Indexed OCR Text
Pages 401-420
٤٠١ ٢٤ - كِتَابُ الزكاة / باب (١١) ابْنَتَيْهَا ولَمْ تَأْكُلْ مِنْهَا ثُمَّ قامَتْ فَخَرَجَتْ فَدَخَلَ النبيُّ عَّلِ عَلَيْنَا فأخْبَرْتُهُ فقالَ مَنِ ابْتُليَ مِنْ لهَذِهِ البَنَاتِ بِشيءٍ كُنَّ لَهُ سِْراً مِنَ النَّارِ. [الحديث ١٤١٨ - طرفه في ٥٩٩٥]. مطابقته للترجمة في قوله: ((فقسمتها بين ابنتيها)) أي: لما قسمت التمرة بينهما صار لكل واحدة منهما شق تمرة، فدخلت الأم في عموم قوله، عَّهِ: ((من ابتلي ... )) إلى آخره، لأنها ممن ابتلي بشيء من البنات. وأما مناسبة فعل عائشة، رضي الله تعالى عنها، للترجمة ففي قوله: ((والقليل من الصدقة)). فإنه من الترجمة أيضاً. ذكر رجاله: وهم سبعة ذكروا كلهم، وبشر بكسر الباء الموحدة تقدم في كتاب الوحي، وعبد الله هو ابن المبارك، ومعمر، بفتح الميمين: هو ابن راشد، والزهري هو محمد ابن مسلم، وعبد الله بن أبي بكر بن حزم مر في: باب الوضوء مرتين، وعروة هو ابن الزبير. ١١ - بابُ أيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ وصَدَقَةُ الشَّحِيحِ الصَّحِيحِ أي: باب يذكر فيه أي الصدقة من الصدقات أفضل وأعظم أجراً، هكذا هو الترجمة في رواية الأكثرين، وفي رواوية أبي ذر: باب فضل صدقة الشحيح الصحيح. قوله: ((وصدقة الشحيح))، بالرفع عطف على ما قبله من المقدر تقديره: وفضل صدقة الشحيح، ولم يتردد فيه لأن فضل صدقة الشحيح الصحيح على غيره ظاهر، لأن فيه مجاهدة النفس على إخراج المال الذي هو شقيق الروح مع قيام مانع الشح، وليس هذا إلاّ من قوة الرغبة في القربة وصحة العقد، فكان أفضل من غيره، وتردد في الأول بكلمة: أي، التي هي للاستفهام لأن إطلاق الأفضلية فيه موضع التردد. قوله: ((الشحيح))، صفة مشبهة من الشح، قال ابن سيده: والشّح والشَّح والشِّح: البخل، والضم أعلى. وقد شححت تشح وتشح، وشححت تشح، ورجل شحيح وشحاح من قوم أشحة وأشحاء ومشحاح، ونفس شحة شحيحة، وعن ابن الأعرابي: وشاحوا في الأمر، وعليه. وفي (الجامع) حكى قوم الشح والشح، وأرى أن يكون الفتح في المصدر والضم في الإسم وجمعه في أقل العدد أشحة ولم أسمع غيره. وفي (المنتهى) لأبي المعاني: الشح بخل مع حرص، وقال أبو إسحاق الحربي في كتابه (غريب الحديث): للشح ثلاثة وجوه: الأول: أن تأخذ مال أخيك بغير حقه، قال رجل لابن مسعود: ما أعطي ما أقدر على منعه، قال: ذاك البخل والشح أن تأخذ مال أخيك بغير حق. الثاني: ما روي عن أبي سعيد الخدري أنه قال: الشح منع الزكاة وادخار الحرام. الثالث: ما روي: ((أن تصدق وأنت صحيح شحيح)). قال والذي يبرىء من الوجوه الثلاثة ما روى ((برىء من الشح من أدى الزكاة وقرى الضيف وأعطى في النائبة)). وفي (المغيث)): الشح أبلغ في المنع من البخل، والبخل في أفراد الأمور وخواص الأشياء، والشح عام، وهو كالوصف اللازم من قبل الطبع والجبلة، وقيل: البخل بالمال والشح بالماء والمعروف، رىء من الوجوه الثلاثة ما روى ((برىء من الشح من أدى الزكاة وقرى الضيف واعطى في النائبة)). وفي (المغيث)): الشح أبلغ في المنع عمدة القاري / ج٨ / م٢٦ ٤٠٢ ٢٤ - كِتَابُ الزكاة / باب (١١) من البخل، والبخل في أفراد الأمور وخواص الأشياء، والشح عام، وهو كالوصف اللازم من قبل الطبع والجبلة، وقيل: البخل بالمال والشح بالماء والمعروف، وقيل: الشحيح البخيل مع التحرص. وفي (مجمع الغرائب): الشح المطاع هو البخل الشديد الذي يملك صاحبه بحيث لا يمكنه أن يخالف نفسه فیه. لِقَوْلِهِ ﴿وِأَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ المَوْتَ﴾ [المنافقون: ١٠]. الآية علل الترجمة بهذه الآية الكريمة لأن معناها التحذير من التسويف بالإنفاق استبعاداً الحلول الأجل واشتغالاً بطول الأمل، والترجمة في فضل صدقة الصحيح الشحيح لأن فيها مجاهدة النفس على الإنفاق خوفاً من هجوم الأجل مع قيام المانع، وهو الشح. فلذلك كانت صدقته أفضل من صدقة غيره، وهذا هو وجه المطابقة بين الترجمة والآية، والآية الكريمة في سورة المنافقين، ومعنى: ﴿أنفقوا﴾ [المنافقون: ١٠]. تصدقوا مما رزقكم الله من الأموال ﴿من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول رب لولا أخرتني إلى أجل قريب﴾ [المنافقون: ١٠]. يعني: يقول: يا سيدي ردني إلى الدنيا: ﴿فأصدق﴾ يعني: فأتصدق ويقال أصدق ﴿وأكن من الصالحين﴾ [المنافقون: ١٠]. يعني: أفعل ما فعل المصدقون. وروى الضحاك عن ابن عباس أنه قال: من كان له مال تجب فيه الزكاة فلم يزكه، أو مال يبلغه بيت ربه فلم يحج، سأل عند الموت الرجعة، قال: فقال رجل: اتق الله يا ابن عباس، إنما سألت الكفار الرجعة. قال ابن عباس: إني أقرأ عليك بهذا القرآن. وَقَوْلِهِ ﴿يا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِما رَزَقْتَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يأْتِي يَوْمٌ لاَ بَيْعٌ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢٥٤] وقوله، بالجر عظف على: لقوله، وهذه الآية الكريمة فى سورة البقرة، وهذه متأخرة عن الآية الأولى في رواية الأكثرين، وفي رواية أبي ذر بالعكس، وقد أمر الله تعالى هنا أيضاً بالإنفاق مما رزقهم الله في سبيلة ليدخروا ثواب ذلك عند ربهم، فعليهم المبادرة إلى ذلك من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه، أي: لا بدل فيه، وذكر لفظ البيع لما فيه من المعاوضة وأخذ البدل ولا خلة أي ليس خليل ينفع في ذلك اليوم ولا شفاعة للكافرين، والكافرون هم الظالمون لأنهم وضعوا العبادة في غير موضعها، وعولوا على شفاعة الأصنام، وروى ابن أبي حاتم عن عطاء بن دينار أنه قال: الحمد لله الذي قال: والكافرون هم الظالمون، ولم يقل: والظالمون هم الكافرون. ١٤١٩/٢٣ - حدَّثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ قال حدَّثنا عَبْدُ الوَاحِدِ قال حدَّثنا عُمَارَةُ بنُ القَعْقَاعِ قال حدثنا أبو زُرْعَةً قال حدثنا أَبُو هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ. قال جاءَ رَجَلٌ إلَى النبيِّ عَّهِ فقال يا رسولَ اللهِ أَيُّ الصَّدَقَةِ أعْظَمُ أجْراً قال أن تَصَدَّقَ وَأنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ تَخْشَى الفَتْرَ وتَأْمُلُ الغِنَى وَلاَ تَمْهِلُ حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ قُلْتُ لِفُلانٍ كَذَا وَلِفُلانٍ كَذَا وَقَدْ كانَ لِفُلاَنٍ. [الحديث ١٤١٩ - طرفه في: ٢٧٤٨]. ٤٠٣ ٢٤ - كِتَابُ الزكاة / باب (١١) مطابقته للترجمة في قوله: ((أن تصدق وأنت صحيح شحيح))، فالصدقة في هذه الحالة أعظم أجراً لأن هذا القول من النبي عَّلم في جواب السائل: ((أي الصدقة أعظم أجراً؟)) فإذا كانت هذه الصدقة أعظم أجراً كانت أفضل من غيرها. ذكر رجاله: وهم خمسة: الأول: موسى بن إسماعيل أبو سلمة المنقري، وقد مر غير مرة. الثاني: عبد الواحد بن زياد أبو بشر. الثالث: عمارة، بضم العين المهملة وتخفيف الميم: ابن القعقاع، بالقافين المفتوحتين والعينين المهملتين: ابن شبرمة. الرابع: أبو زرعة، بضم الزاي وسكون الراء، قيل: اسمه هرم، وقيل: عبد الرحمن، وقيل: عمرو، وقد مر في: باب الجهاد من الإيمان. الخامس: أبو هريرة. ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في الإسناد كله، وإلى هنا ما وقع في الكتاب نظير هذا، وفيه: القول في موضع واحد. وفيه: أحد الرواة مذكور بغير نسبة والآخر مذكور بكنيته. وفيه: أن شيخه وشيخ شيخه بصريان، وعمارة وأبو زرعة كوفيان. ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في الوصايا عن محمد ابن العلاء عن أبي أسامة عن سفيان. وأخرجه مسلم في الزكاة عن زهير بن حرب وعن أبي بكر بن أبي شيبة وابن نمير، وعن أبي كامل عن عبد الواحد. وأخرجه النسائي فيه عن أحمد ابن حرب، وفي الزكاة عن محمود بن غيلان. ذكر معناه: قوله: ((جاء رجل))، قيل: يحتمل أن يكون أبا ذر، لأنه في مسند أحمد. سأل: أي الصدقة أفضل؟ وكذا روى الطبراني من حديث أبي أمامة أن أبا ذر سأل: لكن جوابه جهد من مقل أو سرى إلى فقير. قوله: ((قال أن تصدق)) بتشديد الصاد، وأصله: أن تتصدق من باب: التفعل، فأبدلت إحدى التاءين صاداً وأدغمت الصاد في الصاد، ويجوز تخفيف الصاد بحذف إحدى التاءين، والمتصدق هو الذي يعطي الصدقة، وأما المصدق فهو الذي يأخذ الصدقة من التصديق من باب التفعيل. فإن قلت: ما محل ((أن تصدق)) من الإعراب؟ قلت: مرفوع على الخبرية، والمبتدأ محذوف تقديره: أعظم الصدقة أجراً أن تصدق، أي: بأن تصدق. قوله: ((وأنت صحيح)) جملة إسمية وقعت حالاً. قوله: ((شحيح)) خبر بعد خبر، قوله: ((تخشى الفقر))، جملة فعلية وقعت حالاً. قوله: ((وتأمل الغنى)) عطف على ما قبله، وتأمل بضم الميم، أي: تطمع بالغنى، والصدقة في هاتين الحالتين أشد مراغمة للنفس. قوله: ((ولا تمهل)) بفتح اللام من الإمهال، وهو التأخير. تقديره: وأن لا تمهل لأنه معطوف على قوله: ((أن تصدق))، ويروى بسكون اللام على صورة النهي. قوله: ((حتى إذا بلغت الحلقوم))، كلمة: حتى، للغاية، والضمير في: بلغت، يرجع إلى الروح بدلالة سياق الكلام عليه، والمراد منه: قاربت البلوغ، إذ لو بلغته حقيقة لم تصح وصيته ولا شيء من تصرفاته، والحلقوم هو الحلق، وفي (المخصص) عن أبي عبيدة: هو مجرى النفس والسعال من الجوف وهو أطباق غراضيف ليس دونه من ظاهر باطن العضو إلا ٤٠٤ ٢٤ - كِتَابُ الزكاة / باب (١٢) جلد، وطرفه الأسفل في الرئة والأعلى في أصل عقدة اللسان، ومنه مخرج البصاق والصوت. وفي (المحكم) ذكر الحلقوم في: باب حلق بحذف زائدته، وهما: الواو والميم، وقال: الحلقوم كالحلق فعلوم عند الخليل، وفعلول عند غيره. قوله: ((لفلان))، كناية عن الموصى له. وقوله: كذا كناية عن الموصى به، وحاصل المعنى: أفضل الصدقة أن تتصدق حال حياتك وصحتك مع احتياجك إليه واختصاصك به، لا في حال سقمك وسياق موتك، لأن المال حينئذ خرج عنك وتعلق بغيرك، ويشهد لهذا التأويل حديث أبي سعيد: ((لأن يتصدق المرء في حال حياته بدرهم خير له من أن يتصدق بمائة عند موته)). وقال الخطابي: فيه: دليل على أن المرض يقصر يد المالك عن بعض ملكه وإن سخاوته بالمال في مرضه لا تمحو عنه سمة البخل، ولذلك شرط أن يكون صحيح البدن شحيحاً بالمال، يجد له وقعاً في قلبه لما يأمله من طول العمر، ويخاف من حدوث الفقر. قال: والإسمان الأولان كناية عن الموصى له، والثالث عن الوارث يريد أنه إذا صار للوارث فإنه إن شاء أبطله ولم يجزه، وقال الكرماني: ويحتمل أن يكون كناية عن المورث أي: خرج عن تصرفه وكمال ملكه واستقلاله بما شاء من التصرفات، فليس له في وصيته كثير ثواب بالنسبة إلى ما كان كامل التصرف. فإن قلت: في قوله: كناية عن المورث، نظر لا يخفى، وروى أبو الدرداء أن رسول الله عَ لل قال: ((مثل الذي يعتق عند الموت كالذي يهدي إذا شبع))، ولما بلغ ميمون بن مهران أن رقية امرأة هشام ماتت وأعتقت كل مملوك لها، قال: يعصون الله في أموالهم مرتين: يبخلون بما في أيديهم، فإذا صارت لغيرهم أسرفوا فيها. قوله: ((وقد كان لفلان)) يريد به الوارث، كما قاله الخطابي آنفاً، فإنه إذا شاء لم يجزه، قيل: لعله إذا جاوزت الوصية الثلث أو كانت لوارث وقبل، سبق القضاء به للموصى له. ١٢ - بابٌ أي: هذا باب، كذا وقع في رواية الأكثرين، وسقط هذا في رواية أبي ذر، فعلى روايته يكون هذا من ترجمة الباب السابق، وعلى رواية غيره يكون قوله: باب، كالفصل من الباب، لأن دأب المصنفين جرى بذكر لفظ: كتاب، في كذا ثم يذكرون فيه أبواباً ثم يذكرون في كل باب فصولاً. ٢٤/ ١٤٢٠ - حدّثنا مُوسَى بنُ إِسْمَاعِيلَ قال حدَّثنا أبُو عَوَانَةَ عنْ فِرَاسٍ عنِ الشَّغْبِيِّ عنْ مَسْرُوقٍ عنْ عَائِشَةَ رضي الله تعالى عنها أنَّ بَعْضَ أَزْوَاج النبيِّ عَ لِّ قُلْنَ لِلِلنَّبِيِّ عَلِّ أَيُّنَا بِكَ لُحُوقاً قال أطْوَلُكُنَّ يَدَاً فأخَذُوا قَصَبَةٌ يَذْرَعُونَهَا فَكَانَتَْ سَوْدَةُ أَطْوَلُهُنَّ يَداً فَعَلِمْنَا بَعْدُ أَنْما كانَتْ طُولَ يَدِهَا الصَّدَقَةُ وكَانَتْ أَسْرَعَنَا لُحُوقاً بِهِ وكانَتْ تُحِبِّ الصَّدَقَةَ. وجه تعلق هذا الحديث بما قبله من حيث إنه يبين أن المراد بطول اليد المقتضي للحاق به الطول، بالفتح، وذلك لا يأتي إلاَّ من الصحيح لأنه لا يحصل إلاَّ بالمداومة في حال الصحة. ٤٠٥ ٢٤ - كِتَابُ الزكاة / باب (١٢) ذكر رجاله: وهم ستة: الأول: موسى بن إسماعيل المنقري، وقد مضى عن قريب. الثاني: أبو عوانة، بفتح العين المهملة: واسمه الوضاح بن عبد الله اليشكري. الثالث: فراس، بكسر الفاء وتخفيف الراء وفي آخره سين مهملة: ابن يحيى الخارفي، بالخاء المعجمة والراء والفاء: المكتب. الرابع: عامر بن شراحيل الشعبي. الخامس: مسروق بن الأجدع. السادس: عائشة أم المؤمنين. رضي الله تعالى عنها. ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: العنعنة في أربعة مواضع. وفيه: أن شيخه بصري وأبو عوانة واسطي وفراس والشعبي ومسروق كوفيون. وفيه: رواية التابعي عن التابعي عن الصحابية. وفيه: أن أحد الرواة مذكور بكنيته والآخر بنسبته والآخر مجرد. والحديث أخرجه النسائي أيضاً في الزكاة عن أبي داود الحراني عن يحيى بن حماد عن أبي عوانة عن فراس عن الشعبي به. ذكر معناه: قوله: ((أن بعض أزواج النبي عَ لّهِ قلن:)) بصيغة جمع المؤنث، وعند ابن حبان من طريق يحيى بن حماد عن أبي عوانة بهذا الإسناد، قالت: فقلت، وأخرجه النسائي في هذا الوجه بلفظ: فقلن، بصيغة الجمع. قوله: ((أينا)) إنما لم يقل أيتنا، بتاء التأنيث لأن سيبويه يشبه تأنيث: أي: بتأنيث: كل، في قولهم: كلتهن، يعني: ليس بفصيحة، ذكره الزمخشري في سورة لقمان. قوله: ((لحوقاً)) نصب على التمييز، أي: من حيث اللحوق بك. قوله: ((أطولكن)) مرفوع، يجوز أن يكون مبتدأ ويجوز أن يكون خبراً. أما الأول: فتقديره: أطولكن يداً أسرع بي لحوقاً. وأما الثاني: فتقديره: أسرع بي لحوقاً أطولكن يداً، ويداً نصب على التمييز، وإنما لم يقل: طولاً، كن، بلفظ: فعلى، لأن القياس هذا، لأن في مثله يجوز الإفراد والمطابقة لمن أفعل التفضيل له، قوله: ((يذرعونها)) أي: يقدرونها بذراع كل واحدة منهن، وإنما ذكر بلفظ جمع المذكر، والقياس ذكر لفظ جمع المؤنث اعتباراً لمعنى الجمع، أو عدل إليه كقول الشاعر: وإن شئت حرمت النساء سواكم ذكره بلفظ جمع المذكر تعظيماً. قوله: ((فكانت سودة))، بفتح السين المهملة، وفي رواية ابن سعد عن عفان عن أبي عوانة بهذا الإسناد، سودة بنت زمعة القرشية العامرية، تزوجها رسول الله، عَّه، بعد خديجة رضي الله تعالى عنها، على المشهور. قوله: ((بعد)) مبني على الضم، أي: بعد ذلك يعني: بعد موت أول نسائه. قوله: ((إنما))، بالفتح، لأنه في محل مفعول: علمنا. قوله: ((طول يدها))، هو كلام إضافي منصوب، لأنه خبر كانت والصدقة مرفوع لأنه: اسم كانت. قوله: ((وكانت أسرعنا لحوقاً به)) أي: بالنبي، عَّ، والضمير في: كانت، بحسب الظاهر، ويرجع إلى سودة، وقد صرح به البخاري في (تاريخه الصغير) في روايته عن موسى بن إسماعيل بهذا الإسناد، فكانت سودة أسرعنا .. إلى آخره. ٤٠٦ ٢٤ - كِتَابُ الزكاة / باب (١٢) وكذا أخرجه البيهقي في الدلائل من طريق العباس الدوري: عن موسى بن إسماعيل، وكذا في رواية عفان عند أحمد وابن سعد عنه، وقال ابن سعد: قال لنا محمد بن عمر، يعني: الواقدي، هذا الحديث، وهم في سودة، وإنما هو في زينب بنت جحش، رضي الله تعالى عنها، فهي أول نسائه به لحوقاً. وتوفيت في خلافة عمر، رضي الله تعالى عنه، وبقيت سودة إلى أن توفت في خلافة معاوية في شوال سنة أربع وخمسين، وفي (التلويح): هذا الحديث غلط من بعض الرواة، والعجب من البخاري كيف لم ينبه عليه، ولا مَن بعده من أصحاب التعاليق، حتى: إن بعضه فسره بأن لحوق سودة من أعلام النبوة، وكل ذلك وهم، وإنما هي زينب بنت جحش، فإنها كانت أطولهن يداً بالمعروف، وتوفيت سنة عشرين، وهي أول الزوجات وفاة، وسودة توفيت سنة أربع وخمسين، وقد ذكر مسلم ذلك على الصحة من حديث عائشة بنت طلحة، عن عائشة، قالت: وكانت زينب أطولنا يداً لأنها كانت تعمل وتتصدق. قلت: أخذ صاحب (التلويح) هذا كله من كلام ابن الجوزي. وقوله: حتى إن بعضهم، المراد به الخطابي، وذكر صاحب (التلويح) أيضاً فقال: يحتمل أن تكون رواية البخاري لها وجه، وهو أن يكون خطابه، عَّهِ، لمن كان حاضراً عنده، إذ ذاك من الزوجات، وأن سودة وعائشة كانتا ثمة وزينب غائبة لم تكن حاضرة. قلت: هذا من كلام الطيبي فإنه قال: يمكن أن يقال فيما رواه البخاري: المراد الحاضرات من أزواجه دون زينب، فكانت سودة أولهن موتاً. قلت: يرد ما قاله ما رواه ابن حبان من رواية يحيى بن حماد: أن نساء النبي عَّه. اجتمعن عنده لم تغادر منهن واحدة، ويمكن أن يأتي هذا على أحد القولين في وفاة سودة، فقد روى البخاري في (تاريخه) بإسناد صحيح إلى سعيد بن أبي هلال، أنه قال: ماتت سودة في خلافة عمر، رضي الله تعالى عنه، وجزم الذهبي في (التاريخ الكبير) بأنها ماتت في أُخر خلافة عمر، رضي الله تعالى عنه، وقال ابن سيد الناس: إنه المشهور. وأما على قول الواقدي الذي تقدم ذكره فلا يصح. وقال ابن بطال: هذا الحديث سقط منه ذكر زينب لاتفاق أهل السير على أن زينب أول من مات من أزواج النبي عَّه، قلت: مراده أن الصواب: وكانت زينب أسرعنا لحوقاً به. وقال بعضهم: يعكر على هذا التأويل الروايات المصرح فيها بأن الضمير لسودة. قلت: ابن بطال لم يؤول، ولا يقال لمثل هذا تأويل، وأراد بالروايات ما ذكرناه من البخاري الذي ذكره في (تاريخه) والبيهقي وأحمد، وكل هذه الروايات لا تعارض قول من قال: مات بعد رسول الله عَّم من أزواجه زينب لا سودة. وقال النووي: أجمع أهل السير أن زينب أول نساء رسول الله عَّ الله موتاً بعده، ويؤيد ذلك ما رواه يونس بن بكير في (زيادة المغازي) والبيهقي في (الدلائل) بإسناده عنه عن زكريا بن أبي زائدة عن الشعبي، التصريح بأن ذلك لزينب، ولكن قصر زكريا في إسناده فلم يذكر مسروقاً ولا عائشة، ولفظه: ((قلن النسوة لرسول الله عَ له: أينا أسرع بك لحوقاً؟ قال: أطولكن يداً فأخذن يتذارعن أيتهن أطول يداً، فلما توفيت زينب علمن أنها كانت أطولهن يداً في الخير والصدقة)). ٤٠٧ ٢٤ - كِتَابُ الزكاة / باب (١٢) ويؤيده أيضاً ما رواه الحاكم في المناقب من (مستدركه) من طريق يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة، قالت: قال رسول الله عَ ليه لأزواجه: ((أسرعكن لحوقاً بي أطولكن يداً. قالت عائشة: فكنا إذا اجتمعنا في بيت إحدانا بعد وفاة رسول الله عَّمِ نمد أيدينا في الجدار نتطاول، فلم نزل نفعل ذلك حتى توفيت زينب بنت جحش، وكانت امرأة قصيرة ولم تكن أطولنا، فعرفنا حينئذ أن النبي عَظ ◌ّم إنما أراد بطول اليد: الصدقة)). وكانت زينب امرأة صناع باليد، فكانت تدبغ وتخرز وتصدق في سبيل الله. قال الحاكم: على شرط مسلم، وهذه رواية مفسرة مبينة مرجحة لرواية عائشة بنت طلحة في أمر زينب. وقال الكرماني: لا يخلو أن يقال: إما أن في الحديث اختصاراً وتلفيقاً يعني: اختصر البخاري القصة ونقل القطعة الأخيرة من حديث فيه ذكر زينب، فالضمائر راجعة إليها. وإما أنه اكتفى بشهرة الحكاية وعلم أهل هذا الشأن بأن الأسرع لحوقاً هي زينب، فتعود الضمائر إلى من هي مفردة في أذهانهم. وإما أن يؤول الكلام بأن الضمير راجع إلى المرأة التي هي علم رسول الله عَ ليه لحوقها به أولاً، وعلمنا بعد ذلك أنها هي التي طول صدقة يديها، والحال أنها كانت أسرع لحوقاً به، وكانت محبة للصدقة. قلت: هذا الذي قاله الكرماني ليس بسديد، لا من جهة التوفيق بين الأخبار، ولا من جهة ما يقتضيه تركيب الكلام، بل كلامه بعيد جداً من هذا الوجه. وقال الطيبي: قوله: ((فعلمنا بعد))، يعني فهمنا من قوله: ((أطولكن يداً)) ابتداء ظاهره فأخذنا لذلك قصبة نذرع بها يداً يداً لننظر أينا أطول يداً، فلما فطنا محبتها الصدقة، وعلمنا أنه، عَ ليهِ، لم يرد باليد العضو، وبالطول طولها، بل أراد العطاء وكثرته، أجريناه على الصدقة. فاليد ههنا استعارة للصدقة، والطول ترشيح لها لأنه ملائم للمستعار منه. ولو قيل: أكبركن، لكان تجريداً لها. وقيل: وجه الجمع أن في قولها: فعلمنا بعد إشعار بأنهن حملن طول اليد على ظاهره، ثم علمن بعد ذلك خلا ما اعتقدن أولاً، وقد انحصر الثاني في زينب للاتفاق على أنها آخرهن موتاً، فتعين أن تكون هي المرادة، وكذلك بقية الضمائر بعد قوله: فكانت، واستغنى عن تسميتها لشهرتها بذلك. انتهى. وقال بعضهم: وكأن هذا هو السر في كون البخاري حذف لفظ سودة من سياق الحديث لما أخرجه في (الصحيح) لعلمه بالوهم فيه، وأنه ساقه في التاريخ بإثبات ذكرها. انتهى. قلت: قول القائل الأول: فتعين أن تكون هي المرادة إلى آخره غير مسلم، فمن أين التعيين من التركيب على أن زينب هي المرادة؟ وكيف تقول: وكذلك بقية الضمائر بعد قوله: فكانت؟ واستغنى عن تسميتها؟ أي: عن تسمية زينب لشهرتها بذلك، والمذكور فيه بالتصريح سودة، ولا يبادر الذهن إلاّ إلى أن الضمير في فكانت يرجع إلى سودة بمقتضى حق التركيب، وهذا الذي قاله خلاف ما يقتضيه حق التركيب، وقول بعضهم: وكان هذا هو السر في كون البخاري حذف لفظ سودة إلى آخره كلام تمجه الأسماع لأنه كيف يحذف لفظ سودة في (الصحيح) بالوهم ويثبته في (التاريخ) وكان اللائق به أن يكون الأمر بالعكس. ذكر ما يستفاد منه: فيه: أن من حمل الكلام على ظاهره وحقيقته لم يلم وإن كان ٤٠٨ ٢٤ - كِتَابُ الزكاة / باب (١٣) مراد المتكلم مجازه، لأن نسوة النبي عَّهِ حملن طول اليد على الحقيقة، فلم ينكر عليهن. فإن قلت: روى الطبراني في الأوسط من طريق يزيد بن الأصم ((عن ميمونة، رضي الله تعالى عنها: أن النبي عَِّ قال لهن: ليس ذلك، أعني، إنما أعني أصنعكن يدا)). قلت: هذا حديث ضعيف جداً، ولو كان ثابتاً لم يحتجن بعد النبي عَّةِ إلى ذرع أيديهن، كما مر في رواية عمرة عن عائشة. وفيه: دلالة على أن الحكم للمعاني لا للألفاظ، لأن النسوة فهمن من طول اليد الجارحة، وإنما المراد بالطول كثرة الصدقة، قاله المهلب، ولكنه غير مطرد في جميع الأحوال. وفيه: علم من أعلام النبوة ظاهر. وفيه: أنه لما كان السؤال عن آجال مقدرة لا تعلم إلاَّ بالوحي، أجابهن عَّ له بلفظ غير صريح، وأحالهن على ما لا يتبين إلاَّ بآخره، وساغ ذلك لكونه ليس من الأحكام التكليفية. وفيه: على ما قاله بعضهم جواز إطلاق اللفظ المشترك بين الحقيقة والمجاز بغير قرينة إذا لم يكن هناك محذور. قلت: ليت شعري ما اللفظ المشترك هنا حتى يجوز إطلاقه بين الحقيقة والمجاز؟ فإن كان مراده لفظ: الطول، فهو غير مشترك، بل هو ترشيح الاستعادة، وإن كان مراده لفظ: اليد، فهو ليس بمشترك هنا، بل هو استعارة للصدقة على ما ذكرنا. ١٣ - بابُ صَدَقَةِ العَلاَنِيَةِ أي: هذا باب في ذكر صدقة العلانية، ولم يذكر فيه شيئاً من الحديث، لأن الظاهر أنه لم يجد حديثاً فيه على شرطه، واكتفى بالآية. وقَوْلِهِ ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أُمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ والنَّهَارِ سِرَّاً وعَلاَئِيَّةً﴾ إلى قولِهِ ﴿وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٤]. وقوله: بالجر، عطف على قوله: صدقة العلانية، وهو أيضاً من الترجمة، وقد سقطت في رواية المستملي وثبتت لغيره، وقد اختلفوا في سبب نزول هذه الآية الكريمة، فذكر الواحدي: أنها نزلت في أصحاب الخيل، وهو قول أبي أمامة وأبي الدرداء ومكحول والأوزاعي عن رباح، ورواه ابن غريب عن أبيه عن جده مرفوعاً. قلت: روى ابن أبي حاتم من حديث أبي أمامة أنها نزلت في أصحاب الخيل الذين يربطونها في سبيل الله. وقال مجاهد والكلبي وابن عباس: نزلت في علي بن أبي طالب، كان عنده أربعة دراهم فأنفق بالليل واحداً وبالنهار واحداً وفي السر واحداً وفي العلانية واحداً. زاد الكلبي، فقال له رسول الله عَّله: ما حملك على هذا؟ قال: حملني أن أستوجب على الله تعالى الذي وعدني. فقال رسول الله عَ ◌ّ ((ألا إن ذلك لك))، فأنزل الله هذه الآية. ورواه عبد الرزاق أيضاً بإسناد فيه ضعف إلى ابن عباس، ورواه أيضاً ابن جرير من طريق عبد الوهاب بن مجاهد عن أبيه نحوه، ورواه ابن مردويه من وجه آخر عن ابن عباس. وفي (الكشاف) نزلت في أبي بكر، رضي الله تعالى عنه: إذ أنفق أربعين ألف دينار وعشرة آلاف جهراً وعشرة آلاف ليلاً وعشرة آلاف نهاراً. وقال الطبري: قال آخرون: عنى بالآية قوماً أنفقوا في سبيل الله في غير إسراف ولا ٤٠٩ ٢٤ - كِتَابُ الزكاة / باب (١٤) تقتير. وقال قتادة: نزلت فيمن أنفق ماله في سبيل الله، لقوله: عَّ له: ((إن المكثرين هم الأقلون يوم القيامة إلاَّ من قال بالمال هكذا وهكذا، عن يمينه وشماله وقليل ما هم، هؤلاء قوم أنفقوا في سبيل الله في غير سرف ولا إملاق ولا تبذير ولا فساد». قوله إلى قوله: ﴿ولا هم يحزنون﴾ [البقرة: ٢٧٤]. أراد تمام الآية، وهو قوله تعالى: ﴿فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾ [البقرة: ٢٧٤]. أي: لهم أجرهم يوم القيامة على ما فعلوا من الإنفاق في الطاعات، فلا خوف عليهم عند الموت، ولا هم يحزنون يوم القيامة. ١٤ - بابُ صَدَقَةِ السّرِّ أي: هذا باب في ذكر صدقة السر، ولم يذكر في هذا الباب إلاَّ الحديث المعلق والآية الكريمة. وقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ عنِ النبيِّ عَِّ ((وَرَجُلٌ تصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لاَ تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا صَنعَتْ ◌َِينُهُ)) مطابقته للترجمة ظاهرة، لأن قوله: ((فأخفاها)) أي: الصدقة، وهي صدقة السر، وهذا المعلق ذكره موصولاً في: باب من جلس في المسجد ينتظر الصلاة، عن محمد بن بشار عن يحيى عن عبيد الله عن حبيب بن عبد الرحمن عن حفص بن عاصم عن أبي هريرة عن النبي عَ له قال: سبعة يظلهم الله في ظله ... الحديث، وهذا المعلق قطعة منه، ولكن لفظه هناك: ((ورجل تصدق بصدقة وأخفى حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه)). وذكره أيضاً بتمامه في الباب الثالث بعد هذا الباب، وهو: باب الصدقة باليمين، على ما يأتي إن شاء الله تعالى. قوله: ((ورجل))، عطف على ما قبله في الحديث المذكور. وقالَ الله تَعَالى: ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الفُقَرَاءَ فَهْوَ خَيْرٌ لَكَمْ﴾ [البقرة: ٢٧١]. مطابقة هذه الآية الكريمة للترجمة ظاهرة، وأولها: ﴿إن تبدوا الصدقات فنعما هي﴾ [البقرة: ٢٧١]. أي: إن أظهرتموا الصدقة فنعم شيء هي. وقيل: فنعمت الخصلة هي، نزلت لما سألوا النبي عَّ ◌ُلّهِ: صدقة السر أفضل أم الجهر؟ قال الطبري: وروي عن ابن عباس أن قوله تعالى: ﴿إن تبدوا الصدقات فنعما هي﴾ [البقرة: ٢٧١]. إلى قوله تعالى: ﴿ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾ [البقرة: ٢٧٤]. كان هذا يعمل به قبل أن تنزل براءة، فلما نزلت براءة بفرائض الصدقات أقربت الصدقات إليها. وعن قتادة: ﴿إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها﴾ [البقرة: ٢٧١]. كل مقبول إذا كانت النية صادقة، وصدقة السر أفضل. وذكر لنا أن الصدقة تطفىء الخطيئة كما يطفىء الماء النار. وقاله أيضاً الربيع، وعن ابن عباس: جعل الله صدقة السر في التطوع تفضل علانيتها يقال: بسبعين ضعفاً، وجعل صدقة الفريضة علانيتها تفضل من سرها يقال بخمسة وعشرين ضعفاً، وكذلك جميع الفرائض والنوافل في الأشياء كلها. وقال سفيان: هو سوى الزكاة، وقال آخرون: إنما عنى الله جل ثناؤه بقوله: ﴿إِن ٤١٠ ٢٤ - كِتَابُ الزكاة / باب (١٤) تبدوا الصدقات﴾ [البقرة: ٢٧١]. يعني على أهل الكتابين من اليهود والنصارى فنعما هي، وإن تخفوها وتؤتوها فقراءهم فهو خير لكم. قالوا: فأما من أعطى فقراء المسلمين من زكاة وصدقة وتطوع فإخفاؤه أفضل، ذكر ذلك يزيد بن أبي حبيب. ونقل الطبري وغيره الإجماع على أن الإعلان في صدقة الفرض أفضل من الإخفاء وصدقة التطوع على العكس من ذلك. ونقل أبو إسحاق الزجاج أن إخفاء الزكاة في زمن النبي، عَّ له، كان أفضل، فأما بعده فإن الظن يساء بمن أخفاها، فلهذا كان إظهار الزكاة المفروضة أفضل. وقال أبو عطية: ويشبه في زماننا أن يكون الإخفاء بصدقة الفرض أفضل، فقد كثر المانع لها وصار إخراجها عرضة للرياء. قوله: ﴿إِن تبدوا﴾ [البقرة: ٢٧١]. قال الزجاج: يعني: تظهروا، يقال: بدا يبدو إذا ظهر، وأبديته إبداء إذا أظهرته، وبدا لى بداء إذا تغير رأيه عما كان عليه. قوله: ﴿فنعما هي﴾ [البقرة: ٢٧١]. فيه قرآآت موضعها في محلها. قوله: ﴿وإن تخفوها﴾ [البقرة: ٢٧١]. من الإخفاء، يقال: أخفيت الشيء إخفاء إذا سترته، وخفي الشيء خفاء إذا استتر، وخفيته أخفيه خفياً إذا أظهرته. وأهل المدينة يسمون النباش المختفي. وفي تفسير ابن كثير. قوله: ﴿وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء﴾ [البقرة: ٢٧١]. فيه دليل على أن إسرار الصدقة أفضل من إظهارها، لأنه أبعد عن الرياء إلاَّ أن يترتب على الإظهار مصلحة راجحة من اقتداء الناس به، فيكون أفضل من هذه الحيثية، والإسرار أفضل لهذه الآية. ولما ثبت في (الصحيح) عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله عَ له: ((سبعة يظلهم الله ... )) الحديث، وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون أخبرنا العوام بن حوشب عن سليمان بن أبي سليمان عن أنس بن مالك، عن النبي، عَّ له، قال: ((لما خلق الله الأرض جعلت تميد، فخلق الجبال فألقاها عليها فاستقرت، فتعجب الملائكة من خلق الجبال، فقالت: يا رب، فهل من خلقك شيء أشد من الجبال؟ فقال: نعم الحديد. قالت: يا رب فهل من خلقك شيء أشد من الحديد؟ قال: نعم النار. قالت: يا رب فهل من خلقك شيء أشد من النار؟ قال: نعم الماء. قالت: يا رب فهل من خلقك شيء أشد من الماء؟ قال: نعم الريح. قالت: يا رب فهل من خلقك شيء أشد من الريح؟ قال: نعم، ابن آدم يتصدق بيمينه فيخفيها من شماله)). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، قال: حدثنا الحسين بن زياد المحاربي، مؤذن محارب، أخبرنا موسى بن عمير عن عامر الشعبي. في قوله تعالى: ﴿إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم﴾ [البقرة: ٢٧١]. قال: أنزلت في أبي بكر وعمر، رضي الله تعالى عنهما. أما عمر: فجاء بنصف ماله حتى دفعه إلى النبي عَّمِ فقال له النبي عَ له: ما خلفت وراءك لأهلك يا عمر؟ قال: خلفت لهم نصف مالي. وأما أبو بكر، فجاء بماله كله، فكاد أن يخفيه من نفسه حتى دفعه إلى النبي عَّه، فقال له النبي عٍَّ: ما خلفت وراءك يا أبا بكر؟ فقال: عدة الله وعدة رسوله، فبكى عمر، وقال: بأبي أنت يا أبا بكر، والله ما أسبقنا إلى باب خير قط ألاَّ كنت سابقاً، وتمام الآية المذكورة: ﴿ونكفر عنكم من سيئاتكم والله بما تعملون ٤١١ ٢٤ - كِتَابُ الزكاة / باب (١٥) خبير﴾ [البقرة: ٢٧١]. أي: نكفر عنكم بدل الصدقات من سيئاتكم أي من ذنوبكم، قرأ ابن عامر وعاصم من رواية حفص: يكفر، بالياء وضم الراء، وقرأ حمزة ونافع والكسائي: ونكفر، بالنون وجزم الراء، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر: ونكفر، بالنون وضم الراء ﴿والله بما تعملون خبير﴾ [البقرة: ٢٧١]. أي: لا يخفى عليه شيء من ذلك وسيجزيكم عليه، والله أعلم بحقيقة الحال. ١٥ - بابٌ إِذَا تَصَدَّقَ عَلَى غَنِيّ وَهْوَ لاَ يَعْلَمُ أي: هذا باب يذكر فيه إذا تصدق رجل على شخص غني، والحال أنه لم يعلم أنه غني، يعني ظنه فقيراً. وجواب: إذا، مقدر أي: فصدقته مقبولة، وإن كانت وقعت في غير محلها لعدم التقصير من جهته. ١٤٢١/٢٥ - حدّثنا أبُو اليَمَانِ قال أخبرنا شُعَيْبٌ قال حدَّثنا أبو الزِّنَادِ عنِ الأَعْرَجِ عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ أنَّ رسولَ الله عَ لَِّ قال قال رجلٌ لأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَدِ سَارِقٍ فَأصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ تُصُدِّقَ عَلَى سَارِقٍ فقال اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ لِأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضعَها فِي يَدَيْ زَانِيةٍ فَأُصْبَحُوا يتحَدَّثُونَ تُصُدِّقَ اللَّيْلَةُ عَلى زَانِيَةٍ فقال اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ عَلَى زَانِيَةٍ لأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوضَعَهَا فِي يدَيْ غَنِيّ فأصْبحُوا بِتحَدَّثُونَ تُصُدِّقَ عَلى غَنِيّ فقال اللَّهُمَ لَكَ الحَمْدُ عَلَى سَارِقٍ وعَلى زَانِيةٍ وَعِلَى غَنِيّ فَأَتِيَ فَقِيلَ لَهُ أَمَّا صَدَقَتُكَ عَلَى سَارِقٍ فَلَعَلَّهُ أَنْ يَشْتَعِفَّ عِنْ سَرِقَتِهِ وَأَمَّا الزَّانِيَّةُ فَلَعَلَّهَا أَنْ تَسْتَعِفَّ عَنْ زِنَاهَا وَأَمَّا الغَنِيُّ فَلَعَلَّهُ أَنْ يَعْتَبِرَ فَيَتْفِقُ مِمَّا أَعْطَاهُ الله. مطابقته للترجمة من قوله: ((فخرج بصدقته فوضعها في يد غني)). فإن قلت: المذكور في الحديث ثلاثة أشياء، فما وجه الترجمة في التصدق على الغني؟ قلت: التصدق على الغني لا يجوز على كل حال، حتى إذا أعطي زكاته لغني يظنه فقيراً ثم بان له أنه غني يعيد زكاته عند البعض، على ما نذكره عن قريب إن شاء الله تعالى، وأما دفعها إلى سارق فقير أو إلى زانية فقيرة فهو جائز بلا خلاف. ذكر رجاله: وهم خمسة قد ذكروا غير مرة، وأبو اليمان، بفتح الياء آخر الحروف: الحكم بن نافع الحمصي، وشعيب بن حمزة الحمصي، وأبو الزناد، بالزاي والنون: ذكوان، والأعرج عبد الرحمن بن هرمز. ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين والإخبار كذلك في موضع. وفيه: العنعنة في موضعين وفي رواية مالك في (الغرائب) للدارقطني: عن أبي الزناد أن عبد الرحمن بن هرمز أخبره أنه سمع أبا هريرة. وفيه: راويان مذكوران بكنيتهما والآخر بلقبه والآخر مجرد عن نسبة. فافهم. والحديث أخرجه النسائي أيضاً في الزكاة بالإسناد. وأخرجه مسلم من حديث موسى ابن عقبة عن أبي الزناد عن الأعرج ((عن أبي هريرة عن النبي عَّ له، قال: قال رجل: لأتصدقن ٤١٢ ٢٤ - كِتَابُ الزكاة / باب (١٥) الليلة بصدقة، فخرج بصدقته فوضعها في يد زانية، فأصبحوا يتحدثون: تصدق الليلة على زانية، قال: اللهم لك الحمد، على زانية؟ لأتصدقن بصدقة، فخرج بصدقته فوضعها في يد غني، فأصبحوا يتحدثون: تصدق على غني، قال: اللهم لك الحمد! على غني؟ لأتصدقن بصدقة، فخرج بصدقته فوضعها في يد سارق، فأصبحوا يتحدثون: تصدق على سارق، فقال: اللهم لك الحمد على زانية وعلى غني وعلى سارق؟ فأتى فقيل له: أما صدقتك فقد قبلت، أما الزانية فلعلها تستعف بها عن زناها، ولعل الغني يعتبر فينفق مما أعطاه الله، ولعل السارق یستعف بها عن سرقته)). ذكر معناه: قوله: ((قال رجل)) لم يعرف اسمه، ووقع عند أحمد من طريق ابن لهيعة عن الأعرج في هذا الحديث أنه كان من بني إسرائيل. قوله: ((لأتصدقن)) في معرض القسم، فلذلك أكده باللام والنون المشددة، كأنه قال: والله لأتصدقن، وهو من باب الإلتزام كالنذر. قوله: ((بصدقة)) وفي رواية أبي عوانة عن أبي أمية عن أبي اليمان بهذا الإسناد: ((لأتصدقن الليلة)). وفي رواية مسلم: ((لأتصدقن في الليلة بصدقة)). قوله: ((فوضعها في يد سارق)) أي: فوضع صدقته في يد سارق من غير أن يعلم أنه سارق. قوله: ((فأصبحوا)) أي: القوم الذين فيهم هذا الرجل المتصدق. قوله: ((يتحدثون)) في محل النصب لأنه خبر: أصبحوا الذي هو من الأفعال الناقصة. قوله: ((تصدق))، على صيغة المجهول، هذا إخبار في معنى التعجب والإنكار، وفي رواية أبي أمية: ((تصدق الليلة على سارق)). وفي رواية ابن لهيعة: ((تصدق على فلان السارق)). قوله: ((فقال: اللهم لك الحمد)) أي: على تصدقي على سارق، هذا وارد إما إنكاراً وإما تعجباً. أما الإنكار فأن يجري الحمد على الشكر، وذلك أنه لما جزم أن يتصدق على مستحق ليس بعده بدلالة التنكير في: صدقة، أبرز كلامه في معرض القسيمة تأكيداً وقطعاً للقبول به، فلما جوزي بوضعه على يد سارق، حمد الله بأنه لم يقدر على من هو أسوأ حالاً من السارق. وأما التعجب فإن يجري الحمد على غير الشكر، وأن يعظم الله تعالى عند رؤية العجب، كما يقال: سبحان الله، عند مشاهدة ما يتعجب منه، وللتعظيم قرن به أللهم. قوله: («لك الحمد، على زانية؟)) قال الطيبي: لما قالوا، تصدق على زانية، تعجب هو أيضاً من فعل نفسه، وقال: الحمد لله على زانية؟ أي: أتصدق عليها، فهو متعلق بمحذوف. انتهى. قلت: معنى قوله: على زانية، متعلق بمحذوف، وهو قوله: أتصدقت، وليس هو متعلقاً بقوله لك الحمد، ولم يفهم معنى هذا بعضهم حتىٍ قال: ولا يخفى بعد هذا. وقال الكرماني: فإن قلت: ما معنى الحمد عليه وهو لا يكون إلاّ على أمر جميل، وما فائدة تقديم: لك؟ قلت: التقديم يفيد الاختصاص أي: لك الحمد لا لي على زانية؟ حيث كان التصدق بإرادتك لا بإرادتي، وإرادة الله تعالى كلها جميلة، حتى إرادة الله الإنعام على الكفار. قوله: ((تصدق الليلة على زانية)) على صيغة المجهول أيضاً، وكذلك لفظ: تصدق، الثالث، قوله: ((فأتي)) على صيغة المجهول أي: رأى في المنام أو سمع هاتفاً ملكاً أو غيره، ٤١٣ ٢٤ - كِتَابُ الزكاة / باب (١٦) أو أخبره نبي أو أفتاه عالم، وقال ابن التين: يحتمل أن يكون أخبره بذلك نبي زمانه أو أخبر في نومه. وقال صاحب (التلويح): لو رأى ما في (مستخرج) أبي نعيم لما احتاج إلى هذا التخرص، وهو قوله: فساءه ذلك فأتي في منامه، فقيل له: أن الله، عز وجل، قد قبل صدقتك. وفي رواية الطبراني أيضاً في (مسند الشاميين): عن أحمد بن عبد الوهاب عن أبي اليمان بالإسناد المذكور: فساءه ذلك، فأتي في منامه: قوله: ((أما صدقتك على سارق)) زاد أبو أمية: ((فقد قبلت))، وفي رواية موسى بن عقبة وابن لهيعة: ((أما صدقتك فقد قبلت)) وفي رواية الطبراني: ((إن الله قد قبل صدقتك)). قوله: ((لعله أن يستعف))، لعل، من الله تعالى على معنى القطع والحتم، وأنه تارة يستعمل استعمال عسى، وتارة: استعمال كاد: قوله: ((عن زناها)) قال ابن التين: رويناه بالمد، وعند أبي ذر بالقصر، وهي لغة أهل الحجاز والمد لأهل نجد. ذكر ما يستفاد منه: فيه: دلالة على أن الصدقة كانت عندهم في أيامهم مختصة بأهل الحاجة من أهل الخير، ولهذا تعجبوا من الصدقة على الأصناف الثلاثة. وفيه: دليل على أن الله يجزي العبد على حسب نيته في الخير لأن هذا المتصدق لما قصد بصدقته وجه الله تعالى قبلت منه ولم يضره وضعها عند من لا يستحقها، وهذا في صدقة التطوع، وأما الزكاة فلا يجوز دفعها إلى الأغنياء. وفيه: اعتبار لمن تصدق عليه بأن يتحول عن الحال المذمومة إلى الحال الممدوحة، ويستعف السارق من سرقته، والزانية من زناها. والغني من إمساكه. وفيه: فضل صدقة السر وفضل الإخلاص. وفيه: استحب إعادة الصدقة إذا لم تقع الموقع. وفيه: أن الحكم للظاهر حتى يتبين خلافه. وفيه: التسليم والرضى وذم التضجر بالقضاء. وفيه: ما يحتج به أبو حنيفة ومحمد فيما إذا أعطى زكاته لشخص وظنه فقيراً فبان أنه غني سقطت عنه تلك الزكاة ولا تجب عليه الإعادة، وحكي ذلك أيضاً عن الحسن البصري وإبراهيم النخعي. وقال أبو يوسف والشافعي والحسن بن صالح: لا يجزيه، وعليه الإعادة وهو قول الثوري لأنه لم يضع الصدقة موضعها، وأخطأ في اجتهاده كما لو نسي الماء في رحله وتيمم لصلاة لم يجزه. فافهم. فإن قيل: هذا الخبر خاص وقع فيه الاطلاع على قبول الصدقة برؤيا صادقة اتفق وقوعها، فهل يتعدى هذا الحكم إلى غيره؟ قيل له: إن التنصيص في هذا الخبر على رجاء الاستعفاف فيدل ذلك على التعدية، فيقتضي ارتباط القبول بهذه الأسباب. ١٦ - بابٌ إِذَا تَصَدَّقَ عَلَى ابْنِهِ وَهْوَ لاَ يَشْعُرُ أي: هذا باب يذكر فيه إذا تصدق شخص على ابنه والحال أنه لا يشعر، وجواب الشرط محذوف تقديره: جاز، وإنما حذفه إما اختصاراً وإما اكتفاءً بما دل حديث الباب عليه. وقيل: إنما حذفه لأنه يصير لعدم شعوره كالأجنبي. ١٤٢٢/٢٦ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ قال حدَّثنا إسْرَائِيلُ قال حدَّثنا أبو الجُوَيْرِيَةِ أَنَّ ٤١٤ ٢٤ - كِتَابُ الزكاة / باب (١٦) مَعْنَ بنَ يَزِيدَ رضي الله تعالى عنهُ حدَّثَةُ قالَ بَايَعْتُ رسولَ الله عَلَّهِ أَنا وَأَبِي وَجَدِّي وَخَطَبَ عَلَيَّ فأَنْكَحَنِي وخاصَمْتُ إلَيْهِ وكان أبِي يَزِيدُ أُخْرَجَ دَنانِيرَ يَتَصَدَّقُ بِهَا فَوَضَغْهَا عِنْدَ رَجُلٍ فِي المَسْجِدِ فَجِئْتُ فَأَخَذْتُهَا فَأَتَيْتُهُ بِهَا فَقالَ وَاللهِ ما إِيَّكَ أَرَدْتُ فَخَاصَمْتُهُ إِلَى رَسُولِ الله عَِّ فقال لَكَ مَا نَوَيْتَ يا تَزِيدُ وَلَكَ ما أَخَذْتَ يا مَعْنُ. مطابقته للترجمة من حيث إن يزيد أعطى دنانير للرجل ليتصدق عنه ولم يحجر عليه، فجاء ابنه معن وأخذها من الرجل فكان يزيد هو السبب في وقوع صدقته في يد ابنه، فكأنه تصدق عليه وهو لا يشعر. ذكر رجاله: وهم أربعة: الأول: محمد بن يوسف الفريابي، وقد مر. الثاني: إسرائيل ابن يونس بن أبي إسحاق السبيعي. الثالث: أبو الجويرية - مصغر الجارية - الجيم والراء: حطان، بكسر الحاء المهملة وتشديد الطاء المهملة وبالنون: ابن جفاف، بضم الجيم وتخفيف الفاء الأولى: الجرمي، بفتح الجيم وسكون الراء. الرابع: معن، بفتح الميم وسكون العين المهملة: ابن يزيد - من الزيادة - السلمي، بضم السين المهملة، يقال: إنه شهد بدراً مع أبيه وجده ولم يتفق ذلك لغيرهم. وقيل: لم يتابع على ذلك، فقد روى أحمد والطبراني من طريق صفوان بن عمرو عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن يزيد بن الأخنس السلمي أنه أسلم فأسلم معه جميع أهله إلاَّ امرأة واحدة أبت أن تسلم، فأنزل الله تعالى على رسوله: ﴿ولا تمسكوا بعضم الكوافر﴾ [الممتحنة: ١٠]. فهذا دال على أن إسلامه كان متأخراً، لأن الآية متأخرة الإنزال عن بدر قطعاً، واسم جده: الأخنس بن حبيب السلمي، وقيل: ثور، وممن قاله الطبراني وابن منده وأبو نعيم، فترجموا في كتبهم لثور، وساقوا حديث الباب من طريق الجراح والد وكيع عن أبي الجويرية عن معن بن يزيد ابن ثور السلمي. ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع. وبصيغة الإفراد في موضع واحد. وفيه: أن سماع أبي الجويرية عن معن ومعن أمير على غزاة الروم في خلافة معاوية. وفيه: أن شيخه سكن قيسارية من الشام وإسرائيل وحطان ومعن كوفيون. وهذا الحديث من أفراد البخاري. ذكر معناه: قوله: ((أنا) تأكيد للضمير المرفوع الذي في: بايعت. قوله: ((وأبي)) هو يزيد. قوله: ((وجدي)) هو الأخنس بن حبيب. قوله: ((وخطب علي)) أي: خطب النبي عَّه. علي، يقال: خطب المرأة إلى وليها إذا أرادها الخاطب لنفسه، وعلى فلان إذا أرادها لغيره. قال الكرماني: الفاعل هو رسول الله عَّ لأنه أقرب المذكورين. قوله: ((فأنكحني)) أي: طلب لي الإنكاح فأجبت، ومقصود معن من ذلك بيان أنواع علاقاته من المبايعة وغيرها من الخطبة عليه وإنكاحه وعرض الخصومة عليه. قوله: ((وخاصمت إليه)) أي: إلى رسول الله عَّ اله، ولفظ: خاصمته، ثانياً تفسير لقوله: ((خاصمت إليه)). قوله: ((وكان أبي يزيد))، ويزيد، بالرفع عطف بيان لقوله: أبي، وليس ببدل كما قاله بعضهم على ما لا يخفى. قوله: ٤١٥ ٢٤ - كِتَابُ الزكاة / باب (١٦) ((فوضعها عند رجل)) أي: فوضع الدنانير التي أخرجها للصدقة عند رجل. وفيه حذف تقديره: عند رجل وأذن له أن يتصدق بها على من يحتاج إليها إذناً مطلقاً من غير تعيين ناس، فجئت فأخذتها، يعني: من الرجل الذي أذن له في التصدق باختيار منه، لا بطريق الغصب، ووقع عند البيهقي من طريق أبي حمزة اليشكري عن أبي الجويرية في هذا الحديث، قلت: وما كانت خصومتك؟ قال: كان رجل يغشى المسجد فيتصدق على رجال يعرفهم، فظن أني بعض من يعرف، فذكر الحديث. قوله: ((والله ما إياك أردت)) يعني، قال: يزيد لابنه معن: ما إياك أردت في الصدقة، ولو أردت أنك تأخذها لناولتها لك ولم أوكل فيها. قوله: ((فخاصمته)) أي: خاصمت أبي يزيد إلى النبي عَّلَّهِ، فقال رسول الله عَ له: («لك ما نويت يا يزيد))، يعني من أجر الصدقة، لأنه نوى أن يتصدق بها على من يحتاج إليها، وابنك يحتاج إليها. وقال عَ لَّه أيضاً: ((ولك ما أخذت. يا معن)) لأنك أخذت محتاجاً إليها، ومفعول كل من: نويت وأخذت. محذوف. ذكر ما يستفاد منه: فيه: دليل على العمل بالمطلقات على إطلاقها، لأن يزيد فوض إلى الرجل بلفظ مطلق فنفذ فعله، وفيه: جواز التحاكم بين الأب والابن وخصومته معه، ولا يكون هذا عقوقاً إذا كان ذلك في حق، على أن مالكاً، رحمه الله، كره ذلك ولم يجعله من باب البر، وإختياري هذا. وفيه: أن ما خرج إلى الإبن من مال الأب على وجه الصدقة أو الصلة أو الهبة لا رجوع للأب فيه، وهو قول أبي حنيفة، رحمه الله تعالى: واتفق العلماء على أن الصدقة الواجبة لا تسقط عن الوالد إذا أخذها ولده، حاشا التطوع. قال ابن بطال: وعليه حمل حديث معن، وعند الشافعي، رحمه الله تعالى: يجوز أن يأخذها الولد بشرط أن يكون غارماً أو غازياً، فيحمل حديث معن على أنه كان متلبساً بأحذ هذين النوعين. قالوا: وإذا كان الولد أو الوالد فقيراً أو مسكيناً، وقلنا في بعض الأحوال: لا تجب نفقته، فيجوز لوالده أو لولده دفع الزكاة إليه من سهم الفقراء والمساكين بلا خلاف عند الشافعي، لأنه حينئذ كالأجنبي. وقال ابن التين: يجوز دفع الصدقة الواجبة إلى الولد بشرطين: أحدهما: أن يتولى غيره من صرفها إليه. والثاني: أن لا يكون في عياله، فإن كان في عياله وقصد إعطاءه، فروى مطرف عن مالك: لا ينبغي له أن يفعل ذلك، فإن فعله فقد أساء ولا يضمن إن لم يقطع عن نفسه إنفاقه عليهم. قال ابن حبيب: فإن قطع الإنفاق عن نفسه بذلك لم يجزه. واختلفوا في دفع الزكاة إلى سائر الأقارب المحتاجين الذين لا يلزمه نفقتهم، فروي عن ابن عباس، رضي الله تعالى عنه، أنه يجزيه، وهو قول عطاء والقاسم وأحمد، وقالوا: هي لهم صدقة وصلة. وقال الحسن البصري، رحمه الله تعالى، وطاوس: لا يعطي قرابته من الزكاة، وهو قول أشهب. وذكر ابن المواز عن مالك، رضي الله تعالى عنه، أنه كره أن يخص قرابته بزكاته وإن لم تلزمه نفقاتهم، وممن قال بإعطاء الأقارب ما لم يكونوا في عياله: ابن عباس وابن المسيب وعطاء والضحاك وطاوس ومجاهد، حكاه ابن أبي شيبة في (المصنف) عنهم، وفي (مسند الدارمي) من حديث حكيم مرفوعاً: ((أفضل الصدقة على ذي الرحم الكاشح)). ٤١٦ ٢٤ - كِتَابُ الزكاة / باب (١٧) وفيه: جواز الافتخار بالمواهب الربانية، والتحدث بنعم الله تعالى. وفيه: جواز الاستخلاف في الصدقة لا سيما في التطوع، لأن فيه نوع إسرار. وفيه: أن للمتصدق جزاء ما نواه، سواء صادف المستحق أو لا !. ١٧ - بابُ الصَّدَقَةِ بِاليَمِينِ أي: هذا باب في بيان أن الصدقة باليمين فاضلة أو مرغوب فيها. ١٤٢٣/٢٧ - حدّثنا مُسَدَّدٌ قال حدَّثنا يَحتَى عنْ عُبَيْدِ اللهِ قال حدَّثني خُبَيْبُ بنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ عنْ حَفْصٍ بنِ عَاصِمٍ عنْ أَبِي هُرَيْرَةٍ رضي الله تعالى عنهُ عنِ النَّبِيِّ عَ ◌ّهِ. قال سَبْعَةٌ يُظِلُهُمُ الله تعالَى فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لاَ ظِلَّ إِلاَّ ظِلُهُ إِمَامٌ عَدْلٌ وَشابٌ نَشَأْ فِي عِبَادَةِ اللهِ ورَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي المَسَاجِدِ ورَجُلانِ تحَابَّا فِي الله اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وتَفَرَّقَا عليهِ ورَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمالٍ فقال إنِّي أخافُ اللَّه ورَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لاَ تَعْلَمَ شِمَالُهُ ما تُنْفِقُ تَمِينُهُ ورَجُلٌ ذَكَرَ الله خالِياً فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ. [أنظر الحديث ٦٦٠ وطرفيه]. مطابقته للترجمة في قوله: ((ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه))، وقد مضى هذا الحديث في: باب من جلس في المسجد ينتظر الصلاة، فإنه أخرجه هناك عن محمد بن بشار عن يحيى .. إلى آخره. نحوه ويحيى، هو ابن سعيد القطان، وعبيد الله بن عمر العمري، وقد مضى الكلام فيه مستوفىّ. ٢٨ / ١٤٢٤ _ حدَّثنا عَلِيُ بنُ الجَعْدِ قال أخبرنا شُعْبَةُ قال أخبرني مَعْبَدُ بنُ خالِدٍ قال سَمِعْتُ حارِثَةَ ابنَ وَهْبِ الخُزَاعِيَّ رضي الله تعالى عنهُ يَقُولُ سَمِعْتُ النبيَّ عََّلَّهِ يَقُولُ تَصَدَّقُوا فَسَيَأْتِي عَلَيْكُمْ زَمانٌ يَمْشِي الرَّجُلُ بِصَدَقَتِهِ فَيَقُولُ الرَّجُلُ لَوْ جِئْتَ بِهَا بِالأَمْسِ لَقَبِلْتُهَا مِنْكَ فأمَّا اليَوْمَ فَلاَ حَاجَةَ لِي فِيهَا. [أنظر الحديث ١٤١ وأطرافه]. قيل مطابقته للترجمة من جهة أنه اشترك مع الذي قبله في كون كل منهما حاملاً لصدقته، لأنه إذا كان حاملاً لها بنفسه كان أخفى لها، فكان لا يعلم شماله ما تنفق يمينه. انتهى. قلت: ما أبعد هذا من المطابقة لأن معناها أن يطابق الحديث الترجمة، وهنا الترجمة: باب الصدقة باليمين، فينبغي أن يكون في الحديث ما يطابق الترجمة بوجه من الوجوه، وهذا الذي ذكره هذا القائل إنما هو المطابقة بالجر الثقيل بين الحديثين، وقوله: لأنه إذا كان حاملاً لها بنفسه كان أخفى لها ... إلى آخره غير مسلم، لأن إخفاءها للحامل ليس من اللوازم، ولكن يمكن أن يوجه شيء للمطابقة وإن كان بالتعسف، وهو أن اللائق لحامل الصدقة ليتصدق بها إلى من يحتاج إليها أن يدفعها بيمينه لفضل اليمين على الشمال، فعند التصدق باليمين يكون مطابقاً لقوله: باب الصدقة باليمين. وقد مضى الحديث عن قريب في: باب الصدقة قبل الرد، فإنه أخرجه هناك: عن آدم عن شعبة .. إلى آخره، ومضى الكلام فيه هناك مستوفئ. ٤١٧ ٢٤ - كِتَابُ الزكاة / باب (١٨) ١٨ - بابُ مَنْ أَمَرَ خادِمَهُ بِالصَّدَقَةِ وَلَمْ يُنَاوِلْ بِنَفْسِهِ أي: هذا باب في بيان حال من أمر خادمه بالصدقة، يعني: أمره بأن يتصدق عنه ولم يناول الصدقة للفقير بنفسه، والخادم الذي يخدم غيره أعم من أن يكون مملوكاً أو أجيراً أو متبرعاً بالخدمة. قيل: فائدة قوله: ولم يناول بنفسه، التنبيه على أن ذلك مما يغتفر، وأن قوله في الباب الذي قبله: الصدقة باليمين، لا يلزم منه المنع من إعطائها بالغير، وإن كانت المباشرة بنفسه أولى. انتهى. قلت: فائدة قوله: ولم يناول بنفسه، التأكيد في عدم المناولة بنفسه والتصريح به، لأنه يجوز أن يأمر خادمه بالصدقة ثم ناول بنفسه قبل أن يباشر الخادم أو يأمره بها، ثم ينهاه عنها. وأما قوله في الباب الذي قبله: باب الصدقة باليمين، أعم من أن يكون بيمين المتصدق بنفسه أو بيمين خادمه أو وكيله. فإن قلت: ما فائدة وضع هذه الترجمة ولا يعلم منها حكم؟ قلت: قال صاحب (التلويح): كأن البخاري أراد بهذه معارضة ما رواه ابن أبي شيبة عن وكيع عن موسى بن عبيدة عن عباس بن عبد الرحمن المدني، قال: خصلتان لم يكن النبي عَّهِ يليهما إلى أحد من أهله: كان يناول المسكين بيده، ويضع الطهور لنفسه. وفي (الترغيب) للجوزي، بسند صالح عن ابن عباس: كان النبي ◌َّهُ لا يكل طهوره ولا صدقته التي يتصدق بها إلى أحد، يكون هو الذي يتولاهما بنفسه. انتهى. قلت: الذي يظهر من كلامه أن المتصدق بنفسه والمأمور بالصدقة عنه كلاهما في الأجر سواء على ما يشير إليه ما ذكره في الباب، وإنما أطلق الترجمة ولم يشر إلى شيء من ذلك اكتفاء بما ذكره في الباب، وقد جرت عادته بذلك في مواضع عديدة، ولا معارضة ههنا لأن مقام النبي عَّ له أعلى المقامات، فإذا أمر بشيء يفعله أحد هل يقال: إنه يحصل له من الأجر مثل ما يحصل للنبي عَّ له؟ ولئن سلمنا التعارض ظاهراً فلا نسلم أنه تعارض حقيقة لعدم التساوي بين ما ذكره في الباب وبين غيره. وقال أبو مُوسى عنِ النبيِّ عَّةِ هُوَ أحَدُ المُتَصَدِّقَيْنِ أبو موسى هو الأشعري، واسمه: عبد الله بن قيس، وهذا التعليق قطعة من حديث ذكره موصولاً يأتي بعد ستة أبواب في: باب أجر الخادم إذا تصدق. فإن المذكور فيه الخازن أحد المتصدقين، والضمير أعني قوله: ((هو))، يرجع إلى الخازن. فإن قلت: الترجمة فيها لفظ الخادم، والحديث فيه لفظ الخازن فلا مطابقة بينهما؟ قلت: الخازن خادم للمالك في الخزن، وإن لم يكن خادماً حقيقة. وقد قلنا إن لفظ الخادم أعم. قوله: ((هو أحد المتصدقين)) بلفظ التثنية كما يقال: القلم أحد اللسانين مبالغة، أي: الخادم والمتصدق بنفسه متصدقان لا ترجيح لأحدهما على الآخر في أصل الأجر، قالوا: ولا يلزم منه أن يكون مقدار ثوابهما سواء، لأن الأجر فضل من الله يؤتيه من يشاء. ذكر القرطبي أنه لم يرو إلاّ بالتثنية، ويصح أن يقال على الجمع، ويكون معناه أنه متصدق من جملة المتصدقين، وبنحوه ذكره ابن التين وغيره. عمدة القاري / ج٨ / م٢٧ ٤١٨ ٢٤ - كِتَابُ الزكاة / باب (١٨) ٢٩/ ١٤٢٥ _ حدَّثنا عُثْمَانُ بنُ أَبِي شَيْبَةَ قال حدَّثنا جَرِيرٌ عنْ مَنْصُورٍ عنْ شَقِيقٍ عنْ مَسْرُوقٍ عنْ عَائِشَةَ رضي الله تعالى عنها قالَتْ قال رسولُ الله عَّهِ إِذَا أَنفَقَتِ المرأةُ مِنْ طَعَامٍ بَيْتِهَا غَيْرَ مُفْسِدَةٍ كَانَ لَهَا أَجْرُهَا بِمَا أَنْفَقَتْ وَلِزَوْجِهَا أَجْرُهُ بِمَا كَسَبَ وَلِلْخَازِنِ مِثْلُ ذُلِكَ لاَ يَنْقُصُ بَعْضُهُمْ أجْرَ بَعْضٍ شَيْئاً. [الحديث ١٤٢٥ - أطرافه في ١٤٣٧، ١٤٣٩، ١٤٤٠، ١٤٤١، ٢٠٦٥]. مطابقته للترجمة في قوله: ((وللخازن مثل ذلك))، وقد قلنا: إن للخازن خادم للمالك في الخزن. فإن قلت: الترجمة مقيدة بالأمر وليس في الحديث ذلك؟ قلت: الخازن أمين وليس له أن يتصرف إلاَّ بإذن المالك، إما نصاً وإما عادة، وكذلك المرأة أمينة لا يجوز لها التصرف إلاَّ بإذن زوجها إما نصاً وإما عادةً في الأشياء التي لا تؤلم زوجها وتطيب بها نفسه، فلذلك قيد بقوله: غير مفسدة، وإفسادها إنما يكون بغير إذن الزوج أو بما يؤلم زوجها خارجاً عن العادة على ما نقرره عن قريب، إن شاء الله تعالى. ذكر رجاله: وهم ستة، كلهم قد ذكروا غير مرة، وعثمان هو ابن محمد بن أبي شيبة واسمه: إبراهيم أبو الحسن الكوفي أخو أبي بكر بن أبي شيبة، وجرير بن عبد الحميد ومنصور بن المعتمر وشقيق بن سلمة ومسروق بن الأجدع. ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: العنعنة في أربعة مواضع. وفيه: أن جريراً رازي أصله من الكوفة والبقية كوفيون. وفيه: رواية التابعي عن التابعي عن الصحابية. ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في الزكاة عن عمر بن حفص بن غياث عن أبيه وعن قتيبة عن جرير كلاهما عن الأعمش وعن آدم عن شعبة عن الأعمش ومنصور كلاهما عن أبي وائل به، وفيه عن يحيى بن يحيى، وفيه، وفي البيوع عن عثمان بن أبي شيبة، كلاهما عن جرير عن منصور به. وأخرجه مسلم في الزكاة عن يحيى بن يحيى وزهير بن حرب وإسحاق بن إبراهيم، ثلاثتهم عن جرير، وعن محمد بن يحيى وعن أبي بكر بن أبي شيبة وعن محمد بن عبد الله ابن نمير عن أبيه. وأخرجه أبو داود فيه عن مسدد عن أبي عوانة عن منصور به وأخرجه الترمذي فيه عن محمود بن غيلان، وأخرجه النسائي في عشرة النساء عن محمد بن قدامة عن جرير عن منصور به، وعن أحمد بن حرب عن أبي معاوية به. وأخرجه ابن ماجه في التجارات عن محمد بن عبد الله بن نمير به. وأخرج الترمذي هذا الحديث من طريقين: أحدهما: عن محمد بن المثنى عن محمد بن جعفر عن شعبة عن عمرو بن مرة، قال: سمعت أبا وائل يحدث عن عائشة، رضي الله تعالى عنها، عن النبي عَ لِ أنه قال: ((إذا تصدقت المرأة من بيت زوجها كان لها أجر ولزوجها مثل ذلك وللخازن مثل ذلك ولا ينقص كل واحد منهم من أجر صاحبه شيئاً، له بما كسب ولها بما أنفقت)). ثم قال: هذا حديث حسن. والطريق الآخر: عن محمود بن غيلان عن المؤمل عن سفيان عن منصور عن أبي وائل عن مسروق عن عائشة، قالت: قال رسول الله عَ له: ((إذا ٤١٩ ٢٤ - كِتَابُ الزكاة / باب (١٨) أعطت المرأة من بيت زوجها بطيب نفس غير مفسدة كان لها مثل أجره لها ما نوت حسناً وللخازن مثل ذلك)). ثم قال أبو عيسى: هذا حسن صحيح، وهو أصح من حديث عمرو بن مرة عن أبي وائل، وعمرو بن مرة لا يذكر في حديثه عن مسروق. فإن قلت: قال الطوسي: حديث عمرو حسن صحيح؟ قلت: فيه نظر، لأن الدارقطني قال: رواه جرير عن الأعمش عن أبي الضحى عن مسروق، ورواه عبد الصمد بن حسان عن الثوري عن منصور عن أبي وائل عن الأسود، ووهم في قوله: ورواه معاذ بن معاذ وأبو قتيبة عن شعيب عن عمرو بن مرة عن أبي وائل عن مسروق، ورواه عبد الله بن أبي جعفر عن شعبة عن الحكم بن عمارة عن عمير عن أبيه عن عائشة، ووهم فيه، والصحيح: عن الأعمش ومنصور عن أبي وائل عن مسروق. ذكر معناه: قوله: ((إذا أنفقت المرأة))، وفي رواية للترمذي: ((إذا تصدقت المرأة))، وفي رواية أخرى له: ((إذا أعطت المرأة من بيت زوجها)). قوله: ((من طعام بيتها))، قيد به، لأنه يسمح به عادة بخلاف الدراهم والدنانير فإن إنفاقها منها لا يجوز إلاّ بالإذن. قوله: ((غير مفسدة)) نصب على الحال قيد به لأنها إذا كانت مفسدة بأن تجاوزت المعتاد فإنه لا يجوز. قوله: ((كان لها)) أي: للمرأة ((أجرها)) أي لأجل إنفاقها غير مفسدة ((ولزوجها أجره بما كسب)) أي: بسبب كسبه، والمعنى أن المشارك في الطاعة مشارك في الأجر، ومعنى المشارك أن له أجراً كما لصاحبه أجر، وليس معناه أن يزاحمه في أجره، أو المراد المشاركة في أصل الثواب، فيكون لهذا ثواب وإن كان أحدهما أكثر، ولا يلزم أن يكون مقدار ثوابهما سواء، بل يكون ثواب هذا أكثر وقد يكون بعكسه. قوله: ((وللخازن مثل ذلك)) أي: مثل ذلك الأجر، والخازن هو الذي يكون بيده حفظ الطعام والمأكول من خادم وقهرمان، وقد قلنا: إنه أعم من مملوك وغيره، فإذا أعطى المالك لخازنه أو امرأته أو غيرهما مائة درهم أو نحوها ليوصلها إلى مستحقي الصدقة على باب داره أو نحوه. فأجر المالك أكثر، وإن أعطاه رمانة أو رغيفاً أو نحوهما ليذهب به إلى محتاج في مسافة بعيدة بحيث يقابل مشي الذاهب إليه بأجرة تزيد على الرمانة والرغيف، فأجر الوكيل أكثر،، وقد يكون عمله قدر الرغيف مثلاً، فيكون مقدار الأجر سواء. فإن قلت: روى مسلم من حديث يزيد بن عبيد، قال: سمعت عميراً مولى أبي اللحم قال: أمرني مولاي أن أقدد لحماً، فجاء مسكين فأطعمته منه، فعلم مولاي بذلك فضربني، فأتيت رسول الله عَِّ فذكرت ذلك له، فدعاه فقال له: لِمَ ضربته؟ قال: يعطي طعامي من غير أن آمره. فقال: الأجر بينكما. قلت: معناه: بينكما قسمان، وإن كان أحدهما أكثر، وأشار القاضي عياض إلى أنه يحتمل أيضاً أن يكون سواء، لأن الأجر فضل من الله تعالى، ولا يدرك بقياس ولا هو بحسب الأعمال، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، وقال النووي: والمختار الأول. قوله: ((لا ينقص بعضهم أجر بعض شيئاً)) شيئاً: منصوب لأنه مفعول لقوله: ((لا ينقص))، وقوله: أجر، منصوب بنزع الخافض أي: من أجر بعض، أو هو مفعول أول لقوله: لا ٤٢٠ ٢٤ - كِتَابُ الزكاة / باب (١٨) ينقص، لأنه ضد يزيد وهو متعد إلى مفعولين، قال تعالى: ﴿فزادهم الله مرضاً﴾ [البقرة: ١٠]. ذكر ما يستفاد منه: اختلف الناس في تأويل هذا الحديث، فقال بعضهم: هذا على مذهب الناس بالحجاز، وبغيرها من البلدان: إن رب البيت قد يأذن لأهله وعياله وللخادم في الإنفاق بما يكون في البيت من طعام أو أدام، ويطلق أمرهم فيه إذا حضره السائل ونزل الضيف، وحضهم رسول الله عَّل على لزوم هذه العادة ووعدهم الثواب عليه، وقيل: هذا في اليسير الذي لا يؤثر نقصانه ولا يظهر، وقيل: هذا إذا علم منه أنه لا يكره العطاء فيعطي ما لم يجحف، وهذا معنى قوله: غير مفسدة، وفرق بعضهم بين الزوجة والخادم: بأن الزوجة لها حق في مال الزوج ولها النظر في بيتها، فجاز لها أن تتصدق بما لا يكون إسرافاً، لكن بمقدار العادة، وما يعلم أنه لا يؤلم زوجها. فأما الخادم فليس له تصرف في متاع مولاه ولا حكم، فيشترط الإذن في عطية الخادم دون الزوجة. فإن قلت: أحاديث هذا الباب جاءت مختلفة. فمنها: ما يدل على منع المرأة أن تنفق من بيت زوجها إلاَّ بإذنه، وهو حديث أبي أمامة رواه الترمذي، قال: حدثنا هناد حدثنا إسماعيل بن عياش حدثنا شرحبيل بن مسلم الخولاني ((عن أبي أمامة الباهلي، قال: سمعت رسول الله عَّم يقول في خطبته عام حجة الوداع: لا تنفق امرأة شيئاً من بيت زوجها إلاَّ بإذن زوجها. قيل: يا رسول الله ولا الطعام؟ قال: ذاك أفضل أموالنا)). وقال: حديث حسن وأخرجه ابن ماجه أيضاً. ومنها: ما يدل على الإباحة بحصول الأجر لها في ذلك، وهو حديث عائشة المذكور. ومنها: ما قيد فيه الترغيب في الإنفاق بكونه بطيب نفس منه، وبكونها غير مفسدة، وهو حديث عائشة أيضاً رواه الترمذي من حديث مسروق عنها، قالت: قال رسول الله عَ له: ((إذا أعطت المرأة من بيت زوجها بطيب نفس غير مفسدة .. )) الحديث. ومنها: ما هو مقيد بكونها غير مفسدة، وإن كان من غير أمره، وهو حديث أبي هريرة رواه مسلم من حديث همام بن منبه عن أبي هريرة. قال: قال رسول الله عَّهِ ((لا تصم المرأة وبعلها شاهد إلاَّ بإذنه، ولا تأذن في بيته وهو شاهد إلاَّ بإذنه، وما أنفقت من كسبه من غير أمره فإن نصف أجره له)). ومنها: ما قيد الحكم فيه بكونه رطباً، وهو حديث سعد ابن أبي وقاص، رواه أبو داود من رواية زياد بن جبير ((عن سعد، قال: لما بلغ رسول الله عَ ظُلِ النساء قامت امرأة جليلة كأنها من نساء مضر فقالت: يا نبي الله أنأكل من عمل آبائنا وأبنائنا؟)) قال أبو داود: وأرى فيه ((وأزواجنا فما يحل لنا من أموالهم؟ قال: الرطب تأكليه وتهديه))، قال أبو داود: الرطب الخبز والبقل والرطب. قلت: الرطب الأول، بفتح الراء والثاني بضمها، وهو رطب التمر، وكذلك العنب وسائر الفواكه الرطبة دون اليابسة. قلت: كيفية الجمع بينهما أن ذلك يختلف باختلاف عادات البلاد وباختلاف حال الزوج من مسامحته. ورضاه بذلك أو كراهته لذلك، وباختلاف الحال في الشيء المنفق بين أن يكون شيئاً يسيراً يتسامح به، وبين أن يكون له خطر في نفس الزوج يبخل بمثله، وبين أن يكون ذلك رطباً يخشى فساده إن تأخر، وبين أن يكون يدخر ولا يخشى عليه الفساد.