Indexed OCR Text

Pages 81-100

٨١
٢٥ - كتاب الحَجّ / باب (١٢٥)
فرخّصَ لنا النبيُّ عَّ لِ فقال كُلُوا وَتَزَوَّدُوا فأكلْنا وتَزَوَّدْنا قُلْتُ لِعَطَاءِ أَقالَ حَتَّى جِئْنَا المَدِينَةَ
قال لاَ. [الحديث ١٧١٩ - أطرافه في: ٢٩٨٠، ٥٤٢٤، ٥٥٦٧].
مطابقته للترجمة في قوله: (کلوا وتزودوا .. )) إلخ. ورجاله قد تکرر ذ کرهم، ویحیی هو
ابن سعيد القطان البصري، وابن جريج هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكي، وعطاء
هو ابن أبي رباح المكي.
والحديث أخرجه مسلم أيضاً في الأضاحي عن أبي بكر عن علي بن مسهر وعن
يحيى بن أيوب عن أيوب عن إسماعيل بن علية وعن محمد بن حاتم عن يحيى، وأخرجه
النسائي في الحج عن عمرو بن علي عن يحبى وعن عمران بن يزيد.
قوله: ((فوق ثلاث منىٌ)) بإضافة: ثلاث، إلى: منىّ، أي: الأيام الثلاثة التي كنا بمنىّ
وهي الأيام المعدودات. قوله: ((قلت لعطاء))، القائل هو ابن جريج. قوله: ((أقال))، الهمزة فيه
للاستفهام أي: أقال جابر: حتى جئنا المدينة، قال جابر: لا يعني لم يقل جابر حتى جئنا
المدينة، ووقع في مسلم: ((قال: نعم))، بدل قوله: ((لا)) فروى مسلم من حديث ابن جريج:
((حدثني عطاء، قال: سمعت جابر بن عبد الله، يقول: كنا لا نأكل من لحوم بدننا فوق
ثلاث، فأرخص لنا رسول الله عَّ فقال: كلوا وتزودوا)). قلت لعطاء: أقال جابر حتى جئنا
المدينة؟ قال: نعم)). والتوفيق بين قوله: ((لا)) وقوله: ((نعم)) أن يحمل على أنه نسي، فقال: لا،
ثم تذكر فقال: نعم، وحديث جابر هذا يخالف ما رواه مسلم ((عن علي بن أبي طالب: أن
رسول الله عَّ نهانا أن نأكل من لحوم نسكنا بعد ثلاث))، وفي لفظ: ((أن رسول الله عَ ليه
قد نهاكم أن تأكلوا لحوم نسككم فوق ثلاث ليال، فلا تأكلوا)) وروى أيضاً عن ابن عمر عن
النبي عَ له قال: ((لا يأكل أحدكم من لحم أضحيته فوق ثلاث أيام)).
وقال القاضي: اختلف العلماء في الأخذ بهذه الأحاديث، فقال قوم: يحرم إمساك
لحوم الأضاحي والأكل منها بعد ثلاث، وأن حكم التحريم باق، كما قاله علي وابن عمر،
رضي الله تعالى عنهم. وقال جماهير العلماء: يباح الأكل والإمساك بعد الثلاث، والنهي
منسوخ بحديث جابر هذا وغيره، وهذا من نسخ السنة بالسنة، وقال بعضهم: ليس هو نسخاً
بل كان التحريم لعلة. فلما زالت زال التحريم، وتلك العلة هي الدافة، وكانوا منعوا من ذلك
في أول الإسلام من أجل الدافة، فلما زالت العلة الموجبة لذلك أمرهم أن يأكلوا ويدخروا.
وروى مسلم من حديث مالك عن عبد الله بن أبي بكر عن عبد الله بن واقد قال نهى النبي
عَّطفلٍ عن أكل لحوم الضحايا بعد ثلاث. قال عبد الله بن أبي بكر: فذكرت ذلك لعمرة،
فقالت: صدق، سمعت عائشة تقول: دف أهل أبيات من أهل البادية حضرة الأضحى زمن
رسول الله عَّهِ، فقال رسول الله عَّله: ادخروا ثلاثاً ثم تصدقوا بما بقي، فلما كان بعد ذلك،
قالوا: يا رسول الله إن الناس يتخذون الأسقية من ضحاياهم ويحملون فيها الودك، فقال
رسول الله، عَّهِ: وما ذاك؟ قالوا: نهيت أن تؤكل لحوم الضحايا بعد ثلاث. فقال: إنما نهيتكم
من أجل الدافة التي دفت، فكلوا وادخروا وتصدقوا)). قال أهل اللغة: الدافة، بتشديد الفاء: قوم
عمدة القارىء / ج ١٠ / م٦

٨٢
٢٥ - كتاب الحَجّ / باب (١٢٥ )
يسيرون جميعاً سيراً خفيفاً من: دف يدف، بكسر الدال. ودافة الأعراب من يرد منهم المصر،
والمراد هنا: من ورد من ضعفاء الأعراب للمواساة. وقيل: كان النهي الأول للكراهة لا
للتحريم، قال هؤلاء: والكراهة باقية إلى يومنا هذا، ولكن لا يحرم. قالوا: ولو وقع مثل تلك
العلة اليوم فدفت دافة واساهم الناس وحملوا على هذا مذهب علي وابن عمر، رضي الله
تعالى عنهم، والصحيح نسخ النهي مطلقاً، وأنه لم يبق تحريم ولا كراهة فيباح اليوم الادخار
فوق ثلاثة، والأكل إلى ما شاء لصريح حديث جابر، وحديث بريدة أيضاً يدل على ذلك.
وأخرجه مسلم من حديث عبد الله بن بريدة عن أبيه، قال: قال رسول الله، عَّهِ: ((نهيتكم
عن زيارة القبور، فزوروها، ونهيتكم عن لحوم الأضاحي فوق ثلاث، فأمسكوا ما بدا لكم ... ))
الحديث وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه أيضاً.
واختلف في مقدار ما يؤكل منها وما يتصدق، فذكر علقمة أن ابن مسعود، رضي الله
تعالى عنه، أمره أن يتصدق بثلثه ويأكل ثلثه ويهدي ثلثه، وروي عن عطاء. وهو قول الشافعي
وأحمد وإسحاق. وقال الثوري: يتصدق بأكثره. وقال أبو حنيفة: ما يجب أن يتصدق بأقل
من الثلث. وقال صاحب (الهداية): ويأكل من لحم الأضحية قال: هذا في غير المنذورة، أما
في المنذورة فلا يأكل الناذر سواء كان معسراً أو موسراً، وبه قالت الثلاثة أعني: مالكاً
والشافعي وأحمد، وعن أحمد: يجوز الأكل من المنذورة أيضاً.
ثم الأكل من الأضحية مستحب عند أكثر العلماء وعند الظاهرية واجب، وحكي ذلك
عن أبي حفص الوكيل من أصحاب الشافعي، قال صاحب (الهداية): ويطعم الأغنياء والفقراء،
ويدخر. ثم روى حديث جابر، رضي الله تعالى عنه، الذي أخرجه مسلم عن أبي الزبير عنه
عن النبي، عَُّلّهِ: ((أنه نهى عن أكل لحوم الضحايا بعد ثلاث، ثم قال بعد: كلوا وتزودوا
وادخروا)). انتهى. قال: ومتى جاز أكله - وهو غني - جاز أن يؤكله غنياً، ثم قال: ويستحب
أن لا تنقص الصدقة من الثلث، لأن الجهات ثلاثة: الأكل والادخار والإطعام، فانقسم عليها
أثلاثاً.
٣٠٢/ ١٧٢٠ - حدّثنا خَالِدُ بنُ مَخْلَدٍ قال حدَّثنا سُلَيْمَانُ قال حدَّثني یخیَى قال
حدَّثَتْنِي عَمْرَةُ قَالَتْ سَمِعْتُ عَائِشَةَ رضي الله تعالى عنها تَقُولُ خَرَجْنا مَعَ رسول الله عَلَعِ
لِخِمْسٍ يَقِينَ مِنْ ذِي القِعْدَةِ ولا نُرَى إِلاَّ الْحَجَّ إِذَا دَنَوْنَا مِنْ مَكّةَ أَمَرَ رسولُ اللهِ عَلِّ مَنْ لَمْ
يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ إِذَا طافَ بِالْبَيْتِ ثُمَّ يَحِلُّ قالَتْ عَائِشَةُ رضي الله تعالى عنها فَدُخِلَ عَلَيْنَا يَوْمَ
النَّخْرِ بِلَحْمٍ بَقَرٍ فَقُلْتُ ما لهذا فَقِيلَ ذَبَحَ النبيُّ عَّهِ عِنْ أزْوَاجِهِ قال يَحْيَى فَذَكَرْتُ هذَا
الحَدِيثَ لِلْقَاسِمِ فَقَالَ أَتَتْكَ بِالْحَدِيثِ عَلَى وَجْهِهِ. [انظر الحديث ٢٩٤ وأطرافه].
هذا الحديث مضى في: باب ذبح الرجل البقر عن نسائه، فإنه أخرجه هناك: عن عبد
الله بن يوسف عن مالك عن يحيى بن سعيد عن عمرة بنت عبد الرحمن عن عائشة، رضي
الله تعالى عنها؛ وههنا أخرجه: عن خالد بن مخلدٍ، بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة، وقد

٨٣
٢٥ - كتاب الحَجّ / باب ( ١٢٦)
مر في العلم، عن يحيى بن سعيد الأنصاري ... إلى آخره، والرجال كلهم مدنيون، وخالد وإن
كان أصله من الكوفة ولكنه سكن المدينة، وقد مر الكلام فيه مستوفىّ هناك.
قوله: ((إذا طاف بالبيت))، جواب: إذا، محذوف، تقديره: إذا طاف بالبيت يتم
عمرته، ثم يحل، ويجوز أن يكون إذا للظرفية المحضة، لقوله: ((لم يكن))، وجواب: من لم
يكن، محذوف، قال الكرماني: ويجوز أن يكون: ثم، زائدة. قال الأخفش في قوله تعالى:
﴿حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله
إلاّ إليه ثم تاب عليهم﴾ [التوبة: ١١٨]. إن: تاب، جواب إذا، و:ثم زائدة. قال الكرماني
أيضاً: وفي بعض الرواية لفظ: إذا، مفقود وهو ظاهر قلت: يكون التقدير: من لم يكن معه
هدي طاف بالبيت، فيكون: طاف، جواب: من. وقوله: ((ثم يحل)) عطف، أي: بعد طوافه
بالبيت يحل، أي: يخرج من إحرام العمرة. فافهم. ورأيت في نسخة صحيحة مقروءة: من لم
يكن معه هدي إذا طاف بالبيت أن يحل.
١٢٦ - بابُ الذَّبْحِ قَبْلَ الْحَلْقِ
أي: هذا باب في بيان حكم ذبح الحاج هديه قبل أن يحلق رأسه، واكتفى بما في
الحديث عن بيان الحكم في الترجمة.
١٧٢١/٣٠٣ - حدّثنا محَمَّدُ بنُ عَبْدِ اللهِ بنِ حَوْشَبٍ قال حدَّثنا هُشَيْمٌ أخبرنا مَنْصُورٌ
عنْ عَطَاء عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما قال سُئِلَ النبيّ عَّهِ عَمَّنُ حَلَقَ قَبْلَ أنْ
يَذْبَحَ ونَخْوِهِ فقال لاَ حَرَجَ لا حَرَجَ. [انظر الحديث ٨٤ وأطرافه].
مطابقته للترجمة من حيث إنه يبين ما في الترجمة من الذبح قبل الحلق يجوز أو لا،
وقد بين الحديث أنه يجوز، لأن قوله عَّلة: ((لا حرج))، يدل على الجواز، وإن كان الأصل
أن يكون الذبح قبل الحلق.
ذكر رجاله: وهم خمسة: الأول: محمد بن عبد الله بن حوشب، بفتح الحاء المهملة
والشين المعجمة وفي آخره باء موحدة. الثاني: هشيم، بضم الهاء وفتح الشين المعجمة: ابن
بشير السلمي. الثالث: منصور بن زاذان، بالزاي والذال المعجمتين، مات سنة ثلاث وثمانين
ومائة. الرابع: عطاء بن أبي رباح. الخامس: عبد الله بن عباس.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. والإخبار كذلك في
موضعين. وفيه: العنعنة في موضعين. وفيه: القول في موضع واحد. وفيه: أن شيخه طائفي
وأنه من أفراده وأن هشيماً ومنصوراً واسطيان وأن عطاء مكي.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري من أربعة طرق على ما نذكرها،
ومن ستة أوجه: عن منصور عن عطاء عن ابن عباس. عن عبد العزيز بن رفيع عن عطاء عن
ابن عباس، عن ابن خثيم عن عطاء عن ابن عباس، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، عن
عكرمة عن ابن عباس. وعن عطاء عن جابر. وأخرجه النسائي في الحج عن يعقوب الدورقي

٨٤
٢٥ - كتاب الحَجّ / باب (١٢٦ )
عن هشيم به، ولفظه: ((سئل عمن حلق قبل أن يذبح، أو ذبح قبل أن يرمي)). وأخرجه أحمد
ابن حنبل نحو النسائي، وعند مسلم عن طاوس: ((عن ابن عباس أن النبي عَّ قيل له في
الذبح والحلق والرمي والتقديم والتأخير، فقال: لا حرج)). وعند الإسماعيلي سئل عمن ذبح
قبل أن يحلق، وعمن حلق قبل أن يذبح، وحلق قبل أن يرمي أشياء ذكرها. قال: لا حرج.
وعند أبي داود: «كان يسأل يوم منىّ فيقول: لا حرج، فسأله رجل. فقال: إني حلقت قبل أن
أذبح. قال: إذبح ولا حرج، قال: إني أمسيت، ولم أرمٍ. قال: إرمٍ ولا حرج)). وروى مسلم
من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص. قال: ((وقف رسول الله، عَّه، في حجة الوداع بمنى
للناس يسألونه، فجاء رجل فقال: يا رسول الله، لم أشعر، فحلقت قبل أن أذبح. فقال: إذبح
ولا حرج، ثم جاءه رجل آخر فقال: يا رسول الله، لم أشعر فنحرت قبل أن أرمي، فقال: إرمِ
ولا حرج. قال: فما سئل رسول الله عَّل عن شيء قدم ولا أخر إلاَّ قال: إفعل ولا حرج)).
وأخرجه مسلم من طرق كثيرة.
ثم اعلم أن للعلماء في هذا الباب أقوالاً، فذهب عطاء وطاوس ومجاهد إلى أنه: إن
قدم نسكاً قبل نسك أنه لا حرج عليه، وبه قال الشافعي وأحمد وإسحاق. وقال ابن عباس:
من قدم من حجه شيئاً أو أخره فعليه دم، وهو قول النخعي والحسن وقتادة. واختلفوا إذا حلق
قبل أن يذبح؟ فقال مالك والثوري والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وداود وابن
جرير: لا شيء عليه، وهو نص الحديث، ونقله ابن عبد البر عن الجمهور، منهم عطاء
وطاوس وسعيد بن جبير وعكرمة ومجاهد والحسن وقتادة، وقال النخعي وأبو حنيفة وابن
الماجشون: عليه دم، وقال أبو حنيفة: إن كان قارناً فدمان، وقال زفر: إن كان قارناً فعليه
ثلاثة دماء: دم للقران ودمان لتقدم الحلاق. وقال أبو يوسف ومحمد: لا شيء عليه، واحتجا
بقوله عَّهِ: ((لا حرج))، وفي (التوضيح): وقول أبي حنيفة وزفر مخالف للحديث، فلا وجه
له. قلت: ما خالف إلاّ من جازف، وأبو حنيفة احتج بما رواه ابن أبي شيبة في (مصنفه):
حدثنا سلام بن المطيع أو الأحوص عن إبراهيم بن مهاجر عن مجاهد عن ابن عباس، قال:
من قدم شيئاً من حجه أو أخره فليهرق لذلك دماً. وأخرج أيضاً عن سعيد بن جبير وإبراهيم
النخعي وجابر بن زيد أبي الشعثاء نحو ذالك، وأخرج الطحاوي عن إبراهيم بن مهاجر نحوه،
وأخرجه أيضاً عن ابن مرزوق عن الحصيب عن وهيب عن أيوب عن سعيد بن جبير عن ابن
عباس مثله، ثم أجاب أبو حنيفة عن حديث الباب ونحوه: أن المراد بالحرج المنفي هو
الإثم، ولا يستلزم ذلك نفي الفدية. وقال الطحاوي: هذا ابن عباسٍ أحد من روى عن النبي
عَ لِ أنه: ما سئل يومئذ عن شيء قدم ولا أخر من أمر الحج إلاَّ قال: لا حرج: فلم يكن
معنى ذلك عنده على الإباحة في تقديم ما قدموا، ولا تأخير ما أخروا، مما ذكرنا أن فيه الدم،
ولكن معنى ذلك عنده: على أن الذي فعلوه في حجة النبي عَّهِ كان على الجهل بالحكم
فيه، كيف هو فعذرهم لجهلهم وأمرهم في المستأنف أن يتعلموا مناسكه.
٣٠٤ / ١٧٢٢ - حدّثنا أحْمَدُ بنُ يُونُسَ أخبرنا أبو بَكْرٍ عَنْ عبدِ العَزِيزِ بنِ رُفَيْعٍ عَنْ

٨٥
٢٥ - كتاب الحَجِّ / باب (١٢٦ )
عَطَاءِ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهُما قال رَجُلٌ لِلنَّبِيِّ عَ لِّ زُرْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِي قال لاَ
حَرَجَ قال حَلَقْتُ قَبْلَ أنْ أَذْبَحَ قال لا حَرَجَ قال ذَبَحْتُ قَبْلَ أنْ أُزْمِيَ قال لاَ حَرجَ. [انظر
الحديث ٨٤ وأطرافه].
هذا طريق ثان لحديث ابن عباس أخرجه عن أحمد بن يونس، هو أحمد بن عبد الله
ابن يونس اليربوعي الكوفي عن أبي بكر بن عياش، بتشديد الياء آخر الحروف وبالشين
المعجمة: الأسدي الكوفي، قال البخاري، قال إسحاق: سمعت أبا بكر يقول: إسمي وكنيتي
واحد، وقيل غير ذلك، هو من أفراده، يروي عن عبد العزيز بن رفيع، بضم الراء وفتح الفاء
وسكون الياء وبالعين المهملة: أبو عبد الله الأسدي المكي، سكن الكوفة، وهو يروي عن
عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس.
وقال عَبْدُ الرَّحِيمِ الرَّازِيُّ عنِ ابن خُثَيْمٍ قال أخبرني عَطاءٌ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رضي الله
تعالى عنهما عن النبيِّ عَّته.
هذا طريق ثالث معلق عن عبد الرحيم بن سليمان الأشل الرازي عن ابن خثيم، بضم
الخاء المعجمة وفتح الثاء المثلثة وسكون الياء آخر الحروف، وهو عبد الله بن عثمان بن
خثيم أبو عثمان المكي عن عطاء عن ابن عباس، ووصله الإسماعيلي عن راطيا، قال: حدثنا
الحسن بن حماد حدثنا عبد الرحيم بن سليمان عن عبد الله بن عثمان بن خثيم أخبرني
عطاء عن ابن عباس أن رجلاً قال: يا رسول الله طفت بالبيت قبل أن أرم قال: إرمٍ ولا حرج.
وقال الْقَاسِمُ بنُ يَخيِى قال حدَّثني ابنُ خُشَيْمِعنْ عَطاءِ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ عنِ النبيِّ عَ له
هذا تعليق قاله القاسم بن يحيى عن عطاء الهلالي الواسطي، مات سنة سبع وتسعين
ومائة.
وقال عَفَّانُ أُرَاهُ عَنْ وُهَيْبٍ قال حدثنا ابنُ خُثَيْمٍ عنْ سَعيدٍ بِنِ جُبَيْرٍ عنِ ابنِ عَباسٍ
رضي الله تعالى عنهما عن النبيِّ عَ لّ.
هذا أيضاً تعليق قاله عفان بن مسلم الصفار البصري. قوله: ((أراه))، بضم الهمزة أي:
أظنه، والقائل بهذه اللفظة هو البخاري. وأخرجه أحمد عن عفان بدون قوله: «أراه)) ولفظه:
((جاء رجل فقال: يا رسول الله! حلقت ولم أنحر، قال: لا حرج فانحر، وجاءه آخر فقال: يا
رسول الله! نحرت قبل أن أرمي. قال: فارم ولا حرج).
وقال حَمَّدٌ عنْ قَيْسِ بنِ سَعْدٍ وعَبَّادِ بنِ مَنْصُورٍ عنْ عَطَاءٍ
عنْ جَابِرٍ رضي الله تعالى عنه عَنِ النبيِّ عَ لّه
هذا أيضاً تعليق قاله حماد بن سلمة، وطريق قيس بن سعد المعلق وصله النسائي
والطحاوي والإسماعيلي وابن حبان من طريق عن حماد بن سلمة به نحو سياق عبد العزيز
ابن رفيع، وطريق عباد بن منصور وصله الإسماعيلي عن القاسم. حدثنا محمد بن إسحاق،

٨٦
٢٥ - كتاب الحج / باب ( ١٢٧)
قال: حدثنا يحيى بن إسحاق حدثنا حماد بن سلمة بلفظ: ((سئل عن رجل رمى قبل أن
يحلق، وحلق قبل أن يرمي، وذبح قبل أن يحلق؟ فقال عَّ له: إفعل ولا حرج)).
٢٠٥/ ١٧٢٣ - حدّثنا محَمَّدُ بنُ المُثَنَّى قال حدثنا عَبْدُ الأعْلَى قال حدثنا خالدٌ عنْ
عِكْرِمَةَ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما قال سُئِلَ النبيُّ عَِّ فقال رَمَيْتُ بَعْدَ ما
أُمْسَيْتُ فقال لا حَرَجَ قال حَلَقْتُ قَبْلَ أنْ أَنْحَرَ قال لاَ حَرَجَ. [انظر الحديث ٨٤ وأطرافه].
هذا طريق رابع لحديث ابن عباس، وعبد الأعلى هو ابن عبد الأعلى، وخالد هو
الحذاء، وأخرجه البخاري أيضاً عن علي بن عبد الله عن يزيد بن زريع وأخرجه أبو داود في
الحج أيضاً عن نصر بن علي، وأخرجه النسائي فيه عن محمد بن عبد الله بن زريع، وأخرجه
ابن ماجه عن بکر بن خلف ثلاثتهم عن یزید بن زریع به.
٣٠٦ / ١٧٢٤ - حدّثنا عَبْدَانُ قال أخبَرَني أبي عنْ شُعْبَةَ عنْ قَيْسِ بنِ مُسْلِمٍ عنْ
طَارِقِ بنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي مُوسَى رضي الله تعالى عنه قالَ قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ عَّله وهْوَ
بِالبَطْحَاءِ فقال أحَجَجْتَ قُلْتُ نَعَمْ قال بِمَ أهْلَلْتَ قُلْتُ لَكَيْكَ بِإِهْلالٍ كَإِهْلَاَلِ النبيِّ عَّلِ قال
أحسنْتَ انْطَلِقْ فَطُفْ بِالبَيْتِ وبِالصَّفَاَ والمَروةِ ثُمَّ أَتَيْتُ امْرَأةً مِنْ نِساءِ بَنِي قَيْسٍ فَفَلَتْ
رَأْسِي ثُمَّ أَهْلَلْتُ بِالحَجُّ فَكُنْتُ أُقْتِي بِهِ النَّاسَ حَتَّى خِلافَةٍ عُمَرَ رضي الله تعالى عنه فَذَّكْتُهُ لَهُ
فقال إنْ نأخُذْ بِكِتَابِ الله فإِنَّهُ يأمُرُنَا بِالتَّمَامِ وإِنْ نأْخُذْ بِسُنَّةِ رسولِ اللهِ عَ لَّمِ فإِنَّ رسولَ الله
عَّلِ لَمْ يَحِلَّ حَتَّى بَلَغَ الهَدْيَ مَحِلَّهُ. [انظر الحديث ١٥٥٩ وأطرافه].
مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: ((حتى بلغ الهدي محله))، لأن بلوغ الهدي محله
عبارة عن الذبح، وتأخيره على سبيل الرخصة، وقد مضى الحديث في: باب من أهل في
زمن النبي، عَّلَّه، كإهلال النبي عَّله، أخرجه: عن محمد بن يوسف عن سفيان عن قيس بن
مسلم إلى آخره، وقد تقدم الكلام فيه هناك.
قوله: ((ففلت))، الفاء الأولى للتعقيب، والثانية من نفس الكلمة لأنه من: فليت رأسه
من القمل، إذا أزحته منه، تقول: فلَّى الرجل، وفلَّت المرأة، يفلي فلياً، حاصله: أنه تحلل من
العمرة، ثم بعد ذلك أحرم بالحج فصار متمتعاً، لأنه لم يكن معه الهدي. قوله: ((كنت أفتي
به)) أي: بالتمتع المدلول عليه بسياق الكلام. قوله: ((أن نأخذ بكتاب الله))، وهو قوله تعالى:
﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ [البقرة: ١٩٦]. قوله: ((محله))، بكسر الحاء.
١٢٧ - بابُ مَنْ لَئِّدَ رَأْسَهُ عِنْدَ الإِخْرَامِ وحَلَقَ
أي: هذا باب في بيان من لبد رأسه عند الإحرام وحلق رأسه بعد ذلك عند الإحلال،
قوله: (لبد))، بالتشديد من التلبيد وهو أن يضفر رأسه ويجعل فيه شيئاً من صمغ وشبهه
ليجتمع ويتلبد فلا يتخلله الغبار ولا يصيبه الشعث ولا يحصل فيه قمل، وإنما يفعل ذلك من
طول المكث في الإحرام. قيل: أشار بهذه الترجمة إلى الخلاف فيمن لبد، هل يتعين عليه
الحلق أو لا؟ فنقل ابن بطال عن الجمهور تعين ذلك حتى عن الشافعي، وقال أهل الرأي: لا

٨٧
٢٥ - كتاب الحَجّ / باب ( ١٢٨)
يتعين، بل إن شاء قصر، وبه قال الشافعي في الجديد.
٣٠٧/ ١٧٢٥ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ أخبرنا مالِكٌ عنْ نافِعِ عنِ ابنِ عُمَرَ عَنْ
حَفْصَةَ رضي الله تعالى عنهُمْ أَنَّها قالَتْ يا رَسُولَ الله ما شأنُ النَّاسِ حَلُّوا بِعُمرَةٍ وَلَمْ تَخْلِلْ
أَنْتَ مِنْ عُمْرَتِكَ قال إنِّي لَبَّدْتُ رَأْسِي وقَدْتُ هَذْيِي فَلاَ أَحِلَّ حَتَّى أَنحَرَ. [انظر الحديث
١٥٦٦ وأطرافه].
وجه مطابقته للترجمة في قوله: ((إني لبدت رأسي)). فإن قلت: الترجمة مشتملة على
التلبيد، وعلى الحلق وليس في الحديث تعرض إلى الحلق؟ قلت: قيل: إنه معلوم من حال
النبي عَّلِ أنه حلق رأسه في حجه، وقد ورد ذلك صريحاً في حديث ابن عمر، رضي الله
تعالى عنهما، الذي يأتي في أول الباب الذي بعد هذا الباب، والأوجه أن يقال: إن وجه
المطابقة بين الحديث والترجمة إذا وجد في جزء من الحديث يكفي ويكتفي به، ولا تشترط
المطابقة بين أجزائهما جميعاً، ألا يرى أن في الحديث ذكر تقليد الهدي وليس في الترجمة
ذلك، وهذا الحديث بعينه بهذا الإسناد قد مر في باب التمتع والإقران، وقد ذكرنا أن هذا
الحديث أخرجه الجماعة غير الترمذي، وأنه يدل على أنه، عَّلَّهِ، كان متمتعاً، لأن الهدي
المقلد لا يمنع من الإحلال إلاّ في المتعة خاصة، وإن كان قوله، عَّله، هذا بعد أن يطوف
فلم يطف حتى أحرم صار قارناً، فعلى كل حال إنه يرد قول من قال: إنه كان مفرداً بحجة
لم يتقدمها عمرة، ولم تكن معها عمرة.
١٢٨ - بابُ الْحَلْقِ والتَّقْصِيرِ عِنْدَ الإِخْلاَلِ
أي: هذا باب في بيان الحلق والتقصير عند إحلاله من الإحرام. قيل: أشار البخاري
بهذه الترجمة أن الحلق نسك لقوله: ((عند الإحلال))، وهو قول الجمهور إلاَّ في رواية ضعيفة
عن الشافعي أنه استباحة محظور. قلت: وجمهور العلماء على أن من لبد رأسه وجب عليه
الحلاق، كما فعل النبي عَّهِ، وبذلك أمر الناس عمر بن الخطاب وابن عمر، رضي الله تعالى
عنهما، وهو قول مالك والثوري والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور، وكذلك لو ضفر رأسه
أو عقصه كان حكمه حكم التلبيد، وفي (كامل) ابن عدي من حديث ابن عمر مرفوعاً: ((من
لبد رأسه للإحرام فقد وجب عليه الحلق)»، وقال أبو حنيفة: من لبد رأسه أو ضفره فإن قصر
ولم يحلق أجزأه، وروي عن ابن عباس، رضي الله تعالى عنهما، أنه كان يقول: من لبد أو
عقص أو ضفر فإن نوى الحلق فليحلق، وإن لم ينوه فإن شاء حلق وإن شاء قصر. وقال
شيخنا زين الدين في شرح الترمذي: إن الحلق نسك. قاله النووي، وهو قول أكثر أهل العلم،
وهو القول الصحيح للشافعي. وفيه خمسة أوجه أصحها: أنه ركن لا يصح الحج والعمرة إلا
به. والثاني: أنه واجب. والثالث: أنه مستحب. والرابع: أنه استباحة محظور. والخامس:
أنه ركن في الحج واجب في العمرة وإليه ذهب الشيخ أبو حامد وغير واحد من الشافعية.
١٧٢٦/٣٠٨ - حدّثنا أبو اليَمَانِ قال أخبرنا شُعَيْبُ بنُ أبِي حَمْزَةَ قال نافِعٌ كانَ ابنُ

٨٨
٢٥ - كتاب الحَجّ / باب (١٢٨ )
عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما يَقُولُ حَلَقَ رسولُ اللهِ عَ لِ فِي حَمَّتِهِ. [الحديث ١٧٢٦ -
طرفاه في: ٤٤١٠، ٤٤١١].
مطابقته للترجمة في قوله: ((حلق رسول الله عَّله))، وأبو اليمان الحكم بن نافع، قال
بعضهم: والحديث طرف من حديث طويل أوله: لما نزل الحجاج بابن الزبير، نبه عليه
الإسماعيلي. قلت: روى مسلم من حديث نافع أن ابن عمر أراد الحج عام نزول الحجاج
بابن الزبير ... الحديث، وفيه: ((ولم يحلل من شيء حرم منه حتى كان يوم النحر، فنحر
وحلق)).
قوله: ((في حجته))، وهي حجة الوداع، وقال القاضي عياض: كان يوم الحديبية حين
أمرهم بالحلق، على ما نذكره عن قريب، ويحتمل أنه كان في الموضعين وهو الأشبه، لأن
جماعة من الصحابة توقفت في الحلق فيهما.
ثم الكلام في حلق النبي عَّه وما يتعلق به على أنواع.
الأول في كيفية حلقه عَّةٍ: روى مسلم من حديث أنس: ((أن رسول الله عَ لَّ أتى
من منىّ فأتى الجمرة فرماها، ثم أتى منزله بمنىّ ونحر، وقال للحلاق: خذ، وأشار إلى جانبه
الأيمن ثم الأيسر، ثم جعل يعطيه الناس)). وروى الترمذي من حديث أنس أيضاً قال: ((لما رمى
رسول الله عَّ له الجمرة نحر نسكه، ثم ناول الحالق شقه الأيمن فحلقه، فأعطاه أبا طلحة، ثم
ناوله شقه الأيسر فحلقه فقال: اقسمه بين الناس)). ثم ظاهر رواية الترمذي أن الشعر الذي أمر
أبا طلحة بقسمته بين الناس هو شعر الشق الأيسر، وهكذا رواية مسلم من طريق ابن عيينة،
وأما رواية حفص بن غياث وعبد الأعلى ففيهما أن الشق الذي قسمه بين الناس، هو الأيمن،
وكلا الروايتين عند مسلم، وأما رواية حفص فقال أبو كريب عنه: فبدأ بالشق الأيمن فوزعه
الشعرة والشعرتين بين الناس، ثم قال بالأيسر، فصنع مثل ذلك. وقال أبو بكر في روايته عن
حفص، قال للحلاق: وها، وأشار بيده إلى الجانب الأيمن هكذا، فقسم شعره بين من يليه،
قال: ثم أشار إلى الحلاق إلى الجانب الأيسر فحلقه، فأعطاه أم سليم، وقال يحيى بن يحيى
في روايته عن حفص، ثم قال للحلاق: خذ، وأشار إلى جانبه الأيمن، ثم للأيسر، ثم جعل
يعطيه الناس، فلم يذكر يحيى بن يحيى في روايته أبا طلحة ولا أم سليم، وأما رواية عبد
الأعلى فقال فيها: وقال بيده، فحلق شقه الأيمن فقسمه فيمن يليه، ثم قال: إحلق الشق
الآخر. فقال: أين أبو طلحة؟ فأعطاه إياه.
وقد اختلف أهل الحديث في الاختلاف الواقع في هذا الحديث، فذهب بعضهم إلى
الجمع بينهما، وذهب بعضهم إلى الترجيح لتعذر الجمع عنده، وقال صاحب الفهم: إن قوله:
((لما حلق رسول الله عَ لَّه شق رأسه الأيمن أعطاء أبا طلحة))، ليس مناقضاً لما في الرواية
الثانية أنه قسم شعر الجانب الأيمن بين الناس، وشعر الجانب الأيسر أعطاه أم سليم، وهي
امرأة أبي طلحة وهي أم أنس، رضي الله تعالى عنها .. قال: وحصل من مجموع هذه

٨٩
٢٥ - كتاب الحَجّ / باب ( ١٢٨)
الروايات أن النبي عَ لّه، لما حلق الشق الأيمن ناوله أبا طلحة ليقسمه بين الناس، ففعل أبو
طلحة، وناول شعر الشق الأيسر ليكون عند أبي طلحة، فصحت نسبة كل ذلك إلى من
نسب إليه، والله أعلم. وقد جمع المحب الطبري في موضع إمكان جمعه، ورجح في مكان
تعذره، فقال: والصحيح أن الذي وزعه على الناس الشق الأيمن، وأعطى الأيسر أبا طلحة وأم
سليم، ولا تضاد بين الروايتين، لأن أم سليم امرأة أبي طلحة، فأعطاه، مَّهِ، لهما، فنسب
العطية تارة إليه وتارة إليها. انتهى.
وفي رواية أحمد في (المسند) ما يقتضي أنه أرسل شعر الشق الأيمن مع أنس إلى أمه
أم سليم امرأة أبي طلحة فإنه قال فيها: لما حلق رسول الله، عَّله، رأسه بمنى أخذ شق رأسه
الأيمن بيده، فلما فرغ ناولني فقال: يا أنس إنطلق بهذا إلى أم سليم، قال: فلما رأى الناس ما
خصنا به تنافسوا في الشق الآخر، هذا يأخذ الشيء، وهذا يأخذ الشيء. قال شيخنا زين
الدين: وكأن المحب الطبري رجح رواية تفرقة الشق الأيمن بكثرة الرواة، فإن حفص بن
غياث وعبد الأعلى اتفقا على ذلك عن هشام، وخالفهما ابن عيينة وحده، ثم قال الشيخ:
وقد ترجح تفرقة الأيسر بكونه متفقاً عليه، وتفرقة الأيمن من أفراد مسلم، فقد وقع عند
البخاري من رواية ابن عون عن ابن سيرين ((عن أنس: أن النبي عَ لّم لما حلق كان أبو طلحة
أول من أخذ من شعره))، فهذا يدل على أن الذي أخذه أبو طلحة الأيمن، وإن كان يجوز أن
يقال: أخذه ليفرقه، فالظاهر أنه إنما أراد الذي أخذه أبو طلحة لنفسه، فقد اتفق ابن عون عن
هشام من طريق ابن عيينة عنه، على أن أبا طلحة أخذ الشق الأيمن، واختلف فيه على هشام،
فكانت الرواية التي لا اختلاف فيها أولى بالقبول، والله أعلم.
النوع الثاني: أن فيه ما يدل على وجوب استيعاب حلق الرأس، لأنه عَ لّ حلق جميع
رأسه، وقال: ((خذوا عني مناسككم))، وبه قال مالك وأحمد في رواية، كالمسح في الوضوء،
وقال مالك في المشهور عنه: يجب حلق أكثر الرأس، وبه قال أحمد في رواية، وقال عطاء:
يبلغ به إلى العظمين اللذين عند منتهى الصدغين، لأنهما منتهى نبات الشعر، ليكون مستوعباً
لجميع رأسه. وقال أبو حنيفة: يجب حلق ربع الرأس وقال أبو يوسف: يجب حلق نصف
الرأس، وذهب الشافعي إلى أنه يكفي حلق ثلاث شعرات، ولم يكتف بشعرة أو بعض شعرة،
كما اكتفى بذلك في مسح الرأس في الوضوء.
النوع الثالث: أنه يستدل به على أفضلية الحلق على التقصير، وسنبينه في الحديث
الآتي، إن شاء الله تعالى.
النوع الرابع: أن فيه طهارة شعر الآدمي، وهو قول جمهور العلماء، وهو الصحيح من
مذهب الشافعي، وخالف في ذلك أبو جعفر الترمذي منهم، فخصص الطهارة بشعره عَ له
وذهب إلى نجاسة شعر غيره.
النوع الخامس: فيه التبرك بشعره عَ لَّه، وغير ذلك من آثاره بأبي وأمي ونفسي هو،

٩٠
٢٥ - كتاب الحَجُ / باب ( ١٢٨)
وقد روى أحمد في (مسنده) بسنده إلى ابن سيرين أنه قال: فحدثنيه عبيدة السلماني - يريد:
هذا الحديث - فقال: لأن يكون عندي شعرة منه أحب إلي من كل بيضاء وصفراء على وجه
الأرض. وفي بطنها، وقد ذكر غير واحد أن خالد بن الوليد، رضي الله تعالى عنه، كان في
قلنسوته شعرات من شعره عَ لَّه، فلذلك كان لا يقدم على وجه إلاَّ فتح له، ويؤيد ذلك ما
ذكره الملا في (السيرة): أن خالداً سأل أبا طلحة حين فرق شعره عَّ له بين الناس أن يعطيه
شعر ناصيته، فأعطاه إياه، فكان مقدم ناصيته مناسباً لفتح كل ما أقدم عليه.
النوع السادس: أن فيه أنه لا بأس باقتناء الشعر البائن من الحي وحفظه عنده، وأنه لا
يجب دفنه، كما قال بعضهم: إنه يجب دفن شعور بني آدم، أو يستحب، وذكر الرافعي في
سنن الحلق، فقال: وإذا حلق فالمستحب أن يبدأ بالشق الأيمن ثم بالأيسر، وأن يكون مستقبل
القبلة، وإنما يكبر بعد الفراغ، وأن يدفن شعره. وزاد المحب الطبري فذكر من سننه صلاة
ر کعتین بعده، فسننه إذاً خمسة.
النوع السابع: فيه مواساة الإمام والكبير بين أصحابه فيما يقسمه بينهم، وإن فاضل
بينهم لأمر اقتضى ذلك.
النوع الثامن: فيه أنه لا بأس بتفضيل بعضهم على بعض في القسمة لأمر يراه ويؤدي
إليه اجتهاده، لأنه معَّ لَّ خصص أبا طلحة وأم سليم بشعر أحد الشقين، كما تقدم.
النوع التاسع: أن الحالق المذكور اختلف في تعيينه، فقال البخاري في (صحيحه):
زعموا أنه معمر بن عبد الله، وقال النووي: إنه الصحيح المشهور، قال البخاري في (التاريخ
الكبير): قال علي بن عبد الله: حدثنا عبد الأعلى حدثنا محمد بن إسحاق عن يزيد بن أبي
حبيب عن عبد الرحمن بن عقبة، مولى معمر، عن معمر العدوي قال: ((كنت أرجل لرسول
الله عَّ له حين قضى حجه، وكان يوم النحر، جلس يحلق رأسه، فرفع رأسه فنظر في وجهي،
فقال: يا معمر! أمكنك النبي عَّم من شحمة أذنه، وفي يدك الموسى، فقال: ذاك من الله
تعالى علي وفضله. قال: نعم؟ فحلقته))، وقيل: إن الذي حلق رأسه عليه الصلاة والسلام هو
خراش بن أمية بن ربيعة، حكاه النووي في (شرح مسلم): وقال شيخنا زين الدين، رحمه الله
تعالى: هذا وهمّ من قائله، وإنما حلق رأسه خراش بن أمية يوم الحديبية، وقد بينه ابن عبد
البر، فقال في ترجمة خراش، وهو الذي حلق رأس رسول الله عَّ يوم الحديبية. انتهى. فمن
ذكر أنه حلق له يوم النحر في حجته فقد وهم، وإنما حلق له يوم النحر معمر بن عبد الله
العدوي. كما تقدم، وهو الصواب.
النوع العاشر: أن عند أبي حنيفة يبدأ بيمين الحالق ويسار المحلوق، قاله الكرماني
في (مناسكه) وعند الشافعي: يبدأ بيمين المحلوق، والصحيح عند أبي حنيفة مثله.
النوع الحادي عشر: ما ذكره صاحب (التوضيح)، فقال: يدخل وقت الحلق من
طلوع الفجر عند المالكية، وعندنا بنصف ليلة النحر، ولا آخر لوقته، والحلق بمنىّ يوم النحر

٩١
٢٥ - كتاب الحج / باب ( ١٢٨ )
أفضل. قالوا: ولو أخره حتى بلغ بلده حلق. أو أهدى، فلو وطىء قبل الحلق فعليه هدي،
بخلاف الصيد على المشهور عندهم، وقال ابن قدامة: يجوز تأخيره إلى آخر أيام النحر، فإن
أخره عن ذلك ففيه روايتان، ولا دم عليه، وبه قال عطاء وأبو يوسف وأبو ثور، ويشبه مذهب
الشافعي، لأن الله تعالى بين أول وقته بقوله: ﴿ولا تحلقوا رؤوسكم﴾ [البقرة: ١٩٦]. الآية،
ولم يبين آخره، فمتى أتى به أجزأه، وعن أحمد: عليه دم بتأخيره، وهو مذهب أبي حنيفة،
لأنه نسك أخره عن محله، ولا فرق في التأخير بين القليل والكثير، والساهي والعامد، وقال
مالك والثوري وإسحاق وأبو حنيفة ومحمد: من تركه حتى حل فعليه دم، لأنه نسك فيأتي
به في إحرام الحج كسائر مناسكه.
٣٠٩ / ١٧٢٧ - حدّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ أخبرنا مالِكٌ عنْ نافِعِ عنْ عَبْدِ اللهِ ابنِ
عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما أنَّ رسولَ الله عَ لِّ قال اللَّهُمَّ ارْحَمْ المحَلِّقيْنَ قالُوا والمُقَصِّرِينَ
يا رسولَ الله قال اللَّهُمَّ ارْحَمِ المُحَلَّقينَ قالُوا والمُقَصِّرِينَ يا رسولَ الله قال والمُقَصِّرينَ.
مطابقته للترجمة ظاهرة لأنه في الحلق والتقصير. ورجاله قد ذكروا غير مرة.
وأخرجه مسلم وأبو داود أيضاً بالإسناد المذكور.
قوله: ((اللهم ارحم المحلقين))، هذا الدعاء الذي وقع من النبي عَّم بالتكرار
للمحلقين وإفراد الدعاء للمقصرين، هل كان ذلك في حجة الوداع أو في الحديبية؟ فقال أبو
عمر بن عبد البر: كونه في الحديبية هو المحفوظ. وقال النووي: الصحيح المشهور أنه كان
في حجة الوداع، وقال القاضي عياض: لا يبعد أن النبي عَّ قاله في الموضعين، وما قاله
القاضي هو الصواب جمعاً بين الأحاديث، ففي (صحيح مسلم) من حديث أم الحصين أنه
قاله في حجة الوداع، وقد روي أن ابن إسحاق قال في (السيرة): حدثني ابن أبي نجيح عن
مجاهد ((عن ابن عباس، قال: حلق رجال يوم الحديبية وقصر آخرون، فقال رسول الله عَ لَّه:
اللهم ارحم المحلقين، ثلاثاً. قيل: يا رسول الله! ما بال المحلقين ظاهرت لهم بالترحم؟ قال:
لأنهم لم يشكوا)). فهذا يوضح أنه قاله في الموضعين. وقال الخطابي: كانت عادتهم اتخاذ
الشعر على الرؤوس وتوفيرها وتزيينها، وكان الحلق فيهم قليلا، ويرون ذلك نوعاً من الشهرة،
وكان يشق عليهم الحلق، فمالوا إلى التقصير. فمنهم من حلق ومنهم من قصر لما يجد في
نفسه منه، فمن أجل ذلك سمح لهم بالدعاء بالرحمة، وقصر، بالآخرين إلى أن استعطف
عليهم، فعممهم بالدعاء بعد ذلك. فإن قلت: ما معنى قوله: ((لم يشكوا))؟ وما المراد بالشك
ووجود الشك من الصحابة مشكل. قلت: معناه لم يشكوا أن الحلاق أفضل قيل: فيه نظر،
لأن الصحابة، رضي الله تعالى عنهم، إذا رأوا النبي ◌َّ فعل فعلاً رأوه أفضل، وإنما كانوا
يقصدون متابعته. قوله: ((والمقصرين)) عطف على محذوف تقديره: قل: وارحم المقصرين
أيضاً، ويسمى مثل هذا: بالعطف التلقيني، كما في قوله تعالى: ﴿إني جاعلك للناس إماماً
قال، ومن ذريتي﴾ [البقرة: ١٢٤]. وفيه: ما يدل على أفضلية الحلق لأنه أبلغ في العبادة

٩٢
٢٥ - كتاب الحَجّ / باب (١٢٨)
وأدل على صدق النية في التذلل لله، لأن المقصر مبق على نفسه من زينته التي قد أراد الله
تعالى أن يكون الحاج مجانباً لها. وقيل: ما ذكر من أفضلية الحلق على التقصير إنما هي في
حقّ الرجال دون النساء، لورود النهي عن حلق النساء، وروى أبو داود من حديث ابن عباس،
رضي الله تعالى عنهما، قال: قال رسول الله عَّله: ((ليس على النساء الحلق، إنما على النساء
التقصير)). وروى الترمذي عن علي، رضي الله تعالى عنه، قال: نهى رسول الله عَّلِ أن تحلق
المرأة رأسها)). وقال الترمذي: وروي هذا الحديث: عن حماد بن سلمة عن قتادة ((عن عائشة
أن النبي عَِّ نهى أن تحلق المرأة رأسها)).
وقالَ اللَّيْثُ حدَّثني نافَعٌ رَحِمَ الله المُحَلِّقِينَ مَرَّةً أَوْ مَرَّتِيْنِ وقال عُبَيْدُ الله حدَّثني
نافعٌ وقال في الرَّابِعَةِ والمقَصِّرِينَ
هذا التعليق وصله مسلم ولفظه: ((رحم الله المحلقين، مرة أو مرتين. قالوا:
والمقصرين؟ قال: والمقصرين)) الشك فيه من الليث وإلاَّ فأكثر الرواة يوافقون لما رواه مالك،
فإن معظم الروايات عن مالك إعادة الدعاء للمحلقين مرتين، وعطف المقصرين عليه في
المرة الثالثة، وانفرد يحيى بن بكير دون رواة (الموطأ) بإعادة ذلك ثلاث مرات نبه عليه ابن
عبد البر في (التقصي) ولم ينبه عليه في (التمهيد) بل قال فيه: إنهم لم يختلفوا على مالك
في ذلك.
١٧٢٨/٣١٠ - حدثنا عَيَّاشُ بنُ الوَلِيدِ قال حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ فُضَيْلِ قال حدَّثنا عُمَارَةُ
ابْنُّ القَعْقَاعِ عَنْ أَبِي زرْعَةَ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنه قال قال رسولُ اللهِ عَ لِ اللَّهُمَّ
اغْفِرْ لِلْمُحَلِّقِينَ قَالُوا ولِلْمُقَصِّرِينَ قال اللَّهُمَّ اغْفِر لِلْمُحَلِّقِينَ قالُوا ولِلْمُقَصِّرِينَ قَالَهَا ثلاثاً
قال ولِلْمُقَصِّرِينَ.
مطابقته للترجمة ظاهرة.
ذكر رجاله: وهم خمسة: الأول: عياش، بتشديد الياء آخر الحروف وبالشين
المعجمة: هو الرقام، ووقع في رواية ابن السكن عباس، بالباء الموحدة والسين المهملة، وقال
أبو علي الجياني، والأول أرجح. الثاني: محمد بن الفضيل، بضم الفاء - مصغر الفضل - بن
غزوان أبو عبد الرحمن الضبي. الثالث: عمارة، بضم العين المهملة وتخفيف الميم: ابن
القعقاع، بفتح القاف الأولى وسكون العين المهملة: ابن شبرمة. الرابع: أبو زرعة بن عمرو بن
جرير بن عبد الله البجلي، قيل: اسمه هرم، وقيل: عبد الله، وقيل: عبد الرحمن، وقيل: جرير.
الخامس: أبو هريرة، رضي الله تعالى عنهم.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع. وفيه: العنعنة في
موضعين. وفيه: القول مكرراً. وفيه: أن شيخه بصري وبقية الرواة كوفيون. وفيه: أن رواية
محمد بن فضيل عن عمارة من أفراده، ورواية عمارة عن أبي زرعة من أفراده، وتابع أبا زرعة
عليه عبد الرحمن بن يعقوب.

٠
٩٣
٢٥ - كتاب الحَجّ / باب ( ١٢٨ )
أخرجه مسلم بعد أن أخرج حديث أبي زرعة عن أبي هريرة، رضي الله تعالى عنه،
قال: قال رسول الله، عَّهِ: ((اللهم اغفر للمحلقين ... )) إلى آخره نحو رواية البخاري، قال:
وحدثني أمية بن بسطام حدثنا يزيد بن زريع حدثنا روح عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة،
رضي الله تعالى عنه، عن النبي عَ لّه بمعنى حديث أبي زرعة عن أبي هريرة، وأبو العلاء هو
عبد الرحمن بن يعقوب المذكور وهو من أفراد مسلم.
ذكر معناه: قوله: ((اغفر للمحلقين))، وقد مر في حديث ابن عمر، رضي الله تعالى
عنهما: ((ارحم المحلقين))، قال الداودي: يحتمل أن يكون بعض الناقلين رواه على المعنى أو
إحدى الروايتين، وهمّ، أو قالهما عَّلَِّ جميعاً. قوله: ((قالها ثلاثاً) أي: قال: اغفر للمحلقين،
ثلاث مرات، وفي الرابعة قال: ((للمقصرين))، وفي حديث ابن عمر الذي مضى آنفاً قال:
للمقصرين، بعد الثانية، وفي رواية الترمذي عن ابن عمر قال: رحم الله المحلقين مرة أو
مرتين، ثم قال: والمقصرين، وفي حديث ابن عباس أخرجه ابن ماجه، ((قيل: يا رسول الله!
لم ظاهرت المحلقين ثلاثاً والمقصرين واحدة؟)) وقد ذكرناه من رواية ابن إسحاق، وابن
ماجه أخرجه من طريقه، وفي حديث أم الحصين أخرجه مسلم والنسائي: ((دعا للمحلقين
ثلاثاً وللمقصرين مرة)). وفي حديث أبي سعيد أخرجه ابن أبي شيبة: ((رأيت النبي عَ ◌ّه يقول
بيده: يرحم الله المحلقين، فقال رجل: يا رسول الله، والمقصرين؟ قال في الثالثة:
والمقصرين)). وفي حديث أبي مريم، أخرجه أحمد في (مسنده) أنه سمع رسول الله عَّه.
يقول: ((اللهم اغفر للمحلقين اللهم اغفر للمحلقين، قال: يقول رجل من القوم: والمقصرين؟
فقال رسول الله عَّهِ في الثالثة أو الرابعة، والمقصرين. قال وأنا يومئذ محلوق الرأس، فما
يسرني بحلق رأسي حمر النعم)).
وفي حديث حبشي بن جنادة، رواه ابن أبي شيبة قال: قال رسول الله عَّ ه: ((أللهم
اغفر للمحلقين قالوا: يا رسول الله، والمقصرين؟ قال: اللهم اغفر للمقصرين)). وفي حديث
جابر بن عبدالله أخرجه أبو قرة يقول: حلق رسول الله، عَّله، يوم الحديبية، فحلق ناس كثير
من أصحابه حين رأوه حلق، وقال آخرون: والله ما طفنا بالبيت فقصروا، فقال رسول الله
عَّ له: ((يرحم الله المحلقين، وقال في الرابعة: والمقصرين)). وفي حديث قارب أخرجه ابن
منده في الصحابة من طريق ابن عيينة عن إبراهيم بن ميسرة عن وهب بن عبد الله بن قارب
عن أبيه عن جده أن النبي عَّلِ قال: ((يرحم الله المحلقين))، وقال أبو عمر: ولا أحفظ هذا
الحديث من غير رواية ابن عيينة وغير الحميدي، والحميدي يقول: قارت أو مارب، وغير
الحميدي يقول: قارب من غير شك، وهو الصواب وهو مشهور معروف من وجوه ثقيف.
انتهى. وقارب هو: ابن عبد الله بن الأسود بن مسعود الثقفي، ويقال له أيضاً: قارب بن
الأسود، ينسب إلى جده، وأم الحصين المذكورة لا يعرف اسمها، وهي صحابية، رضي الله
تعالى عنها، شهدت حجة الوداع، وهي من أحمس ثم من بجيلة، وأبو مريم اسمه مالك بن
ربيعة السلولي صحابي، رضي الله تعالى عنه، سكن البصرة وهو والد يزيد بن أبي مريم،

٩٤
٢٥ - كتاب الحَجّ / باب (١٢٨)
وحبشي بن جنادة سلولي أيضاً صحابي سكن الكوفة.
١٧٢٩/٣١١ - حدّثنا عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ بنِ أسْمَاءَ قال حدَّثنا جُوَيْرِيَّةُ بنُ أسْماءَ عَنْ
نافَعِ أنَّ عَبْدَ الله قال حلَقَ النبيُّ عَلَّه وطَائِفَةٌ مِنْ أصْحَابِهِ وقصَّرَ بَعْضُهُم. [انظر الحديث
١٦٣٩ وأطرافه].
مطابقته للترجمة ظاهرة، وعبد الله بن محمد بن أسماء بن عبيد بن مخراق البصري
ابن أخي جويرية بن أسماء، مات سنة إحدى وثلاثين ومائتين، وأسماء من الأعلام المشتركة
بين الذكور والإناث، وجويرية مصغر الجارية ابن أسماء بن عبيد البصري، مات سنة ثلاث أو
أربع وسبعين ومائة، وقال المزي في (الأطراف) حديث حلق النبي عَ لّه وطائفة من أصحابه
وقصر بعضهم، أخرجه البخاري في الحج عن موسى بن إسماعيل وعبد الله بن محمد بن
أسماء كلاهما عنه به، هكذا ذكره خلف وذكره أبو مسعود عن موسى وحده، والذي وجدناه
في (الصحيح): عن عبد الله وحده فيه إثبات الحلق والتقصير، وقد مر الكلام فيه.
١٧٣٠/٣١٢ - حدّثنا أبُو عَاصِمِ عنِ ابنِ جُرَيْجٍ عنِ الْحَسَنِ بنِ مُسْلِمٍ عَنْ طَاؤُسٍ
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عنْ مُعاوِيَةَ رضي الله تعالى عنهم قال قَصَّرْتُ عنْ رسولِ اللهِ عَلَّهِ بِشْقَصٍ.
مطابقته للترجمة في قوله: ((قصرت عن رسول الله عَّةٍ)) وفيه: الإشارة إلى جواز
التقصير وإن كان الحلق أفضل، وأبو عاصم النبيل الضحاك بن مخلد، وابن جريج عبد الملك
ابن عبد العزيز بن جريج والحسن بن مسلم بن يناق، مات قبل طاوس وقبل أبيه مسلم،
والرواة كلهم مكيون سوى أبي عاصم شيخه فإنه بصري، ومعاوية هو ابن أبي سفيان. وفيه:
رواية صحابي عن صحابي.
قوله: ((عن ابن جريج عن الحسن))، وفي رواية مسلم: عن جريج، قال: حدثني
الحسن بن مسلم عن طاوس عن ابن عباس: أن معاوية بن أبي سفيان أخبره قال: قصرت عن
رسول الله عَّ الله بمشقص، وهو على المروة، أو: رأيته يقصر عنه بمشقص، وهو على المروة،
وفي لفظ له: قال ابن عباس: قال لي معاوية: أعلمت أني قد قصرت من رأس النبي عَّ
عند المروة بمشقص؟ فقلت له: لا أعلم هذه إلاَّ حجة عليك. وقال النووي: وهذا الحديث
محمول على أن معاوية قصر عن النبي عَّله في عمرة الجعرانة، لأن النبي عَّه في حجة
الوداع كان قارناً، وثبت أنه حلق بمنىّ، وفرق أبو طلحة شعره بين الناس، فلا يجوز حمل
تقصير معاوية على حجة الوداع، ولا يصح حمله أيضاً على عمرة القضاء الواقعة سنة سبع من
الهجرة، لأن معاوية لم يكن يومئذ مسلماً، إنما أسلم يوم الفتح سنة ثمان، هذا هو الصحيح
المشهور، لا يصح قول من حمله على حجة الوداع، وزعم أنه عَُّلِّ كان متمتعاً لأن هذا
غلط فاحش، فقد تظاهرت الأحاديث في مسلمٍ وغيره أن النبي عَّهِ قيل له: ما شأن الناس
حلوا ولم تحل أنت؟ فقال: إني لبَّدت رأسي وقلَّدت هدبي فلا أحل حتى أنحر الهدي، وفي
رواية: حتى أحل من الحج. انتهى. قيل: لعل معاوية قصر عنه في عمرة الجعرانة فنسي بعد

٩٥
٢٥ - كتاب الحَجّ / باب (١٢٩ )
ذلك، وظن أنه كان في حجته فإن قلت: قد وقع في رواية أحمد من طريق قيس بن سعد
عن عطاء أن معاوية حدث أنه أخذ من أطراف شعر رسول الله عَ لّم في أيام العشر بمشقص
معي وهو محرم؟ قلت: قالوا: إنها رواية شاذة، وقد قال قيس بن سعد عقيبها: والناس ينكرون
ذلك، وقيل: يحتمل أن يكون في قول معاوية: قصرت عن رسول الله عَّله بمشقص، حذف
تقديره: قصرت أنا شعري عن أمر رسول الله عَّةٍ.
قلت: يرد هذا ما في رواية أحمد: قصرت عن رأس رسول الله عَ لِ عند المروة،
أخرجه من طريق جعفر بن محمد عن أبيه عن ابن عباس، وقال ابن حزم: يحتمل أن يكون
معاوية قصر رأس رسول الله عَ ليه بقية شعر لم يكن الحلاق استوفاه يوم النحر، ورد عليه بأن
الحالق لم يبق شعراً يقصر، ولا سيما وقد قسم عَّله شعره بين الصحابة الشعرة والشعرتين،
وأيضاً فالنبي عَّلِّ لم يسعَ بين الصفا والمروة إلاَّ سعياً واحداً في أول ما قدم، فماذا كان
يصنع عند المروة؟ قوله: ((بمشقص))، بكسر الميم وسكون الشين المعجمة وفتح القاف وفي
آخره صاد مهملة، قال أبو عبيد: هو النصل الطويل وليس بالعريض، وقال ابن فارس وغيره:
هو سهم فيه نصل عريض، وقال الجوهري: المشقص هو كل نصل طال وعرض، وقال أبو
عمر: وهو الطويل غير العريض.
١٢٩ - بابُ تَقْصِيرِ المُتَمَتِّعِ بَعْدَ العُمْرَةِ
أي: هذا باب في بيان تقصير المتمتع بعد إحلاله من عمرته.
١٧٣١/٣١٣ - حدّثنا محَمَّدُ بنُ أبِي بَكْرٍ قال حدَّثنا فُضَيْلُ بنُ سُلَيْمَانَ قال حدَّثنا
مُوسَى بِنُ عُقْبَةَ أخبرني كُرَيْبٌ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما قال لَمَّا قَدِمَ النبيُّ عَلَه
مَكّةَ أَمَرَ أضْحَابَهُ أنْ يَطُوفُوا بِالبَيْتِ وبِالصَّفَا والمَزْوَةِ ثُمَّ يَحِلُوا وَيَخْلِقُوا أَوْ يُقَصِّرُوا. [انظر
الحديث ١٥٤٥ وطرفه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((أو يقصروا))، والحديث من أفراده، ومحمد بن أبي بكر
ابن علي بن عطاء بن مقدم أبو عبد الله الثقفي مولاهم المعروف بالمقدمي البصري، وفضيل
- تصغير فضل - بن سليمان البصري، وموسى بن عقبة ابن أبي عياش الأسدي المديني،
مات سنة أربعين ومائة.
وفيه: التخيير بين الحلق والتقصير، وقد أجمع العلماء على أن التقصير مجزىء في
الحج والعمرة معاً إلاَّ ما حكاه ابن المنذر عن الحسن البصري أنه كان يقول: يلزمه الحلق
في أول حجة ولا يجزيه التقصير. قلت: فيه نظر، لأن ابن أبي شيبة روى في (مصنفه) عن
عبد الأعلى عن هشام عن الحسن في الذي لم يحج قط، إن شاء حلق وإن شاء قصر، وهذا
إسناد صحيح إلى الحسن يرد ما حكاه ابن المنذر عنه، نعم حكي ذلك عن إبراهيم النخعي،
قال ابن أبي شيبة: حدثنا جرير عن مغيرة عن إبراهيم قال: إذا حج الرجل أول حجة حلق،
وإن حج مرة أخرى إن شاء حلق وإن شاء قصر، والحلق أفضل، وإذا اعتمر الرجل ولم يحج

٩٦
٢٥ - كتاب الحَجّ / باب (١٣٠ )
قط فإن شاء حلق وإن شاء قصر، فإن كان متمتعاً قصر ثم حلق، والظاهر أن هذا الكلام من
إبراهيم ليس على سبيل الوجوب، بل الفضل والاستحباب، بدليل ما رواه ابن أبي شيبة عن
غندر عن شعبة عن منصور عن إبراهيم قال: كانوا يحبون أن يحلقوا في أول حجة وأول
عمرة، وروي أيضاً عن وكيع عن سفيان عن منصور عن إبراهيم قال: كانوا يستحبون للرجل
أول ما يحج أن يحلق وأول ما يعتمر أن يحلق.
١٣٠ _ بابُ الزِّيَارَةِ يَوْمَ النَّخرِ
أي: هذا باب في بيان زيارة الحج البيت لأجل الطواف به يوم النحر، والمراد به
طواف الزيارة الذي هو ركن من أركان الحج، وسمي طواف الإفاضة أيضاً.
وقال أبُو الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ وابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهم
أَخَّرَّ النبيُّ عَِّ الزِّيارَةَ إِلَى اللَّيْلِ
أبو الزبير، بضم الزاي وفتح الباء الموحدة وسكون الياء آخر الحروف: واسمه محمد
ابن مسلم بن تدرس، بلفظ المخاطب من المضارع من الدراسة، مر في: باب من شكی
إمامه، وهذا تعليق وصله الترمذي عن محمد بن بشار حدثنا عبد الرحمن بن مهدي حدثنا
سفيان عن أبي الزبير عن ابن عباس وعائشة: أن النبي عَّهِ أخر طواف الزيارة إلى الليل، قال
أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، وأخرجه أبو داود أيضاً عن محمد بن بشار. وأخرجه
النسائي عن محمد بن المثنى عن ابن مهدي. وأخرجه ابن ماجه عن بكر بن خلف، وقال
البيهقي في سننه: وأبو الزبير سمع من ابن عباس، وفي سماعه عن عائشة رضي الله تعالى
عنها نظر، قاله البخاري، فإن قلت: هذا يعارض ما رواه ابن عمر وجابر وعائشة رضي الله
تعالى عنهم، عن النبي عَِّ أنه طاف يوم النحر نهاراً؟ والحديثان عن بن عمر وجابر عند
مسلم. أما حديث ابن عمر فإنه أخرجه من طريق عبد الرزاق عن عبيد الله ابن عمر عن نافع
عن ابن عمر، رضي الله تعالى عنه، أن رسول الله عَّ له أفاض يوم النحر ثم رجع فصلى الظهر
بمنى، ورواه أبو داود والنسائي أيضاً. وأما حديث جابر فإنه أخرجه من رواية جعفر بن محمد
عن جابر في الحديث الطويل وفيه: ((ثم ركب رسول الله عَ ليه فأفاض إلى البيت فصلى بمكة
الظهر ... )) الحديث. وأما حديث عائشة فأخرجه أبو داود من طريق ابن إسحاق عن عبد
الرحمن بن القاسم عن أبيه ((عن عائشة قالت: أفاض رسول الله عَّ من آخر يومه حين صلى
الظهر ثم رجع إلى منى فمكث بها ليالي التشريق)).
فهذه الأحاديث تدل على أنه طاف طواف الزيارة يوم النحر، وحديث الباب يدل على
أنه أخره إلى الليل. قلت: أجيب عن هذا بوجوه. الأول: إن الأحاديث الثلاثة يحمل على
اليوم الأول، وحديث الباب يحمل على بقية الأيام. الوجه الثاني: أن حديث الباب يحمل
على أنه أخر ذلك إلى ما بعد الزوال، فكان معناه: أخر طواف الزيارة إلى العشي، وأما الحمل
على ما بعد الغروب فبعيد جداً لما ثبت في الأحاديث الصحيحة المشهورة من أنه معَ له

٩٧
٢٥ - كتاب الحَجِّ / باب (١٣٠ )
طاف يوم النحر نهاراً وشرب من سقاية زمزم. الوجه الثالث: ما ذكره ابن حبان من أنه معَّه
رمى جمرة العقبة ونحر ثم تطيب للزيارة ثم أفاض فطاف بالبيت طواف الزيارة، ثم رجع إلى
منى فصلى الظهر بها والعصر والمغرب والعشاء، ورقد رقدة بها، ثم ركب إلى البيت ثانياً
وطاف به طوافاً آخر بالليل. فإن قلت: روى أحمد في (مسنده): عن عائشة وابن عمر أن
رسول الله عَ لّه زار ليلاً؟ قلت: الظاهر أن المراد منه طواف الوداع أو طواف زيارة محضة،
وقد ورد حديث رواه البيهقي أن رسول الله عَّلو كان يزور البيت كل ليلة من ليالي منىّ فإن
قلت: ما تقول في الحديث الذي أخرجه البيهقي عن عائشة: أن رسول الله، عَّله، أذن
لأصحابه فزاروا البيت يوم النحر ظهراً، وزار رسول الله عَّ لة مع نسائه ليلاً؟ قلت: هذا
حديث غريب جداً، فلا يعارض الأحاديث المذكورة المشهورة.
ويُذْكَزْ عَنْ أَبِي حَسَّانَ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهُما أنَّ النبيَّ عَ لِ كانَ
يَزُورُ الْبَيْتَ أَيَّامَ مِنىّ
أبو حسان: اسمه مسلم بن عبد الله العدوي البصري المشهور بالأجرد، ويقال له:
الأعرج أيضاً، وهذا التعليق وصله البيهقي عن أبي الحسن بن عبدان: أنبأنا أحمد بن عبيد
الصفار حدثنا المعمري حدثنا ابن عرعرة قال: دفع إلينا معاذ بن هشام كتاباً قال: سمعته من
أبي ولم يقرأه، قال: فكان فيه: عن قتادة عن أبي حسان عن ابن عباس، رضي الله تعالى
عنهما، أن النبي عَّهِ كان يزور البيت كل ليلة ما دام بمنىّ، قال: وما رأيت أحداً واطأه عليه،
ورواه الطبراني أيضاً من طريق قتادة عنه، وقال ابن المديني في (العلل): روى قتادة حديثاً
غريباً لا نحفظه عن أحد من أصحاب قتادة إلاَّ من حديث هشام، فنسخته من كتاب ابنه معاذ
ابن هشام، ولم أسمعه منه عن أبيه عن قتادة: حدثني أبو حسان عن ابن عباس أن النبي عَ ◌ّ
كان يزور البيت كل ليلة ما أقام بمنى، وقال الأثرم: قلت لأحمد: تحفظ عن قتادة؟ فذكر هذا
الحديث، فقال: كتبوه من كتاب معاذ، قلت: فإن هنا إنساناً يزعم أنه سمعه من معاذ، فأنكر
ذلك وأشار الأثرم بذلك إلى إبراهيم بن محمد بن عرعرة، فإن من طريقه أخرجه الطبراني
بهذا الإسناد. قلت: ولرواية أبي حسان هذه شاهد مرسل أخرجه ابن أبي شيبة عن ابن أبي
عيينة: حدثنا ابن طاوس عن أبيه أن النبي، عَّهِ كان يفيض كل ليلة، يعني: ليالي منىّ.
... / ١٧٣٢ _ وقالَ لَنا أَبُو نُعَيْم قال حدَّثنا سُفْيانُ عَنْ عُبَيْدِ الله عن نافِعِ عنِ ابنِ
عُمرَ رضي الله تعالى عنهما أنَّهُ طافَ طَوَافاً واحِداً ثُمَّ يَقِيلُ ثُمَّ يأْتِي مِنىّ يَعْنِي يَوْمَ النَّخْرِ
ورفَعَهْ عَبْدُ الرَّزَّاقِ قال أخبرنا عُبَيْدُ اللهِ.
مطابقته للترجمة في قوله: ((ثم يأتي منى يوم النحر))، ومقتضاه أن يكون خرج منها
إلى مكة لأجل الطواف قبل ذلك. وأبو نعيم هو الفضل بن دكين، ودكين لقب عمرو بن
حماد والد الفضل القرشي التيمي الكوفي الأحول، وسفيان هو ابن عيينة، وعبيد الله بن عمر
ابن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب العمري.
عمدة القارىء / ج ١٠ / م٧

٩٨
٢٥ - كتاب الحَجِّ / باب (١٣٠ )
قوله: ((ورفعه قال)) أي: أبو نعيم، رفع الحديث المذكور عبد الرزاق إلى رسول الله
عَّلِ ووصل التعليق المذكور مسلم: أنبأنا محمد بن رافع عن عبد الرزاق عن عبيد الله عن
نافع عن ابن عمر: أن النبي، عَِّ، أفاض يوم النحر ثم رجع فصلى الظهر بمنىّ، ويذكر أن
النبي عَِّ فعله، وهذا صريح أنه عَّهِ صلى الظهر يوم النحر بمنىّ. وفي (الصحيح) أيضاً من
حديث جابر: فصلى يوم النحر بمكة الظهر، قال ابن حزم: وكذا قالته عائشة، رضي الله تعالى
عنها، قال أبو محمد: وهذا هو الفصل الذي أشكل علينا الفصل فيه لصحة الطرق في كل
ذلك، ولا شك في أن أحد الخبرين وهم، ولا ندري أيهما هو. انتهى.
قلت: الأحاديث كلها صحيحة ولا شيء من وهم في ذلك أصلاً، وذلك لأن
رجوعه، عَ ◌ِّ، إلى منىّ، في وقت الظهر ممكن، لأن النهار كان طويلاً. وإن كان قد صدر
منه، عَّهِ، في صدر هذا النهار، وأحاديث عائشة ليست ناصة أنه، عَّله، صلى الظهر بمكة،
بل محتملة أن كان المحفوظ في الرواية حتى صلى الظهر، وإن كانت الرواية: حين صلى
الظهر، وهو الأشبه، فإن ذلك على أنه، عَّةٍ، صلى الظهر بمنى، قبل أن يذهب إلى البيت،
وهو محتمل، والله أعلم. وقال محب الدين الطبري: الجمع بين الروايات كلها ممكن، إذ
يحتمل أن يكون صلَّى منفرداً في أحد الموضعين، ثم مع جماعة في الآخر، أو صلى
بأصحابه بمنى، ثم أفاض فوجد قوماً لم يصلوا فصلى بهم، ثم لما رجع إلى منى، وجد قوماً
آخرين فصلى بهم لأنه، عَّلَّه، لا يتقدمه أحد في الصلاة، أو كرر الصلاة بمكة ومنى ليتبين
جواز الأمرين في هذا اليوم توسعة على الأمة، ويجوز أن يكون أذن في الصلاة في أحد
الموضعین فنسبت إليه.
فإن قلت: كيف الجمع بين حديث الباب وبين الحديث الذي رواه أبو داود من
حديث أم سلمة عن النبي عَّ أنه قال: ((إن هذا اليوم أرخص الله تعالى لكم إذا رميتم
الجمرة أن تحلوا - يعني: من كل شيء - حرمتم إلاَّ النساء، فإذا أمسيتم قبل أن تطوفوا صرتم
حرماً كهيئتكم قبل أن ترموا الجمرة حتى تطوفوا به)) ففي هذا الحديث إن من أخّر طواف
الإفاضة حتى أمسى عاد محرماً كما كان قبل رمي الجمرة، يحرم عليه لبس المخيط وغيره
من محرمات الإحرام. قلت: حديث أم سلمة هذا شاذ، أجمعوا على ترك العمل به. وقال
المحب الطبري: وهذا حكم لا أعلم أحداً قال به، وإذا كان كذلك فهو منسوخ والإجماع،
وإن كان لا ينسخ، فهو يدل على وجود ناسخ وإن لم يظهر، والله أعلم.
٣١٤ /١٧٣٣ _ حدَّثنا يَحْيَى بنُ بُكَيْرٍ قال حدَّثنا اللَّيْثُ عَنْ جَعْفَرِ بنِ رَبِيعَةَ عَنِ
الأَعْرَج قال حدَّثني أبُو سَلَمَةَ بنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ أنَّ عائِشَةَ رضي الله تعالى عنها قالَتْ حَجَجْنَا
مَعَ النَّبِيِّ عَّ ◌َّهِ فَأَفَضْنا يَوْمَ النَّحْرِ فَحَاضَتْ صَفِيَّةُ فَأرَادَ النبيُّ عَ لَّهِ مِنْهَا ما يُرِيدُ الرَّجُلُ مِنْ
أَهْلِهِ فَقُلْتُ يا رسولَ الله إنَّهَا حائِضٌ قال حَابِسَتُا هِي قَالُوا يَا رَسولَ الله أَفَاضَتْ يَوْمَ النَّحْرِ
قال اخْرُجُوا. [انظر الحديث ٢٩٤ وأطرافه].

٩٩
٢٥ - كتاب الحَجِّ / باب (١٣٠ )
مطابقته للترجمة في قوله: ((فأفضنا يوم النحر))، لأن معناه: طفنا طواف الإفاضة يوم
النحر.
ذكر رجاله: وهم ستة: الأول: يحيى بن بكير، بضم الباء الموحدة، وهو يحيى بن عبد
الله بن بكير. الثاني: الليث بن سعد. الثالث: جعفر بن ربيعة ابن شرحبيل بن حسنة
القرشي. الرابع: الأعرج واسمه عبد الرحمن بن هرمز. الخامس: أبو سلمة بن عبد الرحمن
ابن عوف. السادس: أم المؤمنين، عائشة، رضي الله تعالى عنها.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين وبصيغة الإفراد في
موضع. وفيه: العنعنة في موضعين. وفيه: القول في موضعين. وفيه: أن الثلاثة الأول من الرواة
مصريون والاثنان مدنيان. وفيه: أن شيخه بنسبته إلى جده، والليث مذكور مجرداً وعبد
الرحمن بن هرمز مذكور بلقبه.
والحديث أخرجه النسائي أيضاً في الحج عن عبد الملك بن شعيب بن الليث بن
سعد عن أبيه عن جده به.
ذكر معناه: قوله: ((فأفضنا))، من الإفاضة أي: طفنا طواف الإفاضة. قوله: ((صفية)) هي
بنت حيي بن أخطب أم المؤمنين. قوله: ((فأراد النبي عَّلَِّ منها)) أي: من صفية: ((ما يريد
الرجل من أهله)) أي: من زوجته، وهذا كناية عن إرادة الجماع، وهذا من محاسن مراعاة
عائشة طرق كلامها حيث لم تصرح باسم من أسماء الجماع. قوله: ((حابستنا هي)) جملة
إسمية فقوله: ((هي)) مبتدأ، و((حابستنا)) خبره، ولا يجوز العكس إلاَّ أن يقال: الهمزة مقدرة
قبل: حابستنا، فيجوز الأمر أن حينئذ لأن كلمة: هي، وإن كانت مضمرة لكنها ظاهرة. قوله:
((قال: اخرجوا)) أي: قال رسول الله عَ ليه لما سمع منهم أنهم قالوا أفاضت صفية يوم النحر:
أخرجوا، وكان ظن أنها لم تطف طواف الزيارة فتحبسهم إلى أن تطهر فتطوف طواف
الزيارة، فلما قالوا: إنها أفاضت يوم النحر قال لهم: أخرجوا يعني: إرحلوا، ورخص لها في
ترك طواف الوداع لأنه ليس بواجب على قول أكثر العلماء إلاَّ خلافاً شاذاً يروى عن بعض
السلف أنها لا تنفر حتى تودع، والحديث حجة عليه. وفي (شرح المهذب): إذا ترك طواف
الوداع لزمه دم، هذا هو الصحيح عند الشافعي، وبه قال أكثر العلماء، فهو واجب. وقال مالك
وداود وابن المنذر: هو سنة لا شيء في تركه، وعن مجاهد روايتان كالمذهبين.
ومن فوائد هذا الحديث ما قاله القرطبي، قوله: ((حابستنا هي)) دليل أن الكري يحبس
على التي حاضت ولم تطف طواف الإفاضة حتى تطهر، وهو قول مالك، وقال الشافعي: لا
يحبس عليها كري، ولتكر حملها أو يحمل مكانها غيرها، وهذا كله في الأمن ووجود ذي
المحرم، وأما مع الخوف أو عدم ذي المحرم فلا تحبس باتفاق، إذ لا يمكن أن يسير بها
وحدها، ويفسخ الكرى ولا يحبس عليها الرفقة. ومن فوائده: أن في قولها: ((فأراد منها ما يريد
الرجل من أهله)): أنه لا بأس بالإعلام بذلك، وإنما المكروه أن يغشاها حيث يُسمع أو يُرى.

١٠٠
٢٥ - كتاب الحَجّ / باب (١٣١ )
ويُذْكَرُ عَنِ القَاسِمِ وَعُزْوَةَ والأسْوَدِ عنْ عَائِشَةَ رضي الله تعالى
عنها أفاضَتْ صَفِيَّةُ يَوْمَ النّخرِ
أشار البخاري بهذه الصيغة إلى أن أبا سلمة بن عبد الرحمن لم ينفرد عن عائشة في
روايته عنها بذلك، أما طريق القاسم فقد أخرجه مسلم: حدثنا عبد الله بن مسلمة بن قعنب
قال: حدثنا أفلح عن القاسم بن محمد ((عن عائشة، رضي الله تعالى عنها، قالت: كنا
نتخوف أن تحيض صفية قبل أن تفيض. قالت: فجاءنا رسول الله عَ لّه، فقال: أحابستنا
صفية؟ فقلنا: قد أفاضت قال: فلا إذن)). وأما طريق عروة فأخرجه البخاري في المغازي من
طريق شعيب عن الزهري عنه عن عائشة، رضي الله تعالى عنها، أن صفية، رضي الله تعالى
عنها، حاضت بعدما أفاضت .. الحديث على ما يأتي إن شاء الله تعالى، وأخرجه مسلم أيضاً
من طريق الليث عن ابن شهاب عن أبي سلمة وعروة عن عائشة، قالت: حاضت صفية ...
الحديث، وفي آخره، فقال رسول الله عَ ليه: فلتنفروا. وأما طريق الأسود فأخرجه البخاري
موصولاً في: باب الإدلاج من المحصب، بلفظ: حاضت صفية ... الحديث، وفيه: أطافت
يوم النحر؟ قيل: نعم. قال: فانفري. وأخرجه الطحاوي من تسع طرق وأخرجه البخاري أيضاً
في كتاب الحيص من حديث عمرة بنت عبد الرحمن ((عن عائشة، رضي الله تعالى عنها،
أنها قالت لرسول الله، عَّله: إن صفية بنت حيي قد حاضت. قال رسول الله عَ لّ لعلها
تحبسنا إن لم تكن طافت معكن؟ قالوا: بلى. قال: فاخرجي))، وقد مر الكلام فيه مستوفىّ.
١٣١ - بابٌ إِذَا وَمَى بَعْدَ ما أُمْسَى أَوْ حَلَقَ قَبْلَ أنْ يَذْبَحَ ناسِياً أوْ جَاهِلاً
أي: هذا باب يذكر فيه إذا رمى الحاج جمرة العقبة بعدما أمسى، أي: بعد ما دخل
في المساء يعني إذا رماها ليلاً، ويطلق المساء على ما بعد الزوال أيضاً على ما نذكره إن
شاء الله تعالى، أو حلق يوم النحر قبل أن يذبح هديه. قوله: ((ناسياً))، نصب على الحال،
((أوجاهلاً)) كذلك عطف عليه، وجواب: إذا، محذوف تقديره: لا حرج عليه، ولم يذكره
اكتفاء بما ذكر في الحديث أو سكت عنه إشارة إلى أن فيه خلافاً. وهذه الترجمة تشتمل
على حكمين: أحدهما: رمي جمرة العقبة بالليل، والآخر: الحلق قبل الذبح، وكل منهما إما
ناسياً أو جاهلاً بحكمه.
أما الأول: فقد أجمع العلماء أن من رمى جمرة العقبة من طلوع الشمس إلى الزوال
يوم النحر فقد أصاب سنتها ووقتها المختار. وأجمعوا أن من رماها يوم النحر قبل المغيب
فقد رماها في وقت لها، وإن لم يكن ذلك مستحسناً له، واختلفوا فيمن أخر رميها حتى
غربت الشمس من يوم النحر، فذكر ابن القاسم أن مالكاً كان مرة يقول: عليه دم، ومرة لا
يرى عليه شيئاً، وقال الثوري: من أخرها عامداً إلى الليل فعليه دم. وقال أبو حنيفة وأصحابه
والشافعي: يرميها من الغدو لا شيء عليه، وقد أساء، سواء تركها عامداً أو ناسياً لا شيء
عليه. وقال ابن قدامة: إن أخر جمرة العقبة إلى الليل لا يرميها حتى تزول الشمس من الغد،