Indexed OCR Text

Pages 361-380

٣٦١
٢٤ - كِتَابُ الزكاة / باب (٣)
ويؤتى بصاحب البقر إذا لم يكن يؤدي حقها فتمشي عليه بقاع تطؤه بأظلافها وتنطحه
بقرونها، ويؤتى بصاحب الغنم إذا لم يكن يؤدي حقها فتمشي عليه بقاع فتنطحه بقرونها
وتطؤه بأظلافها ليس فيها جماء ولا مكسورة القرن، ويؤتى بصاحب الكنز فيمثل له شجاع
أقرع فلا يجد شيئاً فيدخل يده في فيه)). وفي إسناده أبو حذيفة، فإن كان هو صاحب كتاب
المنتقى فهو متروك، واسمه إسحاق بن بشير. قوله: ((تأتي الإبل)) الإبل اسم الجمع وهو
مؤنث وكذلك الغنم، قوله: ((على صاحبها)) قال بلفظ: على، بياناً لاستعلائها وتسلطها عليه.
قوله: ((على خيرِ ما كانت))، يعني: في القوة والسمن ليكون أشد لفعلها، وفي رواية الترمذي
عن أبي ذر: ((إلاّ جاءت يوم القيامة أعظم ما كانت وأسمنه))، أي: أعظم ما كانت عند الذي
منع زكاتها، لأنها قد تكون عنده على حالات مرة هزيلة ومرة سمينة ومرة صغيرة ومرة
كبيرة، فأخبر النبي عَّ أنها تأتي على أعظم أحوالها عند صاحبها، وفي رواية أبي داود: ((إلاّ
جاءت يوم القيامة أوفر ما كانت))، أي: أحسن ما كانت من السمن وصلاح الحال. قوله:
((فتطؤه بأخفافها))، سقطت الواو من: تطؤ، عند بعض النحويين الشذوذ هذا الفعل من بين
نظائره في التعدي، لأن الفعل إذا كان فاؤه: واواً، وكان على: فعل، بكسر العين كان غير
متعد غير هذا الحرف، وآخر وهو: وسع، فلما شذا دون نظائرهما أعطيا هذا الحكم وقيل:
إن أصله: توطىء، بكسر الطاء فسقطت لوقوعها بين ياء وكسرة، ثم فتحت الطاء لأجل
الهمزة، و:الأخفاف، جمع: خف البعير، والخف من الإبل بمنزلة الظلف للغنم والقدم للآدمي
والحافر للحمار والبغل والفرس، والظلف للبقر والغنم والظبا وكل حافر منشق منقسم فهو
ظلف، وقد استعير الظلف للفرس.
:
قوله: ((وتنطحه)) قال شيخنا زين الدين، رحمه الله: المشهور في الرواية: تنطحه،
بكسر الطاء وفيه لغتان حكاهما الجوهري: الفتح والكسر، فالكسر هو الأصح وماضيه مخفف
وقد يشدد ولا يختص بالكبش كما ادعاه ابن بل يستعمل في الثور وغيره. قوله: ((ومن حقها
أن تحلب على الماء)) أي لتسقي ألبانها أبناء السبيل والمساكين الذين ينزلون على الماء،
ولأن فيه الرفق على الماشية لأنه أهون لها وأوسع عليها. وقال ابن بطال: يريد حق الكرم
والمواساة وشريف الأخلاق لا أن ذلك فرض. وقال أيضاً: كانت عادة العرب التصدق باللبن
على الماء. فكان الضعفاء يرصدون ذلك منهم. قال: والحق حقان فرض عين وغيره، فالحلب
من الحقوق التي هي من مكارم الأخلاق. وقال إسماعيل القاضي: الحق المفترض هو
الموصوف المحدود، وقد تحدث أمور لا تحد فتجب فيها المواساة للضرورة التي تنزل من
ضيف مضطر أو جائع أو عار أو ميت ليس له من يواريه، فيجب حينئذ على من يمكنه
المواساة التي تزول بها هذه الضرورات. قال ابن التين: وقيل: كان هذا قبل فرض الزكاة،
وفي (التلويح): وفي: باب الشرب، من كتاب البخاري من روى: يجلب، بالجيم أراد يجلب
لموضع سقيها فيأتيها المصدق، قال: ولو كان كما قال لقال: أن يجلب إلى الماء، ولم
يقل: على الماء. انتهى.

٣٦٢
٢٤ - كِتَابُ الزكاة / باب (٣)
قلت: رأي الكوفيين أن حروف الجر ينوب بعضها عن بعض، ويجوز أن يكون: على، بمعنى:
إلى. وفي (المطالع): ذكر الداودي أنه يروى: يجلب، بالجيم وفسره بالجلب إلى المصدق.
قوله: ((لها يعار))، بضم الياء آخر الحروف وبالعين المهملة، كذا في هذه الرواية. وقال في
(المطالع): في باب منع الزكاة: لها ثعار، بالثاء المثلثة عند أبي أحمد، وعند أبي زيد: تعار -
أو يعار - على الشك، وعند غيرهما بالغين المعجمة. وفي: باب الغلول: شاة لها ثغاء أو يعار،
والثغاء للضأن واليعار للمعز. وفي (المحكم): اليعار صوت الغنم، وقيل: صوت المعز، وقيل:
هو الشديد من أصوات الشاء يعرت تيعر وتيعر، الفتح عن كراع. وقال القزاز: اليعار ليس
بشيء إنما هو الثغاء، وهو صوت الشاة، ويجوز أن يكون كتب الحرف بالهمزة أمام الألف
فظنت راء. وقال صاحب (الأفعال): اليعور الشاة التي تبول على محلبها فيفسد اللبن. قوله:
((لا أملك لك)) أي: للتخفيف عنك، وقد بلغت إليك حكم الله. قوله: ((ببعير)) البعير يقع على
الذكر والأنثى من الإبل، ويجمع على أبعرة وبعران. قوله: ((رغاء)) أي: للبعير رغاء، بضم الراء
وبالغين المعجمة، والرغاء للإبل خاصة، وباب الأصوات يجيء في الغالب على: فعال،
كالبكاء، وعلى: فعيل كالصهيل، وعلى: فعللة كالحمحمة.
ذكر ما يستفاد منه: فيه: ما يدل على وجوب الزكاة في الإبل والبقر والغنم، وأما
كيفية مقدارها في كل صنف ففي أحاديث أخرى. وفيه: ما استدل بعضهم أن الحق غير
الزكاة باق في ألبان الماشية وأثمار الأشجار للفقراء وأبناء السبيل. وقالوا: قد عاب الله تعالى
قوماً أخفوا جذاذهم في قوله: ﴿ليصر منها مصبحين﴾ [القلم: ١٧]. أرادوا: أن لا يصيب
المسلمين منها شيء وقيل في قوله تعالى: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾ [الأنعام: ١٤١]. نحواً
من هذا، وأنه باق مع الزكاة، ويحكى هذا عن الشعبي والحسن وعطاء وطاوس وعن أبي
هريرة: حق الإبل أن تنحر السمينة وتمنح العزيزة ويفقد الظهر وتطرق الفحل وتسقى اللبن،
ومذهب أكثر العلماء أن هذا على الندب والمواساة. وفيه: ما يدل على أن الله تعالى يبعث
الإبل والبقر والغنم التي منعت زكاتها بعينها ليعذب بها مانعها، كما صرح به في الحديث.
وأما المال الذي ليس بحيوان الذي منع فيه الزكاة فإنه يمثل له يوم القيامة شجاعاً أقرع، على
ما يجيء عن قريب، ويحتمل أن عين ماله ينقلب ثعباناً يعذب به صاحبه ولا ينكر قلب
الأعيان في الآخرة.
١٤٠٣/٩ _ حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ اللهِ قال حدَّثنا هاشِمُ بنُ القَاسِمْ قال حدَّثنا عَبْدُ
الرَّحْمنِ بنُ عَبْدِ اللهِ بنِ دِينَارِ عنْ أَبِيهِ عنْ أبِي صالِحِ السَّمَّانِ عنْ أبي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى
عنهُ. قال قال رسولُ الله عَُّلِّ مَنْ آتَاهُ الله فَلَمْ يُؤَدِّ زْكاتَهُ مُثُلَ لَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ شُجَاعاً أَقْرَعَ لَهُ
زَبِيبَتَانِ يُطَوَّقُهُ ثُمَّ يَأْخِذْ بِلِهْزِمَتَيْهِ يَغْنِي شِدْقَيْهِ ثُمَّ يَقُولُ أَنَا مالُكَ أَنَا كَتْرُكَ ثُمَّ تَلاَ ﴿وَلاَ
يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ [آل عمران: ١٨٠]. الآية. [الحديث ١٤٠٣ - أطرافه في: ٤٥٦٥،
٤٦٥٩، ٤٩٥٧].
مطابقته للترجمة مثل ما ذكرنا في مطابقة الحديث الأول.
i

٣٦٣
٢٤ - كِتَابُ الزكاة / باب (٣)
ذكر رجاله: وهم ستة: الأول: علي بن عبد الله المعروف بابن المديني، تكرر ذكره.
الثاني: هاشم بن القاسم أبو النضر التميمي، ويقال الليثي الكناني. قال الواقدي: مات ببغداد
يوم الأربعاء غرة ذي القعدة سنة سبع وثمانين، مر في: باب وضع الماء عند الخلاء. الثالث:
عبد الرحمن بن عبد الله مر في: باب الذي يغسل به شعر الإنسان. الرابع: أبوه عبد الله بن
دينار مولى عبد الله بن عمر بن الخطاب مر في: باب أمور الإيمان. الخامس: أبو صالح
واسمه ذكوان الزيات. السادس: أبو هريرة، رضي الله تعالى عنه.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع. وفيه: العنعنة في
ثلاثة مواضع. وفيه: أن شيخه من أفراده وأنه بصري وأن هاشماً خراساني سكن بغداد وعبد
الرحمن وأباه وأبا صالح مدنيون. وفيه: رواية الإبن عن أبيه وجعل أبو العباس الطرقي هذا
الحديث والذي قبله حديثاً واحداً، ورواه مالك في (موطئه): عن عبد الله بن دينار عن أبي
صالح فوقفه على أبي هريرة. وقال أبو عمر: ورواه عبد العزيز بن أبي سلمة عند النسائي عن
عبد الله بن دينار سأل عن ابن عمر عن النبي، عَّهِ، قال: وهو عندي خطأ، والمحفوظ
حديث أبي هريرة. وقال أبو عمر: حديث عبد العزيز خطأ بيّن في الإسناد لأنه لو كان عنده
عبد الله بن دينار عن ابن عمر ما رواه عن أبي هريرة أبداً، ورواية مالك وعبد الرحمن ابن عبد
الله فيه هي الصحيحة، وهو مرفوع صحيح، وعند الترمذي من حديث ابن مسعود مثله، وقال:
حسن صحيح، وعند مسلم من حديث أبي الزبير عن جابر، رضي الله تعالى عنهما، أن
رسول الله، عٍَّ، قال: ((ما من صاحب إبل)) الحديث، وقد ذكرناه عن قريب.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في التفسير عن عبد الله
ابن منير عن أبي النضر. وأخرجه النسائي في الزكاة عن الفضل بن سهل عن الحسن بن
موسى الأشيب عن عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار عن أبيه، وروى النسائي أيضاً من
حديث عبد الله بن دينار عن ابن عمر، قال: ((قال رسول الله عٍَّ: إن الذي لا يؤدي زكاة
ماله يخيل إليه ماله يوم القيامة شجاعاً أقرع له زبيبتان، قال: فيلزمه أو يطوقه، قال: فيقول: أنا
كنزك أنا كنزك)).
ذكر معناه: قوله: ((من آتاه الله تعالى))، بمد الهمزة أي: من أعطاه الله. قوله: ((مثل
له))، أي: صور له ماله الذي لم يؤد زكاته شجاعاً، أو ضمن: مثل، معنى التصيير أي: صير
ماله على صورة شجاع، وقال ابن الأثير ومثل، يتعدى إلى مفعولين تقول: مثلت الشمع فرساً
فإذا بني لما لم يسم فاعله تعدى إلى مفعول واحد، فلذا قال: مثل له شجاعاً أقرع. قلت:
التحقيق فيه أن قوله: مثل، على صيغة المجهول الضمير الذي فيه يرجع إلى قوله: ((مالاً))،
وقد ناب عن المفعول الأول. وقوله: ((شجاعاً)) منصوب على أنه مفعول ثان. وقال الطيبي:
((شجاعاً) نصب يجري مجرى المفعول الثاني، أي: صور ماله شجاعاً. وقال ابن قرقول:
وبالرفع ضبطناه، وهي رواية الطرابلسي في (الموطأ) ولغيره شجاعاً كأنه مفعول ثان. وقال ابن
الأثير في (شرح المسند): وفي رواية الشافعي: شجاع، بالرفع لأنه الذي أقيم مقام الفاعل

٣٦٤
٢٤ - كِتَابُ الزكاة / باب (٣)
الأول: لمثل، لأنه أخلاه من الضمير وجعل له مفعولاً واحداً، ولا يكون الشجاع كناية عن
المال الذي لم تؤد زكاته وإنما هو حقيقة حية يخلق ماله حية تفعل به ذلك، يعضد ذلك أنه
لم يذكر في روايته ماله بخلاف ما في رواية البخاري قلت: وللبخاري أيضاً روايتان في رواية
لفظة: ماله، مذكورة، وفي رواية غير مذكورة، والشجاع: الحية، وسمي أقرع لأنه يقرع السم
ويجمعه في رأسه حتى تتمعط منه فروة رأسه، وفي (جامع) القزاز: ليس على رؤوس الحيات
شعر، ولكن لعله يذهب جلد رأسه. وفي (الموعب): الشجاع ضرب من الحيات، والجمع:
الشجعان، وثلاثة أشجعة. وفي (التهذيب): هو الحية الذكر، وقال اللحياني: يقال للحية
شجاع وشجاع وشجعان ويقال للحية أيضاً أشجع وقال شمر في (كتاب الحيات): الشجاع
ضرب من الحيات لطيف دقيق، وهو كما زعموا أجرؤها. وفي (المحكم) شجعان بالكسر
أكثر.
وفي (البارع) لأبي علي القالي: شجعة، بفتح الشين والجيم: إذا كان طويلاً ملتوياً.
وفي (الاستذكار): وقيل: الشجاع الثعبان، وقيل: الحية، وقيل: هو الذي يواثب الفارس
والراجل ويقوم على ذنبه، وربما بلغ وجه الفارس ويكون في الصحارى، والأقرع الذي في
رأسه بياض. وقيل: كلما كثر سمه ابيض رأسه، وقال ابن خالويه: ليس في كلام العرب اسم
الحيات وصفاتها إلاَّ ما كتبته في هذا الباب، فذكر أربعة وثمانين اسماً. قوله: ((زبيبتان))،
بفتح الزاي وكسر الباء الموحدة الأولى: الزبد في الشدقين إذا غضب، يقال: تكلم فلان
حتى زبد شدقاه، أي: خرج الزبد عليهما. وقال أبو المعاني في (المنتهى): الزبيبتان الزبدتان
في الشدقين، ومنه الحية ذو الزبيبتين وهما النكتتان السوداوان فوق عينيه، وقيل: هما نقطتان
تكتنفان فاها. وقال الداودي: هما نابان يخرجان من فيها، وأنكر بعضهم هذا، وقال: هذا لا
يوجد. ويقال: الحية ذو الزبيبتين أخبث ما يكون من الحيات. وقال أبو عمر: هما علامات
الحية الذكر المؤذي. وقال ابن حبيب عن مطرف: له زبيبتان في حلقه بمنزلة زنمتى العنز.
وفي (المسالك) لابن العربي: سئل مالك عن الزبيبتين؟ فقال: أراهما شنشنتين تكونان على
رأسه مثل القرنين. قوله: ((يطوقه))، بفتح الواو: يجعل طوقاً في عنقه. وفي رواية: ((وحتى
يطوقه))، وفي (التلويح): قال أبو السعادات: يجوز أن تكون الواو أي: مفتوحة يعني: حتى
يطوقه الله تعالى في عنقه، كأنه قيل: يجعل له طوقاً. وقال الطيبي: وهو تشبيه لذكر المشبه
والمشبه به، كأنه قيل: يجعله كالطوق في عنقه. قلت: الضمير الذي فيه مفعوله الأول
والضمير البارز مفعوله الثاني وهو يرجع إلى: من، في قوله: ((من آتاه الله مالاً))، والضمير
المستتر يرجع إلى الشجاع. وفي (التلويح): الهاء، عائدة إلى الطوق لا إلى المطوق وفيه ما
فيه. قوله: ((بلهزمتيه))، بكسر اللام وسكون الهاء وكسر الزاي تثنية لهزمة، قال ابن
سيده: اللهزمتان: مضيغتان في أصل الحنك، وقيل: هما مضيغتان في منحنى اللحيين أسفل
من الأذنين، وهما معظم اللحيين، وقيل: هما تحت الأذنين من أعلى اللحيين والخدين،
وقيل: هما مجتمع اللحم بين الماضغ والأذن من اللحي، زاد صاحب (الموعب): لهزمتان،

٣٦٥
٢٤ - كِتَابُ الزكاة / باب (٤)
يقال: شنشنان، ويقال، للفرس الموسوم على ذلك المكان: ملهوز، وفي (الجامع): هي لحم
الخدين اللذين يتحرك إذا أكل الإنسان، والجمع: اللهازم، وفي (الجمهرة): لهزمه إذا ضرب
لهزمته، وقال ابن العربي: هما الماضغتان اللتان بين الأذن والفم.
قوله: ((يعني شدقيه))، بكسر الشين هذا التفسير في الحديث أي جانبي الفم. قوله: ((ثم
يقول)) الشجاع المصور من المال: ((أنا مالك أنا كنزك)) يخاطب به صاحب المال لمزيد
الغصة والهم، لأنه شر أتاه من حيث كان يرجو فيه خيراً، وفيه نوع تهكم. قوله: ((ثم تلا))
أي: قرأ عَّلِل قوله تعالى: ﴿ولا يحسبن الذين يبخلون﴾ [آل عمران: ١٨٠]. الآية، وتلاوته
عَِّ هذه تدل على أنها نزلت في مانع الزكاة، وقيل: إن المراد بها اليهود لأنهم بخلوا،
والمعنى سيطوقون الإثم، وتأول مسروق أنها نزلت فيمن له مال فيمنع قرابته صلته فيطوق
حية كما سلف، وأكثر العلماء على أن ذلك في الزكاة المفروضة، وقيل: في الأحبار الذين
كتموا صفة النبي عَ ◌ّه.
ذكر ما يستفاد منه: فيه: دلالة على فرضية الزكاة لأن الوعيد الشديد يدل على ذلك.
وفيه: ما يدل على قلب الأعيان وذلك في قدرة الله تعالى هين لا ينكر. وفيه: أن لفظ: مالاً،
بعمومه يتناول الذهب والفضة وغيرهما من الأموال الزكوية، وقال المهلب: لم ينقل عن
الشارع زكاة الذهب من طريق الخبر، كما نقل عنه زكاة الفضة. قلت: صح من حديث أبي
بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده عن البي عَّهِ: أنه كتب إلى أهل اليمن
بكتاب فيه الفرائض والسنن والديات مطولاً، وفيه: ((وفي كل أربعين ديناراً دينار))، رواه ابن
حبان والحاكم في صحيحيهما، وكان صرف الدينار عشرة دراهم فعدل المسلمون بخمس
أواق من الفضة عشرين مثقالاً، وجعلوه زكاة نصاب الذهب، وتواتر العمل به، وعليه جمهور
العلماء: أن الذهب إذا كان عشرين مثقالاً وقيمتها مائتا درهم فيها نصف دينار إلاَّ ما روي
عن الحسن أنه ليس فيما دون أربعين ديناراً زكاة، وهو شاذ لا يعرج عليه وذهبت طائفة إلاّ
أن الذهب إذا بلغت قيمته مائتي درهم ففيه زكاة وإن كان أقل من عشرين مثقالاً، وهو قول
عطاء وطاوس والزهري، فجعلوا الفضة أصلاً في الزكاة.
٤ - بابٌ ما أُدِّيَ زَكَاتُهُ فَلَيْسَ بِكَثْزِ
أي: هذا باب في بيان أن المال الذي أدي زكاته فليس بكنز، وقع هكذا عند أبي ذر،
ووقع عند أبي الحسن: باب من أدى زكاته فليس بكنز، قال ابن التين معناه فليس بذي كنز.
قلت: على هذا الوجه لا بد من تأويل، لأن الخبر لا بد أن يكون من المشتقات ليصح
الحمل على المبتدأ.
لِقَوْلِ النبيِّ عَّهِ لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ
علل البخاري بهذا الحديث حيث ذكره بلام التعليل صحة ترجمته بقوله: باب ما أدي
زكاته فليس بكنز، لأن شرط كون الكنز شيئان أحدهما أن يكون نصاباً، والثاني أن لا يخرج

٣٦٦
٢٤ - كِتَابُ الزكاة / باب (٤)
منه زكاته فإذا عدم النصاب لا يلزمه شيء فلا يكون كنزاً، ولا يدخل تحت قوله تعالى:
﴿والذين يكنزون الذهب والفضة﴾ [التوبة: ٣٤]. فلا يستحق العذاب وإذا وجد النصاب ولم
يزك يكون كنزاً، فيدخل تحت الآية، ويستحق العذاب، وإذا وجد النصاب وزكى لا يكون
كنزاً فلا يستحق العذاب، وهذا هو الترجمة.
فإن قلت: كيف يطابق هذا التعليل الترجمة والترجمة فيما أدي زكاته فليس بكنز،
والحديث فيما إذا كان العين أقل من خمسة أواق ليست فيها صدقة، أي: زكاة، وبهذا الوجه
اعترض الإسماعيلي على هذه الترجمة. قلت: تكلف فيه بأن قيل: إن مراده أن ما دون
خمسة أواق ليس بكنز، لأنه لا صدقة فيه، فإذا كانت خمسة أواق أو أكثر وأدى زكاتها
فليست بكنز، فلا يدخل تحت الوعيد. وعن هذا قال ابن بطال: نزع البخاري بأن كل ما
أدي زكاته فليس بكنز لإيجاب الله تعالى على لسان رسوله عَ ليه في كل خمس أواق ربع
عشرها، فإذا كان ذلك فرض الله تعالى على لسان رسوله عَّله، فمعلوم أن الكنز هو المال
وإن بلغ ألوفاً، إذا أديت زكاته فليس بكنز، ولا يحرم على صاحبه اكتنازه لأنه لم يتوعد عليه،
وإنما الوعيد على ما لم تؤد زكاته. وقيل: أراد البخاري بهذه الترجمة حديثاً رواه جابر مرفوعاً:
((أيما مال أديت زكاته فليس بكنز))، لكنه ليس على شرطه فلم يخرجه. انتهى.
قلت: هذا مستبعد جداً لأنه كيف يترجم بشيء ثم يعلله بالحديث المذكور ويشير إلى
حديث آخر ليس عنده بصحيح، وهذا غير موجه، ولو قال هذا القائل: أراد بهذه الترجمة
حديثاً روته أم سلمة مرفوعاً: ((ما بلغ أن تؤدى زكاته فزكي فليس بكنز))، لكان له وجه ما،
لأن حديث أم سلمة رواه أبو داود من رواية ثابت بن عجلان ((عن عطاء عنها قالت: كنت
ألبس أوضاحاً من ذهب، فقلت: يا رسول الله أكنز هو؟ فقال: ما بلغ أن تؤدى زكاته فزكي
فليس بكنز))، وإسناده جيد ورجاله رجال البخاري، وأخرجه الحاكم أيضاً وصححه، وقال:
على شرط البخاري. وأما حديث جابر فأخرجه أحمد في (مسنده) بسند ضعيف، وقال أبو
زرعة في (العلل) لابن أبي حاتم: الصحيح أنه موقوف، وأخرجه الحاكم في (المستدرك) من
رواية ابن جريج عن أبي الزبير عنه عن النبي عَّلّ قال: ((إذا أديت زكاة مالك فقد أذهبت
عنك شره)). وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجه، ورواه البيهقي هكذا،
ثم رواه موقوفاً على جابر وقال: هذا أصح، ويجيء الكلام في معنى قوله، عَِّ: ((ليس فيما
دون خمسة أواق صدقة) في حديث أبي سعيد في هذا الباب.
١٤٠٤ _ وقَالَ أحْمَدُ بنُ شَبِيبٍ بنِ سعِيدٍ حدَّثنا أبي عنْ يُونُسَ عنِ ابنِ شِهَابٍ عنْ
خَالِدِ بنِ أسْلَمَ قال خَرَجْنَا مَعَ عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما فقال أُعْرَابِيٌّ أُخْبِرْنِي
قَوْلَ اللهَ ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ وَلاَ يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ [التوبة: ٣٤] قال ابنُ
عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما منْ كَنَزَها فَلَمْ يُؤَدِّ زَكاتَها فَوَيْلٌ لَهُ إَّمَا كانَ لهذا قَبْلَ أنْ تُنْزَلَ
الزَّكَاةُ فَلَمَّا أُنْزِلَتْ جَعَلَهَا الله ◌ُهْراً لِلْأَمْوَالِ. [الحديث ١٤٠٤ - طرفه في: ٤٦٦١].

٣٦٧
٢٤ - كِتَابُ الزكاة / باب (٤)
مطابقة هذا التعليق للترجمة من حيث المفهوم، لأن المفهوم قوله: ((من كنزها فلم
يؤد زكاتها)) أذا أدى زكاتها لا يستحق الوعيد، فإذا لم يستحق الوعيد بسبب أدائه الزكاة
يدخل في معنى الترجمة، وهذا التعليق وصله أبو داود في (الناسخ والمنسوخ): عن محمد
ابن يحيى الذهلي عن أحمد بن شبيب بإسناده. وأخرجه البيهقي، فقال: أخبرنا أبو عبد الله
الحافظ حدثنا أبو محمد دعلج بن أحمد السختياني ببغداد حدثنا محمد بن علي بن زيد
الصائغ حدثنا أحمد بن شبيب حدثنا أبي .. إلى آخره، بهذا الإسناد، وفيه زيادة وهي قوله:
(ثم التفت إلي فقال: ما أبالي لو كان لي مثل أحد ذهباً أعلم عدده وأزكيه وأعمل فيه بطاعة
الله تعالى)).
ذكر رجاله: وهم ستة: الأول: أحمد بن شبيب، بفتح الشين المعجمة وكسر الباء
الموحدة وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره باء أخرى: الحبطي، بفتح الحاء المهملة
والباء الموحدة وبالطاء المهملة: نسبة إلى الحبطات من بني تميم، وهو الحارث بن عمرو بن
تميم بن مرة، والحارث هو الحبط، وولده يقال لهم الحبطات، روى عنه البخاري في مناقب
عثمان، رضي الله تعالى عنه، وفي الاستقراض مفرداً، وفي غير موضع مقروناً إسناده بإسناد
آخر، قال ابن قانع: مات سنة تسع وعشرين ومائتين. وقال ابن عساكر: سنة تسع وثلاثين.
الثاني: أبوه شبيب بن سعيد أبي سعيد الحبطي، مات سنة ست وثمانين ومائتين. الثالث:
يونس بن يزيد الأيلي، وقد مر غير مرة. الرابع: محمد بن مسلم بن شهاب الزهري.
الخامس: خالد بن أسلم أخو زيد بن أسلم مولى عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه.
السادس: عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنه.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التصدير بالقول من غير تحديث. وفيه: أحمد بن شبيب
في رواية الأكثرين وفي رواية أبي ذر: حدثنا أحمد. وفيه: التحديث بصيغة الجمع في
موضع. وفيه: العنعنة في ثلاثة مواضع. وفيه: أن أحمد وأباه بصريان ويونس أيلي مصري وابن
شهاب وخالداً مدنيان. وفيه: أن أحمد من أفراده. وفيه: رواية الابن عن الأب. وفيه: رواية
التابعي عن الصحابي. وفيه: أن خالداً من أفراده، وقال الحميدي: ليس في الصحيح لخالد
غير هذا.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في التفسير نحو ما
أخرجه هنا. وأخرجه النسائي في الزكاة عن عمرو بن سواد عن ابن وهب عن ابن لهيعة عن
عقيل عن الزهري نحوه.
ذكر معناه: قوله: ((من كنزها)) إفراد الضمير إما على تأويل الأموال أو أعاد الضمير إلى
الفضة، لأن الانتفاع بها أكثر، أو لكثرة وجودها، والحامل على ذلك رعاية لفظ القرآن. قوله:
((فويل له))، الويل: الحزن والهلاك والمشقة من العذاب، والمعنى: فالعذاب لمن كنز الذهب
والفضة ولم ينفقهما في سبيل الله، وارتفاع: ويل، على الابتداء. قوله: ((قبل أن تتنزل
الزكاة))، واختلف في أول وقت فرض الزكاة فعند الأكثرين وقع بعد الهجرة، فقيل: كان في

٣٦٨
٢٤ - كِتَابُ الزكاة / باب (٤)
السنة الثانية قبل فرض رمضان، وقال ابن الأثير: كان في السنة التاسعة، ورد عليه لورود
ذكرها في عدة أحاديث قبل ذلك، وكذا مخاطبة أبي سفيان مع هرقل، وكان يأمرنا بالصلاة
والزكاة، وكانت في أول السابعة. فإن قلت: يدل على ما ذهب إليه ابن الأثير، ما وقع في
قضية ثعلبة بن حاطب المطولة، وفيها: لما أنزلت آية الصدقة بعث النبي عَ لَّه عاملاً فقال: ما
هذه إلاَّ جزية أو أخت الجزية؟ والجزية إنما وجبت في التاسعة، فتكون الزكاة في التاسعة.
قلت: هذا حديث ضعيف لا يحتج به. فإن قلت: ادعى ابن خزيمة في (صحيحه) أن فرضها
كان قبل الهجرة، واحتج بما أخرجه من حديث أم سلمة، رضي الله تعالى عنها، في قصة
هجرتهم إلى الحبشة، وفيها: أن جعفر بن أبي طالب، رضي الله تعالى عنه، قال للنجاشي في
جملة ما أخبره به عن النبي عَّهِ: ويأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام. قلت: أجيب: بأن فيه
نظراً لأن الصلوات خمس لم تكن فرضت بعد ولا صيام رمضان، وأجاب بعضهم بأن مراجعة
جعفر لم تكن في أول ما قدم على النجاشي، وإنما أخبره بذلك بعد مدة قد وقع فيها ما ذكر
من قضية الصلاة والصيام، وبلغ ذلك جعفرًفقال: يأمرنا بمعنى: يأمر أمته. قلت: هذا بعيد
جداً.
فإن أجيب: بأنه ليس المراد من الصلاة الصلوات الخمس، ولا من الزكاة الزكاة
المفروضة، ولا من الصيام صوم شهر رمضان، بل المراد من الصلاة الصلاة التي كانوا
يصلونها ركعتين قبل فرضية الخمس، والمراد من الصوم مطلق الصوم، لأنهم ربما كانوا
يصومون اتباعاً للشريعة التي كانت قبل، والمراد من الزكاة الصدقة، فلا بأس بهذا التأويل،
وذلك بعد أن يسلم حديث أم سلمة من قدح في إسناده. فافهم. قوله: ((طهراً للأموال)) أي:
في حق الفقراء، وهي أوساخ الناس، ولهذا لا تحل لبني هاشم، كما ورد في حديث مسلم:
((إن الصدقة لا تنبغي لآل محمد إنما هي أوساخ الناس))، فإذا أخرجت الزكاة يحصل الطهر
للأموال، وكذلك هي طهر لأصحابها عن رذائل الأخلاق والبخل.
١٤٠٥/١٠ - حدّثنا إسْحَاقُ بنُ يَزِيدَ قال أخبرنا شُعَيْبُ بنُ إسْحَاقَ قال الأوْزَاعَيُّ
أخبرني يَحْتَى بنُ أبي كَثِيرٍ أَنَّ عَمْرَو بنَ يَحْبِى بِنِ عُمَارَةً أُخْبَرَهُ عنْ أَبِيهِ يَحْيِى بِنِ عُمَارَةَ بنِ
أبِي الحَسَنِ أَنَّهُ سَمِعَ أبا سَعِيدٍ رضي الله تعالى عنهُ يَقُولُ قال النبيُّ عَ لِّ لَيْسَ فِيمَا دُونَ
خَمْسٍ أَوَاقٍ صَدَقَّةٌ وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسٍ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسٍ أوْسُقٍ
صَدَقَّةٌ. [الحديث ١٤٠٥ - أطرافه في: ١٤٤٧، ١٤٥٩، ١٤٨٤].
مطابقته للترجمة ما ذكرناها عند الحديث المعلق في أوائل الباب.
ذكر رجاله: وهم سبعة: الأول: إسحاق بن يزيد - من الزيادة - هو إسحاق بن إبراهيم
ابن يزيد أبو النضر السامي. الثاني: شعيب بن إسحاق، مات سنة تسع وثمانين ومائة. الثالث:
عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي. الرابع: يحيى بن أبي كثير. الخامس: عمرو بن يحيى بن
عمارة. السادس: أبوه يحيى بن عمارة، بضم العين: ابن أبي الحسن المازني الأنصاري.

٣٦٩
٢٤ - كِتَابُ الزكاة / باب (٤)
السابع: أبو سعيد الخدري، رضي الله تعالى عنه: واسمه سعيد بن مالك.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضع وكذلك الإخبار بصيغة
الجمع في ثلاثة مواضع وبصيغة الإفراد في موضع واحد. وفيه: العنعنة في موضع واحد.
وفيه: السماع. وفيه: عن أبيه يحيى بن عمارة، وفي رواية يحيى بن سعيد: عن عمرو أنه
سمع أباه. وفيه: أن شيخه من أفراده وهو مذكور بالنسبة إلى أبيه. وأنه وشعيباً والأوزاعي
دمشقيون ويحيى يمامي طائي وعمرو وأبوه مدنيان.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في الزكاة عن عبد الله
ابن يوسف وعن مسدد عن يحيى القطان كلاهما عن مالك، وعن محمد بن المثنى عن عبد
الوهاب الثقفي. وأخرجه مسلم فيه عن محمد بن رمح عن الليث وعن عمرو الناقد عن عبد
الله بن إدريس وعن سفيان بن عيينة وعن محمد بن رافع وعلي أبي كامل الجحدري وعن
أبي بكر بن أبي شيبة وعمرو الناقد، وعن إسحاق بن منصور وعن عبد بن حميد وعن محمد
ابن رافع. وأخرجه أبو داود فيه عن القعنبي عن مالك به. وأخرجه الترمذي فيه عن قتيبة وعن
محمد بن بشار. وأخرجه النسائي فيه عن عبيد الله بن سعيد وعن محمد بن المثنى وعن
محمد بن بشار وعن يحيى بن حبيب وعن أحمد بن عبدة وعن محمد بن المثنى عن ابن
مهدي وعن محمد بن عبد الله بن المبارك وعن محمد بن منصور الطوسي وعن هارون بن
عبد الله. وأخرجه ابن ماجه فيه عن أبي بكر بن أبي شيبة.
ذكر معناه: قوله: ((أواق))، وقع هنا أواق بدون الياء، وكذا في رواية أبي داود، ووقع
في رواية مسلم: أواقي، بالياء. وقال النووي: ووقع أيضاً بدون الياء، وكلاهما صحيح، وهي
جمع: أوقية، بضم الهمزة وتشديد الياء، ويجمع على أواقي، بتشديد الياء وتخفيفها، وأواق
بحذفها. قال ابن السكيت في (الإصلاح): كل ما كان من هذا النوع واحده مشدد أجاز في
جمعه التشديد والتخفيف كالأوقية والأواقي، والسرية والسراري والبختية والعلية والإثفية
ونظائرها. وأنكر الجمهور أن يقال في الواحدة: وقية، بحذف الهمزة، وحكى الجبائي جوازها
بفتح الواو وتشديد الياء وجمعها: وقايا، مثل: ضحية وضحايا، وأجمع أهل الحديث والفقه
وأئمة اللغة على أن الأوقية الشرعية: أربعون درهماً، وهي أوقية الحجاز. وقال القاضي عياض:
ولا يصح أن تكون الأوقية والدراهم مجهولة في زمن النبي عَ لّه وهو يوجب الزكاة في أعداد
منها وتقع بها البياعات والأنكحة كما ثبت في الأحاديث الصحيحة، وهذا يبين أن قول من
زعم أن الدراهم لم تكن معلومة إلى زمان عبد الملك بن مروان وأنه جمعها برأي العلماء،
وجعل كل عشرة وزن سبعة مثاقيل ووزن الدرهم ستة دوانيق، قول باطل، وإنما معنى ما نقل
من ذلك أنه لم يكن منها شيء من ضرب الإسلام وعلى صفة لا تختلف، بل كانت
مجموعات من ضرب فارس والروم صغاراً وكباراً وقطع فضة غير مضروبة ولا منقوشة ويمنية
ومغربية، فرأوا صرفها إلى ضرب الإسلام ونقشه وتصييرها وزناً واحداً لا يختلف وأعياناً
يستغنى فيها من الموازين، فجمعوا أكبرها وأصغرها وضربوه على وزنهم، قال القاضي: ولا
عمدة القاري / ج٨ / م٢٤

٣٧٠
٢٤ - كِتَابُ الزكاة / باب (٤)
شك أن الدراهم كانت حينئذ معلومة، وإلا فكيف كان يتعلق بها حقوق الله تعالى في الزكاة
وغيرها وحقوق العباد وهذا كما كانت الأوقية معلومة.
وقال النووي: أجمع أهل العصر الأول على التقدير بهذا الوزن المعروف، وهو أن
الدرهم ستة دوانيق، وكل عشرة دراهم سبعة مثاقيل ولم يتغير المثقال في الجاهلية والإسلام.
قلت: روى ابن سعد في (الطبقات) في ترجمة عبد الملك بن مروان: أخبرنا محمد بن عمر
الواقدي حدثني عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه، قال: ضرب عبد الملك بن مروان
الدراهم والدنانير سنة خمس وسبعين، وهو أول من أحدث ضربها ونقش عليها. وقال
الواقدي: حدثنا خالد بن ربيعة بن أبي هلال عن أبيه، قال: كانت مثاقيل الجاهلية التي
ضرب عليها عبد الملك اثنتين وعشرين قيراطاً إلاَّ حبة بالشامي، وكانت العشرة وزن سبعة.
انتهى. وقال أبو عبيد القاسم بن سلام في (كتاب الأموال)، في: باب الصدقة وأحكامها:
كانت الدراهم قبل الإسلام كباراً وصغاراً فلما جاء الإسلام وأرادوا ضرب الدراهم وكانوا
يزكونها من النوعين فنظروا إلى الدرهم الكبير فإذا هو ثمانية دوانيق وإلى الدرهم الصغير فإذا
أربعة دوانيق فوضعوا زيادة الكبير على نقصان الصغير فجعلوهما درهمين سواء كل واحد ستة
دوانيق، ثم اعتبروها بالمثاقيل، ولم يزل المثقال في آباد الدهر محدوداً لا يزيد ولا ينقص،
فوجدوا عشرة دراهم من هذه الدراهم التي واحدها ستة دوانيق يكون وزان سبعة مثاقيل، وأنه
عدل بين الكبار والصغار، وأنه موافق لسنة رسول الله عَ ◌ّ في الصدقة، فمضت سنة الدراهم
على هذا، وأجمعت عليه الأمة فلم يختلف أن الدرهم التام ستة دوانيق فما زاد أو نقص قيل
فيه زائد وناقص والناس في الزكاة على الأصل الذي هو السنة لم يزيغوا وكذلك في المبايعات
انتهى. وذكر في كتب أصحابنا أن الدراهم كانت في الابتداء على ثلاثة أصناف: صنف:
منها: كل عشرة منه عشرة مثاقيل، كل درهم مثقال. وصنف: منها كل عشرة منه ستة
مثاقيل، كل درهم ثلاثة أخماس مثقال. وصنف: منها كل عشرة منه خمسة مثاقيل، كل
درهم نصف مثقال، وكان الناس يتصرفون فيها ويتعاملون بها فيما بينهم إلى أن استخلف
عمر، رضي الله تعالى عنه، فأراد أن يستخرج الخراج بالأكبر فالتمسوا منه التخفيف، فجمع
حسَّاب زمانه ليتوسطوا ويوفقوا بين الدراهم كلها وبين ما رامه عمر، رضي الله تعالى عنه،
وبين ما رامه الرعية، فاستخرجوا له وزن السبعة بأن أخذوا من كل صنف ثلثه فيكون
المجموع سبعة. وفي (الذخيرة) للقرافي: إن الدرهم المصري أربعة وستون حبة، وهو أكبر
من درهم الزكاة، فإذا أسقطت الزائدة كان النصاب من دراهم مائة وثمانين درهما وحبتين.
وفي (فتاوى الفضلي): تعتبر دنانير كل بلد ودراهمهم، وفي رواية البخاري في: باب
ليس فيما دونه خمسة أوسق صدقة، عن أبي سعيد الخدري أيضاً: ولا أقل في خمس أواق
من الورق صدقة، وهنا زاد لفظ: من الورق، الورق والورق والورق والرقة: الدراهم، وربما
سميت الفضة ورقة، والرقة الفضة، والمال. وعن ابن الأعرابي وقيل: الفضة والذهب، وعن
ثعلب: وجمع الورق والورق أوراق، وجمع الرقة رقوق ورقون، ذكره ابن سيده. وفي

٣٧١
٢٤ - كِتَابُ الزكاة / باب (٤)
(الجامع) أعطاه ألف درهم رقة، يعني: لا يخالطها شيء من المال غيرها. وفي (الغريبين)؛
الورق والرقة الدراهم خاصة وأما الورق فهو المال كله. وقال أبو بكر: الرقة معناها في
كلامهم: الورق، وجمعها رقات، وفي (المغرب): الورق، بكسر الراء: المضروب من الفضة،
وكذا الرقة. وفي (المجمل): الورق الدراهم وحدها، والورق من المال، ورد النووي على
صاحب (البيان) في قوله: الرقة هي الذهب والفضة، وقال: هذا غلط فهو مردود عليه كما
ذكرنا عن ابن الأعرابي، وقال القرطبي: درهم الكيل زنته خمسون حبة وخمسا حبة، وسمي
بذلك لأنه بتكييل عبد الملك بن مروان، أي: بتقديره وتحقيقه، وذلك أن الدراهم التي كان
الناس يتعاملون بها نوعان: نوع عليه نقش فارس، ونوع عليه نقش الروم، أحد النوعين يقال
له: البغلي، وهو السود، الدرهم منها ثمانية دوانيق، والآخر يقال له الطبري، وهو العتق،
الدرهم منها أربعة دوانيق. وفي (شرح المهذب): البغلية منسوبة إلى ملك يقال له: رأس
البغل، والطبرية منسوبة إلى: طبرية، وقيل: إلى طبرستان.
وفي (الأحكام) للماوردي: استقر في الإسلام زنة الدرهم ستة دوانيق، كل عشرة
دراهم سبعة مثاقيل، وزعم المرغيناني أن الدرهم كان شبيه النواة ودور على عهد عمر، رضي
الله تعالى عنه، فكتبوا عليه ﴿لا إله إلاَّ الله محمد رسولُ الله﴾ ثم زاد ناصر الدولة بن
حمدان: عَّله، فكانت منقبة لآل حمدان: عَّلَّه وفي كتاب (المكاييل): عن الواقدي، عن
معبد بن مسلم عن عبد الرحمن بن سابط، قال: كان لقريش أوزان في الجاهلية فلما جاء
الإسلام أقرت على ما كانت عليه الأوقية أربعون درهماً، والرطل اثنا عشر أوقية، فذلك أربع
مائة وثمانون درهماً، وكان لهم النش، وهو عشرون درهماً، والنواة وهي خمسة دراهم، وكان
المثقال إثنين وعشرين قيراطاً إلاَّ حبة، وكانت العشرة دراهم وزنها سبعة مثاقيل، والدرهم
خمسة عشر قيراطاً. فلما قدم سيدنا رسول الله عَ ليه كان يسمي الدينار لوزنه ديناراً، وإنما هو
تبر، ويسمي الدرهم لوزنه درهماً، وإنما هو تبر، فأقرت موازين المدينة على هذا، فقال النبي
عَ ◌ّهُ: ((الميزان ميزان أهل المدينة)). وعند الدارقطني بسند فيه زيد بن أبي أنيسة عن أبي
الزبير عن جابر يرفعه: ((والوقية أربعون درهماً). وقال أبو عمر: وروى جابر أن النبي عَ لّه قال:
((الدينار أربعة وعشرون قيراط)). قال أبو عمر: هذا وإن لم يصح سنده ففي قول جماعة
العلماء واجتماع الناس على معناه ما يغني عن الإسناد فيه.
قوله: ((ذود))، بفتح الذال المعجمة وسكون الواو وفي آخره دال مهملة وهي من الإبل
من الثلاثة إلى العشرة، وفي المثل: الذود إلى الذود إبل، وقيل: الذود ما بين الثنتين والتسع
من الإناث دون الذكور، قال:
ذود ثلاث بكرة ونابان
غير الفحول من ذكور البعران
ويجمع على أذواد. قال سيبويه: وقالوا: ثلاث ذود، فوضعوه موضع أذواد. وقال
الفارسي: وهذا على حد قولهم ثلاثة أشياء فإذا وصفت الذود فإن شئت جعلت الوصف مفرداً

٣٧٢
٢٤ - كِتَابُ الزكاة / باب (٤)
بالهاء على حد ما توصف الأسماء المؤنثة التي لا تعقل في حد الجمع، فقلت: ذود جربة،
وإن شئت جمعت فقلت: ذود جراب، ذكره في (المخصص) وفي (المحكم): وقيل: الذود
من ثلاث إلى خمس عشرة، وقيل: إلى عشرين. وقال ابن الأعرابي: إلى الثلاثين، ولا يكون
إلاّ من الإناث، وهو مؤنث وتصغيره بغير هاء على غير قياس، وفي (كتاب نعوت الإبل) لأبي
الحسن النضر بن شميل بن خرشة المازني ما يدل على أنه ينطلق على الذكور أيضاً، وهو
قوله: الذود ثلاثة أبعرة، يقال: عند فلان ذود له، وعليه ثلاث ذود، وعليه أذواد له إذا كن
ثلاثاً فأكثر، وعليه ثلاث أذواد مثله سواء، ويقال رأيت أذواد بني فلان إذا كانت فيما بين
الثلاث إلى خمس عشرة. وفي (الجامع) للقزاز. وقول الفقهاء: ليس فيما دون خمس ذود
صدقة، إنما معناه خمس من هذا الجنس، وقد أجاز قوم أن يكون الذود واحداً. وفي
(الصحاح): الذود مؤنثة لا واحد لها من لفظها. وقال ابن قتيبة: ذهب قوم إلى أن الذود
واحد، وذهب آخرون إلى أنه جمع، وهو المختار. واحتج بأنه: لا يقال خمس ذود، كما لا
يقال: خمس ثوب، وقال أبو عمر: هذا ليس بشيء، وقال ابن مزين: الذود الجمل الواحد،
وقال أبو زياد الكلابي في (كتاب الإبل) تأليفه: والثلاث من الإبل ذود، وليس الثنتان بذود
إلى أن تبلغ عشرين، وسمي الذود لأنه يداد أي يساق، ثم الرواية المشهورة: خمس ذود،
بالإضافة، وروي بتنوين خمس، ويكون ذود بدلاً منه، وبزيادة التاء في خمس نظراً إلى أن
الذود يطلق على المذكر والمؤنث، وتركوا القياس في الجمع كما قالوا: ثلثمائة، قيل: وإنما
جاز لأنه في معنى الجمع كقوله: تسعة رهط، لأن فيه معنى الجمعية.
قوله: ((أوسق)) جمع: وسق، بكسر الواو وفتحها، والفتح أشهر. والوسق: حمل بعير،
وقيل: هو ستون صاعاً بصاع النبي عَّ له، وقيل: هو الحمل عامة، والجمع أوسق ووسوق
ووسق البعير، وأوسقه أوقره ذكره ابن سيده. وفي (الجامع): الجمع أوساق والوسق العدل.
وفي (الصحاح): الوسق حمل البغل والحمار. وفي (الغريبين): هو مائة وستون مناً. وفي
(المثنى) لابن عديس: وقيل: الوسق العدلان. وفي (مجمع الغرائب): خمسة أوسق ثمانمائة
من، وروى أبو داود من حديث أبي البختري العلائي عن أبي سعيد الخدري يرفعه إلى النبي
عَّله، قال: ((ليس فيما دون خمسة أوساق زكاة، والوسق ستون مختوماً)). ثم قال أبو داود:
أبو البختري لم يسمع من أبي سعيد، وأشار به إلى أنه منقطع. وقال عبيد: المختوم الصاع،
إنما سمي مختوماً لأن الأمراء جعلت على أعلاه خاتماً مطبوعاً لئلا يزاد فيه ولا ينقص منه،
وروى أبو داود أيضاً عن إبراهيم، قال: الوسق ستون صاعاً مختوماً بالحجازي، وحكاه في
(المصنف): عن ابن عمر من رواية ليث بن أبي سليم، وعن الحسن بسند صحيح، وعن أبي
قلابة بسند صحيح، وعن الشعبي والزهري وسعيد بن المسيب بأسانيد جياد.
ذكر ما يستفاد منه: وهو على ثلاثة فصول:
الأول: هو قوله: ((ليس فيما دون خمسة أواق صدقة))، وفيه: بيان نصاب الفضة
وهو خمسة أواق، وهي مائتا درهم. لأن كل أوقية أربعون درهماً، وحدد الشرع نصاب كل

٣٧٣
٢٤ - كِتَابُ الزكاة / باب (٤)
جنس بما يحتمل المواساة، فنصاب الفضة خمس أواق وهو مائتا درهم بنص الحديث
والإجماع، وأما الذهب فعشرون مثقالاً، والمعول فيه على الإجماع إلاَّ ما روي عن الحسن
البصري والزهري أنهما قالا: لا يجب في أقل من أربعين مثقالاً، والأشهر عنهما الوجوب في
عشرين مثقالاً كما قاله الجمهور. وقال القاضي عياض: وعن بعض السلف وجوب الزكاة في
الذهب إذا بلغت قيمته مائتي درهم وإن كان دون عشرين مثقالاً. قال هذا القائل: ولا زكاة
في العشرين حتى تكون قيمتها مائتي درهم. ثم إذا زاد الذهب أو الفضة على النصاب
اختلفوا فيه. فقال مالك والليث والثوري والشافعي وابن أبي ليلى وأبو يوسف ومحمد وعامة
أهل الحديث: إن فيما زاد من الذهب والفضة ربع العشر في قليله وكثيره ولا وقص، وروي
ذلك عن علي وابن عمر، رضي الله تعالى عنهم. وقال أبو حنيفة وبعض السلف: لا شيء
فيما زاد على مائتي درهم حتى يبلغ أربعين درهماً ولا فيما زاد على عشرين ديناراً حتى يبلغ
أربعة دنانير، فإذا زادت ففي كل أربعين درهماً درهم، وفي كل أربعة دنانير درهم، فجعل
لهما وقصاً كالماشية.
وقال النووي: واحتج الجمهور بقوله عَّ له: «في الرقة ربع العشر))، والرقة الفضة، وهذا
عام في النصاب وما فوقه بالقياس على الحبوب، ولأبي حنيفة حديث ضعيف لا يصح
الاحتجاج به. قلت: أشار بهذا إلى ما روى الدارقطني في (سننه) من طريق ابن إسحاق عن
المنهال بن جراح عن حبيب بن نجيح عن عبادة بن نسي عن معاذ، رضي الله تعالى عنه، أن
رسول الله عَّ لِ أمره حين وجهه إلى اليمن أن لا يأخذ من الكسر شيئاً إذا كانت الورق مائتي
درهم فخذ منها خمسة دراهم، ولا تأخذ مما زاد شيئاً حتى يبلغ أربعين درهماً، فإذا بلغت
أربعين درهماً فخذ منها درهماً). قال الدارقطني: المنهال ابن جراج - وهو أبو العطوف -
متروك الحديث، وكان ابن إسحاق يقلب اسمه إذا روى عنه، وعبادة بن نسي لم يسمع من
معاذ. انتهى. وقال النسائي: المنهال بن الجراح متروك الحديث، وقال ابن حبان: كان
يكذب، وقال عبد الحق في أحكامه: كان مكذاباً. وفي (الإمام) قال ابن أبي حاتم: سألت
أبي عنه فقال: متروك الحديث واهيه لا يكتب حديثه. وقال البيهقي: إسناد هذا الحديث
ضعيف جداً. قلت: ذكر البيهقي هذا الحديث في: باب ذكر الخبر الذي روى في وقص
الورق، ثم اقتصر عليه لكون الباب مقصود البيان مذهب خصمه.
وفي الباب حديثان: أحدهما: ذكره البيهقي في: باب فرض الصدقة، وهو كتابه،
عَِّ، الذي بعثه إلى اليمن مع عمرو بن حزم، وفيه: ((وفي كل خمس أواقي من الورق
خمسة دراهم، وما زاد ففي كل أربعين درهماً درهم)) ثم قال البيهقي مجود الإسناد، ورواه
جماعة من الحفاظ موصولاً حسناً، وروى البيهقي عن أحمد بن حنبل أنه قال: أرجو أن
يكون صحيحاً. والثاني: ذكره البيهقي في: باب لا صدقة في الخيل، من حديث علي،
رضي الله تعالى عنه، أنه قال: قال رسول الله، عَّ له: ((عفوت لكم صدقة الخيل والرقيق،
فهلموا صدقة الرقة من كل أربعين درهماً، وليس في تسعين ومائة شيء فإذا بلغت مائتين

٣٧٤
٢٤ - كِتَابُ الزكاة / باب (٤)
ففيها خمسة دراهم))، وقال ابن حزم: صحيح مسند، وروى ابن أبي شيبة عن عبد الرحمن
ابن سليمان عن عاصم الأحول عن الحسن البصري، قال: كتب عمر، رضي الله تعالى عنه،
إلى أبي موسى: فما زاد على المائتين ففي كل أربعين درهماً درهم. وأخرجه الطحاوي في
(أحكام القرآن) من وجه آخر عن أنس عن عمر نحوه، وقال صاحب (التمهيد): وهو قول ابن
المسيب والحسن ومكحول وعطاء وطاوس وعمرو بن دينار والزهري، وبه يقول أبو حنيفة
والأوزاعي، وذكر الخطابي الشعبي معهم، وروى ابن أبي شيبة بسند صحيح عن محمد الباقر
رفعه، قال: ((إذا بلغت خمس أواقي ففيها خمسة دراهم، وفي كل أربعين درهماً درهم)).
وفي (أحكام) عبد الحق قال: روى أبو أوس عن عبد الله ومحمد ابني أبي بكر بن
عمرو بن حزم عن أبيهما عن جدهما عن النبي، عَّهِ: أنه كتب هذا الكتاب لعمرو بن حزم
حين أمره على اليمن. وفيه: الزكاة ليس فيها صدقة حتى تبلغ مائتي درهم، فإذا بلغت مائتي
درهم ففيها خمسة دراهم، وما زاد ففي كل أربعين درهماً درهم، وليس فيما دون الأربعين
صدقة، والذي عند النسائي وابن حبان والحاكم وغيرهم، وفي كل خمس أواقٍ من الورق
خمسة دراهم، وما زاد ففي كل أربعين درهماً درهم، وليس فيما دون خمس أواقٍ شيء،
وروى أبو عبيد القاسم بن سلام في (كتاب الأموال): حدثنا يحيى بن بكير عن الليث بن
سعد عن يحيى بن أيوب عن حميد عن أنس، قال: ولأني عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى
عنه، الصدقات فأمرني أن آخذ من كل عشرين ديناراً نصف دينار، وما زاد فبلغ أربعة دنانير
ففيه درهم، وأن آخذ من كل مائتي درهم خمسة دراهم، فما زاد فبلغ أربعين درهماً ففيه
درهم، والعجب من النووي مع وقوفه على هذه الأحاديث الصحيحة كيف يقول: ولأبي
حنيفة حديث ضعيف. ويذكر الحديث المتكلم فيه،. ولم يذكر غيره من الأحاديث
الصحيحة.
وبقي الكلام فيما يتعلق بهذا الفصل، وهو نوعان: أحدهما: مسألة الضم، وهو أن
الجمهور يقولون بضم الفضة والذهب بعضها إلى بعض في إكمال النصاب، وبه قال مالك
إلاَّ أنه يراعي الوزن ويضم على الأجزاء لا على القيم، ويجعل كل دينار كعشرة دراهم على
الصرف الأول، وقال الأوزاعي وأبو حنيفة والثوري: يضم على القيم في وقت الزكاة. وقال
الشافعي وأحمد وأبو ثور وداود: لا يضم مطلقاً. وقال الخطابي: ولم يختلفوا في أن الغنم لا
تضم إلى الإبل ولا إلى البقر، وأن التمر لا يضم إلى الزبيب، واختلفوا في البر والشعير. فقال
أكثر العلماء: لا يضم واحد منهما إلى الآخر، وهو قول الثوري والأوزاعي وأصحاب الرأي
والشافعي وأحمد بن حنبل، وقال مالك: يضاف القمح إلى الشعير ولا يضاف القطاني إلى
القمح والشعير. والآخر: مسألة الغش، فعند أبي حنيفة وصاحبيه: إذا كان الغالب على الورق
الفضة فهن في حكم الفضة، وإن كان الغالب عليه الغش فهي في حكم العروض، يعتبر أن
تبلغ قيمتها نصاباً فلا زكاة فيها إلاَّ بأحد الأمرين ان يبلغ ما فيها من الفضة مائتي درهم أو
يكون للتجارة، وقيمتها مائتان، وما زاد على مائتي درهم ففي كل شيء منه ربع عشره، قلَّ

٣٧٥
٢٤ - كِتَابُ الزكاة / باب (٤)
أو كثر، وبه قال مالك والليث والشافعي وابن أبي ليلى والثوري والأوزاعي وأحمد وأبو ثور
وإسحاق وأبو عبيد، وروي عن علي وابن عمر، رضي الله تعالى عنهم، وقال أبو حنيفة وزفر:
لا شيء فيما زاد على المائتين حتى تبلغ الزيادة أربعين درهماً، فإذا بلغتها كان فيها ربع
عشرها وهو درهم، وهو قول ابن المسيب والحسن وعطاء وطاووس والشعبي والزهري
ومكحول وعمرو بن دينار والأوزاعي، ورواه الليث عن يحيى بن أيوب عن حميد عن أنس
عن عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه.
الفصل الثاني: هو قوله: ((وليس فيما دون خمسة ذود صدقة)) وفيه: بيان أقل الإبل
التي تجب فيها الزكاة، فبيَّن أنه لا تجب الزكاة، فبيّن أنه لا تجب الزكاة في أقل من خمس
ذود من الإبل، فإذا بلغت خمساً سائمة وحال عليها الحول ففيها شاة، وهذا بالإجماع وليس
فيه خلاف، وسيجيء الكلام فيه مفصلاً عندهموضعه، إن شاء الله تعالى.
الفصل الثالث: هو قوله: ((وليس فيما دون خمسة أوسق صدقة))، احتج به الشافعي
وأبو يوسف ومحمد: أن ما أخرجته الأرض إذا بلغ خمسة أوسق تجب فيها الصدقة، وهي
العشر، وليس فيما دون ذلك شيء. وقال أبو حنيفة: في كل ما أخرجته الأرض قليله وكثيره
العشر، سواء سقي سيحاً أو سقته السماء إلاَّ القصب الفارسي والحطب والحشيش. وقال
النووي: في هذا الحديث فائدتان: إحداهما: وجوب الزكاة في هذه المحدودات. والثانية:
أنه لا زكاة فيما دون ذلك، ولا خلاف بين المسلمين في هاتين إلاَّ ما قال أبو حنيفة وبعض
السلف: إنه تجب الزكاة في قليل الحب وكثيره، وهذا مذهب باطل منابذ لصريح الأحاديث
الصحيحة. قلت: هذه عبارة سمجة ولا يليق التلفظ بها في حق إمام متقدم علماً وفضلاً
وزهداً وقرباً إلى الصحابة والتابعين الكبار، لا سيما ذلك من شخص موسوم بين الناس بالعلم
الغزير والزهد الكثير، والإنصاف في مثل هذا المقام تحسين العبارة، وهو اللائق لأهل الدين،
ولا يفحش العبارة إلاّ من يتعصب بالباطل، وليس هذا من الدين، ولم ينسب النووي بطلان
هذا المذهب ومنابذة الأحاديث الصحيحة لأبي حنيفة وحده، بل نسبه أيضاً إلى بعض
السلف، والسلف هم: عمر بن عبد العزيز ومجاهد وإبراهيم النخعي، وقال أبو عمر: وهذا
أيضاً قول زفر ورواية عن بعض التابعين، فإن مذهب هؤلاء مثل مذهب أبي حنيفة، وأخرج
عبد الرزاق في (مصنفه): عن معمر عن سماك بن الفضل عن عمر بن عبد العزيز، قال: فيما
أنبتت الأرض من قليل أو كثير العشر. وأخرج نحوه عن مجاهد وإبراهيم النخعي. وأخرج ابن
أبي شيبة أيضاً عن هؤلاء نحوه، وزاد في حديث النخعي: حتى في كل عشر دستجات بقل
دستجة بقل، وأما الذي احتج به أبو حنيفة ومن معه بما رواه البخاري من حديث الزهري عن
سالم عن ابن عمر، قال: ((قال رسول الله عَ لِ فيما سقت السماء والعيون أو كان عثرياً
العشر، وما سقي بالنضح نصف العشر))، وبما رواه مسلم عن أبي الزبير عن جابر قال: ((قال
رسول الله عَّ لِ: فيما سقت الأنهار والغيم العشر، وفيما سقي بالسانية نصف العشر)). وبما
رواه ابن ماجه عن مسروق ((عن معاذ بن جبل، قال: بعثني رسول الله، عَّ، إلى اليمن،

٣٧٦
٢٤ - كِتَابُ الزكاة / باب (٤)
فأمرني أن آخذ مما سقت السماء وما سقي بعلا العشر، وما سقي بالدر إلى نصف
العشر)).
وهذه الأحاديث كلها مطلقة وليس فيها فصل، والمراد من لفظ: الصدقة، في حديث
الباب: زكاة التجارة، لأنهم كانوا يتبايعون بالأوساق، وقيمة الوسق أربعون درهماً. ومن
الأصحاب من جعله منسوخاً ولهم في تقريره قاعدة، فقالوا: إذا ورد حديثان أحدهما عام
والآخر خاص فإن علم تقديم العام على الخاص خص العام بالخاص، كمن يقول لعبده: لا
تعط لأحد شيئاً، ثم قال له: أعط زيداً درهماً. وإن علم تقديم الخاص على العام ينسخ
الخاص بالعام، كمن قال لعبده: أعط زيداً درهماً، ثم قال له: لا تعط لأحد شيئاً، فإن هذا
ناسخ للأول، هذا مذهب عيسى بن أبان، رحمه الله تعالى، وهذا هو المأخوذ به. وقال
محمد بن شجاع الثلجي: هذا إذا علم التاريخ، أما إذا لم يعلم فإن العام يجعل آخراً لما فيه
من الاحتياط، وهنا لم يعلم التاريخ، فجعل العام آخراً احتياطاً. وقال بعض أصحابنا: حجة
أبي حنيفة فيما ذهب إليه عموم قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم
ومما أخرجنا لكم من الأرض﴾ [البقرة: ٢٦٧]. وقوله تعالى: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾
[الأنعام: ١٤١]. والأحاديث التي تعلقت بها أهل المقالة الأولى أخبار الآحاد فلا تقبل في
مقابلة الكتاب.
قوله: ((فيما سقت السماء)) أي: المطر. قوله: ((أو كان عثرياً)) بفتح العين المهملة والثاء
المثلثة وكسر الراء، وهو من النخيل الذي يشرب بعروقه من ماء المطر، يجتمع في حفيره.
وقيل: هو الغدي: وهو الزرع الذي لا يسقيه إلاَّ المطر، يسمى به كأنه عثر على الماء عثراً
بلا عمل من صاحبه، وهو منسوب إلى العثر ولكن الحركة من تغييرات النسب. قوله:
((السانية))، هي الناقة التي يستقى عليها، وقيل: هي الدلو العظيمة وأدواتها التي تستقي بها، ثم
سميت الدواب سواني لاستقائها. قوله: ((بعلا)) بفتح الباء الموحدة وسكون العين المهملة،
وهو ما كان من الكرم قد ذهب عروقه في الأرض إلى الماء فلا يحتاج إلى السقي لخمس
سنين، ولست سنين، وانتصابه على الحال بالتأويل كما تقول: جاءني زيد أسداً، أي: شجاعاً،
والأظهر أنه نصب على التمييز، والدوالي جمع دالية وهي المنجنون التي يديرها الثور.
١٤٠٦/١١ - حدّثنا عَلِيٍّ سَمِعَ هُشَيْماً قال أخبرنا محصيْنٌ عنْ زَيْدِ بنِ وَهْبٍ قال
مَرَرْتُ بِالرَّبَذَةِ فَإِذَا أنا بِأبِي ذَرّ رضي الله تعالى عنهُ فَقُلْتُ لَهُ ما أَنْزَلَكَ مَنْزِلَكَ هذَا قالَ كُنْتُ
بِالشَّامِ فاخْتَلَفْتُ أنا وَمُعَاوِيَّةُ فِي ﴿ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ وَلاَ يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلٍ
اللّهِ﴾ [التوبة: ٣٤]. قال مُعَاوِيَةُ نَزَلَتْ فِي أَهْلِ الكِتَابِ فَقُلْتُ نَزَلَتْ فِينَا وَفِيهِمْ فَكانَ بَيْنِي
وبَيْنَهُ فِي ذَاكَ وكَتَبَ إلَى عُثْمَانَ رضي الله تعالى عنهُ يَشْكُونِي فَكَتَبَ إِلَيَّ عُثْمَانُ أَنِ اقْدَمِ
المَدِينَةَ فَقَدِمْتُهَا فَكَثُرَ عَلَيَّ النَّاسُ حَتَّى كَأَنَّهُمْ لَمْ يَرَوْنِي قَبْلَ ذُلِك فَذَكَوْتُ ذَاكَ لِعُثْمَانَ فقالَ
لِي إِنْ شِئْتَ تَنَحَّيْتَ فَكُنْتُ قَرِيباً فَذَاكَ الَّذِي أَنْزَلَنِي لهذَا المَنْزِلِ وَلَوْ أَمَّرُوا عَلَيَّ حَبَشِيَّاً
لَسَمِعْتُ وَأَطَعْتُ. [الحديث ١٤٠٦ - طرفه في: ٤٦٦٠].

٣٧٧
٢٤ - كِتَابُ الزكاة / باب (٤)
مطابقته للترجمة من حيث إنها فيما أدى زكاته فليس بكنز، ومفهوم الآية كذلك إذا
أدى زكاة الذهب والفضة لا يكون ما ملكه كنزاً، فلا يستحق الوعيد الذي يستحقه من يكنزه
ولا یؤدي ز کاته.
ذكر رجاله: وهم خمسة: الأول: علي، بغير نسبة، اختلف فيه، فقيل: هو علي بن
أبي هاشم عبيد الله بن الطبراخ، بكسر الطاء المهملة وسكون الباء الموحدة وفي آخره خاء
معجمة. قال الجياني: نسبه أبو ذر عن المستملي، فقال: علي بن أبي هاشم، وقيل: هو أبو
الحسن علي بن مسلم بن سعيد الطوسي نزيل بغداد، وقال بعضهم: وقع في أطراف المزي
عن علي بن عبد الله المديني، وهو خطأ. قلت: هذه مجازفة في تخطئة مثل هذا الحافظ،
وقد قال الكلاباذي وابن طاهر: هو ابن المديني، ذكره الطرقي. الثاني: هشيم، بالتصغير: ابن
بشير، بضم الباء الموحدة وفتح الشين المعجمة: ابن القاسم بن دينار. الثالث: حصين، بضم
الحاء وفتح الصاد المهملتيين: عبد الرحمن السلمي، يكنى أبا الهذيل، مر في أواخر كتاب
مواقيت الصلاة. الرابع: زيد بن وهب أبو سليمان الهمداني الجهني. الخامس: أبو ذر
جندب بن جنادة.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضع واحد. وفيه: السماع.
وفيه: الإخبار بصيغة الجمع في موضع واحد. وفيه: العنعنة في موضع واحد. وفيه: القول
سؤالاً وجواباً. وفيه: أن شيخه غير مذكور بنسبته، فإما بغدادي إن كان هو: علي بن أبي
هاشم، وإما طوسي، إن كان علي بن مسلم، وإما مدني إن كان علي بن المديني. وفيه:
سمع هشيماً وهو بالألف، وفي بعض النسخ: هشيم، بدون الألف، وهو اللغة الربيعية حيث
يقفون على المنصوب المنون بالسكون فلا يحتاج الكاتب بلغتهم إلى الألف، وهشيم واسطي
وأصله من بلخ، وحصين كوفي وزيد بن وهب من التابعين الكبار المخضرمين من قضاعة،
وهو أيضاً كوفي. وفيه: رواية التابعي عن التابعي عن الصحابي.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في التفسير عن قتيبة عن
جرير، وأخرجه النسائي في التفسير عن محمد بن زنبور عن محمد بن فضيل.
ذكر معناه: قوله: ((بالربذة))، بفتح الراء والباء الموحدة والذال المعجمة: موضع على
ثلاثة مراحل من المدينة، وكان عمر، رضي الله تعالى عنه، حماها لإبل الصدقة. وقال
السمعاني: هي قرية من قرى المدينة. وقال الحازمي: من منازل الحاج بين السليلة والعمق.
قوله: ((فإذا أنا بأبي ذر))، كلمة: إذ، للمفاجأة، والباء في: أبي ذر، للمصاحبة. قوله: ((كنت
بالشام))، أي: بدمشق. قوله: ((نزلت في أهل الكتاب))، وفي رواية جرير: ((ما هذه فينا)).
قوله: ((فكان بيني وبينه في ذلك))، أي: كان نزاع بيني وبين معاوية فيمن نزل قوله تعالى:
﴿والذين يكنزون الذهب والفضة .. ﴾ [التوبة: ٣٤]. الآية، فمعاوية نظر إلى سياق الآية فإنها
نزلت في الأحبار والرهبان الذين لا يؤتون الزكاة، وأبو ذر، رضي الله تعالى عنه، نظر إلى
عموم الآية، وإن من لا يرى أداءها مع أنه يرى وجوبها يلحقه هذا الوعيد الشديد. وكان

٣٧٨
٢٤ - كِتَابُ الزكاة / باب (٤)
معاوية في ذلك الوقت عامل عثمان على دمشق، وقد بيَّن سبب سكنى أبي ذر بدمشق ما
رواه أبو يعلى من طرق أخرى، عن زيد بن وهب: حدثني أبو ذر، قال: قال رسول الله، عَ لّهِ:
((إذا بلغ البناء) أي بالمدينة: ((سلعاً فارتحل إلى الشام، فلما بلغ البناء سلعاً قدمت الشام
فكنت بها .. )) فذكر الحديث نحوه، وروى أبو يعلى أيضاً بإسناد فيه ضعف)) عن ابن عباس،
قال: استأذن أبو ذر على عثمان فقال: إنه يؤذينا، فلما دخل قال له عثمان: أنت الذي تزعم
أنك خير من أبي بكر؟ قال: لا ولكن سمعت رسول الله، عَّه، يقول: إن أحبكم إلي
وأقربكم مني من بقي على العهد الذي عاهدته عليه، وأنا باق على عهده. قال: فأمره أن
يلحق بالشام، فكان يحدثهم ويقول: لا يبيتن عند أحدكم دينار ولا درهم إلاَّ ما ينفقه في
سبيل الله أو يعده لغريم، فكتب معاوية إلى عثمان: إن كان لك بالشام حاجة فابعث إلى أبي
ذر، فكتب إليه عثمان أن أقدم علي، فقدم)). وقال ابن بطال: إنما كتب معاوية يشكو أبا ذر
لأنه كان كثير الاعتراض عليه والمنازعة له، وكان في جيشه ميل إلى أبي ذر، فأقدمه عثمان
خشية الفتنة لأنه كان رجلاً لا يخاف في الله لومة لائم، وقال المهلب: وكان هذا من توقير
معاوية له، إذ كتب فيه إلى السلطان الأعظم، لأنه متى أخرجه كانت وصمة عليه. قوله: ((أن
أقدم))، بفتح الدال المهملة، وبلفظ المضارع، وبلفظ الأمر. قوله: ((فكثر علي الناس حتى
كأنهم لم يروني))، وفي رواية الطبري: ((أنهم كثروا عليه يسألونه عن سبب خروجه من
الشام، قال: فخشي عثمان على أهل المدينة خشية معاوية على أهل الشام)). وقال ابن بطال:
ولما قدم أبو ذر المدينة اجتمع عليه الناس يسألونه عن القصة، وما جرى بينه وبين معاوية،
فلما رأى أبو ذر ذلك خاف أن يعاتبه عثمان في ذلك، فذكر له كثرة الناس وتعجبهم من
حاله كأنهم لم يروه قط، فقال له عثمان: إن كنت تخشى وقوع فتنة فاسكن مكاناً قريباً من
المدينة، فنزل الربذة، وهو معنى قوله إن شئت تنحيت، من التنحي، وهو التباعد. وفي رواية
الطبري: ((فقال له: تنح قريباً. قال: والله لن أدع ما كنت أقوله)). وفي رواية ابن مردويه من
طريق ورقاء عن حصين بلفظ: ((فوالله لا أدع ما قلت)). قوله: ((ولو أمروا علي)) من التأمير.
قوله: ((حبشيا)، وفي رواية ورقاء ((عبداً حبشياً))، أراد لو أمر الخليفة عبداً حبشياً لسمعت أمره
وأطعت قوله، وروى أحمد وأبو يعلى من طريق أبي حرب بن أبي الأسود عن عمه عن أبي
ذر: أن النبي عَّه قال له: ((كيف تصنع إذا أخرجت منه؟) أي: من المسجد النبوي؟ ((قال:
آتي الشام. قال: كيف تصنع إذا أخرجت منها؟ قال أعود إليه)) أي: إلى المسجد النبوي.
((قال: كيف تصنع إذا أخرجت منه؟ قال أضرب بسيفي. قال: ألا أدلك على ما هو خير لك
من ذلك وأقرب رشداً؟ تسمع وتطيع وتنساق لهم حيث ساقوك)).
ذكر ما يستفاد منه: فيه: جواز الأخذ للإنسان بالشدة في الأمر بالمعروف وإن أدى
ذلك إلى فراق وطنه. وفيه: أنه يجوز للإِمام أن يخرج من يتوقع ببقائه فتنة بين الناس. وفيه:
ترك الخروج على الأئمة والانقياد لهم، وإن كان الصواب في خلافهم. وفيه: جواز
الاختلاف والاجتهاد في الآراء، ألا ترى أن عثمان ومن كان بحضرته من الصحابة لم يردوا

٣٧٩
٢٤ - كِتَابُ الزكاة / باب (٤)
أبا ذر عن مذهبه، ولا قالوا: إنه لا يجوز لك اعتقاد قولك، لأن أبا ذر نزع بحديث رسول الله
سَ لّه واستشهد به، وذلك قوله عَّ له: ((ما أحب أن لي مثل أحد ذهباً أنفقه كله إلاَّ ثلاثة
دنانير .. )) وذلك حين أنكر على أبي هريرة نصل سيفه استشهد على ذلك بقوله عَ له: ((من ترك
صفراء أو بيضاء كوي بها)). وهذا حجة في أن الاختلاف في العلم باقٍ إلى يوم القيامة لا
يرتفع إلاَّ بالإجماع، وفيه ملاطفة الأئمة العلماء فإن معاوية لم يجسر على الإنكار على أبي
ذر حتى كاتب من هو أعلى منه في أمر دينه. وفيه: أن عثمان لم يخف على أبي ذر مع
کونه مخالفاً له في تأويله.
١٢/ ١٤٠٧ - حدّثنا عَيَّاشٌ قال حدَّثنا عَبْدُ الأعلى قال حدَّثنا الجُرَيْرِيُّ عنْ أَبِي العَلاَءِ
عنِ الأخْنَفِ بنِ قَيْسٍ. قال جَلَسْتُ (ح) وحدَّثني إِسْحَاقُ بنُ مَنْصُورٍ قال أخبرنا عَبْدُ
الصَّمَدِ. قال حدَّثني أَبي قال حدثنا الجرَيْرِيُّ قال حدثنا أَبُو العَلاءِ بنُ الشِّخِّيرِ أنَّ الأحْنَفَ
ابن قَيْسٍ حَدَّثَهُمْ. قال جَلَسْت إِلَي مَلأْ مِنْ قُرَيْشٍ فَجَاءَ رَجُلٌ خَشِنُ الشَّعَرِ والثِّيَّابِ وَالهَيْئَةِ
حَتَّى قَامَ عَلَيْهِمْ فَسَلَّمَ ثُمَّ قال بَشِّرِ الكانِزِينَ بِرَضْفٍ يَحْمَى عَلَيْهِ في نارٍ جَهَنَّمَ ثُمَّ يُوضَعُ
عَلَى حَلَمَةِ ثَدْىٍ أَحَدِهِمْ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ نُغْضٍ كَتِفِهِ ويُوضَعُ عَلَى نُغْضِ كَتِفِهِ حَتَّى يَخْرُجَ
مِنْ حَلَمَةٍ ثَدْيِهِ يَتَزَلْزَلُ ثُمَّ وَلَّى فَجَلَسَ إِلَى سَارِيَةٍ وتَبِعْتُهُ وجَلَسْتُ إِلَيْهِ وَأَنَا لا أدْرِي مِنْ هُوَ
فَقُلْتُ لَهُ لاَ أُرَى القَوْمَ إلَّ قَدْ كَرِهُوا الَّذِي قُلْتَ قال إنَّهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً.
١٤٠٨ _ قال لِي خَلِيلِي قال قُلْتُ مَنْ خَلِيلُكَ قال النبيُّ عَ لَّه يَا أَبَا ذَرْ أَتُبْصِرُ أُحداً
قال فَنَظَرْتُ إِلَى الشَّمْسِ ما بَقِيَ مِنَ النَّهَارِ وَأَنَا أُرَى أَنَّ رَسُولَ اللهِ عَلِ يُرْسِلُنِي فِي حَاجَةٍ لَهُ
قُلْتُ نَعَمْ قال ما أُحِبَُّ أنَّ لِي مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَباً أُنْفِقُهُ كُلَّهُ إِلاَّ ثَلاثَةَ دَنانِيرَ وَإِنَّ هُؤُلاءِ لاَ يَعْقِلُونَ
إَما يَجْمَعُونَ الدُّنْيَا لاَ واللهِ لاَ أسْألُهُمْ دُنْيَا وَلاَ أَسْتَفْتِيهِمْ عنْ دِينٍ حَتَّى ألقَى اللَّه. [أنظر
الحديث ١٢٣٧ وأطرافه].
مطابقته للترجمة من حيث إنه وعيد للكانزين الذين لا يؤدون الزكاة، ويفهم منه الذي
يؤديها لا يطلق عليه اسم الكانز المستحق للوعيد، ولا الذي معه يسمى كنزاً، لأنه أدى زكاته
فدخل تحت الترجمة من هذا الوجه. فافهم.
ذكر رجاله: وهم ثمانية: الأول: عياش، بتشديد الياء آخر الحروف وفي آخره شين
معجمة: ابن الوليد الرقام البصري مر في كتاب الغسل في: باب الجنب يخرج. الثاني: عبد
الأعلى بن عبد الأعلى أبو محمد السامي، بالسين المهملة. الثالث: سعيد بن إياس الجريري،
بضم الجيم وفتح الراء الأولى، مر في: باب كم بين الأذان والإقامة. الرابع: أبو العلاء يزيد -
من الزيادة - ابن عبد الله بن الشخير المعافري. الخامس: الأحنف، بفتح الهمزة وسكون
الحاء المهملة وفتح النون وفي آخره فاء مر في: باب ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا﴾
[الحجرات: ٩]. السادس: إسحاق بن منصور بن بهرام الكوسج أبو يعقوب. السابع: أبوه
عبد الوارث بن سعيد بن ذكوان العنبري التميمي.

٣٨٠
٢٤ - كِتَابُ الزكاة / باب (٤)
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في خمسة مواضع، وبصيغة الإفراد
في موضعين. وفيه: الإخبار بصيغة الجمع في موضع. وفيه: العنعنة في موضعين. وفيه: القول
في ثلاثة مواضع. وفيه: الإسناد الأول الجريري عن أبي العلاء، وفي الإسناد الثاني الجريري
حدثنا أبو العلاء، وكذلك في الإسناد الأول أبو العلاء عن الأحنف، وفي الثاني صرح أبو
العلاء بالتحديث عن الأحنف. فإن قلت: روى أحمد في (مسند) من حديث أبي العلاء عن
أخيه مطرف عن أبي ذر طرفاً من آخر هذا الحديث قلت: ليس ذاك بعلة لحديث الأحنف،
لأن حديثه أتم سياقاً وأكثر فوائد، ولا مانع أن يكون لأبي العلاء شيخان في هذا الحديث.
وفيه: أن لفظ الأحنف لقب واسمه فيما ذكره المرزباني: صخر، قال: وهو الثبت، ويقال:
الضحاك، ويقال: الحارث بن قيس، ويقال: قيس. وقال الحافظ في (كتاب العرجان): كان
أحنف من رجليه جميعاً ولم يكن له إلاَّ بيضة واحدة وضرب على رأسه بخراسان فماهت
إحدى عينيه. قال: وقال أبو الحسن: ولد مرتثقاً ختار الإست حتى شق وعولج. وفي (لطائف
المعارف) لأبي يوسف: كان أصلع متراكب الأسنان مائل الذقن. وفي (تاريخ الميتجاني):
كان دميماً قصيراً كوسجاً. وقال الهيثم بن عدي في (كتاب العوران): ذهبت عينه بسمرقند.
وفي (الثقات) لابن حبان: ذهبت أحد عينيه يوم الحرة. وفيه: أن الرواة كلهم بصريون. وفيه:
أن ثلاثة من الرواة مذكورون بلا نسبة، والآخر مذكور بالنسبة. والآخر بالكنية والآخر باللقب.
وفيه: رواية الابن عن الأب.
والحديث أخرجه مسلم في الزكاة أيضاً عن زهير بن حرب وعن شيبان بن فروخ.
ذكر معناه: قوله: ((جلست إلى ملأ)) أي: انتهى جلوسي إلى ملأ، أي: جماعة،
وكلمة: من، في: ((من قريش)) للبيان مع التبعيض. قوله: ((خشن الشعر))، بفتح الخاء
المعجمة وكسر الشين المعجمة من الخشونة، هكذا هو في رواية الأكثرين، وفي رواية
القابسي: حسن الشعر، بالمهملتين من الحسن، والأول أصح لأنه هو اللائق بزي أبي ذر
وطريقته، وعند مسلم: أخشن الثياب أخشن الجسد أخشن الوجه، بخاء معجمة وشين. وعند
ابن الحذاء في الآخر خاصة: حسن الوجه من الحسن - ضد القبح ـ في رواية يعقوب بن
سفيان من طريق حميد بن هلال عن الأحنف: قدمت المدينة فدخلت مسجدها إذ دخل
رجل آدم طوال أبيض الرأس واللحية يشبه بعضه بعضاً، فقالوا: هذا أبو ذر. قوله: ((حتى قام))
أي: حتى وقف. قوله: ((بشّر الكانزين))، بالنون والزاي، من: كنز يكنز، وفي رواية
الإسماعيلي: بشر الكنازين، بتشديد النون: جمع كناز مبالغة كانز. وقال ابن قرقول: وعند
الطبري والهروي: الكاثرين، بالثاء المثلثة والراء من الكثرة، والمعروف هو الأول. وقوله: بشر،
من باب التهكم، كما في قوله تعالى: ﴿فبشرهم بعذاب أليم﴾ [آل عمران: ٢١، التوبة: ٣٤،
والانشقاق: ٢٤]. وقال عياض: الصحيح أن إنكار أبي ذر كان على السلاطين الذين يأخذون
المال من بيته لأنفسهم ولا ينفقونه في وجهه. وقال النووي: هذا الذي قاله عياض باطل، لأن
السلاطين في زمنه لم تكن هذه صفتهم، ولم يخونوا في بيت المال إنما كان في زمنه أبو