Indexed OCR Text
Pages 181-200
١٨١ ٢٦ - أبوابُ العُمْرَةِ / باب (١١ ) الثالث: إسماعيل بن أبي خالد الأحمسي البجلي الكوفي، واسم أبي خالد سعد، ويقال: هرمز، ويقال: كثير، مات سنة أربع أو خمس أو ست وأربعين ومائة. الرابع: عبد الله بن أبي أوفى، واسم أبي أوفى علقمة، مات سنة ست وثمانين، وهو أحد من روى عنه أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه، ولا يلتفت إلى قول المنكر المتعصب. ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في الحج عن مسدد، وفي المغازي عن محمد بن عبد الله بن نمير، وعن علي بن عبد الله عن سفيان، وأخرجه أبو داود فيه عن مسدد وعن تميم بن المنتصر، وأخرجه النسائي فيه عن عمرو بن علي وعن إبراهيم بن يعقوب، وأخرجه ابن ماجه فيه عن ابن نمير. ذكر معناه: قوله: ((عن جرير))، وقال ابن راهويه في (مسنده): أخبرنا جرير. قوله: ((اعتمر رسول الله عَّ له)) أي: عمرة القضاء. قوله: ((وأتيناها))، ويروى: ((وأتيناهما)) أي: الصفا والمروة، وهذا هو الأصل، ووجه إفراد الضمير على تقدير: أتينا بقعة الصفا والمروة. قوله: ((وأتى الصفا والمروة)) أي: سعى بينهما. قوله: ((أن يرميه أحد)) أي: مخافة أن يرميه أحد من المشركين. قوله: ((قال له صاحب لي)) أي: قال إسماعيل المذكور لعبد الله بن أبي أوفى، رضي الله تعالى عنه. قوله: ((أكان)) أي: أكان النبي عَّةِ ((دخل الكعبة؟ قال: لا)) أي: لم يدخل الكعبة في تلك العمرة، وليس المراد نفي دخوله مطلقاً، لأنه ثبت دخوله في غير هذه الحالة. قوله: ((فحدثنا)) بلفظ الأمر. قوله: ((لخديجة)) هي: بنت خويلد زوج النبي عَّهِ. قوله: ((ببيت)) قال الخطابي: أي بقصر. قوله: ((من الجنة))، ويروى: ((في الجنة)). بكلمة: في. قوله: ((لا صخب))، بفتح الصاد المهملة والخاء المعجمة والباء الموحدة: وهو الصياح ((والنصب)) بالنون التعب، ومعنى نفي الصخب والنصب أنه ما من بيت في الدنيا يجتمع فيه أهله إلاَّ كان بينهم صخب وجلبة، وإلاّ كان في بنائه وإصلاحه نصب وتعب، فأخبر أن قصور أهل الجنة بخلاف ذلك ليس فيها شيء من الآفات التي تعتري أهل الدنيا. وفيه من الفوائد: أن العمرة لا بد فيها من الطواف والسعي بين الصفا والمروة. وفيه: بيان فضيلة خديجة، رضي الله تعالى عنها. ٣٦٩/ ١٧٩٣ - حدَّثنا الحُمَيْدِيُّ قال حدَّثنا سُفْيَانُ عنْ عَمْرِو بنِ دِينارٍ قال سألنا ابنَ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما عنْ رَجُلٍ طافَ بِالْبَيْتِ فِي عُمْرَةٍ وَلَمْ يَطُفْ بَيْنَ الصَّفَا والمَرْوَةِ أَيَأْتِي امْرَأْتَهُ فقال قَدِمَ النبيُّ عَِّ فَطَافَ بِالْبَيْتِ سَبْعاً وصلَّي خَلْفَ المَقامِ رَكْعَتَيْنِ وطافَ بَيْنَ الصَّفَا والمَرْوَةِ سَبْعاً ﴿وَقَدْ كانَ لَكُمْ في رسولِ اللهِ أَسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]. [انظر الحديث ٣٩٥ وأطرافه]. ... / ١٧٩٤ _ قالَ وسَأَلْنا جابِرَ بْنَ عَبْدِ الله رضي الله تعالى عنهما فقال لاَ يَقْرَبَنَّهَا حَتَّى يَطُوفَ بَيْنَ الصَّفَا والمَرْوَةِ. [انظر الحديث ٣٩٦ وأطرافه]. مطابقته للترجمة من حيث إن المعتمر لا يحل حتى يطوف بين الصفا والمروة سبعاً، ١٨٢ ٢٦ - أبوابُ العُمْرَةِ / باب (١١ ) بعدما طاف بالبيت سبعاً، كما يخبر به حديث ابن عمر وجابر، رضي الله تعالى عنهم. والحديث مر في كتاب الصلاة في: باب قول الله عز وجل: ﴿واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى﴾ [البقرة: ١٢٥]. فإنه أخرجه هناك بعين هذا الإسناد، وبعين هذا المتن من غير زيادة وهذا نادر جداً. والحميدي، بضم الحاء وفتح الميم: هو عبد الله بن الزبير، نسبة إلى أحد أجداده: حميد وسفيان هو ابن عيينة، وقد مر الكلام فيه مستوفىّ هناك. قوله: ((في عمرة)» وفي رواية أبي ذر: ((في عمرته)). قوله: ((أيأتي امرأته؟)) الهمزة فيه للاستفهام على سبيل الاستخبار، أي: يجامعها. قوله: ((لا يقربنها)) أي: لا يباشرنَّها بينهما، وهو بنون التأكيد، والمراد نهي المباشرة بالجماع ومقدماته لا مجرد القرب منها. قوله: ((إسوة))، بكسر الهمزة وضمها. قوله: ((قال: وسألنا جابراً) القائل هو عمرو بن دينار. وفيه: وجوب السعي بين الصفا والمروة، وصلاة ركعتين بعد الطواف خلف المقام. ٣٧٠/ ١٧٩٥ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ قال حدَّثنا غُنْدَرٌ قال حدَّثنا شعبَةُ عنْ قَيسٍ ابنِ مُسْلِمٍ عنْ طَارِقِ بنِ شِهَابٍ عنْ أبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ رضي الله تعالى عنهُ قال قَدِمْتُ على النبيّ عَ لّهِ بِالْبَطْحَاءِ وهُوَ مُنِيخٌ فقال أحَجَجْتَ قُلْتُ نَعَمْ قال بِمَا أَهْلَلْتَ قُلْتُ لَكِيْكَ بِإِهْلَاَلِ كَإِهْلَاَلِ النبيِّ عَ لَّه قال أحسَنْتَ طُفْ بِالْبَيْتِ وبِالصَّفَا والمَزْوَةِ ثُمَّ أُحلَّ فَطُفْتُ بِالْبَيْتِ وبالصَّفَا والمَزْوَةِ ثُمَّ أَتَيْتُ امْرَأَةً مِنْ قَيْسٍ فَفَلَتْ رَأْسِي ثُمَّ أَهْلَلْتُ بالحَجِّ فَكُنْتُ أُقْتِي بِهِ حَتَّى كانَ فِي خِلاَفَةِ عُمَرَ فقالٌ إِنْ أَخَذْنَا بِكِتَابِ الله فإنَّهُ يأْمُؤُنَا بِالَّمَامِ وإِنْ أخذْنَا بِقَوْلِ النبيّ عَّه فإنَّهُ لَمُ يحِلَّ حَتَّى يَتْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ. [انظر الحديث ١٥٥٩ وأطرافه]. مطابقته للترجمة في قوله: ((طف بالبيت وبالصفا والمروة ثم أحل)) فإنه يخبر أن المعتمر يحل بعد الطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة، والحديث مضى في: باب من أهل في زمن النبي عَّهِ كإهلال النبي عَّلِّ، فإنه أخرجه هناك: عن محمد بن يوسف عن سفيان عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب عن أبي موسى، وهنا أخرجه: عن محمد بن بشار عن غندر وهو محمد بن جعفر البصري ... إلى آخره، وقد مر الكلام فيه هناك مستقصئ. قوله: ((منيخ)) أي: راحلته، وهو كناية عن النزول بها. قوله: ((أحججت؟)) الهمزة فيه للاستفهام أي: هل أحرمت بالحج أو نويت الحج؟ قوله: ((ففلت رأسي)) أي: ففتشت رأسي واستخرجت منه القمل، وهو على وزن: رمت، وأصله، فليت، قلبت الياء ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها، ثم حذفت لالتقاء الساكنين فصار: فلت، على وزن: فعت، لأن المحذوف منه لام الفعل، وذلك كما فعل في رمت ونحوه من معتل اللام. قوله: ((يأمرنا بالتمام)) وفي رواية الكشميهني: ((يأمر)). قوله: ((حتى يبلغ))، وفي رواية الكشميهني: ((حتى بلغ))، بلفظ الماضي. واحتج الطبري بهذا الحديث على أن من زعم أن المعتمر يحل من عمرته إذا أكمل ١٨٣ ٢٦ - أبوابُ العُمْرَةِ / باب (١١) عمرته ثم جامع قبل أن يحلق أنه مفسد لعمرته، فقال: ألا ترى قوله عَّ ◌ُلّلمه لأبي موسى: ((طف بالبيت وبين الصفا والمروة ثم أحل)). ولم يقل: طف بالبيت وبين الصفا والمروة وقصر من شعرك أو إحلق ثم أحل، فتبين بذلك أن الحلق والتقصير ليسا من النسك، وإنما هما من معاني الإحلال، كما أن لبس الثياب والطيب بعد طواف المعتمر بالبيت وسعيه من معاني إحلاله، فتبين فساد قول من زعم أن المعتمر إذا جامع قبل الحلق بعد طوافه وسعيه أنه مفسد عمرته، وهو قول الشافعي. وقال ابن المنذر: ولا أحفظ ذلك عن غيره. وقال مالك والثوري والكوفيون: عليه الهدي، وقال عطاء: يستغفر الله ولا شيء عليه. وقال الطبري: وفي حديث أبي موسى بيان فساد من قال: إن المعتمر إن خرج من الحرم قبل أن يقصر أن عليه دماً، وإن كان طاف وسعى قبل خروجه منه. وفيه: أيضاً أنه عَّهِ إنما أذن لأبي موسى بالإحلال من عمرته بعد الطواف والسعي، فبان بذلك أن من حل منها قبل ذلك فقد أخطأ وخالف السنة. واتضح به فساد قول من زعم أن المعتمر إذا دخل الحرم فقد حل، وله أن يلبس ويتطيب ويعمل ما يعمله الحلال. وهو قول ابن عمر وابن المسيب وعروة والحسن، واختلف العلماء إذا وطىء المعتمر بعد طوافه وقبل سعيه، فقال مالك والشافعي وأحمد وأبو ثور: عليه الهدي وعمرة أخرى مكانها، ويتم عمرته التي أفسدها. قال صاحب (التوضيح): ووافقهم أبو حنيفة إذا جامع بعد أربعة أشواط بالبيت، أنه يقضي ما بقي من عمرته وعليه دم، ولا شيء عليه، وهذا الحكم لا دليل عليه إلاَّ الدعوى قلت .... : ١٧٩٦/٣٧١ - حدّثنا أحمَدُ بنُ عِيسَى قال حدَّثنا ابنُ وَهْبٍ قال أخبرنا عَمْرٌو عنْ أبِي الأسْوَدِ أنَّ عَبْدَ اللهِ مَوْلَى أسْمَاءَ بِنْتِ أبِي بَكْرٍ قال حدَّثَهُ أَنَّهُ كانَ يَسْمَعُ أَسْمَاءَ تَقُولُ كلَّمَا مَرَّتْ بالحَجُونِ صَلَّى الله عِلى مُحَمَّدٍ لَقَدْ نَزَّلْنَا معَهُ هُهُنَا وَنَحْنُ يَوْمَئِذٍ خِفَافٌ قَلِيلٌ ظَهْرُنا قَلِيلَةٌ أَزْوَادُنا فاعْتَمَرْتُ أنا وأُخْتِي عائشَةُ والزُّبَيرُ وفُلَانٌ وغُلاَنٌ فَلَمَّا مَسَحْنا الْبَيْتَ أَحْلَلْنَا ثُمَّ أهْلَلْنَا مِنَ العَشِيِّ بالحَجّ. [انظر الحديث ١٦١٥ وأطرافه]. مطابقته للترجمة في قوله: ((فلما مسحنا البيت أحللنا))، لأن معناه: لما طفنا بالبيت أحللنا أي: صرنا حلالاً. والطواف ملزوم للمسح عرفاً. فإن قلت: المعتمر إنما يحل بعد الطواف وبعد السعي بين الصفا والمروة والحلق أيضاً، فكيف يكون هذا؟ قلت: حذف ذلك منه للعلم به كما يقال: لما زنى فلان رجم، والتقدير لما أحصن وزنى رجم. ذكر رجاله: وهم ستة: الأول: أحمد بن عيسى، كذا وقع في رواية كريمة: أحمد بن عيسى منسوباً وهو أحمد بن عيسى بن حسان أبو عبد الله التستري، مصري الأصل. كان يتجر إلى تستر، مات سنة ثلاث وأربعين ومائتين. وقال ابن قانع: مات بسر من رأى، تكلم فيه يحيى بن معين، وروى عنه مسلم أيضاً وفي رواية الأكثرين: حدثنا أحمد غير منسوب يحدث عنه البخاري في غير موضع، كذا من غير نسبة، واختلفوا فيه، فقال قوم: إنه أحمد بن عبد الرحمن ابن أخي عبد الله بن وهب، وقال آخرون: إنه أحمد بن صالح أو أحمد بن عيسى، وقال أبو أحمد الحافظ النيسابوري، أحمد بن وهب هو ابن أخي ابن وهب، وقال أبو ١٨٤ ٢٦ - أبوابُ العُمْرَةِ / باب (١١) عبد الله ابن منده: كل ما قال البخاري في الجامع حدثنا أحمد عن ابن وهب هو أحمد بن صالح المصري، ولم يخرج البخاري عن أحمد بن عبد الرحمن في (الصحيح) شيئاً وإذا حدث عن أحمد بن عيسى نسبه، ووقع في رواية أبي ذر: حدثنا أحمد بن صالح. وقد أخرجه مسلم عن أحمد بن عيسى عن ابن وهب. الثاني: عبد الله بن وهب. الثالث: عمرو، بفتح العين: ابن الحارث. الرابع: أبو الأسود هو محمد بن عبد الرحمن المشهور بيتيم عروة ابن الزبير. الخامس: عبد الله بن كيسان أبو عمرو، مولى أسماء بنت أبي بكر. السادس: أسماء بنت أبي بكر الصديق، رضي الله تعالى عنهما. ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين، وبصيغة الإفراد في موضع. وفيه: الإخبار بصيغة الجمع في موضع. وفيه: العنعنة في موضع. وفيه: السماع. وفيه: القول في موضع. وفيه: أن رجال هذا الإسناد نصفهم مصريون ونصفهم مدنيون. وفيه: أن عبد الله المذكور ليس له عند البخاري غير حديثين: أحدهما هذا، والآخر مضى في: باب من قدم ضعفة أهله فافهم. والحديث أخرجه مسلم في الحج أيضاً عن هارون بن سعيد الأيلي وأحمد بن عيسى، كلاهما عن ابن وهب. ذكر معناه: قوله: ((بالحجون))، بفتح الحاء المهملة وضم الجيم المخففة وفي آخره نون، قال البكري: الحجون على وزن: فعول، موضع بمكة عند المحصب، وهو الجبل المشرف بحذاء المسجد الذي على شعب الجزارين إلى ما بين الحوضين اللذين في حائط عوف وعلى الحجون سقيفة زياد بن عبد الله أحد بني الحارث بن كعب، وكان على مكة. ويقال: الحجون مقبرة أهل مكة تجاه دار أبي موسى الأشعري، رضي الله تعالى عنه، وهو على ميل ونصف من مكة، وأغرب السهيلي فقال: الحجون على فرسخ وثلث من مكة، وهو غلط ظاهر، والصحيح ما ذكرناه، وعند المقبرة المعروفة بالمعلاة على يسار الداخل إلى مكة ويمين الخارج منها. وروى الواقدي عن أشياخه: أن قصي بن كلاب لما مات دفن بالحجون فتدافن الناس بعده به. قوله: ((صلى الله على محمد))، مقول قوله: ((تقول كلما مرت)) وفي رواية مسلم: ((كلما مرت بالحجون تقول: صلى الله تعالى على رسوله وسلم)). قوله: ((خفاف))، بكسر الخاء جمع خفيف، وزاد مسلم في رواية: ((خفاف الحقائب))، وهو جمع حقيبة، بفتح الحاء المهملة وبالقاف والباء الموحدة: وهي ما احتقبه الراكب خلفه من حوائحه في موضع الرديف. قوله: ((قليل ظهرنا)) أي: مراكبنا. قوله: (فاعتمرت أنا وأختي)) أي: بعد أن فسخوا الحج إلى العمرة. قوله: ((والزبير)) أي: الزبير بن العوام، رضي الله تعالى عنه. فإن قلت: روى مسلم من حديث صفية بنت شيبة ((عن أسماء بنت أبي بكر، قالت: خرجنا محرمين، فقال رسول الله، عَّلِ: من كان معه هدي فليقم على إحرامه، ومن لم يكن معه هدي فليحلل، فلم يكن معي هدي فحللت، وكان مع الزبير هدي فلم يحل ... )) الحديث. فهذا يخالف رواية عبد الله مولى أسماء، لأنه ذكر الزبير ١٨٥ ٢٦ - أبوابُ العُمْرَةِ / باب (١٢ ) مع من أحل. قلت: أجاب النووي بأن إحرام الزبير بالعمرة وتحلله منها كان في غير حجة الوداع، واستبعده بعضهم، وقال: المرجح عند البخاري رواية عبد الله مولى أسماء، فلذلك اقتصر على إخراجها دون رواية صفية بنت شيبة. قلت: هذا مسلم قد أخرج كليهما مع ما فيهما من الاختلاف، ولا وجه في الجمع بينهما إلاَّ بما قاله النووي. فإن قلت: فيه إشكال آخر، وهو أن أسماء ذكرت عائشة فيمن طاف، والحال أنها كانت حينئذ حائضاً. قلت: قيل: يحتمل أنها أشارت إلى عمرة عائشة التي فعلتها بعد الحج مع أخيها عبد الرحمن من التنعيم. قال القاضي: هذا خطأ، لأن في الحديث التصريح بأن ذلك كان في حجة الوداع، قيل: لا وجه في ذلك إلاَّ أن يقال: إنما لم تستثن أسماء عائشة لشهرة قصتها، وفيه بُعد أيضاً، نعم إنما هذا يتأتى إذا قلنا: كانت عائشة طاهرة حين ذكرت أسماء إياها وعطفتها على نفسها في قولها: ((اعتمرت أنا وأختي عائشة، ثم طرأ عليها الحيض))، ثم إنها لم تستثنها في قولها: ((فلما مسحنا البيت))، لشهرتها أنها كانت حائضاً في ذلك الوقت، أو نسيت أن تستثنيها، فافهم. قوله: ((وفلان وفلان))، كأنها سمَّت جماعة عرفتهم ممن لم يسق الهدي، ولم توقف على تعيينهم. قوله: ((فلما مسحنا البيت،)) أي: طفنا بالبيت، وقد ذكرنا أن من لازم الطواف المسح عادة، فيكون من قبيل ذكر اللازم وإرادة الملزوم، وقد ذكرنا وجه طي ذكر السعي عن قريب. فإن قلت: لَمْ تَذكر أسماء الحلق مع أنه نسك؟ قلت: لا يلزم من عدم ذكرها إياه ترك فعله، فإن القصة واحدة، وقد ثبت الأمر بالتقصير في عدة أحاديث .. والله أعلم. ١٢ - بابُ ما يَقُولُ إذَا رَجَعَ مِنَ الحَجِّ أوِ العُمْرَةِ أوِ الغَزْوِ أي: هذا باب في بيان ما يقول الحاج إذا رجع من حجه أو عمرته. قوله: ((أو الغزو))، أي: وفيما يقول الغازي إذا رجع من غزوه. ٣٧٢ / ١٧٩٧ - حدّثنا عَبْدُ اللهِ بنُ يُوسُفَ قال أخبرنا مالِكٌ عنْ نافِعِ عنْ عَبْدِ اللهِ بنِ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما أنَّ رسولَ اللهِ عَ لَّهِ كَانَ إذَا قَفَلَ مِنْ غَزْوٍ أَوْ حَجّ أوْ عُمْرَةِ يُكَبِّرُ عَلَى كُلِّ شَرَفٍ مِنَ الأرْضِ ثلاثَ تَكْبِيراتٍ ثُمَّ يَقُولُ لا إلهَ إلاَّ الله وحدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ لَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ وهُوَ عَلَى كُلَّ شيْءٍ قَدِيرُ آيِئُونَ تَائِبُونَ عابِدُونَ سَاجِدُونَ لِرَبِّنَا حامِدُونَ صدق الله وعدَهُ ونَصَرَ عَبْدَهُ وهَزَمَ الأخزَابَ وحدَهُ. [الحديث ١٧٩٧ - أطرافه في: ٢٩٩٥، ٣٠٨٤، ٤١١٦، ٦٣٨٥]. مطابقته للترجمة هي أنه تفسير لها، وهو ظاهر. والحديث أخرجه البخاري أيضاً في الدعوات عن إسماعيل، وأخرجه مسلم في الحج أيضاً عن ابن أبي عمر عن معن بن عيسى. وأخرجه أبو داود في الجهاد عن القعنبي. وأخرجه النسائي في السير عن محمد بن سلمة والحارث بن مسكين، ولفظ مسلم: ((كان رسول الله عَّلّ إذا قفل من الجيوش أو السرايا أو الحج أو العمرة إذا أوفى على ثنية أو فدفد كبر ثلاثاً، ثم قال: لا إلهَ إلاَّ الله ... )) إلى آخره، وأخرجه الترمذي من حديث البراء وصححه، وروى أبو ١٨٦ ٢٦ - أبوابُ العُمْرَةِ / باب (١٢ ) نعيم الحافظ ((عن أبي هريرة: أن رسول الله عَّ الله قال الرجل يريد سفراً: أوصيك بتقوى الله والتكبير على كل شرف)). وعن أنس: ((كان النبي عَِّ إذا علا شرفاً قال: اللهم لك الشرف على كل شرف، ولك الحمد على كل حال)). وعن ابن عباس: ((أن النبي عَّ كان إذا رجع من سفره قال: آيبون تائبون لربنا حامدون. فإذا دخل على أهله قال: توباً توباً أوباً أوباً، لا يغادر علينا حوباً). وروى الدارقطني ((عن جابر: كنا إذا سافرنا مع النبي عَّ إذا صعدنا كبرنا، وإذا هبطنا سبَّحنا)). ذكر معناه: قوله: ((إذا قفل))، قال في (المحكم) قفل القوم: يقفلون قفولاً، ورجل قافل من قوم قفال، والقفول: الرجوع. وفي (شرح الفصيح) لابن هشام: القافلة الراجعة، فإن كانت خارجة فهي الصائبة، سميت بذلك على وجه التفاؤل كأنها تصيب كل ما خرجت إليه. وفي (الجامع): يقفلون ويقفلون ولا يكون القافل إلاّ الراجع إلى وطنه. وفي (الفصيح): أقفلت الجند وقفلوا هم. وفي (النهاية): يقال للسفر قفول في الذهاب والمجيء. وأكثر ما يستعملون في الرجوع، ويقال: قفل إذا رجع، ومنه تسمى القافلة. قوله: ((على كل شرف))، بفتحتين وهو المكان العالي. وقال الجوهري: جبل مشرف عال. وقال الفراء: أشرف الشيء علا وارتفع. وفي (المحكم) أشرف الشيء وعلا الشيء: علاه، وأشرف عليه. قوله: ((آبيون))، أي: راجعون إلى الله، وفيه إيهام معنى الرجوع إلى الوطن، يقال: آب إلى الشيء أوباً وإياباً أي: رجع، وأوبته إليه وأبت به. وقيل: لا يكون الإياب إلاَّ الرجوع إلى أهله ليلاً وفي (المعاني) عن أبي زيد: آب يؤوب إياباً وإيابة إذا تهيأ للذهاب وتجهز. وقال غيره: آب يثيب آييباً وإيتيب إيتاباً إذا تهيأ وارتفاع ((آبيون)) على أنه خبر مبتدأ محذوف أي: نحن آيبون، وكذا ارتفاع ((تائبون)) و((عابدون)) و((ساجدون)). قوله: ((تائبون)) من التوبة، وهو رجوع عما هو مذموم شرعاً إلى ما هو محمود شرعاً. قوله: ((لربنا)) إما خاص بقوله: ((ساجدون))، وإما عام لسائر الصفات على سبيل التنازع. قوله: ((وهزم الأحزاب)) أي: هزمهم يوم الأحزاب. والأحزاب هم الطائفة المتفرقة الذين اجتمعوا على رسول الله، عَّلّه، على باب المدينة، فهزمهم الله تعالى بلا مقاتلة وإيجاف خيل ولا ركاب. وقال عياض: ويحتمل أن يريد أحزاب الكفرة في جميع الأيام والمواطن، ويحتمل أن يريد الدعاء كأنه قال: أللهم افعل ذلك وحدك، وخص استعمال هذا الذكر هنا لأنه أفضل ما قاله النبيون قبله. وفيه من الفقه: استعمال حمد الله تعالى والإقرار بنعمه والخضوع له والثناء عليه عند القدوم من الحج والجهاد على ما وهب من تمام المناسك، وما رزق من النصر على العدو، والرجوع إلى الوطن سالمين، وكذلك إحداث حمد الله تعالى والشكر له على ما يحدث لعباده من نعمه، فقد رضي من عباده بالإقرار له بالوحدانية والخضوع له بالربوبية، والحمد والشكر عوضاً عما وهبهم من نعمه تفضلاً عليهم ورحمة لهم. وفيه: بيان أن نهيه عن السجع في الدعاء على غير التحريم لوجود السجع في دعائه ودعاء أصحابه، ويحتمل أن يكون نهيه عن السجع مختصاً بوقت الدعاء خشية أن يشتغل الداعي بطلب الألفاظ المناسبة للسجع ١٨٧ ٢٦ - أبوابُ العُمْرَةِ / باب (١٣ ) ورعاية الفواصل عن إخلاص النية وإفراغ القلب في الدعاء والاجتهاد فيه. ١٣ - بابُ اسْتِقْبَالِ الحَاجِّ القَادِمِينَ والثَّلاثَةَ عَلَى الدَّابَّةِ أي: هذا باب في بيان استقبال الحاج القادمين. قال الكرماني: لفظ القادمين بالجمع صفة للحاج. لأن الحاج في معنى الجمع كقوله تعالى: ﴿سامرا تهجرون﴾ [المؤمنون: ٦٧]. قلت: الحاج في الأصل مفرد، يقال: رجل حاج وامرأة حاجة ورجال حجاج ونساء حواج، وربما أطلق الحاج على الجماعة مجازاً واتساعاً. وقال الزمخشري: السامر نحو الحاضر في الإطلاق على الجمع. قوله: ((والثلاثة)): قال الكرماني: ولفظ الثلاثة عطف على الاستقبال. قلت: تقديره على هذا استقبال الثلاثة حال كونهم على الدابة. وقال الكرماني: وفي بعضها الغلامين، أي: وفي بعض النسخ: باب استقبال الحاج الغلامين، ثم قال: وتوجيهه مع إشكاله أن يقرأ بالحاج، بالنصب ويكون الاستقبال مضافاً إلى الغلامين، نحو قوله تعالى: ﴿قتل أولادهم شركاؤهم﴾ [الأنعام: ١٣٧]. بنصب أولادهم وجر الشركاء، ويكون الاستقبال مضافاً إلى الغلامين، والحاج مفعول. فإن قلت: لفظ استقبله يفيد عكس ذلك؟ قلت: الاستقبال إنما هو من الطرفين. ١٧٩٨/٣٧٣ - حدَّثْنا مُعَلَّى بنُ أسَدٍ قال حدَّثنا يَزِيدُ بنُ زُرَيْع قالِ حدَّثنا خالِدٌ عن ◌ِكْرِمَةَ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما قال لَمَّا قَدِمَ النبيُّ عَ لِّ مَكَّةَ اسْتَقْبَلَتْهُ أُغَيْلِمَةُ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبٍ فحَملَ واحِداً بَيْنَ يَدَيْهِ وَآخَرَ خَلْفَهُ. [الحديث ١٧٩٨ - طرفاه في: ٥٩٦٥، ٥٩٦٦]. الترجمة مشتملة على جزأين فمطابقة الحديث للجزء الثاني ظاهرة، ولهذا وضع البخاري ترجمة بالجزء الثاني قبيل كتاب الأدب، فقال: باب الثلاثة على الدابة، وأورد فيها هذا الحديث بعينه على ما تقف عليه إن شاء الله تعالى، وأما مطابقته للجزء الأول فبطريق دلالة عموم اللفظ، وليس المراد من طريق العموم ما قاله بعضهم بقوله لأن قدومه عَ لَّه مكة أعم من أن يكون في حج أو عمرة أو غزو، لأن هذا الذي ذكره ليس بداخل في هذا الباب، وهو كلام طائح. وقال هذا القائل أيضاً: وكون الترجمة لتلقي القادم من الحج، والحديث دال على تلقي القادم للحج وليس بينهما تخالف لاتفاقهما من حيث المعنى. انتهى. قلت: لا نسلم أن كون الترجمة لتلقي القادم من الحج، بل هي لتلقي القادم للحج. والحديث يطابقه، وهذا القائل ذهل وظن أن الترجمة وضعت لتلقي القادم من الحج وليس كذلك، وذلك لأنه لو علم أن لفظ الاستقبال في الترجمة مصدر مضاف إلى مفعوله، والفاعل ذكره مطوي لما كان يحتاج إلى قوله: وكون الترجمة ... إلى آخره. ذكر رجاله: وهم خمسة: الأول: معلى، بضم الميم وتشديد اللام المفتوحة: ابن أسد أبو الهيثم العمي. الثاني: يزيد بن زريع، بضم الزاي، وقد تكرر ذكره. الثالث: خالد الحذاء. الرابع: عكرمة مولى ابن عباس. الخامس: عبد الله بن عباس. ١٨٨ ٢٦ - أبوابُ العُمْرَةِ / باب (١٤ ) ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع. وفيه: العنعنة في موضعين. وفيه: القول في موضع. وفيه: أن الثلاثة الأول بصريون. ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في اللباس عن مسدد، وأخرجه النسائي في الحج أيضاً عن قتيبة عن يزيد بن زريع. ذكر معناه: قوله: ((أغيلمة))، بضم الهمزة وفتح الغين المعجمة. قال الخطابي: هو تصغير غلمة، وكان القياس: غليمة، لكنهم ردوه إلى أفعلة فقالوا: أغيلمة، كما قالوا: أصيبية، في تصغير صبية. وقال الجوهري: الغلام جمعه: غلمة، وتصغيرها: أغيلمة، على غير مكبره وكأنهم صغروا أغلمة وإن كانوا لم يقولوه، وقال الداودي: أغلمة، بفتح الألف جمع غلام، والمراد بأغيلمة بني عبد المطلب صبيانهم. قوله: ((فحمل واحداً) أي: فحمل النبي، عَ ◌ّه، واحداً من أغيلمة بني عبد المطلب بين يديه ((وآخر)) أي: وحمل آخر منهم خلفه، وكان ٹے علی ناقته. وفيه: جواز ركوب الثلاثة فأكثر على دابة عند الطاقة، وما روي من كراهة ركوب الثلاثة على دابة لا يصح، وقال صاحب (التوضيح). وفيه: تلقي القادمين من الحج إكراماً لهم وتعظيماً لأنه عَّه لم ينكر تلقيهم، بل سر به لحمله منهم بين يديه وخلفه. انتهى. قلت: هذا أيضاً ذهل مثل ذاك القائل المذكور عن قريب، وذلك أنه ليس فيه تلقي القادمين من الحج، بل فيه تلقي القادمين للحج، كما ذكرناه، نعم، يمكن أن يؤخذ منه تلقي القادمين من الحج، وكذلك في معناه من قدم من جهاد أو سفر، لأن في ذلك تأنيساً لهم وتطييباً لقلوبهم. ١٤ - بابُ القُدُومِ بِالغَدَاةِ أي: هذا باب في بيان استحباب قدوم المسافر إلى منزله بالغداة أي بغدوة النهار. ١٧٩٩/٣٧٤ - حدّثنا أحْمَدُ بنُ الحَجَّاج قال حدَّثنا أنَسُ بنُ عِيَاضٍ عِنْ عُبَيْدِ الله عنْ نافِعٍ عنِ ابنِ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما أَنَّ رسولَ الله عَ لَّه كانَ إِذَا خَرَجَ إلَى مَكَّةَ يُصَلِّي فِي مَسْجِدِ الشَّجَرَةِ وَإِذَا رَجَعَ صَلَّى بِذِي الحُلَيْفَةِ بِبَطْنِ الوَادِي وباتَ حَتَّى يُصْبِحَ. [انظر الحديث ٤٨ وأطرافه]. مطابقته للترجمة ظاهرة، وهذا الحديث قد مر في: باب خروج النبي مَّه على طريق الشجرة في أوائل كتاب الحج فإنه أخرجه هناك: عن إبراهيم بن المنذر عن أنس بن عياض ... إلى آخره، وههنا أخرجه: عن أحمد بن الحجاج، بفتح الحاء المهملة وتشديد الجيم الأولى، يكنى بأبي العباس الذهلي الشيباني، مات يوم عاشوراء من سنة ثنتين وعشرين ومائتين، وهو من أفراده. ١٥ - بابُ الدُّخُولِ بِالعَشِيِّ أي: هذا باب دخول المسافر إلى أهله بالعشي، وهو من وقت الزوال إلى غروب ١٨٩ ٢٦ - أبوابُ العُمْرَةِ / باب (١٦) الشمس، ويطلق أيضاً على ما بعد الغروب إلى العتمة، ولكن المراد هنا الأول، وإنما ذكر هذه الترجمة عقيب الترجمة الأولى ليبين أن الدخول في الغداة لا يتعين، وإنما له الدخول بالغداة والعشي، والمنهي عنه هو الدخول ليلاً، كما سيأتي بيان العلة فيه في حديث جابر، رضي الله تعالى عنه. ٣٧٥/ ١٨٠٠ - حدّثنا مُوسَى بنُ إِسْمَاعِيلَ قال حدَّثْنَا هَمَّامُ عنْ إِسْحَاقَ بنِ عَبْدِ الله ابنِ أبِي طَلْحَةَ عَنْ أنَسٍ رضي الله تعالى عنه قال كانَ النبيُّ عَُّلِّ لا يَطْرُقُ أهْلَهُ كانَ لاَ يَدْخُلُ إلَّ غُدْوَةً أَوْ عَشِيَّةً. مطابقته للترجمة في قوله: ((أو عشية))، وموسى بن إسماعيل أبو سلمة المنقري التبوذكي، وهمام بن يحيى العوذي البصري. والحديث أخرجه مسلم أيضاً في الجهاد عن أبي بكر بن أبي شيبة عن يزيد بن هارون، وعن زهير بن حرب، وأخرجه النسائي في عشرة النساء عن هارون بن عبد الله. قوله: ((لا يطرق))، بضم الراء من الطروق، وهو الإتيان بالليل، يعني: لا يدخل على أهله ليلاً إذا قدم من سفر، وإنما كان يدخل غدوة النهار أو عشيته وقد مضى تفسيرها. وفي بعض النسخ: ((كان النبي عَّم لا يطرق أهله ليلاً)) والأصح: لا يطرق أهله بدون لفظ ليلاً، لأن الطروق لا يكون إلاّ بالليل، كما ذكرنا، فإن قلت: في حديث جابر الذي يأتي عقيب هذا الباب: ((نهى أن يطرق أهله ليلاً؟)) قلت: هذا يكون للتأكيد أو يكون على لغة من قال: إن طرق يستعمل بالنهار أيضاً، حكاه ابن فارس. ١٦ - بابٌ لاَ يَطْرُقُ أهْلَهُ إذَا بَلَغَ المَدِينَةَ أي: هذا باب يذكر فيه أن القادم من سفر لا يطرق أهله إذا بلغ المدينة، أي البلد الذي يقصد دخولها، وفي رواية السرخسي: إذا دخل المدينة يعني إذا أراد دخولها لا يطرق ليلاً، والحكمة فيه مبينة في حديث جابر، ذكره البخاري مطولاً في: باب عشرة النساء، وهي كراهة أن يهجم منها على ما يقبح عنده اطلاعه عليه، فيكون سبباً إلى بغضها وفراقها، فنبه النبي عَّم على ما تدوم به الإلفة بينهم وتتأكد المحبة، فينبغي لمن أراد الأخذ بأدب أن يجتنب مباشرة أهله في حال البذاذة وغير النظافة، وأن لا يتعرض لرؤية عورة يكرهها منها، ألاَ يُرَى أن الله تعالى أمر من لم يبلغ الحلم بالاستئذان في الأحوال الثلاثة في الآبية، لما كانت هذه الأوقات أوقات التجرد والخلوة، خشية الإطلاع على العورات وما يكره النظر إليه. ١٨٠١/٣٧٦ - حدَّثنا مُسْلِمُ بنُ إِبْرَاهِيمَ قال حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ محَارِبٍ عنْ جابِرٍ رضي الله تعالى عنه قال نهَى النبيُّ عَّهِ أن يَطْرُقَ أهْلَهُ لَيْلاً. [انظر الحديث ٤٤٣ وأطرافه]. مطابقته للترجمة ظاهرة. ومحارب، بضم الميم وكسر الراء وفي آخره باء موحدة: ابن دثار - ضد الشعار - السدوسي الكوفي. ١٩٠ ٢٦ - أبوابُ العُمْرَةِ / باب (١٧ ) والحديث أخرجه البخاري أيضاً في النكاح عن آدم، وأخرجه مسلم في الجهاد عن أبي موسى وبندار وعن عبيد الله بن معاذ وعن أبي بكر بن أبي شيبة. وأخرجه أبو داود في الجهاد عن حفص بن عمر ومسلم بن إبراهيم. وأخرجه النسائي في عشرة النساء عن عمرو ابن منصور. قوله: ((نهى النبي، عَّلَّ)) النهي للتنزيه لا للتحريم، وذلك لئلا يكون كمن يتطلب عثراتها، أو يريد كشف أستارها. قوله: ((أن يطرق)) أي: عن أن يطرق، أي: عن الطروق وكلمة: أن، مصدرية، وانتصاب ليلاً على الظرفية. ١٧ - بابُ مَنْ أَسْرَعَ ناقَتَهُ إذَا بلغَ المَدِينَةَ أي: هذا باب في بيان من أسرع ناقته قال الكرماني: أصله أسرع بناقته، فنصب بنزع الخافض منه، وقال الإسماعيليُّ: أسرع ناقته ليس بصحيح، والصواب أسرع بناقته، يعني: لا يتعدى بنفسه، وإنما يتعدى بالباء. قلت: كل منهما ذهل عما قاله صاحب (المحكم) إن أسرع يتعدى بنفسه ويتعدى بالباء، ولم يطلعا على ذلك، فأوله الكرماني بما ذكره، وخطأه الإسماعيلي، فلو وقفا على ذلك لما تعسفا، وفي بعض النسخ: باب من يسرع ناقته، بلفظ المضارع. ٣٧٧/ ١٨٠٢ - حدّثنا سَعِيدُ بنُ أبِي مَرْيَمَ قال أخبرنا مُحَمَّدُ بنُ جَعْفَرٍ قال أخبرَنِي حُمَيْدٌ أَنَّهُ سَمِعَ أنَساً رضي الله تعالى عنه يقُولُ كانَ رسولُ اللهِ عَّلّ إذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ فَأَبْصَرَ دَرَجَاتِ المَدِينَةِ أَوْضَعَ ناقَتَهُ وإنْ كانَتْ دَابَّةً حرَّكَهَا. [الحديث ١٨٠٢ - طرفه في: ١٨٨٦]. مطابقته للترجمة في قوله: ((أوضع ناقته)) أي: أسرع السير، ومحمد بن جعفر هو ابن أبي كثير المدني أخو إسماعيل، وحميد هو الطويل .. والحديث انفرد به البخاري نعم في مسلم: ((عن أنس لما وصف فقوله، عليه الصلاة والسلام، من خيبر: فانطلقنا حتى أتينا جدر المدينة، غشينا إليها فرفعنا مطيتنا، ورفع رسول الله، عَ لَّهِ، مطيته)). قوله: ((فأبصر درجات المدينة))، بفتح الدال المهملة والراء والجيم: جمع درجة، والمراد: طرقها المرتفعة. وقال صاحب (المطالع): يعني المنازل، والأشبه الجدرات. والدرجات هي رواية الأكثرين، وفي رواية المستملي: ((دوحات))، بفتح الدال وسكون الواو بعدها حاء مهملة: جمع دوحة، وهي الشجرة العظيمة المتسعة، ويجمع أيضاً على: دوح وأدواح جمع الجمع. وقال أبو حنيفة: الدوائح العظائم وكأنه جمع دائحة، وإن لم يتكلم به، والدوحة: المظلة العظيمة، والدوح بغير هاء البيت الضخم الكبير من الشعر، وفي (شرح المعلقات) لأبي بكر محمد بن القاسم الأنباري، يقال: شجرة دوحة إذا كانت عظيمة كثيرة الورق والأغصان. وفي (الجامع) للقزاز: الدوح العظام من الشجرة من أي نوع كان من ١٠ ١٩١ ٢٦ - أبوابُ العُمْرَةِ / باب ( ١٨ ) الشجر. قوله: ((أوضع ناقته))، يقال: وضع البعير أي أسرع في مشيه، وأوضعه راكبه أي: حمله على السير السريع. قوله: ((وإن كانت دابة))، كان فيه تامة، والدابة أعم من الناقة وقوله: ((حركها)) جواب: إن. قال أبُو عَبْدِ اللهِ زَادَ الحَارِثُ بنُ عُمَيْرٍ عنْ حُمَيْدٍ حَرَّكَهَا مِنْ حُبُّهَا أبو عَبْد الله هو البخاري نفسه، والحارث بن عمير مصغر عمرو البصري، نزل مكة. وأراد أن الحارث بن عمير روى الحديث المذكور عن حميد المذكور عن أنس، وزاد في روايته: ((حركها من حبها)) أي: حرك دابته بسبب حب المدينة وهذا التعليق وصله الإمام أحمد، قال: حدثنا إبراهيم بن إسحاق حدثنا الحارث بن عمير عن حميد الطويل («عن أنس: أن النبي، عٍَّ، كان إذا قدم من سفر فنظر إلى جدرات المدينة أوضع ناقته، وإن كان على دابة حركها من حبها)). وروى هذه اللفظة أيضاً الترمذي عن علي بن حجر: أخبرنا إسماعيل ابن جعفر عن حميد عن أنس، وقال: حسن صحيح غريب. وفيه: دلالة على فضل المدينة وعلى مشروعية حب الوطن والحنة إليه. ٣٧٨ - حدَّثَنَا قُتَيْبَةُ قال حدَّثنا إسْمَاعِيلُ عنْ حُمَيْدٍ عنْ أَنَسِ قال جُدُرَاتٍ وإسماعيل هو ابن جعفر بن أبي كثير المدني، والجدرات، بضم الجيم والدال: جمع جدر، بضمتين جمع: جدار. وأخرجه الإسماعيلي من هذا الوجه بلفظ: جدران، بضم الجيم وسكون الدال وفي آخره نون، جمع جدار. وقد أورد البخاري طريق قتيبة هذا في فضائل المدينة بلفظ الحارث بن عمير، إلاّ أنه قال: راحلته، بدل: ناقته. تَابَعَهُ الحَارِثُ بنُ عُمَيْرِ أي: تابع إسماعيل الحارث بن عمير في قوله: جدرات، وروى أحمد رواية الحارث كما ذكرناها عن قريب. ١٨ - بابُ قَوْلِ الله تعالى: ﴿وأتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ [البقرة: ١٨٩]. أي: هذا باب في بيان سبب نزول هذه الآية. ٣٧٩ / ١٨٠٣ - حدّثنا أَبُو الوَلِيدِ قالَ حدثنا شُعْبَةُ عنْ أبِي إسْحَاقَ قال سَمِعْتُ البَرَاءَ رضي الله تعالى عنهُ يَقُولُ نَزَلَتْ هذهِ الآيَةُ فِينَا كانَتِ الأَنْصَارُ إِذَا حَجُوا فَجَاؤُوا لَمْ يَدْخُلُوا مِنْ قِبَلِ أَبْوَابٍ بُيُوتِهِمْ ولَكِنْ مِنْ ظُهُورِهَا فَجاءَ رَجُلٌ منَ الأنْصَارِ فَدَخَلَ مِنْ قِبَلِ بابِهِ فَكَأَنَّهُ عُيّرَ بِذَلِكَ فَزَلَتْ ﴿وَلَيْسَ البِرُّ بِأنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا ولَكِنَّ البِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأَتُّوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ [البقرة: ١٨٩]. [الحديث ١٨٠٣ - طرفه في: ٤٥١٢]. مطابقته للترجمة ظاهرة، وأبو الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي، وأبو إسحاق عمرو ابن عبيد الله السبيعي الكوفي رحمه الله. ١٩٢ ٢٦ - أبوابُ العُمْرَةِ / باب (١٨) قوله: ((كانت الأنصار إذا حجوا فجاؤوا))، قال بعضهم: هذا ظاهر في اختصاص ذلك بالأنصار؟ قلت: لا نسلم دعوى الاختصاص في ذلك، لأن هذا إخبار عن الأنصار أنهم كانوا يفعلون ذلك، ولا يلزم من ذلك نفي ذلك عن غيرهم، وقد روى ابن خزيمة والحاكم في (صحيحيهما) من طريق عمار بن زريق عن الأعمش عن أبي سفيان ((عن جابر، قال: كانت قريش تدعى الحمس، وكانوا يدخلون من الأبواب في الإحرام، وكانت الأنصار وسائر العرب لا يدخلون من الأبواب، فبينما رسول الله، عَ لّه، في بستان فخرج من بابه، فخرج معه قطبة ابن عامر الأنصاري، فقالوا: يا رسول الله إن قطبة رجل فاجر، فإنه خرج معك من الباب. فقال: ما حملك على ذلك؟ قال: رأيتك فعلته ففعلت كما فعلت، قال: إني أحمس. قال: فإن ديني دينك، فأنزل الله تعالى هذه الآية)). وفي (تفسير) مقاتل بن سليمان: كانت الأنصار في الجاهلية إذا أحرم أحدهم بالحج أو العمرة وهو من أهل المدر، وهو مقيم في أهله لم يدخل منزله من قبل الباب، ولكن يوضع له سلم فيصعد عليه وينحدر منه، أو يتسور من الجدار أو ينقب بعض جدره، فيدخل منه ويخرج، فلا يزال كذلك حتى يتوجه إلى مكة محرماً، وإن كان من أهل الوبر دخل وخرج من وراء بيته، وأن النبي، عَِّ، دخل يوماً نخلاً لبني النجار، ودخل معه قطبة بن عامر بن حديدة الأنصاري السلمي من قبل الجدار، وهو محرم، فلما خرج النبي عَّه من الباب وهو محرم خرج معه قطبة من الباب، فقال رجل: هذا قطبة! فقال النبي عَ له: ما حملك أن تخرج من الباب وأنت محرم؟ فقال: يا نبي الله رأيتك خرجت من الباب وأنت محرم، فخرجت معك، وديني دينك. فقال النبي، عَّم: خرجت لأني من الحمس. فقال قطبة: إن كنت أحمس فأنا أحمس، وقد رضيت بهداك. فأنزل الله تعالى: ﴿وليس البر﴾ [البقرة: ١٨٩]. قوله: ((فجاء رجل))، قيل: إنه هو قطبة بن عامر المذكور. وقيل: هو رفاعة بن تابوت، واحتجوا في ذلك بما رواه عبد بن حميد وابن جرير الطبري من طريق داود بن أبي هند عن قيس بن جرير أن الناس كانوا إذا أحرموا ولم يدخلوا حائطاً من بابه ولا داراً من بابها، فدخل رسول الله، عَ لّه، وأصحابه داراً، وكان رجل من الأنصار يقال له رفاعة بن تابوت، فجاء فتسور الحائط، ثم دخل على رسول الله، عَّهِ، فلما خرج من باب الدار خرج معه رفاعة، فقال له النبي، عَ له: ما حملك على ذلك؟ قال: رأيتك خرجت منه فخرجت. فقال، عَّهِ: إني أحمس. فقال الرجل: إن ديننا واحد، فأنزل الله تعالى هذه الآية. قلت: هذا مرسل، وحديث جابر مسند وهو أقوى. فإن قلت: هل يجوز أن يحمل على التعدد؟ قلت: لا مانع من هذا، ولكن ثمة مانع آخر لأن رفاعة بن تابوت معدود في المنافقين، وهو الذي هبت الريح العظيمة لموته، كما وقع في (صحيح مسلم) مبهماً، وفي غيره مفسراً، فيتعين أن يكون ذلك الرجل قطبة بن عامر، ويؤيده أيضاً أن في مرسل الزهري عند الطبري: فدخل رجل من الأنصار من بني سلمة، وقطبة من بني سلمة، بخلاف رفاعة. قوله: ((من قبل بابه))، بكسر القاف وفتح الباء الموحدة. قوله: ((فكأنه عير))، بضم العين ١٩٣ ٢٦ - أبوابُ العُمْرَةِ / باب (١٨) المهملة على صيغة المجهول من التعيير. وهو التعييب. وقال الجوهري: يقال، عيره كذا، والعامة تقول: عيره بكذا، قوله: ((فنزلت)) أي: هذه الآية الكريمة، وهي قوله تعالى: ﴿وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها﴾ [البقرة: ١٨٩]. الآية. وحديث الباب يدل على أن سبب نزول هذه الآية ما ذكر فيه. وروى عبد الرحمن بن أبي حاتم في (تفسيره): حدثنا زيد بن حباب عن موسى بن عبيدة: سمعت محمد بن كعب القرظي يقول: كان الرجل إذا اعتكف لم يدخّل منزله من باب البيت، فنزلت الآية. وحدثنا عصام بن رواد حدثنا آدم عن ابن شيبة عن عطاء، قال: كان أهل يثرب إذا رجعوا من عندهم دخلوا البيوت من ظهورها، ويريدون أن ذلك أدنى إلى البر، فقال الله تعالى: ﴿وليس البر﴾ [البقرة: ١٨٩]. الآية. وحدثنا الحسن بن أحمد حدثنا إبراهيم بن عبد الله بن بشار، حدثني سرور بن المغيرة عن عباد بن منصور عن الحسن، قال: كان أقوام من أهل الجاهلية إذا أراد أحدهم سفراً أو خرج من بيته يريد سفراً، ثم بدا له من بعد خروجه أن يقيم ويدع سفره الذي خرج له لم يدخل البيت من بابه، ولكن يتسوره من قبل ظهره تسوراً، فنزلت الآية. وقال الزجاج: كان قوم من قريش وجماعة معهم من العرب إذا خرج الرجل منهم في حاجة فلم يقضها ولم يتيسر له رجع فلم يدخل من باب بيته سنة يفعل ذلك طيرة، فأعلمهم الله تعالى أن هذا غير بر. وقال النسفي: كانت الحمس، وهم المشددون على أنفسهم من بني خزاعة وبني كنانة في الجاهلية وبدء الإسلام، إذا أحرموا أو اعتكفوا لم يدخلوا بيوتهم من أبوابها، فإن كانت في بيوتهم من الخيام رفعوا ذيولها، وإن كانت من المدر نقبوا في ظهور بيوتهم فدخلوا منها، أو من قبل السطح. وقالوا: لا ندخل بيوتاً من الباب حتى ندخل بيت الله، وكان منهم من لا يستظل تحت سقف بعد إحرامه، ولا يدخل بيتاً من بابه ولا من خلفه، ولكن يصعد السطح فيأمر بحاجته من السطح، وهذه الأشياء وضعوها من عند أنفسهم من غير شرع، فعرفهم الله تعالى أن هذا التشديد ليس ببر، ولا قربة. وفي (التلويح) وقال الأكثرون من أهل التفسير: إنهم الحمس، وهم قوم من قريش، وبنو عامر بن صعصعة وثقيف وخزاعة كانوا إذا أحرموا لا يأقطون الأقط، ولا ينتفعون الوبر، ولا يسلون السمن، وإذا خرج أحدهم من الإحرام لم يدخل من باب بيته، فنزلت الآية. فإن قلت: متى نزلت الآية المذكورة؟ قلت: روى أبو جعفر في (تفسيره): حدثنا عمرو ابن هارون، حدثنا عمرو بن حماد حدثنا أسباط ((عن السدي: كان ناس من العرب إذا حجوا لم يدخلوا بيوتهم من أبوابها، كانوا ينقبون من أدبارها، فلما حج سيدنا رسول الله عَّ له حجة الوداع، أقبل يمشي ومعه رجل من أولئك، وهو مسلم، فلما بلغ النبي عَ ◌ّم باب البيت احتبس الرجل خلفه، وقال يا رسول الله! إني أحمس. يقول: محرم، فقال رسول الله عَّ له وأنا أيضاً أحمس، فادخل فدخل الرجل فنزلت الآية)) وروى ابن جرير من حديث ابن عباس أن القصة وقعت أول ما قدم النبي عَّهِ المدينة، وفي إسناده ضعف، وجاء في مرسل الزهري أن ذلك وقع في عمرة الحديبية. عمدة القارىء / ج١٠ / م١٣ ١٩٤ ٢٦ - أبوابُ العُمْرَةِ / باب (١٩) ١٩ - بابّ السَّفرُ قِطْعَةٌ مِنَ العَذَابِ أي: هذا باب يذكر فيه السفر قطعة من العذاب، قيل: أشار البخاري بإيراد هذه الترجمة في أواخر أبواب الحج والعمرة إلى أن الإقامة في الأهل أفضل من المجاهدة، ورد بأنه أشار إلى حديث عائشة، بلفظ: ((إذا قضى أحدكم حجه فليعجل إلى أهله)). قلت: لا وجه لما ذكروا، بل الوجه أن المذكور في الأبواب السبعة المذكورة قبل هذا الباب كلها واقع في ضمن السفر، والسفر لا يخلو عن مشقة من كل وجه، فناسب أن ينبه على شيء من حال السفر، فذكر هذا الحديث. ((السفر قطعة من العذاب))، وترجم عليه، وروي: ((السفر قطعة من النار))، ولا أعلم صحته. ٣٨٠ / ١٨٠٤ - حدَّثنا عَبْدُ اللهِ بنُ مَسْلَمَةَ قال حدَّثنا مالِكٌ عنْ سُمَيّ عنْ أبي صالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنه عن النبيِّ عَّ ◌ُلّ قال السَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنَ العَذَابِ يَمْنَعُ أحَدَكُمْ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ ونَوْمَهُ فإذَا قَضَى نَهْمَتَهُ فَلْيُعَجِّلْ إلَى أَهلِهِ. [الحديث ١٨٠٤ - طرفاه في: ٣٠٠١، ٥٤٢٩]. مطابقته للترجمة هي أنه جعل الترجمة جزءاً من الحديث، ورجاله قد ذكروا غير مرة، وسمي، بضم السين المهملة وفتح الميم وتشديد الياء آخر الحروف: القريشي المخزومي أبو عبد الله المدني، وأبو صالح ذكوان الزيات. والحديث أخرجه البخاري أيضاً في الجهاد عن عبد الله بن يوسف. وفي الأطعمة عن أبي نعيم. وأخرجه مسلم في المغازي عن القعنبي، وإسماعيل ابن أبي أويس، وأبي مصعب الزهري ومنصور بن أبي مزاحم، وقتيبة بن سعيد ويحيى بن يحيى، كلهم عن مالك. وأخرجه النسائي في السير عن قتيبة به، وعن عمرو بن علي ومحمد بن المثنى، كلاهما عن يحيى بن سعید عن مالك به. ذكر رجال هذا الحديث: قال أبو عمر: هذا حديث تفرد به مالك عن سمي، ولا يصح لغيره، وانفرد به سمي أيضاً فلا يحفظ عن غيره، وهكذا هو في (الموطأ) عند جماعة الرواة بهذا الإسناد، ورواه ابن مهدي عن بشر بن عمر عن مالك مرسلاً، وكان وكيع يحدث به عن مالك حيناً مرسلاً، وحيناً يسنده كما في (الموطأ) والمسند صحيح ثابت احتياج الناس إليه عن مالك، وليس له غير هذا الإسناد من وجه يصح، وروى عبيد الله بن المنتاب عن سليمان بن إسحاق الطلحي عن هارون الفروي عن عبد الملك بن الماجشون، قال: قال مالك: ما بال أهل العراق يسألوني عن حديث: ((السفر قطعة من العذاب))، قيل له: لم يروه غيرك، فقال: لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما حدثت به، ورواه عصام بن رواد بن الجراح عن أبيه عن مالك عن ربيعة عن القاسم عن عائشة، رضي الله تعالى عنها، وعن مالك عن سمي عن أبي صالح عن أبي هريرة، قالا: قال رسول الله عَّةٍ: ((السفر قطعة من العذاب)) قال أبو عمرو: حديث رواد عن مالك عن ربيعة عن القاسم غير محفوظ، لا أعلم ١٩٥ ٢٦ - أبوابُ العُمْرَةِ / باب (١٩) رواه عن مالك غيره، وهو (خطأ) وليس رواد ممن يحتج ولا يعول عليه، وقد رواه خالد بن مخلد ومحمد بن جعفر الوركاني عن مالك عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة، ولا يصح لمالك عن سهيل عندي إلاّ أنه لا يبعد أن يكون عن سهيل أيضاً، وليس بمعروف لمالك عنه، وقد روى عن عتيق بن يعقوب عن مالك عن أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله عن أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعاً، ولا يصح أيضاً عندي، وإنما هو مالك عن سمي لا عن سهيل ولا ربيعة، ولا عن أبي النضر. وقد رواه بعض الضعفاء عن مالك، فقال: وليتخذ لأهله هدية وإن لم يلق إلاَّ حجراً فليلقه في مخلاته. قال: والحجارة يومئذ يضرب بها القداح. وقال أبو عمرو: هذه زيادة منكرة لا تصح، ورواه ابن سمعان عن زيد بن أسلم عن جمهان عن أبي هريرة، يرفعه: ((السفر قطعة من العذاب)) وابن سمعان كان مالك يرميه بالكذب، قال: وقد رويناه عن الدراوردي عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة بإسناد صالح، لكن لا تقوى الحجة به، وفيه: ((وإذا عرستم فتجنبوا الطريق فإنها مأوى الهوام والدواب)). قوله: ((السفر قطعة من العذاب)) أي: جزء منه، والمراد بالعذاب الألم الناشىء عن المشقة. قوله: ((يمنع أحدكم))، جملة استئنافية، فلذلك فصلها عما قبلها، وهي في الحقيقة جواب عما يقال: لم كان السفر كذلك؟ فقال: لأنه يمنع أحدكم طعامه، أي لذة طعامه. وقال الخطابي: يريد أنه يمنعه الطعام في الوقت الذي يستوفيه منه لغدائه وعشائه، والنوم كذلك يمنعه في وقته، واستيفاء القدر الذي يحتاج إليه. وقد ورد التعليل في رواية سعيد المقبري بلفظ: ((السفر قطعة من العذاب لأن الرجل يشتغل فيه عن صلاته وصيامه ... )) الحديث، والمراد بالمنع في الأشياء المذكورة ليس منع حقيقتها، وإنما المراد منع كمالها على ما لا يخفى، ويؤيد ما رواه الطبراني بلفظ: ((لا يهنأ أحدكم نومه ولا طعامه ولا شرابه))، وفي حديث ابن عمر عند ابن عدي: ((فإنه ليس له دواء ((إلاَّ سرعة السير)). قوله: ((فإذا قضى نهمته))، بفتح النون وسكون الهاء أي: حاجته، وقال ابن التين: وضبطناه أيضاً بكسر النون. وفي (الموعب): النهمة: بلوغ الهمة بالشيء، وهو منهوم بكذا، أي مولع لا ينشرح وتقول: قضيت منه نهمتي، أي: حاجتي، وعن أبي زيد: المنهوم، الذي يمتلىء بطنه، ولا تنتهي حاجته وعن أبي العباس: نهم ونهم. بمعنى. قوله: ((فليعجل إلى أهله))، وفي رواية عتيق بن يعقوب، وسعيد المقبري: ((فليعجل الرجوع إلى أهله))، وفي رواية مصعب ((فليعجل الكرة إلى أهله)»، وفي حديث عائشة: ((فليعجل الرحلة إلى أهله فإنه أعظم لأجره)). ومما يستفاد من الحديث: كراهة التغرب عن الأهل بغير حاجة، واستحباب استعجال الرجوع، ولا سيما من يخشى عليهم الضيعة بالغيبة ولما في الإقامة في الأهل من الراحة المعينة على صلاح الدين والدنيا، ولما فيها من تحصيل الجماعات والجمعات والقوة على العبادات. والعرب تشبه الرجل في أهله بالأمير. وقيل: في قوله تعالى: ﴿وجعلكم ملوكاً﴾ [آل عمران: ٢٠]. قال: من كان له دار وخادم فهو داخل في معنى الآية. وقد أخبر الله تعالی بلطف محل الأزواج من أزواجهن بقوله: ﴿وجعل بينكم مودة ورحمة﴾ [الروم: ٢١]. فقيل: ١٩٦ ٢٦ - أبوابُ العُمْرَةِ / باب (٢٠ ) المودة الجماع والرحمة الولد. فإن قلت: روى وكيع عن مالك عن سمي عن أبي صالح عن أبي هريرة، قال رسول الله، عَّةٍ: ((لو يعلم الناس ما لمسافر لأصبحوا على الظهر سفراً، إن الله لينظر إلى الغريب في كل يوم مرتين)). وفي حديث ابن عباس وابن عمر، رضي الله تعالى عنهم، مرفوعاً: ((سافروا تغنموا)). وفي رواية: ((ترزقوا)). ويروى: ((سافروا تصحوا)). فهذا معارض لحديث الباب. قلت: حديث أبي هريرة، قال أبو عمر: هذا حديث غريب لا أصل له من حديث مالك ولا غيره. وأما حديث ابن عباس وابن عمر فقد قال ابن بطال: لا تعارض بينه وبين حديث الباب، لأنه لا يلزم من الصحة بالسفر لما فيه من الرياضة أن لا يكون قطعة من العذاب لما فيه من المشقة فصار كالدواء المر المعقب للصحة، وإن كان في تناوله الكراهة. واستنبط منه الخطابي: تغريب الزاني لأنه قد أمر بتعذيبه، والسفر من جملة العذاب، وفيه ما فيه على ما لا يخفى. ٢٠ - بابُ المُسَافِرِ إذَا جَدَّ بِهِ السَّيْرُ يُعَجِّلُ إِلَى أَهْلِهِ أي: هذا باب يذكر فيه المسافر إذا جد به السير أي: إذا اهتم به وأسرع فيه، يقال: جد يجد من باب نصر ينصر، وجد يجد من باب ضرب يضرب. قوله: ((يعجل إلى أهله)) جواب: إذا، وفي رواية الكشميهني والنسفي: ((ويعجل إلى أهله)). بالواو، والجواب حينئذ محذوف، تقديره: ماذا يصنع؟ ويعجل، بضم الياء من: باب التعجيل، ويروى: ((تعجل))، بفتح التاء المثناة من فوق من باب التعجل. ١٨٠٥/٣٨١ - حدّثنا سَعِيدُ بنُ أبِي مَرَمَ قال أخبرنا مُحَمَّدُ بنُ جَعْفَرٍ قال أخبرَنِي زَيْدُ بنُ أسْلَمَ عنْ أبِيهِ قال كُنْتُ مَعَ عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما بِطَرِيقِ مَكَّةً فَبَلَغَهُ عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ أَبِي عُبَيْدٍ شِدَّةُ وجَعٍ فَأُشْرَعَ السَّيْرَ حَتَّى إِذَا كانَ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّفَقِ نَزَلَ فَصَلَّى المغْرِبَ والعَتْمَةَ جَمَعَ بَيْنَهُمَا ثُمَّ قال إنِّي رَأيْتُ النبيَّ عَِّ إِذَا جَدَّ بِهِ السَّيْرُ أَخَّرَ الْمَغْرِبَ وجمَعَ بَيْنَهُمَا. [انظر الحديث ١٠٩١ وأطرافه]. مطابقته للترجمة ظاهرة، وقد مضى هذا الحديث في أبواب تقصير الصلاة في: باب يصلي المغرب ثلاثاً في السفر، وقد مر الكلام فيه مستقصىّ. وصفية بنت أبي عبيد الثقفية، زوجة عبد الله بن عمر، رضي الله تعالى عنهما، وكانت من الصالحات العابدات، توفيت في حياة عبد الله بن عمر. وأبو عبيد بن مسعود بن عمرو بن عمير بن عوف بن عبيدة بن غيرة ابن عوف بن ثقيف الثقفي، وذكر أبو عمر أبا عبيد هذا من الصحابة، وقال الذهبي: أبو عبيد ابن مسعود الثقفي والد المختار الكذاب، وصفية، أسلم في عهد رسول الله، عَّ له، وأمره عمر، رضي الله تعالى عنه، على جيش كثيف، وقال: لا يبعد أن يكون له رؤية، وكان شاباً شجاعاً خبيراً بالحرب والمكيدة، مات في وقعة جسر الذي يسمى: جسر أبي عبيد، وكان اجتمع جيش كثير من الفرس ومعهم أفيلة كثيرة، وأمر أبو عبيد المسلمين أن يقتلوا الفيلة --- ١٩٧ ٢٦ - أبوابُ العُمْرَةِ / باب (٢٠ ) أولاً فاحتوشوها فقتلوها عن آخرها، وقد قدمت الفرس بين أيديهم فيلاً أبيض عظيماً، فقدم إليه أبو عبيد فضربه بالسيف فقطع زلومه، فحمل الفيل وحمل عليه فتخبطه برجله فقتله، ووقف فوقه، وكان ذلك في سنة ثلاث عشرة من الهجرة، وابنه المختار ولد عام الهجرة وليست له صحبة ولا رواية حديث، وكان مع أبيه يوم الجسر، وكان خارجياً ثم صار زيدياً ثم صار شيعياً، وكان ممخرقاً ابتدع أشياء، وكان يزعم أن جبريل، عليه الصلاة والسلام، يأتيه بالوحي، وكان قد وقع بينه وبين مصعب بن الزبير حروب، فآخر الأمر قتلوه وجاؤوا برأسه إلى مصعب، رضي الله تعالى عنه، وذلك في سنة سبع وستين من الهجرة. ١٩٨ ٢٧ - أبواب المُخْصَرِ وجَزَاءِ الصَّيْدِ/ باب (١) بسم الله الرحمن الرّحيم ٢٧ - أبواب المُخصَرِ وجَزَاءِ الصَّيْدِ أي: هذه أبواب في بيان أحكام المحصر وأحكام جزاء الصيد الذي يتعرض إليه المحرم، وثبتت البسملة لجميع الرواة، وفي رواية أبي ذر: أبواب، بلفظ الجمع وفي رواية غيره: باب، بالإفراد. ١ - وقَوْلِهِ تَعَالى: ﴿فَإِنْ أُخْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ ولاَ تَخْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦]. وقوله، بالجر عطف على قوله: ((المحصر))، أي: وفي بيان المراد من قوله تعالى: ﴿فإن أحصر تم ﴿[البقرة: ١٩٦]. الكلام ههنا على أنواع: الأول في معنى الحصر والإحصار. الإحصار: المنع والحبس عن الوجه الذي يقصده، يقال: أحصره المرض أو السلطان إذا منعه عن مقصده، فهو محصر، والحصر الحبس، يقال: حصره إذا" حبسه فهو محصور، وقال القاضي إسماعيل: الظاهر أن الإحصار بالمرض والحصر بالعدو، ومنه: فلما حصر رسول الله، عَّةٍ، وقال تعالى: ﴿فإن أحصرتم﴾ [البقرة: ١٩٦]. وقال الكسائي: يقال من العدو: حصر فهو محصور، ومن المرض: أحصر فهو محصر، وحكى عن الفراء أنه أجاز كل واحد منهما مكان الآخر، وأنكر المبرد والزجاج، وقالا: هما مختلفان في المعنى، ولا يقال في المرض: حصره، ولا في العدو: أحصره، وإنما هذا كقولهم حبسه إذا جعله في الحبس، وأحبسه أي عرضه للحبس، وقتله أوقع به القتل، وأقتله أي عرضه للقتل، وكذلك حصره: حبسه، وأحصره، عرضه للحصر. النوع الثاني: في سبب نزول هذه الآية: ذكروا أن هذه الآية نزلت في سنة ست، أي: عام الحديبية حين حال المشركون بين رسول الله عَ ليه وبين الوصول إلى البيت، وأنزل الله في ذلك سورة الفتح بكمالها، وأنزل لهم رخصة أن يذبحوا ما معهم من الهدي، وكان سبعين بدنة، وأن يتحللوا من إحرامهم، فعند ذلك أمرهم، عليه السلام، أن يذبحوا ما معهم من الهدي وأن يحلقوا رؤوسهم ويتحللوا، فلم يفعلوا انتظاراً للنسخ، حتى خرج فحلق رأسه، ففعل الناس، وكان منهم من قص رأسه ولم يحلقه، فلذلك قال عَ لّه: ((رحم الله المحلقين! قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ فقال في الثالثة: والمقصرين))، وقد كانوا اشتركوا في هديهم ذلك كل سبعة في بدنة، وكانوا ألفاً وأربعمائة، وكان منزلهم بالحديبية خارج الحرم، وقيل: بل كانوا على طرف الحرم. النوع الثالث في تفسير هذه الآية: قوله: ﴿فإن أحصرتم﴾ [البقرة: ١٩٦]. أي: منعتم ١٩٩ ٢٧ - أبواب المُخْصَرِ وجَزَاءِ الصَّيْدِ/ باب (١) عن تمام الحج والعمرة فحللتم: ﴿فما استيسر﴾ [البقرة: ١٩٦]. أي: فعليكم ما استيسر ﴿من الهدي﴾ [البقرة: ١٩٦]. أي: ما تيسر منه، يقال: يسر الأمر واستيسر، كما يقال: صعب واستصعب. وقال الزمخشري: الهدي جمع هدية، كما يقال في جدية السرج جدي، وقرىء: من الهدي، بالتشديد جمع هدية، كمطية ومطي، وحاصل المعنى: فإن منعتم من المضي إلى البيت وأنتم محرمون بحج أو عمرة فعليكم إذا أردتم التحلل ما استيسر من الهدي من بعير أو بقرة أو شاة. قوله: ﴿ولا تحلقوا رؤوسكم﴾ [البقرة: ١٩٦]. عطف على قوله: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ [البقرة: ١٩٦]. وليس معطوفاً على قوله: ﴿فإن أحصرتم﴾ [البقرة: ١٩٦]. كما زعمه ابن جرير، لأن النبي معَّه وأصحابه عام الحديبية لما حصرهم كفار قريش عن الدخول إلى الحرم حلقوا وذبحوا هديهم خارج الحرم، وأما في حال الأمن والوصول إلى الحرم فلا يجوز الحلق حتى يبلغ الهدي محله، ويفرغ الناسك من أفعال الحج والعمرة إن كان قارناً أو من فعل أحدهما إن كان مفرداً أو متمتعاً. النوع الرابع: اختلاف العلماء في الحصر، بأي شيء يكون، وبأي معنى يكون، فقال قوم وهم عطاء بن أبي رباح وإبراهيم النخعي وسفيان الثوري: يكون الحصر بكل حابس من مرض أو غيره من عدو وكسر وذهاب نفقة ونحوها مما يمنعه عن المضي إلى البيت، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد وزفر. وروي ذلك عن ابن عباس وابن مسعود وزيد ابن ثابت. وقال آخرون، وهم الليث بن سعد ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق: لا يكون الإحصار إلا بالعدو فقط، ولا يكون بالمرض، وهو قول عبد الله بن عمر. وقال الجصاص في (كتاب الأحكام) وقد اختلف السلف في حكم المحصر على ثلاثة أنحاء، روي عن ابن مسعود وابن عباس: العدو والمرض سواء، يبعث دماً، ويحل به إذا أنحر في الحرم، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه. والثاني: قول ابن عمر إن المريض لا يحل ولا يكون محصوراً إلا بالعدو، وهو قول مالك والشافعي. والثالث: قول ابن الزبير وعروة بن الزبير: إن المرض والعدو سواء لا يحل إلا بالطواف، ولا نعلم لهما موافقاً من فقهاء الأمصار. وفي (شرح الموطأ): مذهب مالك والشافعي أن المحصر بالمرض لا يحل دون البيت، وسواء عند مالك شرط عند إحرامه التحلل للمرض أو لم يشترط. وقال الشافعي: له شرطه. وقال أبو عمر: الإحصار عند أهل العلم على وجوه: منها: المحصر بالعدو. ومنها: بالسلطان الجائر. ومنها: المرض وشبهه. فقال مالك والشافعي وأصحابهما: من أحصره المرض فلا يحله إلا الطواف بالبيت، ومن حصر بعدو فإنه ينحر هديه حيث حصر ويتحلل وينصرف ولا قضاء عليه إلاَّ أن تكون ضرورة فيحج الفريضة، ولا خلاف بين الشافعي ومالك وأصحابهما في ذلك. وقال ابن وهب وغيره: كل من حبس عن الحج بعدما يحرم بمرض أو حصار من العدو أو خاف عليه الهلاك فهو محصر، فعليه ما على المحصر، ولا يحل دون البيت، وكذلك من أصابه كسر وبطن متحرق. وقال مالك: أهل مكة في ذلك كأهل الآفاق، لأن الإحصار عنده في المكي الحبس عن عرفة خاصة، قال: فإن احتاج المريض إلى دواء تداوى به ٢٠٠ ٢٧ - أبواب المُخْصَرِ وجَزَاءِ الصَّيْدِ/ (١) وافتدى، وهو على إحرامه لا يحل من شيء منه حتى يبرأ من مرضه، فإذا برىء من مرضه مضى إلى البيت فطاف به سبعاً وسعى بين الصفا والمروة وحل من حجه أو عمرته. وقال أبو عمر: هذا كله قول الشافعي أيضاً. وقال الطحاوي، رحمه الله: إذا نحر المحصر هديه هل يحلق رأسه أم لا؟ فقال قوم: ليس عليه أن يحلق لأنه قد ذهب عنه النسك كله، وهذا قول أبي حنيفة ومحمد. وقال آخرون: بل يحلق فإن لم يحلق فلا شيء عليه، وهذا قول أبي يوسف. وقال آخرون: يحلق ويجب عليه ما يجب على الحاج والمعتمر، وهو قول مالك. النوع الخامس في الاحتجاجات في هذا الباب: احتج الشافعي ومن تابعه في هذا الباب بما رواه ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد حدثنا سفيان عن عمرو بن دينار عن ابن عباسٍ وابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس وابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابنٍ عباس: لا حصر إلاَّ حصر العدو، ورواه الشافعي في (مسنده) عن ابن عباس: لا حصر إلاّ حصر العدو. فأما من أصابه مرض أو وجع أو ضلال فليس عليه شيء. قال: وروي عن ابن عمر وطاوس والزهري وزيد بن أسلم نحو ذلك، واحتج أبو حنيفة ومن تابعه في ذلك بما رواه الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن سعيد حدثنا حجاج الصواف عن يحيى بن أبي كثير عن عكرمة عن الحجاج بن عمرو الأنصاري، قال: سمعت رسول الله عَّه يقول: ((من كسر أو عرج فقد حل وعليه حجة أخرى، قال: فذكرت ذلك لابن عباس وأبي هريرة، فقالا: صدق)). فقد أخرجه الأربعة من حديث يحيى بن أبي كثير به. وفي رواية لأبي داود وابن ماجه: ((من عرج أو كسر أو مرض))، فذكر معناه، ورواه عبد بن حميد في (تفسيره)، ثم قال: وروي عن ابن مسعود وابن الزبير وعلقمة وسعيد بن المسيب وعروة بن الزبير ومجاهد والنخعي وعطاء ومقاتل بن حبان أنهم قالوا: بالإحصار من عدو أو مرض أو كسر. وقال النووي: الإحصار من كل شيء آذاه قلت: وفي المسألة قول ثالث حكاه ابن جرير وغيره، وهو أنه: لا حصر بعد صَّاللّه النبي عَ﴾. النوع السادس: في حكم الهدي: فقال ابن عباس: من الأزواج الثمانية من الإبل والبقر والمعز والضأن. وقال الثوري عن حبيب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿فما استيسر من الهدي﴾ [البقرة: ١٩٦]. قال شاة، وكذا قال عطاء ومجاهد وطاوس وأبو العالية ومحمد بن الحسين وعبد الرحمن بن القاسم والشعبي والنخعي والحسن وقتادة والضحاك ومقاتل بن حبان مثل ذلك، وهو مذهب الأئمة الأربعة. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج حدثنا أبو خالد الأحمر عن يحيى بن سعيد عن القاسم عن عائشة وابن عمر أنهما كانا لا يريان ما استيسر من الهدي إلاَّ من الإبل والبقر. وقد روي عن سالم والقاسم وعروة بن الزبير وسعيد بن جبير نحو ذلك، وقيل: الظاهر أن مستند هؤلاء فيما ذهبوا إليه قصة الحديبية، فإنه لم ينقل عن أحد منهم إنه ذبح في تحلله ذاك شاة، وإنما ذبحوا الإبل والبقر. ففي (الصحيحين): ((عن جابر، قال: أمرنا رسول الله عَ ليه أن نشترك في الإبل والبقر، كل سبعة منَّا في بقرة)). وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن