Indexed OCR Text
Pages 61-80
٦١ ٢٤ - كتابُ الزّكاةِ / باب (٥٠) في موضعين. وفيه: العنعنة في خمسة مواضع. وفيه: القول في موضعين. وفيه: أن رواته كلهم كوفيون ما خلا عمرو بن الحارث. وفيه: رواية صحابية عن صحابية وهما عمرو وزينب. وفيه: رواية تابعي عن تابعي عن صحابي في الطريق الأول، وهما: الأعمش وشقيق. وفيه: أربعة من التابعين وهم: الأعمش وشقيق وإبراهيم وأبو عبيدة. وفيه: أن الأعمش روى هذا الحديث عن شيخين، وهما: شقيق وإبراهيم، لأن الأعمش قال في الطريق الأول: حدثني شقيق، وقال في الطريق الثاني: فحدثني إبراهيم، ففي هذه الطريق ثلاثة من التابعين متوالية، وفيه: رواية الابن عن الأب. وفيه: لفظ الذكر وهو قوله: قال: فذكرته لإبراهيم، القائل هو الأعمش، أي: ذكرت الحديث لإبراهيم النخعي. ذكر من أخرجه غيره: أخرجه مسلم في الزكاة عن أحمد بن يوسف السلمي عن عمرو بن حفص بإسناده نحو إسناد البخاري. وأخرجه أيضاً عن الحسن بن الربيع عن أبي الأحوط عن الأعمش عن شقيق به، ولم يذكر حديث إبراهيم. وأخرجه الترمذي فيه عن هناد عن أبي معاوية عن الأعمش وعن محمود بن غيلان، وأخرجه النسائي في عشرة النساء عن إبراهيم بن يعقوب عن عمر بن حفص وعن بشر بن خالد، وأخرجه ابن ماجه في الزكاة عن علي بن محمد والحسن بن محمد بن الصباح ببعضه. ذكر معناه: قوله: ((كنت في المسجد فرأيت النبي عَّه .. )) إلى آخره، زيادة على ما في حديث أبي سعيد الذي مضى عن قريب. قوله: ((من حليكن))، بفتح الحاء وسكون اللام مفرداً، وبضم الحاء وكسر اللام وتشديد الياء جمعاً. قوله: ((أيجزي؟)) بفتح الياء معناه: هل يكفي عني، لأن الهمزة فيه للاستفهام، وكان الظاهر يقتضي أن يقال: عنا، وكذلك يقال: ننفق، بالنون المصدرة للجماعة، ولكن لما كان المراد كل واحدة منا، ذكرت بذاك الأسلوب أو اكتفت زينب في الحكاية بحال نفسها. قوله: ((فوجدت امرأة من الأنصار)) وفي رواية الطيالسي: ((فإذا امرأة من الأنصار يقال لها: زينب))، وكذا أخرجه النسائي من طريق أبي معاوية عن الأعمش، وزاد من وجه آخر عن علقمة: ((عن عبد الله، قال: انطلقت امرأة عبد الله، يعني: ابن مسعود، يعني: عقبة بن عمرو الأنصاري)). وقال بعضهم: لم يذكر ابن سعد لأبي مسعود امرأة أنصارية سوى: هزيلة بنت ثابت بن ثعلبة الخزرجية، فلعل لها اسمين أو وهم من سماها زينب انتقالاً من اسم امرأة عبد الله إلى اسمها. قلت: عدم ذكر ابن سعد لأبي مسعود امرأة غير هزيلة المذكورة لا يستلزم أن لا يكون له امرأة أخرى. قوله: ((وأيتام لي في حجري)) وفي رواية الطيالسي: ((هم بنو أخيها وبنو أختها))، وفي رواية النسائي من طريق علقمة: ((لإحداهما فضل ما وفي حجرها بنو أخ لها إيتام، وللأخرى فضل مال وزوج خفيف اليد)). وهو كناية عن الفقر. قوله: ((لا تخبر بنا)) خطاب لبلال أي: لا تعين إسمنا، ولا تقل إن السائلة فلانة بل قال: يسألك امرأتان مطلقاً، قال الكرماني: فإن قلت: فلِمَ خالف بلال قولهما، وهو إخلاف للوعد وإفشاء للسر؟ قلت: عارضه سؤال رسول الله عَ ليه، فإن جوابه واجب متحتم لا يجوز تأخيره، فإذا تعارضت المصلحتان بدىء بأهمهما. قلت: كان ٦٢ ٢٤ - كتابُ الزّكاةِ / باب (٥٠) الجواب المطابق للفظ هو أن يقال: زينب وفلانة. قلت: الأخرى محذوفة، وهي أيضاً اسمها: زينب الأنصارية، وزوجها أبو مسعود الأنصاري، ووقع الاكتفاء باسم من هي أكبر وأعظم منهما. قوله: ((لها أجران: أجر القرابة)) أي: أجر صلة الرحم، ((وأجر الصدقة)) أجر منفعة الصدقة. قلت: في حديث أبي سعيد الذي في: باب الزكاة على الأقارب: أنها شافهته بالسؤال وشافهها لقوله فيه: ((قالت: يا نبي الله)). وقوله فيه: ((صدقة زوجك))، وههنا لم تشافهه بالسؤال ولا شافهها بالجواب؟ قلت: يحتمل أن تكونا قضيتين، وقيل: يجمع بينهما بأن يجمل هذه المراجعة على المجاز، وإنما كانت على لسان بلال. قلت: فيه نظر لا يخفى، وبقية الأبحاث مضت في: باب الزكاة على الأقارب. ٦٩ / ١٤٦٧ _ حدَّثْنا عُثْمَانُ بنُ أبِي شَيْبَةَ قالِ حدَّثنا عَبْدَةُ عنْ هِشَامِ عِنْ أَبِيهِ عنْ زَيْنَبَ ابْنَةِ أَمِّ سَلَمَةً قَالَتْ يا رسُولَ الله ألِي أَجْرٌ أَنْ أَنْفِقَ عَلَى بَنِي أَبِي سَلَمَّةَ أَّمَا هُمْ بَنِيَّ فقال أنْفِقِيٍ عَلَيْهِمْ فَلَكِ أجْرُ مَا أَنْفَقْتِ عَلَيْهِمْ. [الحديث ١٤٦٧ - طرفه في: ٥٣٦٩]. مطابقته للترجمة من حيث إنه لما علم منه أن الصدقة مجزية على أيتام هم أولاد المزكي، فبالقياس عليه تجزىء الزكاة على أيتام هم لغيره، أو أن الحديث ذكر في هذا الباب لمناسبة الحديث الأول في كون الإنفاق على اليتيم فقط، والبخاري كثيراً يعمل من ذلك، هكذا ذكره الكرماني، والوجه الثاني هو الأوجه. ذكر رجاله: وهم: سّتة: الأول: عثمان بن أبي شيبة، بفتح الشين المعجمة وسكون الياء آخر الحروف وفتح الباء الموحدة: وهو عثمان بن محمد بن أبي شيبة، واسمه إبراهيم أبو الحسن العبسي أخو أبي بكر بن أبي شيبة، مات في سنة تسع وثلاثين ومائتين. الثاني: عبدة، بفتح العين المهملة وسكون الباء الموحدة: ابن سليمان الكلابي. الثالث: هشام بن عروة. الرابع: أبوه عروة بن الزبير بن العوام. الخامس: زينب بنت أم سلمة، وهي بنت أبي سلمة عبد الله بن عبد الأسد المخزومي، وكان اسمها برة فسماها رسول الله عَّةٍ زينب: سمعت النبي عَّلِّ عند البخاري. السادس: أم سلمة، واسمها هند بنت أبي أمية، زوج النبي صِّلالله والحديث أخرجه البخاري أيضاً في النفقات عن موسى بن إسماعيل. وأخرجه مسلم في الزكاة عن أبي كريب وعن إسحاق بن إبراهيم وعبد بن حميد. ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: العنعنة في أربعة مواضع. وفيه: القول في موضعين. وفيه: أن شيخه وشيخ شيخه كوفيان وهشام وأبوه مدنيان. وفيه: رواية تابعي عن تابعي وهما هشام وأبوه. وفيه: رواية صحابية عن صحابية وهما زينب وأمها أم سلمة. وفيه: رواية الابن عن الأب. وقد مضى فقهه في باب الزكاة على الأقارب. قولها: ((ألي أجر))، الهمزة فيه للاستفهام. قوله: ((على بني أبي سلمة)) كانوا أبناءها ٦٣ ٢٤ - كتابُ الزَكاةِ / باب (٥١) من أبي سلمة الزوج الذي كان قبل رسول الله عَّةٍ، وهم: عمر ومحمد وزينب ودرة. قولها: ((إنما هم بني)) أصله بنون، فلما أضيف إلى ياء المتكلمة سقطت نون الجمع فصار بنوي، فاجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون فأدغمت الواو في الياء فصار: بني، بضم النون وتشديد الياء، ثم أبدلت من ضمة النون كسرة لأجل الياء، فصار بني، والله أعلم بحقيقة الحال. ٥١ - بابُ قَولِ الله تعَالَى ﴿وَفِي الرِّقَابِ وَالغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ الله﴾ [التوبة: ٦٠]. أي: هذا باب في بيان المراد من قول الله تعالى: ﴿وفي الرقاب﴾ [التوبة: ٦٠]. وكذا من قوله: ﴿وفي سبيل الله﴾ [التوبة: ٦٠]. وهما من آية الصدقات، وهي قوله تعالى: ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين .. ﴾ [التوبة: ٦٠]. الآية، اقتطعهما منها للاحتياج إليهما في جملة مصارف الزكاة، وهي ثمانية، من جملتها: الرقاب، وهو جمع: رقبة، والمراد: المكاتبون يعانون من الزكاة في فك رقابهم، وهو قول أكثر العلماء، منهم سعيد بن جبير وإبراهيم النخعي والزهري والثوري وأبو حنيفة والشافعي والليث، وهو رواية ابن القاسم وابن نافع عن الليث، وفي (المغني): وإليه ذهب أحمد، وقال ابن تيمية: إن كان معه وفاء لكتابته لم يعط لأجل فقره لأنه عبد، وإن لم يكن معه شيء أعطي الجميع، وإن كان معه بعضه تمم، سواء كان قبل حلول النجم أو بعده كيلا يحل النجم وليس معه شيء فتفسخ الكتابة، ويجوز دفعها إلى سيده. وعند الشافعية: إن لم يحل عليه نجم ففي صرفه إليه وجهان، وإن دفعه إليه فأعتقه المولى أو أبرأه من بدل الكتابة أو عجز نفسه والمال في يد المكاتب رجع فيه. قال النووي: وهو المذهب. قوله: ﴿في سبيل الله﴾ [التوبة: ٦٠]. وهو منقطع الغزاة عند أبي يوسف، ومنقطع الحاج عند محمد، وفي (المبسوط): وفي سبيل الله فقراء الغزاة عند أبي يوسف، وعند محمد: فقراء الحاج. وقال ابن المنذر: وفي (الأشراف) قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد: في سبيل الله هو الغازي غير الغني، وحكى أبو ثور عن أبي حنيفة أنه الغازي دون الحاج، وذكر ابن بطال أنه قول أبي حنيفة ومالك والشافعي، ومثله النووي في (شرح المهذب). وقال صاحب (التوضيح): وأما قول أبي حنيفة: لا يُعطى الغازي من الزكاة إلاّ أن يكون محتاجاً، فهو خلاف ظاهر الكتاب والسنة، فأما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وفي سبيل الله﴾ [التوبة: ٦٠]. وأما السنة فروى عبد الرزاق عن معمر عن زيد بن أسلم عن عطاء بنٍ يسار عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله عَ لٍ: ((لا تحل الصدقة لغني إلاّ لخمسة: لعامل عليها، أو لغاز في سبيل الله، أو غني اشتراها بماله، أو فقير تصدق عليه فأهدى لغني أو غارم)). وأخرجه أبو داود وابن ماجه والحاكم، وقال: صحيح على شرط الشيخين، ورواه أبو داود مرسلاً فإن قلت: ما أحسن الأدب سيما مع الأكابر، وأبو حنيفة لم ٦٤ ٢٤ - كتابُ الزّكاةِ / باب (٥١) يخالف الكتاب ولا السنة، وإنما عمل بالسنة فيما ذهب إليه، وهو قوله عَ لّه: ((لا تحل الصدقة لغني))، وقال: المراد من قوله: ((لغاز في سبيل الله))، هو الغازي الغني بقوة البدن، والقدرة على الكسب لا الغني بالنصاب الشرعي، بدليل حديث معاذ: وردها إلى فقرائهم. وَيُذْكَرُ عنِ ابنِ عَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما يُعْتِقُ مِنْ زَكَاةِ مالِهِ ويُعْطِي في الحَجِّ علق هذا عن ابن عباس ليشير أن شراء العبد وعتقه من مال الزكاة جائز، وهو مطابق للجزء الأول من الترجمة، وهذا التعليق رواه أبو بكر في (مصنفه): عن أبي جعفر عن الأعمش عن حسان عن مجاهد عن ابن عباس، رضي الله تعالى عنهما، أنه كان لا يرى بأساً أن يعطي الرجل من زكاته في الحج، وأن يعتق النسمة منها. وفي (كتاب العلل) لعبد الله بن أحمد عن أبيه: حدثنا أبو بكر بن عياش حدثنا الأعمش عن ابن أبي نجيح عن مجاهد، قال ابن عباس: أعتق من زكاتك، وفي رواية أبي عبيد: أعتق من زكاة مالك. وقال الميموني: قيل لأبي عبد الله: يشتري الرجل من زكاة ماله الرقاب فيعتق ويجعل في ابن السبيل؟ قال: نعم، ابن عباس يقول ذلك، ولا أعلم شيئاً يدفعه، وهو ظاهر الكتاب. قال الخلال في (علله): هذا قوله الأول، والعمل على ما بينه الجماعة في ضعف الحديث. أخبرنا أحمد بن هاشم الأنطاكي، قال: قال أحمد: كنت أرى أن يعتق من الزكاة، ثم كففت عن ذلك لأني لم أر إسناداً يصح. قال حرب: فاحتج عليه بحديث ابن عباس، فقال: هو مضطرب. انتهى. وبقول ابن عباس في عتق الرقبة من الزكاة قال الحسن البصري وعبد الله بن الحسن العنبري ومالك وإسحاق وأبو ثور. وفي (الجواهر) للمالكية: يشتري بها الإمام الرقاب فيعقتها عن المسلمين والولاء لجميعهم. وقال ابن وهب: هو في فكاك المكاتبين، ووافق الجماعة، ولو اشترى بزكاته رقبة فأعتقها ليكون ولاؤها له لا يجزيه عند ابن القاسم، خلافاً لأشهب، ولا يجزي فك الأسير بها عند ابن القاسم خلافاً لابن حبيب، ولا يدفع عند مالك والأوزاعي إلى مكاتب ولا إلى عبد موسراً كان سيده أو معسراً، ولا من الكفارات. وجه قول الجمهور ما رواه البراء بن عازب: ((أن رجلاً جاء إلى النبي عَِّ فقال: دلني على عمل يقربني من الجنة ويباعدني من النار، فقال: أعتق النسمة، وفك الرقبة، قال: يا رسول الله أوليسا واحداً، قال: لا، عتق النسمة أن تنفرد بعتقها، وفك الرقبة: أن تعين في ثمنها)). رواه أحمد والدارقطني. وقال الحسَنُ إِنِ اشْتَرَى أباهُ مِنَ الزَّكَاةِ جَازَ وَيُعْطِي فِي المُجَاهِدِينَ وَالَّذِي لَمْ يَحُجّ ثُمَّ ثَلا ﴿إِنَّا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ الآيَةَ فِي أَيُّهَا أُعْطَيْتَ أُجْزَأتْ مطابقته في الجزء الأخير من الترجمة، والحسن هو البصري، هذا التعليق روى بعضه أبو بكر بن أبي شيبة عن حفص عن أشعث بن سوار، قال: سئل الحسن عن رجل اشترى أباه من الزكاة فأعتقه. قال: اشترى خير الرقاب. قوله: ((في أيها)) أي: في مصرف من المصارف الثمانية أعطيت ((أجزت)) كذا في الأصل بغير همز أي: قضت. قال الكرماني: أعطيت، بلفظ المعروف والمجهول، وكذلك: أجزأت، من الإجزاء، وذكر ابن التين بلفظ: أجزت، بدون ٦٥ ٢٤ - كتابُ الزَكاةِ / باب (٥١) الهمزة، وقال: معناه قضت عنه وقيل: جزأ وأجزاً بمعنى، أي: قضى. ومن قول الحسن يعلم أن اللام في قوله: ((للفقراء» لبيان المصرف لا للتمليك. فلو صرف الزكاة في صنف واحد کفی. وقال النبيُّ ◌َّهِ إِنَّ خالِداً اخْتَسَ أذْرَاعَهُ فِي سَبِيلِ اللهِ هذا التعليق يأتي في هذا الباب موصولاً، والإدراع جمع: درع، ويروى: أدرعه. وَيُذْكَرُ عِنْ أَبِي لاَسٍ حَمَلَا النبيُّ عَّهِ عَلَى إِلِ الصَّدَقَةِ لِلْحَجِّ أبو لاس، بالسين المهملة: خزاعي، وقيل: حارثي يعد في المدنيين، اختلف في اسمه فقيل: زياد، وقيل: عبد الله بن عتمة، بعين مهملة مفتوحة بعدها نون مفتوحة، وقيل: محمد بن الأسود، وله حديثان أحدهما هذا، وليس لهم أبو لاس غيره، وهو فرد. وهذا التعليق رواه الطبراني عن عبيد بن غنام: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وحدثنا أبو خليفة حدثنا ابن المديني حدثنا محمد بن عبيد الطنافسي، حدثنا محمد بن إسحاق عن محمد بن إبراهيم بن الحارث عن عمر بن الحكم بن ثوبان عن أبي لاس، قال: ((حملنا رسول الله عَّ على إبل من إبلِ الصدقة ضعاف للحج، فقلنا: يا رسول الله ما نرى أن تحملنا هذه! فقال: ما من بعير إلاّ وفي ذروته شيطان، فإذا ركبتموها فاذكروا نعمة الله عليكم كما أمركم الله ثم امتهنوها لأنفسكم، فإنما يحمل الله))، وأخرجه أحمد أيضاً وابن خزيمة والحاكم وغيرهم ورجاله ثقات، إلاَّ أن فيه عنعنة ابن إسحاق، ولهذا توقف ابن المنذر في ثبوته. ٧٠ / ١٤٦٨ _ حدَّثنا أبو اليَمَانِ قال أخبرنا شُعَيْبٌ قال حدَّثنا أبُو الزِّنَادِ عنِ الأعْرَجِ عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ. قال أمَرَ رسولُ الله عَِّ بالصَّدَقَةِ فَقِيلَ منَعَ ابِنُ جَميلٍ وخالِدُ بنُ الوَلِيدِ وعَبَّاسُ بنُ عَبْدِ المُطَّلِبٍ فقال النبيُّ عَلَّهِ ما يَنْقِمُ ابنُ جَمِيلٍ أَلاَّ أَنَّهُ كانَ فَقِيراً فَأغْنَاهُ الله ورسولُهُ وأمَّا خالِدٌ فإِنَّكُمْ تَظْلِمُونَ خالِداً قَدِ احْتَبَسَ أَذْرَاعَهُ وَأَعْبُدَهُ فِي سَبِيلِ الله وأمَّا العَّاسُ بنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ فَعَمُّ رسول الله عَلَّه فَهْيَ صَدَقَةٌ وَمِثْلُهَا مَعَهَا. مطابقته للترجمة في قوله: ((وأعبده في سبيل الله)). ورجال هذا الإسناد قد مضوا غير مرة، وأبو اليمان الحكم بن نافع، وشعيب بن حمزة، وأبو الزناد، بالزاي والنون: عبد الله بن ذكوان، والأعرج هو عبد الرحمن بن هرمز، وفي رواية النسائي من طريق علي بن عياش: عن شعيب مما حدثه عبد الرحمن الأعرج مما ذكر أنه سمع أبا هريرة يقول قال عمر، رضي الله تعالى عنه، فذكره، صرح بالحديث في الإسناد وزاد فيه عمر، رضي الله تعالى عنه، والمحفوظ أنه من مسند أبي هريرة، وإنما جرى لعمر فيه ذكر فقط. ذكر معناه: قوله: ((أمر رسول الله عَ لَّه بالصدقة)) أي: بالصدقة الواجبة، يعني: الزكاة لأنها المعهودة بانصراف الألف واللام إليها. وقال القرطبي: الجمهور صاروا إلى أن الصدقة هي الواجبة، لكن يلزم على هذا استبعاد هؤلاء المذكورين لها، ولذلك قال بعض العلماء: عمدة القارىء / ج٩ / ٥٢ . ٦٦ ٢٤ - كتابُ الزكاةِ / باب (٥١) كانت صدقة التطوع، وقد روى عبد الرزاق هذا الحديث. وفيه: ((أن النبي عَّ لِّ ندب الناس إلى الصدقة ... )) الحديث، وقال ابن القصار: وهذا أليق بالقصة لأنا لا نظن بأحدهم منع الواجب. قوله: ((فقيل: منع ابن جميل)) القائل هو عمر، رضي الله تعالى عنه، ووقع في رواية ابن أبي الزناد عند أبي عبيد، فقال بعض من يلمز - أي: يعيب - وابن جميل بفتح الجيم، ذكره الذهبي فيمن عرف بابنه ولم يسم، قيل: وقع في تعليق القاضي حسين المروزي الشافعي وتبعه الروياني أن اسمه: عبد الله، ووقع في (التوضيح) أن ابن بزيزة سماه حميداً، وليس بمذكور في كتابه، وقيل: وقع في رواية ابن جريج: أبو جهم ابن حذيفة، بدل ابن جميل وهو خطأ لإطباق الجميع على ابن جميل لأنه أنصاري، وأبو جهم قرشي. قوله: ((وخالد بن الوليد)) بالرفع عطف على: منع ابن جميل، ((وعباس بن عبد المطلب)) عطف عليه، ووقع في رواية أبي عبيد: ((منع ابن جميل وخالد وعباس أن يعطوا))، وهو مقدر ههنا، لأن: منع، يستدعي مفعولاً. وقوله: ((أن يعطوا)) في محل النصب على المفعولية، وكلمة: أن، مصدرية والتقدير: منع هؤلاء الإعطاء. قوله: ((فقال رسول الله عَّال)) بيان لوجه امتناع هؤلاء عن الإعطاء فلذلك ذكره بالفاء. قوله: ((ما ينقم))، بكسر القاف وفتحها، أي: ما ينكر أي: لا ينبغي أن يمنع الزكاة، وقد كان فقيراً فأغناه الله إذ ليس هذا جزاء النعمة قال ابن المهلب: كان ابن جميل منافقاً فمنع الزكاة فاستتابه الله تعالى بقوله: ﴿وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله فإن يتوبوا يك خيراً لهم﴾ [التوبة: ٧٤]. فقال: استتابني ربي، فتاب وصلحت حاله، انتھی. وفيه تأكيد المدح بما يشبه الذم لأنه إذا لم يكن له عذر إلاَّ ما ذكر من أن الله أغناه فلا عذر له. قوله: ((وأما خالد ... )) إلى آخره، قال الخطابي: قصة خالد تؤول على وجوه: أحدها: أنه قد اعتذر لخالد ودافع عنه بأنه احتبس في سبيل الله تقرباً إليه، وذلك غير واجب عليه، فكيف يجوز عليه منع الواجب؟ وثانيها: أن خالداً طولب بالزكاة عن أثمان الأدرع، على معنى أنها كانت عنده للتجارة، فأخبر النبي عَّ لّهِ أنه لا زكاة عليه فيها إذ جعلها حبساً في سبيل الله. وثالثها: أنه قد أجاز له أن يحتسب بما حبسه في سبيل الله من الصدقة التي أمر بقبضها منه، وذلك لأن أحد الأصناف: سبيل الله، وهم المجاهدون، فصرفها في الحال كصرفها في المآل. قوله: ((قد احتبس)) أي: حبس ((أدراعه))، جمع: درع. قوله: ((وأعبده))، بضم الباء الموحدة: جمع عبد، حكاه عياض، والمشهور: أعتده، بضم التاء المثناة من فوق، جمع: عتد، بفتحتين. ووقع في رواية مسلم: أعتاده، وهو أيضاً جمع: عتد. قيل: هو ما يعده الرجل من الدواب والسلاح، وقيل: الخيل خاصة، يقال: فرس عتيد، أي: صلب أو معد للركوب أو سريع الوثوب. قوله: ((وأما العباس بن عبد المطلب)) فأخبر عنه عَِّ أنه عمه، وعم الرجل صنو أبيه، وعن الحكم بن عتيبة: أن النبي عَّهِ بعث عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه، مصدقاً، فشكاه العباس إلى النبي عَّله، فقال: يا ابن الخطاب! أما علمت أن عم الرجل صنو الأب؟ وأنا استسلفنا زكاته عام الأول؟ ومعنى: صنو أبيه: أصله وأصل أبيه ٦٧ ٢٤ - كتابُ الزَكاةِ / باب (٥١) واحد، وأصل ذلك أن طلع النخلات من عرق واحد. قوله: ((فهي عليه صدقة))، معناه: هي صدقة ثابتة عليه سيتصدق بها ومثلها معها، أي: ويتصدق مثل هذه الصدقة معها كرماً منه، إذ لا امتناع منه ولا بخل فيه، وقيل: معناه فأمواله هي كالصدقة عليه لأنه استدان في مفاداة نفسه، وعقيل، فصار من الغارمين الذين لا تلزمهم الزكاة، وقيل: إن القصة جرت في صدقة التطوع فلا إشكال عليه، لكنه خلاف المشهور وما عليه الروايات. ثم اعلم أن لفظة الصدقة إنما وقعت في رواية شعيب عن أبي الزناد كما مرت. وقال البيهقي، في رواية شعيب هذه: يبعد أن تكون محفوظة لأن العباس كان من صلبية بني هاشم ممن تحرم عليه الصدقة، فكيف يجعل رسول الله عَّ ل ما عليه من صدقة عامين صدقة عليه؟ وقال المنذري: لعل ذلك قبل تحريم الصدقة على آل النبي، عَ ليه، فرأى إسقاط الزكاة عنه عامين لوجه رآه النبي عَّهِ، وقال الخطابي: هذه لفظة لم يتابع عليها شعيب بن أبي حمزة، ورد عليه بأن اثنين تابعا شعيباً: أحدهما: عبد الرحمن بن أبي الزناد، كما سيأتي عن قريب، والآخر: موسى بن عقبة، فيما رواه النسائي عن عمران: حدثنا علي بن عياش عن شعيب .. وساقه بلفظ البخاري، قال: وأخبرني أحمد بن حفص حدثني أبي حدثني إبراهيم عن موسى أخبرني أبو الزناد عن الأعرج ((عن أبي هريرة، قال: أمر رسول الله، عّلِّ، بصدقة ... )) الحديث، وفي آخره: ((فهي عليه صدقة ومثلها معها)). واعلم أيضاً أنه وقع اختلاف في هذا اللفظ، ففي لفظ وقع: مثلها، في متن حديث الباب، وفي لفظ: ((فهي له ومثلها معها))، وفي لفظ: ((فهي علي ومثلها معها))، وفي لفظ: ((فهي عليه ومثلها معها)). أما معنى الذي في متن حديث الباب أي: ((فهي عليه صدقة)) واجبة فأداها قبل محلها ((ومثلها معها)): أي: قد أداها لعام آخر، كما ذكرناه عن الحكم آنفاً. وأما معنى: ((فهي له ومثلها معها))، وهي رواية موسى بن عقبة، أي: فهي عليه، قيل: عليه وله بمعنى واحد، كما في قوله تعالى: ﴿ولهم اللعنة﴾ [غافر: ٥٢]. وفي قوله: ﴿وإن أسأتم فلها﴾ [الإسراء: ٧]. ويحتمل أن يكون: فهي له، أي فهي له علي، ويحتمل أنها كانت له عليه إذا كان قدمها. وأما معنى قوله: ((فهي علي ومثلها معها))، أي: فهذه الصدقة علي بمعنى: أؤديها عنه لما له علي من الحق، خصوصاً له، ولهذا قال: عم الرجل صنو أبيه، وأما معنى: ((فهي عليه ومثلها معها))، وهي رواية ابن إسحاق، قال أبو عبيد: نراه، والله أعلم، أنه كان أخر الصدقة عنه عامين من أجل حاجة العباس فإنه يجوز للإمام أن يؤخرها على وجه النظرة ثم يأخذها منه بعد، كما فعل عمر، رضي الله تعالى عنه، بصدقة عام الرمادة، فلما أجبى الناس في العام المقبل أخذ منهم صدقة عامين. وقيل: إنما تعجل منه لأنه أوجبها عليه وضمنها إياه ولم يقبضها منه، فكانت دينا على العباس. ألا ترى قوله: ((فإنها عليه ومثلها معه؟)) قال ابن الجوزي: قال لنا ابن ناصر: يجوز أن يكون قد قال: هو عليه، بتشديد الياء، وزاد فيها هاء السکت. ذكر ما يستفاد منه فيه: إثبات الزكاة في أموال التجارة. وفيه: دليل على جواز أخذ القيمة ٦٨ ٢٤ - كتابُ الزّكاةِ / باب (٥١) عن أعيان الأموال. وفيه: جواز وضع الصدقة في صنف واحد. وفيه: جواز تأخير الزكاة إذا رأى الإمام فيه نظرة. وفيه: جواز تعجيل الزكاة. وقال أبو علي الطوسي: اختلف أهل العلم في تعجيل الزكاة قبل محلها، فرأى طائفة من أهل العلم أن لا يعجلها، وبه يقول سفيان، وقال أكثر أهل العلم: إن عجلها قبل محلها أجزأت عنه، وبه يقول الشافعي وأحمد وإسحاق، وهو مذهب أبي حنيفة وقال ابن المنذر: وكره مالك والليث بن سعد تعجيلها قبل وقتها، وقال الحسن: من زكى قبل الوقت أعاد، كالصلاة. وفي (التوضيح): وعند مالك في إخراجها قبل الحول بيسير قولان، وحدَّ القليل بشهر ونصف شهر وخمسة أيام وثلاثة. وفيه: تحبيس آلات الحرب والثياب وكل ما ينتفع به مع بقاء عينه والخيل والإبل كالأعبد، وفي تحبيس غير العقار ثلاثة أقوال للمالكية: المنع المطلق في مقابلة الخيل فقط. وقيل: يكره في الرقيق خاصة، وروي أن أبا معقل وقف بعيراً له فقيل لرسول الله عَّ له فلم ينكره. وقال أبو حنيفة: لا يلزم الوقف في شيء إلاَّ أن يحكم به حاكم، أو يكون الوقف مسجداً أو سقاية أو وصية من الثلث. قلت: التحقيق فيه أن أصل الخلاف أن الوقف لا يجوز عند أبي حنيفة أصلاً، وهو المذكور في الأصل، وقيل: يجوز عنده إلاَّ أنه لا يلزم بمنزلة العارية حتى يرجع فيه أي وقت شاء، ويورث عنه إذا مات وهو الأصح، وعند أبي يوسف ومحمد: يجوز ويزول ملك الواقف عنه، غير أنه عند أبي يوسف يزول بمجرد القول، وعند محمد حتى يجعل للوقف ولياً ويسلمه إليه. وأما وقف المنقول فإما أن يكون فيه تعامل بوقفه أو لا يكون، فالأول: يجوز وقفه كالكراع والسلاح والفأس والقدر والقدوم والمنشار والجنازة وثيابها والمصاحف وكتب الفقه والحديث والأدبية ونحوها. والثاني: لا يجوز وقفه كالزرع والثمر ونحوهما، وعند أبي يوسف: لا يجوز إلاّ في الكراع والسلاح والكراع الخيل. وفيه: بعث الإمام العمال لجباية الزكوات بشرط أن يكونوا أمناء فقهاء عارفين بأمور الجباية. وفيه: تنبيه الغافل على ما أنعم الله به من نعمة الغنى بعد الفقر ليقوم بحق الله عليه. وفيه: العيب على من منع الواجب وجواز ذكره في غيبته بذلك. وفيه: تحمل الإمام عن بعض رعيته ما يجب عليه. وفيه: الاعتذار بما يسوغ الاعتذار به. وفيه: إسقاط الزكاة عن الأموال المحبسة. وفيه: التعريض بكفران النعمة والتقريع بسوء الصنيع في مقابلة الإحسان. تَابَعَهُ ابنُ أبي الزِّنَادِ عنْ أبِيهِ أي: تابع الأعرج عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه أبي الزناد عبد الله بن ذكوان بوجود لفظ الصدقة، وروى هذه المتابعة الدارقطني عن المحاملي: حدثنا علي بن شعيب حدثنا شبابة عن ورقاء عن ابن أبي الزناد عن أبيه أبي الزناد عن الأعرج به، كذا هو في نسخة، وفي أخرى بسقوط: ابن، وهي رواية مسلم، وهي الصحيحة. وقال ابنُ إسْحَاقَ عنْ أَبِي الزِّنَادِ هِيَ عَلَيْهِ ومِثْلُهَا معَهَا قال الكرماني: الظاهر أن ابن إسحاق هو محمد بن إسحاق بن يسار - ضد اليمين - ٦٩ ٢٤ - كتابُ الزّكاةِ / باب (٥٢) المدني الإمام صاحب المغازي، مات سنة خمسين ومائة، ودفن بمقبرة الخيزران ببغداد، فإنه رواه عن أبي الزناد بحذف لفظ: الصدقة، وروى الدارقطني أيضاً هذه المتابعة عن أحمد بن محمد بن زياد: حدثني عبد الكريم بن الھیثم حدثنا ابن یعیش حدثني يونس بن بکیر حدثنا ابن أبي إسحاق عن أبي الزناد، فذكره. وقال ابنُ جُرَيْجٍ حُدِّثْتُ عن الأُعْرَجِ بِثْلِهِ ابن جريج، هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، بضم الجيم. قوله: ((حدثت)» بصيغة المجهول. قوله: (بمثله))، أي: بمثل ما روى ابن إسحاق، بدون لفظ: الصدقة. ٥٢ - بابُ الاسْتِعْفَافِ عنِ المَسْألَةِ أي: هذا باب في بيان الاستعفاف: هو طلب العفاف، وقيل: الاستعفاف الصبر والنزاهة عن الشيء، وقيل: التنزه عن السؤال، وفي بعض النسخ عن المسألة. ٧١/ ١٤٦٩ _ حدَّثنا عَبْدُ اللهِ بنُ يُوسُفَ قال أخبرنا مالِكٌ عنِ ابنِ شِهَابٍ عنْ عَطَاءِ ابنِ يَزِيدَ اللَّيْنِيِّ عنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُذْرِيِّ رضي الله تعالى عنهُ أنَّ ناساً مِنَ الأَنْصَارِ سأَلُوا رسولَ اللهِ عَِّ فَأعْطَاهُمْ ثُمَّ سَأْلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ حَتَّى نَفِدَ ما عِنْدَهُ فقال ما يَكُونُ عِنْدِيٍ مِنْ خَيْرِ فَلَنْ أَدَّخِرَهُ عَنْكُمْ ومَنْ يَسْتَغْفِفْ يُعِفَّهُ الله ومَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ الله ومَنْ يَتَصَبَّرُ يُصَبِّرُهُ الله ومَا أُعْطِيَ أحَدٌ عَطَاءً خَيْراً وَأَوْسَعَ مِنَ الصَّبْرِ. [الحديث ١٤٦٩ _ طرفه في: ٦٤٧٠]. مطابقته للترجمة ظاهرة، ورجاله قد ذكروا غير مرة، وابن شهاب هو: محمد بن مسلم الزهري .. ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في الرقاق عن أبي اليمان عن شعيب. وأخرجه مسلم في الزكاة عن قتيبة عن مالك وعن عبد بن حميد عن عبد الرزاق عن معمر، ثلاثتهم عن الزهري عنه به. وأخرجه أبو داود فيه عن القعنبي عن مالك به. وأخرجه النسائي في الزكاة عن قتيبة وفي الرقاق عن قتيبة به وعن الحارث بن مسكين. ذكر معناه: قوله: ((إن ناساً من الأنصار)) لم يعرف أسماؤهم، ولكن قال بعضهم: في رواية النسائي ما يدل على أن أبا سعيد منهم، ففي حديثه: ((سرحتني أمي إلى النبي عَّ له يعني لأسأله من حاجة شديدة، فأتيته وقعدت فاستقبلني فقال: من استغنى أغناه الله ... )) الحديث، وزاد فيه: ((ومن سأل وله أوقية فقد ألحف، فقلت: ناقتي خير من أوقية، فرجعت ولم أسأله)). قلت: ليت شعري أي: دلالة هذه من أنواع الدلالات وليس فيه شيء يدل على كونه مع الأنصار في حالة سؤالهم النبي عَّهِ؟ قوله: ((سألوا رسول الله عَ لَّه فأعطاهم))، أي: شيئاً. وهذه اللفظة في بعض النسخ ثلاث مرات. قوله: ((حتى نفد))، بكسر الفاء وبالدال المهملة، أي: فرغ وغني، وقال ابن سيده: وأنفده هو واستنفده. قوله: ((ما يكون))، كلمة: ما، : ٧٠ ٢٤ - كتابُ الزّكاةِ / باب (٥٢) فيه موصولة متضمنة لمعنى الشرط. وقوله: ((فلن أدخره)) جواب الشرط، ومعناه لن أجعله ذخيرة لغيركم معرضاً عنكم، والفصيح فيه إهمال الدال وجاء بإعجامها مدغماً وغير مدغم، لكن تقلب التاء دالاً مهملة ففيه ثلاث لغات. ويقال: معناه لن أحبسه عنكم، ويروى عن مالك: ((فلن أدخره)). قوله: ((ومن يستعفف)) أي: من طلب العفة عن السؤال ((يعفه الله)، أي: يرزقه الله العفة، أي: الكف عن الحرام، يقال: عف يعف عفة فهو عفيف. قال الطيبي: معناه من طلب العفة عن السؤال ولم يظهر الاستغناء ((يغنه الله)) أي: يرزقه الغنى عن الناس، فلا يحتاج إلى أحد. قوله: ((ومن يتصبر))، أي: من يعالج الصبر، وهو من باب: التفعل، فيه معنى التكلف ((يصبره الله) أي: يرزقه الله صبراً وهو من باب: التفعيل. قوله: ((عطاء)) أي: شيئاً من العطاء. قوله: ((خيراً)، بالنصب صفته، ويروى: خير، بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي: هو خير. ويستفاد منه: إعطاء السائل مرتين والاعتذار إلى السائل والحض على التعفف. وفيه: الحث على الصبر على ضيق العيش وغيره من مكاره الدنيا. وفيه: أن الاستغناء والعفة والسبير بفعل الله تعالى. وفيه: جواز السؤال للحاجة وإن كان الأولى تركه والصبر حتى يأتيه رزقه بغير مسألة. وفيه: ما كان عليه، عَّله، من الكرم والسخاء والسماحة والإيثار على نفسه. ٧٢/ ١٤٧٠ - حدَّثنا عَبْدُ اللهِ بنُ يُوسُفَ قال أخبرنا مالِكٌ عن أبي الزِّنادِ عنِ الأعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ أنَّ رسولَ الله عَلِّ. قال وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ فَيَخْتَطِبَ عَلَى ظَهْرِهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَأْتِيَ رَجُلاً فَيَسْألَهُ أَعْطَاهُ أَوْ منَعَهُ. [الحديث ١٤٧٠ _ أطرافه في: ١٤٨٠، ٢٠٧٤، ٢٣٧٤]. مطابقته للترجمة من حيث إن من عمل بهذا الحديث يحصل له الاستعفاف عن المسألة. ورجاله قد تكرروا، وأبو الزناد عبد الله بن ذكوان، والأعرج عبد الرحمن بن هرمز. والحديث أخرجه النسائي أيضاً في الزكاة عن علي بن شعيب عن معن بن عيسى عن مالك به. ذكر معناه: قوله: ((لأن يأخذ)) اللام فيه للتأكيد، وفي الموطأ: ((ليأخذ أحدكم). قوله: ((حبله)) أي: رسنه. قوله: ((فيحتطب)) أي: فإن يحتطب أي: يجمع الحطب. قوله: ((خير))، مرفوع لأنه خبر مبتدأ محذوف أي: هو خير له. قوله: ((فيسأله)) أي: فإن يسأله، وفي رواية الدارقطني في رواية ابن وهب: ((خير له من أن يأتي رجلاً قد أعطاه الله من فضله فيسأله)). قوله: ((أعطاه أو منعه)) لأن حال المسؤول منه إما العطاء ففيه المنة وذل السؤال، وإما المنع ففيه الذل والخيبة والحرمان، وكان السلف إذا سقط من أحدهم سوطه. لا يسأل من يناوله إياه. وفيه: التحريض على الأكل من عمل يده والاكتساب من المباحات. ٧١ ٢٤ - كتابُ الزَكاةِ / باب (٥٢) واعلم أن مدار الأحاديث في هذا الباب على كراهية المسألة، وهي على ثلاثة أوجه: حرام ومكروه ومباح. فالحرام لمن سأل وهو غني من زكاة أو أظهر من الفقر فوق ما هو به. والمكروه لمن سأل وعنده ما يمنعه عن ذلك ولم يظهر من الفقر ما هو به، والمباح لمن سأل بالمعروف قريباً أو صديقاً. وأما السؤال عند الضرورة فواجب لإحياء النفس. وأدخله الداودي في المباح. وأما الأخذ من غير مسألة ولا إشراف نفس فلا بأس به. وفي هذا الباب أحاديث: عن عطية السعدي قال: قال رسول الله عَ له: ((ما أغناك الله فلا تسأل الناس شيئاً فإن اليد العليا المعطية وإن اليد السفلى هي المعطاة))، رواه ابن عبد البر. وعن ابن مسعود، رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله عَّ له: ((من سأل وله ما يغنيه جاء يوم القيامة ومسألته في وجهه خموش أو خدوش أو كدوح، قيل: يا رسول الله وما يغنيه؟ قال: خمسون درهماً أو قيمتها من الذهب)). رواه الترمذي، قال: حديث حسن، ورواه بقية الأربعة والحاكم، ورواه ابن أبي الدنيا في (كتاب القناعة) ولفظه: ((من سأل الناس عن ظهر غنى جاء يوم القيامة وفي وجهه كدوح أو خموش، قيل: يا رسول الله ما الغنى؟ قال: خمسون درهماً أو قيمته من الذهب)). وعن عبد الله بن عمرو عن النبي عَّم قال: ((لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي)) رواه الترمذي وأبو داود، وقال الترمذي: حديث حسن. وعن حبيش بن جنادة السلولي قال: ((سمعت رسول الله عَّله في حجة الوداع وهو واقف بعرفة ... )) الحديث، وفيه: ((ومن سأل الناس ليثري به ماله كان خموشاً في وجهه يوم القيامة، ورضفاً يأكله من جهنم، فمن شاء فليقِلَّ ومن شاء فليكثِر)). رواه الترمذي وانفرد به. وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، أخرجه النسائي وابن ماجه مثل حديث عبد الله بن عمرو. وعن قبيصة بن المخارق الهلالي، قال: ((تحملت حمالة فأتيت رسول الله عَّةٍ ... )) الحديث، وفيه: ((يا قبيصة: إن المسألة لا تحل إلاَّ لأحد ثلاثة: رجل تحمل حمالة فحلت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك، ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله فحلت له المسألة حتى يصيب قواماً من عيش. أو قال: سداداً من عيش، ورجل أصابته فاقة حتى يقول ثلاثة من ذوي الحجى من قومه: لقد أصاب فلاناً فاقة، فحلت له المسألة حتى يصيب قواماً من عيش، أو قال: سداداً من عيش، فما سواهن من المسألة - يا قبيصة - سحت يأكلها صاحبها سحتاً)). رواه مسلم وأبو داود والنسائي. وعن أنس، رضي الله تعالى عنه: ((أن رجلاً من الأنصار ... )) الحديث، وفيه: ((أن المسألة لا تصلح إلاّ لثلاثة: لذي فقر مدقع، أو لذي غرم مقطع، أو لذي دم موجع)). رواه أبو داود وابن ماجه. وعن عبد الرحمن بن أبي بكر، رضي الله تعالى عنهما، عن النبي عَّ له قال: ((لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي))، رواه البزار والطبراني في (الكبير). وعن عمران - ابن حصين، رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله عَّهِ: ((مسألة الغني شين في وجهه يوم القيامة))، رواه أحمد والبزار. وعن ثوبان عن النبي عَِّ، قال: ((من سأل مسألة وهو عنها غني كانت شيئاً في وجهه يوم القيامة))، رواه أحمد والبزار والطبراني، وإسناده صحيح. وعن ٧٢ ٢٤ - كتابُ الزّكاةِ / باب (٥٢) مسعود بن عمرو أن النبي عَ لِ قال: ((لا يزال العبد يسأل وهو غني حتى يخلق وجهه فلا يكون له عند الله وجه))، رواه البزار والطبراني في الكبير. وعن جابر: أن رسول الله عَ لَّه قال: ((من سأل وهو غني عن المسألة يحشر يوم القيامة وهي خموش في وجهه))، رواه الطبراني في (الأوسط) وعن رجلين غير مسميين أتيا النبي عَّهُ في حجة الوداع وهو يقسم الصدقة، فسألا منها، فرفع فينا البصر وخفضه فرآنا جلدين، فقال: ((إن شئتما أعطيتكما ولا حظَّ فيها لغني ولا لقوي مكتسب))، ورجاله في الصحيحين. وعن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله عَِّ: (من سأل وله قيمة أوقية فقد ألحف، فقلت ناقتي الياقوتة خير من أوقية)). وفي رواية: ((خير من أربعين درهماً، فرجعت فلم أسأله)). وكانت الأوقية على عهد رسول الله عَ ليه. أربعين درهماً، أخرجه أبو داود والنسائي وابن حبان في صحيحه. وعن سهيل بن الحنظلية قال: ((قدم على رسول الله عَ لم عيينة بن حصين والأقرع بن حابس فسألاه فأمر لهما بما سألاه .. )) الحديث، وفيه: ((فقال رسول الله عَّ ◌ُله: من سأل وعنده ما يغنيه فإنما يستكثر من النار، فقالوا: يا رسول الله! وما يغنيه؟ وقال النفيلي: وما الغنى الذي لا ينبغي معه المسألة؟ قال: قدر ما يغديه ويعشيه)). وقال النفيلي، في موضع آخر: ((أن يكون له شبع يوم وليلة أو ليلة ويوم))، رواه أبو داود وابن حبان في (صحيحه) ولفظه: «قالوا: وما يغنيه؟ قال: ما يغديه أو يعشيه)). ((وعن رجل من بني أسد قال: نزلت أنا وأهلي ببقيع الغرقد ... )) الحديث، وفيه: ((من سأل منكم وله أوقية أو عدلها فقد سأل إلحافاً، فقال الأسدي: فقلت: للقحة لنا خير من أوقية))، رواه أبو داود. ((وعن الرجل الذي من مزينة، قالت له أمه: ألا تنطلق فتسأل رسول الله عَّلِ كما يسأله الناس، فانطلقت أسأله فوجدته قائماً يخطب، وهو يقول: من استعف أعفه الله، ومن استغنى أغناه الله ومن سأل الناس وله عدل خمس أواق فقد سأل إلحافاً، فقلت بيني وبين نفسي: لناقة لنا خير من خمسة أواق، ولغلامه ناقة أخرى خير من خمس أواق، فرجعت ولم أسأله))، رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح. وعن علي، رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله عَّ له ((من سأل مسألة عن ظهر غنى أستكثر بها من رضف جهنم، قالوا: وما ظهر غنى؟ قال: عشاء ليلة)). رواه عبد الله بن أحمد في زياداته على (المسند) ورواه الطبراني في (الأوسط) وابن عدي في (الكامل) وعن زياد بن الحارث الصدائي قال عَّلة: ((من سأل الناس عن ظهر غنى فصداع في الرأس وداء في البطن))، رواه الطبراني، وبعضه عند أبي داود. وعن ابن عباس، قال: قال رسول الله عٍَّ. (لو يعلم صاحب المسألة ما له فيها لم يسأل))، رواه الطبراني من رواية قابوس، قال أبو حاتم: لا أحتج به، وقال ابن حبان: رديء الحفظ. ولابن عباس حديث آخر رواه الطبراني والبزار بلفظ: ((استغنوا عن الناس ولو شوص السواك))، ورجال إسناده ثقات، وعن معاوية قال: قال رسول الله عَّله: ((لا تلحفوا في المسألة فوالله لا يسألني أحد منكم شيئاً فتخرج له مسألته مني شيئاً وأنا كاره فيبارك له فيما أعطيته))، رواه مسلم .. وعن سمرة ابن جندب قال: قال رسول الله عَّه: ((إن المسألة كد يكد بها الرجل وجهه إلاّ أن يسأل الرجل سلطاناً أو في ٧٣ ٢٤ - كتابُ الزَكاةِ / باب (٥٢) أمر لا بد منه))، رواه الترمذي. وقال: حديث حسن صحيح. وعن أبي ذر، قال: ((قال رسول الله عَ لله وهو يشترط عليَّ أن لا أسأل الناس شيئاً، قلت: نعم. قال: ولا سوطك إن سقط منك حتى تنزل فتأخذه))، رواه أحمد ورجاله ثقات، وعن أبي أمامة قال: قال رسول الله عَ له: «من یبایع؟ فقال ثوبان: بایعنا رسول الله. قال: علی أن لا تسألوا شيئاً؟ قال ثوبان: فما له یا رسول الله؟ قال: الجنة. فبايعه ثوبان)) رواه الطبراني. وعن عدي الجذامي في أثناء حديث فيه: ((فتعفّقوا ولو بحزم الحطب، ألاَ هل بلَّغت؟)) ورواه الطبراني، ((وعن الفراسي قال الرسول الله عَّله: أسأل يا رسول الله! فقال النبي عَ له: لا، وإن كنت لا بد سائلاً فسل الصالحين))، رواه أبو داود والنسائي، والفراسي، بكسر الفاء وفتح الراء وكسر السين المهملة. قال في (الكمال): روى عن النبي عَّ لمه حديثاً واحداً، وقال المنذري: وله حديث آخر في البحر: ((هو الطهور ماؤه والحل ميتته))، كلاهما يرويه الليث بن سعد، ((وعن عائذ بن عمرو أن رجلاً أتى النبي عَّ له وأعطاه، فلما وضع رجله على أسكفة الباب قال رسول الله عَ لَّه: لو تعلمون ما في المسألة ما مشى أحد إلى أحد يسأله شيئاً)). ١٤٧١/٧٣ - حدَّثنا مُوسى قال حدَّثنا وُهَيْبٌ قال حدَّثنا هِشَامٌ عنْ أَبِيهِ عنِ الزُّبَيْرِ بنِ العَوَّامِ رضي الله تعالى عنهُ عنِ النَّبِيِّ عَلَّمِ قال لأَنْ يأخُذَ أحَدُكُمْ حَبْلَهُ فَيَأْتِي بِحُزْمَةٍ الحَطَّبِ عَلى ظَهْرِهِ فِيَبِيعَهَا فِيَكْفَّ اللّه بِهَا وَجْهَهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يسْألَ النَّاسَ أَعْطَوْهُ أَوْ مَنَعُوهُ. [الحديث ١٤٧١ - طرفاه في: ٢٠٧٥، ٣٣٧٣]. مطابقته للترجمة ظاهرة، ورجاله قد ذكروا، وموسى هو ابن إسماعيل التبوذكي، ووهيب هو ابن خالد. وأخرجه البخاري أيضاً في الشرب عن معلى بن أسد عن وهيب، وفي البيوع عن يحيى بن موسى عن وكيع. وأخرجه ابن ماجه في الزكاة عن علي ابن محمد وعمرو بن عبد الله الأودي، كلاهما عن وكيع به. قوله: ((لأن يأخذ))، اللام فيه إما ابتدائية أو جواب قسم محذوف، والحزمة، بضم الحاء المهملة وسكون الزاي: ما سمي بالفارسية: دستة. قوله: ((فيكف الله)) أي: فيمنع الله به وجهه من أن يريق ماءه بالسؤال من الناس. قوله: ((خير))، مرفوع لأنه خبر مبتدأ محذوف، أي: هو خير له من أن يسأل أي: من سؤال الناس، والمعنى: إن لم يجد إلاّ الاحتطاب من الحرف، فهو مع ما فيه من امتهان المرء نفسه، ومن المشقة خير له من المسألة. ٧٤/ ١٤٧٢ _ حدَّثنا عَبْدَانُ قال أخبرنا عَبْدُ الله قال أخبرنا يُونُسُ عنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ بنِ الزُّبَيْرِ وسَعِيدِ بنِ المُسَيَّبِ أَنَّ حَكِيمَ بنَ حِزَام رضي الله تعالى عنهُ. قال سَأَلْتُ رسولَ الله عَّهِ فَأعْطانِي ثُمَّ سأَلْتُهُ فأعْطَانِي ثُمَّ سألْتُهُ فأعْطَاني ثُمَّ قال يا حَكِيمُ إنَّ لهُذَا المالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ فَمَنْ أَخَذَهُ بِسَخَاوَةٍ نَفْسٍ بُورِكَ لَهُ فِيهِ ومَنْ أَخَذَهُ بإِشْرَافٍ نَفْسٍ لَمْ يُبَارَكِ لَهُ فِيهِ وكان كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلاَ يَشْبَعُ اَلِيَدُ العُلْيَا خَيْرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلى قال حَكِيمٌ فقُلْتُ يا رسولَ اللهِ وَالَّذِي بعثَكَ بِالحَقِّ لا أرْزأُ أَحَداً بَعْدَكَ شَيْئاً حَتَّى أُفَارِقَ الدُّنْيَا فَكَانَ أَبُو : ! ٧٤ ٢٤ - كتابُ الزّكاةِ / باب (٥٢) بَكّرٍ رضي الله تعالى عنهُ يَدْعُو حَكِيماً إِلَى العَطَاءِ فَيأبى أنْ يَقْبَلهُ مِنْهُ ثُمَّ إِنَّ عُمَرَ رضي الله تعالى عنه دَعَاهُ لِيُعْطِيَّهُ فَأتَى أَنْ يقْبَلَ مِنْهُ شَيْئاً فقال عُمَرُ إِنِّي أُشْهِدَكُمْ يا مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ عَلَى حَكِيمٍ إِنِّي أَعْرِضُ عَلَيه حَقَّهُ منْ لهذا الفَيءٍ فيَأْتَى أَنْ يأخُذَهُ فَلَمْ يَرْزأُ حَكِيمٌ أحداً مِنَ النَّاسِ بَعْدَ رَسولِ اللهِ عَّ الِ حَتَّى تُؤُفِّيَ. [الحديث ١٤٧٢ - أطرافه في: ٢٧٥٠، ٣١٤٣، ٦٤٤١]. مطابقته للترجمة في قوله: ((اليد العليا خير من اليد السفلى)) لأن المراد من اليد العليا على قول: هي المتعففة وإن كان المشهور هي المنفقة، وقد تقدم الكلام فيه في: باب لا صدقة إلاّ عن ظهر غنى. ذكر رجاله: وهم: سبعة: الأول: عبدان، هو عبد الله بن عثمان بن جبلة المروزي، وعبدان لقبه. الثاني: عبد الله بن المبارك المروزي. الثالث: يونس بن يزيد الأيلي. الرابع: محمد بن مسلم الزهري المدني. الخامس: عروة بن الزبير بن العوام المدني. السادس: سعيد بن المسيب المدني. السابع: حكيم، بفتح الحاء: ابن حزام، بكسر الحاء وبالزاي المخففة، وقد مر عن قريب. ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضع واحد، وبصيغة الإخبار كذلك في موضعين. وفيه: العنعنة في موضعين. وفيه: أن شيخه مذكور بلقبه. وفيه: اثنان مذكوران مجردين. وفيه: أحدهم مذكور بنسبته إلى قبيلته ويروى عن اثنين. وفيه: ثلاثة من التابعين وهم: الزهري وعروة وسعيد بن المسيب. ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره أخرجه البخاري أيضاً في الوصايا وفي الخمس عن محمد بن يوسف عن الأوزاعي وفي الرقاق عن علي بن عبد الله عن سفيان كلاهما عن الزهري. وأخرجه مسلم في الزكاة عن أبي بكر بن أبي شيبة وعمرو بن محمد الناقد، كلاهما عن سفيان به. وأخرجه الترمذي في الزهد عن سويد بن نصر عن ابن المبارك، وأخرجه النسائي في الزكاة عن قتيبة عن سفيان به وعن الربيع بن سليمان وعن أحمد بن سليمان وأعاده في الرقاق عن الربيع بن سليمان. ذكر معناه: قوله: ((خضرة))، التأنيث إما باعتبار الأنواع أو الصورة أو تقديره، كالفاكهة الخضرة الحلوة، شبه المال في الرغبة فيه بها فإن الأخضر مرغوب من حيث النظر، والحلو من حيث الذوق، فإذا اجتمعا زادا في الرغبة، حاصله أن التشبيه في الرغبة فيه والميل إليه وحرص النفوس عليه بالفاكهة الخضراء المستلذة، فإن الأخضر مرغوب فيه على انفراده، والحلو كذلك على انفراده، فاجتماعهما أشد، وفيه أيضاً إشارة إلى عدم بقائه لأن الخضراوات لا تبقى ولا تراد للبقاء. قوله: ((فمن أخذه بسخاوة))، نفس أي: بغير شره ولا إلحاح، وفي رواية: ((بطيب نفس)). فإن قلت: السخاوة إنما هي في الإعطاء لا في الأخذ. قلت: السخاوة في الأصل السهولة، والسعة. قال القاضي: فيه احتمالان: أظهرهما أنه عائد ٧٥ ٢٤ - كتابُ الزَكاةِ / باب (٥٢) إلى الآخذ، أي من أخذه بغير حرص وطمع وإشراف عليه، والثاني: إلى الدافع، أي: من أخذه ممن يدفعه منشرحاً بدفعه طيب النفس له. قوله: ((بإشراف نفس)» الإشراف على الشيء: الاطلاع عليه والتعرض له، وقيل: معنى إشراف نفس أن المسؤول يعطيه عن تكره. وقيل: يريد به شدة حرص السائل وإشرافه على المسألة. قوله: ((لم يبارك له فيه)) الضمير في: له، يرجع إلى الآخذ، وفي: فيه، إلى المعطَى بفتح الطاء، ومعناه: إذ لم يمنع نفسه المسألة ولم يصن ماء وجهه لم يبارك له فيما أخذ وأنفق. قوله: ((كالذي يأكل ولا يشبع)) أي: كمن به الجوع الكاذب، وقد يسمى بجوع الكلب كلما ازداد أكلاً ازداد جوعاً لأنه يأكل من سقم كلما أكل ازداد سقماً ولا يجد شبعاً ويزعم أهل الطب أن ذلك من غلبة السوداء، ويسمونها: الشهوة الكلبية، وهي صفة لمن يأكل ولا يشبع. قلت: الظاهر أنه من غلبة السوداء وشدتها كلما ينزل الطعام في معدته يحترق وإلاّ فلا يتصور أن يسع في المعدة أكثر ما يسع فيه، وقد ذكر أهل الأخبار أن رجلاً من أهل البادية أكل جملاً وامرأته أكلت فصيلاً ثم أراد أن يجامعها فقالت: بيني وبينك جمل وفصيل كيف يكون ذاك؟ قوله: ((اليد العليا خير من اليد السفلى))، قد مر الكلام فيه مستقصىّ في: باب لا صدقة إلاَّ عن ظهر غنى. قوله: ((لا أرزا))، بفتح الهمزة وسكون الراء وفتح الزاي وبالهمزة: معناه لا أنقص ماله بالطلب، وفي (النهاية): ما رزأته أي: ما نقصته، وفي رواية لإسحاق: ((قلت: فوالله لا تكون يدي بعدك تحت يد من أيدي العرب. قلت: هذا معنى قوله: ((بعدك))، الخطاب للنبي عَّهِ، ويحتمل أن يكون المعنى: غيرك، قال الكرماني: فإن قلت: لِمَ امتنع من الأخذ مطلقاً وهو مبارك إذا كان بسعة الصدر مع عدم الإشراف؟ قلت: مبالغة في الاحتراز إذ مقتضى الجبلة الإشراف والحرص والنفس سراقة والعرق دساس، ومن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه. قوله: ((فأبى أن يقبل منه))، أي: فامتنع حكيم أن يقبل عطاءً من أبي بكر في الأول، ومن عمر في الثاني، وجه امتناعه من أخذ العطاء مع أنه حقه لأنه خشي أن يقبل من أحد شيئاً فيعتاد الأخذ فتتجاوز به نفسه إلى ما لا يريده، ففطمها عن ذلك وترك ما يريبه إلى ما لا يريبه، ولأنه خاف أن يفعل خلاف ما قال لرسول الله عَ لَّه: ((لأنه قال: لا أرزاً أحداً بعدك)). حتى روي في رواية: ((ولا منك يا رسول الله؟ قال: ولا مني)). قوله: ((فقال عمر، رضي الله تعالى عنه: إني أشهدكم)) إنما أشهد عمر، رضي الله تعالى عنه، على حكيم لأنه خشي سوء التأويل، فأراد تبرئة ساحته بالإشهاد عليه، وأن أحداً لا يستحق شيئاً من بيت المال بعد أن يعطيه الإمام إياه. وفي (التوضيح): وأما قبل ذلك فليس بمستحق له، ولو كان مستحقاً له لقضى عمر على حكيم بأخذه، ذلك يدل عليه قول الله تعالى، حين ذكر قسم الصدقات، وفي أي الأقسام يقسم أيضاً: ﴿كيلا يكون دولة بين الأغنياء منكم وما آتاكم الرسول فخذوه﴾ [الحشر: ٧]. الآية. فإنما هو لمن أوتيه لا لغيره. وإنما قال العلماء في إثبات الحقوق في بيت المال مشدداً على غير المرضى من السلاطين ليغلقوا باب الامتداد إلى أموال المسلمين، والسبب إليها بالباطل، ويدل على ذلك أن من سرق بيت المال أنه يقطع، وزنى ٧٦ ٢٤ - كتابُ الزّكاةِ / باب (٥٣). بجارية من الفيء أنه يحد، ولو استحق في بيت المال أو في الفيء شيئاً على الحقيقة قبل إعطاء السلطان له لكانت شبهة تدرأ الحد عنه. قلت: جمهور الأمة على أن للمسلمين حقاً في بيت المال والفيء، ولكن الإمام بقسمه على اجتهاده، فعلى هذا لا يجب القطع ولا الحد للشبهة وسيجيء تحقيقه في: باب الاجتهاد، إن شاء الله تعالى. قوله: ((حتى توفي))، زاد إسحاق بن راهويه في (مسنده) من طريق معمر بن عبد الله بن عروة مرسلاً: أنه ما أخذ من أبي بكر ولا عمر ولا عثمان ولا معاوية ديواناً ولا غيره حتى مات لعشر سنين من إمارة معاوية، وزاد ابن إسحاق أيضاً في (مسنده) من طريق معمر عن الزهري: فمات حيت مات وأنه لمن أكثر قریش مالاً. ذكر ما يستفاد منه فيه: ما قال المهلب: إن سؤال السلطان الأكبر ليس بعار. وفيه: أن السائل إذا ألحف لا بأس برده وموعظته وأمره بالتعفف وترك الحرص. وفيه: أن الإنسان لا يسأل إلا عند الحاجة والضرورة لأنه إذا كانت يده السفلى مع إباحة المسألة فهو أحرى أن يمتنع من ذلك عند غير الحاجة. وفيه: أن من كان له حق عند أحد فإنه يجب عليه أخذه إذا أتى، فإن كان مما لا يستحقه إلاَّ ببسط اليد فلا يجبر على أخذه، وفيه: ما قال ابن أبي جمرة: قد يقع الزهد مع الأخذ، فإن سخاوة النفس هو زهدها. تقول: سخت بكذا أي: جادت، وسخت عن كذا أي: لم تلتفت إليه. وفيه: أن الأخذ مع سخاوة النفس يحصل أجر الزهد والبركة في الرزق، فظهر أن الزهد يحصل خيري الدنيا والآخرة. وفيه: ضرب المثل بما لا يعقله السامع من الأمثلة، لأن الغالب من الناس لا يعرف البركة إلاَّ في الشيء الكثير، فبين بالمثال المذكور أن البركة هي خلق من خلق الله تعالى، وضرب لهم المثل بما يعهدون بالأكل إنما يؤكل ليشبع فإذا أكل ولم يشبع كان عناء في حقه بغير فائدة، وكذلك المال ليست الفائدة في عينه وإنما هي لما يتحصل به من المنافع، فإذا كثر المال عند المرء بغير تحصيل منفعة كان وجوده كالعدم. وفيه: أنه ينبغي للإِمام أن لا يبين للطالب ما في مسألته من المفسدة إلاّ بعد قضاء حاجته لتقع موعظته له الموقع لئلا يتخيل أن ذلك سبب لمنعه حاجته. وفيه: جواز تكرر السؤال ثلاثاً. وجواز المنع في الرابعة. وفيه: أن رد السائل بعد ثلاث ليس بمكروه. وأن الإجمال في الطلب مقرون بالبركة. ٥٣ _ بابُ مَنْ أَعْطَاهُ الله شَيْئاً مِنْ غَيْرِ مَسْئَلَةٍ وَلاَ إِشْرَافٍ نَفْسٍ أي: هذا باب في بيان حكم من أعطاه الله .. إلى آخره، وجواب الشرط محذوف تقديره: فليقبل، وهذا هو الحكم، وإنما حذفه اكتفاء بما دل عليه في حديث الباب، وقال بعضهم: وإنما حذفه للعلم به وفيه نظر، لأن مراده إن كان علمه من الخارج فلا نسلم أنه يعلمه منه، وإن كان من الحديث فلا يقال إلاَّ بما قلنا لأنه الأوجه والأسد. قوله: ((من غير مسألة)) أي: من غير سؤال، والمسألة مصدر ميمي من سأل. قوله: ((ولا إشراف))، بكسر الهمزة وسكون الشين المعجمة، وهو التعرض للشيء والحرص عليه من قولهم: أشرف على ٧٧ ٢٤ - كتابُ الزّكاةِ / باب (٥٣) كذا إذا تطاول له، ومنه قيل للمكان المتطاول: شرف. ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ والمَحْرُومِ﴾ [الذاريات: ١٩، المعارج: ٢٤ و٢٥]. ليس هذا بموجود عند أكثر الرواة، وفي رواية المستملي الآية مقدمة على قوله: من أعطاه الله شيئاً. وقال صاحب (التلويح): باب في قوله تعالى: ﴿وفي أموالهم حق للسائل والمحروم﴾ [الذاريات: ١٩، المعارج: ٢٤ و٢٥]. وكذا في نسخة، وفي أخرى: باب من أعطاه الله ... إلى آخره، وكأنه أليق بالحديث. قوله: ﴿وفي أموالهم﴾ [الذاريات: ١٩، المعارج: ٢٤ و٢٥]. أي: وفي أموال المتقين المذكورين قبل هذه الآية وهي قوله: ﴿إِن المتقين في جنات وعيون آخذين ما آتاهم ربهم إنهم كانوا قبل ذلك محسنين كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون وبالأسحار هم يستغفرون وفي أموالهم حق للسائل والمحروم﴾ [الذاريات: ١٥ - ١٩]. والسائل هو الذي يسأل الناس ويستجدي، والمحروم الذي يحسب غنياً فيحرم الصدقة لتعففه. وقيل: المحروم المحارف الذي ليس له في الإسلام سهم، وقيل: المحارف الذي لا يكاد يكسب، وعن عكرمة: المحروم الذي لا ينمى له مال، وعن زيد بن أسلم: هو المصاب بثمره وزرعه أو ماشيته. وقال محمد بن كعب القرظي: هو صاحب الحاجة، والمحارف، بفتح الراء: المنقوص الحظ الذي لا يثمر له مال، وهو خلاف المبارك، والعوام بكسر الراء، واستدل بهذه الآية الكريمة جماعة من التابعين، ومن الصحابة أبو ذر على أن في المال حقاً غير الزكاة. وقال الجمهور: المراد من الحق هو الزكاة، واحتجوا على ذلك بأحاديث: منها: حديث الأعرابي في (الصحيح) ((هل علي غيرها؟ قال: لا إلاّ إن تطوع)) فإن قلت: روى مسلم من حديث أبي سعيد، قال: ((بينا نحن مع رسول الله، عَّله، في سفر إذ جاء رجل على راحلته، فجعل يصرفها يميناً وشمالاً، فقال النبي عَّهِ: من كان له فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان عنده فضل زاد فليعد به على من لا زاد له، حتى ظننا أنه لا حق لأحد منا في الفضل)). ففيه: إيجاب إنفاق الفضل من الأموال. قلت: الأمر بإنفاق الفضل أمر إرشاد وندب إلى الفضل، وقيل: كان ذلك قبل نزول فرض الزكاة، ونسخ بها كما نسخ صوم عاشوراء بصوم رمضان، وعاد ذلك فضلاً وفضيلة بعدما كان فريضة. ٧٥/ ١٤٧٣ - حدَّثنا يحيى بنُ بُكَيْرٍ قال حدَّثنا اللَّيْثُ عنْ يُونُسَ عنِ الزُّهْرِيِّ عنْ سالِمِ أَنَّ عَبْدَ الله بنَ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما قال سَمِعْتُ عُمَرَ يَقُولُ كَانَ رسولُ الله عَّهِ يُعْطِينِي العَطَاءَ فَأَقُولُ أَعْطِهِ مَنْ هُوَ أَفْقَرُ إليْهِ مِنِّي فقال خُذْهُ إذَا جاءَكَ مِنْ لهذا المالِ شَيءٌ وأَنْتَ غَيْرُ مُشْرِفٍ وَلاَ سائِلٍ فَخُذْهُ وَما لاَ فَلاَ تُشْبِعْهُ نَفْسَكَ. [الحديث ١٤٧٣ - طرفاه في: ٧١٦٣، ٧١٦٤]. مطابقته للترجمة في قوله: ((خذه إذا جاءك من هذا المال وأنت غير مشرف ولا سائل))، ورجاله قد ذكروا غير مرة، ويونس والزهري قد ذكرا في سند حديث الباب السابق، وأخرجه البخاري أيضاً في الأحكام عن أبي اليمان الحكم بن نافع عن شعيب. وأخرجه ٧٨ ٢٤ - كتابُ الزّكاةِ / باب (٥٣) مسلم في الزكاة عن هارون بن معروف وحرملة بن يحيى، وأخرجه النسائي فيه عن عمرو بن منصور. ذكر معناه: قوله: ((فأقول: أعطه من هو أفقر مني))، زاد في رواية شعيب عن الزهري الآتية في الأحكام: ((حتى أعطاني مرة مالاً فقلت: أعطه من هو أفقر إليه مني، فقال: خذه فتموله وتصدق به)). وذكر شعيب فيه عن الزهري إسناداً آخر، قال: أخبرني السائب بن يزيد أن حويطب بن عبد العزى أخبره أن عبد الله بن السعدي أخبره أنه قدم على عمر، رضي الله تعالى عنه، في خلافته، فذكر قصة فيها هذا الحديث، والسائب ومن فوقه صحابة ففيه أربعة من الصحابة في نسق. قوله: ((إذا جاءك)) شرط وجزاؤه قوله: ((فخذه))، وأطلق الأخذ أولاً بالأمر، وعلق ثانياً بالشرط، فحمل المطلق على المقيد. قوله: ((وأنت غير مشرف))، جملة إسمية وقعت حالاً، وقد مضى تفسيز الإشراف. قوله: ((وما لا)) أي: وما لا يكون كذلك بأن لا يجيء إليك وتميل نفسك إليه ((فلا تتبعه نفسك)) في الطلب واتركه. ذكر ما يستفاد منه: قال الطبري: اختلف العلماء في قوله: ((فخذه)) بعد إجماعهم على أنه أمر ندب وإرشاد. فقال بعضهم: هو ندب لكل من أعطي عطية أن يقبلها سواء كان المعطي سلطاناً أو غيره، صالحاً كان أو فاسقاً، بعد أن كان ممن تجوز عطيته. روي ((عن أبي هريرة أنه قال: ما أحد يهدي إلي هدية إلاَّ قبلتها، فأما أن أسأل، فلا)) وعن أبي الدرداء مثله، وقبلت عائشة، رضي الله تعالى عنها، من معاوية. وقال حبيب بن أبي ثابت: رأيت هدايا المختار تأتي ابن عمر وابن عباس، رضي الله تعالى عنهم، فيقبلانها، وقال عثمان بن عفان، رضي الله تعالى عنه، جوائز السلطان لحم ظبي زكي، وبعث سعيد بن العاص إلى علي، رضي الله تعالى عنه، بهدايا فقبلها، وقال: خذ ما أعطوك. وأجاز معاوية الحسين بأربعمائة ألف، وسئل أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين عن هدايا السلطان، فقال: إن علمت أنه من غصب وسحت فلا تقبله، وإن لم تعرف ذلك فاقبله، ثم ذكر قصة بريرة، وقال الشارع: هو لنا هدية، وقال: ما كان من مأثم فهو عليهم، وما كان من مهناً فهو لك، وقبلها علقمة والأسود والنخعي والحسن والشعبي. وقال آخرون: بل ذلك ندب منه أمته إلى قبول عطية غير ذي سلطان، فأما السلطان فإن بعضهم كان يقول: حرام قبول عطيته، وبعضهم كرهها، وروي أن خالد بن أسيد أعطى مسروقاً ثلاثين ألفاً فأبى أن يقبلها. فقيل له: لو أخذتها فوصلت بها رحمك؟ فقال: أرأيت لو أن لصاً نقب بيتاً ما أبالي أخذتها أو أخذت ذلك، ولم يقبل ابن سيرين ولا ابن محيريز من السلطان، وقال هشام بن عروة: بعث إلي عبد الله بن الزبير، رضي الله تعالى عنهما، وإلى أخي بخمسمائة دينار، فقال أخي: ذرها فما أكلها أحد وهو غني عنها إلاّ أحوجه الله إليها. وقال ابن المنذر: كره جوائز السلطان محمد بن واسع والثوري وابن المبارك وأحمد. وقال آخرون: بل ذلك ندب إلى قبول هدية السلطان دون غيره، وروي عن عكرمة قال: إنا لا نقبل إلاّ من الأمراء. وقال الطبري: والصواب عندي أنه ندب منه إلى قبول عطية كل معط جائزة لسلطان كانت أو غيرها لحديث عمر، رضي الله ٧٩ ٢٤ - كتابُ الزّكاةِ / باب (٥٣) تعالى عنه، فندبه إلى قبول كل ما آتاه الله من المال من جميع وجوهه من غير تخصيص سوی ما استثناه، وذلك ما جاء به من وجه حرام عليه، وعلم به. ووجه من رد أنه إنما كان على من كان الأغلب من أمره أنه لا يأخذ المال من وجهه، فرأى أن الأسلم لدينه والإبراء لعرضه تركه، ولا يدخل في ذلك ما إذا علم حرمته. ووجه من قبل ممن لم يبال من أين أخذ المال ولا فيما وضعه أنه ينقسم ثلاثة أقسام: ما علم حله قيناً فلا يستحب رده، وعكسه فيحرم قبوله، وما لا فلا يكلف البحث عنه، وهو في الظاهر أولى به من غيره ما لم یستحق. وأما مبايعة من يخالط ماله الحرام وقبول هداياه فكره ذلك قوم وأجازه آخرون. فممن كرهه: عبد الله بن يزيد وأبو وائل والقاسم وسالم، وروي أنه توفيت مولاة لسالم كانت تبيع الخمر بمصر فترك ميراثها أيضاً. وقال مالك: قال عبد الله بن يزيد بن هرمز: إني لا أعجب ممن يرزق الحلال ويرغب في الربح فيه الشيء اليسير من الحرام فيفسد المال كله، وكره الثوري المال الذي يخالطه الحرام، وممن أجازه ابن مسعود، روي عنه أن رجلاً سأله فقال في جار: لا يتورع من أكل الربا ولا من أخذ ما لا يصلح، وهو يدعونا إلى طعامه وتكون لنا الحاجة فنستقرضه؟ فقال: أجبه إلى طعامه واستقرضه، فَلَكَ المهنأُ وعليه المأثم، وسئل ابن عمر عن رجل أكل طعام من يأكل الربا فأجازه، وسئل النخعي عن الرجل يأتي المال من الحلال والحرام، قال: لا يحرم عليه إلاَّ الحرام بعينه. وعن سعيد بن جبير أنه، رضي الله تعالى عنه، مر بالعشّارين وفي أيديهم شماريخ، فقال: ناولونيها من سحتكم هذا إنه حرام عليكم وعلينا حلال. وأجاز البصري طعام العشار والضراب والعامل وعن مكحول والزهري: إذا اختلط الحرام والحلال فلا بأس به فإنما يكره من ذلك شيء يعرف بعينه، وأجازه ابن أبي ذئب، وقال ابن المنذر: واحتج من رخص فيه بأن الله تعالى ذكر اليهود، فقال: ﴿سماعون للكذب أكالون للسحت﴾ [المائدة: ٤٢]. وقد رهن الشارخ درعه عند یهودي، وقال الطبري في إباحة الله تعالى أخذ الجزية من أهل الكتاب مع علمه بأن أكثر أموالهم أثمان الخمور والخنازير، وهم يتعاملون بالربا أبين الدلالة على أن من كان من أهل الإسلام بيده مال لا يدري أمن حرام كسبه أو من حلال؟ فإنه لا يحرم قبوله لمن أعطاه، وإن كان ممن لا يبالي اكتسبه من غير حله بعد أن لا يعلم أنه حرام بعينه، وبنحو ذلك قالت الأئمة من الصحابة والتابعين، ومن كرهه فإنما ركب في ذلك طريق الورع وتجنب الشبهات والاستبراء لدينه. ومن فوائد الحديث المذكور أن للإمام أن يعطي الرجل وغيره أحوج إليه منه إذا رأى لذلك وجهاً، وأن ما جاء من المال الحلال من غير سؤال فإن أخذه خير من تركه، وإن رد عطاء الإمام ليس من الأدب، وقال النووي: اختلفوا فيمن جاءه مال: هل يجب قبوله؟ الصحيح المشهور أنه يستحب في غير عطية السلطان، وأما عطيته فالصحيح أنه إن غلب ٨٠ ٢٤ - كتابُ الزكاةِ / باب (٥٤) الحرام فيما في يده فحرام، وإلاَّ فمباح وقالت طائفة: الأخذ واجب من السلطان لقوله تعالى: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه﴾ [الحشر: ٧]. فإذا لم يأخذه فكأنه لم يأتمر. وقال الطحاوي: ليس معنى هذا الحديث في الصدقات، وإنما هو في الأموال التي يقسمها الإمام على أغنياء الناس وفقرائهم، فكانت تلك الأموال يعطاها الناس لا من جهة الفقر، ولكن من حقوقهم فيها، فكره رسول الله عَّم لعمر حين أعطاه قوله: ((أعطه من هو أفقر إليه مني)) لأنه إنما أعطاه لمعنى غير الفقر، ثم قال له: خذه فتموله، كذا رواه شعيب عن الزهري، فدل أن ذلك ليس من أموال الصدقات، لأن الفقير لا ينبغي أن يأخذه من الصدقات ما يتخذه مالا كان عن مسألة أو غير مسألة. ٥٤ - بابُ مَنْ سَألَ النَّاسَ تَكَثُّراً أي: هذا باب في بيان حكم من سأل الناس لأجل التكثر، وجواب الشرط محذوف تقديره: من سأل الناس لأجل التكثر فهو مذموم، ووجه الحذف قد ذكرناه في ترجمة الباب السابق. قيل: حديث المغيرة في النهي عن كثرة السؤال الذي أورده في الباب الذي يليه أصرح في مقصود الترجمة من حديث الباب، وإنما آثره عليه لأن من عادته أن يترجم بالأخفى. قلت: دلالة حديث الباب على السؤال تكثراً غير خفية، لأن قوله: ((لا يزال الرجل يسأل الناس)) يدل على كثرة السؤال، وكثرة السؤال لا تكون إلاَّ لأجل التكثر على ما لا يخفى، وقال هذا القائل أيضاً، أو لاحتمال أن يكون المراد بالسؤال في حديث المغيرة النهي عن المسائل المشكلة كالأغلوطات. أو السؤال عما لا يعني، أو عما لم يقع مما يكره وقوعه؟ قلت: هذا الوجه بيان اعتذار من جهة البخاري في تركه حديث المغيرة في هذا الباب، ولكن الوجوه الثلاثة التي زعم أن حديث المغيرة في قوله ((وكثرة السؤال)) تحتملها فيه نظر، لأنها داخلة تحت قوله: ((وقيل، وقال)) وقوله: ((وكثرة السؤال)) تمحض لسؤال الناس لأجل التكثر، وفيه زيادة فائدة على ما لا يخفى، وقال هذا القائل أيضاً: وأشار مع ذلك إلى حديث ليس على شرطه، وهو ما أخرجه الترمذي من طريق حبيش بن جنادة في أثناء حديث مرفوع، وفيه: ((من سأل الناس ليثري ماله كان خموشاً في وجهه يوم القيامة، فمن شاء فليقلّ ومن شاء فليكثر)). قلت: لا نسلم أولاً وجه هذه الإشارة، ولئن سلمنا فلا فائدة فيها إذ الواقف على هذه الترجمة إن كان قد وقف على حديث حبيش قبل ذلك فلا فائدة في الإشارة إليه، وإلاَّ فيحتاج فيه إلى العلم من الخارج فلا يكون ذلك من إشارته إليه، وقال بعضهم عقيب كلام هذا القائل: وفي (صحيح مسلم) من طريق أبي زرعة عن أبي هريرة ما هو مطابق للفظ الترجمة، فاحتمال كونه أشار إليه أولى، ولفظه: ((من سأل الناس تكثراً فإنما يسأل جمراً ... )) قلت: هذا الذي ذكره أنما يتوجه إذا كان البخاري قد وقف عليه، ولئن سلمنا وقوفه عليه فلا نسلم التزامه أن تكون المطابقة بين الترجمة، والحديث من كل وجه على ما لا يخفى.