Indexed OCR Text

Pages 441-456

٤٤١
٢٤ - كِتَابُ الزكاة / باب (٢٨)
١٤٤٢/٤٥ - حدّثنا إِسْمَاعِيلُ قال حدَّثني أخِي عنْ سُلَيْمَانَ عنْ مُعَاوِيَةَ بنِ أبِي مُزَرِّدٍ
عن أبِي الحُبَّابِ عِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالِى عِنهُ أنَّ النبيَّ عَِّ قال ما مِنْ يَوْمٍ يُصْبِحُ
العِبَادُ فِيهِ إِلاَّ مَلَكَانٍ يَنْزِلَانِ فَيَقُولُ أحَدُهُمَا اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقاً خَلَفاً ويَقُولُ الآخَرُ الَّلَهُمَّ أَعْطٍ
مُمْسِكاً تَلَفاً.
مطابقته لقوله: ((اللهم أعط منفقَ مالٍ خلفاً)) ظاهرة لأنه بينه.
ذكر رجاله: وهم ستة: الأول: إسماعيل بن أبي أويس. الثاني: أخوه، وهو أبو بكر
واسمه عبد الحميد. الثالث: سليمان بن بلال. الرابع: معاوية بن أبي مزرد، بضم الميم وفتح
الزاي وكسر الراء وفي آخره دال مهملة: واسمه عبد الرحمن. الخامس: أبو الحباب، بضم
الحاء المهملة وتخفيف الباء الموحدة الأولى، واسمه سعيد بن يسار - ضد اليمين - عم
معاوية المذكور. السادس: أبو هريرة، رضي الله تعالى عنه.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضع وبصيغة الإفراد في
موضع. وفيه: العنعنة في أربعة مواضع. وفيه: أن رواته كلهم مدنيون. وفيه: رواية الرجل عن
أخيه. وفيه: رواية الرجل عن عمه.
ذكر من أخرجه غيره: أخرجه مسلم في الزكاة عن القاسم بن زكريا. وأخرجه النسائي
في عشرة النساء عن محمد بن نصر، وفي الملائكة عن عباس بن محمد.
ذكر معناه: قوله: ((ما من يوم))، وفي حديث أبي الدرداء: ((ما من يوم طلعت فيه
الشمس إلاّ وبجنبتيها ملكان يناديان يسمعهما خلق الله كلهم إلاّ الثقلين: يا أيها الناس هلموا
إلى ربكم إن ما قل وكفى خير مما كثر وألهى، ولا غربت شمسه إلاَّ وبجنبتيها ملكان
يناديان يسمعان أهل الأرض إلاَّ الثقلين: اللهم أعط منفقاً خلفاً وأعط ممسكاً مالاً تلفاً)). رواه
أحمد. قوله: ((بجنبتيها)» تثنية: جنبة، بفتح الجيم وسكون النون وهي: الناحية. قوله: ((ما من
يوم)) يعني: ليس من يوم، وكلمة: من، زائدة، و: يوم، اسمه. وقوله: ((يصبح العباد فيه)) صفة
يوم. وقوله: ((إلاَّ ملكان)) مستثنى من متعلق محذوف، وهو خبر: ما، المعنى: ليس يوم
موصوف بهذا الوصف ينزل فيه أحد إلا ملكان يقولان كيت وكيت، فحذف المستثنى منه
ودل عليه بوصف: الملكان ينزلان، ونظيره في مجيء الموصوف مع الصفة بُعد إلاَّ في
الاستثناء المفرغ، قولك: ما أخبرت منكم أحداً إلاَّ رفيقاً. قوله: ((خلفاً)) بفتح اللام أي:
عوضاً. يقال أخلف الله عليك خلفاً أي: عوضاً أي: أبدلك بما ذهب منك. قوله: ((أعطٍ
ممسكاً تلفاً)) التعبير بالعطية هنا من قبيل المشاكلة، لأن التلف ليس بعطية.
ذكر ما يستفاد منه: فيه: أنه موافق لقوله تعالى: ﴿وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه﴾
[سبأ: ٣٩]. ولقوله: ((ابن آدم أنفق أنفق عليك))، وهذا يعم الواجب والمندوب. وفيه: أن
الممسك يستحق تلف ماله، ويراد به الإمساك عن الواجبات دون المندوبات، فإنه قد لا
يستحق هذا الدعاء، اللهم إلاَّ أن يغلب عليه البخل بها، وإن قلت في نفسها كالحبة واللقمة

٤٤٢
٢٤ - كِتَابُ الزكاة / باب (٢٩)
ونحوهما. وفيه: الحض على الإنفاق في الواجبات كالنفقة على الأهل وصلة الرحم، ويدخل
فيه صدقة التطوع والفرض. وفيه: دعاء الملائكة، ومعلوم أنه مجاب بدليل قوله: ((من وافق
تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه)).
٢٩ - بابُ مَثَلِ المُتَصَدِّقِ وَالبَخِيلِ
أي: هذا باب يذكر فيه مثل المتصدق والبخيل، ومثل المتصدق كلام إضافي مرفوع
على الابتداء، وخبره محذوف، حذفه البخاري في الترجمة اكتفاء بذكره في حديث الباب.
٤٦ / ١٤٤٣ - حدّثنا مُوسى قال حدَّثنا وُهَيْبٌ قال حدَّثنا ابنُ طَاؤُسٍ عنْ أَبِيهِ عنْ
أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ قال قال النبيُّ عَّهِ مَثَلُ البَخِيلِ وَالمُتَصَدِّقِ كَمَثَلٍ رَجُلَيْنِ
عَلَيْهِمَا جُبَّتَانٍ مِنْ حَدِيدٍ. [الحديث ١٤٤٣ - أطرافه في: ١٤٤٤، ٢٩١٧، ٥٢٩٩،
٥٧٩٧].
مطابقته للترجمة من حيث إن الترجمة جزء من الحديث وهو ظاهر.
ورجاله قد ذكروا غير مرة، وموسى هو ابن إسماعيل التبوذكي، وابن طاوس هو عبد
الله.
وأخرجه البخاري أيضاً في الجهاد: عن موسى بن إسماعيل، وأخرجه مسلم في الزكاة
عن أبي بكر بن أبي شيبة. وأخرجه النسائي فيه عن أحمد بن سليمان.
قوله: ((مثل البخيل والمنفق))، ووقع عند مسلم من طريق سفيان عن أبي الزناد: ((مثل
المنفق والمتصدق))، قال عياض: هو وهم، ويمكن أنه حذف مقابله لدلالة السياق عليه. وقال
النووي: وقع في باقي الروايات: مثل البخيل والمتصدق، وقد يحتمل أن صحة رواية المنفق
والمتصدق أن يكون فيه حذف تقدير: مثل المنفق والمتصدق وقسيمهما هو البخيل، وحذف
البخيل لدلالة المنفق والمتصدق عليه، كقوله تعالى: ﴿سرابيل تقيكم الحر﴾ [النحل: ٨١].
أي: والبرد، حذف البرد لدلالة الكلام عليه. قيل: رواه الحميدي وأحمد وابن أبي عمرو
وغيرهم في مسانيدهم عن ابن عيينة، فقالوا في رواياتهم: ((مثل المنفق والبخيل))، كما في
رواية شعيب عن أبي الزناد، وهو الصواب. قوله: ((والمتصدق)) وقع في بعض الأصول:
المتصدق، بالتاء وفي بعضها بحذف التاء وتشديد الصاد، هما صحيحان، قاله النووي.
قلت: وجه هذا أن التاء لا تحذف بل تقلب صاداً، ثم تدغم الصاد في الصاد، وهذا
الذي تقتضيه القاعدة. قوله: ((كمثل رجلين))، وفي رواية عمرو: رجل، بالإفراد وكأنه تغيير
من بعض الرواة، وصوابه: رجلين. قوله: ((جبتان))، بضم الجيم وتشديد الباء الموحدة، كذا
في هذه الرواية، ووقع في رواية مسلم: ((كمثل رجل عليه جبتان أو جنتان)). وقال النووي: أما
جبتان أو جنتان فالأول بالباء والثاني بالنون، ووقع في بعض الأصول عكسه، وقال ابن قرقول:
والنون أصوب بلا شك، وهي الدرع، يدل عليه قوله في الحديث نفسه: ((لزقت كل حلقة))،

٤٤٣
٢٤ - كِتَابُ الزكاة / باب (٢٩)
وفي لفظ: ((فأخذت كل حلقة موضعها)). وكذا قوله: ((من حديد)). قلت: ورواه حنظلة بن
أبي سفيان الجمحي عن طاوس، بالنون، كما يجيء عن قريب، ورجحت هذه الرواية بما قاله
ابن قرقول، والجنة هي الحصن في الأصل، وسميت بها الدرع لأنها تجن صاحبها أي:
تحصنه، والجبة بالباء الموحدة هي الثوب المعين، وقال بعضهم: ولا مانع من إطلاقه على
الدرع. قلت: المانع موجود، لأن الجبة بالباء لا تحصن مثل الجنة بالنون، وقال الزمخشري
في (الفائق): جنتان، بالنون. في هذا الموضع بلا شك، ولا اختلاف. وقال الطيبي: هو
الأنسب، لأن الدرع لا يسمى جبة بالباء بل بالنون.
وحدَّثنا أبُو اليَمَانِ قال أخبرنا شُعَيْبٌ قال حدَّثنا أبُو الزِّنَادِ أنَّ عَبْدَ الرَّحْمنِ حدَّثَّهُ أَنَّهُ سَمِعَ
أَبَا هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ أنَّهُ سَمِعَ رسولَ اللهِعَ لَهِ يَقُولُ مَثَلُ البَخِيلِ وَالمُنْفِقِ كَمَثَلِ
رَجُلَيْنِ عَلَيْهِمَا جُبََّانٍ مِنْ حَدِيدٍ مِنْ ثُدِيِّهِمَا إِلَى تَرَاقِيهِمَا فأمَّا المُنْفِقُ فَلاَ يُنْفِقُ إلَّ سَبَغَتَ
أَوْ وَفَرَتْ عَلَى جِلْدِهِ حَتَّى تَخْفِيٍ بَانَهُ وَتَعْفُو أَثَرَهُ وَأَمَّ البَخِيلُ فَلاَ يُرِيدُ أَنْ يُنْفِقَ شَيْئاً إِلَّ
لَزِقَتْ كُلُّ حَلْقَةٍ مَكَانَهَا فَهْوَ يُوَسِّعُهَا وَلاَ تَتَّسِعُ.
هذا طريق آخر أتم من الأول، رواه عن أبي اليمان الحكم بن نافع عن شعيب بن أبي
حمزة عن أبي الزناد، بالزاي والنون، عن عبد الرحمن بن هرمز عن الأعرج عن أبي هريرة.
ذكر معناه: قوله: ((مثل البخيل والمنفق))، وفي رواية مسلم: ((مثل المنفق والمتصدق
كمثل رجل عليه جنتان أو جبتان))، وقال القاضي عياض: وقع في هذا الحديث أوهام كثيرة
من الرواة تصحيف وتحريف وتقديم وتأخير، فمنه: مثل المنفق والمتصدق، ومنه: كمثل
رجل، وصوابه رجلين عليهما جبتان، ومنه قوله: ((جبتان أو جنتان))، بالنون بالشك والصواب:
جنتان، بالنون بلا شك. قوله: ((من ثديهما))، بضم الثاء المثلثة وكسر الدال، كذا في رواية
أبي الحسن جمع ثدي، نحو الفلوس والفلس، فعلى هذا أصله: ثدوي، اجتمعت الواو والياء
وسبقت إحداهما بالسكون فأبدلت الواو ياء وأدغمت الياء في الياء فصار: ثدي، بضم الدال
ثم أبدلت الضمة كسرة لأجل الياء، وقال ابن التين: ويصح نصب الثاء، وفي رواية: ثدييهما،
بالتثنية وفي (المجمل): الثدي، بالفتح للمرأة والجمع الثدي، يذكر ويؤنث. وفي
(المخصص): والجمع أثد، وقال الجوهري: الثدي للرجل والمرأة، والجمع أثد وثدي، على
فعول، وثدي بكسر الثاء. قوله: ((إلى تراقيهما)) جمع ترقوة، ويقال: الترائق أيضاً على القلب،
وقال ثابت في (خلق الإنسان): الترقوتان هما العظمان المشرفان في أعلى الصدر من رأس
المنكبين إلى طرف ثغرة النحر، وهي اللهزمة التي بينهما. وفي (المخصص): هي من رقى
يرقى. فإن قلت: لِمَ لا تقلب الواو ألفاً؟ قلت: لئلا يختل البناء كما في سرو، وفي (الصحاح)
لا تقل: ترقوة بالضم. قوله: ((إلاَّ سبغت)) أي: امتدت وغطت، وقيل: كملت وتمت، وضبطه
الأصيلي بضم التاء وهو شيء لا يعرف. قوله: ((أو وفرت))، شك من الراوي، من الوفور

٤٤٤
٢٤ - كِتَابُ الزكاة / باب (٢٩)
بمعنى: كملت. وفي (التلويح): سبغت أو مرت على جلد، كذا في النسخ: مرت، وقال
النووي: وقيل صوابه، - يعني في مسلم - مدت بالدال، بمعنى: سبغت كما في الحديث
الآخر: ((انبسطت)). وفي (التلويح): وفي بعض نسخ البخاري: مادت، بدال مخففة من ماد إذا
مال، ورواه بعضهم: مارت، ومعناه: سالت عليه وامتدت. قال الأزهري: معناه ترددت وذهبت
وجاءت بكمالها. قوله: ((حتى تجن)) بضم التاء المثناة من فوق وكسر الجيم وتشديد النون،
هذا في رواية الحميدي ومعناه: حتى تستر، من أجن إذا ستر، وكذلك جن بمعناه: ويروى
حتى يخفى وقال ابن التين رواه أبو سليمان حتى تجر بنانه وقال النووي ورواه بعضهم يحز
بحاء وزاي وهو وهم والصواب تجن بجيم ونون. قوله: ((بنانه))، أي أصابعه وهو رواية الجمهور
كما في الحديث الآخر أنامله ويروى ثيابه بثاء مثلثة وهو وهم وقد وقع في رواية الحسن بن
مسلم حتى تغشى بالغين والشين المعجمتين. قوله: ((وتعفو أثره))، أي يمحو أثره وهو يجيء
لازماً ومتعدياً فهنا متعد لأنه نصب أثره وأثره بفتح الهمزة وفتح الثاء المثلثة وبكسر الهمزة
وسكون الثاء معناه تمحو أثر مشيه بسبوغها وكمالها وقال الداودي يعفى أثر صاحبه إذا مشى
بمرور الذيل عليه لأن المنفق إذا أنفق طال ذلك اللباس الذي عليه حتى يجره بالأرض. قوله:
((لزقت))، أي التصقت وفي رواية مسلم ((انقبضت)) وفي رواية همام ((عضت كل حلقة
مكانها)) وفي رواية سفيان عند مسلم ((قلصت)) وكذا في رواية الحسن بن مسلم عند البخاري
وزعم ابن التين أن فيه إشارة إلى أن البخيل يكوى بالنار يوم القيامة. قوله: «فهو يوسعها ولا
تتسع))، وفي رواية عند مسلم قال أبو هريرة ((فهو يوسعها ولا يتسع)).
(فإن قلت) هذا يوهم أنه مدرج (قلت) ليس كذلك وقد وقع التصريح برفع هذه
الجملة في طريق طاوس عن أبي هريرة وفي رواية ابن طاوس عند البخاري في الجهاد فسمع
النبي عَّ له يقول: ((فيجتهد أن يوسعها ولا تتسع))، وفي رواية مسلم ((فسمعت رسول الله
عَّ ◌ُلّ)) فذكره وفي رواية الحسن بن مسلم عندهما ((فأنا رأيت رسول الله عَ ليه يقول بإصبعه
هكذا في جيبه فلو رأيته يوسعها ولا تتسع)) وعند أحمد من طريق ابن إسحاق عن أبي الزناد
في هذا الحديث وأما البخيل فإنها لا تزداد عليه إلا استحكاماً وهذا بالمعنى وقال الخطابي هذا
مثل ضربه عَِّ للجواد والبخيل وشبههما برجلين أراد كل واحد منهما أن يلبس درعاً يستجن
بها، والدرع أول ما يلبس إنما يقع على موضع الصدر والثديين إلى أن يسلك لابسها يديه في
كميه، ويرسل ذيلها على أسفل بدنه فيستمر سفلاً، فجعل عَّلِّ مثل المنفق مثل من لبس
درعاً سابغة فاسترسلت عليه حتى سترت جميع بدنه وحصنته، وجعل البخيل كرجل يداه
مغلولتان ما بين دون صدره فإذا أراد لبس الدرع حالت يداه بينها وبين أن تمر سفلاً على
البدن، واجتمعت في عنقه فلزمت ترقوته، فكانت ثقلاً ووبالاً عليه من غير وقاية له وتحصين
لبدنه، وحاصله أن الجواد إذا هم بالنفقة اتسع لذلك صدره وطاوعت يداه فامتدتا بالعطاء،
وأن البخيل يضيق صدره وتنقبض يده عن الإنفاق. وقيل: ضرب المثل بهما لأن المنفق
يستره الله بنفقته ويستر عوراته في الدنيا والآخرة كستر هذه الجبة لابسها، والبخيل كمن

٤٤٥
٢٤ - كِتَابُ الزكاة / باب (٣٠)
لبس جبة إلى ثدييه فيبقى مكشوفاً ظاهر العورة مفتضحاً في الدارين. وقال ابن بطال: يريد أن
المنفق إذا أنفق كفرت الصدقة ذنوبه ومحتها، كما أن الجبة إذا أسبغت عليه سترته ووقته،
والبخيل لا تطاوعه نفسه على البذل فيبقى غير مكفر عنه الآثام، كما أن الجبة تبقي من بدنه
ما لا تستره، فيكون معرض الآفات. وقال الطيبي: شبه السخي إذا قصد التصدق يسهل عليه
بمن عليه الجبة ويده تحتها، فإذا أراد أن يخرجها منها يسهل عليه، والبخيل على عكسه،
والأسلوب من التشبيه المفرق. قال: وقيد المشبه به بالحديد إعلاماً بأن القبض والشدة جبلة
الإنسان، وأوقع المتصدق موضع السخي مع أن مقابل البخيل هو السخي لا المتصدق إشعاراً
بأن السخاوة هي ما أمر به الشرع وندب إليه من الإنفاق إلاَّ ما يتعاناه المبذرون. وقال المهلب:
المراد أن الله يسر المنفق في الدنيا وفي الآخرة، بخلاف البخيل فإنه يفضحه، ومعنى: تعفو
أثره، تمحو خطاياه، واعترض عليه القاضي عياض بأن الخبر جاء على التمثيل لا على الإخبار
عن كائن، وقيل: هو تمثيل لنماء المال بالصدقة، والبخل بضده، وقيل: تمثيل لكثرة الجود
والبخل، وأن المعطي إذا أعطى انبسطت يداه بالعطاء، وتعود ذلك، فإذا أمسك صار ذلك عادة.
تَابَعَهُ الحَسَنُ بنُ مُسْلِمٍ عِنْ طَاؤُسٍ في الجُبَيْنِ
أي: تابع ابن طاوس الحسن بن مسلم بن يناق في روايته عن طاوس في الجبتين
بالباء، وأخرج البخاري هذه المتابعة في كتاب اللباس في: باب جيب القميص من عند
الصدر. وغيره، قال: حدثني عبد الله بن محمد أخبرنا أبو عامر أخبرنا إبراهيم بن نافع عن
الحسن بن مسلم عن طاوس عن أبي هريرة، رضي الله تعالى عنه، قال: ((ضرب رسول الله،
عَ لِّ، مثل البخيل والمتصدق كمثل رجلين عليهما جبتان من حديد ... )) الحديث، ثم قال
البخاري، رضي الله تعالى عنه، تابعه ابن طاووس عن أبيه.
وقال حَنْظَلَةُ عنْ طاوس جُنَّتَانِ
أي قال حنظلة بن أبي سفيان في روايته عن طاوس جنتان بالنون وهذا التعليق ذكره البخاري
رحمه الله تعالى أيضاً في كتاب اللباس معلقاً حيث قال وقال حنظلة سمعت طاوساً سمعت
أبا هريرة ووصله الإسماعيلي من طريق إسحاق الأزرقي عن حنظلة.
وقال اللَّيْثُ حدَّثني جَعْفَرٌ عنٍ ابنٍ هُرْمُزَ قال سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ عنِ
النبيِّ عَ لِ جُنَّتَانِ
أي: قال الليث بن سعد عن جعفر بن ربيعة عن عبد الرحمن بن هرمز عن الأعرج،
ذكر أبو مسعود الدمشقي وخلف: أن البخاري علقه أيضاً في الصلاة.
٣٠ - بابُ صَدَقَةِ الكَسْبِ وَالتِّجَارَةِ
أي: هذا باب في بيان صدقة الكسب والتجارة، والحاصل أنه أشار بهذه الترجمة إلى

٤٤٦
٢٤ - كِتَابُ الزكاة / باب (٣٠)
أن الصدقة إنما يعتد بها إذا كانت من كسب حلال أو تجارة من الحلال، ولم يذكر فيها
حديثاً اكتفاء بما ذكرناه من الآية الكريمة، فإنها تأمر بالصدقة من الحلال وتنهى عن الصدقة
من الحرام على ما يذكره.
لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿يا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيَِّاتِ مَا كَسِبْتُمْ﴾ إِلَى قَولِهِ: ﴿أَنَّ الله غَنِيٍّ
ـد
حَم
﴾ [البقرة: ٢٦٧].
بين ما أراده من هذه الترجمة بهذه الآية على طريق التعليل بقوله لقوله تعالى: ﴿يا أيها
الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ولا تيمموا الخبيث منه
تنفقون ولستم بآخذيه إلاَّ أن تغمضوا فيه واعلموا أن الله غني حميد﴾ [البقرة: ٢٦٧]. إن الله
يأمر عباده المؤمنين بالإنفاق، والمراد به الصدقة ههنا، قال ابن عباس: من طيبات من رزقهم
من الأموال التي اكتسبوها. وقال مجاهد: يعني التجارة بتيسيره إياها لهم. وقال علي
والسدي: من طيبات ما كسبتم يعني: الذهب والفضة ومن الثمار والزرع التي أنبتها الله تعالى
من الأرض. قال ابن عباس: أمرهم بالإنفاق من أطيب المال وأجوده وأنفسه، ونهاهم عن
التصدق برذالة المال ورديئه وهو خبيثه، فإن الله طيب لا يقبل إلاّ الطيب. ولهذا قال: ﴿ولا
تيمموا الخبيث﴾ [البقرة: ٢٦٧]. أي: لا تقصدوا ﴿الخبيث منه تنفقون ولستم بأخذيه﴾
[البقرة: ٢٦٧]. أي: لو أعطيتموه ما أخذتموه إلاَّ أن تتعلموا فيه، والله أغنى عنه منكم، فلا
تجعلوا لله ما تكرهون. وقيل: معناه: لا تعدلوا عن المال الحلال وتقصدوا إلى الحرام
فتجعلوا نفقتکم منه.
وروى الإمام أحمد من حديث عبد الله بن مسعود، قال: ((قال رسول الله، عَّهِ: إِن
الله قسم بينكم أخلاقكم كما قسم بينكم أرزاقكم، وإن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا
يحب، ولا يعطي الدين إلاَّ من أحب، فمن أعطاه الدين فقد أحبه، والذي نفسي بيده لا
يسلم عبد حتى يسلم قلبه ولسانه، ولا يؤمن حتى يأمن من جاره بوائقه. قالوا: وما بوائقه؟
قال: غشمته وظلمته، ولا يكسب عبد مالاً من حرام فينفق منه فيبارك له فيه، ولا يتصدق به
فيقبل منه، ولا يتركه خلف ظهره إلاَّ إذا كان راده إلى النار إن الله لا يمحو السيء بالسيء،
ولكن يمحو السيء بالحسن، إن الخبيث لا يمحو الخبيث)). وقال ابن جرير: حدثني الحسن
ابن عمرو العنبري حدثني أبي عن أسباط عن السدي عن عدي بن ثابت عن البراء بن عازب
في قول الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ... ﴾ [البقرة: ٢٦٧].
الآية، قال: نزلت في الأنصار، كانت الأنصار إذا كان أيام جذاذ النخل أخرجت من حيطانها
أقناء البسر فعلقوه على حبل بين الأسطوانتين في مسجد رسول الله، عَّةٍ، فيأكل فقراء
المهاجرين منه، فيعمد الرجل إلى الحشف فيدخله مع أقناء البسر، يظن أن ذلك جائز، فأنزل
الله فيمن فعل ذلك ﴿ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون﴾ [البقرة: ٢٦٧]. رواه ابن ماجه أيضاً،
وابن مردويه والحاكم في (مستدركه) وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. وقال ابن

٤٤٧
٢٤ - كِتَابُ الزكاة / باب (٣١)
أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا يحيى بن المغيرة حدثنا جرير عن عطاء بن السائب عن عبد الله
ابن مغفل في هذه الآية: ﴿ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون﴾ [البقرة: ٢٦٧]. قال: كسب
المسلم لا يكون خبيثاً، ولكن لا يتصدق بالحشف والدرهم الزيف وما لا خير فيه، وقال
أحمد بإسناده عن عائشة، رضي الله تعالى عنها، قالت: ((أتي رسول الله عَ لَه بضب فلم
يأكله، ولم ينه عنه. قلت: يا رسول الله نطعمه المساكين؟ قال: لا تطعموهم مما لا تأكلون)) ..
وقال عبيدة: سألت علياً عن قوله: ﴿أنفقوا من طيبات ما كسبتم﴾ [البقرة: ٢٦٧]. قال: من
الذهب والفضة وكذا قاله السدي قال عبيدة وسأله عن قوله: ﴿ومما أخرجنا لكم من الأرض﴾
قال: من الحب والثمر كل شيء عليه زكاة، وقال مجاهد: من النخل، ولا تيمموا، قال
الطبري: لا تقصدوا وتعمدوا، وفي قراءة عبد الله، رضي الله تعالى عنه، ولا تؤموا من أممت،
والمعنى واحد، وإن اختلفت الألفاظ.
وقال أبو بكر الهذلي: عن ابن سيرين عن عبيدة عن علي، رضي الله تعالى عنه: أنزلت
هذه الآية في الزكاة المفروضة، كان الرجل يعمد إلى التمر فيصرمه فيعزل الجيد ناحية، فإذا
جاء صاحب الصدقة أعطاه من الرديء، فقال الله تعالى: ﴿ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون﴾
[البقرة: ٢٦٧]. قال ابن زيد: الخبيث هنا هو الحرام. وقال الثوري: عن السدي عن أبي
مالك، واسمه عزوان عن البراء: ﴿ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه﴾ [البقرة: ٢٦٧]. يقول:
لو كان لرجل على رجل دين فأعطاه ذلك لم يأخذه إلاَّ أن يرى أنه قد نقصه من حقه، رواه
ابن جرير، وقال علي بن أبي طلحة: عن ابن عباس: ﴿ولستم بآخذيه إلاَّ أن تغمضوا فيه﴾
[البقرة: ٢٦٧]. يقول: لو كان لكم على أحد حق فجاءكم بحق دون حقكم لم تأخذوه
بحساب الجيد حتى تنقصوه، قال: وذلك قوله: ﴿إِلاَّ أَن تغمضوا فيه﴾ [البقرة: ٢٦٧].
فكيف ترضون لي ما لا ترضون لأنفسكم، وحقي عليكم من أطيب أموالكم وأنفسها؟». رواه
ابن أبي حاتم وابن جرير، وزاد قوله تعالى: ﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون﴾ [آل
عمران: ٩٢]. قوله: ﴿واعلموا أن الله غني حميد﴾ [البقرة: ٢٦٧]. أي: وإن أمركم
بالصدقات وبالطيب منها فهو غني عنها، حميد في جميع أفعاله وأقواله وشرعه وقدره لا إله
إلا هو ولا رب سواه.
٣١ - بابٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٌ صَدَقَةٌ فَمَنْ يَجِدْ فَلْيَعْمَلْ بِالْمَغْرُوفِ
أي: هذا باب يذكر فيه على كل مسلم صدقة. قوله: ((فمن لم يجد)) من الترجمة
أي: فمن لم يقدر على الصدقة فليعمل بالمعروف، والمعروف اسم جامع لكل ما عرف من
طاعة الله عز وجل، والتقرب إليه والإحسان إلى الناس، وكل ما ندب إليه الشرع ونهى عنه
من المحسنات والمقبحات.
٤٧ / ١٤٤٥ _ حدَّثنا مُسْلِمُ بنُ إِبْرَاهِيمَ قالِ حدَّثنا شُعْبَةُ قال حدَّثنا سَعِيدُ بنُ أبِي بُرْدَةَ
عن أبِيهِ عنْ جَدِّهِ عنِ النبيِّ عَّهِ. قال عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ صَدَقَةٌ فقالُوا يَا نَبِيَّ اللهَ فَمَنْ لَمْ

٤٤٨
٢٤ - كِتَابُ الزكاة / باب (٣١)
يَجِدْ قال يَعْمَلُ بِيَدِهِ فَيَتَفَعُ نَفْسَهُ وَيَتَصَدَّقُ قالوا فإِنْ لَمْ يَجِدْ قال يُعِينُ ذَا الحَاجَةِ المَلْهُوفَ
قالُوا فإنْ لَمْ يَجِدْ قَالَ فَلْيَعْمَلْ بِالْمَغْرُوفِ ولْيُمْسِكْ عنِ الشَّرِّ فإنَّهَا لَهُ صَدَقَةٌ. [الحديث
١٤٤٥ - طرفه في ٦٠٢٢].
مطابقته للترجمة للجزء الأول بعينه وللجزء الثاني في قوله: ((فليعمل بالمعروف)).
ذكر رجاله: وهم خمسة: الأول: مسلم بن إبراهيم الأزدي القصاب، وقد مر غير مرة.
الثاني: شعبة بن الحجاج. الثالث: سعيد بن أبي بردة، بضم الباء الموحدة: واسمه عامر.
الرابع: أبوه أبو بردة عامر. الخامس: جد سعيد وهو: أبو موسى عبد الله بن قيس الأشعري،
رضي الله تعالی عنه.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع. وفيه: العنعنة في
ثلاثة مواضع. وفيه: أن شيخه بصري وشعبة واسطي والبقية كوفيون. وفيه: رواية الابن عن
أبيه عن جده.
والحديث أخرجه مسلم في الزكاة عن أبي بكر بن أبي شيبة، وعن محمد بن المثنى.
وأخرجه النسائي فيه عن محمد بن عبد الأعلى.
ذكر معناه: قوله: ((على كل مسلم صدقة)) قال بعضهم: أي على سبيل الاستحباب
المتأكد. قلت: كلمة: على، تنافي هذا المعنى. وقال القرطبي: ظاهره الوجوب، لكن خففه،
عز وجل، حيث جعل ما خفي من المندوبات مسقطاً له لطفاً منه وتفضلاً، قلت: يمكن أن
يحمل ظاهر الوجوب على كل مسلم رأى محتاجاً عاجزاً عن التكسب، وقد أشرف على
الهلاك فإنه يجب عليه أن يتصدق عليه إحياءً له. قال القرطبي: أطلق الصدقة هنا وبينها في
حديث أبي هريرة، بقوله: ((في كل يوم))، وهذا أخرجه مسلم عن أبي هريرة عن النبي عَ لَّه.
قال: ((كل سلامي من الناس عليه صدقة كل يوم تطلع فيه الشمس ... )) الحديث، وروي عن
أبي ذر مرفوعاً: ((يصبح على كل سلامي على أحدكم صدقة)). والسلامي، بضم السين
المهملة وتخفيف اللام: المفصل، وله في حديث عائشة، رضي الله تعالى عنها: ((خلق الله
كل إنسان من بني آدم على ستين وثلاثمائة مفصل)).
قوله: (يا نبي الله فمن لم يجد؟)) أي: فمن لم يقدر على الصدقة، فكأنهم فهموا من
الصدقة العطية، فلذلك قالوا: فمن لم يجد، فبين لهم أن المراد بالصدقة ما هو أعم من ذلك
ولو بإغاثة الملهوف والأمر بالمعروف. قوله: ((يعمل بيده))، وفي رواية مسلم: ((يعتمل بيديه))،
من الاعتمال من باب الافتعال. وفيه معنى التكلف. قوله: ((يعين)) من أعان إعانة. قوله:
(الملهوف)) بالنصب لأنه صفة: ذا الحاجة، وانتصاب هذا على المفعولية، والملهوف يطلق
على المتحسر والمضطر وعلى المظلوم، وتلهف على الشيء تحسر. قوله: ((فليعمل
بالمعروف)) وفي رواية البخاري في الأدب: ((قالوا فإن لم يفعل؟ قال: فليمسك عن الشر)).
وإذا أمسك شره عن غيره فكأنه قد تصدق عليه لأمنه منه، فإن كان شراً لا يعدو نفسه فقد

٤٤٩
٢٤ - كِتابُ الزكاة / باب (٣٢)
تصدق على نفسه، بأن منعها من الإثم. قوله: ((فإنها)) تأنيث الضمير فيه إما باعتبار الفعلة التي
هي الإمساك، أو باعتبار الخبر، ووقع في رواية الأدب: فإنه، أي: فإن الإمساك. قوله: ((له))
أي: للممسك.
ذكر ما يستفاد منه: يستفاد منه أن الشفقة على خلق الله تعالى لا بد منها، وهي إما
بالمال أو بغيره، والمال إما حاصل أو مقدور التحصيل له والغير، إما فعل، وهو: الإعانة، أو
ترك وهو: الإمساك، وأعمال الخير إذا حسنت النيات فيها تنزل منزلة الصدقات في الأجور
ولا سيما في حق من لا يقدر على الصدقة، ويفهم منه أن الصدقة في حق القادر عليها أفضل
من سائر الأعمال القاصرة على فاعلها، وأجر الفرض أكثر من النفل، لقوله عَّلم فيما رواه أبو
هريرة عن الرب، عز وجل: ((وما تقرب إلىَّ عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه)). قال
إمام الحرمين، عن بعض العلماء: ثواب الفرض يزيد على ثواب النافلة بسبعين درجة.
واعلم أنه لا ترتيب فيما تضمنه الحديث المذكور، وإنما هو للإيضاح لما يفعله من
عجز عن خصلة من الخصال المذكورة، فإنه يمكنه خصلة أخرى، فمن أمكنه أن يعمل بيده
فيتصدق، وأن يغيث الملهوف وأن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويمسك عن الشر
فليفعل الجميع.
وفيه: فضل التكسب لما فيه من الإعانة وتقديم النفس على الغير، والله أعلم.
٣٢ - بابٌ قَدْرُ كَمْ يُعْطَى مِنَ الزَّكَاةِ وَالصَّدَقَةِ وَمَنْ أَعْطَى شاةً
أي: هذا باب في بيان قدر كم يعطى من الزكاة، وكم يعطي من الصدقة؟ وإنما لم
يبين الكمية فيها اعتماداً على سبق الأفهام إليه، لأن عادته قد جرت بمثل ذلك في مواضع
كثيرة، أما الكمية في قدر ما يعطي من الزكاة فقد علمت في أبواب الزكاة في كل صنف
من الأصناف، وقد أشار في الكتاب إلى أكثرها على ما يجيء، إن شاء الله تعالى، وقد علم
أيضاً أن التنقيص فيها من الذي نص عليه الشارع لا يجوز، وأما الكمية في الصدقة فغير
مقدرة لأن المتصدق محسن، والله يحب المحسنين. قوله: ((كم يعطى)) على بناء
المجهول، ويجوز أن يكون على بناء المعلوم أي: مقدار كم يعطي المزكي في زكاته، وكم
يعطي المتصدق في صدقته. وقال بعضهم: وحذف مفعول يُعطي اختصاراً لكونهم ثمانية
أصناف، وأشار بذلك إلى الرد على من كره أن يدفع إلى شخص واحد قدر النصاب، وهو
محكي عن أبي حنيفة، رضي الله تعالى عنه. قلت: ليت شعري كم من ليلة سهر هذا القائل
حتى سطر هذا الكلام الذي تمجه الأسماع، وحذف المفعول هنا كما في قولهم: فلان يعطي
ويمنع، وكيف يدل ذلك على الرد على أبي حنيفة، رحمه الله تعالى، ولكن هذا يطرد في
الصدقة ولا يطرد في الزكاة على ما لا يخفى. قوله: ((والصدقة)) من عطف العام على
الخاص، قيل: لو اقتصر على الزكاة لأوهم أن غيرها بخلافها. قلت: لا يشك أحد أن حكم
الصدقة غير حكم الزكاة إذا ذكرت في مقابلة الزكاة، وأما إذا أطلق لفظ الصدقة فتكون

٤٥٠
٢٤ - كِتَابُ الزكاة / باب (٣٢)
شاملة لهما. قوله: ((ومن أعطى شاة))، عطف على قوله: ((قدر كم يعطي؟)) أي: وفي بيان
حكم من أعطى شاة فكأنه أشار بذلك إلى أنه إذا أعطى شاة في الزكاة، إنما تجوز إذا كانت
كاملة، لأن الشارع نص على كمال الشاة في موضع تؤخذ منه الشاة، فإذا أعطى جزءاً منها
لا يجوز، وأما في الصدقة فيجوز أن يعطي الشاة كلها ويجوز أن يعطي جزءاً منها، على ما
يأتي بيان ذلك في حديث الباب إن شاء الله تعالى.
٤٧ / ١٤٤٦ - حدَّثنا أَحْمَدُ بنُ يُونُسَ قال حدَّثنا أبُو شِهَابٍ عنْ خالِدِ الحَذَّاءِ عنْ
حَفْصَةَ بِئْتِ سِيرِينَ عنْ أَمّ عطِيَّةَ رضي الله تعالى عنها قالَتْ بُعِثَ إِلَى نُسَيْبَةَ الأنْصَارِيَّةَ بِشَاةٍ
فَأَرْسَلَتْ إلَى عائشةَ رضي الله تعالى عنها مِنْها فقال النبيُّ عَِّ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ فَقُلْتُ لاَ إلاَّ ما
أرْسَلَتْ بِهِ نُسَيْبَةُ مِنْ تِلْكَ الشَّاةِ فقال هاتٍ فَقَدْ بَلَغَتْ مَحِلَّهَا. [الحديث ١٤٤٦ - طرفاه
في: ١٤٩٤، ٢٥٧٩].
مطابقته للترجمة من حيث إن لها جزآن: أحدهما: مقدار كم يعطي؟ والآخر: ومن
أعطى شاة؟ فمطابقته للجزء الأول في إرسال نسيبة إلى عائشة من تلك الشاة التي أرسلها
النبي عَِّ إليها من الصدقة، على ما صرح به مسلم على ما نذكره في موضعه، إن شاء الله
تعالى، وهو مقدار منها. ومطابقته للجزء الثاني في إرسال النبي عَّه إليها من الصدقة بشاة
کاملة.
ذكر رجاله: وهم خمسة: الأول: أحمد بن يونس، وهو أحمد بن عبد الله بن يونس
أبو عبد الله التميمي اليربوعي. الثاني: أبو شهاب، واسمه: عبد ربه بن نافع الحناط، بالنون:
صاحب الطعام. الثالث: خالد بن مهران الحذاء. الرابع: حفصة بنت أخت محمد بن
سيرين. الخامس: أم عطية، بفتح العين المهملة، واسمها: نسيبة، بضم النون وفتح السين
المهملة وسكون الياء آخر الحروف وفتح الباء الموحدة، وقد مرت في: باب التيم في
الوضوء.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: العنعنة في
ثلاثة مواضع. وفيه: أن شيخه كوفي وأن أبا شهاب مدائني وأن خالداً بصري وأن حفصة وأم
عطية مدنيتان. وفيه: رواية التابعية عن الصحابية. وفيه: أن شيخه ذكر بنسبته إلى جده.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في الزكاة عن علي بن
عبد الله، وفي الهبة عن محمد بن مقاتل، وأخرجه مسلم في الزكاة عن زهير بن حرب.
ذكر معناه: قوله: ((بعث إلى نسيبة الأنصارية)) بعث، على صيغة المجهول، والباعث
هو النبي عَ لَّه على ما في (صحيح مسلم) قال: حدثني زهير بن حرب، قال: حدثني
إسماعيل بن إبراهيم عن خالد عن حفصة عن أم عطية، قالت: بعث إلى رسول الله عَ لَّه بشاة
من الصدقة، فبعثت إلى عائشة منها بشيء، فلما جاء رسول الله عَّةٍ إلى عائشة، فقال: هل
عندكم شيء؟ فقالت: لا إلاّ أن نسيبة بعثت إلينا من الشاة التي بعثتم بها إليها. قال: إنها

٤٥١
٢٤ - كِتَابُ الزكاة / باب (٣٢)
بلغت محلها)). وكان مقتضى هذا أن يقول في رواية البخاري: بعث إلي، بلفظ ضمير
المتكلم المجرور، لكن وضع الظاهر موضع المضمر، إما على سبيل الالتفات، وإما على
سبيل التجريد من نفسها شخصاً اسمه نسيبة. قوله: (إلى نسيبة))، بالفتح في آخره لأنه غير
منصرف للعلمية والتأنيث، وقوله: ((الأنصارية))، بالجر لأنه صفته. قوله: ((فأرسلت))، يحتمل
أن يكون متكلماً، وأن يكون غائباً وكلاهما صحيح، لكن الرواية بالغيبة. ((منها)) أي: من تلك
الشاة. قوله: ((عندكم شيء؟)) أي: هل عندكم شيء كما صرح به في رواية مسلم. قوله:
((هات)) أصله: هاتي، لأنه أمر للمؤنث، ولكن حذفت الياء منه تخفيفاً. قال الخليل: أصل:
هات، آت من آتى يؤتي، فقلبت الألف هاء. قوله: ((فقد بلغت محلها))، بكسر الحاء أي:
موضع الحلول والاستقرار، يعني أنه قد حصل المقصود منها من ثواب التصدق، ثم صارت
ملكاً لمن وصلت إليه، وقال ابن الجوزي: هذا مثل قوله عَّ له في بريرة: ((هو عليها صدقة،
وهو لنا هدية)).
بعون الله وتوفيقه كمل الجزء الثامن من عمدة القاري شرح صحيح البخاري للإمام العيني،
قدس الله سره، ويتلوه إن شاء الله تعالى (الجزء التاسع) ومطلعه (باب زكاة الورق) نسأله
سبحانه العون على إتمامه فإنه نعم المولى ونعم النصير.

1

فهرس المحتويات
٢٣ - كتاب الجنائز
١ - ومن كان آخر كلامه لا إله إلا
الله
٣
٨
٢ - باب الأمر باتباع الجنائز
٣ - باب الدخول على الميت بعد
الموت إذا أدرج في أكفانه
٤ - باب الرجل ينعى إلى أهل الميت
بنفسه
٢٦
٥ - باب الإذن بالجنازة
٣٤
٢٦ - باب إذا لم يوجد إلا ثوب
٦ - باب فضل من مات له ولد
٣٨
فاحتسب ..
٨٦
واحد ..
٢٧ - باب إذا لم يجد كفناً إلا ما
يواري رأسه أو قدميه غطى به
٨ - باب غسل الميت ووضوئه بالماء
٨٦
رأسه
٥١
والسدر
٦٠
١٠ - باب يبدأ بمیامن الميت
٦٢
١١ - باب مواضع الوضوء من الميت. ٦٣
١٢ - باب هل تكفن المرأة في إزار
٦٣
الرجل
٣٢ - باب قول النبي عليه يعذب
ـلى الله
الميت ببعض بكاء أهله عليه إذا
١٠١
........
..
کان النوح من سنته
٣٣ - باب ما يكره من النياحة على
المیت
١١٩
٤ ٣ _ باب
١٢٤
٣٥ - باب ليس منا من شق الجيوب .١٢٦
٤٥٣
١٨ - باب الثياب البيض للكفن
٧٠
١٩ - باب الكفن في ثوبين
٧٢
٢٠ - باب الحنوط للميت
٧٥
٢١ - باب كيف يكفن المحرم
٧٥
..
٢٢ - باب الكفن في القميص الذي
یکفُّ أو لا یکفُّ
٧٧
٢٣ - باب الکفن بغير قميص
٨٢
٢٤ - باب الكفن بلا عمامة
٨٣
٢٥ - باب الكفن من جميع المال ..... ٨٣
....
٧ - باب قول الرجل للمرأة عند القبر
٥١
اصبري
٩ - باب ما يستحب أن يغسل وتراً
...
النبي عێ فلم ينكر عليه
٨٨
.....
٢٩ - باب اتباع النساء الجنائز ..
..
٩١
٣٠ - باب حد المرأة على غير زوجها ٩٣
٣١ - باب زيارة القبور
.......
٩٧
١٣ - باب يجعل الكافور في آخره
٦٤
١٤ - باب نقض شعر المرأة
٦٥
١٥ - باب كيف الإشعار للميت
٦٦
١٦ - باب هل يجعل شعر المرأة ثلاثة
٦٨
قرون
..
١٧ - باب يلقى شعر المرأة خلفها .... ٦٩
١٩
٢٨ - باب من استعد الكفن في زمن

٤٥٤
فهرس المحتويات
٣٦ - باب رثا النبي عَ ﴾ سعد بن
١٢٧
خولة
٣٧ - باب ما ينهى من الحلق عند
١٣٣
المصيبة ..
٣٨ - باب ليس منا من ضرب
٥٦ - باب سنة الصلاة على الجنازة .. ١٧٦
الخدود
١٣٥
٣٩ - باب ما ينهى من الويل ودعوى
الجاهلية عند المصيبة
١٣٥
٤٠ - باب من جلس عند المصيبة
١٣٦
..
يعرف فيه الحزن
٦٠ - باب الصلاة على الجنائز
٤١ - باب من لم يظهر حزنه عند
١٤٠
المصيبة
١٩٠
بالمصلى والمسجد
٦١ - باب ما يكره من اتخاذ
٤٣ - باب قول النبي عَ لّ إنا بك
١٩٤
.......
المساجد على القبور
لمحزونون
١٤٦
٤٤ - باب البكاء عند المريض
١٥٠٠
..
٤٥ - باب ما ينهى عن النوح والبكاء
١٥٢
والزجر عن ذلك
٤٦ - باب القيام للجنازة
١٥٣
٤٧ - باب متى يقعد إذا قام للجنازة .. ١٥٧
٢٠٠
٦٦ - باب الصلاة على القبر بعدما
..
یدفن
٢٠٤
٦٨ - باب من أحب الدفن في الأرض
٢١٣
المقدسة أو نحوها
٦٩ - باب الدفن بالليل
...
٧٠ - باب بناء المسجد على القبر .... ٢١٨
٧١ - باب من يدخل قبر المرأة
٢١٩
٥٢ - باب قول الميت وهو على
١٦٥
الجنازة قدموني
٥٣ - باب من صف صفين أو ثلاثة
على الجنازة خلف الإمام
١٦٦٠
٥٤ - باب الصفوف على الجنازة
..... ١٦٦
٥٥ - باب صفوف الصبيان مع
١٧٤
الرجال على الجنائز
٥٧. باب فضل اتباع الجنائز
١٨٢
٥٨ - باب من انتظر حتی یدفن
١٨٧٠
٥٩ - باب صلاة الصبيان مع الناس
على الجنائز
١٩٠
٦٢ - باب الصلاة على النفساء إذا
ماتت في نفاسها
١٩٦
٦٣ - باب أين يقوم من المرأة والرجل ١٩٧
٦٤ - باب التكبير على الجنازة أربعاً .١٩٨
٦٥ - باب قراءة فاتحة الكتاب على
الجنازة
٤٨ - باب من تبع جنازة فلا يقعد
حتى توضع عن مناكب الرجال
٦٧ - باب الميت يسمع خفق النعال .٢٠٥
فإن قعد أمر بالقيام
.١٥٨
٤٩ - باب من قام لجنازة يهودي ...... ١٥٩
٥٠ - باب حمل الرجال الجنازة دون
النساء .
١٦١
٥١ - باب السرعة بالجنازة
١٦٢٠٠
٢١٧
٧٢ - باب الصلاة على الشهيد
٢٢٠
٤٢ - باب الصبر عند الصدمة الأولى .١٤٤

٤٥٥
فهرس المحتويات
٧٣ - باب دفن الرجلين والثلاثة في
٢٢٧
قبر واحد
٣٠٩
٧٤ - باب من لم ير غسل الشهداء .... ٢٢٨
.......... ٢٢٨
٧٥ - باب من يقدم في اللحد
٧٦ - باب الإذخر والحشيش في القبر ٢٣٢
٧٧ - باب هل يخرج الميت من القبر
واللحد لعلة
٢٣٦٠٠
٧٨ - باب اللحد والشق في القبر ...... ٢٤٢
٧٩ - باب إذا أسلم الصبي فمات هل
يصلى عليه وهل يعرض على
الصبي الإسلام
٢٤٢
٨٠ - باب إذا قال المشرك عند
الموت لا إله إلا الله
٢٥٩
٨١ - باب الجريد على القبر
٢٦٤
٨٢ - باب موعظة المحدث عند القبر
....
وقعود أصحابه حوله
.٢٦٨
٨٣ - باب ما جاء في قاتل النفس ...... ٢٧٤
٨٤ - باب ما يكره من الصلاة على
المنافقين والاستغفار للمشر کین .. ٢٧٨
.. ٢٨٠
٨٥ - باب ثناء الناس على الميت ....
٨٦ - باب ما جاء في عذاب القبر ..... ٢٨٦
٨٧ - باب التعوذ من عذاب القبر ....... ٢٩٨
٨٨ - باب عذاب القبر من الغيبة
والبول
٨٩ - باب الميت يعرض عليه مقعده
بالغداة والعشي
٣٠١
٩٠ - باب كلام الميت على الجنازة ٣٠٣٠
٩١ - باب ما قيل في أولاد المسلمين ٣٠٣
٩٢ - باب ما قيل في أولاد
٣٠٥
المشركين
٩٣ - باب
٩٤ - باب موت يوم الاثنين
٣١٤
٩٥ - باب موت الفجأة البغتة
٣١٨
٩٦ - باب ما جاء في قبر النبي
صلىالله
وأبي بكر رضي الله عنهما ......... ٣٢٠
٩٧ - باب ما ينهى من سب الأموات ٣٣١
..... ٣٣٣
٩٨ - باب ذكر شرار الموتى
٢٤ - كتاب الزكاة
١ - باب وجوب الزكاة
٣٣٥
٢ - باب البيعة على إيتاء الزكاة
.٣٥٦
٣ - باب إثم مانع الزكاة
٣٥٧
٤ - باب ما أدي زكاته فليس بكنز .... ٣٦٥
٥ - باب إنفاق المال في حقه
٣٨٣
٦ - باب الرياء في الصدقة
٣٨٣
٧ - باب لا يقبل الله صدقة من غلول
ولا يقبل إلا من كسب طيب ...... ٣٨٥
٨ - باب الصدقة من كسب طيب ..... ٣٨٦
٩ - باب الصدقة قبل الرد
٣٩١
١٠ - باب اتقوا النار ولو بشق تمرة .... ٣٩٥
١١ - باب أي الصدقة أفضل وصدقة
الشحيح الصحيح
٤٠١
..
٣٠٠ ١٢ - باب
٤٠٤
١٣ - باب صدقة العلانية
٤٠٨
٠١٤ - باب صدقة السر .
٤٠٩
١٥ - باب إذا تصدق على غني وهو
.
لا یعلم
٤١١
.....
١٦ - باب إذا تصدق على ابنه وهو لا

٤٥٦
فهرس المحتويات
٤١٣
یشعر
١٧ - باب الصدقة باليمين
٤١٦
١٨ - باب من أمر خادمه بالصدقة
ولم يناول بنفسه
.٤١٧
١٩ - باب لا صدقة إلا عن ظهر غنى ٤٢١
٤٢٧
٢٠ - باب المنان بما أعطى
٢١ - باب من أحب تعجيل الصدقة
٤٢٨
واستغنی و كذب بالحسنى
في يومها
٤٤٠
فسنيسره للعسرى﴾
٢٢ - باب التحريض على الصدقة
والشفاعة فيها
٤٢٩
٢٣ - باب الصدقة فيما استطاع
٤٣١
٣١ - باب على كل مسلم صدقة
٤٣٢
٢٤ - باب الصدقة تكفر الخطيئة
٢٥ - باب من تصدق في الشرك ثم
٤٣٤
أسلم
.
٢٦ - باب أجر الخادم إذا تصدق بأمر
٤٣٧
صاحبه غير مفسد
٢٧ - باب أجر المرأة إذا تصدقت أو
أطعمت من بيت زوجها غير
٤٣٨
.....
مفسدة
٢٨ - باب قول الله تعالى: ﴿فأما من
أعطى واتقى وصدق بالحسنى
فسنيسره لليسرى وأما من بخل
٢٩ - باب مثل المتصدق والبخيل ..... ٤٤٢
٣٠ - باب صدقة الكسب والتجارة ... ٤٤٥
فمن يجد فليعمل بالمعروف ...... ٤٤٧
٣٢ - باب قدركم يعطى من الزكاة
٤٤٩
............
والصدقة ومن أعطى شاة