Indexed OCR Text
Pages 161-180
١٦١ ٢٤ - كتابُ الزَكاةِ / باب (٧٥) طريق البخاري: عن علي بن شيبة عن قبيصة عن سفيان عن زيد بن أسلم عن عياض بن عبد الله ((عن أبي سعيد الخدري قال: كنا نعطي زكاة الفطر من رمضان صاعاً من طعام أو صاعاً من شعير أو صاعاً من أقط))، وهذا ليس فيه ذكر التمر، وبقية طرقه فيها ذكر التمر، فلا يتأتى أن يفسر الطعام بالتمر، والطعام في أصل اللغة عام في كل ما يقتات به من الحنطة والشعير والتمر وغير ذلك، وسنبسط الكلام فيه عن قريب مع بيان اختلاف الأئمة فيه. قوله: ((من أقط))، بفتح الهمزة وكسر القاف وفي آخره طاء مهملة، وهو: لبن مجفف يابس مستحجر يطبخ به، وربما تسكن قافه في الشعر، يقال: ايتقطت، أي اتخذت الأقط، وهو افتعلت، وأقط طعامه يأقطه أقطاً: عمله بالأقط، وهو مأقوط، ويقال له بالفارسية: ماستينه، وبالتركية: قراقرط، وبالتركمانية: قرط، بضم القاف والراء، بلا لفظ: قرا. ذكر ما يستفاد منه: وهو على وجوه: الأول: احتج به الشافعي على أن صدقة الفطر من القمح صاع، وقال: المراد بالطعام البر في العرف، وقال أصحابه، لا سيما في رواية الحاكم: صاعاً من حنطة، أخرجها في (مستدركه) من طريق أحمد بن حنبل عن ابن علية عن أبي إسحاق عن عبد الله بن عبد الله بن عثمان بن حكيم بن حزام ((عن عياض بن عبد الله قال: قال أبو سعيد وذكر عنده صدقة الفطر، فقال: لا أخرج إلاَّ ما كنت أخرجه في عهد رسول الله عَّ له صاعاً من تمر أو صاعاً من حنطة أو صاعاً من شعير، فقال له رجل من القوم: أو مدّين من قمح؟ فقال: لا، تلك قيمة معاوية لا أقبلها ولا أعمل بها)). وصححه الحاكم، ورواه الدارقطني في (سننه) من حديث يعقوب الدورقي عن ابن علية سنداً ومتناً كما ذكرناه، ومن الشافعية من جعل هذا الحديث حجة لنا من جهة أن معاوية جعل نصف صاع من الحنطة عدل صاع من التمر والزبيب. وقال النووي: هذا الحديث معتمد أبي حنيفة، ثم أجاب عنه بأنه فعل صحابي، وقد خالفه أبو سعيد وغيره من الصحابة ممن هو أطول صحبة منه وأعلم بحال النبي عَّه، وقد أخبر معاوية بأنه رآه لا قول سمعه من النبي عَّ له، قلنا: أما قولهم: إن الطعام في العرف هو البر فممنوع، بل الطعام يطلق على كل مأكول، كما ذكرناه، بل أريد به ههنا غير الحنطة، والدليل عليه ما وقع في رواية أبي داود: ((صاعاً من طعام صاعاً من أقط)). فإن قوله: ((صاعاً من أقط)) بدل من قوله: ((صاعاً من طعام)) أو بيان عنه، ولو كان المراد من قوله: ((صاعاً من طعام)) هو البر لقال: أو صاعاً من أقط بحرف: أو، الفاصلة بين الشيئين. فإن قلت: في رواية الطحاوي بأو الفاصلة بين الشيئين كما مر؟ قلت: كفى لنا حجة رواية أبي داود على ما ادعينا مع صحة حديثه بلا خلاف، ومما يؤيد ما ذكرناه ما جاء فيه عند البخاري: ((عن أبي سعيد، قال: كنا نخرج في عهد رسول الله عَّةٍ يوم الفطر صاعاً من طعام. قال أبو سعيد: وكان طعامنا: الشعير والزبيب والأقط والتمر)). وأما ما رواه الحاكم فيه ((أو صاعاً من حنطة))، فقد قال أبو داود: إن هذا ليس بمحفوظ، وقال ابن خزيمة فيه: وذكر الحنطة في هذا الخبر غير محفوظ، ولا أدري ممن الوهم، وقول الرجل له: أو مدين من عمدة القارىء / ج٩ / ١١٢ ١٦٢ ٢٤ - كتابُ الزَكاةِ / باب (٧٥) قمح؟ دال على أن ذكر الحنطة في أول الخبر خطأ، ووهم، إذ لم يكن لقوله: أو مدين من قمح؟ معنىّ. وقد عرف تساهل الحاكم في تصحيح الأحاديث المدخولة، وأما قول النووي: إنه فعل صحابي، قلنا: قد وافقه غيره من الصحابة الجم الغفير بدليل قوله في الحديث: ((فأخذ الناس بذلك))، ولفظ: الناس، للعموم، فكان إجماعاً، والله أعلم. واعلم أن مذهب مالك وأحمد وإسحاق مثل مذهب الشافعي في تقديره بالصاع في البر، وقال الأوزاعي: يؤدي كل إنسان مدين من قمح بمد أهل بلده، وقال الليث: مدين من قمح بمد هشام وأربعة أمداد من التمر والشعير والأقط. وقال أبو ثور: الذي يخرج في زكاة الفطر صاع من تمر أو شعير أو طعام أو زبيب أو أقط إن كان بدوياً، ولا يعطي قيمة شيء من هذه الأصناف، وهو يجدها. وقال أبو عمر: سكت أبو ثور، رحمه الله تعالى، عن ذكر البر، وكان أحمد، رضي الله تعالى عنه، يستحب إخراج التمر. والأصل في هذا الباب اعتبار القوت وأنه لا يجوز إلاَّ الصاع منه. والوجه الآخر: اعتبار التمر والشعير والزبيب أو قيمتها على، ما قاله الكوفيون، وقال صاحب (الهداية) رحمه الله تعالى: الفطرة نصف صاع من بر أو دقيق أو سويق أو زبيب، أو صاع من تمر أو شعير. وقال أبو يوسف ومحمد: الزبيب بمنزلة الشعير، وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة، والأول رواية محمد عن أبي يوسف عن أبي حنيفة، وهي رواية (الجامع الصغير) ونصف صاع من بر مذهب أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب وابن مسعود وجابر بن عبد الله وأبي هريرة وابن الزبير وابن عباس ومعاوية وأسماء بنت أبي بكر الصديق وسعيد بن المسيب وعطاء ومجاهد وسعيد بن جبير وعمر بن عبد العزيز وطاوس والنخعي والشعبي وعلقمة والأسود وعروة وأبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف وأبي قلابة عبد الملك بن محمد التابعي والأوزاعي والثوري وابن المبارك وعبد الله بن شداد ومصعب بن سعيد. قال الطحاوي: وهو قول القاسم وسالم وعبد الرحمن بن قاسم والحكم وحماد، ورواية عن مالك ذكرها في الذخيرة، واحتج أصحابنا في هذا بما رواه أبو داود من حديث ثعلبة بن أبي صعير عن أبيه، قال: قال رسول الله عَ ليه: ((صاع من بر أو قمح على كل اثنين صغير أو كبير حر أو عبد ذكر أو أنثى، أما غنيكم فيزكيه الله، وأما فقير كم فيرد الله عليه أكثر مما أعطاه)). وأبو صعير، بضم الصاد وفتح العين المهملتين وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره راء، ويقال: ثعلبة بن عبد الله بن صعير العذري، حليف بني زهرة. وقال ابن معين: ثعلبة ابن عبد الله بن أبي صعير، وثعلبة بن أبي مالك جميعاً رأيا النبي عَّ له قال في (الكمال): روى ثعلبة عن النبي عَّه في زكاة الفطر، روى عنه ابنه عبد الله، وفيه اضطراب كثير عند الرواة، وروي عن ثعلبة بن عبد الله بن صعير عن أبيه، ويروى: ثعلبة ابن عبد الله بن أبي صعير عن أبيه، ويروى: عبد الله بن ثعلبة بن صعير. وقال صاحب (الإمام): في رواية محمد بن يحيى الجزم بقوله: عبد الله بن ثعلبة بن صعير، وكذا رواية ابن جريج عن الزهري، وقال ابن ماكولا: صوابه: ثعلبة بن صعير العذري، أو ابن أبي صعير. فإن ١٦٣ ٢٤ - كتاب الزكاةِ / باب (٧٥) قلت: قال مهنًّا: ذكرت لأحمد حديث ثعلبة بن أبي صعير في صدقة الفطر نصف صاع من بر، فقال: ليس بصحيح إنما هو مرسل، يرويه معمر وابن جريج عن الزهري مرسلاً. قلت: رواه أبو داود عن مسدد شيخ البخاري - عن حماد ابن زيد، روى له الجماعة، وعلى كل حال الحديث خبر الواحد يثبت به الوجوب. ومما احتجوا به حديث ابن عباس رواه أبو داود من حديث حميد أخبرنا عن الحسن، قال: خطب ابن عباس في آخر رمضان على منبر البصرة، فقال: أخرجوا صدقة صومكم، فكأن الناس لم يعلموا، قال: من ههنا من أهل المدينة؟ قوموا إلى إخوانكم فعلموهم فإنهم لا يعلمون، فرض رسول الله عَّ ل هذه الصدقة، صاعاً من تمر أو شعير أو نصف صاع قمح ... )) الحديث. فإن قلت: قال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: الحسن لم يسمع ابن عباس قلت: جاء في (مسند أبي يعلى الموصلي) في حديث عن الحسن، قال: أخبرني ابن عباس، وهذا إن ثبت دل على سماعه منه، وقال البزار في (مسنده) بعد أن رواه: لا نعلم روى الحسن عن ابن عباس غير هذا الحديث، ولم يسمع الحسن من ابن عباس. قلت: ولئن سلمنا هذا فالحديث مرسل وهو حجة عندنا، ويؤيده طريق آخر عن ابن عباس، رواه الحاكم في (المستدرك) من حديث ابن جريج عن عطاء، ((عن ابن عباس: أن رسول الله عَ لَّم بعث صارخاً بمكة صاح: إن صدقة الفطر حق واجب مدَّان من قمح أو صاع من شعير أو تمر))، وصححه الحاكم، ورواه البزار بلفظ: ((أو صاع مما سوى ذلك من الطعام)). وطريق آخر عن ابن عباس أخرجه الدارقطني عن الواقدي: حدثنا عبد الله بن عمران بن أبي أنس عن أبيه عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ((عن ابن عباس: أن النبي عَّلَّهِ أمر بزكاة الفطر صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير أو مدين من قمح)). وأعله بالواقدي، فما الواقدي؟ وهو إمام مشهور وأحد مشايخ الشافعي؟ وطريق آخر عن ابن عباس أخرجه الدارقطني. عن سلام الطويل عن زيد العمي عن عكرمة عن ابن عباس، قال: قال رسول الله عَّهِ: ((صدقة الفطر عن كل صغير وكبير ذكر أو أنثى نصف صاع من بر ... )) الحديث وأعله بسلام. ومما احتجوا به ما رواه الترمذي عن سالم بن نوح عن ابن جريج عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: ((أن النبي عَِّ بعث منادياً ينادي في فجاج مكة: ألا إن صدقة الفطر واجبة على كل مسلم، وفيه مدَّان من قمح))، وقال: حسن غريب وأعله ابن الجوزي بسالم ابن نوح، قال: قال ابن معين: ليس بشيء، وتعقبه صاحب (التنقيح) فقال: صدوق، روى له مسلم في (صحيحه)، وقال أبو زرعة: صدوق ثقة، ووثقه ابن حبان. وطريق آخر أخرجه الدارقطني عن علي بن صالح عن ابن جريج ((عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن رسول الله عَ ليه أمر صائحاً فصاح: إن صدقة الفطر حق واجب على كل مسلم مدّان من قمح)). قال ابن الجوزي: علي بن صالح ضعفوه قال صاحب (التنقيح): هذا خطأ منه ولا نعلم أحداً ضعفه لكنه غير مشهور الحال، وقيل: هو مكي معروف، وهو أحد العباد، وكنيته أبو الحسن. ١٦٤ ٢٤ - كتابُ الزّكاةِ / باب (٧٥) ومما احتجوا به حديث آخر رواه أحمد في (مسنده) من طريق ابن المبارك أخبرنا ابن لهيعة عن محمد بن عبد الرحمن بن نوفل عن فاطمة بنت المنذر ((عن أسماء بنت أبي بكر، رضي الله تعالى عنهما، قالت: كنا نؤدي زكاة الفطر على عهد رسول الله عَ ل مدّين من قمح بالمد الذي نقتات به))، وضعفه ابن الجوزي بابن لهيعة. وقال صاحب (التنقيح): وحديث ابن لهيعة يصلح للمتابعة سيما إذا كان من رواية إمام مثل ابن المبارك عنه. ومما احتجوا به حديث آخر أخرجه الدارقطني عن أبي بكر بن عياش عن أبي إسحاق عن الحارث ((عن علي، رضي الله تعالى عنه، عن النبي عَّ له أنه قال: في صدقة الفطر نصف صاع من بر أو صاع من تمر والحارث معروف)). وقال الدارقطني: والصحيح موقوف. ومما احتجوا به في حديث زيد بن ثابت قال: ((خطبنا رسول الله عَّم فقال: من كان عنده شيء فليتصدق بنصف صاع من بر .. ) الحديث، رواه الدارقطني، وفيه سليمان ابن أرقم وهو متروك الحديث، وحديث جابر بن عبد الله رواه الطبراني في (الأوسط) قال: قال رسول الله عَّهِ: ((صدقة الفطر على كل إنسان مدّان من دقيق أو قمح، ومن الشعير صاع، ومن الحلو زبيب أو تمر صاع صاع)). وفيه الليث بن حماد وهو ضعيف. الوجه الثاني: في قوله: ((أو صاعاً من شعير أو صاعاً من تمر))، وهذا لا خلاف فيه غير أن ابن حزم لم يجوز صدقة الفطر إلاَّ من الشعير والتمر، والحديث حجة عليه. الوجه الثالث: في قوله: ((أو صاعاً من أقط)) قال النووي: اختلفوا في الأقط، قيل: لا يجزيه لأنه لا يجب فيه العشر، وقال الماوردي: الخلاف فيه في أهل البادية أما أهل الحضر فلا يجزيهم قولاً واحداً. وقال شيخنا زين الدين، رحمه الله تعالى: وقد اختلف قول الشافعي في الأقط، وقال الشيخ تقي الدين في (شرح العمدة): قد صح الحديث به. وهو يرد قول الشافعي، وقال النووي في (شرح مسلم): ويجزي الأقط على المذهب وعندنا: تجوز صدقة الفطر بالأقط، وفي (التحفة): في الأقط تعتبر القيمة. وقال مالك: تجب صدقة الفطر من تسعة أشياء، وهي: القمح والشعير والسلت والذرة والدخن والأرز والتمر والزبيب والأقط، وزاد ابن حبيب: العلس، فصارت عشرة. الوجه الرابع: في قوله: ((أو صاعاً من زبيب)) وهذا أيضاً لا خلاف فيه أن الصدقة منه صاع، قيل: هذا حجة على أبي حنيفة حيث اكتفى في إخراج الزبيب بنصف صاع، كما قال في القمح. قلت: هذا رواية عن أبي حنيفة والرواية الأخرى صاع. الوجه الخامس: احتج بالحديث المذكور بعضهم على أن صدقة الفطر فريضة كالزكاة بظاهر اللفظ والجمهور على أنها واجبة، والحديث يخبر عما كانوا يفعلونه والوجوب ثبت بدلائل أخرى. الوجه السادس: أنه يدل على أنهم كانوا يخرجون صدقة الفطر عن أنفسهم فلا يجب إخراجها عن الجنين، واستحبه أحمد في رواية، وأوجبه في رواية وهي مذهب داود ١٦٥ ٢٤ - كتابُ الزّكاةِ / باب (٧٦) وأصحابه، وروي عن عثمان أنه كان يعطي عن الحمل. وقال أبو قلابة: كانوا يخرجون عن الحمل، وقد أدرك الصحابة. وفي (الإمام) كان عثمان، رضي الله تعالى عنه. يعطي صدقة رمضان عن الخيل، وقال أبو قلابة: كانوا يعطون عن الخيل، وفي (الوبري): لا يجب عن فرسه ولا عن غيره من سائر الحيوانات غير الرقيق، وما روي عن عثمان وغيره محمول على التطوع، والله أعلم. ٧٦ - بابُ صَدَقَةِ الفِطْرِ صاعاً منْ تَمْرِ أي: هذا باب في بيان أن صدقة الفطر صاع من تمر، هذا التقدير على كون لفظ الباب مضافاً إلى صدقة الفطر، وإذا قطع عن الإضافة يكون صدقة الفطر مبتدأ أو خبره قوله: صاع، ووقع في رواية أبي ذر: باب صدقة الفطر صاعاً، بالنصب، وقد ذكرنا وجهه في: باب صدقة الفطر صاعاً من شعير. ١٠٦/ ١٥٠٧ - حدَّثنا أحمَدُ بنُ يُونُسَ قال حدثنا اللَّيْثُ عنْ نَافِع أنَّ عَبْدَ اللهِ قال أمَرَ النبيُّ عَّلَّهِ بِزَكَاةِ الفِطْرِ صاعاً مِنْ تَمْرٍ أوْ صَاعاً منْ شَعِيرٍ قال عَبْدُ الله رضي الله تعالى عنهُ فَجَعَلَ النَّاسُ عِدْلَهُ مُدَّيْنٍ مِنُ حِنْطَةٍ. [انظر الحديث ١٥٠٣ - وأطرافه]. مطابقته للترجمة في قوله: ((من تمر)). ورجاله قد ذكروا غير مرة، والليث عنعن هنا، وسماعه من نافع صحيح، وفي رواية الطحاوي والدارقطني والحاكم وآخرين من طريق يحيى بن بكير عن الليث عن كثير بن فرقد عن نافع وزاد فيه: ((من المسلمين))، فدل على أن الليث سمعه من نافع بدون هذه الزيادة، ومن كثير بن فرقد عنه بهذه الزيادة. وأخرجه مسلم في الزكاة عن قتيبة ومحمد بن رمح وأخرجه ابن ماجه فيه عن محمد ابن رمح به. قوله: ((أمر)) استدل به على وجوب صدقة الفطر، قال بعضهم: فيه نظر لأنه يتعلق بالمقدار لا بأصل الإخراج. قلت: إذا كان المقدار واجباً فبالضرورة يدل على وجوب الأصل لأن وجوب المقدار مبني عليه. قوله: ((قال عبد الله)) أي: عبد الله بن عمر. قوله: ((فجعل الناس)) أراد به معاوية ومن تبعه، ووقع ذلك صريحاً في حديث أيوب عن نافع أخرجه الحميدي في (مسنده) عن سفيان بن عيينة، حدثنا أيوب ولفظه: ((صدقة الفطر صاع من شعير أو صاع من تمر، قال ابن عمر: فلما كان معاوية عدل الناس نصف صاع بر بصاع من شعير ... )) وهكذا أخرجه ابن خزيمة في (صحيحه) من وجه آخر عن سفيان، وقال أبو داود: حدثنا الهيثم بن خالد الجهني، حدثنا حسين بن علي الجعفي عن زائدة حدثنا عبد العزيز بن أبي داود ((عن نافع عن عبد الله بن عمر، قال: كان الناس يخرجون صدقة الفطر على عهد رسول الله، عَّه، صاعاً من شعير أو تمر أو سلت أو زبيب، قال عبد الله: فلما كان عمر، رضي الله تعالى عنه، وكثرت الحنطة جعل عمر نصف صاع حنطة مكان صاع من تلك ١٦٦ ٢٤ - كتابُ الزّكاةِ / باب (٧٦) الأشياء)). وقال مسلم في (كتاب التمييز). عبد العزيز وهم فيه وأعله ابن الجوزي به، وقال صاحب (التنقيح): وعبد العزيز هذا، وإن كان ابن حبان تكلم فيه، فقد وثقه يحيى القطان وابن معين وأبو حاتم الرازي وغيرهم، والموثقون له أعرف من المضعفين، وقد أخرج له البخاري استشهاداً. وقال الطحاوي، رحمه الله: حدثنا فهد، قال: حدثنا عمرو بن طارق، قال: حدثنا يحيى بن أيوب عن يونس بن يزيد أن نافعاً أخبره قال: ((قال عبد الله بن عمر، رضي الله تعالى عنهما: فرض رسول الله، عَّ ل، زكاة الفطر صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير على كل إنسان ذكر أو أنثى حر أو عبد من المسلمين))، وكان عبد الله بن عمر يقول: جعل الناس عدله مدين من حنطة، فقول ابن عمر: جعل الناس حدلهِ مدين من حنطة إنما يريد أصحاب رسول الله عَ لِ الذي يجوز تعديلهم ويجب الوقوف عند قولهم، فإنه قد روي عن عمر مثل ذلك في كفارة اليمين أنه قال ذلك، فأطعم عني عشرة مساكين كل مسكين نصف صاع من بر أو صاعاً من تمر أو شعير، ويروى عن علي، رضي الله تعالى عنه، مثل ذلك مع أنه قد روي عن عمر وعن أبي بكر، رضي الله تعالى عنهما أيضاً، وعن عثمان بن عفان، رضي الله تعالى عنه، في صدقة الفطر أنها من الحنطة نصف صاع. وقال أبو داود: حدثنا عبد الله بن مسلم حدثنا داود يعني ابن قيس عن عياض بن عبد الله عن أبي سعيد الخدري قال: كنا نخرج، إذ كان فينا رسول الله عَّله، زكاة الفطر عن كل صغير وكبير حر أو مملوك صاعاً من طعام أو صاعاً من أقط أو صاعاً من شعير أو صاعاً من تمر أو صاعاً من زبيب، فلم نزل نخرجه حتى قدم معاوية حاجاً أو معتمراً فكلم الناس على المنبر فكان فيما كلم الناس أن قال: إني أرى مدين من سمراء الشام تعدل صاعاً من تمر، فأخذ بذلك الناس، فقال أبو سعيد: فأما أنا فلا أزال أخرجه أبداً ما عشت)). وقال النووي: هذا الحديث معتمد أبي حنيفة، قال بأنه فعل صحابي، وقد خالفه أبو سعيد وغيره من الصحابة ممن هو أطول صحبة منه وأعلم بحال النبي معَّله، وقد أخبر معاوية بأنه رأي رآه، لا قول سمعه من النبي عَّهِ، قلنا: إن قوله: فعل صحابي، لا يمنع لأنه قد وافقه غيره من الصحابة الجم الغفير بدليل قوله في الحديث: فأخذ الناس بذلك، ولفظ الناس للعموم، فكان إجماعاً. ولا تضر مخالفة أبي سعيد لذلك بقوله: أما أنا فلا أزال أخرجه، لأنه لا يقدح في الإجماع، سيما إذا كان فيه الخلفاء الأربعة، أو نقول: أراد الزيادة على قدر الواجب تطوعاً. قوله: ((من سمراء الشام))، بفتح السين المهملة وسكون الميم وبعدها راء ممدودة، وهو البر الشامي، وينطلق على كل بر. قوله: ((عدله))، بفتح العين وكسرها، قاله الكرماني، والأظهر أنه بالكسر أي: نظيره. وقال الأخفش: العدل، بالكسر المثل، وبالفتح مصدر عدلته بهذا، وقال الفراء، بالفتح ما عادل الشيء من غير جنسه، وبالكسر: المثل. قوله: ((مدين))، تثنية مدّ، وهو ربع الصاع. : ١٦٧ ٢٤ - كتابُ الزكاةِ / باب (٧٧) ٧٧ - بابُ صَاعٍ مِنْ زَبِیبِ أي: هذا باب قوله: ((صاعٌ))، مبتدأ، وقوله: ((من زبيب)) صفته أي: صاع كائن من زبيب، وخبره محذوف تقديره: صاع من زبيب في صدقة الفطر مجزىء، ولما كان حديث أبي سعيد الخدري مشتملاً على خمسة أصناف وضع لكل صنف ترجمة، غير الأقط تنبيهاً على جواز التخيير بين هذه الأشياء في دفع الصدقة، ولم يذكر الأقط كأنه لا يراه مجزئاً عند وجود غيره، كما هو مذهب أحمد. ١٠٧/ ١٥٠٨ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مُنِيرٍ سَمِعَ يَزِيدَ العَدَنِيِّ قال حدَّثنا سُفْيانُ عنْ زَيْدِ ابنِ أُسْلَمَ قال حدَّثني عِيَاضُ بنُ عَبْدِ الله بنِ أبي سَرْحِ عنْ أبي سَعِيدِ الخُذْرِي رضي الله تعالى عنه. قال كُنَّا نُعْطِيهَا فِي زَمَانِ النبيِّ عَ لِّ صاعاً مِنْ طَعَامِ أوْ صاعاً مِنْ تَمْرٍ أو صاعاً مِنْ شَعِيرٍ أوْ صَاعاً مِنْ زَبِيبٍ فَلَمَّا جاءَ مُعَاوِيَةُ وَجاءَتِ السَّمْرَاءُ قال أُرَى مُدَّاً مِنْ هُذا يَعْدِلُ مُدَّيْنِ. [انظر الحديث ١٥٠٥ - وطرفيه]. مطابقته للترجمة في قوله: ((أو صاعاً من زبيب))، وعبد الله بن منير، بضم الميم وكسر النون وبالراء، مر في: باب الوضوء، ويزيد - من الزيادة - ابن أبي حكيم، بفتح الحاء: العدني، بالمهملتين المفتوحتين وبالنون، مات سنة ست وأربعين ومائة، وسفيان هو الثوري. قوله: ((عن أبي سعيد))، وقد تقدم من رواية مالك بلفظ: إنه سمع أبا سعيد. قوله: ((كنا نعطيها)) أي: صدقة الفطر. قوله: ((في زمان النبي عَّل))، هذا حكمه حكم الرفع لإضافته إلى زمنه عَّ الله، وفيه إِشعار بأنه، عَّلَّه، اطلع على ذلك وقرره له خصوصاً في هذه الصورة التي كانت توضع عنده وتجمع بأمره، وهو الآمر بقبضها وتفريقها. قوله: ((صاعاً من طعام))، قال الخطابي: المراد بالطعام هنا: الحنطة، وأنه اسم خاص له، ويستعمل في الحنطة عند الإطلاق حتى إذا قيل: إذهب إلى سوق الطعام، فهم منه سوق القمح، وإذا غلب العرف نزل اللفظ عليه، ورد عليه ابن المنذر: بأن هذا غلط منه، وذلك أن أبا سعيد أجمل الطعام ثم فسره، ثم أكد كلامه بما رواه حفص بن ميسرة عن زيد عن عياض على ما يأتي في الباب الذي يلي هذا الباب وفيه: ((وكان طعامنا الشعير والزبيب والأقط والتمر)). قلت: ويؤيد هذا ما رواه ابن خزيمة من طريق فضيل بن غزوان عن نافع عن ابن عمر، رضي الله تعالى عنهم، قال: لم تكن الصدقة على عهد رسول الله عَّةٍ إلا التمر والزبيب والشعير ولم تكن خاصة وقال ابن المنذر أيضاً: لا نعلم في القمح خبراً ثابتاً عن النبي عَّلّ يعتمد عليه، ولم يكن البر بالمدينة في ذلك الوقت إلاَّ الشيء اليسير منه، فلما كثر في زمن الصحابة رأوا أن نصف صاع منه يقوم مقام صاع من شعير، وهم الأئمة، فغير جائز أن يعدل عن قولهم إلاَّ إلى قول مثلهم، ثم روى بإسناده عن عثمان وعلي وأبي هريرة وجابر وابن عباس وابن الزبير وأمه أسماء بنت أبي بكر، رضي الله تعالى عنهم، بأسانيد صحيحة: أنهم رأوا أن في زكاة الفطر نصف صاع من قمح، وقال بعضهم: لكن حديث أبي سعيد دال على أنه لم يوافق على ذلك، وكذلك ابن عمر، ١٦٨ ٢٤ - كتابُ الزّكاةِ / باب (٧٧) فلا إجماع في المسألة، خلافاً للطحاوي. قلت: روى الطحاوي أحاديث كثيرة عن النبي عَ لّه وعن أصحابه من بعده وعن تابعيهم من بعدهم في: أن صدقة الفطر من الحنطة نصف صاع، ومما سوى الحنطة صاع، ثم قال: ما علمنا أحداً من أصحاب رسول الله عَّلله ولا من التابعين روى عنه خلاف ذلك، فلا ينبغي لأحد أن يخالف ذلك، إذ كان قد صار إجماعاً في زمن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، رضي الله تعالى عنهم، إلى زمن من ذكرنا من التابعين، وكان قد ذكر: النخعيّ ومجاهداً وسعيد بن المسيب والحكم بن عيينة وحماد بن أبي سليمان وعبد الرحمن بن القاسم، ونهض هذا القائل فقال: فلا إجماع في المسألة خلافاً للطحاوي، وسنده في هذا هو أن أبا سعيد وابن عمر لم يوافقا على ذلك. قلت: أما أبو سعيد فإنه لم يكن يعرف في الفطرة إلاَّ التمر والشعير والأقط والزبيب، والدليل عليه ما روي عنه في رواية: ((كنا نخرج على عهد رسول الله عَّله صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير ... )) الحديث، ((لا نخرج غيره)) فإن قلت: في روايته الأخرى: ((كنا نخرج زكاة الفطر صاعاً من طعام؟» قلت: قد بينت فيما مضى أن الطعام اسم لما يطعم مما يؤكل ويقتات، فيتناول الأصناف التي ذكرها في حديثه. وجواب آخر: أن أبا سعيد إنما أنكر على معاوية على إخراجه المدين من القمح لأنه ما كان يعرف القمح في الفطرة، وكذلك ما نقل عن ابن عمر. وجواب آخر: أن أبا سعيد كان يخرج النصف الآخر تطوعاً، وقال هذا القائل أيضاً: أما من جعل نصف صاع فيها بدل صاع من شعير فقد فعل ذلك بالاجتهاد، وفي حديث أبي سعيد ما كان عليه من شدة الاتباع والتمسك بالآثار وترك العدول إلى الاجتهاد مع وجود النص. قلت: مع وجود الأحاديث الصحيحة الصريحة أن الصدقة من الحنطة نصف صاع، كيف يكون الاجتهاد؟ وأبو سعيد هو الذي اجتهد حتى جعل الطعام براً، مع قوله: ((كنا نخرج على عهد رسول الله عَّم صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير .. )) الحديث، ولا نخرج غيره، ومع مخالفته الآثار التي فيها نصف صاع من بر، كيف ترك العدول إلى الاجتهاد؟ وقوله: مع وجود النص غير مسلم، لأنه لم يكن عنده نص غير صاع من طعام، ولم يكن عنده نص صريح على أن الصدقة من البر صاع؟ فإن قلت: كيف تقول: ولم يكن عنده نص صريح على أن الصدقة من البر صاع؟ وقد روى الحاكم حديثه، وفيه: ((أو صاعاً من حنطة؟)) قلت: ذكر ابن خزيمة أن ذكر الحنطة في هذا الخبر غير محفوظ، ولا أدري ممن الوهم. وقول الرجل له: أو مدين من قمح، دال على أن ذكر الحنطة في أول الخبر خطأ ووهم، إذ لو كان صحيحاً لم يكن لقوله: أو مدين من قمح، معنىّ. وقد عرف تساهل الحاكم في تصحيح الأحاديث المدخولة، وكذلك أشار أبو داود في (سننه) أن هذا ليس بمحفوظ، وقد ذكرنا هذا فيما مضى مفصلاً. ١٦٩ ٢٤ - كتابُ الزكاةِ / باب (٧٨) ٧٨ - بابُ الصَّدَقَّةِ قَبْلَ العِيدِ أي: هذا باب في بيان أن صدقة الفطر قبل خروج الناس إلى صلاة العيد، وقد ذكرنا فيما مضى أن وقت وجوب صدقة الفطر عند أبي حنيفة بطلوع الفجر يوم الفطر، وهو قول الليث بن سعد ومالك في رواية ابن القاسم وابن وهب وغيرهما، وفي رواية عنه: تجب بآخر جزء من ليلة الفطر وأول جزء من يوم الفطر. وفي رواية أشهب: تجب بغروب الشمس من ليلة الفطر، وهو قول الأوزاعي وأحمد وإسحاق والشافعي في الجديد، وكان قال في القديم ببغداد: إنما تجب بطلوع فجر يوم الفطر، وبه قال أبو ثور، رحمه الله تعالى، ومع هذا كله يستحب أن يخرجها قبل ذهابه إلى صلاة العيد، دل عليه حديث الباب. ١٥٠٩/١٠٨ - حدَّثنا آدَمُ قال حدَّثنا حَفْصُ بنُ مَيْسَرَةَ قال حدَّثنا مُوسى بنُ عُقْبَةَ عنْ نافعٍ عنِ ابنِ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما أنَّ النبيَّ عَلَّهِ أَمَرَ بِزَكاةِ الفِطْرِ قَبْلَ خُروجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلاَةِ. [انظر الحديث ١٥٠٣ - وأطرافه]. مطابقته للترجمة ظاهرة من التقرير الذي ذكرنا عندها. ذكر رجاله: وهم: خمسة: آدم هو ابن إياس، وحفص بن ميسرة - ضد الميمنة - أبو عمر - بدون الواو - الصنعاني نزل الشام، مات سنة إحدى وثمانين ومائة. وأخرجه مسلم، رضي الله تعالى عنه، في الزكاة عن يحيى بن يحيى، وأبو داود فيه عن عبد الله بن محمد النفيلي. والترمذي، رحمه الله تعالى، فيه عن مسلم بن عمر. والنسائي فيه عن محمد بن معدان وعن محمد بن عبد الله بن بزيع. قوله: ((أمر))، ظاهره يقتضي وجوب الأداء قبل صلاة العيد، ولكنه محمول على الاستحباب، وذلك ليحصل الغناء للفقراء في هذا اليوم ويستريحون عن الطواف. ووقع في حديث أخرجه ابن سعد عن ابن عمر قال: ((إغنوهم))، يعني: المساكين، ((عن طواف هذا اليوم)). وذكر ابن العربي في (العارضة): وفي كتاب مسلم: ((فرض رسول الله عَّ له صدقة الفطر على الناس وقال: إغنوهم عن سؤال هذا اليوم))، وقال: هذا قوي في الأثر، ولكنه وهم في عزوه لمسلم، وهذا لم يخرجه مسلم أصلاً، وإنما أخرجه الدارقطني والبيهقي. ويستحب إخراجها يوم الفطر قبل الخروج إلى الصلاة، وهو قول ابن عمر وابن عباس وعطاء بن أبي رباح وإبراهيم النخعي والقاسم ومسلم بن يسار وأبي نضرة وعكرمة والضحاك والحكم بن عيينة وموسى بن وردان ومالك والشافعي وإسحاق وأهل كوفة، ولم يحك الترمذي فيه خلافاً لما أخرج هذا الحديث، وحكى الخطابي الإجماع فيه، فقال في (معالم السنن): وهو قول عامة أهل العلم، ونقل الاتفاق في استحباب إخراجها في الوقت المذكور. أما جواز تقديمها عليه وتأخيرها عنه، فالخلاف فيه مشهور، وقد ذكرناه فيما مضى. ١٥١٠/١٠٩ - حدَّثنا مُعَاذُ بنُ فَضَالَةَ قال حدَّثنا أبُو عُمَرَ عنْ زَيْدٍ عنْ عِيَاضِ بنِ عَبْدِ ١٧٠ ٢٤ - كتابُ الزّكاةِ / باب (٧٩) الله بنِ سَعْدٍ عنْ أَبِي سَعِيدِ الخُذْرِيِّ رضي الله تعالى عنهُ. قال كُنَّا نُخْرِجُ فِي عَهْدِ رَسولِ الله عَّهِ يَومَ الفِطْرِ صاعاً مِنْ طَعامِ. وقال أَبُو سَعيدٍ وكانَ طَعَامنا الشَّعيرُ وَالزَّبِيبُ وَالأَقِطُ وَالتَّمْرُ. [انظر الحديث ١٥٠٥ وطرفيه]. مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: ((يوم الفطر))، ولكن لا يدل على إخراجها قبل الخروج إلى الصلاة صريحاً، كما في حديث ابن عمر السابق. ومعاذ، بضم الميم: ابن فضالة، بفتح الفاء وتخفيف الضاد المعجمة، وقد مر في الصلاة. وأبو عمر، بضم العين: هو حفص بن ميسرة وقد مر الآن، وزيد هو زيد بن أسلم وقد مر عن قريب. قوله: ((صاعاً من طعام)) أنه أحد الأصناف المذكورة، وقد حققنا الكلام فيه فيما مضى، وقال الكرماني: قوله: ((قال أبو سعيد)) منافٍ لما تقدم من قوله: إن الطعام هو الحنطة، ثم أجاب عن هذا نصرة لمذهبه بقوله: لا نزاع في أن الطعام بحسب اللغة عام لكل مطعوم، إنما البحث فيما يعطف عليه الشعير وسائر الأطعمة، فإن العطف قرينة لإرادة المعنى العرفي منه، وهو البر بخصوصه. قلت: لا نسلم أن معنى هذا العطف هو الذي قاله، بل هذا العطف يدل على أن الطعام الذي ذكره أبو سعيد هو أحد الأصناف التي ذكرها فيه، لأنه مثل النفير لما قبله، والأصل استعمال الألفاظ في معانيها اللغوية، كما عرف في موضعه. ثم قال الكرماني أيضاً: لِمَ لا يكون من باب عطف الخاص على العام نحو: ﴿فاكهة ونخل ورمان﴾ [الرحمن: ٦٨]. وأجاب بأن هذا العطف إنما هو فيما إذا كان الخاص أشرف، وهذا بعكس ذلك. قلت: لا نسلم دعوى عكس الأشرفية فيما نحن فيه، ولا يخلو هذا إما من حيث اللغة أو الشرع أو العرف، وكل منها منتفٍ، أما اللغة فليس فيها ذلك، وأما الشرع فعليه البيان فيه، وأما العرف فهو مشترك. فافهم. ٧٩ - بابُ صَدَقَّةِ الفِطْرِ عَلَى الحُرِّ وَالمَمْلُوكِ أي: هذا باب في بيان وجوب صدقة الفطر على الحر والمملوك، وكأنه أراد بهذه الترجمة أن الحر والمملوك يستويان في صدقة الفطر، لكن بينهما فرق في جهة الوجوب، لأن الحر تجب على نفسه والمملوك على سيده، ولكن فيه أيضاً فرق وهو أنه إذا كان للخدمة تجب على سيده، وإن كان للتجارة فلا تجب خلافاً للشافعي. وقال شيخنا زين الدين، رحمه الله: إذا كان: قلنا بقول الجمهور، أن صدقة الفطر على سيد العبد لا على العبد، فهل وجبت على السيد ابتداء أو وجبت على العبد وتحملها السيد بالانتقال عنه؟ قال الروياني: ظاهر المذهب هو الأول. قال الإمام: وذكر طائفة من المحققين أن هذا الخلاف في فطرة الزوجة، وأما فطرة العبد فتجب على السيد ابتداءً بلا خلاف، وتجب على السيد سواء كان العبد مرهوناً أو مستأجراً أو خائناً أو ضالاً أو مغصوباً أو آبقاً، لأن ملكه لا ينقطع بذلك. وقال ابن المنذر: أجمع من يحفظ عنه من أهل العلم أن لا صدقة على الذمي عن عبده المسلم، وكذا ذكر في (المحيط) لأن الفطرة زكاة فلا تجب على الكافر زكاة، وقال ١٧١ ٢٤ - كتابُ الزّكاةِ / باب (٧٩) أبو ثور: تجب عليه إن كان له مال، لأن العبد يملك عنده، وإن كان عبده آبقاً أو مأسوراً أو مغصوباً مجحوداً لا تجب هكذا في (البدائع) و(الينابيع) وبه قال أبو ثور والشافعي وابن المنذر، وعن أبي حنيفة: تجب في الآبق، وبه قال عطاء والثوري، وقال الزهري وأحمد وإسحاق: تجب إن كان في دار الإسلام، وفي المرهون على المشهور إن فضل له بعد الدين تجب، وعن أبي يوسف: لا تجب حتى يفتكه وإن هلك قبله، ولا صدقة على الراهن بخلاف عبده المستغرق بالدين، والذي في رقبته جناية. قال أبو يوسف: ورقيق الأحباس ورقيق القوام الذين يقومون على زمزم ورقيق الفيء والغنيمة والسبي والأسر قبل القسمة لا فطرة فيهم، والعبد الموصى برقبته لإنسان وبخدمته لآخر تجب على الموصى له بالرقبة دون الخدمة، كالعبد المستعار. وقال ابن الماجشون: تجب على مالك الخدمة، وتجب عن عبيد العبيد، وبه قال الشافعي. وقال مالك: لا شيء فيهم. وفي معتق البعض أقوال ستة. الأول: لا شيء فيه، وهو قول أبي حنيفة. والثاني: تجب على المعتق لأن له أن يعتقه كله إن كان له مال، وهو قولهما لأنه حر عندهما، والثالث: يؤدي المالك نصف صدقة فطره، ولا شيء على العبد فيما عتق. والرابع: تجب عليهما صدقة كاملة إذا ملكاً فضلاً عن قوتهما، قاله أبو ثور والشافعي. والخامس: يؤدي الذي يملك نصيبه صدقة كاملة، وهو قول ابن الماجشون. والسادس: على سيده بقدر ما يملكه، وفي ذمة المعتق بقدر حريته، فإن لم يكن له مال يزكى سيده كله. وقال الزُّهْرِيُّ في المَمْلُوكِينَ لِلتِّجَارَةِ يُزَكّي فِي الِّجَارَةِ ويُزَكي في الفِطْرِ مطابقته للترجمة ظاهرة، الزهري وهو محمد بن مسلم بن شهاب، وهذا التعليق وصل بعضه أبو عبيد في (كتاب الأموال) وقال: حدثنا عبد الله بن صالح عن الليث عن يونس عن ابن شهاب قال: ليس على المملوك زكاة، ولا يزكي عنه سيده إلا زكاة الفطر قوله: للتجارة، يجوز أن يكون للحال، وأن يكون صفة أي في المملوكين المعدين للتجارة، فعلى الأول محله النصب وعلى الثاني الجر. قوله: ((يزكي))، أي: يؤدي الزكاة في مماليك التجارة من جهتين، ففي رأس الحول تجب زكاة قيمتهم، وفي صدقة الفطر زكاة بدنهم. ١٥١١/١١٠ _ حدَّثنا أبو النُّعْمَانِ قال حدَّثنا حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ قال حدَّثنا أَيُّوبُ عنْ نَافِعِ عنِ ابنِ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما. قال فَرَضَ النبيُّ عَّهِ صَدَقَةَ الفِطْرِ أَوْ قال رَمَضَان عَلَىْ الذَّكرِ وَالأَنْثِى وَالحُرِّ والمَمْلُوكِ صاعاً مِنْ تَمْرٍ أوْ صَاعاً مِنْ شَعِيرٍ فَعَدَلَ النَّاسُ بِهِ نِصْفَ صاعِ مِنْ بُرّ فكانَ ابنُ عُمرَ رضي الله تعالى عنهما يُعْطِي الَّمْرَ فَأْوَزَ أَهْلُ المَدِينَةِ مِنَ الثَّعْرِ فأعْطَىّ شَعِيراً فكانَ ابنُ عُمَرَ يُعْطِي عنِ الصَّغِيرِ والكَبِيرِ حَتَّى كانِ يُعْطي عنْ بَنِيَّ وكانَ ابنُ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما يُعْطِيها الَّذِينَ يَقْبَلُونَهَا وكانُوا يُعْطُونَ قَبْلَ الفِطْرِ بِيومٍ أَوْ يَوْمَيْنِ. [انظر الحديث ١٥٠٣ - وأطرافه]. مطابقته للترجمة في قوله: ((والمملوك))، ورجاله ذكروا غير مرة، وأبو النعمان محمد ١٧٢ ٢٤ - كتابُ الزّكاةِ / باب (٧٩) ابن الفضل وأيوب السختياني، وقد مضى الكلام في صدر الحديث فيما مضى عن قريب. قوله: ((فعدل الناس)) أي: معاوية ومن كان معه، وقال الكرماني: ((الناس)) أي: معاوية، ثم قال: فإن قلت: التخصيص به خلاف الظاهر، فيكون المراد به الصحابة فيصير إجماعاً سكوتياً. ثم قال: قلت: الأصل في: اللام، أن تكون للجنس الصادق على القليل والكثير والاستغراق مجازاً. انتهى. قلت: هذا تعسف، فلو قال من الأول مثل ما قلنا ما كان يحتاج إلى هذا التطويل، مع أن قوله الأصل في: اللام، أن تكون للجنس ليس كذلك، بل الأصل في اللام أن تكون للعهد كما قاله المحققون. قوله: ((فكان ابن عمر يعطي التمر)» وفي رواية مالك في (الموطأ) عن نافع: ((كان ابن عمر لا يخرج إلا التمر في زكاة الفطر إلاَّ مرة واحدة فإنه أخرج شعيراً). وفي رواية ابن خزيمة من طريق عبد الوارث عن أيوب: ((كان ابن عمر إذا أعطى أعطى التمر إلاَّ عاماً واحداً). قوله: ((فأعوز))، بالعين المهملة والزاي: أي: احتاج. تقول: أعوزني الشيء إذا احتجت إليه ولم تقدر عليه. قال الكرماني: فأعوز بلفظ المعروف والمجهول: يقال: أعوزه الشيء إذا احتاج إليه فلم يقدر عليه، وعوز الشيء إذا لم يوجد، وأعوز أي: افتقر. قوله: ((حتى أن كان)) قال الكرماني ما محصله: إنه روى: ان، بكسر الهمزة وفتحها، وشرط المخففة المكسورة، اللام، وشرط المفتوحة: قد، ونحوه وقد يكون واحد منهما مقدراً، أو أن: ان، مصدرية و: كان، زائدة. قلت: هذا تعسف، والأوجه أن يقال: أن، مخففة من المثقلة، وأصله حتى إنه، كان، أي: حتى أن ابن عمر، رضي الله تعالى عنهما، كان يعطي. قوله: ((بني)) أصله بنون لي، فلما أضيف إلى ياء المتكلم صار: بنيي، بياءين فأدغمت الياء في الياء فصار: بني، قال الكرماني: قوله: بني هو قول نافع يعني: كان ابن عمر يعطي عن أولادنا وهم موالي عبد الله وفي نفقته، فكان يعطي عنهم الفطرة. قلت: قوله: ((بني) هو قول نافع، ليس قول نافع لفظ بني فقط، وإنما قوله من قوله: ((فكان ابن عمر .. )) إلى آخر الحديث من كلام نافع، قوله: ((وكان ابن عمر يعطيها الذين يقبلونها))، وهو الذين ينصبهم الإمام لقبض الزكوات، وقيل: معناه من قال: أنا فقير، وقال بعضهم: الأول أظهر. قلت: بل الثاني أظهر على ما لا يخفى. قوله: ((وكانوا)) أي: الناس، يعطونها أي: صدقة الفطر، قبل الفطر: أي يوم الفطر، بيوم أو يومين. ذكر ما يستفاد منه: فيه: صدقة الفطر من التمر والشعير صاع، وفيه: أنهم عدلوا الصاع من التمر بنصف صاع من البر، فأعطوه، وهو حجة للحنفية من أن صدقة الفطر من البر نصف صاع. وفيه: أن الذكر والأنثى والحر والعبد سواء في الفطرة. وفيه: جواز تقديم صدقة الفطر قبل يوم الفطر بيوم أو يومين، وقد استقصينا الكلام فيه. وفيه: قال ابن بطال: لا يجوز إلاَّ أن يعطي من قوته، لأن التمر كان به جل عيشهم، فحين لم يجدوا كانوا أعطوا الشعير. وفيه: أن أي من قال: أنا فقير فأقبلها يعطيه ولا يسأل عن حقيقة فقره. ١٧٣ ٢٤ - كتابُ الزكاةِ / باب (٨٠) ٨٠ - بابُ صَدَقَةِ الفِطْرِ عَلَى الصَّغِيرِ والكَبِيرِ أي: هذا باب فى بيان وجوب صدقة الفطر على الصغير والكبير، قيل: هذه الترجمة تكرار. قلت: فيه التنبيه على أن الصغير والكبير سواء في صدقة الفطر، غير أن الجهة مختلفة على ما لا يخفى. ١١١/ ١٥١٢ _ حدَّثنا مُسَدَّدٌ قال حدَّثنا يَخيى عنْ عُبَيْدِ الله قال حدَّثني نافِعٌ عنِ ابنِ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما، قال فرَضَ رسولُ اللهِ عَّهِ صِدَقَةَ الفِطْرِ صاعاً مِن شَعيرٍ أوْ صاعاً مِن تَمْرٍ عَلى الصَّغِيرِ والكَبيرِ والحُرِّ والمَمْلُوكِ. [انظر الحديث ١٥٠٣ - وأطرافه]. مطابقته للترجمة في قوله: ((على الصغير والكبير))، ويحيى هو القطان، وعبيد الله، بضم العين بتصغير العبد: ابن عمر العمري. وأخرجه أبو داود أيضاً عن مسدد نحوه، وقال أبو داود: ورواه سعيد الجمحي عن عبيد الله عن نافع قال فيه: ((من المسلمين))، والمشهور عن عبد الله ليس فيه: ((من المسلمين)). وفي رواية لأبي داود عن موسى بن إسماعيل: ((والذكر والأنثى)). وبقية الكلام فيه قد مرت غير مرة. والله أعلم، والحمد لله وحده. ١٧٤ ٢٥ ــ كِتَابُ الحَمُ بسم الله الرحمن الرحيم ٢٥ - كِتَابُ الحَجّ هذا كتاب في بيان الحج، وقد ذكرنا أول الكتاب أن الكتاب يشتمل الأبواب، والأبواب تشتمل الفصول، ولم يقع في ترتيب البخاري الفصول، وإنما يوجد في بعض المواضع لفظة: باب، مجرداً ويريد به الفصل عما قبله، لكنه من جنسه كما ستقف عليه في أثناء الكتاب. والكلام هنا على أنواع: الأول: ذكر كتاب الحج عقيب كتاب الزكاة، وكان المناسب ذكر كتاب الصوم عقيب كتاب الزكاة، كما قدمه ابن بطال على كتاب الحج كما وقع في الخمس الذي بني الإسلام عليها، ولكن لما كان للحج اشتراك مع الزكاة في كونهما عبادة مالية ذكره عقيب الزكاة. فإن قلت: فعلى هذا كان ينبغي أن يذكر الصوم عقيب الصلاة لأن كلاً منهما عبادة بدنية. قلت: نعم، كان القياس يقتضي ذلك ولكن ذكرت الزكاة عقيب الصلاة لأنها ثانية الصلاة وثالثة الإيمان في الكتاب والسنة. النوع الثاني: أنه قد وقع في رواية الأصيلي: كتاب المناسك، كما وقع هكذا في (صحيح مسلم) ووقع في كتاب الطحاوي: كتاب مناسك الحج، وهو جمع منسك، بفتح السين وكسرها وهو المتعبد، ويقع على المصدر والزمان والمكان، ثم سميت أمور الحج كلها مناسك، والمنسك: المذبح، وقد نسك ينسك نسكاً إذا ذبح، والنسيكة الذبيحة، وجمعها نسك، والنسك أيضاً الطاعة والعبادة، وكل ما تقرب به إلى الله، عز وجل، والنسك ما أمرت به الشريعة والورع وما نهت عنه. والناسك العابد، وسئل ثعلب عن الناسك ما هو؟ فقال: هو مأخوذ من النسيكة، وهي سبيكة الفضة المصفاة، كأن الناسك صفى نفسه لله تعالی. النوع الثالث: في معنى الحج لغة وشرعاً أما لغةً: فمعناه القصد، من حججت الشيء أحجه حجاً إذا قصدته. وقال الأزهري: وأصل الحج من قولك: حججت فلاناً أحجه حجاً إذا عدت إليه مرة بعد أخرى. فقيل: حج البيت، لأن الناس يأتونه كل سنة، ومنه قول المخبل السعدي: وأشهد من عوف حلولاً كثيرة يحجون سب الزبرقان المزعفرا يقول: يأتونه مرة بعد أخرى لسؤدده وسبه: عمامته، وقال صاحب (العين): السب الثوب الرقيق، وقيل: غلالة رقيقة يمنية، والزبرقان، بكسر الزاي وسكون الباء الموحدة وكسر الراء وبالقاف المخففة وفي آخره نون: وهو في الأصل اسم القمر، ولقب به الحصين لصفرة عمامته. وأما شرعاً: الحج قصد إلى زيارة البيت الحرام على وجه التعظيم بأفعال مخصوصة، ١٧٥ ٢٥ - كِتَابُ الحَجُ / باب (١) وسببه البيت، لأنه يضاف إليه، ولهذا لا يجب في العمر إلاَّ مرة واحدة لعدم تكرار السبب، والحج، بفتح الحاء وكسرها. وقال الزجاج: يقرأ بفتح الحاء وكسرها، يعني: في القرآن، والأصل الفتح. قلت: قرىء بهما في السبعة وأكثرهم على الفتح. وفي (أمالي الهجري) أكثر العرب يكسرون الحاء فقط، وقال ابن السكيت: بفتح الحاء: القصد، وبالكسر: القوم الحجاج، والحجة، بالفتح: الفعلة من الحج، وبكسر الحاء: التلبية والإجابة. قلت: يقال في الفعلة بالفتح المرة، وبالكسر الحالة، والهيأة، والحاج الذي يحج، وربما يظهرون التضعيف في ضرورة الشعر قال: بكل شيخ عامر أو حاجج ويجمع على: حجج، بالضم نحو: بازل وبزل، وعائذ وعود. النوع الرابع: في وقت ابتداء فرضه، فذكر القرطبي أن الحج فرض سنة خمس من الهجرة، وقيل: سنة تسع، قال: وهو الصحيح. وذكر البيهقي أنه كان سنة ست، وفي حديث ضمام بن ثعلبة ذكر الحج، وذكر محمد بن حبيب أن قدومه كان سنة خمس من الهجرة، وقال الطرطوشي: وقد روي أن قدومه على النبي عَ ل كان في سنة تسع، وذكر الماوردي أنه فرض سنة ثمان، وقال إمام الحرمين: سنة تسع أو عشر، وقيل: سنة سبع، وقيل: كان قبل الهجرة وهو شاذ. ١ - بابُ وُجوبِ الحَجُّ وَفَضْلِهِ أي: هذا باب في بيان وجوب الحج وبيان فضله، قد ذكرنا أن الكتاب يجمع الأبواب، فهذا هو شروع في بيان أفعال الحج وما يتعلق به من الأبواب، فذكر باباً باباً بحسب قصده بالتناسب، والبسملة مذكورة في رواية أبي ذر، وفي رواية غيره لم تذكر، وكذا لم يذكر لفظ: الباب. وَقَوْلِ الله تعالى ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حَجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً ومَنْ كَفَرَ فإنَّ الله غَنِيِّ عنِ العَالِمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧]. وقع في بعض النسخ: باب وجوب الحج وفضله، وقوله تعالى: ﴿ولله على الناس حج البيت﴾ [آل عمران: ٩٧]. وهذا أوجه، وأشار بذكر هذه الآية الكريمة إلى أن وجوب الحج قد ثبت بهذه الآية، هذا عند الجمهور، وقيل: ثبت وجوبه بقوله تعالى ﴿وأتموا الحج والعمرة الله﴾ [البقرة: ١٩٦]. والأول أظهر. وقد وردت الأحاديث المتعددة بأنه أحد أركان الإسلام ودعائمه وقواعده، وأجمع المسلمون على ذلك إجماعاً ضرورياً. وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون حدثنا الربيع بن مسلم القرشي عن محمد بن زياد ((عن أبي هريرة، رضي الله تعالى عنه، قال: خطبنا رسول الله عَ لله فقال: يا أيها الناس قد فرض عليكم الحج فحجوا. فقال رجل: أكل عام يا رسول الله؟ فسكت حتى قالها ثلاثاً، فقال رسول الله عَ لَّه: لو قلت ١٧٦ ٢٥ - كِتَابُ الحَجِّ / باب (١) نعم لوجبت، ولما استطعتم. ثم قال: ذروني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه)). رواه مسلم. وفي روايته: ((فقام الأقرع بن حابس، فقال: يا رسول الله أفي كل عام؟ ... )) الحديث. وعن أحمد في روايته: ((عن علي، رضي الله تعالى عنه، قال لما نزلت: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً﴾ [آل عمران: ٩٧]. قالوا: يا رسول الله في كل عام؟ ... )) الحديث. وفي رواية ابن ماجه: ((عن أنس بن مالك، قال: قالوا: يا رسول الله الحج في كل عام؟ قال: لو قلت: نعم لوجبت، ولو وجبت لم تقوموا بها، ولو لم تقوموا بها لعذبتم)). وفي (الصحيحين) من حديث جابر ((أن سراقة بن مالك، قال: يا رسول الله متعتُنا هذه لعامنا أم للأبد؟ قال: بل للأبد)). قوله: ((حج البيت)) مرفوع على الابتداء، وخبره مقدماً، قوله: ((ولله على الناس)) أي: ولله فرض واجب ﴿على الناس حج البيت﴾ [آل عمران: ٩٧]. لأن: اللام، لام الإيجاب. قوله: ﴿من استطاع﴾ [آل عمران: ٩٧]. بدل: من الناس، في محل الجر، والتقدير: ولله على من استطاع من الناس حج البيت، والاستطاعة هي: الزاد والراحلة وتخلية الطريق، وعن أنس عن النبي عَّ لل أنه قال: ((السبيل: الزاد والراحلة))، رواه الحاكم، ثم قال: صحيح على شرط مسلم، وروى الترمذي من حديث ابن عمر قال: ((قام رجل إلى النبي عَّ له فقال: من الحاج يا رسول الله؟ قال: الشعث الثقل، فقام آخر فقال: أي الحج أفضل يا رسول الله؟ فقال العج والثج، فقام آخر، فقال: ما السبيل يا رسول الله؟ قال: الزاد والرحلة)). وقال ابن أبي حاتم، وقد روي عن ابن عباس وأنس والحسن ومجاهد وعطاء وسعيد بن جبير والربيع بن أنس وقتادة نحو ذلك، وقد روى ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿من استطاع إليه سبيلاً﴾ [آل عمران: ٩٧]. قال: من ملك ثلاثمائة درهم فقد استطاع إليه سبيلا)). وعن عكرمة مولاه، قال: ((من استطاع إليه سبيلاً: السبيل: الصحة)). وعن الضحاك عن ابن عباس. ((قال: من استطاع إليه سبيلاً)) قال: الزاد والبعير، قوله: ﴿ومن كفر فإن الله غني عن العالمين﴾ [آل عمران: ٩٧]. قال ابن عباس ومجاهد وغير واحد: أي: ومن جحد فرضية الحج فقد كفر، والله غني عنه. وقيل: من لم یرج ثوابه ولم يخف عقابه تر که، وقيل: إذا أمكنه الحج ولم يحج حتى مات، وروى ابن مردويه من حديث الحارث عن علي، رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله عَّ له: ((من ملك زاداً وراحلة ولم يحج بيت الله فلا يضره مات يهودياً أو نصرانياً، وذلك بأن الله تعالى قال: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً﴾ [آل عمران: ٩٧]. إلى آخره. ورواه الترمذي أيضاً، وقال: هذا حديث غريب، وفي إسناده مقال، وهلال مجهول يعني في رواية الحارث يضعف في الحديث، وروى الإسماعيلي الحافظ من حديث عبد الرحمن بن غنم، سمع عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه، يقول: ((من أطاق الحج فلم يحج فسواء عليه يهودياً مات أو نصرانياً)). وهذا إسناد صحيح إلى عمر، قاله ابن كثير في تفسيره. قوله: ﴿غني عن العالمين﴾ [آل عمران: ٩٧]. ١٧٧ ٢٥ - كِتَابُ الحَجِّ / باب (١) أي: لا ينفعه إيمانهم ولا يضره كفرهم. ١١٢/ ١٥١٣ _ حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قال أخبرَنا مالِكٌ عنِ ابنِ شِهَابٍ عَنْ سُلَيْمَانَ ابنِ يَسَارٍ عنْ عَبْدِ اللهِ بنِ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما. قال كان الفَضْلُ رَدِيفَ رسولِ الله عَ لَه فَجَاءَتْ امْرَأَةٌ مِنْ خَثْعَمْ فَجعَلَ الفَضْلُ يَنْظُرُ إليْهَا وَتَنْظُرُ إِلَيْهِ وَجَعَلَ النبيُّ عَ لَّهِ يَصْرِفُ وَجْهَ الفَضْلِ إلَى الشِّقِّ الآخَرِ فقالَتْ يا رسولَ الله إنَّ فَرِيضَةَ الله عَلَى عِبَادِهِ فِي الحَجّ أَدْرَكَتْ أبي شَيْخاً كَبِيراً لاَ يَثْبُتُ عَلَى الَّاحِلَةِ أفْأْحُجُ عَنْهُ قال نَعَمْ وَذْلِكَ فِي حََّةِ الوَدَاعِ. [الحديث ١٥١٣ - أطرافه في: ١٨٥٤، ١٨٥٥، ٤٣٩٩، ٦٢٢٨]. مطابقته للترجمة تدرك بدقة النظر، وذلك أن الحديث يدل على تأكيد الأمر بالحج حتى إن المكلف لا يعذر بتركه عند عجزه عن المباشرة بنفسه، بل يلزمه أن يستنيب غيره، وهذا يدل على أن في مباشرته فضلاً عظيماً، فمن هذا تؤخذ المطابقة بين الترجمة والحديث، وسيأتي باب مستقل في فضل الحج، إن شاء الله تعالى. ورجاله قد ذكروا غير مرة، وسليمان بن يسار - ضد اليمين - تقدم في الوضوء. ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً عن القعنبي عن مالك، وعن موسى بن إسماعيل في المغازي، وقال محمد بن يوسف: حدثنا الأوزاعي، وفيه وفي الاستئذان عن أبي اليمان عن شعيب، كلهم عن الزهري. وأخرجه مسلم في الحج عن يحيى ابن يحيى عن مالك به، وأخرجه أبو داود فيه عن القعنبي به، وأخرجه الترمذي فيه عن أحمد ابن منيع عن روح بن عبادة وليس فيه صدر الحديث، وأخرجه النسائي عن محمد بن سلمة والحارث بن مسكين وعن قتيبة وعن أبي داود الحراني وعن عثمان بن عبد الله وعن مجاهد ابن موسى وعن محمود بن خالد. وأخرجه ابن ماجه عن عبد الرحمن بن إبراهيم الدمشقي عن الوليد بن مسلم عن الأوزاعي ... الحديث. ذكر ما قيل في هذا الحديث: قال أبو العباس الطرقي: مدار هذا الحديث على ابن شهاب، وقد اختلف عنه في إسناده، رواه ابن جريج عنه عن سليمان بن يسار عن عبد الله بن عباس عن الفضل بن عباس وهو الصحيح عندي، والحديث حديث الفضل لأنه كان رديف رسول الله عَّ لِ غداة النحر من المزدلفة إلى منى، وعبد الله بن عباس قدمه النبي عَ لَّه في ضعفة أهله من جمع بليل، وروي عنه أنه قال: مشيت على رجلي في سياق إلى منى، فقد دل غير شاهد واحد على أن عبد الله لم يحضر رسول الله عَّةٍ في تلك الحالة، وإنما سمع ذلك من الفضل، كما جاء في حديث ابن عباس حين دفعوا عشية عرفة: عليكم بالسكينة، قال عبد الله: وأخبرني الفضل أن النبي ◌َّه لم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة، وكذلك روى مسلم قال: حدثني علي بن خشرم، قال: أخبرنا عيسى عن ابن جريج عن ابن شهاب، قال: حدثنا سليمان بن يسار عن ابن عباس عن الفضل: أن امرأة من خثعم قالت: يا رسول الله إن أبي شيخ كبير عليه فريضة الله في الحج، وهو لا يستطيع أن يستوي على ظهر بعيره، عمدة القارىء / ٩ / ١٢٢ ١٧٨ ٢٥ - كِتَابُ الحَجِّ / باب (١) فقال النبي عَّلِ: فحجي عنه. وأخرج مسلم أيضاً عن يحيى بن يحيى عن مالك نحو رواية البخاري، وقال الترمذي: وروي عن ابن عباس أيضاً عن النبي عَّ له: قال: فسألت محمداً عن هذه الروايات فقال: أصح شيء في هذا ما روي عن ابن عباس عن الفضل ابن عباس عن النبي عَّهِ، قال محمد: ويحتمل أن يكون ابن عباس سمعه من الفضل وغيره عن النبي عَدٍ، ثم روي هكذا فأرسله ولم يذكر الذي سمعه منه، قال أبو عيسى: وقد صح عن النبي عَّه في هذا الباب غير حديث. قيل: قول الترمذي: وروي عن ابن عباس عن سنان بن عبد الله الجهني عن عمته عن النبي عَّه، فيه نظر من حيث إن الموجود بهذا الإسناد هو حديث آخر في المشي إلى الكعبة لا عن الكبير العاجز، رواه الطبراني من رواية عبد الرحيم بن سليمان عن محمد بن كريب عن كريب عن ابن عباس عن سنان بن عبد الله الجهني، أن عمته حدثته أنها أتت النبي عَّم فقالت: يا رسول الله توفيت أمي وعليها مشي إلى الكعبة نذراً، فقال النبي عَّ له: هل تستطيعين أن تمشين عنها؟ قالت: نعم، قال: فامشي عن أمك. قالت: أَوَ يجزيء ذلك عنها؟ قال: نعم، أرأيت لو كان عليها دين ثم قضيتيه عنها هل كان يقبل منك؟ قالت: نعم، فقال النبي عَّ ◌ُلّ: فالله أحق بذلك)). وأجيب عنه بأنه أراد أن يبين الاختلاف في هذا الحديث عن ابن عباس في المتن والإسناد معاً، وهذا اختلاف في متنه. وقال الترمذي في (العلل الكبير) عن محمد: الصحيح الزهري عن سليمان عن ابن عباس عن الفضل. قلت: كان عبد الله يرويه عن الفضل وعن حصين بن عوف قال: أرجو أن يكون صحيحاً، ويحتمل أن يكون عبد الله روى هذا عن غير واحد ولم يذكر الذي سمعه منه، ويحتمل أن يكون كله صحيحاً، قلت: حديث حصين رواه ابن ماجه عن ابن نمير عن أبي خالد الأحمر عن محمد بن كريب عن أبيه ((عن ابن عباس أخبرني حصين، قلت: يا رسول الله إن أبي أدركه الحج ولا يستطيع أن يحج إلاَّ معترضاً. فصمت ساعة، ثم قال: حج عن أبيك)). ذكر معناه: قوله: ((كان الفضل)) هو الفضل بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم القرشي الهاشمي أبو عبد الله، ويقال: أبو محمد، ويقال: أبو العباس المدني ابن عم رسول الله، عَّله، وأمه أم الفضل لبابة الكبرى بنت الحارث بن حزن الهلالية، وكان شقيق عبد الله ابن عباس رواه عنه أخوه عبد الله بن عباس وغيره، وقيل: لم يسمع منه سوى أخيه عبد الله وأبي هريرة ومن عداهما، فروايته عنه مرسلة، قتل يوم اليرموك في عهد أبي بكر، رضي الله تعالى عنه، وقيل: قتل يوم مرج الصفر سنة ثلاث عشرة، وهو ابن اثنتين وعشرين سنة. وقال أبو داود: قتل بدمشق، وقال الواقدي: مات بالشام في طاعون عمواس سنة ثماني عشرة، وقال ابن سعد: كان أسن ولد عباس، رضي الله تعالى عنهما، خرج إلى الشام مجاهداً فمات بناحية الأردن في طاعون عمواس في سنة ثماني عشرة من الهجرة في خلافة عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه. قوله: ((رديف رسول الله عٍَّ))، وهو الذي يركب وراء الراكب، وقد جمع ابن منده الأصفهاني كتاباً فيه أسماء من أردفه سيدنا رسول الله، عَ ◌ّهِ، ١٧٩ ٢٥ - کِتَابُ الحَجّ / باب (١) معه على الدابة فبلغ بهم نيفاً وثلاثين رجلاً. قوله: ((فجاءت امرأة من خثعم)) بفتح الخاء المعجمة وسكون الثاء المثلثة وفتح العين المهملة، وهي قبيلة باليمن، وفي رواية: ((وقالت امرأة من جهينة))، وهاتان القبيلتان لا تجتمعان لأن جهينة هو ابن زيد بن ليث بن الأسود بن أسلم بن ألحاف بن قضاعة. وخثعم هو ابن أنمار بن أراش بن عمرو بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان. وفي (التوضيح): هذه المرأة يجوز أن تكون غاثية أو غايثة، بالغين المعجمة فيهما. واعلم أنه قد اختلفت طرق الأحاديث في السائل عن ذلك: هل هو امرأة أو رجل؟ وفي المسؤول عنه أن يحج عنه أيضاً: هل هو أب أو أم أو أخ؟ فأكثر طرق الأحاديث الصحيحة دالة على أن السائل امرأة، وأنها سألت عن أبيها، كما هو في أكثر طرق حديث الفضل، وأكثر طرق عبد الله بن عباس، وكذلك في حديث علي، رضي الله تعالى عنه: قال: ((وقف رسول الله عَ لِ بعرفة ... )) الحديث، وفيه: ((فاستفتته جارية شابة من خثعم. فقالت: إن أبي شيخ كبير ... )) الحديث. وفي رواية للنسائي في حديث الفضل أن السائل رجل سأل عن أمه، وفي (صحيح ابن حبان) في حديث ابن عباس، رضي الله تعالى عنه: أن السائل رجل سأل عن أبيه، وعند النسائي أيضاً: أن امرأة سألته عن أبيها مات ولم يحج، وفي حديث بريدة أخرجه الترمذي: أن امرأة سألت عن أمها، وفي حديث حصين بن عوف رواه ابن ماجه وفي حديث أبي رزين العقيلي أخرجه أصحاب السنن الأربعة، وفي حديث سودة رواه أحمد في (مسنده) وفي حديث عبد الله بن الزبير أخرجه النسائي: أن السائل رجل سأله عن أبيه. وفي حديث سنان بن عبد الله أن عمته حدثته رواه الطبراني، وقد ذكرناه عن قريب، وفيه: (أنها أتت النبي عٍَّ وقالت: يا رسول الله توفيت أمي ... )) الحديث. والجمع بين هذه الروايات ما قاله شيخنا زين الدين، رحمه الله: إن السؤال وقع مرات: مرة من امرأة عن أبيها، ومرة من امرأة عن أمها، ومرة من رجل عن أمه، ومرة من رجل عن أبيه، ومرة من رجل عن أخيه، ومرة في السؤال عن الشيخ الكبير، ومرة في الحج عن الميت. فإن قلت: هل يعلم السائل عن هذا رجلاً كان أو امرأة؟ قلت: أما الرجل فقد سمي من السائلين، من ذلك حصين بن عوف، كما ذكره ابن ماجه وسمى منهم: أبو رزين لقيط ابن عامر، كما هو عند أصحاب السنن، وأما النساء فلم يسم منهن أحد إلاّ في رواية سنان بن عبد الله الجهني أن عمته حدثته أنها أتت النبي عَُّلِّ، وعمته لم تسم، وفي حديث النسائي (إن أحد النساء، امرأة سنان بن سلمة الجهني، سألت رسول الله عَّطللم أن أمها ماتت)) الحديث. والمرأتان ذكرتا في الحج عن الميت لا عن المعضوب، وهو بالعين المهملة والضاد المعجمة: الزمن الذي لا حراك به. قوله: ((فجعل الفضل))، كلمة: جعل، من أفعال المقاربة، وجعل وضع لدنو الخبر على وجه الشروع فيه، والأخذ في فعله. وقوله: ((الفضل)) والكلام في قوله: ((وجعل النبي عَّهِ يصرف)) مثل الكلام في: ((جعل الفضل)). قوله: ((إلى الشق)) أي: إلى الجنب الآخر، وهو بكسر الشين المعجمة وتشديد القاف. قوله: ((شيخا)»، نصب على الحال وكبيراً صفة شيخاً. وقوله: لا يثبت أيضاً في محل النصب على الحال، ١٨٠ ٢٥ - كِتَابُ الحَجّ / باب (١) فهما حالان متداخلتان، ويجوز أن يكون: لا يثبت، صفة لشيخاً، ومعناه: وجب عليه الحج بأن أسلم وهو شيخ، وحصل له المال في هذه الحالة. قوله: ((أفأحج عنه؟)) الهمزة للاستفهام، والفاء عاطفة على مقدر بعد الهمزة، والتقدير: أنوب عنه فأحج؟ وإنما قدرنا هكذا لأن الهمزة تقتضي الصدارة والفاء تقتضي عدمها. قوله: ((وذلك في حجة الوداع»، بكسر الحاء وفتحها، وسميت بذلك لأنه عَ لّم ودع الناس فيها، وليست هذه الإضافة للتقييد التمييزي لأنه لم يحج بعد الهجرة إلاَّ حجة واحدة، وهي هذه الحجة. ذكر ما يستفاد منه فيه: جواز الإرداف إذا كانت الدابة مطيقة، والإرداف للسادة والرؤساء سائغ، ولا سيما في الحج لتزاحم الناس، ومشقة سير الرجالة، ولأن الركوب فيه أفضل كما سيجيء إن شاء الله تعالى. وفيه: دلالة على أن المرأة تكشف وجهها في الإحرام، وهو إجماع كما حكاه أبو عمر، ويحتمل كما قال ابن التين: أنها سدلت ثوباً على وجهها. وفيه: في نظر الفضل مغالبة طباع البشر لابن آدم وضعفه عما ركب فيه من الشهوات. وفيه: أن العالم يغير ما أمكنه إذا رآه واستدل ابن المنذر من حديث ابن عباس، قال: ((كان الفضل رديف رسول الله عَّله يوم عرفة، فجعل الفضل يلاحظ النساء وينظر إليهن، فقال النبي عَظَاهِ: يا ابن أخي هذا يوم، من ملك فيه سمعه وبصره ولسانه غفر له)). ولم ينقل أنه نهى المرأة عن النظر إليه، وكان الفضل، وسيماً، أي: جميلاً، ويحتمل أن يكون الشارع اجتراً بنفع الفضل لما رأى أنها تعلم بذلك منع نظرها إليه، لأن حكمهما واحد، أو تنبهت لذلك، أو كان ذلك الموضع هو محل نظره الكريم فلم يصرف نظرها، وقال الداودي: فيه: احتمال أن ليس على النساء غض أبصارهن عن وجوه الرجال، إنما تغضضن عن عورتهن. وقال بعض المالكية: ليس على المرأة تغطية وجهها لهذا الحديث، وإنما على الرجل غض البصر، وقيل: إنما لم يأمرها بتغطية وجهها لأنه محل إحرامها، وصرف وجه الفضل بالفعل أقوى من الأمر، وذهب ابنٍ عباس وابن عمر، رضي الله تعالى عنهم، إلى أن المراد في قوله تعالى: ﴿ولا يبدين زينتهن إلاَّ ما ظهر منها﴾ [النور: ٣١]. أي: الوجه والكفان. وفيه: جواز الحج عن غيره إذا كان معضوباً، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه والثوري والشافعي وأحمد وإسحاق. وقال مالك والليث والحسن بن صالح: لا يحج أحد عن أحد إلاَّ عن ميت لم يحج حجة الإسلام، وحاصل ما في مذهب مالك ثلاثة أقوال مشهورها: لا يجوز، ثانيها: يجوز من الولد. ثالثها: يجوز إن أوصى به، وعن النخعي وبعض السلف: لا يصح الحج عن ميت ولا عن غيره، وهي رواية عن مالك، وإن أوصى به، وفي (مصنف) ابن أبي شيبة عن ابن عمر أنه قال: لا يحج أحد عن أحد، ولا يصم أحد عن أحد، وكذا قال إبراهيم النخعي وقال الشافعي والجمهور: يجوز الحج عن الميت عن فرضه ونذره، سواء أوصى به أو لم يوض، وهو واجب في تركته. وقال صاحب (التوضيح): وعندنا يجوز الاستنابة في حجة التطوع على أصح القولين، والحديث حجة على الحسن بن حي في قوله: إن المرأة لا يجوز أن تحج عن الرجل، وهو حجة لمن أجازه.