Indexed OCR Text

Pages 341-360

٣٤١
٢٤ - كِتَابُ الزكاة / باب (١)
بالمعاملات يتناولهم أيضاً، ولا خلاف أن الخطاب بالشرائع يتناولهم في حكم المؤاخذة في
الآخرة، فأما في وجوب الأداء في أحكام الدنيا فمذهب العراقيين من أصحابنا أن الخطاب
يتناولهم أيضاً. والأداء واجب عليهم، ومشايخ ديارنا يقولون: إنهم لا يخاطبون بأداء ما يحتمل
السقوط من العبادات.
السابع: استدل به من يرى بعدم وجوب الوتر، لأن بعث معاذ إلى اليمن قبل وفاة
النبي عَِّ بقليل. وقال صاحب (التوضيح): وهذا ظاهر لا إيراد عليه، ومن ناقش به فقد
غلط. قلت: ما غلط إلاَّ من استمر على هذا بغير برهان، لأن الراوي لم يذكر جميع
المفروضات. أَلاَ ترى أنه لم يذكر الصوم والحج ونحوهما، ولئن سلمنا ما ذكروه، ولكن لا
نسلم نفي ثبوت وجوبه بعد ذلك لعدم العلم بالتاريخ، وقد قالت الشافعية: في ردهم قول
أحمد حيث تمسك بحديث ابن عكيم في عدم الانتفاع بأجزاء الميتة قبل موت النبي عَّة
بشهر، ويحتمل أن يكون الإذن في ذلك قبل موته بيوم أو يومين، فكان ينبغي لهم أن يقولوا
هنا كما قالوا هناك.
الثامن: ذكر الطيبي وآخرون أن في قوله: ((تؤخذ من أغنيائهم)). قلت: عبارة الشافعية:
أن الزكاة لا تجب على الصبي بل تجب في ماله، وكذا في المجنون، واحتجوا بحديث
عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: ((أن النبي، عَِّ، خطب فقال: ألاَّ من ولي يتيماً له مال
فليتجر في ماله ولا يتركه حتى تأكله الصدقة)). رواه الترمذي، قلنا: الشرط في وجوب
الزكاة: العقل والبلوغ، فلا تجب في مال الصبي والمجنون لحديث عائشة، رضي الله تعالى
عنها، عن النبي عَّهِ أنه قال: ((رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي
حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يفيق))، وحديث الترمذي ضعيف لأن في إسناده المثنى
ابن الصباح. فقال أحمد: لا يساوي شيئاً. وقال النسائي: متروك الحديث، وقال يحيى: ليس
بشيء، وقال الترمذي بعد أن رواه: وفي إسناده مقال لأن المثنى بن الصباح يضعف في
الحدیث.
فإن قلت: رواه الدارقطني من رواية مندل عن أبي إسحاق الشيباني عن عمرو بن
شعيب عن أبيه عن جده، قال: قال رسول الله عٍَّ: ((إحفظوا اليتامى في أموالهم لا تأكلها
الزكاة)). قلت: مندل بن علي الكوفي ضعفه أحمد، وقال ابن حبان: كان يرفع المراسيل
ويسند الموقوفات من سوء حفظه، فلما فحش ذلك منه استحق الترك. فإن قلت: قال
الترمذي: وروى بعضهم هذا الحديث عن عمرو بن شعيب أن عمر بن الخطاب، رضي الله
تعالى عنه ... فذكر هذا الحديث. قلت: ظاهره أن عمرو بن شعيب رواه عن عمر بغير واسطة
بينه وبينه وليس كذلك، وإنما رواه الدارقطني والبيهقي بواسطة سعيد بن المسيب من رواية
حسين المعلم عن عمرو بن شعيب عن سعيد بن المسيب، أن عمر بن الخطاب قال: ابتغوا
بأموال اليتامي لا تأكلها الصدقة. وقد اختلف في سماع ابن المسيب عن عمر بن الخطاب،
والصحيح أنه لم يسمع منه. وقال الترمذي: وقد اختلف أهل العلم في هذا الباب، فرأى غير

٣٤٢
٢٤ - كِتَابُ الزكاة / باب (١)
واحد من أصحاب النبي عَّه في مال اليتيم زكاة، منهم: عمر وعلي وعائشة وابن عمر، وبه
يقول: مالك والشافعي وأحمد وإسحاق، وقالت طائفة من أهل العلم: ليس في مال اليتيم
زكاة، وبه قال: سفيان الثوري وعبد الله بن المبارك. قلت: وبه قال: أبو حنيفة وأصحابه، وهو
قول أبي وائل وسعيد بن جبير والنخعي والشعبي والحسن البصري، وحكي عنه إجماع
الصحابة. وقال سعيد بن المسيب: لا تجب الزكاة إلاّ على من تجب عليه الصلاة والصيام،
وذكر حميد بن زنجويه النسائي: أنه مذهب ابن عباس. وفي (المبسوط): وهو قول علي
أيضاً، وعن جعفر بن محمد عن أبيه مثله، وبه قال شريح، ذكره النسائي.
التاسع: فيه أن المدفوع عين الزكاة وفيه خلاف.
العاشر: أنه ليس في المال حق واجب سوى الزكاة، وروى ابن ماجه من حديث
شريك عن أبي حمزة عن الشعبي عن فاطمة بنت قيس: سمعت النبي، عَِّ، يقول: ليس
في المال حق سوى الزكاة. قلت: قد اختلف نسخ ابن ماجه في لفظه، ففي نسخة: في
المال حق سوى الزكاة، وفي نسخة: ليس في المال حق سوى الزكاة. قال الشيخ تقي الدين
في (الإمام) هكذا في النسخة التي فيها روايتنا، ورواه البيهقي بلفظ الترمذي: إن في المال
لحقاً سوى الزكاة، ثم قال: والذي يرويه أصحابنا في التعاليق: ليس في المال حق سوى
الزكاة، وقال شيخنا زين الدين، رحمه الله: ليس حديث فاطمة هذا بصحيح، تفرد برفعه أبو
حمزة القصاب الأعور الكوفي، واسمه: ميمون، وهو وإن روى عنه الثقات: الحمادان وسفيان
وشريك وابن علية وغيرهم، فهو متفق على ضعفه. وقال أحمد: متروك الحديث وقال ابن
معين: ليس بشيء، وحكم الترمذي أن هذا الحديث من قول الشعبي أصح، وهو كذلك، وقد
صح أيضاً عن غيره من التابعين، وروى أيضاً عن ابن عمر من قوله: وقال ابن حزم: صح عن
الشعبي ومجاهد وطاوس وغيرهم القول: في المال حق سوى الزكاة. قال: وعن ابن عمر أنه
قال: في مالك حق سوى الزكاة. وقال مجاهد إذا حصد ألقى لهم من السنبل، وإذا جز
النخل ألقى لهم من الشماريخ، فإذا كاله زكاه. وعن محمد بن كعب، في قوله تعالى:
﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾ [الأنعام: ١٤١]. قال: ما قل منه أو كثر، وعن جعفر بن محمد
عن أبيه، قال: وآتوا حقه، قال: شيء سوى الحق الواجب، وعن عطاء: القبضة من الطعام،
وعن يزيد بن الأصم، قال: كان النخل إذا صرم يجيء الرجل بالعذق من نخله فيعلقه في
جانب المسجد، فيجيء المسكين فيضربه بعصاه، فإذا تناثر منه شيء أكل، فذلك قوله:
﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾ [الأنعام: ١٤١]. وعن حماد: يعطي ضغثاً، وعن الربيع بن أنس:
وآتوا حقه. قال إلقاط السنبل، وعن سفيان قال: يدع المساكين يتبعون أثر الحصادين فيما
سقط عن المنجل، وذكر العباس الضرير في كتابه (مقامات التنزيل): وقد روي وصح عن
علي بن الحسين، وهو قول عطية وأبي عبيد، واحتج بحديث النبي عَ لّه، أنه: نهى عن
حصاد الليل.
وقال ابن التين: وهو قول الشعبي، رحمه الله، وقال النحاس: في هذه الآية الكريمة

٣٤٣
٢٤ - كِتَابُ الزكاة / باب (١)
خمسة أقوال: فمنهم من قال هي منسوخة بالزكاة المفروضة، فممن قال ذلك، سعيد بن
جبير، وقال: كان هذا قبل أن تنزل الزكاة، وقال الضحاك: نسخت الزكاة في كل صدقة في
القرآن، وفي تفسير الغلاس: حدثنا يحيى حدثنا سفيان عن المغيرة عن إبراهيم، قال: هي
منسوخة. القول الثاني: إنها الزكاة المفروضة، وهو قول أنس بن مالك، وعن الحسن مثله،
وهو قول جابر بن زيد وسعيد بن المسيب وقتادة وزيد بن أسلم، وقيل: هذا قول مالك
والشافعي أيضاً. القول الثالث: قال أبو العباس: كأن السدي ذهب إلى أن الذي نزل بمكة:
﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾ [الأنعام: ١٤١]. فقط، فلما أعطى ابن قيس كلما حصد، نزل:
﴿ولا تسرفوا﴾ [الأنعام: ١٤١]. وأول الآية مكي وآخرها مدني. وعن الكلبي مثل قول
السدي، وذكر النحاس مثل قول السدي عن الأعرج، وحكاه الثعلبي وغيره عن ابن عباس،
رضي الله تعالى عنهما. القول الرابع: قول من قال: نسخت الآية بالعشر ونصف العشر. وفي
تفسير الغلاس: هو قول ابن عباس. القول الخامس: قال أبو جعفر: أن يكون معناه على
الندب، وهذا لا نعرف أحداً من المتقدمين قاله.
الحادي عشر: في قوله: ((تؤخذ من أغنيائهم))، دليل على أن الإمام يرسل السعاة إلى
أصحاب الأموال لقبض صدقاتهم، وقال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن الزكاة كانت
ترفع إلى رسول الله، عَّهِ، وإلى رسله وعماله وإلى من أمر بدفعهل إليه، واختلفوا في دفع
الزكاة إلى الأمراء، فكان سعد بن أبي وقاص وابن عمر وأبو سعيد الخدري وأبو هريرة
وعائشة والحسن البصري والشعبي ومحمد بن علي وسعيد بن جبير وأبو رزين والأوزاعي
والشافعي، يقولون: تدفع الزكاة إلى الأمراء. وقال عطاء: يعطيهم إذا وضعوها مواضعها. وقال
طاوس: لا يدفع إليهم إذا لم يضعوها مواضعها. وقال الثوري: أخلف لهم وعدهم وأكذبهم
ولا تعطهم شيئاً إذا لم يضعوها مواضعها.
الثاني عشر: أن الساعي ليس له أن يأخذ خيار الأموال، بل يأخذ الوسط بين الخيار
والرديء.
الثالث عشر: قال الخطابي، فيه: قد يستدل به من لا يرى على المديون زكاة، لأنه
قسم قسمين فقيراً وغنياً، فهذا لما جاز له الأخذ لم يجب عليه الدفع. وأجيب عنه: بأن
المديون لا يأخذها لفقره حتى لا تجب عليه لغناه، وإنما يأخذها لكونه من الغارمين، وهم
أحد الأصناف الثمانية المذكورين في الآية.
الرابع عشر: قال صاحب (المفهم): فيه دليل لمالك، رضي الله تعالى عنه، على أن
الزكاة لا تجب قسمتها على الأصناف الثمانية المذكورين في الآية، وأنه يجوز للإمام أن
يصرفها إلى صنف واحد من الأصناف المذكورين في الآية إذا رآه نظراً أو مصلحة دينية.
الخامس عشر: فيه أن دعوة المظلوم لا ترد، ولو كان فيه ما يقتضي أن لا يستجاب
لمثله من كون مطعمه حراماً أو نحو ذلك حتى ورد في بعض طرقه. وإن كان كافراً ليس

٣٤٤
٢٤ - كِتَابُ الزكاة / باب (١)
دونه حجاب، رواه أحمد من حديث أنس، رضي الله تعالى عنه. وله من حديث أبي هريرة،
رضي الله تعالى عنه: ((دعوة المظلوم مستجابة وإن كان فاجراً، ففجوره على نفسه)). وإسناده
حسن.
١٣٩٦/١٥١ - حدَّثنا حَفْصُ بنُ عُمَرَ قال حدَّثنا شُعبَةُ عنِ ابنِ عُثْمَانِ بنِ عَبْدِ اللهِ بنِ
مَوْهَبٍ عنْ مُوسى بنِ طَلْحَةَ عنْ أَبِي أَيُّوبَ رضي الله تعالى عنهُ أنَّ رَجُلاً قال لِلنَّبِيِّ عَ ليه
أَخْبِرْنِي بِعَمَلٍ يُدْخِلُنِي الجَنَّةَ قال مالَهُ مَالَهُ وقال النبيُّ عَّهِ أَوَبٌّ مَالَهُ تَعْبُدُ اللّه وَلاَ تُشْرِكُ بِهِ
شَيْئاً وتُقِيمُ الصَّلاَةَ وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ وَتَصِلُ الرَّحِمَ. [الحديث ١٣٩٦ - طرفاه في: ٥٩٨٢،
٥٩٨٣].
مطابقته للترجمة في قوله: ((وتؤتي الزكاة)) فإنها ذكرت مقارنة للصلاة التي ذكرت
مقارنة للتوحيد، فإن قوله: ((تعبد الله ولا تشرك به شيئاً)) عبارة عن التوحيد.
ذكر رجاله: وهم خمسة: الأول: حفص بن عمر بن الحارث بن سخبرة أبو عمر
الحوضي. الثاني: شعبة بن الحجاج. الثالث: محمد بن عثمان بن عبد الله بن موهب، بفتح
الميم وسكون الواو وفتح الهاء وبالباء الموحدة. الرابع: موسى بن طلحة بن عبيد الله
القرشي، مات سنة أربع ومائة. الخامس: أبو أيوب الأنصاري، واسمه خالد بن زيد بن
كليب، يقول في حديثه: إن رجلاً. وقال ابن قتيبة: إن هذا الرجل هو أبو أيوب الراوي،
ونسبه بعضهم إلى الغلط وهو غير موجه، إذ لا مانع أن يبهم الراوي نفسه لغرض له. فإن
قلت: هذا يبعد ههنا لأنه جاء في رواية أبي هريرة، رضي الله تعالى عنه، التي تأتي بعد بأنه
أعرابي. قلت: أجيب بالمنع لعدم المانع من تعدد القصة.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: العنعنة في
ثلاثة مواضع. وفيه: أن شيخه من أفراده وأنه كوفي وشعبة واسطي وابن عثمان وموسى
مدنيان. وفيه: ابن مختلف فيه هل هو محمد بن عثمان أو عمرو بن عثمان، وفي بعض
النسخ: حدثنا شعبة عن محمد بن عثمان، ونذكر عن قريب وجه ذلك.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في الأدب عن أبي الوليد
عن شعبة. وأخرجه مسلم في الإيمان عن محمد بن عبد الله بن نمير عن أبيه عن عمرو بن
عثمان عنه به، وعن محمد بن حاتم وعبد الرحمن بن نصر، كلاهما عن بهز عن شعبة عن
محمد بن عثمان وأبيه عثمان به وعن يحيى بن يحيى وأبي بكر بن أبي شيبة، كلاهما عن
أبي الأحوص عن أبي إسحاق عنه به. وأخرجه النسائي في الصلاة وفي العلم عن محمد بن
عثمان بن أبي صفوان عن بهز به.
ذكر معناه: قوله: ((يدخلني)) الجزم فيه على جواب الأمر غير مستقيم، لأنه إذا جعل
جواب الأمر يبقى قوله: بعمل، غير موصوف، والنكرة غير الموصوفة لا تفيد، كذا قاله
صاحب (المظهر) شارح (المصابيح) قلت: التنكير في: بعمل، للتفخيم أو التنويع، أي: بعمل

٣٤٥
٢٤ - كِتَابُ الزكاة / باب (١)
عظيم أو معتبر في الشرع، أو نقول، إذا صح الجزم فيه: إن جزاء الشرط محذوف تقديره:
أخبرني بعمل إن عملته يدخلني الجنة، فالجملة الشرطية بأسرها صفة: لعمل. فافهم. قوله:
((ماله ماله؟)) كلمة: ما للاستفهام والتكرار للتأكيد، قاله ابن بطال: ويجوز أن تكون بمعنى: أي
شيء جرى له، قوله: ((أرب)) اختلفوا في هيئة هذه الكلمة وفي معناها أيضاً، أما في الأول
فقيل، أرب، بفتح الهمزة وكسر الراء وتنوين الباء: على وزن حذر، وقال ابن قرقول: يروى:
أرب ماله: اسم فاعل حذر. قلت: لا يسمى مثل هذا اسم فاعل، بل هو صفة مشبهة، وقيل:
أرب، بفتح الهمزة وفتح الراء أيضاً وتنوين الباء، وقيل: أرب، بفتح الهمزة وفتح الراء وفتح
الباء على صيغة الماضي، وروي هذا عن أبي ذر، وقيل: على صيغة الماضي، ولكنه بكسر
الراء، فهذه أربعة أقوال. وأما اختلافهم في المعنى ففي الوجه الأول معناه: صاحب الحاجة،
وهو خبر مبتدأ محذوف تقديره: هو أرب، ولما رأى النبي عَِّ أنه حريص في سؤاله، قال:
ما له متعجباً من حرصه بطريق الاستفهام، وفي الوجه الثاني: معناه له أرب، أي: حاجة،
فيكون ارتفاعه على أنه مبتدأ خبره محذوف. وفي الوجه الثالث والرابع اللذين بصورة
الماضي على اختلاف حركة عين الفعل، معناه: احتاج فسأل عن حاجته. وقال النضر بن
شميل، يقال: أرب الرجل في الأمر إذا بلغ فيه جهده. وقال ابن الأنباري: سقط آرابه، أي:
أعضاؤه، ومفرده: الأرب، هذه كلمة لا يراد بها وقوع الأمر. كما تقول: تربت يداك، وإنما
تستعمل عند التعجب. وقيل: لما رأى الرجل يزاحم دعا عليه دعاء لا يستجاب في المدعو
عليه. وقال الأصمعي: أرب الرجل في الشيء إذا صار ماهراً فيه، فيكون المعنى التعجب من
حسن فطنته والتهدي إلى موضع حاجته، فلذلك قال: ماله، بالاستفهام: وقال الكرماني: وأما
ما رواه بعضهم بكسر الراء وتنوين الباء، ومعناه: هو أرب، أي: صادق فطن، فليس بمحفوظ
عند أهل الحديث، وفي رواية: ((قال الناس: ماله ماله؟ فقال النبي عَ لّم أرب ماله)) و: ما، صلة
أي حاجة ما أو أمر ماله. انتهى.
قلت: لهذه المادة معان كثيرة: الأرب، بكسر الهمزة وسكون الراء: العضو، كما في
الحديث: ((أمرت أن أسجد على سبعة آراب)). وهو جمع أرب، وجاء على أرؤب، والأرب
أيضاً الدهاء، ويقال: هو ذو أرب أي: ذو عقل، ومنه: الأريب، وهو العاقل، والأرب أيضاً:
الحاجة وفيه لغات: أرب وأربة وأرب ومأربة، تقول منه: أرب الرجل بالكسر يأرب بالفتح
أرباً، ويقال: أرب الدهر إذا اشتد، وأرب الرجل إذا تساقطت أعضاؤه، وأرب بالشيء درب به
وصار بصيراً فيه فهو أرب، والأربة بالضم: العقدة، والإربة بالكسر المعتوه، قال تعالى: ﴿غير
أولي الإربة﴾ [النور: ٣١]. قال سعيد بن جبير: هو المعتوه، وتأريب العقدة إحكامها ومنه
يقال: أرب عقدتك، أي: أحكمها، وتأريب الشيء أيضاً توفيره، وكل موفر مؤرب. وقال
الأصمعي: التأرب التشدد في الشيء، وأربت على القوم أي: فزت عليهم، والأرب، بالضم
صغار الغنم حين تولد.
قوله: ((تعبد الله)) أي: توحده، وفسره بقوله: ((ولا تشرك به شيئاً) قال تعالى: ﴿وما

٣٤٦
٢٤ - كِتَابُ الزكاة / باب (١)
خلقت الجن والإنس إلاّ ليعبدون﴾ [الذاريات: ٥٦]. أي: ليوحدوني، والتحقيق هنا أن
العبادة الطاعة مع خضوع، فيحتمل أن يكون المراد بالعبادة هنا معرفة الله تعالى، والإقرار
بوحدانيته، فعلى هذا يكون عطف الصلاة وعطف ما بعدها عليها لإدخالها في الإسلام، وأنها
لم تكن دخلت في العبادة، ويحتمل أن يكون المراد بالعبادة الطاعة مطلقاً، فيدخل جميع
وظائف الإسلام فيها. فعلى هذا يكون عطف الصلاة وغيرها من باب عطف الخاص على
العام، تنبيهاً على شرفه ومزيته، وإنما ذكر قوله: ((ولا تشرك به شيئاً)) بعد العبادة لأن الكفار
كانوا يعبدونه سبحانه في الصورة ويعبدون معه أوثاناً يزعمون أنها شركاء فنفى هذا. قوله:
((وتقيم الصلاة المكتوبة)) اقتباس من قوله تعالى: ﴿إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً
موقوتاً﴾ [النساء: ١٠٣]. وقد جاء في أحاديث وصفها بالمكتوبة، كقوله عدّ له: ((إذا أقيمت
الصلاة فلا صلاة إلاّ المكتوبة))، و((أفضل الصلاة بعد المكتوبة صلاة الليل))، و((خمس صلوات
كتبهن الله))، ومعنى: إقامة الصلاة إدامتها والمحافظة عليها، وقيل: إتمامها على وجهها. قوله:
((وتصل الرحم))، من وصل يصل صلة، وصلة الرحم مشاركة ذوي القرابة في الخيرات، وإنما
خص هذا من بين سائر واجبات الدين نظراً إلى حال السائل، كأنه كان قطاعاً للرحم مبيحاً
لذلك، فأمره به لأنه هو المهم بالنسبة إليه. وقال ابن الجوزي: فإن قيل: قد علم بسؤال
الرجل أن له حاجة، فما الفائدة في قوله: له حاجة؟ فالجواب: أن المعنى: له حاجة مهمة
مفيدة جاءت به. وقال القرطبي: إنما لم يخبرهم بالتطوع لأنهم كانوا حديثي عهد بالإسلام،
فاكتفى منهم بفعل ما وجب عليهم للتخفيف، ولئلا يعتقدوا أن التطوعات واجبة، فتركهم
إلى أن تنشرح صدورهم لها فتسهل عليهم.
وقال بَهْزٌ حدَّثنا شُعْبَةُ قال حدَّثْنَا مُحَمَّدُ بنُ عُثْمَانَ وَأَبُوهُ عُثْمَانُ بنُ عَبْدِ اللهِ أَنَّهُمَا سَمِعَا
مُوسى بنَ طَلْحَةَ عنْ أبِي أَيُّوبَ بِهُذَا. قال أبُو عَبْدِ الله أخْشَىْ أَنْ يَكُونَ مُحَمَّدٌ غَيْرَ
مَخْفُوظِ إِنََّا هُوَ عَمْرٌو
بهز، بفتح الباء الموحدة وسكون الهاء وفي آخره زاي: ابن أسد العمي أبو الأسود
البصري، مر في: باب الغسل بالصاع. قوله: شعبة حدثنا محمد بن عثمان، وفي رواية حفص
ابن عمر: عن شعبة قال حدثنا ابن عثمان، كما مر. وقد أوضح شعبة في هذه الرواية هو
محمد بن عثمان، ولكنه وهم فيه، وإنما هو عمرو بن عثمان، ولهذا قال البخاري، رضي الله
تعالى عنه: أخشى أن يكون محمد غير محفوظ، وإنما هو عمرو بن عثمان. وقال الدارقطني:
إن شعبة وهم في اسم ابن عثمان بن موهب فسماه محمداً، وإنما هو عمرو بن عثمان،
والحديث محفوظ عنه، حدث به عنه يحيى بن سعيد القطان ومحمد بن عبيد وإسحاق
الأزرق وأبو أسامة وأبو نعيم ومروان الفزاري وغيرهم عن عمرو بن عثمان، وقال الكلاباذي:
روى شعبة عن عمرو بن عثمان ووهم في اسمه فقال: محمد بن عثمان، في أول كتاب
الزكاة، وقال الغساني: هذا مما عد على شعبة أنه وهم فيه حيث قال: محمد بدل عمرو،

٣٤٧
٢٤ - كِتَابُ الزكاة / باب (١)
وقد ذكر البخاري هذا الحديث من رواية شعبة في (كتاب الأدب) فقال: حدثني عبد
الرحمن حدثنا بهز حدثنا شعبة حدثنا ابن عثمان بن عبد اك، غير مسمى ليكون أقرب إلى
الصواب، قوله: ((وأبوه عثمان)) أي: أبو محمد، وأشار بهذا إلى أن شعبة رواه عن محمد بن
عثمان وعن أبيه عثمان بن عبد الله كلاهما عن موسى بن طلحة، وكذا رواه النسائي فقال:
حدثنا محمد بن عثمان بن أبي صفوان عن بهز عن شعبة عن محمد بن عثمان وأبيه عثمان،
وكذا رواه أحمد عن بهز، وقال الإسماعيلي: جوده بهز فقال: حدثنا شعبة حدثنا محمد بن
عثمان وأبوه عثمان، قال: وانفرد ابن أبي عدي فيه بالرواية عن محمد عن أبيه عن موسى.
وقال مسلم: حدثني محمد بن عبد الله بن نمير حدثني أبي حدثنا عمرو بن عثمان
حدثنا موسى بن طلحة ((حدثني أبو أيوب: أن أعرابياً عرض لرسول الله عَّه، وهو في سفر،
فأخذ بخطام ناقته - أو بزمامها - ثم قال: يا رسول الله، - أو يا محمد - أخبرني بما يقربني
إلى الجنة وما يباعدني من النار؟ قال: فكف النبي عَّه ثم نظر في أصحابه، ثم قال: لقد
وفق هذا - أو لقد هدي - قال: كيف قلت؟ قال: فأعادها، فقال النبي عَ له: تعبد الله ولا
تشرك به شيئاً وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصل الرحم، دع الناقة)). ثم روي من طريق بهز:
حدثنا شعبة حدثنا محمد بن عثمان بن عبد الله بن موهب وأبوه عثمان أنهما سمعا موسى بن
طلحة يحدث عن أبي أيوب عن النبي عَّهِ بمثل هذا الحديث. قوله: ((وقال أبو عبد الله)) هو
البخاري نفسه، لأن كنيته أبو عبد الله، وفي بعض النسخ: قال محمد، هو البخاري أيضاً
لأن اسمه محمد.
١٥٢ / ١٣٩٧ - حدّثني مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ قال حدَّثنا عَفَّانُ بنُ مُسْلِمٍ قال حدَّثنا
وُهَيْبٌ عِنْ يَحْيَى بِنِ سَعِيدٍ بنٍ حَيَّنَ عنْ أَبِي زُرْعَةً عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ أنَّ
أَغْرَابِيَّاً أتَى النبيَّ عَلَّهِ فقالٍ دُلَِّي عَلَى عَمَلٍ إِذَا عَمِلْتُهُ دَخَلْتُ الجَنَّةَ قالَ تَعْبُدُ الله لا تُشْرِكُ
بِهِ شَيْئاً وتُقِيمُ الصَّلاَةَ المَكْتُوبَةَ وَتُؤدِّي الزَّكَاةَ المَفْرُوضَةَ وَتَصُومُ رَمَضَانَ قَالِ وَالَّذِي نَفْسِي
بِيَدِهِ لا أَزِيدُ عَلَى لهذا فَلَمَّا وَلَّى قال النبيُّ عَّه مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ
فَلْيَنْظُرْ إلَى هذا.
مطابقته للترجمة ظاهرة لأن قوله: ((وتؤتي الزكاة المفروضة)) يدل على فرضية الزكاة.
ذكر رجاله: وهم ستة: الأول: محمد بن عبد الرحيم أبو يحيى. الثاني: عفان بتشديد
الفاء ابن مسلم الصفار الأنصاري. الثالث: وهيب، بضم الواو: ابن خالد بن عجلان وصاحب
الكرابيس. الرابع: يحيى بن سعيد بن حيان، بتشديد الياء آخر الحروف: أبو حيان التميمي،
تيم الرباب. الخامس: أبو زرعة، بضم الزاي وسكون الراء: واسمه هرم، بفتح الهاء وسكون
الراء، وقيل: عمرو، وقيل: عبد الرحمن، وقيل: عبد الله تقدم في: باب سؤال جبريل، عليه
الصلاة والسلام، في كتاب الإيمان. السادس: أبو هريرة عبد الرحمن بن صخر، على خلاف
فیه.

٣٤٨
٢٤ - كِتَابُ الزكاة / باب (١)
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين وبصيغة الإفراد في
موضع. وفيه: العنعنة في ثلاثة مواضع. وفيه: أن شيخه من أفراده، وكان يقال له: صاعقة،
لأنه كان سريع الحفظ وجيده، مات في سنة خمس وخمسين ومائتين، وهو بغدادي وعفان
بصري روى البخاري عنه بدون الواسطة في: باب ثناء الناس على الميت، ووهيب أيضاً
بصري ويحيى وأبو زرعة كوفيان.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً عن مسدد عن يحيى بن
سعيد في هذا الكتاب. وأخرجه مسلم في الإيمان عن أبي بكر بن إسحاق عن عفان به.
ذكر معناه: قوله: ((أن أعرابياً)) هو سعد بن الأخرم، قال الذهبي: سعد بن الأخرم أبو
المغيرة، نزل الكوفة، روى عنه ابنه، مختلف في صحبته، وروى الطبراني في (الكبير) من
حديث الأعمش: عن عمرو بن مرة عن المغيرة بن سعد ابن الأخرم عن أبيه - أو عن عمه -
شك الأعمش، قال: ((أتيت النبي، عَّ له، قلت: يا نبي الله دلني على عمل يقربني من الجنة
ويباعدني من النار، فسكت ساعة ثم رفع رأسه إلى السماء، فنظر فقال: تعبد الله لا تشرك به
شيئاً، وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحب للناس ما تحب أن يؤتى إليك، وما
كرهت أن يؤتى إليك فدع الناس منه)). وقال بعضهم: السائل في حديث أبي هريرة قد سمي
فيما رواه البغوي وابن السكن والطبراني في (الكبير) وأبو مسلم الكجي في (السنن) من
طريق محمد بن جحادة وغيره: ((عن المغيرة بن عبد الله اليشكري أن أباه حدثه قال: انطلقت
إلى الكوفة فدخلت المسجد فإذا رجل من قيس يقال له: ابن المنتفق، وهو يقول: وصف لي
رسول الله، عَّ له، فطلبته فلقيته بعرفات، فتزاحمت عليه فقيل لي: إليك عنه، فقال: دعوا
الرجل أرب ماله. قال: فزاحمتهم عليه حتى خلصت إليه فأخذت بخطام راحلته، فما غير
علي قال: شيئان أسألك عنهما: ما ينجيني من النار؟ وما يدخلني الجنة؟ قال: فنظر إلى
السماء، ثم أقبل علي بوجهه فقال: لئن كنت أوجزت المقالة لقد أعظمت وطولت، فاعقل
علي: أعبد الله لا تشرك به شيئاً، وأقم الصلاة المكتوبة، وأدّ الزكاة المفروضة، وصم
رمضان)). وزعم الصريفيني أن اسم ابن المنتفق هذا: لقيط بن صبرة وافد بني المنتفق، ثم
قال: وقد يؤخذ من هذه الرواية أن السائل في حديث أبي هريرة هو السائل في حديث أبي
أيوب. انتھی.
قلت: قال هذا القائل قبل هذا: لا مانع من تعدد القصة، ولا يلزم من المشابهة بين
سياق الحديثين أن يكون فيهما السائل واحداً. قوله: ((وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة))، وقد مر
الكلام فيه في الحديث السابق. قوله: ((وتصوم رمضان))، زاد هذا في هذا الحديث لأن
الظاهر أنه قد فرض ولم يذكر الحج لأنه لم يفرض حينئذ، ولا الجهاد لأنه ليس بغرض على
الأعراب. قال الداودي: قال النووي: واعلم أنه لم يأت في هذا الحج ولا جاء ذكره في
حديث جبريل، عليه الصلاة والسلام، من رواية أبي هريرة، وكذا غير هذا من هذه الأحاديث
لم يذكر في بعضها الصوم، ولم يذكر في بعضها الزكاة. وذكر في بعضها صلة الرحم، وفي

٣٤٩
٢٤ - كِتَابُ الزكاة / باب (١)
بعضها أداء الخمس، ولم يقع في بعضها ذكر الإيمان فتفاوتت هذه الأحاديث في عدد
خصال الإيمان زيادة ونقصاناً وإثباتاً وحذفاً، وقد أجاب القاضي عياض وغيره عنها بجواب
لخصه الشيخ أبو عمرو بن الصلاح، فقال: ليس هذا باختلاف صادر من رسول الله عَّهِ،
بل هو من تفاوت الرواة في الحفظ والضبط، فمنهم من قصر فاقتصر على ما حفظه فأداه ولم
يتعرض لما زاد غيره بنفي ولا إثبات، وإن كان اقتصاره على ذلك يشعر بأنه الكل، فقد بان
بما أتى به غيره من التفاوت أن ذلك ليس بالكل، وأن اقتصاره عليه كان لقصور حفظه عن
تمامه، ولما ذكر النووي هذا استحسنه، والأحسن أن يقال: إن رواة هذه الأحاديث متعددة،
وكل ما روى واحد منهم بزيادة على ما رواه غيره أو بنقص لم يكن بتقصير الراوي، وإنما وقع
ذلك بحسب اختلاف الموقع واختلاف الزمان.
قوله: ((لا أزيد على هذا)) أي: عن الفرائض أو أكتفي به عن النوافل، أو يكون المراد:
لا أزيد على ما سمعت منك في أدائي لقومي، لأنه كان وافدهم، وقال ابن الجوزي: لا أزيد
في الفرائض ولا أنقص كما فعل أهل الكتاب. قوله: ((فلما ولَّى)) أي: أدبر. قوله: ((من
سره .. )) إلى آخره، الظاهر أنه عَّم علم أنه يوفي بما التزم، وأنه يدوم على ذلك ويدخل
الجنة، فإن قيل: المبشرون بالجنة معدودون بالعشرة، وبهذا يزاد عليهم لأنه عَِّ نص عليه
أنه من أهل الجنة. وأجيب: بأن التنصيص على العدد لا ينافي الزيادة، وقد ورد أيضاً في حق
كثير مثل ذلك، كما قال عَّ في الحسن والحسين وأزواجه عَّم، وقيل: العشرة بشروا
بالجنة دفعة واحدة فلا ينافي المتفرق.
وفيه من الفوائد: جواز قول: جاء رمضان وذهب رمضان، خلافاً لمن منع من مثل
ذلك لزعمه بأن رمضان اسم من أسماء الله تعالى. وفيه: أن من أتى بالشهادتين وصلى وزكى
وصام وحج إن استطاع دخل الجنة. وفيه: سؤال من لا يعلم عمن يعلم عن العمل الذي
يكون سبباً لدخول الجنة. وفيه: وجوب السؤال عن أمور الدين. وفيه: البشارة والتبشير
للمؤمن الذي يؤدي الواجبات بدخول الجنة.
١٥٣ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ عنْ يَحْيَى عنْ أَبِي حَيَّانَ قال أخبرَنِي أَبُو زُرْعَةَ عنِ النبيِّ عَ لَّه بِهِذَا
يحيى هو ابن سعيد القطان، وأبو حيان، بتشديد الياء آخر الحروف، كنيته، يحيى بن
سعيد بن حيان التيمي المذكور آنفاً ذكره ثمة باسمه وهنا بكنيته، وهذا الطريق مرسل لأن أبا
زرعة تابعي لا صحابي، فليس له أن يقول عن النبي عَّلّ إلاَّ بطريق الإرسال. وفي (التلويح):
كذا في هذه النسخ، وكذا ذكره صاحبا (المستخرجين) والحميدي في (جمعه) وفي أصل
العز الحراني: أبو زرعة عن أبي هريرة، وزعم الجياني أنه وقع تخليط ووهم في رواية أبي
أحمد، كان عنده عفان حدثنا وهيب عن يحيى بن سعيد بن حيان، أو عن يحيى بن سعيد
عن أبي حيان عن أبي زرعة عن أبي هريرة، وهو خطأ إنما الحديث: عن وهيب عن أبي حيان
عن يحيى بن سعيد بن حيان عن أبي زرعة، على ما رواه ابن السكن، وأبو زيد وسائر الرواة
1

٣٥٠
٢٤ - كِتَابُ الزكاة / باب (١)
عن الفربري.
١٥٤/ ١٣٩٨ - حدّثنا حَجَّاجٌ قال حدَّثنا حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ قال حدَّثنا أَبُو جَمْرَةَ قال
سَمِعْتُ ابنَ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما يَقُولُ قَدِمَ وَفْدُ عَبْدِ القَيْسِ عَلَى النبيِّ عَ لَّهِ فَقالُوا
يا رسولَ الله إنَّ لهذا الخَيٍّ مِنْ رَبِيعَةَ قَدْ حالَتْ بَيْتَنَا وَبَيْنَكَ كُفَّارُ مُضَرَ وَلَسْنَا نَخْلُصُ إِلَيْكَ
إلاَّ في الشَّهْرِ الحَرَامِ فَمُرْنَا بِشيْءٍ نَأْخُذُهُ عَنْكَ ونَدْعُوِ إِلَيْهِ مَنْ وَرَاءَنا قال آمُرُكُمْ بِأَرْبَعِ
وأَنْهَاكُمْ عِنْ أَزْبَعِ الإِيمَانَ بِاللهِ وَشَهَادَةِ أنْ لا إله إلاَّ الله وعَقَدَ بِيَدِهِ هُكَذا وَإِقَامِ الصَّلاَةِ
وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَأَنْ تُؤَدُّوا خُمُسَ ما غَنِمْتُمْ وَأَنْهَاكُمْ عنِ الدُّبَاءِ وَالحَنْتَمِ وَالنَّقِيرِ وَالْمُزَفِّتِ.
[أنظر الحديث ٥٣ وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((وإيتاء الزكاة))، وقد تقدم هذا الحديث في كتاب الإيمان
في: باب أداء الخمس من الإيمان، فإنه أخرجه هناك: عن علي بن الجعد عن شعبة عن أبي
جمرة عن ابن عباس، وههنا: عن حجاج بن المنهال السلمي الأنماطي البصري عن حماد بن
زيد عن أبي جمرة، بفتح الجيم وسكون الميم وفتح الراء: الضبعي، واسمه: نصر بن عمران
ابن عاصم، وقد مر الكلام فيه مستوفيّ هناك، فلنذكر شيئاً مختصراً. فقوله: ((إن هذا الحي))،
ويروى: ((إنا هذا الحي))، وانتصاب: هذا الحي، على الاختصاص، أي: أعني هذا الحي،
فعلى هذا الوجه يكون خبر إن. قوله: ((من ربيعة)) وجاء في رواية أخرى: ((أنا حي من ربيعة))،
والحي اسم لمنزل القبيلة، ثم سميت القبيلة به لأن بعضهم يحيى ببعض. قوله: ((نخلص))
أي: نصل، والمراد من قولهم: شهر الحرام جنس الأشهر الحرم، وهي أربعة أشهر: ذو القعدة
وذو الحجة والمحرم ورجب. قوله: ((عن الدباء»، بضم الدال وتشديد الباء وبالمد، وهو
القرع اليابس أي: الوعاء منه ((والحنتم)) بفتح الحاء المهملة وسكون النون وفتح التاء المثناة
من فوق وفي آخره ميم: وهي الجرار الخضر، ((والنقير))، بفتح النون وكسر القاف: وهو
جذع ينقر وسطه.
وقال سُلَيْمَانُ وَأَبُو النُّعْمَانِ عِنْ حَمَّادِ الإِيمَانُ بالله شَهَادَةُ أَنْ لا إِله إلاَّ الله
سليمان هو ابن حرب - ضد الصلح - أبو أيوب البصري قاضي مكة أحد شيوخ
البخاري، وكذلك أبو النعمان من مشايخه واسمه محمد بن الفضل السدوسي، وكلاهما رویا
عن حماد بن زيد ((شهادة أن لا إله إلاَّ الله)) بدون الواو، وفي رواية حجاج عن حماد:
((وشهادة))، بالواو، والواو إما عطف تفسيري للإيمان، وإما أن الإيمان ذكر تمهيداً للأربعة من
الشهادة، لأنه هو الأصل لها، سيما والوفد كانوا مؤمنين عند السؤال، فابتداء الأربعة من
الشهادة أو الإيمان واحد، والشهادة أحراها. وقال ابن بطال: الواو في الرواية الأولى
كالمقحمة، يقال: فلان حسن وجميل أي: حسن جميل، أما تعليق سليمان فقد وصله أبو
داود، قال: حدثنا سليمان بن حرب ومحمد بن عبيد، قالا: حدثنا حماد عن أبي جمرة ..
إلى آخره، وأما تعليق أبي النعمان فقد وصله البخاري في المغازي في: باب أداء الخمس من

٣٥١
٢٤ - كِتَابُ الزكاة / باب (١)
الدين، قال: حدثنا أبو النعمان حدثنا حماد عن أبي جمرة الضبعي، قال: سمعت ابن عباس،
يقول: قدم وفد عبد القيس ... الحديث.
١٣٩٩/٦ - حدَّثنا أبُو اليَمَانِ الحَكَمُ بنُ نافِعِ قال أخبرنا شُعَيْبُ بنُ أبي حَمْزَةً عنٍ
الزُّهْرِيِّ قال حدّثنا عُبَيْدُ الله بنُ عُتْبَةَ بنِ مَسْعُودٍ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رضي الله عنهُ. قال لمّا تُؤُفِّيَ
رسولُ الله عَ لْلِ وكانَ أَبُو بَكرٍ رضي الله عنهُ وكَفَرَ مَنْ كَفَرَ مِنْ العَرَبِ فقال عُمَرُ رضي الله
عنهُ كَيْفَ تُقَاتِلُ النَّاسَ وَقَدْ قَالَ رسولُ اللهِ عََّلِ أُمِرْتُ أنْ أُقَاتِلَ الناسَ حَتَّى يَقُولوا لاَ إلهَ إلاَّ
اللَّه فَمَنْ قَالَهَا فَقَدْ عَصَمَ مِنِّي مالَهُ وَنَفْسَهُ إلاَّ بِحَقِّهِ وَحِسَابُهُ عَلَى اللهِ فقال وَاللهِ لَأَقَاتِلَنَّ مَنْ
فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ والزَّكَاةِ فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ المَالِ وَاللهِ لَوْ مَنَعُونِي عَنَاقاً كَانُوا يُؤَدُّونَهَا إلَى رسولِ
اللهِ عَّهِ لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهَا. قال عُمَرُ رضي الله عنهُ فَوَاللهِ ما هُوَ إِلاَّ أَنْ قَدْ شَرَحَ اللهِ صَدْرَ
أبي بَكْرٍ رضي الله عنهُ فَعَرَفْتُ أنَّهُ الحَقُّ.
مطابقته للترجمة تؤحذ من قوله ((فقال والله لأقاتلن)) إلى قوله قال عمر رضي الله تعالى عنه.
ورجاله قد ذكروا غير مرة والحكم بفتحتين وأبو حمزة بالحاء المهملة والزاي والزهري هو محمد
ابن مسلم قال الحميدي هذا الحديث يدخل في مسند أبي بكر وفي مسند عمر أيضاً بقوله أن
رسول الله عَّ له قال: ((أمرت أن أقاتل الناس))، الحديث وخلف ذكره في مسنديهما وذكره
ابن عساكر في مسند عمر رضي الله عنه.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرهه البخاري أيضاً في استتابة المرتدين عن
يحيى بن بكير، وفي الاعتصام عن قتيبة. وأخرجه مسلم في الإيمان عن قتيبة به. وأخرجه أبو
داود في الزكاة عن قتيبة به وعن أحمد بن عمرو بن السرح وسليمان بن داود وأخرجه
الترمذي في الإيمان عن قتيبة به. وأخرجه النسائي فيه وفي المحاربة عن قتيبة به وفي الجهاد
عن كثير بن عبيد وعن أحمد بن محمد بن المغيرة وعن كثير بن عبيد وعن أحمد بن
سليمان وفي المحاربة أيضاً عن زياد بن أيوب.
ذكر معناه: قوله: ((لما توفي رسول الله، عَّ) يوم الإثنين لثنتي عشرة ليلة من ربيع
الأول من سنة إحدى عشرة من الهجرة، ودفن يوم الثلاثاء، وفيه أقوال أخر. قوله: ((وكان أبو
بكر، رضي الله تعالى عنه)) أي: خليفة وفي رواية أبي داود: ((استخلف أبو بكر بعده)). قوله:
((وكفر من كفر من العرب)) كلمة: من، الأولى، بفتح الميم في محل الرفع لأنه فاعل لقوله:
((وكفر)) و: من، الثانية بكسر الميم حرف جر للبيان، وهؤلاء كانوا صنفين: صنف ارتدوا عن
الدين ونابذوا الملة وعادوا إلى كفرهم، وهم الذين عناهم أبو هريرة بقوله: ((وكفر من كفر
من العرب))، وهذه الفرقة طائفتان: ((إحداهما: أصحاب مسيلمة من بني حنيفة وغيرهم الذين
صدقوه على دعواه في النبوة، وأصحاب الأسود العنسي ومن كان من مستجيبيه من أهل
اليمن وغيرهم وهذه الفرقة بأسرها منكرة لنبوة سيدنا محمد عَّ له مدعية للنبوة لغيره فقاتلهم
أبو بكر رضي الله تعالى عنه حتى قتل الله مسيلمة باليمامة، والعنسي بالصنعاء، وانقضت

٣٥٢
٢٤ - كِتَابُ الزكاة / باب (١)
جموعهم وهلك أكثرهم. والطائفة الثانية: ارتدوا عن الدين فأنكروا الشرائع وتركوا الصلاة
والزكاة وغيرهما من أمور الدين وعادوا إلى ما كانوا عليه في الجاهلية، فلم يكن مسجد لله
تعالى في بسيط الأرض إلاَّ ثلاثة مساجد: مسجد مكة ومسجد المدينة ومسجد عبد القيس
في البحرين في قرية يقال لها: جواثي، والصنف الآخر: هم الذين فرقوا بين الصلاة والزكاة،
فأقروا بالصلاة وأنكروا فرض الزكاة ووجوب أدائها إلى الأمام، وهؤلاء على الحقيقة أهل
بغي، وإنما لم يدعوا بهذا الإسم في ذلك الزمان خصوصاً لدخولهم في غمار أهل الردة،
فأضيف الإسم في الجملة إلى الردة إذ كانت أعظم الأمرين وأهمهما، وأرخ قتال أهل البغي
في زمن علي بن أبي طالب، رضي الله تعالى عنه، إذ كانوا منفردين في زمانه، لم يختلطوا
بأهل الشرك وقد كان في ضمن هؤلاء المانعين للزكاة من كان يسمع بالزكاة ولا يمنعها إلا أن
رؤساءهم صدوهم عن ذلك وقبضوا على أيديهم كبني يربوع فإنهم قد جمعوا صدقاتهم
وأرادوا أن يبعثوا بها إلى أبي بكر رضي الله تعالى عنه فمنعهم مالك بن نويرة من ذلك وفرقها
فيهم وقال الواقدي في كتاب الردة تأليفه لما توفي رسول الله عَّطه ارتدت العرب فارتد من
جماعة الناس أسد وغطفان إلا بني عبس فأما بنو عامر فتربصت مع قادتها وكانت فزارة قد
ارتدت وبنو حنيفة باليمامة وارتد أهل البحرين وبكر بن وائل وأهل دباء وازد عمان والنمرين
قاسط وكلب ومن قاربهم من قضاعة وارتدت عامة بني تميم وارتد من بني سليم عصية
وعميرة وخفاف وبنو عوف بن امرىء القيس وذكوان وحارثة وثبت على الإسلام أسلم وغفار
وجهينة ومزينة وأشجع وكعب بن عمرو بن خزاعة وثقيف وهذيل والدئل وكنانة وأهل السراة
وبجيلة وخثعم وطي، ومن قارب تهامة من هوازن وجشم وسعد بن بكر وعبد القيس وتجيب
ومذحج إلاَّ بنو زيد وهمدان وأهل صنعاء. وقال الواقدي: وحدثني محمد بن معين بن عبد
الله المجمر عن أبي هريرة قال: لم يرجع رجل من دوس ولا من أهل السراة كلها. قال:
وحدثني عبد المجيد بن جعفر عن يزيد بن أبي حكيم، قال: سمعت أبا مروان التجيبي قال:
لم يرجع رجل واحد من تجيب ولا من همدان ولا من الأبناء بصنعاء.
وفي (أخبار الردة) لموسى بن عقبة: لما توفي رسول الله عَّهِ رجع عامة العرب عن
دينهم: أهل اليمن وعامة أهل المشرق وغطفان وبنو أسد وبنو عامر وأشجع، ومسكت طيء
بالإسلام. وفي (كتاب الردة) لسيف، عن فيروز الديلمي: أول ردة كانت في الإسلام ردة
كانت باليمن على عهد النبي عَّم على يد ذي الخمار: عبهلة بن كعب وهو الأسود
العنسي. قوله: ((أمرت أن أقاتل الناس)) قال الطيبي: قال أكثر الشارحين: أراد بالناس عبدة
الأوثان بدون أهل الكتاب لأنهم يقولون: لا إله إلاَّ الله، ثم لا يرفع عنهم السيف حتى يقروا
بنبوة محمد عَّ الله أو يعطوا الجزية، ثم قال: أقول: تحرير ذلك أن: حتى، للغاية يعني في
قوله: ((حتى يقولوا لا إله إلا الله))، وقد جعل رسول الله عَ لَّم غاية المقابلة القول بالشهادتين
وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، ورتب على ذلك العصمة. وأهل الكتاب إذا أعطوا الجزية سقط
عنهم القتال وثبت لهم العصمة، فيكون ذلك نفياً للمطلق، فالمراد بالناس إذاً عبدة الأوثان،

٣٥٣
٢٤ - كِتَابُ الزكاة / باب (١)
والذي يذاق من لفظ الناس العموم والاستغراق.
ثم اعلم أنه عرض الخلاف في أمر هؤلاء ووقعت الشبهة لعمر، رضي الله تعالى عنه،
فراجع إلى أبي بكر، رضي الله تعالى عنه، وناظره واحتج عليه بقوله عَّله: ((أمرت أن أقاتل
الناس .. )) الحديث، وهذا من عمر كان تعلقاً بظاهر الكلام قبل أن ينظر في آخره ويتأمل
شرائطه، فقال له أبو بكر: إن الزكاة حق المال، يريد: إن القضية قد تضمنت عصمة دم ومال
معلقة بإيفاءَ شرائطها، والحكم المعلق بشرطين لا يحصل بأحدهما والآخر معدوم، ثم قايسه
بالصلاة ورد الزكاة إليها. فقال: في ذلك من قوله دليل على أن قتال الممتنع من الصلاة
كان إجماعاً من رأي الصحابة، ولذلك رد المختلف فيه إلى المتفق عليه فاجتمع في هذه
القضية الاحتجاج من عمر بالعموم، ومن أبي بكر بالقياس، فدل ذلك على أن العموم يخص
بالقياس. وأيضاً فقد صح عن عبد الله بن مر أنه قال: قال رسول الله عَّ له: ((أمرت أن أقاتل
الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلاَّ الله وأن محمداً رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة .. ))
الحديث، فلو كان عمر، رضي الله تعالى عنه، ذاكراً لهذا الحديث لما اعترض على الصدِّيق،
ولو كان الصدّيق، ذاكراً له لأجاب به عمر، رضي الله تعالى عنه، ولم يحتج إلى غيره، وهذا
يدل على أنه يوجد عند بعض أصحاب العالم ما لا يوجد عند خواصه وبطانته. قوله: ((أمرت))
على صيغة المجهول، إذا قال الرسول عَ لّم أمرت، فهم منه أن الله تعالى أمره، فإذا قال
الصحابي: أمرت، فهم أن الرسول عَّ له أمره، فإن من اشتهر بطاعة رئيس إذا قال ذلك فهم
منه أن الرئيس أمره. قوله: ((وعصم مني ماله ونفسه))، قال القاضي عياض: اختصاص عصمة
المال والنفس بمن قال: لا إله إلاَّ الله، تعبير عن الإجابة إلى الإيمان، وأن المراد بهذا مشركو
العرب وأهل الأوثان، ومن لا يوحدوه كانوا أول من دعي إلى الإسلام وقوتل عليه، فأما
غيرهم ممن يقر بالتوحيد فلا يكتفي في عصمته بقوله: لا إله إلاّ الله، إذ كان يقولها في كفره
وهي من اعتقاده، فلذلك جاء في الحديث الآخر: ((وأن محمداً رسول الله ويقيموا الصلاة
ويؤتوا الزكاة)). وقال النووي: ولا بد مع هذا الإيمان بجميع ما جاء به رسول الله عَّهِ، كما
جاء في الرواية الأخرى لأبي هريرة، رضي الله تعالى عنه: ((حتى يشهدوا أن لا إله إلاَّ الله
ویؤمنوا بي وبما جئت به)).
قوله: (إلا بحقه))، أي: بحق الإسلام، وهو استثناء من أعم تمام الجار والمجرور،
ومعنى الحديث: أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلاَّ الله وأن محمداً رسول الله،
فإذا شهدوا عصموا مني دماءهم وأموالهم، ولا يجوز إهدار دمائهم واستباحة أموالهم بسبب
من الأسباب إلاَّ بحق الإسلام، من: قتل النفس المحرمة، وترك الصلاة، ومنع الزكاة بتأويل
باطل، وغير ذلك. قوله: ((وحسابه على الله))، وفي رواية غيره: ((وحسابهم على الله))، أي:
فيما يسرون به من الكفر والمعاصي، والمعنى: إنا نحكم عليهم بالإيمان ونؤاخذهم بحقوق
الإسلام بحسب ما يقتضيه ظاهر حالهم، والله تعالى يتولى حسابهم فيثيب المخلص ويعاقب
المنافق. قوله: ((فقال: والله)) أي: فقال أبو بكر، رضي الله تعالى عنه. قوله: ((من فرق))، روي
عمدة القاري / ج٨ / م٢٣

٣٥٤
٢٤ - كِتَابُ الزكاة / باب (١)
بالتخفيف والتشديد، ومعناه: من أطاع في الصلاة وجحد الزكاة أو منعها، وإنما خص الصلاة
والزكاة بالذكر والمقاتلة عليهما بحق الإسلام لأنهما أما العبادات البدنية والمالية والمعيار
على غيرهما والعنوان له، ولذلك سمى الصلاة عماد الدين، والزكاة قنطرة الإسلام. وأكثر الله
سبحانه وتعالى من ذكرهما متقارنتين في القرآن.
قوله: ((عناقاً))، بفتح العين والنون: الأنثى من أولاد المعز، وفي رواية مسلم وأبي داود
والبخاري، رضي الله تعالى عنهم، وفي رواية: ((عقالاً))، واختلف العلماء فيها قديماً وحديثاً،
فذهب جماعة منهم إلى أن المراد بالعقال: زكاة عام، وهو معروف في اللغة بذلك، وهذا
قول الكسائي والنضر بن شميل وأبي عبيد والمبرد وغيرهم من أهل اللغة، وهو قول جماعة
من الفقهاء، واحتجوا في ذلك بقول عمرو بن العلاء:
سعى عقالاً فلم يترك لنا سيداً فكيف لو قد سعى عمرو عقالين؟
أراد: مدة عقال فنصبه على الظرفية، و: عمرو، هذا هو: عمرو بن عتبة بن أبي سفيان
الساعي، ولاه عمه معاوية بن أبي سفيان صدقات كلب، فقال فيه قائلهم ذلك. قالوا: ولأن
العقال الذي هو الحبل الذي يعقل به البعير لا يجب دفعه في الزكاة، فلا يجوز القتال عليه،
فلا يصح حمل الحديث عليه، وذهب كثيرون من المحققين إلى أن المراد بالعقال: الحبل
الذي يعقل به البعير، وهذا القول محكي عن مالك، رضي الله تعالى عنه، وابن أبي ذئب
وغيرهما، وهو مأخوذ مع الفريضة لأن على صاحبها التسليم، وإنما يقع قبضها برباطها. وقيل:
معنى وجوب الزكاة فيه إذا كان من عروض التجارة فبلغ مع غيره فيها قيمة نصاب. وقيل:
أراد به الشيء التافه الحقير، فضرب العقال مثلاً له. وقيل: كان من عادة المصدق إذا أخذ
الصدقة أن يعمد إلى قرن، بفتح القاف والراء، وهو الحبل الذي يقرن به بين بعيرين لئلا تشرد
الإبل، فيسمى عند ذلك: القران، فكل قرنين منها عقال. وفي (المحكم): والعقال: القلوص
الفتية. وروى ابن القاسم وابن وهب عن مالك: العقال القلوص، وقال النضر بن شميل: إذا
بلغت الإبل خمساً وعشرين وجبت فيها بنت مخاض من جنس الإبل فهو العقال. وقال أبو
سعيد الضرير: كل ما أخذ من الأموال والأصناف في الصدقة من الإبل والغنم والثمار من
العشر ونصف العشر فهذا كله في صنفه: عقال: لأن المؤدي عقل به عنه طلبة السلطان،
وعقل عنه الإثم الذي يطلبه الله تعالى به.
قوله: ((فما رأيت إلاَّ أن قد شرح الله صدر أبي بكر، رضي الله تعالى عنه))، أي:
فتح ووسع، ولما استقر عنده صحة رأي أبي بكر وبان له صوابه، تابعه على القتال. وقال:
عرفت أنه الحق حيث انشرح صدره أيضاً بالدليل الذي أقامه الصديق نصاً ودلالة وقياساً، فلا
يقال له: إنه قلد أبا بكر، لأن المجتهد لا يجوز له أن يقلد المجتهد. قوله: ((فعرفت أنه
الحق)) أي: بما أظهر من الدليل وإقامة الحجة. وفيه دلالة على أن عمر لم يرجع إلى قول
أبي بكر تقليداً. فإن قلت: ما النص الذي اعتمد عليه أبو بكر وعمل به؟ قلت: روى الحاكم

٣٥٥
٢٤ - كِتَابُ الزكاة / باب (١)
في (الإكليل) من حديث فاطمة بنت خشاف السلمية: عن عبد الرحمن الظفري، قال: بعث
رسول الله عَّهم إلى رجل من أشجع لتؤخذ صدقته، فرده فرجع، فأخبر النبي عَّهِ فقال: إرجع
فأخبره أنك رسول رسول الله عَّةٍ، فجاء إلى الأشجعي فرده، فقال له النبي عَ له: إذهب إليه
الثالثة، فإن لم يعط صدقته فاضرب عنقه. قال عبد الرحمن بن عبد العزيز، أحد رواة
الحديث: قلت لحكيم، وهو حكيم بن عباد بن حنيف، أحد رواة الحديث: ما أرى أبا بكر
لم يقاتلهم متأولاً، إنما قاتلهم بالنص.
ذكر ما يستفاد منه: فيه: فضيلة أبي بكر، رضي الله تعالى عنه. وفيه: جواز القياس
والعمل به. وفيه: جواز الحلف وإن كان في غير مجلس الحكم. وفيه: اجتهاد الأئمة في
النوازل. وفيه: مناظرة أهل العلم والرجوع إلى قول صاحبه إذا كان هو الحق. وقال الكرماني:
فيه: وجوب الصدقة في السخال والفصلان والعجاجيل وأنها تجزىء إذا كانت كلها صغاراً.
وقال النووي: رواية العناق محمولة على ما إذا كانت الغنم صغاراً كلها، بأن ماتت أمهاتها في
بعض الحول فإذا حال حول الأمهات زكى السخال الصغار بحول الأمهات، سواء بقي من
الأمهات شيء أم لا، هذا هو الصحيح المشهور. وقال أبو القاسم الأنماطي من أصحابنا: لا
تزكى الأولاد بحول الأمهات إلاَّ أن يبقى من الأمهات نصاب. وقال أصحابنا: إلاَّ أن يبقى
من الأمهات شيء، ويتصور ذلك أيضاً فيما إذا مات معظم الكبار وحدثت صغار فحال حول
الكبار على بقيتها وعلى الصغار.
قلت: قوله: هو الصحيح المشهور، وهو قول أبي يوسف أيضاً من أصحابنا، وعند أبي
حنيفة ومحمد، رحمهما الله تعالى: لا تجب الزكاة في المسألة المذكورة، وحمل الحديث
على صيغة المبالغة أو على الفرض والتقدير. وفيه: أن من أظهر الإسلام وأسر الكفر يقبل
إسلامه في الظاهر وهذا قول أكثر العلماء، وذهب مالك إلى أن توبة الزنديق لا تقبل، ويحكى
ذلك أيضاً عن أحمد. وقال النووي: اختلف أصحابنا في قبول توبة الزنديق، وهو الذي ينكر
الشرع جملة، فذكروا فيه خمسة أوجه لأصحابنا: أصحها والأصوب منها قبولها مطلقاً
الأحاديث الصحيحة المطلقة. والثاني: لا تقبل ويتحتم قتله، لكنه إن صدق في توبته نفعه
ذلك في الدار الآخرة وكان من أهل الجنة. والثالث: أنه إن تاب مرة واحدة قبلت توبته، فإن
تكرر ذلك منه لم تقبل. والرابع: إن أسلم ابتداء من غير طلب منه، وإن كان تحت السيف
فلا تقبل. والخامس: إن كان داعياً إلى الضلال لم تقبل منه، وإلاَّ قبل منه. قلت: تقبل توبة
الزنديق عندنا، وعن أبي حنيفة: إذا أوتيت بزنديق استتبه، فإن تاب قبلت توبته، وفي رواية
عن أصحابنا: لا تقبل توبته. وفيه: أن الردة لا تسقط الزكاة عن المرتد إذا وجبت في ماله،
قاله في (التوضيح).
الأسئلة والأجوبة : منها ما قيل: إنه روي في حديث أبي بكر المذكور: ((وتقيموا
الصلاة وتؤتوا الزكاة؟)) وأجيب: بأنه يحتمل أن يكون ذكره بعد ذلك، ويحتمل أن يكون
سمعه من ابن عمر أو غيره فأرسله. ومنها ما قيل: لو كان منكر الزكاة باغياً لا كافراً لكان في

٣٥٦
٢٤ - كِتَابُ الزكاة / باب (٢)
زماننا أيضاً كذلك، لكنه كافر بالإجماع؟ وأجيب: بالفرق وهو أنهم عذروا فيما جرى منهم
لقرب العهد بزمان الشريعة الذي كان يقع فيه تبديل الأحكام، ولوقوع الفترة بموت رسول الله
عَّالله، وكان القوم جهالاً بأمور الدين قد أضلتهم الشبهة، أما اليوم فقد شاع أمر الدين
واستفاض العلم بوجوب الزكاة حتى عرفه الخاص والعام فلا يعذر أحد بتأويله، وكان سبيلها
سبيل الصلوات الخمس ونحوها. ومنها ما قيل: بأن هذا الحديث مشكل، لأن أول القصة
دل على كفرهم، والتفريق بين الصلاة والزكاة يوجب أن يكونوا ثابتين على الدين مقيمين
للصلاة؟ وأجيب: بأن المخالفين كانوا صنفين، صنف ارتدوا كأصحاب مسيلمة وهم الذين
عناهم بقوله: ((كفر من كفر))، وصنف أقروا بالصلوات وأنكروا الزكاة، وهؤلاء على الحقيقة
أهل البغي، وإنما لم يدعوا بهذا الإسم خصوصاً بل أضيف الإسم على الإسم إلى الردة إذ
كانت أعظم خطأ، وصار مبدأ قتال أهل البغي مؤرخاً بأيام علي، رضي الله تعالى عنه، إذ
كانوا منفردين في عصره لم يختلطوا بأهل الشرك على ما ذكرناه عن قريب.
ومنها ما قيل: إنهم كانوا مؤولين في منع الزكاة محتجين بقوله تعالى: ﴿خذ من
أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم﴾ [التوبة: ١٠٣].
فإن التطهير ونحوه معدوم في غيره عَّه، وكذا صلاة غيره ليست سكناً. ومثل هذه الشبهة
توجب العذر لهم والوقوف عن قتالهم؟ وأجيب: بأن الخطاب في كتاب الله تعالى على ثلاثة
أقسام: خطاب عام كقوله تعالى: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة﴾ [المائدة: ٢]. وخاص بالرسول في
قوله: ﴿فتهجد به نافلة لك﴾ [الإسراء: ٧٩]. حيث قطع التشريك بقوله: نافلة لك، وخطاب
مواجهة للنبي عَ له، وهو وجميع أمته في المراد منه سواء، كقوله: ﴿أقم الصلاة﴾ [هود:
١١٤، الإسراء: ٧٨، طه: ١٤، العنكبوت: ٤٥، ولقمان: ١٧]. فعلى القائم بعده بأمر الأمة
أن يحتذي حذوه في أخذها منه، وأما التطهير والتزكية والدعاء من الإمام لصاحبها فإن الفاعل
فيها قد ينال ذلك كله بطاعة الله تعالى ورسوله فيها، وكل ثواب موعود على عمل كان في
زمنه فإنه باقٍ غير منقطع، ويستحب للإمام أن يدعو للمتصدق ويرجى أن يستجيب الله ذلك،
ولا يخيب مسألته.
٢ - بابُ البَيْعَةِ عَلَى إِيتَاءِ الزَّكَاةِ
أي: هذا باب في بيان البيعة على إعطاء الزكاة، والبيعة بفتح الباء مثل: البيع، سميت
بذلك تشبيهاً بالمعاملة في مجلس، ومنه: المبايعة، وهي عبارة عن المعاقدة، والمعاهدة، فإن
كل واحد منهما باع ما عنده من صاحبه وأعطاه خالصة نفسه وطاعته ودخيلة أمره.
﴿فإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾
[التوبة: ١١ ]
ذكر هذه الآية الكريمة تأكيداً لحكم الترجمة، لأن معنى الآية أنه: لا يدخل في التوبة
من الكفر ولا ينال أخوة المؤمنين في الدين إلاّ من أقام الصلاة وآتى الزكاة، وأن بيعة الإسلام

٣٥٧
٢٤ - كِتَابُ الزكاة / باب (٣)
لا تتم إلاَّ بالتزام أداء الزكاة، وأن مانعها ناقض لعهده مبطل لبيعته، وكل ما تضمنته بيعة النبي
عددٍ فهو واجب.
١٤٠١/٧ - حدّثنا ابنُ ثُمَيَّرٍ قال حدَّثني أبي قال حدَّثنا إِسْمَاعِيلُ عنْ قَيْسٍ قال قال
جَرِيرُ بنُ عَبْدِ الله رضي الله تعالى عنهُ بايَعْتُ النبيَّ عَّهِ عَلَى إِقَامِ الصَّلاَةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ
وَالنُّضْحِ لِكلِّ مُسْلِمٍ. [أنظر الحديث ٥٧ وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((وإيتاء الزكاة))، وقد مضى الحديث في آخر كتاب الإيمان
في: باب قول النبي عَّمِ الدين النصيحة لله ورسوله، فإنه أخرجه هناك: عن مسدد عن يحيى
عن إسماعيل عن قيس عن جرير، وهنا أخرجه: عن محمد بن عبد الله بن نمير، بضم النون
وفتح الميم وسكون الياء آخر الحروف، وقد تقدم في: باب ما ينهى من الكلام، وهو يحدث
وحده عن أبيه عبد الله بن نمير، وقد مر هو في: باب إذا لم يجد ماء ولا تراباً، وهو يروي عن
إسماعيل بن أبي خالد الأحمسي البجلي مولاهم الكوفي، واسم أبي خالد: سعد، ويقال:
هرمز، مات سنة خمس أو ست وأربعين ومائة، وهو يروي عن قيس بن أبي حازم واسمه
عوف أبو عبد الله الأحمسي البجلي، قدم المدينة بعدما قبض النبي معَّهِ، قال عمرو بن علي:
مات سنة أربع وثمانين، وقد مضى هناك ما يتعلق بالحديث.
٣ - بابُ إِثْمِ مانِعِ الزَّكَاةِ
أي: هذا باب في بيان إثم من منع زكاته، وروى الطبراني في (المعجم الصغير) من
رواية سعد بن سنان عن أنس، رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله عَّ له: ((مانع الزكاة
يوم القيامة في النار))، وسعد ضعفه النسائي، وعن أحمد أنه ثقة، وروى النسائي من رواية
الحارث الأعور عن علي، رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله عَّ ((لعن آكل الربا وموكله
وكاتبه ومانع الصدقة».
وَقَوْلُ الله تعَالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْثِزُونَ الذَّهَبَ وَالفِضَّةَ ولاَ يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ فَبَشِّرْهُمْ
بِعَذَابٍ أَلِيمٍ يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارٍ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ لهذا
ما كَتَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ [التوبة: ٣٤، ٣٥].
وقول الله، بالجر عطفاً على ما قبله، والتقدير: وفي بيان قول الله، عز وجل، والمطابقة
بين الترجمة والآية أن الآية أيضاً في بيان إثم مانع الزكاة، نزلت هذه الآية في عامة أهل
الكتاب والمسلمين، وقيل: بل خاصة بأهل الكتاب، وقيل: بل هو كلام مستأنف في حق من
لا يزكي من هذه الأمة، قاله ابن عباس والسدي، وأكثر المفسرين، وسيجيء في تفسير هذه
عن البخاري: حدثنا قتيبة حدثنا جرير عن حصين عن زيد بن وهب، قال: مررت على أبي ذر
بالربذة فقلت: ما أنزلك هذه الأرض؟ فقال: كنا بالشام فقرأت: ﴿والذين يكنزون الذهب
والفضة﴾ [التوبة: ٣٤]. الآية، فقال معاوية: ما هذا فينا، ما هذا إلاّ في أهل الكتاب. قال:

٣٥٨
٢٤ - كِتَابُ الزكاة / باب (٣)
قلت: إنها لفينا وفيهم، ورواه ابن جرير، وزاد، فارتفع في ذلك القول بيني وبينه، فكتب إلى
عثمان، رضي الله تعالى عنه، يشكوني، فكتب إلي عثمان: أن أقبل إليه. قال: فأقبلت، فلما
قدمت المدينة ركبني الناس كأنهم لم يروني يومئذ، فشكوت ذلك إلى عثمان، فقال لي:
تنح قريباً. فقلت: والله لن أدع ما كنت أقول. وكان من مذهب أبي ذر تحريم ادخار ما زاد
على نفقة العيال، وكان يفتي الناس بذلك ويحثهم عليه ويأمرهم به ويغلظ في خلافه، فنهاه
معاوية، رضي الله تعالى عنه، فلم ينته فخشي أن يضره الناس في هذا، فكتب يشكوه إلى أمير
المؤمنين عثمان، وأن يأخذوه إليه، فاستقدمه عثمان، رضي الله تعالى عنه، إلى المدينة وأنزله
بالربذة وحده، وبها مات في خلافة عثمان، رضي الله تعالى عنه.
قوله: ﴿والذين يكنزون﴾ [التوبة: ٣٤]. قال ابن سيده: الكنز اسم للمال، ولما يحرز
فيه، وجمعه: كنوز، كنزه يكنزه كنزاً واكتنزه، وكنز الشيء في الوعاء أو الأرض يكنزه كنزاً:
غمزه في يده. وفي (المغيث): الكنز اسم للمال المدفون. وقيل: هو الذي لا يدرى من
كنزه، وقال الطبري: هو كل شيء مجموع بعضه إلى بعض في بطن الأرض كان أو ظهرها.
وقال القرطبي: أصله الضم والجمع ولا يختص ذلك بالذهب والفضة، ألا يرى إلى قوله،
عَّ له: ((ألا أخبركم بخير ما يكنزه المرء؟ المرأة الصالحة)). أي: يضمه لنفسه ويجمعه، واعلم
أن الكنز المستحق عليه الوعيد كل مال لم تؤد زكاته، وكل مال أدیت زكاته فليس بكنز،
وإن كان تحت سبع أرضين رواه نافع عن ابن عمر، وروى نحوه عن ابن عباس وجابر وأبي
هريرة موقوفاً ومرفوعاً، وعن عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه، أي مال أديت زكاته
فليس بكنز، وإن كان مدفوناً في الأرض، وأي مال لم تؤد زكاته فهو كنز يكوى به صاحبه
وإن كان على وجه الأرض. وقال الثوري عن أبي حصين عن أبي الضحى عن جعدة بن
هبيرة عن علي، رضي الله تعالى عنه، قال: أربعة آلاف فما دونها نفقة فما كان أكثر من ذلك
فهو كنز، وهذا غريب. وقيل: هو ما فضل من المال عن حاجة صاحبه إليه. قوله: ((الذهب
والفضة)) سمي الذهب ذهباً لأنه يذهب ولا يبقى، وسميت الفضة فضة لأنها تنفض أي
تنصرف، وحسبك دلالة على فنائهما. قوله: ﴿ولا ينفقونها﴾ [التوبة: ٣٤]. قال الزمخشري:
فإن قلت: لِمَ قيل: ولا ينفقونها، وقد ذكر شيئان؟ قلت: ذهاباً بالضمير إلى المعنى دون
اللفظ، لأن كل واحد منهما جملة وافية، وعدة كثيرة ودنانير ودراهم. وقيل: ذهب به إلى
الكنوز، وقيل: إلى الأموال، وقيل: معناه ولا ينفقونها والذهب.
فإن قلت: لم خصا بالذكر من بين سائر الأموال؟ قلت: لأنهما قانون التمول وأثمان
الأشياء ولا يكنزهما إلاَّ من فضلا عن حاجته. قوله: ﴿يوم يحمى عليها﴾ [التوبة: ٣٥]. أي:
أذكر وقت تدخل النار فيوقد عليها يعني أن النار تحمى عليها فلما حذفت النار قيل يحمى
لانتقال إسناد الفعل إلى عليها. قوله: ((فتكوى بها)) الكي: إلصاق الحار من الحديد أو النار
بالعضو حتى يحترق الجلد. قوله: ((جباههم)) جمع جبهة، وهي ما بين الحاجبين إلى الناصية،
والجنوب جمع جنب، والظهور جمع ظهر، خصت هذه المواضع دون غيرها من البدن لأنها

٣٥٩
٢٤ - كِتَابُ الزكاة / باب (٣)
مجوفة يصل الحر إليها بسرعة، ويقال لأن الغني إذا أقبل عليه الفقير قبض جبهته وزوى ما
بين عينيه وطوى كشحه، ولأن الكي في الوجه أبشع وأشهر، وفي الظهر والجنب آلم
وأوجع، وقيل: إنما خص هذه المواضع ليقع ذلك على الجهات الأربع، ويقال: إذا جاء الفقير
إلى الغني يواجهه بوجهه فيولي عنه وجهه ويلتفت إلى جنبه، ثم يدور الفقير فيجيء إلى
ناحية جنبه ويلتفت الغني ويولي إلى ظهره، فيجازى على هذا الوجه، وذكر مكي عن عمر
ابن عبد العزيز وعراك بن مالك أن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿والذين يكنزون﴾ [التوبة:
٣٤] فقال ما أراها إلاَّ منسوخة بقوله: ﴿خذ من أموالهم﴾ [التوبة: ١٠٣].
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا حميد بن مالك حدثنا يحيى بن يعلى المحاربي
حدثنا أبي حدثنا غيلان بن جامع المحاربي عن عثمان بن أبي اليقظان عن جعفر بن إياس
عن مجاهد عن ابن عباس: قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿والذين يكنزون الذهب والفضة .. ﴾
[التوبة: ٣٤]. الآية، كبر ذلك على المسلمين، وقالوا: ما يستطيع أحد منا لولده مالا يبقى
بعده، فقال عمر، رضي الله تعالى عنه: أنا أفرج عنكم، فانطلق عمر واتبعه ثوبان، فأتى النبي،
عَّ له، فقال: يا نبي الله إنه قد كبر على أصحابك هذه الآية، فقال نبي الله، عَّله: ((إن الله لم
يفرض الزكاة إلاّ ليطيب بها ما بقي من أموالكم، وإنما فرض المواريث من أموال تبقى
بعدكم، قال: فكبر عمر، رضي الله تعالى عنه، ثم قال له النبي، عٍَّ: ألا أخبرك بخير ما يكنز
المرء: المرأة الصالحة التي إذا نظر إليه سرته، وإذا أمرها أطاعته، وإذا غاب عنها حفظته)).
ورواه أبو داود وابن مردويه من حديث يعلى بن يعلى به، وأخرجه الحاكم، وقال: صحيح
على شرطهما ولم يخرجاه. وقال أبو الحسن بن الحصار في كتابه (الناسخ والمنسوخ): أراد
من قال بالنسخ أن جمع المال كان محرماً في أول الإسلام، فلما فرضت الزكاة جاز جمعه،
واستدل أبو بكر الرازي من هذه الآية على إيجاب الزكاة في سائر الذهب والفضة مصوغاً أو
مضروباً أو تبراً أو غير ذلك، لعموم اللفظ. قال: ويدل عليه أيضاً على ضم الذهب إلى الفضة
لإيجابه الحق فيهما مجموعين، فيدخل تحته الحلي أيضاً، وهو قول أصحابنا. قال أبو
حنيفة: بضم القيمة كالعروض، وعندهما بالأجزاء.
١٤٠٢/٨ _ حدّثنا الحَكَمُ بنُ نَافِع قال أخبرَنا شُعَيْبٌ قال حدَّثنا أَبُو الزِّنَادِ أنَّ عَبْدَ
الرَّحْمِنِ بِنَّ هُزْمُزَ الأَعْرَجَ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أبَاً هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ يَقُولُ قال النبيُّ عَ له
تَ أَتِي الإِبِلُ عَلَى صَاحِبِهَا عَلَى خَيْرِ ما كانَتْ إِذَا هُوَ لَمْ يُعْطِ فِيهَا حَقَّهَا تَطَؤُهُ بِأَخْفَافِهَا
وَتَأْتِي الغَتَمُ عَلَى صاحِبِهَا عَلى خَيْرِ ما كانَتْ إِذَا لَمْ يُعْطِ فِيهَا حَقَّهَا تَطَؤُهُ بِأَظْلاَفِهَا
وتَنْطَحُهُ بِقُرُونِهَا قال ومِنْ حَقِّهَا أنْ تُخَلَبَ عَلَى المَاءِ قال وَلاَ يَأْتِي أحَدُكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ
بِشَاةٍ يَحْمِلُهَا عَلَى رَقَبَتِهِ لَهَا يُعَارّ فَيَقُولُ يا مُحَمَّدُ فَأَقُولُ لاَ أَهْلِكُ لَكَ شَيْئاً قَدْ بَلَّغْتُ وَلاَ
يَأْتِي بِبَعِيرِ يَخْمِلُهُ عَلَى رَقَبَتِهِ لَهُ رُغَاءٌ فَيَقُولُ يا مُحَمَّدُ فَأَقُولُ لاَ أَمْلِكُ لَكَ شَيْئاً قَدْ بَلَّغْتُ.
[الحديث ١٤٠٢ - أطرافه في: ٢٣٧٨، ٣٠٧٣، ٦٩٥٨].
مطابقته للترجمة من حيث إنه يخبر عن مانع الزكاة ما يعذب به، ولا يعذب أحد إلاَّ

٣٦٠
٢٤ - كِتَابُ الزكاة / باب (٣)
على ترك فرض من الفرائض، ولو لم يكن في منعه الزكاة آثماً لما استوجب هذه العقوبة.
ذكر رجاله: وهم خمسة: الأول: الحكم، بفتحتين: ابن نافع أبو اليمان البهراني
الحمصي، وقد تكرر ذكره. الثاني: شعيب بن أبي حمزة الحمصي. الثالث: أبو الزناد،
بالزاي والنون: واسمه عبد الله بن ذكوان. الرابع: عبد الرحمن بن هرمز، وقد تكرر ذكره.
الخامس: أبو هريرة، رضي الله تعالى عنه.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين وبصيغة الإفراد في
موضع. وفيه: الإخبار بصيغة الجمع في موضع واحد. وفيه: السماع. وفيه: القول في موضع
واحد على صيغة الماضي، وفي موضع على صيغة المستقبل. وفيه: أن نصف السند حمصي
ونصفه مدني.
ذكر من أخرجه غيره: أخرجه مسلم عن سويد بن سعيد، قال: حدثنا حفص بن
ميسرة الصنعاني عن زيد بن أسلم أن أبا صالح ذكوان أخبره أنه سمع أبا هريرة، رضي الله
تعالى عنه، يقول: قال رسول الله، عَّ ل: ((ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها
إلاّ إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار فأحمي عليها فيكوى بها جنبه وجبينه،
وظهره كلما بردت أعيدت له في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضى بين العباد،
فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار. قيل: يا رسول الله فالإبل؟ قال: ولا صاحب إبل لا
يؤدي منها حقها، ومن حقها حلبها يوم ورودها إلاّ إذا كان يوم القيامة نطح بها بقاع قرقر
أوفر ما كانت لا يفقد منها فصيلاً واحداً تطؤه بأخفافها وتعضه بأفواهها كلما مر عليه أولاها
رد عليه أخراها في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضى بين العباد فيرى سبيله إما
إلى الجنة وإما إلى النار. قيل: يا رسول الله، فالبقر والغنم؟ قال: ولا صاحب بقر ولا غنم لا
يؤدي منها حقها إلاّ إذا كان يوم القيامة نطح بها بقاع قرقر لا يفقد منها شيئاً ليس فيها
عقصاء ولا جلحاء ولا عضباء تنطحه بقرونها وتطؤه بأظلافها كلما مر عليه أولاها رد عليه
أخراها في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضى بين العباد فيرى سبيله إما إلى
الجنة وإما إلى النار .. )) الحديث بطوله، وأخرجه أبو داود رحمه الله تعالى، مختصراً، وكذلك
النسائي، رضي الله تعالى عنه، وفي الباب عن جابر أيضاً أخرجه مسلم منفرداً من رواية أبي
الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: إنه سمع رسول الله عَّهِ يقول: (ما من صاحب إبل لا
يفعل فيها حقها إلاّ جاءت يوم القيامة أكثر ما كانت وقعد لها بقاع قرقر تستن عليه بقوائمها
وأخفافها، ولا صاحب بقر لا يفعل فيها حقها إلاَّ جاءت يوم القيامة أكثر ما كانت وقعد لها
بقاع قرقر تنطحه بقرونها وتطؤه بقوائمها، ولا صاحب غنم لا يفعل فيها حقها إلاَّ جاءت يوم
القيامة أكثر ما كانت وقعد لها بقاع قرقر تنطحه وتطؤه بأظلافها ليس فيها جماء ولا منكسر
قرنها .. )) الحديث،.
وعن عبد الله بن الزبير أخرجه الطبراني عنه: أن رسول الله، عَّه، قال: ((ما من
صاحب إبل إلاَّ يؤتى به يوم القيامة إذا لم يكن يؤدي حقها فتمشي عليه بقاع تطؤه بأخفافها