Indexed OCR Text
Pages 321-340
٣٢١ ٢٥ - كِتَابُ الحَجّ / باب (٤٤) الله عز وجل، وأضاف إلى غيره لأنه ظهر على أيديهم. قوله: ((لا يعضد شجرها)) أي: لا يقطع، من عضدتُ الشجراً عضده عضد، أمثال: ضرب، إذا قطعته، وفي (المحكم): الشجر معضود وعضيد. وقال الطبري: معنى: لا يعضد لا يفسد ويقطع، وأصله من عضد الرجل الرجل إذا أصاب عضده بسوء. قوله: ((ولا ينفر صيده)) أي: لا يزعج من مكانه. وهو تنبيه من الأدنى إلى الأعلى، فلا يضرب ولا يقتل بالطريق الأولى. قوله: ((ولا يلتقط)) على صيغة المعلوم، ولقطته منصوب به. قوله: ((إلاَّ من عرفها)، أي: إلاَّ مَنْ عرف أنها لقطة فيلتقطها ليردها إلى صاحبها ولا يتملكها. ذكر ما يستفاد منه : فيه: أن مكة حرام فلا يجوز لأحد أن يدخلها إلاَّ بالإحرام، وهو قول عطاء بن أبي رباح والليث بن سعد والثوري وأبي حنيفة وأصحابه: ومالك في رواية، وهي قوله الصحيح، والشافعي في المشهور عنه، وأحمد وأبي ثور، وقال الزهري والحسن البصري والشافعي في قول، ومالك في رواية، وداود بن علي وأصحابه من الظاهرية: لا بأس. بدخول الحرم بغير إحرام، وإليه ذهب البخاري أيضاً، قاله عياض، واستدلوا بما رواه مسلم من حديث جابر: ((أن النبي، عَّله، دخل يوم فتح مكة وعليه عمامة سوداء»، وبما رواه البخاري من حديث أنس: ((أن النبي، عَّله، دخل مكة وعلى رأسه مغفر .. )) الحديث. وأجيب: عن هذا: بأن دخوله، عَّه، مكة كان وهي حلال ساعتئذ، فكذلك دخلها وهو غير محرم، وأنه كان خاصاً للنبي، عَ لِّ، ثم عادت حراماً إلى يوم القيامة، فلا يجوز دخولها لأحد بغير إحرام. وفيه: أنه لا يجوز قطع شوكة ولا قطع شجرة، وقال ابن المنذر: أجمع العلماء على تحريم قطع شجر الحرم، وقال الإمام: اختلف الناس في قطع شجر الحرم: هل فيه جزاء أم لا؟ فعند مالك: لا جزاء فيه، وعند أبي حنيفة والشافعي: فيه الجزاء، وجزاؤه عند الشافعي في الدوحة بقرة وما دونها شاة، وعند أبي حنيفة: يؤخذ منه قيمة ذلك، يشترى به هدي، فإن لم تبلغ ثمنه ذلك تصدق به بنصف صاع لكل مسكين، وقال الشافعي: في الخشب وما أشبه قيمته بالغة ما بلغت، والمحرم والحلال في ذلك سواء، وأجمع كل من يحفظ عنه العلم على إباحة أخذ كل ما ينبته الناس في الحرم من البقول والزروع والرياحين وغيرها، واختلفوا في أخذ السواك من شجر الحرم، فعن مجاهد وعطاء وعمرو بن دينار أنهم رخصوا في ذلك، وحكى أبو ثور ذلك عن الشافعي، وكان عطاء يرخص في أخذ ورق السنا يستمشي به ولا ينزع من أصله، ورخص فيه عمرو بن دينار، وفيه أنه لا يجوز رفع لقطتها إلاَّ المنشد، قال القاضي عياض: حكم اللقطة في سائر البلاد واحد، وعند الشافعي: أن لقطة مكة بخلاف غيرها من البلاد، وأنها لا تحل إلاّ لمن يعرفها، ومذهب الحنفية كمذهب مالك لعموم قوله عَّلِ: ((إعرف عفاصها ووكاءها ثم عرفها سنة))، من غير فصل. ٤٤ _ بابُ تَوْرِيثِ دُورٍ مَكَةَ وَبَيْعِهَا وشِرَائِهَا وَأَنَّ النَّاسَ فِي مَسْجِدِ الحَرَامِ سَوَاءٌ خاصَّةٌ أي: هذا باب في بيان حكم توريث دور مكة وبيعها وشرائها، وإنما لم يبين الحكم عمدة القارىء / ج٩ / ٢١٢ ٣٢٢ ٢٥ - كِتَابُ الحَجُّ / باب (٤٤) بالجواز أو بعدمه لمكان الاختلاف فيه. وقال بعضهم: أشار بهذه الترجمة إلى تضعيف حديث علقمة بن نضلة، قال: توفي رسول الله عَّم وأبو بكر وعمر، رضي الله تعالى عنهما، وما ترعى رباع مكة إلاَّ السوائب، من احتاج سكن، رواه ابن ماجه، قلت: ليت شعري ما وجه هذه الإشارة؟ والإشارة لا تكون إلاَّ للحاضر. وروى هذا الحديث الطحاوي من طريقين برجال ثقات، ولكنه منقطع، لأن علقمة بن نضلة ليس بصحابي، ولفظ الطحاوي في أحد الطريقين، عن علقمة بن نضلة، قال: كانت الدور على عهد النبي عَّم وأبي بكر وعمر وعثمان، رضي الله تعالى عنهم: ما تباع ولا تكرى ولا ترعى إلاّ السوائب، من احتاج سكن، ومن استغنى أسكن. وأخرجه البيهقي أيضاً، ولفظه عن علقمة بن نضلة الكناني، قال: كانت بيوت مكة ترعى السوائب، لم يبع رباعها في زمن رسول الله عَّله، ولا أبي بكر ولا عمر، من احتاج سكن، ومن استغنى أسكن. قوله: السوائب، جمع سائبة، وأصلها من تسبيب الدواب، وهو: إرسالها تذهب وتجيء كيف شاءت، وأراد بها: أنها كانت سائبة لكل أحد من شاء كان يسكنها فإذا فرغ منها أسكن غيره فلا بيع ولا إجارة، والرباع جمع رَبع، وهو المنزل، قال الجوهري: الربع الدار بعينها حيث كانت، وجمعها: رباع وأربع وربوع وأرباع والربع: المحلة، أيضاً . وروى الطحاوي أيضاً من حديث مجاهد عن عبد الله بن عمرو، أن النبي، عَ ليه، قال: لا يحل بيع بيوت مكة ولا إجارتها. ورواه البيهقي أيضاً ثم قال الطحاوي: فذهب قوم إلى هذه الآثار فقالوا: لا يجوز بيع أرض مكة ولا إجارتها، وممن قال بهذا القول: أبو حنيفة ومحمد والثوري. قلت: أراد بالقوم هؤلاء، عطاء بن أبي رباح ومجاهداً ومالكاً وإسحاق وأبا عبيد، ثم قال: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: لا بأس ببيع أرضها وإجارتها، وجعلوها في ذلك كسائر البلدان، وممن ذهب إلى هذا القول أبو يوسف. قلت: أراد بالآخرين طاوساً وعمرو بن دينار والشافعي وأحمد وابن المنذر معهم، واحتج هؤلاء بحديث الباب، على ما يأتي. قوله: ((فإن الناس))، عطف على قوله: ((في دور مكة))، والتقدير: وفي بيان أن الناس في مسجد الحرم سواء أي: متساوون. قال الكرماني: أي في نفس المسجد، لا في سائر المواضع من مكة. قلت: هذا ميل منه إلى ترجيح مذهبه، والمراد من المسجد الحرام: الحرم كله، ورد ذلك عن ابن عباس وعطاء ومجاهد. أخرجه ابن أبي حاتم وغيرهم عنهم، وكذا روي عن ابن عمر: أن الحرم كله مسجد ويروى في المسجد الحرام، بالألف واللام في المسجد قوله: ((خاصة)) قيد للمسجد الحرام، وقد قلنا إن المسجد الحرام كله حرم. لِقَوْلِهِ تَعَالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عن سَبِيلِ اللهِ وَالمَسْجِدِ الحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءُ الْعَاكِفُ فِهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمِ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥]. هذا تعليل لقوله: ((وإن الناس في المسجد الحرام سواء». قوله: ﴿إن الذين كفروا﴾ ٣٢٣ ٢٥ - كِتَابُ الحَجِّ / باب (٤٤) يعني: أهل مكة. قوله: ﴿ويصدون عن سبيل الله﴾ أي: ويصرفون الناس عن دين الإسلام. وقال الزمخشري: الصدود منهم مستمر دائم للناس، أي للذين يقع عليهم المسجد الحرام مكة على امتناع بيع دور مكة وإجارتها. وقال أبو الليث السمرقندي في (تفسيره) وهذه الآية مدنية، وذلك أن النبي عٍَّ لما خرج من المدينة منعهم المشركون عن المسجد الحرام، ثم وصف المسجد الحرام فقال: ﴿الذي جعلناه للناس سواء﴾ للمؤمنين جميعاً، ثم قال: ﴿العاكف فيه والباد﴾ يعني: سواء المقيم في الحرم، ومن دخل مكة من غير أهلها، ويقال: المقيم والغريب سواء. وقرأ عاصم في رواية حفص: ﴿سواء﴾ بالنصب يعني: جعلناه سواء، وقرأ الباقون بالضم سواءً، على معنى الابتداء، وقال الزمخشري: وجه النصب أنه ثاني مفعولي: جعلناه، أي: جعلناه مستوياً العاكف فيه والبادي، وفي القراءة بالرفع الجملة مفعول ثان. قوله: ﴿ومن يرد فيه بإلحاد﴾ الباء فيه صلة، وأصله: ومن يرد فيه إلحاداً كما في قوله تعالى: ﴿تنبت بالدهن﴾ [المؤمنون: ٢٠]. وقال الزمخشري: ومفعول: يرد، متروك ليتناول كل متناول كأنه قال: ومن يرد فيه مراداً ما عادلاً عن القصد ظالماً، وقرىء: يرد، بفتح الياء من الورود، ومعناه: من أتى فيه بإلحاد ظالماً الإلحاد العدول عن القصد، وقيل: الإلحاد في الحرم منع الناس عن عمارته، وعن سعيد بن جبير: الاحتكار، وقيل: الظلم، وقال مقاتل: نزلت الآية في عبد الله بن أنيس بن خطل القرشي، وذاك أن النبي عَ لِ بعث رجلين أحدهما مهاجري والآخر أنصاري، فافتخرا في الأنساب. فنضب عبد الله بن أنيس فقتل الأنصاري، ثم ارتد عن الإسلام، وهرب إلى مكة، فأمر النبي عَّ له يوم فتح مكة بقتله فقتل. قوله: ﴿بإلحاد بظلم﴾ حالان مترادفان، وعن الحسن: ومن يرد إلحاده بظلم، أراد إلحاداً فيه، فأضافه على الاتساع في الظرف، كمكر الليل ومعناه: من يرد أن يلحد فيه ظالماً، وخبر: أن، محذوف لدلالة جواب الشرط عليه، تقديره: أن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام يذيقهم من عذاب أليم وكل من ارتكب فيه ذنباً فهو كذلك. البادِ الطَّرِي مَغْكُوفاً مَخْبُوساً هذا تفسير من البخاري بالمعنى، ومعنى الطاري المسافر، كما أن معنى العاكف المقيم، وقال الكرماني: قوله: معكوفاً، إشارة إلى ما في قوله تعالى: ﴿والهدي معكوفاً أن يبلغ محله﴾ [الحج: ٢٥]. قلت: ليست هذه الكلمة في الآية المذكورة، فلا مناسبة لذكرها هنا، ولكن يمكن أن يقال: إنما ذكر المعكوف لكون العاكف مذكوراً ههنا، وفيه ما فيه. ١٨٠ /١٥٨٨ - حدَّثنا أصْبَغُ قال أخْبَرَنِي ابنُ وَهْبٍ عنْ يُونُسَ عَنِ ابنِ شِهَابٍ عَنْ عَلِيٍّ بنِ حُسَيْ عِنْ عَمْرٍو بنِ عُثْمَانَ عنْ أسامَةَ بنِ زَيْدٍ رضي الله تعالى عنهما أنَّهُ قال يَا رسولَ الله أَيْنَ تَنْزِلُ فِي دَارِكَ بِمَكّْةَ فقالَ وهَلْ تَرَكَ عَقِيلٌ مِنْ رِبَاعِ أَوْ دُورٍ وكانَ عَقِيلٌ وَرِثَ أبَا طَالِبٍ هُوَ وطَالِبٌ ولَمْ يَرِثْهُ جَعْفَرٌ ولاَ عَلِيٍّ رضي الله تعالى عنهما شَيْئاً لِإِنَّهُمَا كانَا مُسْلِمَيْنِ وكانَ عَقِيلٌ وطَالِبْ كافِرَيْنِ فَكَانَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رضي الله تعالى عنهُ يَقُولُ لاَ ٣٢٤ ٢٥ - كِتَابُ الحَجّ / باب (٤٤) يَرِثُ الْمُؤْمِنُ الْكَافِرَ. قال ابنُ شِهَابٍ وكانُوا يتأوَّلُونَ قَوْلَ الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وهاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأُمْوَالِهِمْ وأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ الله والَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أولئكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٢]. الآية. [الحديث ١٥٨٨ - أطرافه في: ٣٠٥٨، ٤٢٨٢، ٦٧٦٤]. مطابقته للترجمة في قوله: ((وهل ترك عقيل من رباع أو دور وكان عقيل ورث أبا طالب)) إلى قوله: ((قال ابن شهاب))، رضي الله تعالى عنه. ذكر رجاله: وهم: سبعة: الأول: أصبغ، بفتح الهمزة وسكون الصاد المهملة وفتح الباء الموحدة وفي آخره غين معجمة: ابن الفرج أبو عبد الله. الثاني: عبد الله بن وهب. الثالث: يونس بن يزيد. الرابع: محمد بن مسلم بن شهاب الزهري الخامس: علي بن الحسين المشهور بزين العابدين. السادس: عمرو بن عثمان بن عفان أمير المؤمنين. السابع: أسامة بن زيد بن حارثة حب رسول الله عَ ليه ومولاه. ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضع، والإخبار بصيغة الإفراد في موضع. وفيه: العنعنة في خمسة مواضع. وفيه: القول في موضع. وفيه: أن شيخه من أفراده وأنه وابن وهب مصريان وأن يونس أيلي والبقية مدنيون. ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في الجهاد عن محمود عن عبد الرزاق، وفي المغازي عن سليمان بن عبد الرحمن. وأخرجه مسلم في الحج عن أبي الطاهر وحرملة بن يحيى، كلاهما عن ابن وهب به، وعن محمد بن مهران وابن أبي عمر وعبد بن حميد وعن محمد بن حاتم، وأخرجه أبو داود فيه عن أحمد بن حنبل به. وأخرجه النسائي فيه عن محمد بن رافع وعن إسحاق بن منصور وعن يونس بن عبد الأعلى. وأخرجه ابن ماجه فيه عن محمد بن يحيى عن عبد الرزاق وفي الفرائض عن أبي الطاهر بن السرح به. ذكر معناه: قوله: ((أين تنزل في دارك؟)) قال بعضهم: حذفت أداة الاستفهام من قوله: في دارك. قلت: هذا كلام من لا يفهم العربية ولا استنباط المعاني من الألفاظ، وقوله: أين، كلمة استفهام، فلم يبق وجه لتقدير حرف الاستفهام، فما وجه قوله: حذفت أداة الاستفهام من قوله: في دارك؟ والاستفهام عن النزول في الدار لا عن نفس الدار؟ فافهم. وفي رواية للبخاري ستأتي في المغازي: أين تنزل غداً. قوله: ((وهل ترك عقيل؟)) وفي رواية مسلم وغيره، ((وهل ترك لنا؟)) قوله: ((من رباع؟))، جمع ربع، وقد ذكرناه عن قريب. قوله: ((أو دور؟)) للتأكيد إذا فسر الربع بالدار أو وهو شك من الراوي، قوله: ((وكان عقيل))، إدراج من بعض الرواة، ولعله من أسامة، كذا قاله الكرماني: وعقيل بفتح العين المهملة. قوله: ((هو)) أي: عقيل. قوله: ((وطالب)) أي: ورث طالب مع عقيل أباهما أبا طالب، واسم أبي طالب: عبد مناف، وكني بابنه طالب، قوله: ((ولم يرثه جعفر))، وهو المشهور بالطيار ذي الجناحين، وطالب أسن من عقيل، وهو من جعفر وهو من علي، والتفاوت بين كل واحد والآخر عشر ٣٢٥ ٢٥ - كِتَابُ الحَجّ / باب (٤٤) سنين، وهو من النوادر. قوله: ((كافرين)) نصب على أنه خبر: كان، أي: وكان كلاهما كافرين عند وفاة أبيهما، ولأن عقيلاً أسلم بعد ذلك عند الحديبية قيل: لما كان أبو طالب أكبر ولد عبد المطلب احتوى على أملاكه وحازها وحده على عادة الجاهلية من تقديم الأسن، فتسلط عقيل أيضاً بعد هجرة رسول الله، عَّله، وقال الداودي: باع عقيل ما كان للنبي، عَّهِ، ولمن هاجر من بني عبد المطلب، كما كانوا يفعلون بدور من هاجر من المؤمنين، وإنما أمضى رسول الله عَ ليه تصرفات عقيل كرماً وجوداً، وإما استمالة لعقيل، وإما تصحيحاً بتصرفات الجاهلية، كما أنه يصحح أنكحة الكفار، وقالوا: فقد طالب ببدر فباع عقيل الدار كلها، وقيل: ولم تزل الدار بيد أولاد عقيل إلى أن باعوها لمحمد بن يوسف أخي الحجاج بن يوسف بمائة ألف دينار، وكان علي بن الحسين، رضي الله تعالى عنهما، يقول: من أجل ذلك تركنا نصيبنا من الشعب، أي: حصة جدهم علي من أبيه أبي طالب. قوله: ((فكان عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه، يقول: لا يرث المؤمن الكافر)) هذا موقوف على عمر، رضي الله تعالى عنه، وقد ثبت مرفوعاً بهذا الإسناد، وهو عند البخاري في المغازي من طريق محمد بن أبي حفصة ومعمر عن الزهري، وأخرجه مفرداً في الفرائض من طريق ابن جريج عنه، وفي رواية الإسماعيلي: فمن أجل ذلك كان عمر، رضي الله تعالى عنه، يقول ... قوله: ((قال ابن شهاب)) هو محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، هو المذكور في إسناد الحديث. قوله: ((وكانوا يتأولون)) أي: السلف كانوا يفسرون الولاية في هذه الآية بولاية الميراث. قوله تعالى: ﴿إِن الذين آمنوا﴾ [الأنفال: ٧٢]. أي: صدقوا بتوحيد الله تعالى، وبمحمد، عَّهِ، والقرآن ﴿وهاجروا﴾ من مكة إلى المدينة ﴿وجاهدوا﴾ العدو ﴿بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله﴾ أي: في طاعة الله، وفيما فيه رضى الله تعالى، ثم ذكر الأنصار فقال: ﴿والذين آووا﴾ يعني أووا المهاجرين: يعني: أنزلوهم وأسكنوهم في ديارهم ﴿ونصروا﴾ رسول الله، عَ ◌ّه، بالسيف ﴿أولئك بعضهم أولياء بعض﴾ يعني في الميراث وفي الولاية. قوله: ((الآية))، يعني الآية بتمامها، أو: إقرأ الآية، وتمامها: ﴿والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلاّ على قوم بينكم وبينهم ميثاق، والله بما تعملون بصير﴾ [الأنفال: ٧٢]. قوله: ﴿ولم يهاجروا﴾ يعني: إلى المدينة ﴿ما لكم من ولايتهم من شيءٍ﴾ في الميراث ﴿حتى يهاجروا﴾ إلى المدينة، وقالوا: يا رسول الله! هل نعينهم إذا استعانوا بنا؟ يعني: الذين آمنوا ولم يهاجروا؟ فنزل: ﴿وإن استنصروكم في الدين﴾ يعني: إن استغاثوا بكم على المشركين فانصروهمٍ ﴿فعليكم النصر﴾ على من قاتلهم ﴿إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق﴾ أي: عهد يعني إلاَّ أن يقاتلوا قوماً بينكم وبينهم عهد وميثاق فلا تنصروهم عليهم وأصلحوا بينهم ﴿والله بما تعملون بصير﴾ في العون والنصرة، وروى عبد الرزاق عن معمر عن قتادة، قال: كان المسلمون يتوارثون بالهجرة وبالمؤاخاة التي واخى بينهم النبي عَ لّه، وكانوا ٣٢٦ ٢٥ - كِتَابُ الحَجُ / باب (٤٤) يتوارثون بالإسلام وبالهجرة، وكان الرجل يسلم ولا يهاجر فلا يرث أخاه، فنسخ ذلك بقوله تعالى: ﴿وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض﴾ [الأنفال: ٧٥]. ذكر ما يستفاد منه: قال الخطابي: احتج بهذا الحديث الشافعي على جواز بيع دور مكة بأنه عَّهِ أجاز بيع عقيل الدور التي ورثها، وكان عقيل وطالب ورثا أباهما لأنهما إذ ذاك كانا كافرين فورثا، ثم أسلم عقيل وباعها. قال الخطابي: وعندي أن تلك الدور، وإن كانت قائمة على ملك عقيل، لم ينزلها رسول الله، عَّةٍ، لأنها دور هجروها لله تعالى. وقال القرطبي: ظاهر هذه الإضافة أنها كانت ملكه، يدل عليه قوله: ((وهل ترك لنا عقيل من رباع) فأضافها إلى نفسه، وظاهرها الملك، فيحتمل أن عقيلاً أخذها وتصرف فيها كما فعل أبو سفيان بدور المهاجرين. فإن قلت: يعارض هذا الحديث حديثُ عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي عَّهِ ((قال: لا يجل بيع بيوت مكة ولا إجارتها))، رواه الطحاوي والبيهقي أيضاً، ولفظه: ((مكة مناخ لا تباع رباعها ولا يؤاجر بيوتها)). قلت: الأصل في باب المعارضة التساوي، وحديث عبد الله بن عمرو لا يقاوم حديث أسامة، لأن في سند حديث عبد الله بن عمر وإسماعيل بن إبراهيم بن المهاجر، ضعفه يحيى والنسائي، وعن يحيى مرة: لا شيء، فحينئذ يسقط حديث عبد الله بن عمرو، ولئن سلمنا المساواة فلا يكتفي بها، بل يكشف وجه ذلك من طريق النظر، فوجدنا أن ما يقضي به حديث أسامة أولى وأصوب من حديث عبد الله، بيان ذلك أن المسجد الحرام وغيره من المساجد وجميع المواضع التي لا تدخل في ملك أحد لا يجوز لأحد أن يبني فيها بناءً، أو يحتجر موضعاً منها، ألا ترى أن موضع الوقوف بعرفة لا يجوز لأحد أن يبني فيها بناء، وكذلك منى لا يجوز لأحد أن يبني فيها داراً لحديث عائشة، رضي الله تعالى عنها قالت: ((قلت: يا رسول الله ألا تتخذ لك بمنىّ بيتاً تستظل فيه؟ فقال: يا عائشة! إنها مناخ لمن سبق)) أخرجه الترمذي وابن ماجه وأحمد والطحاوي، ووجدنا مكة على خلاف ذلك، لأنه قد أجيز فيها البناء، وقد قال رسول الله، عَِّ، يوم دخل مكة: ((من دخل دار أبي سفيان فهو آمن))، فهذا يدل على أن مكة مما يبنى فيها الدور، ومما يغلق عليها الأبواب، فإذا كان كذلك يكون صفتها صفة المواضع التي تجري عليها الأملاك، وتقع فيها المواريث، فحينئذ يجوز بيع الدور التي فيها، ويجوز إجارتها، وقال ابن قادمة: أضاف النبي عَِّ الدار إلى أبي سفيان إضافة ملك، يقول: من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، لأن أصحاب النبي عَّةٍ كانت لهم دور بمكة: دار لأبي بكر، رضي الله تعالى عنه، وللزبير وحكيم بن حزام وغيرهم مما يكثر تعدادهم، فبعضٌّ بيعَ وبعضٌ في يد أعقابهم إلى اليوم، وأن عمر، رضي الله تعالى عنه، اشترى من صفوان بن أمية داراً بأربعة آلاف درهم، واشترى معاوية من حكيم بن حزام دارين بمكة: إحداهما بستين ألف درهم، والأخرى بأربعين ألف درهم، وهذه قصص اشتهرت فلم تنكر، فصارت إجماعاً، ولأنها أرض حية لم ترد عليها صدقة محرمة، فجاز بيعها كسائر الأراضي، وقال الطحاوي: فإن احتج محتج في ذلك بقوله تعالى: ﴿إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله والمسجد ٣٢٧ ٢٥ - كِتَابُ الحَجّ / باب (٤٥) الحرام الذي جعلناه للناس سواء العاكف فيه والباد﴾ [الحج: ٢٥]. قيل له: قد روي في تأويل هذا عن المتقدمين ما حدثنا إبراهيم بن مرزوق قال: حدثنا أبو عاصم عن عبد الله بن مسلم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، قال: ﴿سواء العاكف فيه والباد﴾ قال: خلق الله فيه سواء، فثبت بذلك أنه إنما قصد بذلك إلى البيت أو إلى المسجد الحرام لا إلى سائر مكة، فإذا كان كذلك لا يتساوى الناس في غير المسجد الحرام، لأن بعضهم يكونون ملاكاً وبعضهم يكونون سكاناً، فالمالك يجوز له بيع ملكه وإجارته ونحوهما، ويخدش هذا ما روي عن ابن عباس أيضاً، قال: كانوا يرون الحرم كله مسجداً سواء العاكف فيه والبادي، وروى الثوري عن منصور عن مجاهد قال: قال عمر، رضي الله تعالى عنه: يا أهل مكة لا تتخذوا لدوركم أبواباً لينزل البادي حيث شاء، وروى عبيد الله عن نافع عن ابن عمر: أن عمر نهى أهل مكة أن يغلقوا أبواب دورهم دون الحاج، وروى ابن أبي نجيح عن عبيد الله بن عمر، قال: من أكل كراء بيوت أهل مكة، فإنما يأكل ناراً في بطنه. وفيه من الفوائد: أن فيه: دليلاً على بقاء دور مكة لأربابها، وفيه: دليل على أن المسلم لا يرث الكافر، وفقهاء الأمصار على ذلك إلاَّ ما حكي عن معاوية ومعاذ والحسن البصري وإبراهيم النخعي وإسحاق: أن المسلم يرث الكافر، وأجمعوا على أن الكافر لا يرث المسلم. ٤٥ - بابُ نُزُولِ النبيِّ عَ لَّهِ مَكَّةً أي: هذا باب في بيان نزول النبي عَّه في مكة، ومراده بيان موضع نزوله عَّه. ١٨١/ ١٥٨٩ _ حدَّثنا أبو اليَمَانِ قال أخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قال حدَّثني أَبُو سَلَمَةً أنَّ أبَا هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله عَِّ حِينَ أرَادَ قُدُومَ مَكّْةَ مَنْزِلُنَا غَداً إنْ شَاءَ الله تعالى بِخَيْفٍ بَنِي كِنَانَةَ حَيْثُ تَقَاسَمُوا عَلَى الكُفْرِ. [الحديث ١٥٨٩ - أطرافه في: ١٥٩٠، ٣٨٨٢، ٤٢٨٤، ٤٢٨٥، ٧٤٧٩]. مطابقته للترجمة في قوله: ((منزلنا غداً ... )) إلى آخره. ورجاله قد ذكروا غير مرة، وأبو اليمان الحكم بن نافع، وشعيب بن أبي حمزة، والزهري هو محمد بن مسلم. وأخرجه البخاري أيضاً في الهجرة عن عبد العزيز بن عبد الله، وفي المغازي عن موسى بن إسماعيل. قوله: ((حين أراد قدوم مكة))، يعني: حين رجوعه من منى وتوجهه إلى البيت. قوله: ((منزلنا)) مرفوع على الابتداء. ((وغدا)) نصب على الظرف. و((إن شاء الله)) كلام معترض بين المبتدأ وخبره، ذكره للتبرك والامتثال لقوله تعالى: ﴿ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غداً .. ﴾ [الكهف: ٢٣]. الآية. قوله: ((بخيف بني كنانة)) أي: في خيف، وهو بفتح الخاء المعجمة : ٣٢٨ ٢٥ - كِتَابُ الحَجّ / باب (٤٥) وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره فاء، وهو ما انحدر من الجبل وارتفع عن المسيل، و: كنانة، بكسر الكاف وتخفيف النون الأولى. قوله: ((حيث تقاسموا)) أي: تحالفوا على الكفر. قال النووي: معنى تقاسمهم على الكفر تحالفهم على إخراج النبي، عَ لّهِ، وبني هاشم والمطلب من مكة إلى هذا الشعب، وهو خيف بني كنانة، وكتبوا بينهم الصحيفة المشهورة فيها أنواع من الباطل، فأرسل الله عليها الأرضة فأكلت ما فيها من الكفر وتركت ما فيها من ذكر الله تعالى، فأخبر جبريل النبي، عَّله، بذلك فأخبر به عمه أبا طالب، فأخبرهم عن النبي، عَ ليهِ، بذلك فوجدوه كما قاله، والقصة مشهورة، نوضحها بأكثر من ذلك عن قريب، إن شاء الله تعالى. ١٥٩٠/١٨٢ _ حدَّثنا الحُمَيْدِيُّ قال حدَّثنا الوَلِيدُ قال حدثنا الأوْزَاعِيُّ قال حدَّثني الزُّهرِيُّ عنْ أَبِي سَلَمَةَ عِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ قال قال النبيُّ عَّهِ مِنَ الْغَدِ يَوْمَ النَّخْرِ وهْوَ بِمِنِّى نَحْنُ نازُلُونَ غَداً بِخَيْفٍ بَنِي كِنَانَةَ حَيْثَ تَقَاسَمُوا عَلى الكُفْرِ يَغْنِي ذُلِكَ المُحَصَّبَ وذُلِكَ أنَّ قُرَيْشاً وكِنَانَةَ تَحَالَفَتْ عَلَى بَنِي هَاشِمٍ وبَنِي عَبْدِ المُطَّلِبُ أَوْ بَنِي المُطَّلِّبِ أنْ لاَ يُنَاكِحُوهُمْ وَلاَ يُبَايِعُوهُمْ حَتَّى يُسْلِمِوا إِلَيْهِمَّ النبيَّ عَلِّ. [انظر الحديث ١٥٨٩ وأطرافه]. هذا طريق آخر في حديث أبي هريرة، رواه عن عبد الله بن الزبير الحميدي المكي عن الوليد بن مسلم القرشي الأموي الدمشقي عن عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي عن محمد ابن مسلم الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة. قوله: ((من الغد)) أصله: من الغدو، فحذفوا اللام وهو أول النهار، وقال الجوهري: الغدوة، بضم الغين: ما بين الصبح وطلوع الشمس. قوله: ((يوم النحر))، نصب على الظرف، أي: قال: في غداة يوم النحر. قوله: ((وهو بمنى))، جملة إسمية وقعت حالاً. قوله: ((نحن نازلون))، مقول قوله: قال النبي، عَّهِ. قوله: ((يعني ذلك المحصب))، هكذا هو في رواية المستملي، وفي رواية غيره: ((يعني بذلك المحصب)). وقال الكرماني: فإن قلت: النزول في المحصب هو في اليوم الثالث عشر من ذي الحجة لا في اليوم الثاني من العيد الذي هو الغد حقيقة؟ قلت: تجوز عن الزمان المستقبل القريب بلفظ الغد، كما يتجوز بالأمس عن الماضي. قوله: ((وذلك أن قريشاً وكنانة))، عطف على قريش مع أن قريشاً هم أولاد النضر · ابن كنانة، فيكون من باب التعميم بعد التخصيص، ويحتمل أن يراد بكنانة غير قريش، فقريش قسيم له لا قسم منه قيل: لم يعقب النضر غير مالك، ولا مالك غير فهر، فقريش ولد النضر ابن كنانة، وأما كنانة فأعقب من غير النضر، فلهذا وقعت المغايرة. قوله: ((أو بني المطلب)) كذا وقع عنده بالشك، ووقع عند البيهقي من طريق أخرى عن الوليد. ((وبني المطلب)) بغير شك. وقال الداودي قوله: ((بني عبد المطلب)) وهم قوله: ((تحالفت)) كان القياس فيه: تحالفوا، ولكن أفرده بصيغة المفرد المؤنث باعتبار الجماعة. قوله: ((أن لا يناكحوهم))، يعني: لا يقع بينهم عقد نكاح بأن لا يتزوج قريش وكنانة امرأة من بني هاشم وبني عبد ٣٢٩ ٢٥ - كِتَابُ الحَجّ / باب (٤٥) المطلب، ولا يزوجوا امرأة منهم إياهم، وكذلك المعنى في قوله: ((ولا يبايعوهم))، بأن لا يبيعوا لهم ولا يشتروا منهم، وفي رواية محمد بن مصعب عن الأوزاعي عند أحمد: ((أن لا يناكحوهم ولا يخالطوهم)). وفي رواية الإسماعيلي: «ولا يكون بينهم وبينهم شيء»، وهذا أعم. قوله: ((حتى يسلموا))، بضم الياء. وكانت هذه القصة فيما ذكر في (الطبقات): لما بلغ قريشاً فعل النجاشي بجعفر وأصحابه، وإكرامه لهم، كبر ذلك عليهم جداً وغضبوا وأجمعوا على قتل سيدنا رسول الله عَّله، وكتبوا كتاباً على بني هاشم أن لا يناكحوهم ولا يبايعوهم ولا يخالطوهم، وكان الذي كتب الصحيفة منصور بن عكرمة العبدري فشُلَّت يده، وفي الأنساب للزبير بن أبي بكر، اسمه: بغيض بن عامر بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار، وقال الكلبي: هو منصور بن عامر بن هاشم أخو عكرمة بن عامر بن هاشم، ثم ذكر في (الطبقات): وعلقوا الصحيفة في جوف الكعبة، وقال بعضهم: بل كانت عند أم الحلاس بنت مخربة الحنظلية، خالة أبي جهل، وحصروا بني هاشم في شعب أبي طالب ليلة هلال المحرم سنة سبع من حين النبوة، وانحاز بنو المطلب بن عبد مناف إلى أبي طالب في شعبه، وخرج أبو لهب إلى قريش فظاهرهم على بني هاشم وبني المطلب، وقطعوا عنهم الميرة والمارة، فكانوا لا يخرجون إلاَّ من موسم إلى موسم حتى بلغهم الجهد، فأقاموا فيه ثلاث سنين، ثم أطلع الله رسوله عَّله على أمر صحيفتهم وأن الأرضة أكلت ما كان فيها من جور وظلم. وبقي ما كان فيها من ذكر الله، عز وجل، وفي لفظ: ((ختموا على الكتاب ثلاثة خواتيم)) فذكر ذلك النبي عَّم لأبي طالب، فقال أبو طالب لكفار قريش: إن ابن أخي أخبرني، ولم يكذبني قط، أن الله تعالى قد سلط على صحيفتكم الأرضة فلحست ما كان فيها من جور وظلم وبقي فيها كل ما ذكر به الله تعالى، فإن كان ابن أخي صادقاً نزعتم عن سوء رأيكم، وإن كان كاذباً دفعته إليكم فقتلتموه أو استحييتموه. قالوا: قد أنصفتنا، فإذا هي كما قال رسول الله عَّ له، فسقط في أيديهم ونكسوا على رؤوسهم، فقال أبو طالب: علام نحبس ونحصر، وقد بان الأمر؟ فتلاوم رجال من قريش على ما صنعوا ببني هاشم، منهم مطعم بن عدي وعدي بن قيس وزمعة بن الأسود وأبو البحتري بن هاشم وزهير بن أبي أمية، ولبسوا السلاح ثم خرجوا إلى بني هاشم وبني المطلب فأمروهم بالخروج إلى مساكنهم، ففعلوا، فلما رأت قريش ذلك سقط في أيديهم وعرفوا أن لن يسلموهم، وكان خروجهم من الشعب في السنة العاشرة. وقالَ سَلاَمَةُ عنْ عُقَيْلٍ وَيَحيى بنُ الصَّحاكِ عنِ الأَوْزَاعِيّ: أخبَرَنِي ابن شِهَابٍ وقَالا بَنِي هاشِمٍ وبَنِي المُطْلِبِ. قال أبُو عَبْدِ اللهِ بَنِي المطَّلِبِ أَشْبَهُ سلامة هو ابن روح، بفتح الراء: الأيلي، هو يروي عن عمه عقيل، بضم العين: ابن خالد الأيلي، وهذا التعليق وصله ابن خزيمة في (صحيحه) من طريقه. قوله: ((ويحيى عن ٣٣٠ ٢٥ - كِتَابُ الحَجُ / باب (٤٦) الضحاك))، هكذا وقع في رواية أبي ذر، وكريمة بلفظ: عن الضحاك، والصحيح: ويحيى بن الضحاك، وهو يحيى بن عبد الله بن الضحاك البابلتي، بباءين موحدتين الثانية مضمومة وبعدها اللام المضمومة وبعدها تاء مثناة من فوق مشددة، نسبة إلى: بابلت، قال ابن السمعاني: وظني أنها موضع بالجزيرة، وقال الرشاطي: موضع بالري، ونسبة يحيى هذا إلى جده وليس له رواية في البخاري إلاّ في هذا الموضع، وهو يروي عن عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، وقال يحيى بن معين: يحيى بن عبد الله بن الضحاك البابلتي، والله لم يسمع من الأوزاعي شيئاً، وذكر الهيثم بن خلف الدوري أن أمه كانت تحت الأوزاعي، فإذا كان كذلك فلا يبعد سماعه منه، لأنه في حجره، وقال عنبسة بن خالد: لم يكن لسلامة ابن روح من السن ما يسمع من عقيل بن خالد، وتعليق يحيى عن الضحاك وصله أبو عوانة في (صحيحه) والخطيب في (المدرج). قوله: ((وقالا))، أي: سلامة ويحيى أن روايتهما عن شيخهما عن ابن شهاب هو بني المطلب دون لفظ: عبد، بخلاف رواية الوليد فإنها مترددة بين المطلب وعبد المطلب. قوله: ((قال أبو عبد الله)) هو البخاري نفسه بني المطلب أشبه بالصواب يعني بحذف العبد، لأن عبد المطلب هو ابن هاشم، ولفظ هاشم مغن عنه، وأما المطلب فهو أخو هاشم وهما ابنان لعبد مناف، فالمقصود أنهم تحالفوا على بني عبد مناف. ٤٦ - بابُ قَوْلِ الله تعالى ﴿وإِذْ قالَ إِبراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ لهذا البَلدَ آمِناً وَاجْتُبْنِي وَبَنِيَّ أنْ نَعْبُدَ الأصنامَ. رَبّ ◌ِنَّهُنَّ أَضْلِلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَني فإِنَّهُ مِنِّيٍ ومَنْ عصَاني فإِنَّكَ غَفُورٌ رحيمٌ. ربَّنا إِنِّي أُسْكَنْتُ مِنْ ذُرِيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ وَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾ الآيات [إبراهيم: ٣٥-٣٧]. أي: هذا باب في ذكر قول الله عز وجل ﴿وإذ قال إبراهيم﴾ [إبراهيم: ٣٥-٣٧]. إلى آخره إنما لم يذكر البخاري في هذه الترجمة حديثاً، فقال بعضهم: كأنه أشار إلى حديث ابن عباس، رضي الله تعالى عنهما، في قصة إسكان إبراهيم، عليه الصلاة والسلام، هاجر وابنها في مكان مكة. وقال الكرماني، رحمه الله تعالى، لعل غرضه منه الإشعار بأنه لم يجد حديثاً بشرطه مناسباً لها، أو ترجم الأبواب أولاً ثم ألحق بكل باب كل ما اتفق ولم يساعده الزمان بإلحاق حديث بهذا الباب، وهكذا حكم كل ترجمة هي مثلها. قلت: الوجه الأول: من الوجهين اللذين ذكرهما الكرماني بعيد، وأبعد منه ما ذكره بعضهم، لأن الإشارة لا تكون إلاَّ للحاضر، فالذي يطلع على هذه الترجمة كيف يقول: هذه إشارة إلى حديث ابن عباس، رضي الله تعالى عنه وهو لم يطلع عليه ولا عرفه؟ ولا أقرب في هذا من الوجه الثاني: الذي قاله الكرماني، فافهم. قوله: ﴿وإذ قال إبراهيم﴾ [إبراهيم: ٣٥]. أي: أذكر ﴿إِذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد﴾ أي: مكة ﴿آمناً﴾ من القتل والغارة، ويقال من الجذام والبرص. ﴿واجنبني وبني﴾ أي: احفظني، وبني ﴿أن نعبد الأصنام﴾ وذلك أن إبراهيم، عليه السلام، لما فرغ من بناء البيت سأل ربه أن يجعل البلد آمناً، وخاف على ٣٣١ ٢٥ - كِتَابُ الحَجِّ / باب (٤٧) بنيه لأنه رأى قوماً يعبدون الأصنام والأوثان، فسأل أن يجتنبهم عن عبادتها. قوله: ﴿أن نعبد﴾ أي: بأن نعبد أي: عبادة الأوثان، لأن: أن، مصدرية. قوله: ﴿رب﴾ يعني: يا رب. ﴿إِنهن﴾ أي: الأصنام ﴿أضللن كثيراً من الناس﴾ لأنهن كُنَّ سبباً لضلالهم، فنسب الضلال إليهن، وإن لم يكن منهن عمل في الحقيقة، وقيل: كان الإضلال منهن لأن الشيطان كان يدخل في جوف الأصنام ويتكلم. قلت: هذا أيضاً ليس منهن في الحقيقة. قوله: ﴿فمن تبعني﴾ يعني من آمن بي ﴿فإنه مني﴾ أي: على ديني، ويقال: فهو من أمتي ﴿ومن عصاني﴾ فلم يطعني ولم يوحدك ﴿فإنك غفور رحيم﴾ إن تاب أو توفقه حتى يسلم. قوله: ﴿ربنا إني أسكنت من ذريتي﴾ أي: أنزلت بعض ذريتي، وهو إسماعيل، عليه السلام، بوادٍ غير ذي زرع، وهو مكة وهو: قوله: ﴿عند بيتك المحرم﴾ يعني: الذي فيه حرم القتال والاصطياد، وأن يدخل فيه أحد بغير إحرام. قوله: ﴿ربنا ليقيموا الصلاة﴾ يعني: وفقهم ليقيموها، وإنما ذكر الصلاة لأنها أولى العبادات وأفضلها، قوله: ﴿فاجعل أفئدة من الناس﴾ أي: قلوباً، وهو جمع فؤاد ﴿تهوى إليهم﴾ أي: تشتاق إليهم وتسرع إليهم. وقال سعيد بن جبير: لو قال: أفئدة الناس، يعني بغير: من، لحجت اليهود والنصارى والمجوس، ولكنه خص قوله: ﴿وارزقهم من الثمرات﴾ يعني: من الثمرات التي تكون في بلاد الريف، يجيء بها الناس. قوله: ﴿لعلهم يشكرون﴾ أي: لكي يشكروا فيما ترزقهم. ٤٧ - بابُ قَوْلِ الله تعالى ﴿جَعَلَ الله الكَعْبَةَ الْبَيْتَ الحَرامَ قِياماً لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الحرامَ وَالهِذْيَ وَالقَلَائِدَ ذلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ الله يَعْلَمُ ما فِي السَّمُواتِ ومَا فِي الأرْضِ وأنَّ الله بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٩٧]. أي: هذا باب في ذكر قول الله تعالى، عز وجل: جعل الله ... إلى آخره، ووقع في شرح ابن بطال بأنه ضم الباب السابق إلى هذا وجعلهما واحداً، فقال بعد قوله: ﴿لعلهم يشكرون﴾ وقول الله تعالى: ﴿جعل الله الكعبة﴾ [المائدة: ٩٧]. إلى آخره، قال بعضهم: كأنه يشير إلى أن المراد بقوله: ﴿قياماً﴾ أي: قواماً، وأنها ما دامت موجودة فالدين قائم. قلت: السر في هذا والتحقيق أنه جعل هذه الآية الكريمة ترجمة وأشار بها إلى أمور. الأول: أشار فيه إلى أن قوام أمور الناس وانتعاش أمر دينهم ودنياهم بالكعبة المشرفة يدل على قوله ﴿قياماً للناس﴾ [المائدة: ٩٧]. فإذا زالت الكعبة على يد ذي السويقتين تختل أمورهم، فلذلك أورد حديث أبي هريرة فيه مناسبة لهذا، فتقع به المطابقة بين الحديث والترجمة. والثاني: أشار به إلى تعظيم الكعبة وتوقيرها، يدل عليه قوله: ﴿البيت الحرام﴾ حيث وصفها بالحرمة، فأورد حديث عائشة، رضي الله تعالى عنها، فيه مناسبة لهذا، فتقع به المطابقة بين الحديث والترجمة، وذلك في قوله: ((وكان يوماً تستر فيه الكعبة)). والثالث: أشار به إلى أن الكعبة لا تنقطع الزوار عنها، ولهذا تحج بعد خروج يأجوج ومأجوج الذي ٣٣٢ ٢٥ - كِتَابُ الحَجُّ / باب (٤٧) يكون فيه من الفتن والشدائد ما لا يوصف، فلذلك أورد حديث أبي سعيد الخدري فيه مناسبة لهذا، وهو قوله: ((ليحجن البيت وليعتمرن بعد خروج يأجوج ومأجوج))، ويدل على هذا الوجه أيضاً قياماً، فتقع به المطابقة بين الحديث والترجمة. قوله: ((البيت الحرام))، نصب على أنه عطف بيان على جهة المدح لا على التوضيح كما تجيء الصفة، كذلك قاله الزمخشري. قوله: ((قياماً)) أي: عماداً للناس في أمر دينهم ودنياهم ونهوضاً إلى أغراضهم ومقاصدهم في معاشهم ومعادهم لما يتم لهم من أمر حجهم وعمرتهم وتجارتهم وأنواع منافعهم، وروي عن عطاء بن أبي رباح: لو تركوها عاماً واحداً لم ينظروا ولم يتجروا، وقرأ ابن عامر: قيما، وقرأ الباقون قياماً، وأصله: قواماً، ويقال معنى: قياماً، معالم للحق، وقال مقاتل: يعني علماً لقبلتهم يصلون إليها، وقال سعيد بن جبير صلاحاً لدينهم. قوله: ﴿والشهر الحرام﴾ وهو الشهر الذي يؤدى فيه الحج، وهو ذو الحجة، لأن اختصاصه من بين الأشهر بإقامة موسم الحج فيه، شأناً عرفه الله تعالى، وقيل: عنى به جنس أشهر الحرم. قوله: ﴿والهدي﴾ وهو ما يهدي به قوله: ﴿والقلائد﴾ يعني المقلدات أو ذات القلائد، والمعنى: جعل الله الشهر الحرام والهدي والقلائد أمناً للناس لأنهم إذا توجهوا إلى مكة وقلدوا الهدي أمنوا من العدو، لأن الحرب كانت قائمة بين العرب إلاّ في الأشهر الحرم، فمن لقوه على هذه الحالة لم يتعرضوا له. قوله: (ذلك)، إشارة التي جعل الكعبة قياماً للناس، أو إلى ما ذكر من حفظ حرمة الإحرام بترك الصيد وغيره،، قوله: ﴿وإن الله بكل شيء عليم﴾ أي: من السر والعلانية. ١٥٩١/١٨٣ _ حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله قال حدَّثنا سُفْيَانُ قال حدَّثنا زِيادُ بنُ سَعْدٍ عنٍ الزُّهْرِيِّ عِنْ سَعِيدِ بنِ المُسَيَّبِ عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ عنِ النبيِّ عَ لّه قال يُخَرِّبُ الْكَعْبَةَ ذُو السُّوَيْقَتَيْنِ مِنَ الحَبَشةِ. [الحديث ١٥٩١ - طرفه في: ١٥٩٦]. مطابقته للترجمة قد ذكرناها آنفاً. ورجاله ستة: علي بن عبد الله المعروف بابن المديني، وسفيان بن عيينة، وزياد، بكسر الزاي وتخفيف الياء آخر الحروف ابن سعد بن عبد الرحمن، يكنى أبا عبد الرحمن الخراساني من أهل بلخ يقال إنه من العرب سكن مكة وانتقل منها إلى اليمن فسكن في قرية اسمها: عك، ومات بها، يروي عن محمد بن مسلم الزهري. والحديث أخرجه مسلم في الفتن عن أبي بكر بن أبي شيبة وابن أبي عمر. وأخرجه النسائي في الحج، وفي التفسير عن قتيبة بن سعيد. ذكر معناه: قوله: ((يخرب الكعبة)) فعل ومفعول ((وذو السويقتين)) فاعله، وهذه تثنية سويقة، والسويقة مصغر الساق، وألحق بها التاء في التصغير لأن الساق مؤنثة، والتصغير للتحقير، والإشارة إلى الدقة لأن في سيقان الحبشة دقة وخموشة، والتقدير: يخرب الكعبة ٣٣٣ ٢٥ - كِتَابُ الحَجُ / باب (٤٧) ضعيف من هذه الطائفة. قوله: ((من الحبشة)) كلمة: من، بيانية أي من هذا الجنس من بني آدم. قالوا: الحبش جنس من السودان، وهم الأحبش والحبشان والحبشة، ليس بصحيح في القياس لأنه لا واحد له على مثال فاعل، فيكون مكسراً على فعله، والأحبوش جماعة الحبش قال العجاج: كأن صيران المهى الأخلاط والرمل أحبوش من الأنباط وقيل: هم الجماعة أياً كانوا لأنهم إذا اجتمعوا اسودوا. وفي (الصحاح): الحبش والحبشة جنس من السودان، وقال ابن دريد: فأما قولهم: الحبشة، فعلى غير قياس، وقد قالوا: حبشان أيضاً، ولا أدري كيف هو. قلت: إنكارهم لفظ الحبشة على هذا الوزن لا وجه له لأنه ورد في لفظ الفصيح، بل أفصح الناس، وقال الرشاطي: وهم من ولد كوش بن حام، وهم أكثر ملوك السودان وجميع ممالك السودان يعطون الطاعة للحبش. وقال أبو حنيفة الدينوري: كان أولاد حام سبعة أخوة كأولاد سام: السند والهند والزنج والقبط والحبشة والنوبة وكنعان، فأخذوا ما بين الجنوب والدبور والصبا. وروى سفيان بن عيينة أن رسول الله عٍَّ قال: ((لا خير في الحبش، إن جاعوا سرقوا، وإن شبعوا زنوا، وإن فيهم حسنتين إطعام الطعام وإلباس يوم البأس)). وقال ابن هشام في (التيجان): أول من جرى لسان الحبشة على لسانه يحلب بن أداد بن ناهس بن سرعان بن حام بن نوح، عليه السلام، ثم تولدت من هذا اللسان ألسن استخرجت منه، وهذا هو الأصل. وجاء في تخريب الكعبة أحاديث. منها: حديث ابن عباس وعائشة، بوب عليه البخاري بقوله: باب هدم الكعبة، على ما سيأتي إن شاء الله تعالى. ومنها: ما رواه أبو داود الطيالسي بسند صحيح في: يبايع لرجل بين الركن والمقام، وأول من يستحل هذا البيت أهله، فإذا استحلوه فلا تسأل عن هلكة العرب ثم تجيء الحبشة فيخربونه خراباً لا يعمر بعده، وهم الذين يستخرجون كنزه، وذكر الحليمي: أن ذلك في زمن عيسى، عليه السلام، وأن الصريخ يأتيه بأن ذا السويقتين قد سار إلى البيت يهدمه فيبعث، إليه عيسى، عليه الصلاة والسلام، طائفة بين الثمان إلى التسع. ومنها: ما رواه أبو نعيم بسند فيه مجهول: كأني أنظر إلى أصيلع أقرع أفحج على ظهر الكعبة يهدمها بالكرزنة. ومنها: ما رواه أبو داود من حديث عبد الله بن عمر عن النبي عَّهِ: أتركوا الحبشة ما تركوكم، فإنه لا يستخرج كنز الكعبة إلا ذو السويقتين من الحبشة. ومنها: ما رواه أحمد من حديث ابن عمر، رضي الله تعالى عنهما، قال: قال رسول الله عَ له: ((يخرب الكعبة ذو السويقتين من الحبشة، ويسلب حليها ويجردها من كسوتها، وكأني أنظر إليه أصيدع أفيدع يضرب عليها مسحاته ومعوله)). ومنها: ما رواه ابن الجوزي من حديث حذيفة عن النبي عَّله، فذكر حديثاً فيه طول، وفيه: ((وخراب مكة من الحبشة على يد حبشي أفحج الساقين أزرق العينين أفطس الأنف كبير البطن معه أصحابه، ينقضونها حجراً حجراً ويتناولونها حتى يرموا بها يعني: الكعبة إلى البحر، وخراب ٣٣٤ ٢٥ - كِتَابُ الحَجّ / باب (٤٧) المدينة من الجوع وخراب اليمن من الجراد)). وفي (كتاب الغريب) لأبي عبيد: عن علي، رضي الله تعالى عنه: ((استكثروا من الطواف بهذا البيت قبل أن يحال بينكم وبينه، فكأني برجل من الحبشة أصلع وأصمع حمش الساقين قاعد عليها وهي تهدم)). وخرجه الحاكم مرفوعاً ((وفيه: أصمع أقرع بيده معول وهو يهدمها حجراً حجراً). وذكر الغزالي في (مناسكه): لا تغرب الشمس من يوم إلاَّ ويطوف بهذا البيت رجل من الأبدال، ولا يطلع الفجر من ليلة إلاَّ طاف به أحد من الأوتاد، وإذا انقطع ذلك كان سبب رفعه من الأرض، فيصبح الناس وقد رفعت الكعبة ليس منها أثر، وهذا إذا أتى عليها سبع سنين لم يحجها أحد ثم، يرفع القرآن العظيم من المصاحف، ثم من القلوب، ثم يرجع الناس إلى الأشعار والأغاني وأخبار الجاهلية، ثم يخرج الدجال وينزل عيسى، عليه الصلاة والسلام، وفي (كتاب الفتن) لنعيم بن حماد: حدثنا بقية عن صفوان عن شريح ((عن كعب: تخرج الحبشة خرجة ينتهون فيها إلى البيت، ثم يتفرغ إليهم أهل الشام فيجدونهم قد افترشوا الأرض، فيقتلونهم أودية بني علي، وهي قريبة من المدينة، حتى إن الحبشي يباع بالشملة)). قال صفوان: وحدثني أبو اليمان ((عن كعب، قال: يخربون البيت وليأخذن المقام فيدركون على ذلك، فيقتلهم الله تعالى. وفيه ((ويخرجون بعد يأجوج)). ((وعن عبد الله بن عمرو: تخرج الحبشة بعد نزول عيسى، عليه الصلاة والسلام، فيبعث عيسى طائفة فيهزمون))، وفي رواية: ((يهدم مرتين ويرفع الحجر في المرة الثالثة))، وفي رواية، ويرفع في الثانية. وفي رواية ((ويستخرجون كنز فرعون بمنوف من الفسطاط، ويقتلون بوسيم)) وفي لفظ: ((فيأتون في ثلاثمائة ألف عليهم أسيس أواسيس)). وقال القرطبي: وقيل: إن خرابه يكون بعد رفع القرآن من الصدور والمصاحف، وذلك بعد موت عيسى، عليه الصلاة والسلام، وهو الصحيح. فإن قلت: قال تعالى: ﴿حرماً آمناً﴾ [القصص: ٥٧]. وهو يعارض ما ذكرتم من هذه الأشياء؟ قلت: قالوا: لا يلزم من قوله: ﴿حرماً آمناً﴾ [القصص: ٥٧]. أن يكون ذلك دائماً في كل الأوقات، بل إذا حصلت له حرمة وأمن في وقت ما، صدق عليه هذا اللفظ وصح المعنى، ولا يعارضه ارتفاع ذلك المعنى في وقت آخر. فإن قلت: قال ◌َّهِ: ((إن الله أحل لي مكة ساعة من نهار، ثم عادت حرمتها إلى يوم القيامة)). قلت: الحكم بالحرمة والأمر لا يرتفع إلى يوم القيامة، أما وقوع الخوف فيها وترك الحرمة فقد وجد من ذلك في أيام يزيد وغيره كثيراً، وقال عياض: ﴿حرماً آمناً﴾ [القصص: ٥٧]. أي: إلى قرب القيامة، وقيل: يختص منه قصة ذي السويقتين. وقال ابن الجوزي: إن قيل ما السر في حراسة الكعبة من الفيل ولم تحرس في الإسلام مما صنع بها الحجاج والقرامطة وذو السويقتين؟ فالجواب: إن حبس الفيل كان من أعلام النبوة لسيدنا رسول الله عَّله، ودلائل رسالته لتأكيد الحجة عليهم بالأدلة التي شوهدت بالبصر قبل الأدلة التي ترى بالبصائر، وكان حكم الحبس أيضاً دلالة على وجود الناصر. ٣٣٥ ٢٥ - كِتَابُ الحَجّ / باب (٤٧) ١٨٤/ ١٥٩٢ _ حدَّثنا يَخْتَى بِنُ بُكَيْرِ قالَ حدَّثنا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عنِ ابنِ شِهَابٍ عنْ عُرْوَةَ عنْ عَائِشَةَ رضي الله تعالى عنها (ح) وحدَّثني مُحَمَّدُ بنُ مُقاتِلٍ قال أخبرَني عَبْدُ الله هُوَ ابنُ المُبَارَكِ قال أخبرنا محَمَّدُ بنُ أبي حَفْصَةَ عنِ الزُّهْرِيِّ عنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ رضي الله تعالى عنها قالَتْ كانُوا يَصُومُونَ عاشوراءَ قَبْلَ أَنْ يُفْرَضَ رَمَضَانُ وكَانَ يَوْماً تُشْتَرُ فيهِ الكَعْبةُ فَلَمَّا فَرَضَ الله رمضَانَ قال رسولُ اللهِ عَُّلِ مَنْ شاءَ أَنْ يَصُومَهُ فَلْيَصُمْهُ ومنْ شاءَ أَن يَتْزِكهُ فَلْيَتْرُكْهُ: [الحديث ١٥٩٢ - أطرافه في: ١٨٩٣، ٢٠٠١، ٢٠٠٢، ٣٨٣١، ٤٥٠٢، ٤٥٠٤]. قد مر وجه المطابقة بين الحديث والترجمة، ووجه آخر وهو: أن المشركين كانوا يعظمون الكعبة قديماً بالستور والكسوة، ويقومون إليها كما يقوم المسلمون، وبين الله تعالى في الآية المذكورة أنه جعل الكعبة بيتاً حراماً، ومن حرمتها تعظيمها فعظمها المسلمون، ومن جملة تعظيمهم إياها أنهم كانوا يكسونها في كل سنة يوم عاشوراء الذي هو من الأيام المعظمة، فمن هذه الحيثية حصلت المطابقة بين الآية التي هي ترجمة وبين الحديث. ذكر رجاله: وهم: تسعة: الأول: يحيى بن بكير، بضم الباء الموحدة: أبو زكريا المخزومي. الثاني: الليث بن سعد. الثالث: عقيل، بضم العين: ابن خالد، الرابع: محمد بن مسلم بن شهاب الزهري. الخامس: عروة بن الزبير بن العوام. السادس: محمد بن مقاتل، بضم الميم على وزن اسم الفاعل من المقاتلة: أبو الحسن المجاور بمكة. السابع: عبد الله ابن المبارك. الثامن: محمد بن أبي حفصة، واسمه ميسرة، ضد الميمنة. التاسع: أم المؤمنين عائشة، رضي الله تعالى عنها. ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين وبصيغة الإفراد في موضع. وفيه: الإخبار بصيغة الجمع في موضع وبصيغة الإفراد في موضع. وفيه: العنعنة في سبعة مواضع. وفيه: القول في موضعين. وفيه: أن شيخه يحيى والليث مصريان، وأن عقيلاً أيلي، وأن ابن شهاب وعروة مدنيان، وأن شيخه محمد بن مقاتل من أفراده، وأنه وابن المبارك مروزيان، ومحمد بن أبي حفصة بصري. وفيه: أنه رواه من طريقين، وقال الإسماعيلي: جمع البخاري بين رواية عقيل وابن أبي حفصة في المتن، وليس في رواية عقيل ذكر الستر، ثم ساقه بدونه من طريق عقيل، وهو كما قال، وعادة البخاري التجوز في مثل هذا. وقيل: أراد من حديث عقيل التصريح بسماع ابن شهاب من عروة. قلت: ليس لما ذكره فإنه لم يأت به، نعم هو عند الإسماعيلي وأبي نعيم، وقد روى الفاكهي من طريق ابن أبي حفصة، وصرح بسماع الزهري له من عروة. ذكر معناه: قوله: ((كانوا))، أي: المسلمون كانوا يصومون يوم عاشوراء وهو اليوم العاشر من محرم، وكان فرضاً، فلما نزل فرض رمضان نسخ صوم يوم عاشوراء، وهو ممدود غير منصرف، وقال أبو علي القالي في (كتاب الممدود والمقصور): عاشوراء على وزن فاعولاء، ولا نعلم من هذا المثال غيره. قوله: ((وكان)) أي كان يوم عاشوراء يوماً تستر فيه ٣٣٦ ٢٥ - كِتَابُ الحَجّ / باب (٤٧) الكعبة، وكانت تكسى في كل سنة مرة يوم عاشوراء، ثم إن معاوية كان يكسوها مرتين، ثم المأمون كان يكسوها ثلاثاً الديباج الأحمر يوم التروية، والقباطي هلال رجب، والديباج الأبيض يوم سبع وعشرين من رمضان، وذكر محمد بن إسحاق في (السير) أن تبان أسعد أبو کرب وهو تبع الآخر ابن كلكيكرب بن زيد، وهو تبع الأول ابن عمرو، وساق نسبه إلى يعرب بن قحطان، ثم قال: كان هو وقومه أصحاب أوثان يعبدونها، توجه إلى مكة حتى إذا كان بين عسفان وأمج أتاه نفر من هذيل بن مدركة، فقالوا: ألا ندلك على بيت مال دائر؟ قال: بلى. قالوا: مكة، وإنما أراد الهذليون هلاكه، لما عرفوا هلاك من أراده من الملوك، فقال له جبران كانا معه: إنما إراد هؤلاء هلاكك. قال: فبماذا تأمراني. قالا: نصنع عنده ما يصنع أهله، نحلق عنده ونطوف وننحر، ففعل فأقام بمكة ستة أيام ينحر للناس ويطعمهم، فأري في المنام أن يكسو البيت فكساه الخصف، ثم أري أن يكسوه أحسن من ذلك فكساه المعافر، ثم أري أن يكسوه أحسن من ذلك فكساه الملاء، والوصائل، فكان تبع فيما يزعمون أول من كسا البيت، وذكر ابن قتيبة أن هذه القصة كانت قبل الإسلام بتسعمائة سنة. وفي (معجم الطبراني) من حديث ابن لهيعة: حدثنا أبو زرعة عمرو سعمت سهل بن سعد رفعه: ((لا تسبوا تبعاً فإنه قد أسلم)). وفي (مغايص الجوهر في أنساب حمير): كان يدين بالزبور، وذكر ابن أبي شيبة في (تاريخه): أول من كساها عدنان بن أدد، وزعم الزبير أن أول من كساها الديباج عبد الله بن الزبير، وذكر الماوردي: أن أول من كساها الديباج خالد بن جعفر بن كلاب أحمد لطيمة يحل البر، ووجد فيها أنماطاً فعلقها على الكعبة، وذكر الحافظ: أن أول من علقها عبد الله بن الزبير وفي كتاب ابن إسحاق: أول من حلاها عبد المطلب بن عبد مناف لما حفرها بالفزالين اللذين وجدهما من ذهب فيها. وعن ليث بن أبي سليم، قال: كانت كسوة الكعبة على عهد رسول الله، عَّله، الأنطاع والمسوح. وقال ابن دحية: كساها المهدي القباطي والخز والديباج، وطلى جدرانها بالمسك والعنبر من أسفلها إلى أعلاها. وقال ابن بطال: قال ابن جريج: زعم بعض علمائنا أن أول من كساها إسماعيل، عليه السلام، وحكى البلاذري: أن أول من كساها الأنطاع عدنان بن أدد، وروى الواقدي عن إبراهيم بن أبي ربيعة، قال: كسي البيت في الجاهلية الأنطاع، ثم كساه رسول الله عَّه، الثياب اليمانية، ثم كساه عمر وعثمان القباطي، ثم كساه الحجاج الديباج. وقال ابن إسحاق: بلغني أن البيت لم یکْسَ في عهد أبي بكر وعمر، يعني: لم يجدد له کسوة. وقال عبد الرزاق عن ابن جريج: أخبرت أن عمر، رضي الله تعالى عنه، كان يكسوها القباطي. وأخبرني غير واحد أن النبي عَ لِ كساها القباطي والحبرات، وأبو بكر وعمر وعثمان، رضي الله تعالى عنهم، وأول من كساها الديباج عبد الملك بن مروان، وأن أول من أدرك ذلك من الفقهاء قالوا: أصاب، ما نعلم لها من كسوة أوفق منه، وروى أبو عروبة في (الأوائل) له: عن الحسن، قال: أول من لبس الكعبة القباطي النبي عَّله، وروى الدارقطني في (المؤتلف): أن أول من كسا الكعبة الديباج تنيلة بنت جنان والدة العباس بن عبد المطلب، كانت أضلت العباس صغيراً ٣٣٧ ٢٥ - كِتَابُ الحَجّ / باب (٤٧) فنذرت إن وجدته أن تكسو الكعبة الديباج، وذكر الزبير بن بكار أنها أضلت ضراراً ابنها، فرده عليها رجل من جذام، فكست الكعبة ثياباً بيضاء، وهو محمول على تعدد القصة، وكسيت في أيام الفاطميين الديباج الأبيض، وكساها السلطان محمود بن سبكتكين ديباجاً أصفر، وكساها ناصر العباسي ديباجاً أخضر، ثم كساها ديباجاً أسود، فاستمر إلى الآن، ولم تزل الملوك يتداولون كسوتها إلى أن وقف عليها الصالح إسماعيل بن الناصر في سنة نيف وخمسين وسبعمائة، قرية بنواحي القاهرة، ولم تزل تكسى من هذا الوقف. ١٥٩٣/١٨٥ _ حدَّثنا أحمَدُ قال حدَّثنا أبي قال حدَّثنا إبراهيمُ عنِ الحَجَّاجِ بنِ حَجَّاجِ عنْ قَتَادَةَ عَنْ عَبْدِ الله بنِ أبي عُثْبَةَ عنْ أبي سَعِيدٍ الخُذْرِيِّ رضي الله تعالى عنهُ عنِ النبيِّ عَ لَّهِ لَيُحَجَّنَّ الْبَيْتُ ولَيُعْتَمَرَنَّ بَعْدَ خُرُوجٍ يَأْجُوجَ ومَأْ مُجُوجَ. قد مر وجه المطابقة في أول الباب. : ذكر رجاله: وهم: سبعة: الأول: أحمد بن أبي عمرو، واسمه حفص بن عبد الله بن راشد أبو علي السلمي، مات سنة ستين ومائتين. الثاني: أبوه حفص أبو عمرو، قاضي نيسابور، الثالث: إبراهيم بن طهمان أبو سعيد. الرابع: الحجاج بن الحجاج الأسلمي الباهلي الأحول. الخامس: قتادة بن دعامة. السادس: عبد الله بن أبي عتبة، بضم العين المهملة وسكون التاء المثناة من فوق وفتح الباء الموحدة. مولى أنس بن مالك. السابع: أبو سعيد الخدري، سعد بن مالك. ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع. وفيه: العنعنة في خمسة مواضع. وفيه: أن شيخه من أفراده، وأنه ذكر في بعض النسخ مجرداً، وفي بعضها أحمد بن حفص، وأنه وأباه نيسابوريان وأن إبراهيم هروي سكن نيسابور ثم سكن مكة، مات سنة ستين ومائة، وأن الحجاج وقتادة وعبد الله بصريون. وهذا الحديث من أفراده. قوله: ((ليحجن))، بضم الياء وفتح الحاء والجيم على صيغة المجهول، مؤكداً بالنون الثقيلة، وكذلك قوله: (ليعتمرن)). قوله: ((يأجوج ومأجوج)) إسمان أعجميان بدليل منع الصرف، وقرىء في القرآن مهموزين، وقيل: يأجوج من الترك، ومأجوج من الجيل والدیلم، وقيل: هم على صنفين: طوال مفرطوا الطول، وقصار مفرطوا القصر. تابَعَهُ أبانُ وعِمْرَانُ عَنْ قَادَةَ أي: تابع عبد الله بن أبي عتبة أبان بن يزيد العطار عن قتادة، وكذلك تابعه عمران القطان عن قتادة، ومتابعتهما على لفظ المتن. أما متابعة أبان فوصلها الإمام أحمد: عن عفان وسويد بن عمرو الكلبي، وعبد الصمد بن عبد الوارث، ثلاثتهم عن أبان، فذكر مثله، وأما متابعة عمران فوصلها أحمد أيضاً: عن سليمان بن داود الطيالسي عنه، وكذا أخرجه ابن خزيمة عمدة القارىء / ج٩ / م٢٢ ۔۔ ٣٣٨ ٢٥ - كِتَابُ الحَجّ / باب (٤٨) وأبو يعلى من طريق الطيالسي، وقد تابع هؤلاء سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، أخرجه عبد بن حميد عن روح بن عبادة عنه، ولفظه: ((أن الناس ليحجون ويعتمرون ويغرسون النخل بعد خروج يأجوج ومأجوج). وقال عَبْدُ الرحمنِ عن شُعْبَةَ قال لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى لا يُحَجَّ الْبَيْتُ أي: قال عبد الرحمن بن مهدي عن شعبة عن قتادة بهذا السند: لا تقوم الساعة حتى لا يحج البيت، وهذا التعليق وصله الحاكم من طريق أحمد بن حنبل عنه. وَالأُوَّلُ أَكْثَرُ أراد البخاري بالأول من تقدم ذكرهم قبل شعبة، وإنما قال: أكثر، لاتفاق أولئك على اللفظ المذكور، وانفراد شعبة بما يخالفهم، وإنما قال ذلك لأن ظاهرهما التعارض، لأن الأول يدل على أن البيت يحج بعد أشراط الساعة. والثاني: يدل على أنه لا يحج، ويمكن الجمع بينهما بأن يقال: لا يلزم من حج الناس بعد خروج يأجوج ومأجوج أن يمتنع الحج في وقت ما عند قرب ظهور الساعة، والذي يظهر، والله أعلم، أن يكون المراد بقوله: ((ليحجن البيت)) أي: مكان البيت، ويدل على ذلك ما روي أن الحبشة إذا خربوه لم يعمر بعد ذلك على ما يأتي، إن شاء الله تعالى، وقال التيمي: قال البخاري: والأول أكثر، يعني: البيت يحج إلى يوم القيامة. سَمِعَ قَتَادةُ عَبْدَ الله وعَبْدُ الله أبَا سَعِيدٍ وفي بعض النسخ قال أبو عبد الله أي: البخاري نفسه، سمع قتادة عبد الله بن أبي عتبة المذكور في سند الحديث المذكور، وأشار بهذا إلى أن قتادة لما كان مدلساً صرح بأن عنعنته مقرونة بالسماع. قوله: ((وعبد الله)) أي: سمع عبد الله بن أبي عتبة أبا سعيد الخدري. ٤٨ _ بابُ كِسْوَةِ الگَغْبَةِ أي: هذا باب في بيان حكم التصوف في كسوة الكعبة. ١٥٩٤/١٨٦ _ حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ عَبْدِ الوَهَّابِ قال حدَّثنا خالِدُ بنُ الحَارِثِ قال حدَّثنا سُفيَانُ قال حدثنا واصِلٌ الأحدَبُ عنْ أَبِي وَائِلٍ قال جِئتُ إلى شَيْبَةَ (ح) وحدَّثنا قَبيصَةُ قالِ حدَّثنا سُفْيانُ عنْ وَاصِلٍ عنْ أَبِي وَائِلٍ قال جلَسْتُ مَعَ شَيْبَةَ عَلى الكَرْسِيِّ في الكَعْبَةِ فقالَ لَقَدْ جَلَسَ لهذا المَجْلِسَ عُمَرُ رضي الله تعالى عنهُ فقالَ لَقَدْ هَمَمْتُ أنْ لا أَدَعَ فِيهَا صَفْرَاءَ ولاَ بَيْضَاءَ إلاَّ قَسَمْتُهُ قُلْتُ إِن صَاحِبَيْكَ لَمْ يَفْعَلَا قالَ هُمَا المَرْآنِ أُقْتَدِي بِهِمَا. [الحديث ١٥٩٤ - طرفه في: ٧٢٧٥]. مطابقته للترجمة من وجوه: الأول: أنه معلوم أن الملوك في كل زمان كانوا يتفاخرون بكسوة الكعبة برفيع الثياب ٣٣٩ ٢٥ - كِتَابُ الحَجِّ / باب (٤٨) المسوجة بالذهب وغيره، كما يتفاخرون بتسبيل الأموال لها، فأراد البخاري أن عمر بن الخطاب لما رأى قسمة الذهب والفضة صواباً، كان محكّم الكسوة حُكم المالِ يجوز قسمتها، بل ما فضل من كسوتها أولى بالقسمة. الثاني: أنه يحتمل أن يكون مقصود البخاري التنبيه على أن كسوة الكعبة مشروعة، والحجة فيها أنها لم تزل تقصد بالمال فيوضع فيها على معنى الزينة إعظاماً لها، فالكسوة من هذا القبيل. الثالث: أنه يحتمل أن يكون أراد ما في بعض طرق الحديث كعادته، ويكون هناك طريق موافقة للترجمة وتركه إياه إما لخلل شرطه وإما لتبحر الناظر فيه. الرابع: أنه يحتمل أن يكون أخذه من قول عمر، رضي الله تعالى عنه، لا أخرج حتى أقسم مال الكعبة، فالمال يطلق على كل ما يتمول به، فيدخل فيه الكسوة. الخامس: أنه لعل الكعبة كانت مكسوة وقت جلوس عمر، رضي الله تعالى عنه، فحيث لم ينكره وقررها دل على جوازها، والترجمة يحتمل أن يقال فيها: باب في مشروعية الکسوة کما ذکرنا. السادس: أنه يحتمل أن يكون الحديث مختصراً طوى فيه ذكر الكسوة. فمن هذه الوجوه يتوجه الرد على الإسماعيلي في قوله: ليس في حديث الباب لكسوة الكعبة ذكرٌ، يعني فلا يطابق الترجمة. ذكر رجاله: وهم: ثمانية: الأول: عبد الله بن عبد الوهاب أبو محمد الحجبي. الثاني: خالد بن الحارث أبو عبد الله الحجبي. الثالث: سفيان الثوري في الطريقين. الرابع: واصل بن حيان الأحدب الأسدي. الخامس: أبو وائل شقيق ابن سلمة. السادس: شيبة بن عثمان الحجبي، بالحاء المهملة والجيم المفتوحتين، العبدري، أسلم يوم الفتح وأعطى النبي عَّلِ له ولابن عمه عثمان بن طلحة مفتاح الكعبة، وقال: خذوها يا بني أبي طلحة خالدة تالدة إلى يوم القيامة، لا يأخذ منكم إلا ظالم، وهو الآن في يد بني شيبة، مات سنة تسع وخمسين. السابع: قبيصة بن عقبة أبو عامر السوائي. الثامن: عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه. ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في ستة مواضع. وفيه: القول في خمسة مواضع. وفيه: أن شيخه في الطريق الأول من أفراده، وقدمه مع أنه نازل لتصريح سفيان فيه بالتحديث، وأنه بصري. وفيه: أن خالداً أيضاً من أفراده، وأنه أيضاً بصري وسفيان وواصل وأبو وائل كوفيون، وفي الطريق الثاني شيخه قبيصة وهو أيضاً من أفراده، وهو كوفي. وفيه: صحابيان شيبة وعمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنهما. وهذا الحديث جعله الحميدي وأبو مسعود الدمشقي وقبلهما الطبراني في مسند شيبة، وذكره المزي أيضاً في مسند شيبة، وذكره غيرهم في مسند عمر، رضي الله تعالى عنه. ٣٤٠ ٢٥ - كِتَابُ الحَجّ / باب (٤٨) ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره : أخرجه البخاري أيضاً في الاعتصام عن عمرو ابن العباس. وأخرجه أبو داود في الحج عن أحمد بن حنبل. وأخرجه ابن ماجه فيه عن أبي بكر ابن أبي شيبة. ذكر معناه: قوله: ((على الكرسي)، الكرسي واحد الكراسي، وربما قالوا: كرسي بكسر الكاف، قاله الجوهري. وقال الزمخشري: الكرسي: ما يجلس عليه ولا يفضل عن القاعد، وليست الياء فيه للنسبة، وإنما هو موضوع على هيئة النسبة كما في زفني وقلطي وبختي وبردي. قوله: ((أن لا أدع)) أي: أن لا أترك. قوله: ((فيها)) أي: في الكعبة. قوله: ((صفراء ولا بيضاء) أي: ذهباً ولا فضة، قال القرطبي: غلط من ظن أن المراد بذلك حلية الكعبة، وإنما أراد الكنز الذي بها، وهو ما كان يهدى إليها فيدخر ما يزيد عن الحاجة. وأما الحلي فمحبّسة عليها كالقناديل، فلا يجوز صرفها إلى غيرها. وقال ابن الجوزي: كانوا في الجاهلية يهدون إلى الكعبة تعظيماً لها فيجتمع فيها. قوله: ((إلاَّ قسمته))، ذكر الضمير باعتبار المال، وفي رواية عمرو بن شيبة في (كتاب مكة): عن قبيصة شيخ البخاري فيه: ((إلا قسمتها))، وفي رواية عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان عند البخاري في الاعتصام ((إلاَّ قسمتها بين المسلمين)). وعند الإسماعيلي من هذا الوجه: ((لا أخرج حتى أقسم مال الكعبة بين فقراء المسلمين)). قوله: ((قلت: إن صاحبيك لم يفعلا)). القائل هو شيبة، وأراد بالصاحبين، النبي، عَّالله، وأبا بكر، رضي الله تعالى عنه، وفي رواية عبد الرحمن بن مهدي: ((قلت: ما أنت بفاعل! قال: لِمَ؟ قلت: لَمْ يفعله صاحباك)). وفي رواية الإسماعيلي من هذا الوجه، ((قال: ولِمَ ذاك؟ قلت: لأن رسول الله، عَّ له، قد رأى مكانه وأبو بكر، وهما أحوج منك إلى المال، فلم يحر كاه). قوله: ((قال: هما المرآن) أي: قال عمر، رضي الله تعالى عنه: هما أي: النبي، عَّهِ، وأبو بكر، رضي الله تعالى عنه، مرآن يعني: رجلين كاملين في المروءة. قوله: ((أقتدي بهما)) أي: بالمرأين المذكورين، وهما النبي، عَّه، وأبو بكر، رضي الله تعالى عنه، ومعناه لا أفعل ما لم يفعلا، ولا أتعرض لما لم يتعرضا، وبمثل هذه القضية وقع بين أبي بن كعب وعمر، رضي الله تعالى عنهما، وروى عبد الرزاق من طريق الحسن ((عن عمر: أراد أن يأخذ كنز الكعبة فينفقه في سبيل الله، فقال له أبي بن كعب: قد سبقك صاحباك، فلو كان فضلاً لفعلا). وفي لفظ: ((فقال له أبي بن كعب: والله ما ذاك لك؟ قال: ولِمَ؟ قال: أقره رسول الله، عَّ). وقال ابن بطال: أراد عمر لكثرته إنفاقه في سبيل الله وفي منافع المسلمين، ثم لما ذكر بأن النبي، عَّلے، لم يتعرض له أمسك. ذكر ما يستفاد منه: فيه: التنبيه على مشروعية الكسوة. وفيه: ما يدل من قول عمر أن صرف المال في الفقراء والمساكين آكد من صرفه في كسوة الكعبة، لكن الكسوة في هذه الأمة أهم، لأن الأمور المتقادمة تتأكد حرمتها في النفوس، وقد صار ترك الكسوة في العرف عضاً في الإسلام، وإضعافاً لقلوب المسلمين. وقال ابن بطال: ما جعل في الكعبة