Indexed OCR Text
Pages 381-400
٣٨١ ٢٤ - كِتَابُ الزكاة / باب (٤) بكر وعمر وعثمان، رضي الله تعالى عنهم، وتوفي في زمن عثمان سنة ثنتين وثلاثين. قوله: ((برضف))، بفتح الراء وسكون الضاد المعجمة وفي آخره فاء: وهي الحجارة المحماة. واحدها رضفة. قوله: ((في نار جهنم)) في جهنم مذهبان لأهل العربية: أحدهما: أنه اسم أعجمي فلا ينصرف للعجمية والعلمية، قال الواحدي: قال يونس وأكثر النحويين: هي عجمية لا تنصرف للتعريف والعجمة. والآخر: أنه اسم عربي سميت به لبعد قعرها جداً، ولم ينصرف للعلمية والتأنيث، قال قطرب: عن رؤبة، يقال: بئر جهنام أي: بعيدة القعر. وقال الواحدي: قال بعض أهل اللغة: هي مشتقة من الجهومة، وهي الغلظ. يقال: جهم الوجه أي غليظه، فسميت جهنم لغلظ أمرها في العذاب. قوله: ((على حلمة ثدي أحدهم))، الحلمة، بفتح الحاء المهملة واللام: هو ما نشر من الثدي وطال، ويقال لها: قراد الصدر، وفي (المحكم): حلمتا الثديين: طرفاهما. وعن الأصمعي: هو رأس الثدي من المرأة والرجل. وفي هذا الحديث جواز استعمال الثدي للرجال وهو الصحيح، وقال العسكري في (الفصيح)؛ لا يقال ثدي إلاّ في المرأة، ويقال في الرجل تندوة، والثدي يذكر ويؤنث. قوله: ((من نغض كتفه))، بضم النون وسكون الغين المعجمة وفي آخره ضاد معجمة: وهو العظم الرقيق الذي على طرف الكتف، وقيل: هو أعلى الكتف، ويقال له أيضاً: الناغض. وفي (المخصص): النغض تحرك الغضروف، نغضت كتفه نغوضاً ونغاضاً ونغضاناً. ويقال: طعنه في نغض كتفه، ومرجع كتفه وهو حيث يتحرك الغضروف مما يلي إبطه في كتفه. وقال الأصمعي: قرع الكتف ما تحرك منها وعلا، والجمع فروع، ونغضها حيث يجيء فرعها، ويذهب. وقال أبو عبيدة: هو أعلى منقطع الغضروف من الكتف. وقيل: النغضان اللتان ينغضان من أسفل الكتف فيتحركان إذا مشى. وقال شمر: هو من الإنسان أصل العنق حيث ينغض رأسه، ونغض الكتف هو العظم الرقيق على طرفها. وقال الخطابي: نغض الكتف الشاخص من الكتف، سمي به لأنه يتحرك من الإنسان في مشيه. قوله: ((يتزلزل)) أي: يتحرك ويضطرب الرضف من نغض كتفه حتى يخرج من حلمة ثديه، وفي رواية الإسماعيلي: فيتجلجل بجيمين، وهو بمعنى الأول، وفي بعض النسخ حتى يخرج من حلمة ثدييه، بالتثنية في الثاني والإفراد في الأول. قوله: ((ثم ولى)) أي: أدبر فاتبعته حتى جلس إلى سارية)). قوله: ((وأنا لا أدري من هو))، وفي رواية مسلم زيادة من طريق خليد العصري عن الأحنف، وهي: ((فقلت: من هذا؟ قالوا: هذا أبو ذر، فقمت إليه فقلت: ما شيء سمعتك تقوله؟ قال: ما قلت إلاَّ شيئاً سمعته من نبيهم، عَّ ◌ُلِّ)). وفي هذه الزيادة رد لقول من يقول: إنه موقوف على أبي ذر، فلا يكون حجة على غيره. وفي (مسند أحمد) من طريق يزيد الباهلي: ((عن الأحنف: كنت بالمدينة فإذا أتا برجل يفر منه الناس حين يرونه، قلت: من أنت؟ قال: أبو ذر. قلت: ما نفر الناس منك؟ قال: إني أنهاهم عن الكنوز التي كان ينهاهم عنها رسول الله، عَ لَّه). قوله: قلت: بفتح التاء، خطاب لأبي ذر. قوله: ((قال)) أي: أبو ذر: ((إنهم لا يعقلون شيئاً)، فسر ذلك في الأخير بقوله: ((إنما ٣٨٢ ٢٤ - كِتَابُ الزكاة / باب (٤) يجمعون الدنيا))، فالذين يجمعون الدنيا لا يفهمون كلام من ينهاهم عن الكنوز. قوله: ((قال لي خليلي)) أراد به النبي عَ لِ حيث بينه بقوله، قال النبي عَ ◌ّم أي: قال أبو ذر: خليلي هو النبي عَّةٍ، وفاعل: قال، هو أبو ذر. وقوله: ((النبي)، خبر مبتدأ محذوف أي: هو النبي عَّه. قوله: ((يا أبا ذر))، تقديره: قال النبي عَِّ: يا أبا ذر، وعن هذا قال ابن بطال: سقط كلمة من الكتاب، وهي: فقال النبي عَ لَّه يا أبا ذر أتبصر أحداً؟ هو الجبل المعروف. وقال الكرماني: لفظ يا أبا ذر يتعلق بقوله: ((قال لي خليلي)). قلت: فعلى قوله لا يحتاج إلى تقدير. قوله: ((ما بقي من النهار))، أي: أي شيءٍ بقي من النهار. قوله: ((وأنا أرى))، أي: أظن. قوله: ((قلت: نعم))، جواب لقوله: ((أتبصر أُحُدا) قوله: ((مثل أحد)) إما خبر لأن، وإما حال مقدم على الخبر. وانتصاب ((ذهباً)) على التمييز. قوله: ((انفقه كله)) أي: كل مثل أحد ذهباً. وقال الكرماني: فإن قلت: الإنفاق في سبيل الله يستحسن، فلم ما أحبه رسول الله عَ له؟ قلت: المراد أنفقه لخاصة نفسه، أو المراد أنفقه في سبيل الله وعدم المحبة، إنما هو للاستثناء الذي فيه. أي: ما أحب إلاَّ إنفاق الكل. قوله: ((إلاَّ ثلاثة دنانير))، قال القرطبي: الدنانير الثلاثة المؤخرة: واحد لأهله وآخر لعتق رقبة وآخر لدين .. وقال الكرماني: يحتمل أن هذا المقدار كان ديناً أو مقدار كفاية إخراجات تلك الليلة لرسول الله، عَّله. قوله: ((وإن هؤلاء لا يعقلون))، عطف على: إنهم لا يعقلون شيئاً، وليس من تتمة كلام رسول الله عَّه، بل هو من كلام أبي ذر، وكرر للتأكيد ولربط ما بعده عليه. قوله: ((إنما يجمعون الدنيا)) قد قلنا: إن هذا بيان لقوله: ((إنهم لا يعقلون شيئاً)). قوله: ((لا أسألهم دنيا))، أي: لا أطمع في دنياهم. وفي رواية الإسماعيلي: ((قلت مالك لإخوانك من قريش لا تعتريهم ولا تصيب منهم، قال: وربك لا أسألهم دنيا ... )) إلى آخره. وفي رواية مسلم: ((لا أسألهم عن دنيا)). قال النووي: الأجود حذف: عن، كما في رواية للبخاري، ((ثم قال: لا أسألهم شيئاً من متاعها)). قوله: ((لا تعتريهم) أي: تأتيهم وتطلب منهم. قوله: ((ولا أستفتيهم عن دين))، أي: لا أسألهم عن أحكام الدين أي: أقنع بالبلغة من الدنيا وأرضى باليسير مما سمعت من العلم من رسول الله عليـ ذكر ما يستفاد منه: فيه: زهد أبي ذر، رضي الله تعالى عنه، وكان من مذهبه أنه يحرم على الإنسان ادخار ما زاد على حاجته. وفيه: أن أبا ذر ذهب إلى ما يقتضيه ظاهر لفظ: ﴿والذين يكنزون الذهب والفضة﴾ [التوبة: ٣٤]. إذ الكنز في اللغة: المال المدفون. سواء أديت زكاته أم لا. وفي قوله: ((إنما يجمعون الدنيا)) دليل على أن الكنز عنده جمع المال. وفيه: وعيد شديد لمن لا يؤدي زكاته. وفيه: تكنية الشارع لأصحابه، و: الذر، جمع ذرة وهي: النملة الصغيرة، وذكر أن أبا ذر لما أتى النبي عَُّلِّ ثم انصرف إلى قومه فأتاه بعد مدة فتوهم اسمه فقال: أنت أبو نملة. قال أبو ذر: يا رسول الله، بل أبو ذر. وقد ذكرنا أن اسمه جندب بن جنادة. وفيه: في قوله: أتبصر أحداً؟ إلى آخره، مثل لتعجيل الزكاة، يقول: ما أحب أن أحبس ما أوجبه الله بقدر ما بقي من النهار. وفيه: ما يشعر أنه معَّهِ كان يرسل ٣٨٣ ٢٤ - كِتَابُ الزكاة / باب (٥) أفاضل أصحابه في حاجته يفضلهم بذلك، لأنه يصير رسول رسول الله عَ ليه. وفيه: ما يشهد لما، قال سحنون: ترك الدنيا زهداً أفضل من كسبها من الحلال وإنفاقها في سبيل الله. وفيه: نفي العقل عن العقلاء. ٥ - بابُ إِنْفَاقِ المَالِ في حَقِّهِ أي: هذا باب في بيان إنفاق المال، أي: صرفه في حقه أي: في مصرفه الذي ليس فيه مؤاخذة عليه في الدنيا والآخرة. ١٤٠٩/١٣ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ المُثَنَّى قال حدَّثنا يَحْيَى عنْ إِسْمَاعِيلَ قال حدَّثني قَيْسٌ عنِ ابنِ مَشْعُودٍ رضي الله تعالى عنهُ، قال سَمِعْتُ النبيِّ عَِّ يَقُولُ لَ حَسَدَ إلاَّ فِي اقْتَتَيْنِ رَجُلِ آتَاهُ الله مالاً فَسَلَّطَهُ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الحَقِّ وَرَجُلٍ آتَاهُ اللهُ حِكْمَةً فَهْوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا. [أنظر الحديث ٧٣ وأطرافه]. مطابقته للترجمة في الشطر الأول منه لأنه يدل على الترغيب في إنفاق المال في حقه، والحديث قد مضى بعينه في كتاب العلم في: باب الاغتباط في العلم والحكمة، فإنه أخرجه هناك: عن الحميدي عن سفيان عن إسماعيل إلى آخره، وأخرجه هنا: عن محمد بن المثنى المعروف بالزمن البصري عن يحيى القطان عن إسماعيل بن أبي خالد، واسمه سعد الكوفي عن قيس بن أبي حازم واسمه عوف الأحمسي البجلي، قدم المدينة بعدما قبض النبي عَّ له، وقد ذكرنا هناك جميع ما يتعلق به، فلنذكر هنا شيئاً يسيراً. فقوله: ((لا حسد)) أي: لا غبطة، وقال ابن بطال: أي لا موضع للغبطة إلاَّ في هاتين الخصلتين فإن فيهما موضع التنافس. قوله: ((إلاَّ في اثنتين)) أي: خصلتين، ويروى: ((إلاَّ في اثنين))، أي: شيئين فى الخصال. ٦ - بابُ الرِّياءِ في الصَّدَقَةِ أي: هذا باب في بيان الرياء في الصدقة، الرياء: مصدر من راءيت الرجل مراآة ورياء أي: خلاف ما أنا عليه، ومنه قوله تعالى: ﴿الذين هم يراؤون﴾ [الماعون: ٦]. يعني: المنافقين إذا صلى المؤمنون صلوا معهم يراؤونهم أنهم على ما هم عليه، وفي (المغرب)؛ ومن رآآى رآآى الله به، أي: من عمل عملاً لكي يراه الناس شهر الله رياءه يوم القيامة. وراءيا بالياء خطاً، وقال الجوهري: فلان مراء وقوم مراؤون والاسم الرياء. يقال: فعل ذلك رياء وسمعة. وقال أبو حامد: الرياء مشتق من الرؤية وأصله طلب المنزلة في قلوب الناس بإراءتهم الخصال المحمودة، فحد الرياء هو إراءة العباد بطاعة الله تعالى، فالمرائي هو العابد، والمرائي له هو الناس والمراأى به هو الخصال الحميدة، والرياء هو قصد إظهار ذلك. ٣٨٤ ٢٤ - كِتَابُ الزكاة / باب (٦) لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بالمَنَّ وَالأَذَى﴾ إلَی قَوْلِهِ ﴿الكافِرِينَ﴾ [البقرة: ٤ علل الرياء في الصدقة بقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ [البقرة: ٢٦٤]. إلى آخره، فإن الله تعالى شبه الذي يبطل صدقته بالمن والأذى بالذي ينفق ماله رثاء الناس، ولا شك أن الذي يرائي في صدقته أسوأ حالاً من المتصدق بالمن، لأنه قد علم أن المشبه به يكون أقوى حالاً من المشبه، ولهذا قال في حق المرائي: ولا يؤمن بالله واليوم الآخر، ثم ضرب مثل ذلك المرائي بإنفاقه. بقوله: ﴿فمثله كمثل صفوان﴾ [البقرة: ٢٦٤]. إلى آخره ثم إن صدر الآية خطاب للمؤمنين خاطبهم بقوله: ﴿ولا تبطلوا صدقاتكم﴾ [البقرة: ٢٦٤]. أي: ثواب صدقاتكم وأجور نفقاتكم. وفي (صحيح مسلم) من حديث أبي ذر قال: قال رسول الله عَّهِ: ((ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: المنان بما أعطى، والمسبل إزاره، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب)). ولما خاطبهم بهذا الخطاب ونهاهم عن إبطال صدقاتهم بالمن والأذى شبه إبطالهم بإبطال المنافق الذي ينفق ماله رئاء الناس لا يريد بإنفاقه، رضى الله تعالى عنه ولا ثواب الآخرة، ثم مثل ذلك بصفوان، وهو الحجر الأملس عليه تراب فأصابه وابل، أي: مطر شديد عظيم القدر فتركه صلداً وهو الأملس الذي لا ينبث عليه شيء، ثم قال: لا يقدرون على شيء مما كسبوا أي: لا يجدون يوم القيامة ثواب شيء مما عملوا كما لا يحصل النبات من الأرض الصلدة، أو من التراب الذي على الصفوان، ثم قال: والله لا يهدي القوم الكافرين. أي: لا يخلق لهم الهداية ولا يهديهم غداً لطريق الجنة شبه الكافر بالصفوان وعمله بالتراب. وقال ابنُ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما: صَلْداً لَيْسَ عَليهِ شَيءٌ لما كان لفظ: صلداً، مذكوراً في الآية الكريمة علق تفسيره عن ابن عباس، وصله محمد بن جرير عن محمد بن سعد حدثني أبي، قال: حدثني عمر قال: حدثني أبي عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿فتركه صلداً ليس عليه شيء﴾ [البقرة: ٢٦٤]. وفي رواية: تركها نقية ليس عليها شيء، وقال ابن أبي حاتم في تفسيره: حدثنا أبو زرعة حدثنا منجاب بن الحارث أخبرنا بشر عن أبي روق عن الضحاك عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿فتركه صلداً﴾ [البقرة: ٢٦٤]. يقول: فتركه يابساً حاشياً لا ينبت شيئاً. وقال عِكْرِمَةُ وَابِلٌ مِطَرٌ شَدِيدٌ وَالطَّلُّ النَّدَى لما كان لفظ الوابل علق تفسيره عن عكرمة مولى ابن عباس، ووصله عبد بن حميد في (تفسيره): حدثنا روح عن عثمان بن غياث، سمعت عكرمة يقول: أصابها وابل مطر شديد، والطل: الندى، بفتح النون، وليس في الآية إلاَّ ذكر الصفوان والوابل. قال الطبري: الصفوان واحد وجمع، فمن جعله جمعاً قال: واحدته صفوانة بمنزلة: تمرة وتمر ونخل ونخلة، ومن جعله واحداً جمعه على صفوان وصفى وصفى. وفي (المحكم): الصفاة الحجر الصلد ٣٨٥ ٢٤ - كِتَابُ الزكاة / باب (٧) الضخم الذي لا ينبت شيئاً وجمع الصفاة صفوات وصفى، وجمع الجمع: أصفاء وصفي، قال: مواقع الطير على الصفى كأن منبته من الصفى كذا أنشده دريد لأن بعده: من طول إشرافي على الطرى وحكمنا: أن أصفاء وصفيا جمع: صفى لا جمع صفاة. لأن فعلة لا يكسر على فعول، إنما ذلك لفعلة كبدرة وبدور، وكذلك أصفاء جمع صفا، لا جمع صفاة، لأن فعلة لا تجمع على أفعال. وهو الصفواء كالصخراء واحدتها صفاة، وكذلك الصفوان واحدته صفوانة. وفي (الجمهرة): الصفا من الحجارة مقصور ويثنى صفوان، والصفواء صخرة وهي الصفوانة أيضاً. وفي (الجامع): عن قطرب، صفوان، بكسر الصاد، وقرأ سعيد بن المسيب: صفوان، بتحريك الفاء قاله الزمخشري. ٧ - بابٌ لاَ يَقْبَلُ الله صَدَقَةً مِنْ غُلُولٍ وَلاَ يَقْبَلُ إِلَّ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ لِقَوْلِهِ: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبِعُهَا أُذِى وَالله غَنِيٌّ حَلِيمٌ [البقرة: ٢٦٣]. أي: هذا باب ترجمته: لا يقبل الله صدقة من غلول، هكذا وقع في رواية المستملي، وفي رواية الأكثرين: باب لا تقبل صدقة من غلول. فقوله: لا تقبل، على صيغة المجهول، وهذا قطعة من حديث أخرجه مسلم من حديث مصعب ابن سعد، قال: دخل عبد الله بن عمر على ابن عامر يعوده وهو مريض، فقال: ألا تدعو الله لي يا بن عمر؟ فقال: إني سمعت رسول الله عٍَّ يقول: لا تقبل صلاة بغير طهور ولا صدقة من غلول، وكنت على البصرة. قلت: كأنه قاس الدعاء على الصلاة، فكما أن الصلاة لا تكون إلاَّ عن مصون من الأقذار، فكذلك الدعاء للمصون من تبعات الناس، وكنتّ على البصرة وتعلقت بك حقوق الناس، وكأنه، رضي الله تعالى عنه، قصد بهذا الزجر عليه والحث على التوبة. وأخرجه الحسن بنٍ سفيان في (مسنده) عن أبي كامل، أحد مشايخ مسلم، فيه بلفظ: ((لا يقبل الله صلاة إلاّ بطهور ولا صدقة من غلول)). وروى أبو داود في (سننه): حدثنا مسلم بن إبراهيم، قال: حدثنا شعبة عن قتادة عن أبي المليح عن أبيه عن النبي عَّهِ، قال: ((لا يقبل الله تعالى صدقة من غلول ولا صلاة بغير طهور)). لغلول: بضم الغين الخيانة في المغنم والسرقة من الغنيمة قبل القسمة، يقال: غل في المغنم يغل من باب ضرب يضرب غلولاً، فهو غال، كل من خان في شيء خفية فقد غل، وسميت غلولاً لأن الأيدي فيها مغلولة أي ممنوعة مجعول فيها غل وهو الحديدة التي تجمع يد الأسير إلى عنقه، ويقال لها: جامعة، أيضاً. وذكر ابن سيده أنه يقال: غل يغل غلولاً وأغل: خان، وخص بعضهم به أخون في الفيء وأغله خونه، والإغلال السرقة. قال ابن السكيت: لم يسمع في المغنم إلاَّ غل غلولاً. وفي (الصحاح): يقال من الخيانة: أغل يغل، ومن الحقد غل يغل ومن الغلول غل يغل بالضم. قوله: ((ولا عمدة القاري / ج٨ / ٢٥٣ ٣٨٦ ٢٤ - كِتَابُ الزكاة / باب (٨) صلاة)) نكرة في سياق النفي فتعم وتشمل سائر الصلوات من الفرض والنفل والطهور، بضم الطاء، والمراد به الفعل، وهو قول الأكثرين. وقد قيل: يجوز فتحها وهو بعمومه يتناول الماء والتراب. قوله: ((ولا يقبل إلاَّ مِن كسب طيب)) هذا في رواية المستملي وحده، وهو قطعة من حديث أبي هريرة الآتي بعد هذا. قوله: ((لقوله)) أي: لقول الله تعالى. قال الكرماني: فإن قلت: ما وجه تعليله بقوله تعالى: ﴿ومغفرة خير من صدقة﴾ [البقرة: ٢٦٣]. قلت: تلك الصدقة يتبعها الأذى يوم القيامة بسبب الخيانة، ونقل عن بعضهم وجه مطابقة الترجمة للآية: أن الأذى بعد الصدقة يبطلها، فكيف بالأذى المقارن لها؟ وذلك أن الغال متصدق بمال مغصوب، والغاصب مؤذ لصاحب المال عاص بتصرفه فيه، فكان أولى بالإبطال. وقال ابن المنير. فإن قلت: ما وجه الجمع بين الترجمة والآية؟ وهلا ذكر قوله تعالى: ﴿أنفقوا من طيبات ما كسبتم﴾ [البقرة: ٢٦٧]. قال: قلت: جرى على عادته في إيثار الاستنباط الخفي والاتكال في الاستدلال الجلي على سبق الأفهام له، ووجه الاستنباط له يحتمل أن الآية لها إثبات الصدقةُ غير أن الصدقة لما تبعها سيئة الأذى بطلت، فالغلول غصب إذاً فيقارن الصدقة فتبطل بطريق الأولى. قوله: ﴿قول معروف﴾ [البقرة: ٢٦٣]. أي: كلام حسن ورد جميل على السائل، وقيل: دعاء صالح يدعو له. وارتفاع: قول، على الابتداء وإن كان نكرة لأنه يخصص بالصفة. وقوله: ﴿خير﴾ [البقرة: ٢٦٣]. وقوله: ﴿ومغفرة﴾ [البقرة: ٢٦٣]. أي: ستر وتجاوز من السائل إذا استطال عليه: ﴿خير من صدقة يتبعها أذى﴾ [البقرة: ٢٦٣]. بمنة. وقيل: مغفرة، أي: عفو عن ظلم قولي أو فعلي خير من صدقة يتبعها أذى. وقال الضحاك: يقول: أن تمسك مالك خير من أن تنفقه ثم تتبعه مناً وأذى. ويقال: لما علم الله أن الفقير إذا رد بغير نوال يشق عليه، وربما يدعو عليه ببسط اللسان وإظهار الشكوى حث على الصفح والعفو. ثم قال: ﴿والله غني﴾ [البقرة: ٢٦٣]. عن صدقة العباد، ولو شاء لأغنى جميع الخلق، ولكنه أعطى الأغنياء لينظر كيف شكرهم، وابتلى الفقراء لينظر كيف صبرهم: ﴿حليم﴾ [البقرة: ٢٦٣]. لا يعجل بالعقوبة. وقال الزمخشري: غني لا حاجة به إلى منفق من ويؤذي، حليم عن معالجته بالعقوبة، وهذا سخط منه ووعيد له. والله أعلم. : ٨ - بابُ الصَّدَقَةِ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ أي: هذا باب في بيان أن الصدقة لا تقبل إلا من كسب طيب، ويجوز إضافة لفظ: باب، إلى ما بعده، ويجوز قطعه عن الإضافة، وعلى تقدير القطع يكون التقدير: هذا باب يذكر فيه الصدقة من كسب طيب، يعني: تقبل الصدقة الحاصلة من كسب طيب، أو التقدير: الصدقة إنما تقبل من كسب طيب. فلفظ: الصدقة، مرفوع بالابتداء. وفي الوجه الأول، مجرور بالإضافة، ولما ذكر في الباب الأول في الترجمة قوله: ولا تقبل إلاَّ من كسب طيب، تعرض إلى بيان الكسب الطيب بهذه الترجمة التي لم تقع في الكتاب إلاّ في رواية المستملي وابن شبويه والكشميهني. ٣٨٧ ٢٤ - كِتابُ الزكاة / باب (٨) لِقَوْلِهِ ﴿ويُزْبِيِ الصَّدَقَاتِ والله لاَ يُحِبُّ كلَّ كَفَّارِ أثِيمٍ* إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ لَهُمْ أجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُون﴾ [البقرة: ٢٧٦ و٢٧٧]. علل كون الصدقة من كسب طيب، بقوله تعالى: ﴿ويربي الصدقات﴾ [البقرة: ٢٧٦]. أي: يزيد فيها ويبارك في الدنيا ويضاعف الثواب في الآخرة، والكسب الطيب هو من الحلال قال تعالى: ﴿أنفقوا من طيبات ما كسبتم﴾ [البقرة: ٢٦٧]. ﴿وكلوا من طيبات ما رزقناكم﴾ [البقرة: ٥٧ و١٧٢، طه: ٨١]. وإنما لا يقبل الله المال الحرام لأنه غير مملوك للمتصدق، وهو ممنوع من التصرف فيه، والتصدق به تصرف فيه، فلو قبلت لزم أن يكون مأموراً به ومنهياً عنه من وجه واحد، وذلك محال. فإن قلت: قوله: ﴿ويربي الصدقات﴾ [البقرة: ٢٧٦]. لفظ عام لما يكون من الكسب الطيب ومن غيره، فكيف يدل على الترجمة؟ قلت: هو مقيد بالصدقات التي من المال الحلال بقرينة السياق نحو: ﴿ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون﴾ [البقرة: ٢٦٧]. قلت: قوله تعالى: ﴿يمحق الله الربا﴾ [البقرة: ٢٧٦]. أقرب للاستدلال على ما ذكره من قوله: ﴿ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون﴾ [البقرة: ٢٦٧]. لأن الله تعالى أخبر في هذه الآية الكريمة أنه يمحق الربا، أي: يذهبه إما بأن يذهب بالكلية من يد صاحبه أو يحرمه بركة ماله، فلا ينتفع به بل يعذبه به في الدنيا ويعاقبه عليه يوم القيامة. وروى الإمام أحمد في (مسنده) فقال: حدثنا حجاج حدثنا شريك عن الركين بن الربيع عن أبيه عن ابن مسعود عن النبي عَّم قال: الربا وإن كثر فإن عاقبته تصير إلى قل، وهذا من باب المعاملة بنقيض المقصود، ثم إن الله تعالى لما أخبر بأنه يمحق الربا لأنه حرام، أخبر أنه يربي الصدقات التي من الكسب الحلال. وفي (الصحيح) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله عَّهِ: ((من تصدق بعدل تمرة .. )) الحديث، على ما يأتي عن قريب، إن شاء الله تعالى. ولما قرن بين قوله: ﴿يمحق الله الربا﴾ [البقرة: ٢٧٦]. وبين قوله: ﴿ويربي الصدقات﴾ [البقرة: ٢٧٦]. بواو العطف علم أن إرباء الصدقات إنما يكون إذا كانت من الكسب الحلال بقرينة محقه الربا لكونه حراماً. قوله: ﴿والله لا يحب كل كفار أثيم﴾ [البقرة: ٢٧٦]. أي: لا يحب كفور القلب أثيم القول والفعل، ولا بد من مناسبة في ختم هذه الآية بهذه الصفة، وهي أن المرابي لا يرضى بما قسم الله له من الحلال، ولا يكتفي بما شرع له من التكسب المباح، فهو يسعى في أكل أموال الناس بالباطل بأنواع المكاسب . الخبيثة، فهو جحود لما عليه من النعمة، ظلوم آثم بأكل أموال الناس بالباطل، ثم قال تعالى، وتقدس، مادحاً للمؤمنين بربهم المطيعين أمره المؤدين شكره المحسنين إلى خلقه في إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، مخبراً عما أعدلهم من الكرامة وأنهم يوم القيامة آمنون من التبعات فقال: ﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة لهم أجرهم عند ربهم ولا ٣٨٨ ٢٤ - كِتَابُ الزكاة / باب (٨) خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾ [البقرة: ٧٧]. أي: لا خوف عليهم عند الموت، ولا هم يحزنون يوم القيامة. ١٤ /١٤١٠ _ حدَّثنا عَبْدُ اللهِ بنُ مُنِيرٍ سَمِعَ أبا النَّضْرِ قال حدَّثنا عَبْدُ الرَّحْمنِ هُوَ ابنُ عَبْدِ اللهِ بنِ دِينَارٍ عنْ أَبِيهِ عنْ أبِي صالِحِ عِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ. قال قال رسولُ اللهِ عَ لَّ مَنْ تَصَدَّقَ بِعَدْلِ تَمْرَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ وَلاَ يَقْبَلُ الله إِلاَّ الطَّيِّبَ وَإِنَّ الله يَتَقَبَّلُهَا بِيَمِينِهِ ثُمَّ يُرَبِّيهَا لِصَاحِبِهَا كَما يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلْوَهُ حَتَّى تَكُونَ مِثْلِ الجَبَلِ. [الحديث ١٤١٠ - طرفه في: ٧٤٣٠]. مطابقته للترجمة في قوله: ((من كسب طيب)). ذكر رجاله: وهم ستة: الأول: عبد الله بن منير، بضم الميم وكسر النون، مر في: باب الغسل والوضوء في المخضب. الثاني: أبو النضر، بفتح النون وسكون الضاد المعجمة: اسمه سالم بن أبي أمية مولى عمر بن عبيد الله بن معمر القريشي التيمي. الثالث: عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار مولى عبد الله بن عمر مر في: باب المسح على الخفين. الرابع: أبوه عبد الله بن دينار. الخامس: أبو صالح ذكوان الزيات السمان. السادس: أبو هريرة، رضي الله تعالى عنه. ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: السماع. وفيه: العنعنة في ثلاثة مواضع. وفيه: أن رواته كلهم مدنيون. وفيه: رواية الابن عن الأب. وفيه: اثنان مذكوران بالكنية. وفيه: رواية التابعي عن التابعي عن الصحابي. ذكر من أخرجه غيره: أخرجه مسلم في الزكاة أيضاً عن أحمد بن عثمان بن حكيم عن خالد بن مخلد به. ذكر معناه: قوله: ((بعدل تمرة))، بكسر العين: هو ما عادل الشيء من غير جنسه، وبالفتح ما عادله من جنسه. تقول: عندي عدل دراهمك من الثياب وعدل دراهمك من الدراهم. وقال البصريون: العَدل والعدل لغتان. وقال الخطابي: بعدل تمرة أي: قيمة تمرة. يقال: هذا عدله، بفتح العين، أي مثله في القيمة، وبكسرها أي مثله في المنظر. وزعم ابن قتيبة: أن العدل، بالفتح: المثل واحتج بقوله تعالى: ﴿أو عدل ذلك صياماً﴾ [المائدة: ٩٥]. والعدل، بالكسر: القيمة، وزعم ابن التين أنه على هذا جماعة من أهل اللغة، وفي (المحكم): العدل والعديل والعدل: النظير، والمثل. وقيل: هو المثل وليس بالنظير عينه، والجمع أعدال وعدلاء. وقيل: ضبط ههنا بالفتح عند الأكثرين. قوله: ((من كسب طيب)) أي: حلال، وهي صفة مميزة لعدل تمرة ليمتاز الكسب الخبيث الحرام. قوله: ((ولا يقبل الله إلا الطيب)) جملة معترضة واردة على سبيل الحصر بين الشرط والجزاء تأكيداً وتقريراً للمطلوب في النفقة، وفي رواية سليمان بن بلال الآتي ذكرها: ((ولا يصعد إلى الله إلاّ الطيب))، وزاد سهيل في روايته الآتي ذكرها. ((فيضعها في حقها)). قوله: ((بيمينه))، قال الخطابي: جرى ذكر اليمين ٣٨٩ ٢٤ - كِتَابُ الزكاة / باب (٨) ليدل به على حسن القبول، لأن في عرف الناس أن أيمانهم مرصدة لما عز من الأمور، وقيل: المراد سرعة القبول. وقال الطيبي: ولما قيد الكسب بالطيب أتبعه اليمين لمناسبة بينهما في الشرف، ومن ثمة كانت يده اليمنى عَّ للطهور، وفي رواية سهيل: إلاَّ أخذها بيمينه، وفي رواية مسلم بن أبي مريم الآتي ذكرها: فيقبضها، وفي حديث عائشة عند البزار: ((فيتلقاها الرحمن بيده))، ويقال: لما كانت الشمال عادة تنقص عن اليمين بطشاً وقوة عرفنا الشارع بقوله: وكلتا يديه يمين، فانتفى النقص تعالى عنه، والجارحة على الرب محال. قوله: ((فلوه))، بفتح الفاء وضم اللام وتشديد الواو: وهو المهر لأنه يعلى أي: يعظم والأنثى: فلوة، مثال عدوة، والجمع: أفلاء، مثل: أعداء. وقال الداودي: يقال للمهر: فلو، وللجحش: ولد الحمار فلوة بكسر الفاء، وقال الجوهري: عن أبي زيد: إذا فتحت الفاء شددت الواو، وإذا كسرت خففت، فقلت: فلو مثل جرو. وفي (المخصص): إذا بلغ سنة، يعني: ولد الجحش، فهو فلو، وعن سيبويه: والجمع أفلاء، ولم يكسر على فعل كراهية الإخلال، ولا كسروه على فعلان كراهية الكسرة قبل الواو، وإن كان بينهما حاجز، لأن الساكن ليس بحاجز حصين، وعن الأعرابي: الفلو كالتلو، وخص أبو عبيد به فلو الأتان والجمع كالجمع إلاَّ أنه لا يحوج إلى الاعتذار من فعلان. وقد فلى مهره إذا فصله من أمه، وأفلاه. وعن ابن السكيت: فلوته عن أمه وافتليته: فصلته عنها، وعن ابن دريد: فلوت المهر: نحيته. وعن أبي عبيد: فلوت المهر عن أمه فهو فلو، وفرس مفل ومفلية ذات فلو. وفي (المحكم): فلوت الصبي والمهر والجحش فلواً. وفي (الجامع): زاد القزاز: الجمع أفلاء وفلاء. وقول العامة: فلو، خطأ، وجمع الفلوة: فلاوي: مثل: خطايا. وفي (المنتخب) لكراع، يصف أولاد الخيل ولا يقع عليه اسم الفلو حتى يفتلى من أمه، أي: يفطم ثم هو فلو حتى يحول عليه الحول، ثم هو حولي حتى يتجاذع. وفي (المغيث) لأبي موسى: والجمع فلو، بضم الفاء. وفي (كتاب الفرق) لأبي حاتم السجستاني: قالوا في ولد الخيل العراب والبراذين للذكران: مهر، وللأنثى: مهرة، فإذا كانت له سبعة أشهر أو ثمانية يقال له: الخروف، والجمع: خرف. فإذا كانت له سنة فهو: فلو والأنثى فلوة. ولا يقال: فلو ولا فلوة، كما يقول من لا يعلم من العوام، وقد أولعوا بذلك. وفى (كتاب الوحوش): يقال لولد الحمار: مهر وتولب وتالب، وهي المهار والفلاء. قال: وحمر الوحوش على هذه الصفة. وقوله: ((كما يربى أحدكم فلوه)) ضرب المثل لأنه يزيد زيادة بينة، فكذلك الصدقة نتاج العمل فإذا كانت من حلال لا يزال نظر الله إليها حتى تنتهي بالتضعيف إلى أن تصير التمرة كالجبل، وهو معنى قوله: ((حتى تكون مثل الجبل)). قال الداودي: أي: كمن تصدق بمثل الجبل، وتربية الصدقات مضاعفة الأجر عليها وإن أريد به الزيادة في كمية عينها ليكون أثقل في الميزان لم ينكر ذلك. وفي رواية مسلم، رحمه الله تعالى، من طريق سعيد بن يسار عن أبي هريرة، رضي الله تعالى عنه: حتى تكون أعظم من الجبل. وفي رواية ابن جرير من وجه آخر عن القاسم: حتى يوافي بها يوم القيامة وهي أعظم من أحد. وفي رواية القاسم عند ٣٩٠ ٢٤ - كِتَابُ الزكاة / باب (٨) الترمذي بلفظ: ((حتى إن اللقمة لتصير مثل أحد)). تابَعَهُ سُلَيْمَانُ عنِ ابنِ دِينَارٍ أي: تابع عبد الرحمن سليمان بن بلال عن عبد الله بن دينار عن أبي صالح عن أبي هريرة، رضي الله تعالى عنه، هذه المتابعة ذكرها البخاري في التوحيد، وقال: خالد بن مخلد عن سليمان بن بلال عن عبد الله بن دينار، فساق مثله إلاّ أن فيه مخالفة في اللفظ يسيرة، وقد وصله أبو عوانة والجوزقي من طريق محمد بن معاذ بن يوسف عن خالد بن مخلد بهذا الإسناد، وقال مسلم: حدثنا يزيد، يعني ابن زريع، قال: حدثنا روح بن القاسم، وحدثنيه أحمد بن عثمان الأودي، قال: حدثنا خالد بن مخلد، قال: حدثني سليمان يعني ابن بلال، كلاهما عن سهيل بهذا الإسناد من حديث روح: من الكسب الطيب فيضعها في حقها، وفي حديث سليمان: فيضعها في موضعها. وقال وَزْقَاءُ عنِ ابنِ دِينَارٍ عنْ سَعِيدِ بنِ يَسَارٍ عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنه عن النبيِّ عَّ}. أي: قال ورقاء بن عمر بن كليب اليشكري : عن عبد الله بن دينار عن سعيد بن يسار، بفتح الياء آخر الحروف والبيين المهملة، وورقاء هذا قد خالف سليمان حيث جعل شيخ ابن دينار فيه: سعيد بن يسار بدل أبي صالح، وقال الداودي: هذا وهم لتوارد الرواة عن أبي صالح دون سعيد بن يسار، وفيه نظر لأنه محفوظ عن سعيد بن يسار من وجه آخر كما أخرجه مسلم، قال: حدثنا قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا ليث عن سعيد بن أبي سعيد عن يسار أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله عَّالله: ((ما تصدق أحد بصدقة من طيب - ولا يقبل الله إلاَّ الطَّيِّب - إلاَّ أخذها الرحمن بيمينه وإن كانت تمرة فتربو في كف الرحمن حتى تكون أعظم من الجبل كما يربي أحدكم فلوه أو فصيله)). وأخرجه الترمذي أيضاً عن قتيبة إلى آخره نحوه، ورواه النسائي أيضاً عن قتيبة، ورواه ابن ماجه عن عيسى بن حماد عن الليث، وقال بعضهم: ولم أقف على رواية ورقاء هذه موصولة. قلت: قد وصلها البيهقي في (سننه) من رواية أبي النضر هاشم بن القاسم: حدثنا ورقاء، وقال شيخنا زين الدين، ورويناه أيضاً في الجزء الرابع من (فوائد أبي بكر الشافعي) قال: حدثنا محمد - يعني: ابن غالب: حدثنا عبد الصمد حدثنا ورقاء. ورَوَاهُ مُسْلِمُ بِنُ أَبِي مَرْيَمَ وَرَئِدُ بنُ أسْلَمَ وَسُهَيْلٌ عن أبِي صالِحٍ عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنه عن النبيِّ عَ لَّه أي: روى الحديث المذكور مسلم بن أبي مريم السلمي المدني، ووصل يوسف بن يعقوب القاضي في كتاب الزكاة رواية مسلم هذه، قال: حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي ٣٩١ ٢٤ - كِتَابُ الزكاة / باب (٩) حدثنا سعيد بن سلمة هو ابن أبي الحسام عنه به. قوله: ((وزيد بن أسلم))، عطف على مسلم، ووصل روايته مسلم، وقال: حدثنا أبو الطاهر، وقال: أخبرنا عبد الله بن وهب قال: أخبرني هشام بن سعيد عن زيد بن أسلم عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي عَ ◌ّه نحو حديث يعقوب عن سهيل، ونذكره الآن. قوله: ((وسهيل))، عطف على زيد بن أسلم، ووصل روايته أيضاً مسلم، وقال: حدثنا قتيبة بن سعيد قال: حدثنا يعقوب يعني: ابن عبد الرحمن القاري، عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله عَّلَّم قال: ((لا يتصدق أحد بتمرة من كسب طيب إلاَّ أخذها الله بيمينه يربيها كما يربي أحدكم فلوه أو قلوصه حتى تكون مثل الجبل أو أعظم)). وقال الكرماني: فإن قلت: لِمَ قال أولاً تابعه، وثانياً: قال ورقاء، وثالثاً: قال رواه، مع أن الثالث أيضاً فيه متابعة، لأن الثلاثة تابعوا ابن دينار في الرواية عن أبي صالح؟ قلت: الأول: متابعة لأن اللفظ فيه بعينه لفظه، والثالث: رواية لا متابعة لاختلاف اللفظ وإن اتحد المعنى فيهما. والثاني: لما لم يكن على سبيل النقل والرواية، بل على سبيل المذاكرة، قال بلفظ القول. ٩ - بابُ الصَّدَقَةِ قَبْلَ الرَّدٌ أي: هذا باب في التحريض على إعطاء الصدقة قبل رد من يتصدق عليه بها، والمقصود من هذه الترجمة المسارعة إلى الصدقة والتحذير عن تسويفها، لأن التسويف قد يكون ذريعة إلى أن لا يجد من يقبلها. وقد أخبر الشارع أنه سيقع فقد الفقراء المحتاجين إلى الصدقة ويخرج الغني صدقته فلا يجد من يقبلها، كما يأتي في حديث الباب ((يقول الرجل: لو جئت بها بالأمس لقبلتها، فأما اليوم فلا حاجة لي فيها)). ١٤١١/١٥ _ حدّثنا آدَمُ قال حدَّثنا شُعْبَةُ قال حدَّثنا مَعْبَدُ بنُ خَالِدٍ قال سَمِعْتُ حَارِثَةَ ابن وَهْبٍ قال سَمِعْتُ النبيَّ عَّهِ يَقُولُ تصَّدَّقُوا فإنَّهُ يأتي عَلَيْكُمْ زَمانٌ يَمْشِي الرَّجُلُ بِصَدَقَتِهِ فَلاَ يَجِدُ مَنْ يَقْبَلُهَا يَقُولُ الرَّجُلُ لَوْ جِئْتَ بِهَا بِالأَمْسِ لَقَبِلْتُهَا فأمَّا اليَوْمَ فَلاَ حاجَةَ لِي بِهَا. [الحديث ١٤١١ - طرفاه في: ١٤٢٤، ٧١٢٠]. مطابقته للترجمة ظاهرة. ذكر رجاله: وهم أربعة: آدم بن أبي إياس، وشعبة بن الحجاج، ومعبد، بفتح الميم وسكون العين المهملة وفتح الباء الموحدة وفي آخره دال مهملة: ابن خالد الجدلي، بالجيم والدال المهملة المفتوحتين: الكوفي القاص، بتشديد الصاد: العابد وكان من القانتين، مات سنة ثمان عشرة ومائة، وحارثة، بالحاء المهملة وبكسر الراء وفتح الثاء المثلثة: ابن وهب الخزاعي أخو عبيد الله بن عمر بن الخطاب لأمه، له صحبة، يعد في الكوفيين. ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع. وفيه: السماع في موضعين، وفيه: القول في موضعين. وفيه: أن شيخه من أفراده وأنه عسقلاني وشعبة واسطي ومعبد كوفي والحديث من الرباعيات. ٣٩٢ ٢٤ - كِتَابُ الزكاة / باب (٩) ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً عن علي بن الجعد، وأخرجه في الفتن عن مسدد عن يحيى بن سعيد. وأخرجه مسلم في الزكاة عن أبي بكر بن أبي شيبة ومحمد بن عبيد الله بن نمير. قوله: ((يقول الرجل)) أي: الرجل الذي يريد المتصدق أن يعطيه إياها. قوله: ((فلا حاجة لي به))، وفي رواية الكشميهني: فيها. وقال بعضهم: والظاهر أن ذلك يقع في زمان كثرة المال وفيضه قرب الساعة. قلت: هذا كلام ابن بطال، ولكنه غير متبع لأن الظاهر أن ذلك يقع في زمان تظهر كنوز الأرض الذي هو من جملة أشراط الساعة. وفيه: حث على الصدقة والترغيب ما وجد أهلها المستحقون لها خشية أن يأتي الزمن الذي لا يوجد فيه من يأخذها، وهو الزمان الذي ذكرناه آنفاً. ١٦/ ١٤١٢ _ حدَّثنا أبو اليَمانِ قال أخبرنا شُعَيْبٌ قال حدَّثنا أبُو الزِّنادِ عنْ عَبْدِ الرَّحْمِنِ عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ قال قال النبيُّ عَلَّه لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَكْثُرَ المَالُ فَيَفِيضُ حَتَّى يُهِمَّ رَبَّ المَالِ مَنْ يَقْبَلُ صَدَقَتَهُ وَحَتَّى يَعْرِضَهُ فَيَقُولَ الَّذِي يَعْرِضُهُ لا أُرَبَ لِي فِيهِ. [أنظر الحديث ٨٥ وأطرافه]. مطابقته للترجمة ظاهرة. ورجاله قد ذكروا غير مرة، وأبو اليمان الحكم بن نافع، وشعيب بن أبي حمزة الحمصي، وأبو الزناد، بالزاي والنون: ذكوان، وعبد الرحمن بن هرمز الأعرج. قوله: ((فيفيض)، من فاض الإناء إذا امتلأ، وأفاضه ملأه، واشتقاقه من الفيض. وفي (المغرب): فاض الماء إذا انصب على امتلائه، وأفاض الماء صبه عن كثرة. قوله: ((حتى يهم)) بفتح الياء وضم الهاء من: الهم، بفتح الهاء، وهو ما يشغل القلب من أمر يهم به. قوله: ((ب المال))، منصوب لأنه مفعول يهم. وقوله: ((من يقبل)) فاعله من: همه الشيء أحزنه، ويروى: يهم، بضم الياء وكسر الهاء من: أهمه الأمر إذا أقلقه، فعلى هذا أيضاً الإعراب مثل الأول، لأن كلا من: يهم، بفتح الياء، و: يهم، بضمها، متعدٍ. يقال: همه الأمر وأهمه، وقال النووي، رحمه الله تعالى في (شرح مسلم) رضي الله تعالى عنه: ضبطوه بوجهين أشهرهما بضم أوله وكسر الهاء، و: رب المال، مفعول، والفاعل: من يقبل أي يحزنه، والثاني بفتح أوله وضم الهاء، ورب المال فاعل، و: من مفعوله أي: يقصد. انتهى. قلت: فهم من ذلك أنهم فرقوا بين البابين، فجعلوا الأول متعدياً من الإهمام والثاني متعدياً من الهم بمعنى القصد، فجعلوا رب المال مفعولاً في الأول، وفاعلاً في الثاني. قوله: ((لا أرب لي فيه))، أي: لا حاجة لي فيه، وهو بفتحتين لا غير. وقال الكرماني: كأنه سقط كلمة: فيه، من الكتاب؟ قلت: السقط كأنه كان في نسخته، وهو موجود في النسخ. وقال أيضاً: وقد وجدت في أيام الصحابة هذه الحال، كانت تعرض عليهم الصدقة فيأبون قبولها. قلت: كان هذا لزهدهم وإعراضهم عن الدنيا ولم يكن لفيض من المال، وكانوا يعرضون ٣٩٣ ٢٤ - كِتَابُ الزكاة / باب (٩) عنها مع قلة المال وكثرة الاحتياج. ١٤١٣/١٧ - حدثنا عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ قال حدَّثنا أبو عاصِم النَّبيلُ قال أخبرنا سَعْدَانُ بنُ بِشْرٍ قال حدَّثنا أبُو مُجَاهِدٍ قال حدَّثنا مُحِلُّ بنُ خَلِيفَةَ الطَّائِيّ قال سَمِعْتُ عَدِيَّ ابن حاتم رضي الله تعالى عنهُ يَقُولُ كُنْتُ عِنْدَ رَسولِ اللهِ عَ لَّهِ فَجَاءَهُ رَجُلاَنِ أحَدُهُمَا يَشْكُو العَيْلَةَ وَالآخَرُ يَشْكُو قَطْعَ الشَّبِيلِ فقالٍ رسولُ اللهِ عَ لَّهِ أَمَّا قَطْعُ السَّبِيلِ فإِنَّهُ لاَ يَأْتِي عَلَيْكَ إِلَّ قَلِيلٌ حَتَّى تَخْرُجَ العِيرُ إِلَّى مَكْةَ بِغَيْرٍ خَفِيرٍ وأمَّا العَيْلَةُ فإنَّ السَّاعَةَ لاَ تَقُومُ حَتَّى يَطُوفَ أحَدُكُمْ بِصَدَقَتِهِ لاَ يَجِدُ مَنْ يَقْبَلُهَا مِنْهُ ثُمَّ لَيَقِفَنَّ أحَدُكُمْ بَينَ يَدَىِ الله لَيْسَ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ حِجَابٌ وَلاَ تَرْجُمَانٌ يُتَرْجِمُ لَهُ ثُمَّ لَيَقُولَنَّ لَهُ أَلَمْ أُوتِكَ مالاً فَلَيَقُولَنَّ بَلَى ثُمَّ لَيَقُولَ أَلَمْ أُرْسِلْ إِلَيْكَ رَسولاً فَلَيَقُولَنَّ بَّلِى فَيَنظُرُ عَنْ يِيْنِهِ فَلاَ يَرَى إلاَّ النَّارَ ثُمَّ يَنْظُرُ عِنْ شِمَالِهِ فَلاَ يَرَى إِلاَّ النَّارَ فَلْيَتَّقِيَنَّ أحَدُكُمْ النَّارَ وَلَوْ بِشِقٌ تَخْرَةٍ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَبِكَلِمَةٍ طَيَِّةٍ. [الحديث ١٤١٣ - أطرافه في: ١٤١٧، ٣٥٩٥، ٦٠٢٣، ٦٥٣٩، ٦٥٤٠، ٦٥٦٣، ٧٤٤٣، ٧٥١٢]. مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: ((فإن الساعة لا تقوم حتى يطوف أحدكم بصدقته لا يجد من يقبلها منه)). ذكر رجاله: وهم ستة: الأول: عبد الله بن محمد بن عبد الله بن جعفر الجعفي المعروف بالمسندي، وقد مر. الثاني: أبو عاصم الضحاك بن مخلد الملقب بالنبيل، وقد تكرر ذكره. الثالث: سعدان بن بشر، بكسر الباء الموحدة وسكون الشين المعجمة: الجهني. الرابع: أبو مجاهد اسمه سعد الطائي. الخامس: محل، بضم الميم وكسر الحاء المهملة وتشديد اللام: ابن خليفة الطائي. السادس: عدي بن حاتم الطائي. ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في أربعة مواضع. وفيه: الإخبار بصيغة الجمع في موضع واحد. وفيه: السماع. وفيه: القول في موضعين. وفيه: أن شيخه بخاري ومن أفراده. وفيه: أن شيخ شيخه، شيخه أيضاً، لأنه روى عنه وأنه بصري وأن سعدان من أفراده وأنه كوفي وأن لفظ: سعدان، لقبه واسمه سعد، وأن أبا مجاهد أيضاً من أفراده وأنه طائي وأن محل بن خليفة كوفي وأنه من أفراده. قال الكرماني: وجده عدي بن حاتم، ثم قال: وفي الإسناد ثلاثة طائيون. ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في علامات النبوة عن محمد بن الحكم عن النضر بن شميل. وأخرجه النسائي في الزكاة عن نضر بن علي الجهضمي مختصراً. ذكر معناه: قوله: ((يشكو العيلة))، بفتح العين المهملة أي: الفقر من عال، إذا افتقر. قال الجوهري: يقال: عال يعيل عيلة وعيولاً إذا افتقر. قال تعالى: ﴿وإن خفتم عيلة﴾ [التوبة: ٢٨]. وهو عائل وقوم عيلة، وترك أولاده يتامى عيلى، أي: فقراء، وذكره في الأجوف اليائي. ٣٩٤ ٢٤ - كِتَابُ الزكاة / باب (٩) وأما: عال عياله عولاً وعيالة أي: قاتهم ومانهم وأنفق عليهم فهو من الأجوف الواوي. وقال ابن قرقول: وأصله من العول وهو القوت. ومنه قوله: ((وابدأ بمن تعول)) أي: بمن تقوت. قوله: ((قطع السبيل)) هو من فساد السراق واللصوص، كذا قاله الكرماني، وفيه نظر، لأن قطع السبيل لا يكون إلاَّ من قطاع الطريق جهراً، والسارق لا يأخذ جهراً، وكذلك اللص قوله: ((العير))، بكسر العين المهملة وسكون الياء آخر الحروف: الإبل التي تحمل الميرة، وفي (المطالع): العير القافلة، وهي الإبل والدواب تحمل الطعام وغيره من التجارة، ولا تسمى عيراً إلاّ إذا كانت كذلك، وقال ابن الأثير: العير الإبل بأحمالها، فعل من عار يعير إذا سار. وقيل: هي قافلة الحمير فكثرت حتى سميت بها كل قافلة كأنها جمع عير، وكان قياسها أن يكون: فعلاً، بالضم، كسقف في سقف إلاَّ أنه حوفظ على الياء بالكسرة نحو: عين. قوله: ((خفير))، بفتح الخاء المعجمة وكسر الفاء: وهو المجير الذي يكون القوم في ضمانه وذمته. وقال الكرماني: والمراد منه: حتى تخرج القافلة من الشام والعراق ونحوهما إلى مكة بغير البدرقة. وفي (الصحاح): خفرت الرجل أخفره، بالكسر خفراً إذا آجرته وكنت له خفيراً تمنعه. قال الأصمعي: وكذلك خفرته تخفيراً وأخفرته: إذا نقضت عهده وغدرت به. قوله: ((بين يدي الله)) هو من المتشابهات، والإمة في أمثالها كاليمين ونحوه طائفتان: المفوضة والمؤولة بما يناسبها. قوله: ((ولا ترجمان))، بضم التاء وفتحها والجيم مضمومة فيهما، والتاء فيه أصلية. وقال الجوهري: زائدة. وقال: هو نحو الزعفران، فالجيم مفتوحة، هذا على جهة التمثيل ليفهم الخطاب أن الله تعالى لا يحيط به شيء ولا يحجبه حجاب، وإنما يستتر الله تعالى عن أبصارنا بما وضع فيها من الحجب للعجز عن الإدراك في الدنيا فإذا كان يوم القيامة كشف تلك الحجب عن أبصارنا وقواها حتى نراه معاينة كما نرى القمر ليلة البدر، كما ثبت في الأحاديث الصحاح. قوله: ((فليتقين)) أمر مؤكد بالنون الثقيلة دخلت عليه اللام. قوله: (ولو بشق تمرة))، بكسر الشين، معناه: لا تحقروا شيئاً من المعروف، ولو كان بشق تمرة أي: بنصفها. قوله: ((فإن لم يجد)) أي: فإن لم يجد أحدكم شيئاً يتصدق به على المحتاج فليرد بكلمة طيبة، وهي التي فيها تطييب قلبه، فدل على أن الكلمة الطيبة يتقي بها كما أن الكلمة الخبيثة مستوجب بها النار. وفيه: حث على الصدقة، وأن لا يحقر شيئاً من الخير قولاً وفعلاً وإن قلَّ. ١٨/ ١٤١٤ _ حدّثني مُحَمَّدُ بنُ العَلاَءِ قال حدَّثنا أبُو أُسَامَةَ عِنْ بُرْدَةَ عنْ أبِي مُوسى رضي الله تعالى عنهُ عنِ النَّبِيِّ عَ لِ قَال ◌َيَأْتِيَنَّ عَلَى النَّاسِ زَمانٌ يَطُوفُ الرَّجُلُ فِيهِ بِالصَّدَقَةِ مِنَ الذَّهَبِ ثُمَّ لاَ يَجد أَحَداً يَأْخُذُهَا مِنْهُ وَيُرَى الرَّجُلُ الوَاحِدُ يَتْبَعُهُ أَرْبَعُونَ امْرَأةً يَلُذْنَ بِهِ من قِلَّةِ الرِّجَالِ وكَثْرَةِ النِّسَاءِ. مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: ((ليأتين على الناس زمان يطوف الرجل فيه بالصدقة من الذهب ثم لا يجد أحداً يأخذها منه)). ٣٩٥ ٢٤ - كِتَابُ الزكاة / باب (١٠) ذكر رجاله: وهم خمسة: الأول: محمد بن العلاء أبو كريب، مات سنة ثمان وأربعين ومائتين. الثاني: أبو أسامة حماد بن أسامة الليثي. الثالث: بريد، بضم الباء الموحدة وفتح الراء وسكون الياء آخر الحروف: بن عبد الله بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري. الرابع: أبو بردة، بضم الباء الموحدة: اسمه عامر، وقيل: الحارث بن أبي موسى الأشعري. الخامس: أبو موسى الأشعري، واسمه: عبد الله بن قيس، رضي الله تعالى عنه. ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الإفراد عن شيخه، وقيل بصيغة الجمع وبصيغته أيضاً في موضع واحد. وفيه: العنعنة في أربعة مواضع. وفيه: أن رواته كلهم كوفيون. وفيه: رواية الراوي عن جده ورواية الإبن عن أبيه. وفيه: ثلاثة مكيون. والحديث أخرجه مسلم أيضاً بإسناد البخاري. قوله: ((من الذهب))، خص بالذكر مبالغة في عدم من يقبل الصدقة لأن الذهب أعز المعدنيات وأشرف الأموال، فإذا لم يوجد من يأخذ هذا ففي غيره بالطريق الأولى. قوله: ((ويرى الرجل)) على صيغة المجهول. قوله: ((يتبعه))، جملة في محل النصب على الحال. قوله: ((يلذن))، بضم اللام وسكون الذال المعجمة أي: يلتجئن إليه ويرغبن فيه، من لاذ به يلوذ لياذاً إذا التجأ إليه وانضم واستغاث، هذا - والله أعلم - يكون عند ظهور الفتن وكثرة القتل في الناس، قال الداودي: ليس فيهن قيم غيره، وهذا يحتمل أن يكن نساؤه وجواريه وذوات محارمه وقراباته، وهذا كله من أشراط الساعة. وفيه: الإعلام بما يكون بعده من كثرة الأموال حتى لا يجد من يقبلها وأن ذلك بعد قتل عيسى، عليه الصلاة والسلام، الدجال والكفار، فلم يبق بأرض الإسلام كافر، وتنزل إذ ذاك بركات السماء إلى الأرض والناس إذ ذاك قليلون لا يدخرون شيئاً لعلمهم بقرب الساعة، وتربي الأرض إذ ذاك بركاتها حتى تشبع الرمانة أهل البيت، وتلقى الأرض أفلاذ كبدها وهو ما دفنته ملوك العجم كسرى وغيره ويكثر المال حتى لا يتنافس فيه الناس. قال الكرماني: فإن قلت: تقدم في: باب رفع العلم أنه يكون لخمسين امرأة القيم الواحد؟ قلت: التخصيص بعدد الأربعين لا يدل على نفي الزائد. قلت: المذكور في: باب رفع العلم وظهور الجهل، حديث أنس، رضي الله تعالى عنه أن من أشراط الساعة أن يقل العلم ويظهر الجهل، ويظهر الزنا وتكثر النساء ويقل الرجال حتى يكون لخمسين امرأة القيم الواحد. ١٠ - بابٌّ اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقٌّ ثَمْرَةٍ أي: هذا باب ترجمته: اتقوا النار ولو بشق تمرة، وهذا لفظ الحديث على ما يأتي إن شاء الله تعالى، وجمع في هذا الباب بين لفظ الخبر والآية لاشتمالها على الحث والتحريض على الصدقة، قليلاً كانت أو كثيراً. وَالْقَلِيلِ مِنَ الصَّدَقَّةِ والقليل بالجر عطف على قوله: ((بشق تمرة))، من عطف العام على الخاص، والتقدير: ٣٩٦ ٢٤ - كِتَابُ الزكاة / باب (١٠) اتقوا النار ولو بالقليل من الصدقة والقليل يشمل شق التمرة وغيره. ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَّهُمْ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ الله وَتَشْبِيتَاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٦٥]. الآية وَإِلَى قَوْلِهِ ﴿وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ [البقرة: ٢٦٦]. ذكر هذه الآية الكريمة لاشتمالها على قليل النفقة وكثيرها. لأن قوله: ﴿أموالهم﴾ [البقرة: ٢٦٥]. يتناول القليل والكثير، وفيها حث على الصدقة مطلقاً، فذكرها يناسب التبويب، وهذا مثل للمؤمنين الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضاة الله عنهم، والابتغاء: الطلب. قوله: ﴿وتثبيتاً﴾ [البقرة: ٢٦٥]. عطف على ﴿ابتغاء مرضاة الله﴾ [البقرة: ٢٦٥]. والتقدير: مبتغين ومتثبتين من أنفسهم بالإخلاص، وذلك ببذل المال الذي هو شقيق الروح، وبذله أشق شيء على النفس على سائر العبادات الشاقة، وكأن إنفاق المال تثبيتاً لها على الإيمان واليقين. وقال الزمخشري: ويحتمل أن يكون المعنى: وتثبيتاً من أنفسهم عند المؤمنين أنها صادقة الإيمان مخلصة فيه، وتعضده قراءة مجاهد: وتثبتاً من أنفسهم. وقال الشعبي: تثبيتاً من أنفسهم أي: تصديقاً أن الله سيجزيهم على ذلك أوفر الجزاء، وكذا قاله قتادة وأبو صالح وابن زيد. وقال مجاهد والحسن: أي يثبتون أين يضعون صدقاتهم. وقال الحسن: كان الرجل إذا هم بصدقة تثبت، فإن كان لله أمضى وإلاَّ ترك. قوله: ((الآية)) أي إلى آخر الآية. وهو قوله: ﴿كمثل حبة بربوة أصابها وابل فآتت أكلها ضعفين فإن لم يصبها وابل فطل والله بما تعملون بصير﴾ [البقر: ٢٦٥]. قوله: ﴿كمثل حبة﴾ [البقرة: ٢٦٥]. خبر المبتدأ أعني قوله: ﴿مثل الذين ينفقون﴾ [البقرة: ٢٦٥]. أي: كمثل بستان كائن بربوة، وهي عند كل الجمهور: المكان المرتفع المستوي من الأرض، وزاد ابن عباس والضحاك: وتجري فيه الأنهار. قال ابن جرير: وفي الربوة ثلاث لغات من ثلاث قرآآت، بضم الراء وبها قرأ عامة أهل المدينة والحجاز والعراق، وفتحها، وهي قراءة بعض أهل الشام والكوفة، ويقال إنها لغة بني تميم، وكسر الراء ويذكر أنها قراءة ابن عباس. وإنما سميت بذلك لأنها ربت وغلظت من قولهم: ربا الشيء يربو إذا زاد وانتفخ. وإنما خص الربوة لأن شجرها أزكى وأحسن ثمراً. قوله: ﴿أصابها وابل﴾ [البقرة: ٢٦٥]. أي: مطر عظيم القطر شديد، وهي في محل الجر لأنها صفة ربوة. قوله: ﴿فآتت أكلها﴾ [البقرة: ٢٦٥]. أي: ثمرها: ﴿ضعفين﴾ [البقرة: ٢٦٥]. أي: مثلي ما كانت تثمر بسبب الوابل، ويقال: أي مضاعفاً تحمل من السنة ما يحمل غيرها من السنتين. قوله: ﴿فإن لم يصبها﴾ [البقرة: ٢٦٥]. أي: تلك الجنة التي بالربوة ﴿وابلٌ فطلٌ﴾ [البقرة: ٢٦٥]. أي: فالذي يصيبها طلّ وهو أضعف المطر. وقال الزجاج: هو المطر الدائم الصغار القطر الذي لا يكاد يسيل منه المثاعب، وقيل: الطل هو الندى: وقال زيد بن أسلم: هي أرض مصر، فإن لم يصبها وابل زكت وإن أصابها أضعفت، أي: هذه الجنة بهذه الربوة لا تمحل أبداً لأنها إن لم يصبها وابل فطلٌّ أياً ما كان، فهو كفايتها، وكذلك عمل ٣٩٧ ٢٤ - كِتَابُ الزكاة / باب (١٠) المؤمنين لا يبور أبداً بل يتقبله الله منه ويكثره وينميه لكل عامل بحسبه، ولهذا قال: ﴿واللَّه بما تعملون بصير﴾ [البقرة: ٢٦٥]. أي: لا يخفى عليه من أعمال عباده شيء. قوله: ((وإلى قوله: ﴿من كل الثمرات﴾ [البقرة: ٢٦٦]. إلى آخره، وهو قوله تعالى: ﴿أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب تجري من تحتها الأنهار له فيها من كل الثمرات﴾ [البقرة: ٢٦٦]. روى ابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس، قال: ضرب الله مثلاً حسناً، وكل أمثاله حسن، قال: ﴿أيود أحد كم .. ﴾ [البقرة: ٢٦٦]. إلى آخره، وقال بعض المفسرين. قوله: ﴿أيود أحدكم﴾ [البقرة: ٢٦٦]. متصل بقوله: ﴿لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى﴾ [البقرة: ٢٦٤]. وإنما قال: ﴿جنة من نخيل وأعناب﴾ [البقرة: ٢٦٦]. لأن النخيل والأعناب لما كانت من أكرم الشجر وأكثرها منافع خصهما بالذكر، ولفظ: نخيل: جمع نادر، وقيل: هو جنس، وتمام الآية: ﴿وأصابه الكبر وله ذرية ضعفاء فأصابها إعصار فيه نار فاحترقت، كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون﴾ [البقرة: ٢٦٦]. قال الزمخشري: الهمزة في: أيود، للإنكار. قوله: ﴿وأصابه الكبر﴾ [البقرة: ٢٦٦]. الواو فيه للحال: ﴿وله ذرية ضعفاء﴾ [البقرة: ٢٦٦]. وقرىء: ضعاف. قوله: ﴿إِعصار﴾ [البقرة: ٢٦٦]. هو الريح التي تستدير في الأرض ثم تسطع نحو السماء كالعمود، وهذا مثل لمن يعمل الأعمال الحسنة لا يبتغي بها وجه الله، فإذا كان يوم القيامة وجدها محبطة فيتحسر عند ذلك حسرة من كانت له جنة من أبهى الجنان وأجمعها للثمار، فبلغ الكبر وله أولاد ضعاف والجنة معاشهم ومنتعشهم، فهلكت بالصاعقة. قوله: ﴿كذلك يبين الله لكم الآيات﴾ [البقرة: ٢٦٦]. يعني: كما بين هذه الأمثال: ﴿لعلكم تتفكرون﴾ [البقرة: ٢٦٦]. بهذه الأمثال وتعتبرون بها وتنزلونها على المراد منها، كما قال تعالى: ﴿وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلاَّ العالمون﴾ [العنكبوت: ٤٣]. ١٤١٥/١٩ _ حدَّثنا عُبَيْدُ الله بنُ سَعِيدٍ قال حدَّثنا أَبُو النُّعْمَانِ الحَكَمُ هُوَ ابنُ عَبْد الله البَصَرِيُّ قال حدَّثنا شُغْبَةُ عنْ سُلَيْمَانَ عنْ أبِي وَائِلٍ عنْ أبي مَسْعُودٍ رضي الله تعالى عنهُ. قال لَهَا نَزَّلَتْ آيَةُ الصَّدَقَةِ كُنَّا نُحَامِلُ فَجَاءَ رَجُلٌ فَتَصَدَّقَ بِشَيْءٍ كَثِيرٍ فقالُوا مُرَّائِي وَجاءَ رَجُلٌ فَتَصَدَّقَ بِصَاع فقالُوا إِنَّ الله لَغَنِيٌّ عنْ صاعٍ لهذا فَنَزَلَتْ: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ المُطَوَّعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينِ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُّونَ إِلاَّ ◌ُجُهْدَهُمْ﴾ [التوبة: ٧٩]. الآية. [الحديث ١٤١٥ - أطرافه في: ١٤١٦، ٢٢٧٢، ٤٦٦٨، ٤٦٦٩]. مطابقته للترجمة من حيث إن الله لما أنزل آية الصدقة حث النبي عَّ لله أصحابه عليها، فمنهم من تصدق بكثير ومنهم من تصدق بقليل، حتى إن منهم من يعمل بالأجرة فيتصدق منه، كما فهم ذلك من الحديث، والترجمة أيضاً تدل على الحث على الصدقة، وإن كانت شق تمرة. ذكر رجاله: وهم ستة: الأول: عبيد الله بن سعيد بن يحيى بن برد، بضم الباء الموحدة: أبو قدامة، بضم القاف وتخفيف الدال: اليشكري، مات سنة إحدى وأربعين ٣٩٨ ٢٤ - كِتَابُ الزكاة / باب (١٠) ومائتين. الثاني: أبو النعمان الحكم، بالحاء والكاف المفتوحتين: ابن عبد الله الأنصاري. الثالث: شعبة بن الحجاج. الرابع: سليمان بن مهران الأعمش، الخامس: أبو وائل شقيق بن سلمة. السادس: أبو مسعود، واسمه: عقبة الأنصاري البدري، وقد مر. ذكر. لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع. وفيه: العنعنة في ثلاثة مواضع. وفيه: القول في موضع واحد. وفيه: ثلاثة مذكورون بالكنى. وفيه: اثنان مجردان عن النسبة. وفيه: رواية التابعي عن التابعي عن الصحابي. ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في التفسير عن بشر بن خالد عن غندر، وفي الزكاة أيضاً عن سعيد بن يحيى بن سعيد، وفي التفسير أيضاً عن إسحاق بن إبراهيم. وأخرجه مسلم في الزكاة عن يحيى بن معين وبشر بن خالد وعن بندار وعن إسحاف بن منصور، وأخرجُه النسائي فيه عن بشر بن خالد، وفي التفسير أيضاً عنه، وفي الزكاة أيضاً عن الحسين بن حريث، وأخرجه ابن ماجه في الزهد عن محمد بن عبد الله ابن نمير وأبي كريب، كلاهما عن أبي أسامة في معناه. ذكر معناه: قوله: ((لما نزلت آية الصدقة))، وهي قوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة) الآية. قوله: ((كنا نحامل))، جواب لما معناه كنا نتكلف الحمل بالأجرة لنكتسب ما نتصدق به وفي رواية لمسلم ((كنا نحامل على ظهورنا)) معناه نحمل على ظهورنا بالأجرة ونتصدق من تلك الأجرة أو نتصدق بها كلها (فإن قلت) نحامل من باب المفاعلة وهي لا تكون إلا بين اثنين (قلت) قد يجيء هذا الباب بمعنى فعل كما في قوله تعالى ﴿وسارعوا إلى مغفرة﴾ أي اسرعوا ونحامل كذلك بمعنى نحمل وقال صاحب التلويح. قوله: ((نحامل))، قال ابن سيده تحامل في الأمر تكلفه على مشقة وإعياء تحامل عليه كلفه ما لا يطيق وفيه نظر لأن هذا المعنى لا يناسب ههنا وفيه التحريض على الاعتناء بالصدقة وأنه إذا لم يكن له مال يتوصل إلى تحصيل ما يتصدق به من حمل بالأجرة أو غيره من الأسباب المباحة. قوله: ((فجاء رجل فتصدق بشيء كثير))، هو عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه والشيء الكثير كان ثمانية آلاف أو أربعة آلاف وفي أسباب النزول للواحدي حث رسول الله عَ لٍ على الصدقة فجاء عبد الرحمن بن عوف بأربعة آلاف درهم شطر ماله يومئذ وتصدق يومئذ عاصم بن عدي بن عجلان بمائة وسق من تمر وجاء أبو عقيل بصاع من تمر فلمزهم المنافقون فنزلت هذه الآية ﴿الذين يلمزون المطوعين﴾ وقال السهيلي في كتابه (التعريف والأعلام): أبو عقيل اسمه حبحاب، أحد بني أنيف، وقيل: الملموز رفاعة بن سهيل، وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد حدثنا الجريري عن أبي السليل قال: وقف علينا رجل في مجلسنا بالبقيع، فقال: حدثني أبي أو عمي أنه رأى رسول الله عَ لَه بالبقيع وهو يقول: من تصدق بصدقة أشهد له بها يوم القيامة؟ قال: فحللت من عمامتي لوثاً أو لوثين وأنا أريد أن أتصدق بهما، فأدركني ما يدرك ابن آدم، فعقدت على عمامتي، فجاء رجل لم أر بالبقيع رجلاً أشد سواداً منه بيعير ساقه، لم أر بالبقيع ناقة أحسن منها، فقال: يا رسول الله أصدقة؟ قال: نعم. قال: دونك هذه الناقة، ٣٩٩ ٢٤ - كِتَابُ الزكاة / باب (١٠) قال: فلمزه رجل، فقال: هذا يتصدق بهذه؟ فوالله لهي خير منه. قال، فسمعها رسول الله عَّلِ، فقال: كذبت، بل هو خير منك ومنها، ثلاث مرات. ثم قال: ويل لأصحاب المئين من الإبل، ثلاثاً. قالوا: إلاَّ من يا رسول الله؟ قال: إلاَّ من قال بالمال هكذا وهكذا، وجمع بين كفيه عن يمينه وعن شماله، ثم قال: قد أفلح المزهد المجهد، ثلاثاً المزهد في العيش والمجهد في العبادة، وقال علي بن أبي طلحة: عن ابن عباس في هذه الآية، قال: جاء عبد الرحمن بن عوف بأربعين أوقية من ذهب إلى رسول الله عَّةٍ، وجاء رجلٍ من الأنصار بصاع من طعام، فقال بعض المنافقين: والله ما جاء عبد الرحمن بما جاء به إلاّ رياءً. وقال: إن الله ورسوله لغنيان عن هذا الصاع، وقال ابن جرير: حدثنا ابن وكيع حدثنا زيد بن الحباب عن موسى بن عبيدة حدثني خالد بن يسار عن ابن أبي عقيل عن أبيه، قال: بت أجر الجريد على ظهري على صاعين من تمر، فانقلبت بأحدهما إلى أهلي يبلغون به، وجئت بالآخر أتقرب إلى رسول الله عَّ له، وأتيت رسول الله عَ ليه فأخبرته، فقال: انثره في الصدقة. قال: فسخر القوم، وقال: لقد كان الله غنياً عن صدقة هذا المسكين. فأنزل الله: ﴿الذين يلمزون المطوعين﴾ [التوبة: ٧٩]. الآية. قوله: ((وجاء رجل))، هو أبو عقيل، بفتح العين، وقد ذكرنا اسمه آنفاً. قوله: فنزلت ﴿الذين يلمزون﴾ [التوبة: ٧٩]. نصب بالذم، أو رفع على الذم، أو جر بدلاً من الضمير في ﴿سرهم ونجواهم﴾ [التوبة: ٧٨]. قوله: ﴿المطوعين﴾ [التوبة: ٧٩]. أصله: المتطوعين، فأبدلت التاء طاء وأدغمت الطاء في الطاء، أي: المتبرعين، وزعم أبو إسحاق أن الرواية عن ثعلب بتخفيف الطاء وتشديد الواو، وقال: هذا غير جيد، والصحيح تشديدها، وأنكر ذلك ثعلب عليه وقال: إنما هو بالتشديد. قوله: ﴿والذين لا يجدون إلا جهدهم﴾ [التوبة: ٧٩]. قال أهل اللغة: الجهد، بالضم، الطاقة، و: الجهد، بالنصب: المشقة. وقال الشعبي: الجهد هو القدرة والجهد في العمل. وتمام الآية قوله: ﴿فيسخرون منهم سخر الله منهم ولهم عذاب أليم﴾ [التوبة: ٧٩]. أي: يستهزؤون بهم: ﴿سخر الله منهم﴾ [التوبة: ٧٩]. يعني: يجازيهم جزاء سخريتهم. وهذا من باب المقابلة على سوء صنيعهم واستهزائهم بالمؤمنين، لأن الجزاء من جنس العمل. ﴿ولهم عذاب أليم﴾ [التوبة: ٧٩]. يعني: وجيع دائم. ٢٠/ ١٤١٦ - حدّثنا سَعِيدُ بنُ يَحْيَى قال حدثنا أبي قال حدَّثنا الأعْمَشُ عنْ شقِيقٍ عنْ أبِي مَسْعُودٍ الأنْصَارِي رضي الله تعالى عنهُ. قال كانَ رسولُ اللهِ عَّ ◌ُلّ إذَا أمَرَنَا بِالصَّدَقَةِ انْطَلَقَ أَحَدُنَا إِلَى السُّوقِ فَتَحَامَلَ فَيُصِيبُ المُدَّ وَإِنَّ لِبَعْضِهِمْ اليَوْمَ لِمَائَةَ أَلْفٍ. [أنظر الحديث ١٤١٥ وأطرافه]. مطابقته للترجمة في قوله: ((إذا أمرنا بالصدقة))، والترجمة فيها الأمر بالصدقة. ورجاله: سعيد بن يحيى بن سعيد أبو عثمان البغدادي، وأبوه يحيى بن سعيد بن أبان ابن سعيد بن العاص، والأعمش سليمان، وشقيق أبو وائل، وقد تقدم عن قريب، وقد ذكرنا ٤٠٠ ٢٤ - كِتَابُ الزكاة / باب (١٠) عند الحديث السابق أن البخاري أخرج هذا الحديث في مواضع. قوله: ((فتحامل))، على وزن: تفاعل، صيغة ماض، وقد ذكرنا معناه عن قريب، ويروى: ((يحامل))، على لفظ المضارع من المفاعلة، والأول من التفاعل. فافهم. قوله: ((المد))، بضم الميم وتشديد الدال، وهو رطل وثلث، سمي به لأنه ملء كفي الإنسان إذا مدهما. قوله: ((وإن لبعضهم اليوم لمائة ألف))، لفظ: مائة، اسم إن وخبره قوله: ((لبعضهم))، واليوم: ظرف، ومميز الألف: الدرهم أو الدينار، أو المد. قال التيمي: والمقصود وصف شدة الزمان في أيام رسول الله عَّةٍ وكثرة الفتوح والأموال في أيام الصحابة، رضي الله تعالى عنهم. ٢١ / ١٤١٧ - حدّثنا سُلَيْمَانُ بنُ حَرْبٍ قال حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ أبِي إسْحَاقَ قال سَمِعْتُ عَبْدَ الله بنَ مَعْقِلٍ، قال سَمِعْتْ عَدِيَّ بنَ حاتِمٍ رضي الله تعالى عنهُ قال سَمِعْتُ رسولَ الله سَلِّ يَقُولُ اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقٌ ثَمْرَةٍ. [أنظر الحَديث ١٤١٣ وأطرافه]. الترجمة هي عين الحديث، ولا مطابقة أكثر من هذا. ذكر رجاله: وهم خمسة: الأول: سليمان بن حرب أبو أيوب الواشجي، وراشج حي من الأزد. الثاني: شعبة بن الحجاج. الثالث: أبو إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي. الرابع: عبد الله بن مغفل، بفتح الميم وسكون العين المهملة وكسر القاف وباللام: أبو الوليد المزني. الخامس: عدي بن حاتم الطائي. ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: العنعنة في موضع واحد. وفيه: السماع في ثلاثة مواضع. وفيه: القول في ثلاثة مواضع. وفيه: أن شيخه بصري قاضي مكة وشعبة واسطي وأبو إسحاق وعبد الله كوفیان. والحديث أخرجه مسلم أيضاً في الزكاة عن عوف بن سلام الكوفي عن زهير بن معاوية عن أبي إسحاق، وفي الباب عن فضالة عن عبيد مرفوعاً: ((اجعلوا بينكم وبين النار حجاباً ولو بشق تمرة))، رواه الطبراني وعن ابن مسعود، رضي الله تعالى عنه، مرفوعاً بإسناد صحيح: ((ليتق أحدكم وجهه النار ولو بشق تمرة)). رواه أحمد: وعن عائشة، رضي الله تعالى عنها، بإسناد حسن: ((يا عائشة استتري من النار ولو بشق تمرة فإنها تسد من الجائع مسدها من الشبعان)). رواه أحمد أيضاً، وعن أبي بكر الصديق، رضي الله تعالى عنه، نحوه، وأتم منه بلفظ: ((تقع من الجائع موقعها من الشبعان))، رواه أبو يعلى الموصلي، وعن أنس يرفعه: ((افتدوا من النار ولو بشق تمرة))، رواه ابن خزيمة، وعن ابن عباس يرفعه: ((اتقوا النار ولو بشق تمرة))، رواه ابن خزيمة أيضاً، وعن أبي هريرة مثله بإسناد جيد، رواه ابن أبي الدنيا في (فضل الصدقة). ٢٢ /١٤١٨ - حدّثنا بِشْرُ بنُ مُحَمَّدٍ قال أخبرنا عَبْدُ الله قال أخبرنا مَعْمَرٌ عنُّ الزُّهْرِيِّ قال حدَّثني عَبْدُ اللهِ بنُ أبِي بَكْرٍ بنِ حَزْمٍ عنْ عُزْوَةَ عنْ عَائِشَةَ رضي الله تعالى عنها قالَتْ دَخَلَتْ امْرَأَةٌ مَعَها ابْتَتَانٍ لَهَا تَسْألُ فَلَّمْ تَجِدُ عِنْدِي شَيْئاً غَيْرَ تْرَةٍ فَأَعْطَيْتُهَا إِيَّاهَا فَقَسَمَتْهَا بَيْنَ