم بلفظ: ((ثم يحشر راعيان))، وفي البخاري: أنهما آخر من يحشر، ويؤيد هذا ما رواه أحمد والحاكم وغيرهما من حديث محجن بن الأدرع الأسلمي، قال: ((بعثني النبي عَِّ لحاجة، ثم لقيني وأنا خارج من بعض طرق المدينة، فأخذ بيدي حتى أتينا أحداً، ثم أقبل على المدينة، فقال: ويل أمها قرية يوم يدعها أهلها كأينع ما يكون؟ قلت: يا رسول الله! من يأكل ثمرها؟ قال: عافية الطير والسباع)). وروى عمر بن شبة بإسناد صحيح، ((عن عوف بن مالك، قال: دخل رسول الله عَّقلم المسجد ثم نظر إلينا، فقال: أما والله لتدعنها مذللة أربعين عاماً للعوافي! أتدرون ما العوافي؟ الطير والسباع)). انتهى. وهذا لم يقع قطعاً. قال المهلب: في هذا الحديث أن المدينة تسكن إلى يوم القيامة، وإن خلت في بعض الأوقات يقصد الراعيان بغنمهما إلى المدينة. قوله: ((وآخر من يحشر راعيان)) أي: يساق ويجلى من الوطن. قوله: ((من مزينة))، بضم الميم وفتح الزاي: قبيلة من مضر. وفي (التلويح): فإن قيل: فما معنى قوله: ((آخر من يحشر راعيان؟)) ولم يذكر حشرهما، وإنما قال: ((يخران على وجوههما أمواتاً؟)) فالجواب: أنه لا يحشر أحد إلاَّ بعد الموت، فهما آخر من يموت بالمدينة، وآخر من يحشر بعد ذلك في (أخبار المدينة) لأبي زيد بن عمر بن شبة: عن أبي هريرة، قال: ((آخر من يحشر رجلان، رجل من مزينة وآخر من جهينة، فيقولان: أين الناس؟ فيأتيان المدينة، فلا يريان إلاَّ الثعالب، فينزل إليهما ملكان فيسحبانهما على وجوههما حتى يلحقاهما بالناس)). قوله: ((ينعقان بغنمهما))، من النعق وهو دعاء الراعي الشاة، قاله الأزهري عن الفراء وغيره، يقال: أنعق بضأنِكَ، أي: ادعها. وقد نعق الراعي بها نعيقاً. وفي (الموعب): نعيقاً ونعاقاً: إذا صاح بها الراعي زجراً، ونعقاً ونعقاناً وقد نعق ينعق، من باب: علم يعلم، وأغرب الداودي فقال: معناه يطلب الكلأ، فكأنه فسره بالمقصود من الزجر. لأنه يزجرها عن المرعى الوبيل إلى المرعى الوسيم. قوله: ((فيجدانها وحوشاً) أي: يجدان أهلها وحوشاً جمع وحش، أو يجدان المدينة ذات وحوش، ويروى: وحوشاً، بفتح الواو أي: يجدانها خالية.، ليس بها أحد، وقال الجربي: الوحش من الأرض هو الخلاء، وأصل الوحش كل شيء توحش من الحيوان، وقد يعبر بواحد ٣٤٠ ٢٩ - كتاب فضائل المدينة / باب (٥) عن جمعه، وعن ابن المرابط: معناه أن غنمها تصير وحوشاً، إما أن تنقلب ذاتها فتصير وحوشاً، وإما أنها تنفر وتتوحش من أصواتهما، وأنكر عياض هذا، واختار أن يعود الضمير إلى المدينة. وفي رواية مسلم: فيجدانها وحشاً، أي: خالية ليس بها أحد. قوله: ((ثنية الوداع))، هي عقبة عند حرم المدينة، سميت بذلك لأن الخارج من المدينة يمشي معه المودعون إليها. قوله: ((خرّا)) بتشديد الراء. أي: سقطا ميتين، أو سقطا بمن أسقطهما، وهو الملك. ١٨٧٥/٤٤٧ - حدّثنا عَبْدُ اللهِ بنُ يُوسُفَ قال أخبرنا مالِكٌ عنْ هِشَامٍ بنِ عُرْوَةَ عنْ أبِيهِ عنْ عَبْدِ الله بنِ الزُّبَيْرِ عنْ سفْيانَ بنِ أبِي زُهَيْرٍ رضي الله تعالى عنهُ أَنَّهُ قال سَمِعْتُ رسولَ الله عَلَّهِ يَقُولُ تُفْتَحُ الْيَمَنُ فِيَأْتِي قَوْمٌ يُبِشُونَ فِيَتَحَتَّلُونَ بِأهْلِيهِمْ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ والمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ وتفْتَحُ الشَّأْمُ فِيَأْتِي قَوْمٌ يُبِسُونَ فِيَتَحَمَّلُونَ بِأهْلِهِمْ والمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ويُفْتَحُ العِرَاقُ فَيَأْتِي قَوْمٌ يُّبِسُونَ فيَتَحَمَّلُونَ بِأهْلِيهِمْ ومِنْ أَطَاعَهُمْ والمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كانوا يَعْلَمُونَ. مطابقته للترجمة من حيث إن هؤلاء القوم المذكورين تفرقوا في البلاد بعد الفتوحات ورغبوا عن الإقامة في المدينة، ولو صبروا على الإقامة فيها لكان خيراً لهم، والترجمة فيمن رغب عن المدينة، وهؤلاء رغبوا عنها، واختاروا غيرها. ذكر رجاله: وهم ستة: عبد الله بن يوسف التنيسي، ومالك بن أنس، وهشام بن عروة، وأبوه عروة بن الزبير بن العوام، وعبد الله بن الزبير أخو عروة بن الزبير، وسفيان بن أبي زهير، بضم الزاي: مصغر الزهر النمري، بالنون: الأزدي ويلقب بابن أبي القرد، بفتح القاف وبعدها دال مهملة، قاله الكرماني، وقيل: القرد هو اسم أبي زهير، وقيل: اسمه نمير، وكان نازلاً بالمدينة، وهو الشنوئي من أزد شنوءة، بفتح الشين المعجمة وضم النون وبعد الواو همزة مفتوحة، وفي النسب كذلك، وقيل: بفتح النون بعدها همزة مكسورة بلا واو، وشنوءة هو: عبد الله بن كعب بن مالك بن نضر بن الأزد، وسمي شنوءة لشنئان كان بينه وبين قومه. ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضع. وفيه: الإخبار كذلك في موضع. وفيه: العنعنة في أربعة مواضع. وفيه: السماع والقول في موضعين. وفيه: رواية تابعي عن تابعي لأن هشاماً لقي بعض الصحابة. وفيه: رواية صحابي عن صحابي. وفيه: في رواية الأكثرين: عن سفيان بن أبي زهير، ورواه حماد بن سلمة: عن هشام عن أبيه، كذلك وقال في آخره: قال عروة: ثم لقيت سفيان بن أبي زهير عند موته فأخبرني بهذا الحديث. وفيه: أن رواته مدنيون ما خلا شيخ البخاري، والله أعلم. : ذكر من أخرجه غيره: أخرجه مسلم في الحج أيضاً عن أبي بكر بن أبي شيبة وعن محمد بن رافع، وأخرجه النسائي فيه عن محمد بن آدم، وعن هارون بن عبد الله. ذكر معناه: قوله: ((تفتح اليمن))، قال ابن عبد البر وغيره: افتتحت اليمن في أيام النبي عَّ له وفي أيام أبي بكر، رضي الله تعالى عنه، وافتتحت الشام بعدها، والعراق بعدها.